Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ومنها شرح صدره لمّا عرج به، وإخراج العلقة التى هى حظّ الشيطان من قلبه، ثم غسله بماء زمزم وأعاده، وقد تقدّم ذكره.
ومنها إخباره عن بيت المقدس وما فيه وهو بمكّة حين تردّدوا فى عروجه، وسألوه أن يصف لهم بيت (٨١) المقدس، فكشف الله له عنه فوصفه لهم.
ومنها انشقاق القمر له فرقتين حين سألته قريش آية، وأنزل ذكر ذلك فى القرآن العظيم.
ومنها أنّ ملأ من قريش جلسوا فى الحجر بعد ما تعاقدوا على قتله فخرج ﷺ فخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم على صدورهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل ﷺ حتى وقف على رؤوسهم، فقبض قبضة من تراب وقال:
«شاهت الوجوه»، ثم حصبهم فما أصاب رجلا منهم حصبة من ذلك الحصى إلاّ قتل يوم بدر.
ومنها أنّه رمى القوم يوم حنين بقبضة من تراب فهزمهم الله تعالى، وقال بعضهم: لم يبق منّا أحد إلاّ امتلأت عيناه ترابا، وفيه أنزل: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى»﴾ (١).
ومنها آية الغار، إذ خرج القوم فى طلبه، فعمى عليهم أثره، وصدّوا عنه وهو نصب أعينهم، وبعث عنكبوت فنسجت عليه.
стр. 1122
ومنها أنّه مسح على ضرع عناق ولم يثر عليها الفحل فضرّت وشرب وسقى أبا بكر.
ومنها أنّه مسح على ضرع شاة أمّ معبد وهى حائل أجهدها الهزال فدرّت وتحفّل ضرعها.
ومنها دعوته لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه أن يعزّ به الإسلام، أو بأبى جهل ابن هشام فسبقت لعمر، ودعوته أيضا لعلىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أن يذهب الله عنه الحرّ والبرد فأذهبهما الله عنه، ودعوته له أيضا وهو يشكو وجعا فلم يشكه بعد.
ومنها أنّه تفل فى عينيه وهو أرمد فبرأ من ساعته لم يرمد بعدها.
ومنها أنّ رجلا أنصاريّا أصيبت رجله فى حرب فمسحها فبرأت من ساعتها، ومنها أنّ سمرة أصابته ضربة يوم حنين فنفث فيها ثلاث (٨٢) نفثات، قال:
فما اشتكيتها حتّى الساعة.
ومنها دعوته لعبد الله بن عبّاس أن يفقّهه فى الدين ويعلمه الله التأويل، فكان يدعى البحر لسعة علمه.
ومنها دعوته لجمل جابر بن عبد الله فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا، ومنها أن الله بارك فى تمر جابر حتى قضى منه دينه عن أبيه، وفضل منه ثلاثة عشر وسقا، وكان سأل غرماءه أن يأخذوا التمر بما عليه لهم فأبوا.
ومنها دعوته لأنس بطول العمر وكثرة المال والولد وأن يبارك له فيهما، فولد له مائة وعشرون ولدا لصلبه، وكان نخله يحمل فى السنة مرّتين، وعاش نحو المائة سنة.
стр. 1123
ومنها أنّه شكى إليه قحوط المطر وهو على المنبر فدعا الله تعالى وما فى السماء فرعة فثارت سحابة مثل الترس ثم انتشرت، ومطروا إلى الجمعة الأخرى حتى شكوا إليه انقطاع السبل، فدعا الله فارتفع عنهم.
ومنها دعوته على عيينة بن أبى جهل (١) أن يسلّط عليه كلبا من كلابه فقتله أسد بالزرقاء (٢) من أرض الشام، ومنها دعوته على سراقة لمّا اتّبعه حين هاجر فارتطمت فرسه، وقد تقدّم ذكرها. ومنها شهادة الشجر له بالرسالة حين عرض على أعرابى الإسلام، فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ فقال ﷺ :
«هذه السمرة» فدعاها فأقبلت إليه تخدّ الأرض حتّى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ومنها أنّ أعرابيّا من بنى عامر قال له: إنّك تقول أشياء فهل لك أداويك؟ وكان يداوى ويعالج، فقال له النبى ﷺ : «هل لك أن أريك آية»؟ وعنده نخل وشجر، فدعا رسول الله ﷺ عزقا منها (٨٣) فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع رأسه، ويسجد ويرفع رأسه، حتى انتهى إليه، فقام بين يديه ثم قال له رسول الله ﷺ : «ارجع إلى مكانك» فرجع إلى ما كان عليه، فقال له العامرى: والله لا أكذّبك فى شئ تقوله أبدا.
ومنها أنّه أمر شجرتين فاجتمعتا ثم أمرهما فافترقتا، ومنها أنّه أمر أنسا أن ينطلق إلى نخلات، إلى جانبهن رجم من حجارة فيقول لهنّ: يقول لكنّ
стр. 1124
رسول الله: تلفعن بعضكن إلى بعض، حتى تكنّ سترة لمخرج رسول الله ﷺ ، قال أنس: فخرجت فقلت لهنّ الذى أمونى به، فو الذى بعثه بالحق لكأنى أنظر إلى قفزهنّ بعروقهن وترابهن حتى لصق بعضهن ببعض، فكنّ كأنّهنّ نخلة واحدة وكأنى أنظر إلى الرجم وقفزه حجرا حجرا حتى كأنهن على بعض حتى كأنّهن كنّ جدارا ولما قضى رسول الله ﷺ حاجته قال لى: «انطلق، فقل لهن: يأمر كن رسول الله ﷺ تعدن إلى ما كنتنّ عليه»، فقلت لهن، فعاد كل إلى ما كان عليه.
ومنها أنّه نام فجاءت شجرة تشقّ الأرض حتى قامت عليه، فلمّا استيقظ ذكرت له ذلك، فقال: «هى شجرة استأذنت ربّها أن تسلّم علىّ فأذن لها».
ومنها تسليم الشجر والحجر عليه ليالى بعثه بمكّة ﷺ ، ومنها حنين الجذع الذى كان يخطب عليه حين اتّخذ المنبر ﷺ ومنها تسبيح الحصى فى كفّه ثم وضعه فى كفّ أبى بكر ثم عمر ثم عثمان فسبّح، ومنها تسبيح طعام دعا أصحابه إليه ﷺ ، ومنها تكلّم الذراع من الشاة بأنّى مسموم، ومنها شكوى البعير إليه إيذاءه فى العمل وقلّة العلف (٨٤)، ومنها أنّ ظبية وقعت فى شبكة صائد فسألته أن يطلقها لترضع أولادها ثم ترجع فأطلقها، وجلس حتى رجعت وأتى الصّائد فاستوهبها منه وخلّى سبيلها، فاتّخذ القوم ذلك المكان مسجدا، ومنها انقياد الفحلين من الإبل له لمّا عجز صاحبهما عن أحدهما فجاء فبركا بين يديه فخطمهما ودفعهما إليه، ومنها أنّه أراد أن ينحر ستّ بدنات أو سبعا فجعلن تزدلفن إليه بأيّتهن يبدأ، ﷺ .
стр. 1125
ومنها أنّ عين قتادة بن النعمان ندرت وصارت على وجنته فردّها ﷺ فكانت أحسن عينيه، ومنها إخباره يوم بدر بمصارع المشركين فلم يتعدّ أحد منهم مكان صرعه الذى عيّنه.
ومنها أنّه أخبر أنّ طوائف من أمّته يغزون البحر، وأنّ أمّ حرام فيهم وهى بنت ملحان (١) فكان كذلك، ومنها قوله لعثمان رضى الله عنه إنّه ستصيبه بلوى شديدة فكانت قتلته رضى الله عنه، ومنها قوله للأنصار «إنّكم سترون بعدى أثرة» فكانت فى ولاية معاوية رضى الله عنه، ومنها قوله للحسن ﵇: «إنّ ابنى هذا سيّد، ولعلّ الله يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين»، فكان كذلك.
ومنها أنّه أخبر بقتل العنسى الكذّاب ليلة قتله، ومن قتله وهو بصنعاء اليمن، فكان كذلك، ومنها أنّه أخبر عن الشيماء الأزديّة أنّها رفعت له فى خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت فى زمان أبى بكر ضى الله عنه فى جيش خالد ابن الوليد بهذه الصفة بعينها.
ومنها قوله ﷺ : «زويت لى الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لى منها»، فكان كما قال، وبلغ ملكهم من أوّل المشرق من بلاد الترك إلى آخر المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر، ولم يتّسعوا فى الجنوب ولا فى الشّمال، ومنها قوله [لثابت] (٢) بن قيس: «تعيش حميدا وتموت شهيدا»، فعاش حميدا (٨٥) وقتل يوم اليمامة.
стр. 1126
ومنها أنّ امرأة أبى لهب لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ»﴾ جاءته ومعه أبو بكر، فقال للنبى ﷺ : إنّها امرأة بذيئة، وأخاف أن تؤذيك فلو قمت، قال: «إنّها لن ترانى»، فجاءت فقالت: يا أبا بكر إنّ صاحبك هجانى، قال:
إنّه لا يقول الشعر، قالت: أنت عندى مصدّق، وانصرفت، فقال أبو بكر:
يا رسول الله إنّها لم ترك، قال: لم يزل ملك يسترنى منها بجناحه».
ومنها أنّ رجلا ارتدّ ولحق بالمشركين، فبلغ النبى ﷺ أنّه مات فقال:
«إنّ الأرض لا تقبله»، قال أبو طلحة: فأتيت تلك الأرض التى مات فيها، فوجدته منبوذا، فقلت: ما شأن هذا؟ فقالوا: دفّناه فلم تقبله الأرض.
ومنها أنّ رجلا كان يأكل بشماله، فقال له النبى ﷺ : «كل بيمينك»! فقال: لا أستطيع، فقال النبى ﷺ : «لا استطعت»، قال: فما رفعها بعد ذلك إلى فيه أبدا، ومنها سقوط الأصنام يوم فتح مكّة، وقد تقدّم ذكر ذلك.
ومنها أنّ مازن بن الغضوبة كان يسدن صنما، فسمع صوتا من الصنم يقول ويبشر بنبوّته ﷺ ، ويحضّه على اتّباعه وعلى ترك عبادة الصنم، ومنها أنّ سوّاد بن قارب (١) أتاه رئيّه فى ثلاث ليال متتابعات يضربه برجله ويوقظه ويخبره ببعث النبى ﷺ ويحرّضه على اتّباعه، ومنها شهادة الذئب بنبوّته ﷺ ومنها شهادة الضبّ برسالته.
ومنها أنّه أطعم أهل الخندق وهم ألف من صاع شعير فشبعوا وانصرفوا والطعام أكثر ممّا كان، ومنها أنّه أطعمهم من تمر يسير جاءت به ابنة بشير بن سعد إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة فسكفاهم به، ومنها أنّ أصحابه ﷺ استأذنوه
стр. 1127
فى نحر ظهورهم لقلّة الزاد فقال: «ولكن ائتونى بما فضل من أزوادكم»، فبسطوا (٨٦) أنطاعا، ثم صبّوا عليها ما فضل من أزوادهم، فدعا لهم فيها بالبركة فأكلوا حتى تضلّعوا شبعا ثم كفوا ما فضل منها جربهم.
ومنها أنّ أبا هريرة أتاه بتمرات قد صفّهنّ فى يده فقال: يا رسول الله، ادع لى فيهنّ بالبركة! قال: فدعا لى فيهنّ بالبركة وقال: «إن أردت أن تأخذ شيئا فأدخل يدك ولا تنثره نثرا». قال أبو هريرة: فأخرجت من ذلك التمر كذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نطعم منه ونطعم، وكان فى حقوى حتى انقطع منّى ليالى عثمان (١).
ومنها أنّه أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصّفّة، قال أبو هريرة:
فجعلت أتطاول حتى يدعونى حتى قام القوم، وليس فى القصعة إلاّ شئ يسير فى نواحيها، فجمعه بإصبعه ﷺ ، فصار لقمة، فوضعها على أصابعه وقال لى:
«كل بسم الله»، فو الذى نفسى بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.
ومنها أنّه أروى أهل الصفة من قدح لبن، ثم فضلت منه فضلة فشربها أبو هريرة، ثم النبى ﷺ ، ومنها أنّه أطعم فى بنائه بزينب من جفنة ثريد أهدتها له أمّ سليم فكفى بها خلقا كثيرا، ثم رفعت ولا يدرى أىّ الطّعام كان فيها أكثر، حين وضعت أم حين رفعت، ومنها أنّه أتى بقصعة ثريد فوضعت بين يدى القوم فتعاقبوها من غدوة إلى الظّهيرة، يقوم قوم ويجلس آخرون.
ومنها أنّه أطعم ثمانين رجلا فى بيت أبى طلحة من أقراص شعير جعلها أنس
стр. 1128
تحت إبطه حتى شبعوا والطعام بحاله، ومنها أنّه أمر عمر رضى الله عنه أن يزود أربع مائة راكب من تمر فزوّدهم وبقى كأنّه لم ينقص تمرة واحدة.
وعن جابر بن عبد الله قال: حضرت صلاة العصر وليس معنا ماء غير فضلة، فجعلت فى إناء وأتى بها النبى ﷺ فأدخل (٨٧) فيه [يده] (١)، وفرج أصابعه وقال: «حىّ على الوضوء والبركة من الله»، قال فلقد رأيت الماء ينفرج من بين أصابعه ﷺ ، وتوضا الناس، وشربوا، وهم ألف وأربع مائة رجل.
وعن جابر أيضا قال: أصاب الناس عطش يوم الحديبية فجلس الناس إلى رسول الله ﷺ ، فوضع يده فى ماء قليل فى ركوة، فرأيت الماء مثل العيون، وكنّا خمس عشرة مائة.
ومنها أنّه أتى بقدح فيه ماء فوضع أصابعه فى القدح فما وسع أصابعه كلّها فوضع هؤلاء الأربع وقال: «هلموا فتوضّأوا أجمعين»، وهم من السبعين إلى الثمانين، ومنها أنّه أتى بقعب فيه ماء يسير، فوضع كفّه على القعب، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ حتى توضّأ القوم وشربوا، وهم زهاء من ثلاثمائة.
ومنها قضيّة ذات المزادتين وشرب القوم من مزادتها وملأوا ظروفهم ولم ينقص منها شئ
ومنها أنّه ورد بئرا فى غزوة تبوك، وفيه ماء لا يروى واحدا، والقوم عطاش
стр. 1129
فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته وأمر من غرزه فيه ففار الماء وارتوى القوم وكانوا المئتى ألفا.
ومنها أنّ قوما شكوا إليه ملوحة فى مائهم وأنّهم فى جهد من الظمأ لذلك مع قلته، فجاء إليهم فى نفر من أصحابه حتى وقف على بئرهم فتفل فيها وانصرف فتفجر الماء كأعذب ما يكون.
ومنها أنّ أبا جهل طلب غرّة منه ﷺ فوافاه ساجدا، فأخذ صخرة بوسع طاقته وقوّته، وأقبل بها حتى أراد أن يطرحها عليه فألزقها الله بكفّه، وحيل بينه وبينه.
ومنها أنّه كان ﷺ فى غزو الطائف فبينما هو يسير ليلا على راحلته بواد قرب الطائف إذ غشى سدرة فى سواد الليل وهو فى وسن (١) النوم، فانفرجت السدرة له نصفين، فمر بين نصفيها وبقيت منفرجة على حالها.
ومنها أنّ امرأة أتته بصبىّ لها، فيه عاهة، فمسح على رأسه فاستوى شعره وبرأ داؤه، فسمع أهل اليمامة بذلك فأتت امرأة بصبىّ إلى مسيلمة فمسح على رأسه فصلع شعره وعاد الصلع فى نسله.
ومنها أنّ سيف عكاشة بن محصن انكسر يوم بدر، فقال يا رسول الله انكسر سيفى، فأخذ رسول الله ﷺ جذلا من حطب وأعطاه إيّاه، وقال:
«هزّه»! فهزّه فصار سيفا، فتقدّم وجالد به الكفّار، وكان لم يزل بعد ذلك معه.
стр. 1130
ومنها كتاب حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكّة فأطلعه الله عليه، وقد تقدّم شرحه.
ومنها أنّه لمّا سمّ فى الطعام مات الّذين أكلوا معه، وعاش ﷺ بعده أربع سنين.
ومنها أنّ رجلا كان فى عسكره، لا يدع سادة ولا قادة إلاّ اتّبعها، يضربها بسيفه، وقال أصحابه: ما أجزى منّا اليوم أحد ما أجزى فلان، فقال ﷺ : «إنّه من أهل النار»، فقتل نفسه.
ومنها أنّه عرض فى الخندق كدية لمّا حفروه، فأخذ المعول فضربها فصارت كثيبا أهيل.
ومنها: لمّا انكسرت رجل أبى رافع (١) فى الحرب، أو قيل سقط من علوة فمسح رجله بيده، فكأنّه لم يشكها قطّ.
وله ﷺ من المعجزات الظاهرة، والبراهين الباهرة ما هى أكثر من أن تحصى، ﷺ وعظّم وكرّم.
стр. 1131
ذكر أزواجه وأنسابهنّ وعدّتهنّ
رضوان الله عليهنّ أجمعين
خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب، تلقى رسول الله ﷺ فى قصىّ بن كلاب، وكان قد تزوّجها قبل رسول الله ﷺ رجلان: أوّلهما، وهى بكر، عتيق بن (٨٩) عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فولدت له جارية ثم هلك عنها، فخلف عليها النبّاش بن زرارة، وقيل هند بن زرارة التيمى (١)، فولدت له ابنا وبنتا، ثم هلك عنها، فتزوّجها رسول الله ﷺ وماتت عنده حسبما تقدّم، ولم يتزوّج ﷺ عليها حتّى ماتت رضى الله عنها.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها ذات يوم فاحتملتنى الغيرة فقلت:
عوضك الله من كبيرة السنّ، قالت: فرأيت رسول الله ﷺ غضب غضبا شديدا، وسقطت فى جلدى، وقلت: اللهمّ، إن أذهبت غضب رسولك لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت، فقال: «كيف قلت، والله لقد آمنت بى إذ كفر بى الناس، وآوتنى إذ رفضنى الناس، وصدّقتنى إذ كذبنى الناس، ورزقت منها الولد حيث حرمتموه»، قالت: فغدا وراح علىّ بها شهرا.
سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤىّ، تزوّجها بعد خديجة بمكّة قبل الهجرة، وكانت قبله
стр. 1132
تحت السكران بن عمرو، أخى سهل بن عمرو، فكبرت عند رسول الله ﷺ فأراد طلاقها، فوهبت نوبتها لعائشة فقالت: لا رغبة لى فى الرجال، وإنّما أريد أن أحشر فى أزواجك، فأمسكها، وصار يقسّم لبقيّة نسائه دونها، ونوبتها لعائشة.
عائشة بنت أبى بكر الصدّيق عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة ين كعب بن لؤىّ بن غالب التيمى، تلقى رسول الله ﷺ فى مرّة بن كعب، تزوّجها بمكّة قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث، وهى إذ ذاك ابنة (٩٠) ست سنين وقيل سبع، وبنى بها ﷺ بالمدينة وهى ابنة تسع على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وقيل ثمانية عشر شهرا، ومات عنها وهى ابنة ثمانى عشرة سنة، وتوفّيت فى المدينة سنة ثمان وخمسين وقيل سبع وخمسين، ودفنت فى البقيع وصلّى عليها أبو هريرة رضى الله عنه، ولم يتزوّج ﷺ بكرا غيرها، وكنيتها أمّ عبد الله، وروى أنّها سقطت منه ﷺ سقطا، ولم يثبت.
حفصة بنت عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله ابن قيظ بن زراح بن عدىّ بن كعب بن لؤىّ، تلقى رسول الله ﷺ فى كعب ابن لؤىّ، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمى، وكان صحابيّا بدريّا، توفّى بالمدينة، وروى أنّ رسول الله ﷺ طلّقها، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إنّ الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنّها صوّامة قوّامة. وروى أنّه لمّا بلغ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه طلاقها حثا التراب على رأسه وقال: ما يعبأ الله
стр. 1133
بعمر وابنته بعد هذا! فنزل جبريل من الغد وقال للنّبىّ ﷺ : إنّ الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر، وتوفّيت عام تسع وعشرين وقيل ثمان وعشرين وهو عام إفريقية، والله أعلم.
أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. تلقى رسول الله ﷺ فى عبد مناف، وكانت قبله تحت [عبيد الله] (١) ابن جحش، وهاجرت معه إلى الحبشة، فتنصّر بها وأتمّ الله لها الإسلام وتزوّجها رسول الله ﷺ وهى بالحبشة، وأصدقها عند النجاشى أربع مائة دينار (٩١)، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أميّة الضمرى فيها إلى الحبشة، وولى نكاحها عثمان بن عفّان، وقيل خالد بن سعيد بن العاص، توفّيت سنة أربع وأربعين
أمّ سلمة هند بنت أبى أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن [عمر] (٢) بن مخزوم ابن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤىّ، تلقّى رسول الله ﷺ فى مرّة بن كعب، وكانت قبله تحت أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن [عمر] (٢) ابن مخزوم، وولدت له [عمر] (٢) وزينب، فكانا ربيبى رسول الله ﷺ ، وكان عمر مع علىّ ﵇ يوم الجمل، وولاّه البحرين، وله عقب بالمدينة، توفّيت سنة اثنتين وستين (٣)، ودفنت بالبقيع، وهى آخر أزواج رسول الله ﷺ وقيل إنّ ميمونة آخر أزواجه، وهو الصحيح.
زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، تلقى رسول الله ﷺ فى خزيمة
стр. 1134
ابن مدركة، وهى ابنة عمّته أمية بنت عبد المطّلب، كانت قبله تحت مولاه زيد ابن حارثة، فطلّقها، فزوّجها الله تعالى إيّاها من السماء، ولم يعقد عليها، وصحّ أنّها كانت تقول لأزواج النّبىّ ﷺ : زوّجكنّ آباؤكنّ وزوّجنى الله من فوق سبع سموات، وتوفّيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت فى البقيع، وهى أوّل من مات من أزواجه بعده، وأوّل من حمل على نعش.
جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن [حبيب] (١) بن عائذ بن مالك ابن المصطلق الخزاعيّة، سبيت فى غزوة بنى المصطلق، فوقعت فى سهم ثابت بن قيس ابن شمّاس، فكاتبها، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه فى كتابها، وكانت (٩٢) امرأة ملاحة (٢)، فقال لها رسول الله ﷺ : «أو خير من ذلك أؤدّى عنك، وأتزوّجك»، فقبلت، فقضى رسول الله ﷺ عنها، وتزوّجها فى سنة ستّ من الهجرة، وتوفّيت فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وخمسين.
صفيّة بنت حيىّ بن أخطب بن أبى يحيى بن كعب بن الخزرج (٣) النضيريّة، من ولد هارون بن عمران سبيت من خيبر سنة سبع من الهجرة، فاصطفاها ﷺ لنفسه، وأعتقها، وجعل عتقها صداقها، وكانت قبله تحت كنانة بن أبى الحقيق، قتله رسول الله ﷺ ، وتوفّيت سنة ستّ وثلاثين (٤)، وقيل سنة خمسين، وقد قيل إنّها آخر أمّهات المؤمنين موتا، والله أعلم.
стр. 1135
ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم بن رويبة بن [عبد الله] (١) ابن هلال بن عامر بن صعصعة، وهى خالة خالد بن الوليد، وعبد الله بن عبّاس رضى الله عنهما، تزوّجها رسول الله ﷺ بسرف (٢)، وبنى بها فيه، وماتت ودفنت به، وقيل هى آخر من تزوّج من أمّهات المؤمنين، وآخر من توفّى منهنّ، حكاه المنذرى، وكانت قبله تحت أبى سبرة (٣) العامرىّ، توفّيت سنة ثلاث وستّين.
فهؤلاء بعد خديجة، وهنّ جملة من مات عنهنّ ﷺ ، وتزوّج زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمر بن عبد مناف بن هلال، وكانت تسمّى أمّ المساكين لكثرة إطعام المساكين، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، وقيل الطفيل بن الحارث، وتزوّجها سنة ثلاث من الهجرة، ولم تلبث عنده، إلاّ يسيرا وتوفّيت عنده.
وتزوّج فاطمة بنت الضحّاك بعد وفاة ابنته زينب، وخيّرها حين نزلت آية التخيير فاختارت الدنيا، ففارقها، وكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: (٩٣) أنا الشّقيّة اخترت الدنيا (٤).
وتزوّج أساف أخت دحية الكلبى، وخولة بنت الهذيل، وقيل خولة بنت حكيم، وهى التى وهبت نفسها للنبى ﵇، وقيل الواهبة نفسها
стр. 1136
أمّ شريك، ويجوز أن تكونا وهبتا أنفسهما له ﷺ ، وتزوّج أسماء بنت كعب الجونيّة، وعمرة بنت يزيد، إحدى نساء بنى كلاب، ثم من بنى الوحيد، وطلّقهما قبل أن يدخل بهما، وتزوّج امرأة من غفار فلمّا نزعت ثيابها رأى بها بياضا فقال: «الحقى بأهلك»، وتزوّج امرأة تميميّة فلمّا دخل عليها قالت: أعوذ بالله منك! فقال ﷺ : «منع الله عائذه، الحقى بأهلك»، وقبل إنّ بعض نسائه علّمتها، وقالت لها: إنّك لتحظين به عنده، وتزوّج عالية بنت [ظبيان] (١)، وطلّقها حين دخلت عليه، وتزوّج بنت الصلت، وماتت قبل أن يدخل عليها، وتزوّج مليكة الليثيّة، فلمّا دخل عليها قال لها: «هبى لى نفسك»، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فسرّحها، وخطب امرأة من مرّة، فقال أبوها: إنّ بها برصا، ولم يكن بها فرجع، فإذا هى برصاء، وخطب أخرى من أبيها، فوصفها له وأطنب، وقال: وأزيدك أنّها لم تمرض قطّ، فقال: «ما لهذه عند الله من خير»! فتركها وقيل إنّه تزوّجها، فلمّا قال أبوها ذلك طلّقها ولم يبن بها.
وذكر أبو سعيد فى شرف النبوة أن جملة أزواج النبى ﷺ إحدى وعشرين امرأة، طلّق منهنّ ستّا، ومات عنده خمس، وتوفّى ﷺ عن عشر، منهن واحدة لم يدخل بها، وكان يقسم لتسع، وكان صداقه لنسائه خمس مائة درهم لكلّ واحدة، هذا أصحّ ما قيل، إلاّ صفيّة، فإنّ صداقها عتقها، لم يرولها صداق غيره، وأمّ حبيبة أصدقها عند النجاشى أربع مائة دينار والله أعلم.
стр. 1137
(٩٤) ذكر أولاده الذكور والإناث ومن تزوّج بهن
ولدت له خديجة فى الجاهليّة ولدا، وسمّى عبد مناف، وولدت فى الإسلام القاسم، وبه كان يكنى ﷺ ، وعبد الله ويسمى الطيّب والطاهر، وقيل الطّيب غير الطاهر، ومن الإناث: زينب، ورقيّة، وأمّ كلثوم، وفاطمة صلوات الله عليهن أجمعين.
وعن محمّد بن إسحق أنّ ولده كلّهم ولدوا قبل الإسلام، وهلك البنون قبل الإسلام، وهم يرضعون، وقيل مات القاسم وهو ابن سنتين، وقيل بلغ أن يركب النجيب ويسير عليه، وأمّا البنات فأدركن الإسلام، وآمنّ به واتّبعنه، وهاجرن معه ﷺ ، وقيل ولدوا كلّهم فى الجاهليّة إلاّ عبد الله، وأكبر بنيه القاسم، ثم الطيّب، ثم الطاهر، وأكبر بناته زينب، ثم رقيّة، ثم أمّ كلثوم، وقيل بل فاطمة أصغرهنّ، هؤلاء كلّهم من خديجة رضى الله عنها.
وأمّا إبراهيم فإنّه ولد له من مارية القبطيّة، ومات وله من العمر سبعون ليلة وقيل سبعة أشهر، وقيل ثمانية عشر شهرا، فكلّ أولاده ماتوا قبله إلاّ فاطمة رضى الله عنها، فإنّها ماتت بعده بستّة أشهر، والله أعلم.
ذكر من تزوّج ببناته ﷺ
زينب، تزوّجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها، أمّه هند، وقيل هالة، بنت خويلد، أخت خديجة، وكانت خديجة أشارت بزواجها منه، وكان ﷺ لا يخالفها، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحى.
وكان من الرجال المعدودين فى المال والتّجارة والأمانة، ولمّا بدأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم
стр. 1138
وبادأ قريشا بأمر الله ، (٩٥) جاءوا إلى أبى العاص فقالوا له، فارق صاحبتك ونحن نزوّجك بأىّ امرأة شئت، فقال: لا أفارق صاحبتى، وما يسرّنى أنّ لى بامرأتى أفضل امرأة من قريش.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان الإسلام قد فرّق بين زينب وبين أبى العاص حين أسلمت، إلاّ أنّ رسول الله ﷺ كان لا يقدر على أن يفرّق بينهما، إذ كان مغلوبا بمكّة، ولمّا أسر المسلمون أبا العاص أرسل إلى زينب يقول: خذى لى أمانا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها، والنبى ﷺ يصلّى بالناس، فقالت: أيّها النّاس، أنا زينب بنت رسول الله ﷺ وإنّى قد أجرت أبا العاص، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ قال: «أيّها الناس، إنّى لم أعلم بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنّه يجير على المسلمين أدناهم».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبى ﷺ ردّ زينب على أبى العاص بمهر جديد ونكاح جديد، وقيل بل ردّها عليه بالنكاح الأوّل (١)، وقد ولدت زينب لأبى العاص عليّا، مات صغيرا، وأمامة الّتى حملها رسول الله ﷺ فى الصلاة، وعاشت حتى تزوّجها علىّ ﵇، بعد فاطمة رضى الله عنها، فكانت عنده حتّى أصيب: فخلف عليها المغيرة بن زيد بن الحارث بن عبد المطّلب فتوفّيت عنده.
فاطمة ﵍، تزوّجها علىّ كرّم الله وجهه فى الإسلام، ولدت له حسنا وحسينا ومحسنا، فذهب محسن صغيرا، وولدت له رقيّة، وزينب، وأمّ كلثوم،
стр. 1139
وتوفّيت رقيّه ولم تبلغ، وتزوّج زينب عبد الله بن جعفر، وتزوّج أمّ كلثوم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فولدت (٩٦) له زيد بن عمر، ثم خلف عليها بعده عون بن جعفر، فلم تلد له شيئا، وماتت عنده.
رقيّة، تزوّجها عثمان بن عفّان رضى الله عنه فولدت له عبد الله، وبه كان يكنى أوّلا، ثم كنى بأبى عمرو، وكانت قبله عند عتيبة (١) بن أبى لهب، ولم يبن بها، حتى بعث ﷺ ، فلمّا أنزلت عليه ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ»﴾، وآمنت رقيّة، قالت له أمّ جميل بنت حرب بن أمية-حمّالة الحطب-: طلّقها يا بنى، فإنّها قد صبأت، فطلّقها، فخلف عليها عثمان، وقيل إنّ نكاح عثمان كان فى الجاهليّة، وهاجر عثمان إلى الحبشة، وهاجرت معه، توفّيت رقيّة يوم ورد زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر، وجاء وعثمان واقف على قبر رقيّة يدفنها، وكان تمريضها منعه من شهود بدر، وضرب له رسول الله ﷺ بسهم فى غنيمتها.
وروى أنّه لما عزّى بابنته رقيّة قال: «الحمد لله، دفن البنات من المكرمات».
أمّ كلثوم، تزوّج بها عثمان بعد موت أختها رقيّة، وكانت قبله عند أخى عتيبة بن أبى لهب زوج رقيّة، فلمّا أنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ»﴾ قال أبو لهب: رأسى من رءوسكما حرام إن لم تطلّقا ابنتى محمّد، فطلّقاهما ولم يبنيا بهما، وجاء عتيبة حين فارق أمّ كلثوم النبى ﷺ وقال: كفرت [بدينك] (٢)
стр. 1140
وفارقت ابنتك، وسطا عليه، وشقّ قميصه ﷺ فقال النبى ﷺ : «أما إنّى أسأل الله أن يسلّط عليك كلبا من كلابه»، فكان خارجا إلى الشام تاجرا مع نفر من قريش حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزرقاء ليلا، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أمه، هو والله آكلى بدعوة محمّد، وقال أبو لهب: يا معشر قريش، أعينونا (٩٧) هذه الليلة، فإنّى أخاف دعوة محمّد! فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتيبة فى أعلاها وناموا حوله، وانصرف الأسد عنهم، حتى أمنوا وعتيبة فى وسطهم، ثم أقبل الأسد يتخطّاهم ويتشمّمهم حتّى أخذ برأس عتيبة ففدغه، فمات بدعوته ﷺ .
ولم تلد أمّ كلثوم لعثمان شيئا، وقيل ولدت له فلم يعش منها ولا من أختها له ولد، وتوفّيت عنده فى شعبان سنة تسع، وقال رسول الله ﷺ : «لو كانت عندنا ثالثة زوّجنا كها يا عثمان».
وجلس النبى ﷺ على قبرها، قال محمّد بن عبد الرّحمن بن زرارة [عن أنس رضى الله عنه] (١): فرأيت عينية ﷺ تدمعان، وقال: «هل منكم أحد لم [يقارف] (٢) الليلة أهله»؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله. قال: «انزل»! يعنى: فوارها.
ذكر أعمامه وعمّاته ﷺ
وكان له من العمومة أحد عشر، أولاد عبد المطّلب:
الحارث: وبه كان يكنى، لأنّه أكبر ولده، ومن ولده وولد
стр. 1141
[ولده] (١) جماعة لهم صحبة من النبى ﷺ ، منهم: أبو سفيان بن الحارث، أسلم عام الفتح وشهد حنينا، وقال له رسول الله ﷺ : «أبو سفيان سيّد فتيان الجنّة».
ولم يعقب، ونوفل بن الحارث، هاجر وأسلم أيّام الخندق، وله عقب، وعبد شمس، وسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله، وله عقب بالشام.
فثم، مات صغيرا، وهو أخو الحارث لأمّه.
الزبير، وكان من أشراف قريش، وابنه عبد الله شهد حنينا وثبت يومئذ واستشهد بأجنادين (٢)، وروى أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه، وضباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأمّ الحكم بنت الزبير (٩٨) وروت عن النبى ﷺ .
أبو طالب، واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبى النبى ﷺ لأبيه وأمّه. وعاتكة صاحبة الرؤيا فى [شأن (٣)] بدر، أمّهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم وله من الولد: طالب مات كافرا، وعقيل، وجعفر، وعلىّ، وأمّ هانئ، لهم صحبة، واسم أمّ هانئ فاخته، وقيل هند.
أبو لهب، واسمه عبد العزّى، كنّاه أبوه بذلك لحسن وجهه، وكان له من الولد عتبة [ومعتّب (٤)] ثبتا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، ودرّة، لهم
стр. 1142
صحبة، وعتيبة قتله الأسد بالزّرقاء بدعوة النبى ﷺ ، وقد تقدّم ذكر ذلك.
عبد الكعبة، حجل، وقيل اسمه المغيرة، ضرار، أخو العبّاس. شقيقه:
الغيداق، وسمّى بذلك لأنّه كان أكرم قريش وأكثرهم إطعاما.
وروى ابن ماجة بسنده عن علىّ بن صالح قال: كان ولد عبد المطّلب كلّ واحد منهم يأكل جدعة.
حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله، وأسد رسوله، وأخو رسول الله ﷺ من الرضاعة، أسلم قديما، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، ولم يكن له إلاّ ابنة.
أبو الفضل العبّاس، أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وكان أسنّ من النبى ﷺ بثلاث سنين، وكان له من الولد: الفضل، وهو أكبر ولده، وبه كان يكنى، وعبد الله، وقثم ولهم صحبة، وكان له السقاية وزمزم، دفعهما له النبى ﷺ يوم الفتح، وكان عليهما من قبل.
ذكر شئ من ابتداء أمره
ولمع من خبره
قلت: لنذكر هاهنا طرفا من أخباره، إذ هو أحد أعمام النبى المصطفى، (٩٩) وأحد الاثنين الشرفاء، وجدّ الأئمّة الخلفاء.
روى أنّ عبد المطّلب بن هاشم أتته امرأته نتيلة النمريّة بولده العبّاس وهو رضيع فقالت: يا أبا الحارث، قل فى هذا الغلام مقالة واحدة، فجعل يرقّصة، ويقول:
ظّنى بعبّاس حبيبى إن كبر ... يمنّع القوم إذا ضاع الدّبر
стр. 1143
ويترع السّجل إذا اليوم اقمطرّ ... وسبأ الزقّ العظيم المفنجرّ
ويفصل الخطّة فى اليوم المبرّ ... ويكشف الخطب إذا الخطب نفر
أكمل من عبد كلال وحجر ... لو جمعا لم يبلغا منه العشر
تفسير كلمات من هذا الرجز
قوله: ضاع الدبر، أى أسلم القوم أدبارهم، ولم يكن لهم حافظ.
وقوله: يترع السجل، هذا مثل ضربه لغنائه فى الحرب، وكشفه الكرب، والسجل: الدلو فيه ماء.
وقوله: إذا اليوم اقمطرّ، أى اشتدّ حرّه.
وقوله: سبأ الزقّ، يقال سبأ الرجل الخمرة إذا اشتراها للشرب، لا للبيع، والعرب كانت تتمدّح بذلك، وهو عندهم السخاء الكبير.
وقوله: المفنجرّ، هو الكبير الذى ينفجر ما فيه لكثرته، والنون زائدة.
وقوله: الخطّة، هو الأمر.
وقوله: المبرّ، هو الذى له فضل على غيره.
وقوله: عبد كلال، هو ملك من التبابعة، يقال إنّه كان على دين المسيح ابن مريم ﵇.
وقوله: حجر، هو ملك من كندة، وهو أبو امرئ القيس الشاعر، وقد تقدّم الإخبار عنهما فى الجزء الأوّل من هذا التاريخ.
ويروى أنّ عبد المطّلب رأى العبّاس، رضى الله عنه يلعب مع الصبيان القلة، فقال صبىّ منهم:
стр. 1144
والبيت لا يضرب هاتيك القله ... إلاّ ابن وئغاء كتون مهمله
فقال العبّاس رضى الله عنه:
وبيت ربّى لا لعبت معنا ... إنّك بذّاء قئول (١٠٠) بالخنا
فأكبّ عليه عبد المطّلب واحتمله، وارتجز يقول:
لم يبننى عمرو ولا قصى ... إن لم يسوّد فتى لؤى
مخيلة ما ليس فيها لى
تفسير ذلك
قوله: هاتيك القلة، هى لعبة يلعبها الصبيان، يأخذون عودين طول أحدهما نحو من ذراع، والآخر صغير، فيضربون الأصغر بالأكبر، وهى يقال لها اليوم العقلة، وكان صبيان الأحياء قديما يلعبونها.
وقوله: وثغاء، هى الفاجرة، وثغت فرجها أى أفسدته وأهلكته.
وقوله: كتون، هى اللصوق بالرجال لفجورها.
وقوله: سهلة، هى التى لا ضابط لها.
وقول العبّاس: إنّك بذّاء، أى تقول الفجر.
وقول عبد المطّلب: لم يبننى عمرو ولا قصىّ: يرفع نسبى، بنيت الشئ أى رفعته، وعمرو هو هاشم، وقصىّ هو أبو عبد مناف، وكان اسمه زيدا ثم لقب قصيّا؛ لأنّه كان قاصيا عن قومه ثم قدم عليهم فجمعهم فى الحرم فسمّى مجمّعا.
стр. 1145
قال الشاعر:
أبوهم قصىّ كان يدعى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وقوله: لؤىّ، هو لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، والنضر عند أكثر النسّابين هو قريش، وقد تقدّم القول فى ذلك.
وقوله: المخيلة، هى الميسم والعلامة، يخال من أجلها أى يظنّ، وقد ظهرت على فلان مخيلة خير.
وقوله: ليس فيها لىّ، اللىّ هو المطل، والله أعلم.
ويروى أن قريشا سوّدت العباس رضى الله عنه فى حال صغره، وذلك أنّهم كانوا إذا حضرتهم الحرب أقرعوا بين السّادات منهم (١٠١)، فأيّهم خرج سهمه قدّموه وصدروا عن رأيه، فأدخلوا معهم فى القرعة مرّة العبّاس وهو صغير، لما كان يبدو عليه من النجابة، فخرج سهمه فأجلسوه على ترس وأحاطوا به، وذلك فى حرب الفجار.
وروى أن الإسلام أدرك العبّاس رضى الله عنه وجفنته دائرة على فقراء قريش من بنى هاشم، وجنده معدّان لسفهائهم، وانتهت السيادة بمكّة إليه وإلى أبى سفيان بن حرب، وفى ذلك قال العبّاس بن مرداس السّلمى يأمر رجلا من قومه كان ظلم بمكّة أن يعوذ بهما مستجيرا، فقال:
إن كان جارك لم تنفعك ذمّته ... وقد شربت بكأس الذلّ أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صدرا ... لا يلق باديهم فحشا ولا باسا
وثمّ كن بفناء البيت معتصما ... تلق ابن حرب وتلق القرم عبّاسا
قرما قريش وحلاّ فى ذوائبها ... المجد والحزم ما حازا وما ساسا
стр. 1146
ساقى الحجيج وهذا ياسر فلج ... والمجد يورث أخماسا وأسداسا
وكانوا يفتخرون به، وإذا قمروا شيئا لم يأخذوه وأطعموا ذوى الحاجة.
وقوله: فلج، أى غالب لمن قمره فى الميسر، وإنّما كانوا يتقامرون على الجزر، ويقسّمون لحمها على عشرة أنصبة، ثم يضربون عليها بالقداح، ثمّ إنّ العبّاس انفرد بسيادة قريش، وشهد له النبى ﷺ فقال: «هذا العبّاس أجود قريش كفّا وأوصلها يدا».
ذكر عمّاته ﷺ
وكان له من العمّات ست:
صفيّة بنت عبد المطّلب، أسلمت وهاجرت، وهى أمّ الزّبير بن العوّام، توفّيت بالمدينة فى خلافة عمر (١٠٢) رضى الله عنه، وهى أخت حمزة لأمّه.
عاتكة، أسلمت، وهى صاحبة الرّؤيا فى بدر (١)، وكانت عند أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، فولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة (٢)، وزهيرا وقريبة الكبرى.
أروى، وكانت عند عمير بن وهب بن عبد الدّار بن قصىّ، فولدت له طليب بن عمير، وكان من المهاجرين الأوّلين شهد بدرا، وقتل بأجنادين شهيدا، ليس له عقب.
стр. 1147
أمية، كانت عند جحش بن [رياب (١)]، ولدت له عبد الله، قتل بأحد شهيدا، وأبا أحمد الشّاعر الأعمى، واسمه عبيد (٢)، وزينب زوج النبى ﷺ ، وحبيبة وحمنة، كلّهم لهم صحبة، وعبيد الله بن جحش، أسلم ثم تنصّر ومات بالحبشة كافرا.
برّة، وكانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة، واسمه عبد الله، وكان زوج أمّ سلمة قبل النبى ﷺ ، وتزوّجها بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزّى بن أبى قيس، فولدت له أبا سبرة بن أبى رهم.
أمّ حكيم، وهى البيضاء، وكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كريز، وهى أم عثمان بن عفّان رضى الله عنه.
ذكر مواليه ﷺ
كان عدّة مواليه ﷺ من الرجال واحدا وثلاثين نفرا، منهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى وكان لخديجة رضى الله عنها، فاستوهبه ﷺ منها وأعنقه.
ابنه أسامة بن زيد، وكان يقال حبّ رسول الله ﷺ بن حب رسول الله ﷺ (١٠٣).
ثوبان بن بجدد، وكان له نسب فى اليمن.
стр. 1148
أبو كبشة، من مولّدى مكّة شرّفها الله تعالى وقيل إنّه من دوس واسمه سليم، شهد بدرا، ابتاعه ﷺ ثم أعتقه، وتوفّى فى أوّل يوم استخلف عمر بن الخطّاب رضى الله عنه.
أنسة (١) من مولدى السراة، اشتراه ﷺ وأعتقه.
شقران واسمه صالح، قيل ورثه من أبيه، وقيل اشتراه من عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه وأعتقه.
رباح، أسود نوبى، اشتراه من وفد عبد القيس فأعتقه.
يسار، نوبى، أصابه ﷺ فى بعض غزواته وهو الذى قتله العرنّيّون، قطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك فى عينيه، واستاقوا لقاح النبى ﷺ ، وأدخل المدينة ميّتا.
أبو رافع، واسمه أسلم، وقيل إبراهيم وكان عبدا للعبّاس فوهبه النبى ﷺ ، فأعتقه حين بشّره بإسلام عمّه العبّاس وزوّجه سلمى مولاته، فولدت عبيد الله، وكان عبيد الله كاتبا لعلىّ ﵇ خلافته كلّها.
أبو موهبة (٢) من مولّدى مزينة اشتراه وأعتقه.
فضالة، نزل الشام ومات بها.
رافع، كان مولى لسعيد بن العاص، فورثه ولده فأعتقه بعضهم وأمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبى ﷺ يستعينه، فوهب له، وكان يقول:
أنا مولى رسول الله ﷺ .
مدعم، أسود وهبه له رفاعة بن زيد الجذامى، قتل بوادى القرى، أصابه
стр. 1149
سهم، وهو الذى قال فيه رسول الله ﷺ : «إنّ الشملة التى غلّها تشتعل عليه نارا (١)».
كركرة، كان على ثقل النبى ﷺ ، وكان نوبيّا، أهداه له هوذة بن علىّ الحنفى فأعتقه.
زيد، جدّ [بلال بن يسار بن زيد (٢)].
طهمان، [مابور (٣)] القبطى أهداه (١٠٤) له المقوقس صاحب مصر.
واقد، أبو واقد. هشام، أبو ضميرة، حنية، أبو عسيب، أبو عبيد.
سفينة، كان سفينة هذا عبدا لأمّ سلمة زوج النبى ﷺ فأعتقته، واشترطت عليه أن يخدم النبى ﷺ [مدة] (٤) حياته، فقال: لو لم تشترطى علىّ ما فارقته، وكان اسمه رباح، وقيل مهران، فسمّاه ﷺ سفينة، لأنّه كان معهم فى سفر، وكان كلّ من أعيا ألقى عليه متاعه، ترسا أو سيفا، فمرّ به النبى ﷺ وقد أوسق (٥) متاعا، فقال: «أنت سفينة»، وكان أسود من مولّدى الأعراب.
أبو هند، وهو الذى قال فى حقّه: «زوّجوا أبا هند وتزوّجوا إليه»، ابتاعه منصرفه من الحديبية وأعتقه.
أنجشة، وكان حاديا للجمال، وهو الذى قال له: «رويدك يا أنجشة، رفقا بالقوارير».
стр. 1150
أبو لبابة، كان لبعض عمّاته فوهبته له فأعتقه.
رويقع، سباه من هوازن وأعتقه ﷺ .
قلت: هؤلاء المشهورون، وقد قيل إنّهم أربعون رجلا، والله أعلم.
ذكر الإناث من مواليه ومن اصطفى منهنّ لنفسه
أمّا سراريه ﷺ : فمارية القبطيّة، أمّ إبراهيم ولده ﷺ ، وريحانة بنت عمر القريظيّة، اصطفاها لنفسه من سبى بنى قريظة.
وأمّا خدمه فخمس: سلمى أمّ رافع، وبركة أمّ أيمن، ورثها من أمّه وكانت حاضنته ﷺ ، وميمونة بنت سعد، وقيل إنّها من جملة من اصطفاهنّ لنفسه، مع خلاف فى ذلك، [وخضرة] (١) ورضوى.
ذكر من خدمه من الأحرار ﷺ
وهم أحد عشر نفرا: أنس بن مالك بن النّضر الأنصارى (١٠٥).
هند وأسماء ابنتا حارثة الأسلمّيتان.
ربيعة بن كعب الأسلمىّ.
عبد الله بن مسعود، وكان صاحب نعليه إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما فى [دراعته (١)] حتى يقوم.
عقبة بن عامر الجهنى، وكان صاحب بغلته يقود به فى الأسفار.
بلال بن رباح المؤذّن.
стр. 1151
سعد مولى أبى بكر الصّدّيق.
ذو مخمر ابن أخى النجاشى ملك الحبشة، وقيل ابن أخته، ويقال ذو مخبر.
بكير بن شدّاخ اللّيثىّ.
أبو ذرّ الغفارىّ، رضى الله عنهم أجمعين.
ذكر من كان يحرسه فى غزواته ﷺ
وهم ثمانية نفر: سعد بن معاذ، حرسه يوم بدر حين نام بالعريش، ذكوان ابن عبد الله بن قيس، محمد بن مسلمة الأنصارى، حرسه بأحد، الزّبير بن العوّام، حرسه يوم الخندق، عباد بن [بشر (١)]، كان يلى حرسه، سعد بن أبى وقّاص، أبو أيّوب الأنصارى، حرسه بخيبر، بلال، حرسه بوادى القرى، ولمّا نزلت:
﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ»﴾ إلى قوله ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ»﴾ (٢) ترك الحرس.
ذكر رسله إلى الملوك والقبائل
قلت: قد تقدّم القول فى ذكر ذلك، وما كان بين المقوقس، وبين حاطب ابن أبى بلتعة، ولم نذكر ما تمّ لبقيّة رسله، فأردنا أن نذكر ذلك هاهنا، وبالله نستعين.
أمّا الرسل فعدّتهم أحد عشر: عمرو بن أميّة الضمرىّ، أرسله إلى النجاشى، وأسمه أصحمة، ومعناه عطية، فأخذ الكتاب، ووضعه على عينيه ونزل عن
стр. 1152
سريره فجلس على الأرض، وأسلم وحسن إسلامه، وصلّى عليه النبى ﷺ صلاة الغائب، وقد تقدّم ذلك، وروى أنّه كان لا يزال يرى على قبره النور.
دحية بن خليفة الكلبى، بعثه (١٠٦) إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل، فسأله عن النبى ﷺ ، وثبت عنده صحة نبوّته فهمّ بالإسلام، فلم توافقه الروم، وخافهم على ملكه فأمسك.
عبد الله بن حذافة السّهمىّ، بعث إلى كسرى ملك فارس، فمزّق الكتاب، فقال ﷺ : «مزّق الله ملكه» فمزّق الله ملكه، وملك قومه فهل ترى لهم من باقية.
حاطب بن أبى بلتعة اللخمى، بعثه إلى المقوقس، وقد تقدّم ذكر ذلك.
عمرو بن العاص، بعثه إلى ملكى عمان جيفر وعبد ابنى الجلندى وهما من [الأزد (١)]، فأسلما وصدقا، وخلّيا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل عندهم حتى توفّى ﷺ .
سليط بن عمرو العامرى، بعثه إلى هوذة بن علىّ الحنفّى، فأكرمه ونزّله، وكتب إلى النبى ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا خطيب قومى وشاعرهم، فاجعل لى بعض الأمر، فأبى النبىّ ﷺ ، ولم يزل، ومات زمن الفتح.
شجاع بن وهب الأسدى، بعثه إلى الحارث بن أبى شمر الغسّانى ملك البلقاء من أرض الشام، قال شجاع: فانتهيت إليه وهو بغوطة دمشق، فقرأ كتاب
стр. 1153
رسول الله ﷺ ، ثمّ رمى به، وقال: أنا سائر إليه، وعزم على ذلك فمنعه قيصر.
المهاجر بن أبى أميّة المخزومىّ، بعثه إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين (١)، فأسلم وصدق إسلامه.
وأبو موسى الأشعرى بعثه إلى اليمن.
ومعاذ بن جبل، رفيقه فكانا جميعا فى حملة اليمن داعين إلى الإسلام، فأسلم عامّة أهل اليمن، ملوكهم وعامّتهم، طوعا من غير قتال، والله أعلم.
ذكر كتّابه ﷺ
وهم ثلاثة عشر نفرا: أبو بكر الصّدّيق رضى الله عنه، عمر بن الخطّاب رضى الله عنه (١٠٧) عثمان بن عفّان رضى الله عنه، علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، عامر بن فهيرة رضى الله عنه، عبد الله بن أرقم رضى الله عنه، أبىّ بن كعب رضى الله عنه، ثابت بن قيس رضى الله عنه، خالد بن سعيد رضى الله عنه، حنظلة بن الرّبيع الأسدىّ، زيد بن ثابت رضى الله عنهما، معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، شرحبيل بن حسنة رضى الله عنه. وكان معاوية وزيد بن ثابت ألزمهما لذلك وأخصّهما به، والله أعلم.
стр. 1154
ذكر رفقائه النجباء رضوان الله عليهم أجمعين
وهم اثنا عشر نفرا: أبو بكر، عمر، علىّ، حمزة، جعفر، أبوذرّ، المقداد، سلمان، حذيفة، ابن مسعود، عمّار، بلال، وكان علىّ ﵇ والزّبير، ومحمّد بن مسلمة، وعاصم بن أبى الأفلح، والمقداد بن الأسود، يضربون الأعناق بين يديه.
ذكر دوابّه ﷺ
وكان له ﷺ عشرة أفراس: السّكب: وهو أوّل فرس ملكه، وأوّل فرس غزا عليه، اشتراه من أعرابى من بنى فزارة، وكان تحته يوم أحد، وكان اسمه عند الأعرابى الضرس سمّاه رسول الله ﷺ السكب، وكان أغرّ محّجلا، طلق اليمين، له [سمحة (١)]، وسابق عليه فسبق، وكان أعزّ خيله عليه.
المرتجز: اشتراه من أعرابى من بنى مرّة، وجحده الأعرابى، وقال: من يشهد لك فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال: «كيف تشهد على ما لا تحضر»؟ فقال: يا رسول الله، نصدّقك فى خبر السماء، ولا نصدّقك فى خبر الأرض؟ فسمّاه رسول الله ذا الشهادتين.
لزاز: أهداه له المقوقس، وكان يعجبه ويركبه فى أكثر غزواته.
الّلحيف أهداه له الربيعة بن أبى البراء [فأثابه (٢)] (١٠٨) عليه فرائض من نعم بنى كلاب.
стр. 1155
والظرب: أهداه له فروة بن عمرو الجذامىّ.
الورد: أهداه له تميم الدارى فأعطاه عمر فحمل عليه فى سبيل الله.
ملاوح: وكان لأبى بردة بن [نيّار (١)].
سبحة: سمى بذلك كونه جاء سابقا فسبح عليه.
البحر: اشتراه من تجّار قدموا من اليمن فسبق عليه ثلاث مرّات، فمسح ﷺ وقال: «ما أنت إلاّ بحر».
وكان له ﷺ بغلة شهباء يقال لها الدّلدل، يركبها فى المدينة وفى الأسفار، أهداها له المقوقس، وقد تقدّم ذلك، وهى أوّل بغلة ركبت (٢) فى الإسلام، وعاشت بعده حتى كبرت وزالت أضراسها، وكان يجشّ لها الشعير، وبقيت إلى زمان معاوية، وماتت بينبع.
وكانت له بغلة أخرى يقال لها فضّة، وهبها [لأبى] بكر (٣)، وبغلة أخرى يقال لها الأيليّة، أهداها له ملك أيلة، وكان له حمار يقال له يعفور، وعفير مات فى حجّة الوداع، والله أعلم.
ذكر نعمه ﷺ
كانت له عشرون لقحة بالغابة، يراح له كلّ ليلة منها بقربتين من اللبن، من أسمائهم: لقاعز، والحنّاء، والسّمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، [واليسيرة (٤)]، [والرّيا (٤)]، وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له
стр. 1156
الضحاك بن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له [مهرية (١)] أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، وكانت له القصواء ابتاعها أبو بكر وأخرى [معها] (٢) من بنى قشير بثمان مائة درهم، وهى التى هاجر عليها، وكانت إذ ذاك رباعيّة، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحى غيرها، وهى العضباء والجدعاء، وهى التى سبقت فشقّ ذلك على المسلمين فقال ﷺ (١٠٩):
«إن من قدر الله تعالى أن لا يرتفع شئ إلاّ وضعه الله». وكان له ﷺ مائة من الغنم، ولم يعلم أنه أقنى شيئا من البقر، وكان [له] (٣) سبع شياة، وهنّ عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، [وورسة (٤)]، وأطلال، وأطراف، وكانت ترعاهنّ أمّ أيمن، وكانت له شاة يختصّ بشرب لبنها تدعى غيثة، وكان له ديك أبيض، ذكره أبو سعد، والله أعلم.
ذكر سلاحه ﷺ
وكانت له أربعة رماح، ثلاثة أصابها من رماح بنى قينقاع، واحد يقال له المثنّى، وكان له عنزة وهى حربة دون الرمح، كان يمشى بها فى يده، وتحمل بين يديه فى العيدين حتى تركز أمامه، يتّخذها سترة يصلّى إليها، وكان له محجن قدر ذراع يتناول به الشئ، وهو الذى استلم به الركن فى حجّته، حجّة الوداع وكان له مخصرة سمّى العرجون، وقضيب يسمّى الممشوق.
وكان له أربع قسىّ؛ قوس من شوحط تدعى الروحاء، وآخر من شوحط
стр. 1157
أيضا تدعى البيضاء، وأخرى من نبع تدعى الصّفراء، وقوس تدعى الكتوم، كسرت يوم بدر.
وكان له جعبة تدعى الكافور، وترس كان عليه قتال عقاب، أهدى له فوضع يده عليه فأذهبه الله تعالى.
وكان له تسعة أسياف: ذو الفقار [تنفّله] (١) يوم بدر، وهو الذى رأى منه كأنّ فى ذبابه ثلمة فأوّلها هزيمة، فكانت يوم أحد، وكان قبله لمنبّه بن الحجّاج السّهمىّ، وثلاثة أسياف أصابها من بنى القينقاع: سيف قلعىّ، وسيف يدعى البتّار، وآخر يدعى الحتف، وكان له آخر سمّى المخزم، وآخر يدعى الرسوب، وآخر ورثه من أبيه، وآخر يقال له العضب، وهو أوّل سيف تقلّد به ﷺ (١١٠)، قال أنس بن مالك: كان نعل سيف رسول الله ﷺ فضّة، [وقبيعته] (٢) فضّة وما بين ذلك حلق فضّة.
وكان له درعان، أصابهما من سلاح بنى قينقاع، يقال لأحدهما: السعديّة، والأخرى فضّة.
وعن محمّد بن مسلمة قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد عليه درعاه، درعه ذات الفضول، ودرعه فضّة، ورأيت عليه يوم حنين (٣) درعين: ذات الفضول والسعديّة، ويقال كانت عنده درع داود ﵇.
وكان له مغفر يسمّى السّبوغ، ومنطقة من أدم مبشور، وفيها ثلاث حلق
стр. 1158
من فضّة، والإبزيم من فضّة، والطرف من فضّة.
وكان له راية سوداء يقال لها العقاب.
ذكر أثوابه ﷺ
وترك ﷺ لمّا مات ثوبين حبرة (١)، وإزارا عمانيّا، وثوبين صحاريّين، وقميصا صحاريّا، وقميصا سحوليّا، وجبّة يمنيّة، وخميصة، وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطيه (٢) ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسّة.
وكان له ربعة فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض وسواك.
وكان له فراش من أدم حشوه ليف.
وكان له قدح مضبّب (٣) [بثلاث] (٤) ضباب، وقيل حديد، وفيه حلقة يعلّق بها، يسع أكثر من نصف المدّ، وكان له قدح آخر يدعى الريّان، [وتور] (٥) من حجارة يدعى المخضب، ومخضب من شبّة يكون فيه الحنّاء، والكتم (٦) توضع على رأسه إذا وجد حرّا وقدح من زجاج، ومغسل من صفر، [وقصعة] (٧)، وصاع يخرج به فطرته.
стр. 1159
وكان له سرير وقطيفة، وخاتم من فضة فصّه منه، نقشه محمّد رسول الله، وقيل كان من حديد ملوىّ بفضّة.
وأهدى له النجاشى خفّين أسودين (١١١) ساذجين فلبسهما، وكان له كساء أسود كساه فى حياته، فقالت له يوما أم سلمة: بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، ما فعل كساؤك الأسود؟ قال: «كسوته»، قالت: ما رأيت شيئا قطّ كان أحسن من بياضك فى سواده.
وكانت له عمامة يعتمّ بها يقال لها السحاب، فكساها لعلىّ بن أبى طالب ﵇، فربّما طلع علىّ فيها فيقول: «إيّاكم علىّ فى السحاب».
وكان له ثوبان للجمعة غير ثيابه التى كان يلبسها فى سائر الأيّام، وكان له منديل يمسح به وجهه الكريم من الوضوء، وربّما مسحه بطرف ردائه، ﷺ وكرم وعظّم.
وفى أوّل هذه السنة-وهى سنة إحدى عشرة-قبل وفاته ﷺ كان قد سيّر أسامة بن زيد إلى أرض السراة بناحية البلقاء، وأمّره على جماعة من المهاجرين والأنصار.
وفيها كان ظهور مسيلمة الكذّاب، وفيها كان ظهور الأسود العنسى، وكذلك ظهور طلحة بن خويلد، وكلّ من هؤلاء ادّعى النبوّة، وكذلك ظهرت سجاح فى بنى تميم وادّعت النّبوّة، وكان طلحة بن خويلد قد تسمّى بذى النون، وزعم أنّه اسم الذى يأتيه بالرسالة.
وفيها كان أمر الردّة وحدثها، وفيها كانت خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
وفيها توجّه خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى اليمامة لحرب مسيلمة فى بنى حنيفة، ممّا يأتى لمع من ذلك فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
стр. 1160
ذكر خلافة
الإمام أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه
ونسبه وبعض سيرته
أمّا نسبه رضى الله عنه فهو: أبو بكر عبد الله عتيق بن أبى قحافة عثمان ابن عامر بن عمرو [بن كعب] (١) بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب، يلقى رسول الله ﷺ فى مرّة بن كعب، وكان يسمّى أبو بكر فى الجاهليّة عبد الكعبة كما يأتى بيانه فى موضعه إن شاء الله تعالى. أمّه تسمى (١١٢) أمّ الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر الأكبر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة ابن كعب، ولد رضى الله عنه بمنى، روى أنّ سلمى بنت صخر وهى أمّ الصدّيق رضى الله عنه أرضعته أربع سنين، ثم أرادت فصاله فوضعت على ثديها صبرا، فلمّا وجد طعمه قال: يا أمّاه اغسلى ثدييك! فقالت: يا بنىّ، إنّ لبنى فسد وخبث طعمه، فقال لها: إن وجدت ذلك الخبيث قبل أن يخرج اللبن فاغسلى ثدييك، وإن كنت قد بخلت بلبانك فإنى أصدّ عنه، فضمّنه إلى صدرها ورشفته، وجعلت ترقّصه، وتقول:
يا ربّ عبد الكعبه ... أمتع به يا ربّه
فهو بصخر أشبه
ثم تحوّلت عن هذا الروىّ فقالت:
عتيق يا عتيق ... ذو المنظر الأنيق
следующие страницы →