وأمّا جغرافيا: ذكر فيه بطلميوس طول الأرض وعرضها وجبالها وبحارها وأنهارها ومدنها وجميع ما فيها فنقله المأمون إلى العربيّة.
وقال كعب الأحبار: وجدت فى التوراة أنّ الدنيا مثل نسر: فالشام رأسه والروم صدره والمشرق والعرب جناحاه واليمن ذنبه ولا يزال الناس بخير ما لم تقرع الرأس فإذا قرع الرأس هلك الناس.
وقال ابن حوقل: (١) ما بين يأجوج ومأجوج إلى ناحية البحر المحيط فى الشمال برارى وقفار وليس فيها عمارة ولا نبات لشدّة البرد بها.
قلت: وسببه انحراف الشمس عن القطر الشمالى وكذا ما بين البحر المحيط والسودان برارى لا شئ فيها لشدّة الحرّ بها، وسببه ميل الشمس إلى ناحية الجنوب، ولنذكر الآن العامر من الأرض وقسمته سبعة أقاليم.
ذكر الأقاليم السبع وهى المعمور من الأرض
(٢) قال صاحب جغرافيا: الدنيا سبعة أقاليم كلّ إقليم تسعمائة فرسخ فى مثلها والبحر الأعظم محيط بها، وجبل قاف وراء البحر، وأطراف السماء (٨٦) عليه كأطراف الخيمة على وجه الأرض، وإنّ خضرة السماء من لونه ولبعد السماء من مسافة الأرض تبين أنّها زرقاء، ثم إنّه رتّب الأقاليم فقال: أوّلها إقليم الهند، ثم إقليم الحجاز، ثم إقليم مصر، ثم إقليم بابل، ثم إقليم الروم، ثم إقليم الترك، ثم إقليم الصين.
стр. 107
ذكر إقليم الهند: الأول
(١) يبتدئ الإقليم المذكور أوّله من المشرق من أقصى بلاد الصين فيمرّ على بلاد الهند ثم على ساحل بحر السند إلى ناحية الجنوب فيمرّ على عمان ثم على اليمن وظفار وحضر موت وعان (٢) وصنعاء وتبالة إلى جزيرة العرب فيأتى عليها ثم يقطع بحر القلزم ويمرّ على بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر ويمرّ على مدينة الحبشة وتسمّى جرمى وعلى مدينة النوبة وتسمّى دو قلة (٣) ثم يمرّ على أرض المغرب على جنوب بلاد البربر إلى أن ينتهى إلى بحر المغرب الكبير، وهذا الإقليم صحيح الهواء، يورث صحّة الأجسام والحكمة، قال أبو معشر: وله من البروج: الجدى ومن النجوم زحل.
وأمّا جزيرة العرب فاختلفوا فيها فقال الجوهرى: (٤) إنّ أبو عبيدة يقول:
جزيرة العرب ما بين رمل سيرين (٥) إلى منقطع السماوة، وقال الأصمعى: هى ما بين نجران والعذيب يعنى نجران اليمن، قال: وإنّما سمّيت جزيرة العرب لإحاطة البحر بها من كل مكان، فجعل حدّها من المغرب بحر القلزم ومن المشرق الفرات لأنّها تمرّ على أرض الكوفة وتصبّ فى البحر.
قال ابن الجوزى ﵀: وجزيرة العرب هى أرض العرب وهى عشرية وقد <حدّها> (٦) أصحابنا فقالوا: هى ما بين العذيب إلى أقصى حجرا باليمن ومهرة إلى حدّ الشام، وبعض الفقهاء يقول: حجر بفتح الجيم، وهو حطأ، والصحيح بإسكان (٨٧) الجيم: قصبة اليمامة.
стр. 108
ذكر إقليم الحجاز: الثانى
(١) يبتدئ من المشرق على بلاد الصين ثم يمرّ على بلاد الهند ثم على السند وفيه مدينة الكافور ويقال لها الفنصورى ثم على الديبل ثم على البحر الأخضر ويقطع جزيرة العرب فى أرض نجد وتهامة وفيه اليمامة والبحرين وهجر ويثرب ومكّة والطائف وجدّة، ثم يقطع بحر القلزم ويمرّ بصعيد مصر فيقطع النيل ويمرّ على أسوان وإخميم، ثم يمتدّ على أرض المغرب على وسط بلاد إفريقية ثم يمرّ على بلاد البربر وينتهى إلى البحر المحيط.
وقال الجوهرى: (٢) الحجاز بلاد وسمّيت بذلك لأنّها حجزت بين نجد والغور، وقال الأصمعى ﵀: إنّما سمّيت بذلك لأنّ جبل الشراة يقبل من قعر اليمن حتى يبلغ أطراف الشام فسمّته العرب حجازا لأنّه حجز بين الغور وما دونه من شرقيّة نجد، وروى عن الأصمعى أيضا أنّه قال: إنّما سمّى الحجاز لأنّه احتجز بالحرار الخمس حرّة بنى سليم وحرّة واقم ولم يذكر الباقيات، قال أبو معشر:
ولإقليم الحجاز من البروج: العقرب ومن النجوم المرّيخ، والله أعلم.
ذكر إقليم الشام: الثالث
(٣) يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصين، ثم على بلاد الهند، ثم على شمالى بلاد السند، ثم على بلاد كابل وسجستان، ثم على سواحل بحر البصرة وفيه مدينة اصطخر وسبا ونيسابور وشيراز وسيراف، ثم يمرّ على كور الأهواز والبصرة وبغداد والكوفة والأنبار وهيت، ثم يمرّ على بلاد الشام: حمص ودمشق وصور وعكّا وطبريّة وعسقلان وغزّة والقدس (٨٨) والرملة، ثم يقطع أسفل مصر ويمرّ
стр. 109
على تنّيس ودمياط والفسطاط مع الفيّوم والإسكندريّة، ثم يرد على بلاد المغرب ويدخل فى سبتة حتى ينتهى إلى البحر الكبير، قال أبو معشر: وله من البروج الجوزاء ومن النجوم عطارد، وهواءه غليظ يورث الصفار مرض من يسكنه من المغرب أكثره الاستسقاء والبطن، والغالب على الشام الدم، وحدّه من العريش إلى الفرات.
ذكر إقليم العراق: الرابع
(١) يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد التبّت، ثم على خراسان وفرغانة وسمرقند وبلخ وبخارا وهراة ومرو وسرخس وطبرستان وطوس وجرجان وقومس وقزوين والرىّ وإصبهان وقم وقاشان وهمذان ونهاوند والدينور وحلوان ومهرزور وسرّ من رأى والموصل وحرّان والرقّة وقرقسيا، ثم يمرّ على حلب وقنسرين وأنطاكية والمصيعة وأدنة وعمورية وطرسوس، ثم يمرّ فى البحر على جزيرة قبرص ثم يمرّ على بلاد طنجة وما والاها من المغرب، ثم ينتهى إلى البحر الكبير، قالوا: وله من البروج الفوس ومن النجوم المشترى، وقال الخليل بن أحمد: هذا إقليم بابل وإنّما سمّى بذلك لأنّ الألسن تبلبلت بها ومدينتها بناها يرد بن مهابيل (٢) حسبما نذكر إن شاء الله، واختلفوا فى حدّ أرض بابل على أقوال: أحدها أنّها الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود، والثانى: من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة، والثالث: أنّها أرض الحلّة، والأوّل أصحّ.
стр. 110
ذكر إقليم الروم: الخامس
(١) يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج ثم يمرّ على شمال حرّان، وفيه من المدن: خوارزم والشاس وآذربايجان وأرمينية، ثم يمرّ على (٨٩) بلاد الروم بأسرها ويقطع البحر إلى رومية الكبرى وجزيرة الأندلس، ثم ينتهى إلى بحر المغرب، قالوا: وله من البروج الدلو ومن النجوم القمر. (٢)
ذكر إقليم الترك: السادس
(٣) يبتدئ من المشرق ويمرّ على يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على القسطنطينيّة، ثم ينتهى إلى بلاد المغرب، وله من البروج السرطان، وله القمر. (٤)
ذكر إقليم الصين: السابع
(٥) يبتدئ من المشرق على شمال بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على بلاد الترك، ثم على ساحل بحر جرجان، ثم يقطع بحر الروم ويمرّ على بلاد الصقالبة والفقحاق، ثم على بلاد البغلرا (٦) وباشقرد وما والاها، وله من البروج الأسد ومن النجوم الشمس.
قال أبو معشر: (٧) أعمر هذه الأقاليم وأكثرها خيرا وأحسنها استقامة وسياسة أربعة أقاليم. وهم: بابل، والهند، والحجاز، ومصر، قال: فأمّا بابل: فيقال مملكة إيران شهر، وكانت الفرس تقدّمه على جميع الأقاليم ومنزلته من العالم بمنزلة القلب من الجسد، والواسطة من العقد، والشمس من الكواكب، وقال
стр. 111
بطليموس: إنّ الهند رسمت الأقاليم كأنّها حلقة مستديرة فأوسطها إقليم بابل، والأقاليم حوله وهذه صورته:
وهذه الدائرة أخذتها من جغرافيا.
وذكرها الخطيب (١) فى تأريخه وزاد عليها فقال: ذكر علماء الأوائل أنّ أقاليم الأرض سبعة وأنّ الهند رسمتها فجعلت إقليم بابل وسطها على هذه الصورة، المحدقة بالدائرة الوسطاء وقرب بعضها من بعض وبعد بعضهما من بعض كما رسمناه، قال الخطيب: فالإقليم الأوّل: إقليم الهند، والثانى: إقليم الحجاز، والثالث: إقليم مصر، (٩٠) والشام داخل فيه، والرابع: إقليم بابل، وهو إقليم العراق وهو أعمرها وأوسطها وفيه جزيرة العرب وهو سرة الدنيا، قال: وحدّ هذا الإقليم ممّا يلى الحجاز وأرض نجد التغلبيّة من طريق مكّة، وحدّه ممّا يلى الشام وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخ، وحدّه ممّا يلى أرض خراسان وراء نهر بلخ، وحدّه ممّا يلى أرض الهند خلف الديبل بستة فراسخ، قال:
وبغداد وسط هذا الإقليم، قال: والإقليم الخامس: بلاد الروم، وقال قوم:
إنّ الشام داخل فيه، قال: والإقليم السادس: بلاد الترك، والسابع: بلاد الصين، قال: ومنهم من يفضّل إقليم الصين على الجميع ويقول: هو أعدل الأقاليم وأصحّها، قال أبو معشر: وياجوج وماجوج فى ناحية الشمال لهم جبال منيغة يصعد الصاعد إلى رأس الجبل فى عشرة أيّام وأكثر، وتحمل غلالهم على المعز، قلت:
وسأذكر من خبرهم فصلا جيّدا فى مكانه الائق (٢) به إن شاء الله تعالى.
стр. 112
ذكر البلدان وما فيها من السكّان
(١) ذكر علماء الهيئة: إنّ المسكون من الأرض <على> (٢) تفاوت أخطاره وبعد أقطاره مقسوم بين سبع أمم، وهم: أهل الصين، والهند، والسند، والروم، والفرس، والترك، والعرب.
قلت: ولم يذكر صاحب هذا النقل السودان وهم أعظم هذه الأمم كثرة ولعلّهم داخلين فى قوله السند وبعيد ما بينهم.
قال: (٣) وروى بطليموس أنّه أحصى مدن الدنيا فى زمانه فكانت أربعة آلاف مدينة ومائتى مدينة، وذكر خالد بن عبد الله المروزى (٤) أنّ مدن الدنيا ثمانية آلاف مدينة، ففى الصين ألف مدينة، وفى الهند ألف مدينة، وفى الزنج والحبشة والنوبة ألف مدينة (٩١) وباقى المدن مفرّقة فى الأقاليم.
وقال الحسن البصرى ﵀: الأمصار المعتبرة فى الإسلام سبعة: مكّة والمدينة والبصرة والكوفة والجزيرة والشأم ومصر وسواد البصرة والأهواز وفارس داخل فى الجملة.
فأمّا المشهور من المدن فنبتدئ بذكر مدائن المشرق فنقول: الفنصورة: (٥)
بالفاء، وهى من مدائن الصين وإلى كافورها المنتهى، ويمتدّ رستاقها على البحر شهرين، وقال الأصمعى ﵀؛ إنّما سمّيت الصين بصين ابن نعبر نزلها وكثر نسله بها فسمّيت به، وسأذكر ذلك فى موضعه عند ذكرنا لتفرّق الأمم بعد الطوفان إن شاء الله تعالى.
قال: وحدّها من الهند إلى التّبت وجزائر الوقواق فيها، وقال بطليموس:
стр. 113
من دخل بلاد الصين لم يهنء عليه الخروج منها لاعتدال هوائها ورقّة مائها وكثرة خيرها والذهب والفضّة، ولا يزال الإنسان فيها مسرورا طوبا.
وقال فى جغرافيا: وفى بلاد الصين أنهار كبار مثل دجلة والفرات تجرى من بلاد الترك والتبّت والصغد، وفيها جبال النشادر (١) يرتفع منها فى الصيف نيران ترى من مائة فرسخ فى الليل وفى النهار يرى دخان لغلبة شعاع الشمس، وأكثر سلوك الناس إلى مدينة الفنصورة، والصين من ناحية خراسان إلى أوّل أعمال الصين نحو من أربعين يوما وقيل أربعة أشهر وهناك جبل الصغد.
وقال المسعودى (٢) فى مروج الذهب وذكر هذه الجبال النشادر وأطنب فى ذكرها وأن يمكن الدخول إلى الفنصورة من طريق جبال النشادر، لكن فى الشتاء من الزمان، وهناك أناس من أهل تلك الديار وعندهم دوابّ فره معتادة لسلوك تلك الأرض وأنّ التجّار يقصدون تلك الطريق لقرب المسافة فإنّهم يقطعون تلك الجبال فى أربعة أيّام لكن ليلا ونهارا لا ينزلون ولا يستريحون بل لا يزالون (٩٢) يضربون أكفال تلك الدوابّ ويحثّونهم على السير ويسرعون فيه حتّى يقطعون مسافة تلك الجبال، ومن انقطع من بنى آدم أو من الدوابّ هلك ولا يجد له خلاص، ولهم على ذلك الأجرة الوافرة من التجّار السالكين بهم فيصلون إلى هذه المدينة وغيرها من أعمال الصين فى تلك المسافة القريبة ويتوفّر عليهم تلك المسافة البعيدة.
ومن مدن الصين مدينة ثبت: (٣) قال الأصمعى ﵀: أصلها ثبت بالثاء المثلثة وفتحها وتحريك الباء وإسكان التاء، وكانت التبابعة وهم ملوك حمير باليمن
стр. 114
لمّا طافوا الدنيا وصلوا إلى هذه الأرض ورتّبوا على تلك الحدود رجالا مخافة العدوّ فثبتوا هناك فقال الناس: ثبت، ثم طال العهد فجعلوا موضع الثاء المثلثة تاء مثنّاة، قلت: وهذا تفاوت يسير فيما أبدلته العالم وصحّفوه.
قال: والمسلك التبّتى ينسب إلى هذه الأرض، قال: وهو من صرار غزلان تلك البقعة، وهم كغزلان سائر الدنيا وإنّما لهم بابان خارجان من فكّيهما كأنبية الأفيلة، ويتكوّن هذا المسك من دم يعقد فى صرارة كالدمل فإذا انتهى حصل له تآكل فيأتى إلى رؤس الأحجار المحدّدة فتحتك بها فتنفجر عليها وتسيل على تلك الأحجار فيخرجون أهل تلك الديار فيجمعون ما يجدون منه فى البرانى الصينى ويهدونه لملوكهم ورؤسائهم لأنّه أجود ما يكون من المسك، وأمّا ما عداه فإنّهم يصيدون تلك الضباء (١) ويأخذون صرارهم بنوافحها ولم تكن بعد انتهب فيه الموادّ فيكون فى ذلك زهوكة، هذا جميعه ما ذكره المسعودى (٢) فى كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر، وذكر فى ذلك كلام كثير هذا زبدته، وما أحسن ما قال أبو الطيّب المتنبّى (من الوافر):
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال
(٣) قال: (٤) والذى فعل ذلك وأقام الحرس بهذه الأرض تبّع الأوّل، وسيأتى ذكره (٩٣) فى جملة التبابعة إن شاء الله تعالى، وكان ملوك الثبت فى قديم الزمان يسمّون التبابعة تبعا لاسم تبعا فلمّا طال الزمان وحال العهد وانقرضوا سمّوا ملوكهم خاقان.
وقال بطليموس: من خاصّيّة بلاد الثبت والصين: إنّ الإنسان لا يعرف فيها
стр. 115
الهمّ والغمّ ولو مات جميع من للإنسان لم يحزن عليه ولا يكاد يرى فيه شيخ ولا عجوز إلاّ الشباب والكهول، وسنذكر من ذلك فصلا جيّدا عند ذكرنا لبدء خروج التتار وأصول الترك الأوّل.
وأمّا ما ذكر من مدائن الهند، (١) فقال فى جغرافيا: ومن مدائن الهند سامل، ومورين، وخالون، ومهنديار، وقشمير، وأقربها إلى بلاد الإسلام غزنة وكان تحت يد ملكها ألف فيل.
وقد ذكر أيضا المسعودى (٢) من أخبار هذه الأفيلة بتلك البلاد جملة كبيرة، وذكر أنّ فيها أفيلة حربيّة ويكون عليها فى وقت حربهم من آلات السلاح خمس مائة رطل حديد على كلّ فيل منها وحوله من سوّاسه المقاتلين به والمشجعين له خمس مائة رجل وضريبه كلّ فيل حربى إذا كان بهذه العدّة، والعدّة أن يلقى ألف فارس ويهزمهم، قال: ومنهم أفيلة لا يصلحون للحرب فيستعملونها كما تستعمل الأبقار فى الحرث والدراس وما أشبه ذلك.
ونقل المسعودى (٣) عن الجاحظ أنّه ذكر فى كتابه المعروف بكتاب الحيوان أنّ الكركدنّ تحمل به أمّه سبع سنين وأنّها فى العام الذى يكون فيه وضعها تأتى إلى الأماكن المخصبة من مآكلهم فترقد ويخرج الجنى رأسه من فرجها ويرعى ثم يجوز برأسه فيستمرّ كذلك إلى حين ما تضعه، ورأيت المسعودى قد أنكر ذلك واستبشعه وأخذ على أبى عمر الجاحظ فى هذه الرواية، (٤) قلت: أمّا الجاحظ ﵀، فطويل الباع فى عدّة فنون وهو ثقة، وروى ذلك فى كتابه أنّه سمعه
стр. 116
سماع لا أنّه أجزم (٩٤) جزم مرأى العين فوا عجبا لمن يأخذ على غيره ولا ينظر لنفسه.
وقال الأصمعى ﵀: ألذّ مدائن الشرق خراسان، نيسابور، وهراة، وبلخ، وهى من بناء الإسكندر، قال: ومعنى خراسان مطلع الشمس بالفارسيّة، وقيل إنّ هراة بناها الضحاك، ومدينة خراسان ومرو بناهما لهراسف.
وقال النضر بن شميل: أوّل مدن خراسان: الرىّ وهى آخر الجبال منها.
ومدينة مرو دار خلافة المأمون ومنها خرج أبو مسلم صاحب الدعوة العبّاسيّة، والنسبة إليها مروزى، ومن وراء النهر: كابل مدينة عظيمة وفيها الإهليلج الكابلى، وفرغانة مدينة الصغد، وهم رماة الحدق، إذا مات لهم كبير قطعوا آذانهم احتراما له.
قال: وأنشد ابن دريد لنفسه، وكان قد اشتاق إلى خراسان فلمّا دخلها لم تعجبه قال (من الوافر):
تمنّينا <خراسانا> زمانا ... فلم نعط المنى والصبر عنها
فلما أن حللناها سراعا ... وجدناها بحذف النصف منها
(١) وأمّا مدائن العراق: (٢) مدينة بابل: بناها نمرود بن كنعان ومكانها معروف وقد ذكرها الله تعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ»﴾ (٣)، الآية، وقال الجوهرى: (٤)
بابل اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر ولا ينصرف لتأنيثه، وقد أكثرت فيه الشعراء القول، قال ابن الجوزى ﵀: حكى لى جماعة من
стр. 117
مشائخنا عن البلخى الواعظ أنّه كان يعظ بالنضاميّة (١) وبدت منه حركات أوجبت إخراجه من بغداد.
ومنها الأنبار: (٢) وهى مدينة قديمة وقد ذكرها الجوهرى.
وروى عن ابن عبّاس (٣) قال: كتب عمر بن الخطّاب رضى الله عنه إلى كعب الأحبار يقول: اختر لى المنازل: فكتب إليه: يا أمير المؤمنين بلغنا أنّ الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: وأنا معك، (٩٥) وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريد الشام، فقال السيف: وأنا معك، وقال الغناء: أريد مصر، فقال الذلّ: وأنا معك، فاختر لنفسك: ورد الكتاب إلى عمر قال: فالعراق إذا فالعراق إذا.
وأمّا مدينة النبىّ ﷺ فهى يثرب، (٤) وقال هشام بن الكلبى ﵀: لمّا أهلك الله قوم عاد تفرّقت القبائل فنزل قوم بمكّة وقوم بالطائف وسار يثرب بن بهديل بن أثرم بن عثيل وقومه فنزلوا موضع المدينة، فاستخرجوا العيون وغرسوا النخيل وأقاموا زمانا فأفسدوا فأهلكهم الله ويبست تلك النخيل وغارت تلك العيون حتى مرّ بها تبّع فبناها.
وأمّا مدائن اليمن، (٥) فمنها صنعاء: قال الجوهرى: (٦) صنعاء ممدود: قصبة اليمن، ومدينة حضر موت من مدن اليمن القديمة وكذلك قطام من مدن اليمن أيضا، وكذلك ظفار مثل قطام مدينة باليمن، وكذلك من مدنها الكبار عدن وزبيد مع مدن كثيرة أضربنا عن ذكرها طلبا للاختصار، وسيأتى أيضا من ذكر ذلك نتفا عند ذكرنا لملوك حمير.
стр. 118
وأمّا مدائن الجزيرة، (١) قال الجوهرى: (٢) والموصل بلد، واختلفوا فى ذكرها وتسميتها بذلك على قولين: أحدهما لأنّها وصلت ما بين دجلة والفرات، والثانى لأنّه كان فى موضعها راهب طليعة للفرس يوصل إليهم أخبار الروم، ولا تقال بغير الألف والام، (٣) ومن مستطرف الحكايات قيل: لقى رجل لرجل فسأله:
من أين أتيت وإلى أين تريد؟ فقال: أتيت من البغداد وأنا أريد موصل فهل لك من حاجة؟ قال نعم! واحدة، قال: وما هى؟ قال: تأخذ الألف واللام من بغداد وتوصلها الموصل!
ومن شرقىّ الموصل المدينة العظيمة نينوى، وهى مدينة يونس ﵇ وسنذكرها.
(٩٦) ومنها نصيبين، وهى قديمة، وذكرها الجوهرى (٤) فقال: ونصيبين بلد بالعراق وللعرب فيه مذهبان: منهم من يجعل اسما واحدا ويعرّبه فيقول: هذه نصيبين ورأيت نصيبين ومنهم من يجريه مجرى الجمع: هذه نصيبون ومررت بنصيبين.
ومنها ميافارقين: أعجمى معرّب، وقد نطقت به العرب وهى أيضا من المدن المعروفة.
وآمد: من المدن القديمة ولم تتكلّم بها العرب وقيل تكلّمت بها.
وحرّان، قال الجوهرى: (٥) وحرّان اسم بلد، قال ابن الكلبى: لما خرج نوح ﵇ من السفينة بناها، وقيل إنّما بناها هاران خال يعقوب ﵇ فأبدل العرب الهاء حاء، وكان بها معبد اليونان.
стр. 119
وأمّا مدائن الشام والسواحل (١) فمنها: حلب: وقد ذكرها الجوهرى (٢) فقال:
وحلب مدينة بالشام.
وقال أبو الحسين ابن المنادى: الشامات خمس كور، الأولى: قنّسرين، ومدينتها العظمى حلب، وقنّشرين أقدم منها، وبينهما أربع فراسخ، وفيها آثار الخليل ﵇ ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك كبنى حمدان وغيرهم.
قال: ومن رستاقها منبج، وهى مدينة قديمة وذكرها الجوهرى (٣) فقال:
ومنبج اسم موضع.
وفى ساحل حلب مدن كثيرة منها: أنطاكية، ذكرها ابن الجواليقى ﵀ فى المعرّب، (٤) واختلفوا فى بانيها، فقال قوم: بناها ازطحش (٥) أوّل ملوك اليونان وصيّرها دار ملكه وحشد إليها الحكماء وأصحاب الرصد وأخذ الطوالع منها ومسافة سورها اثنا عشر ميلا وعدّة أبراجها مائة وستّة وثلاثون برجا وعدد شرّافاتها أربع وعشرون ألفا، وهذا السور فى السهل والجبل، وقال أبو معشر:
بنيت بعد الإسكندر الثانى بمائة سنة، والنصارى تسمّيها: دار الله لأنّ النصرانيّة ظهرت منها بعد ما دئرت، وسيأتى من ذكرها من مبتدئها إلى حين (٩٧) افتتحها السلطان الشهيد الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس البند قدارى- تغمّده الله برحمته-الثالث من ملوك الترك بالديار المصريّة وما معها واستقرّت دار إسلام إلى حين تسطير هذا التأريخ المبارك لا زالت ديار الفجرة الكفّار بأيدى البربرة الأخيار من سائر الأقطار إلى يوم العرض بين يدى الملك القهّار.
стр. 120
وأمّا الشام الثانية: (١) فهى حمص وأعمالها، وكانت مركز الملوك من الروم وكان زيتونها وقنواتها متّصلة بتدمر وبعلبك، ومن سواحلها طرابلس وما والاها، وسنذكرها عند ما فتحها السلطان الشهيد الملك المنصور قلاوون الألفى الصالحى نوّر <الله> ضريحه وجعل الجنّة مأواه، وقد نزلها خلق من الصحابة رضى الله عنهم.
وأمّا الشام الثالثة: (٢) وهى الغوطة ومدينتها دمشق، واختلفوا فى الذى بناها على أقوال، فمنهم من قال: نوح ﵇، لمّا خرج من السفينة أقام بثمانين مدّة ثم جاء إلى الشام فأشرف من جبال الغوطة عليها فأعجبته فشرع فى بنائها واتّخذها دارا وهى أوّل مدينة خطّت بعد الطوفان.
قال النضر بن شميل، الثانى: بنوراسب، وبنى بعدها صور بالساحل، قاله مجاهد، والثالث: عاد بن عوض وإنّها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ»﴾ (٣)، قاله كعب الأحبار، والرابع: ذو القرنين الإسكندر الأوّل، لمّا عاد من المشرق صعد على عقبة دمّر ومعه غلام اسمه دمشق فرأى المياه ضائعة فقال له:
يا دمشق ابن هاهنا مدينة! ورسمها له فبناها، حكاه أبو القسم ابن عساكر فى تأريخ دمشق، وقال: كان الغلام اسمه دمشقش بزيادة شين، قال: وكان وادى دمشق كلّه شجر الأرز، قال أبو القسم: والأرزة التى وقعت فى سنة ثلاثمائة وثلاث عشرة من ذلك الأرز، وبنى مكان الجامع معبدا لله فلم تزل فيه العبادة من ثمّ.
والخامس: (٩٨) غلام الخليل ﵇ يقال له العازر وهبه له نمرود لمّا خرج من النار سالما، حكاه وهب بن منبّه، السادس: سليمان بن داود ﵇،
стр. 121
وبريد وجيرون الذان (١) ينسبان إليها باب البريد وجيرون هما شيطانان فى قول الحسن والمدائنى، كانا على عهد سليمان، وفى قول كعب الأحبار: هما أخوان وأبوهما سعد ابن لقمان بن عاد.
وقيل: كان موضع جيرون وباب البريد مدينة صغيرة وهما من بعض أبوابها وإنّما سمّى الباب الصغير لأنّه كان أصغر أبوابها لمّا بنيت، وباب كيسان منسوب إلى كيسان مولى معاوية بن أبى سفيان، وباب ثوما ينسب إلى عظيم من الروم يقال إنّه كان صهر هرقل ملك الروم، وباب الفراديس منسوب إلى محلّة كانت فى ظاهره تسمّى الفراديس ويقال إنّها كانت عدّة جنّات فسمّيت به لجمع فردوس، وباب الفرج فتحه نور الدين الشهيد تفاؤلا باسمه وما فتح عليه من الفتوح ببلاد الفرنج لما نذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى، وباب الجابية منسوب إلى قرية ظاهرة تسمّى الجابية، وكانت مدينة عظيمة فى الجاهليّة، وباب السلامة سمّته العرب لأنّه لم يكن من جهته قتال فى وقت فتوحها فى خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما لما نذكره أيضا إن شاء الله تعالى، وفى السور أبوابا صغارا تفتح عند الحاجة إليها.
وذكر أبو القسم عبيد الله بن عبد الله بن حرداناده: (٢) أنّ أصحاب الرسّ كانوا باليمن فأرسل الله تعالى إليهم حنضلة (٣) بن صفوان نبيّا فقتلوه فسار إليهم عاد ابن عوض بن إرم بن سام بن نوح ﵇ بولده من الرسّ فنزل الأحقاف وأهلك الله تعالى أصحاب الرسّ لما سنذكره، وانتشر ولد عاد فى بلاد اليمن ثم خرجوا إلى الشام فنزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوض دمشق وبنا مدينتها
стр. 122
وسماها جيرون وهى ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ»﴾، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح (٩٩) ابن خلد بن الجلود بن عاد بن عوض نبيّا إلى قوم عاد بالأحقاف فكذّبوه فأهلكهم الله تعالى، وسنذكر ذلك فى قصّة هود ﵇ إن شاء الله تعالى.
وقال بعض الأوائل: إنّما بنيت على الكواكب السبعة وكان لها سبعة أبواب على كلّ باب صورة الكوكب المختصّ به، فكان الباب الشرقى للشمس، وباب ثوما للزهرة، وباب السلامة للقمر، وباب الفراديس لعطارد، وباب الجابية للمرّيخ، وباب الصغير للمشترى، وباب كيسان لزحل. قال الجوهرى: (١) ويقال إنّ صورة زحل باقية عليه إلى الآن، ودمشق قصبة الشام، قال: ودمشق من صفات النوق.
واختلفوا فى لفظة جلّق فقال الجوهرى: (٢) جلّق موضع بالشام، وقال ابن الجواليقى: (٣)
جلّق يراد به دمشق. وقيل: هو موضع بقرب دمشق وهو أعجمى معرّب، وقد جاء فى الشعر الصحيح قول حسّان بن ثابت الأنصارى (من الكامل):
لله درّ عصابة نادمتها ... يوما بجلّق فى الزمان الأوّل
(٤) ويقال: (٥) إنّ صورة امرأة كان الماء يجرى من فيها فى قرية من قرى دمشق.
وقال الهيثم: بنيت دمشق فى خمس مائة سنة وأصل مياهها من عين فى مرج الزبدانى عند قرية يقال لها بردا ثم تجتمع من عين الفيجة، وتنقسم سبعة أنهار وفى بردا يقول بعض القدماء (من البسيط):
وما ذكرتكم إلاّ وضعت يدى ... على حرارة قلب قلّ ما بردا
ولا تذكّرتم والدمع يشرق لى ... إلاّ تحدّر من عينىّ ما بردا
стр. 123
وفى رواية عن كعب الأحبار أنّه قال: أوّل حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حرّان ودمشق وبابل.
فصل
فى فضل دمشق وما جاء من الأخبار وتبعها من الآثار
(١)(١٠٠) قلت: وقد أخرج مسلم (٢) عن النوّاس بن سمعان قال، قال رسول الله ﷺ :
ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، وهو حديث طويل، والمهرودة: المصبوغة. وقال أحمد بن حنبل ﵀: (٣) حدّثنا ابن اليمان بإسناده إلى أصحاب رسول الله ﷺ أنّه قال: ستفتح عليكم الشام فإذا تخيّرتم المنازل منها فعليكم بمدينة يقال لها دمشق فإنّها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطهم بأرض يقال لها الغوطة. قال ابن الجوزى:
إلاّ أنّ جدّى ضعّف هذا الحديث وذكره فى الأحاديث الواهية.
وروى عن وهب بن منبّه أنّه قال: بلغنى عن ابن عبّاس أنّه قال: أقدم حائط على وجه الأرض حائط قبلة دمشق وفيه قبر هود ﵇، وذكر مجاهد عن ابن عبّاس فى تأويل قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ»﴾: أنّها دمشق، وروى عن ابن عبّاس موقوفا عليه ومرفوعا أنّه قال: قد وكّل الله بكلّ بلد ملكا يحرسه إلاّ دمشق فإنّه يتولاّها بنفسه، والموقوف أصحّ.
وأمّا الآثار فروى وهب بن منبّه، قال: كان الخضر ﵇ يطرقها فأتاها مرّة فوجدها بخيرة فغاب خمس مائة سنة ثم أتاها فإذا هى عامرة فغاب عنها خمس مائة سنة أخرى وأتاها فإذا هى بقصبة تأويها السباع ثم غاب عنها خمس مائة
стр. 124
سنة ثم عاد إليها فإذا هى عامرة فعل كذلك مرار، وهذا يدلّ على أنّها قديمة.
وحكى الحافظ ابن عساكر ﵀ فى تأريخه (١) أنّه كان فى دمشق رجل صالح وكان يقصده الخضر ﵇ وذلك فى زمان معاوية بن أبى سفيان، فبلغ ذلك معاوية فجاء إلى الرجل وقال له: اجمع بينى وبين الخضر عندك، قال: نعم، فجاء الخضر على عادته فأخبره بما قال معاوية، فقال: ليس لى إلى ذلك سبيل، فقال له معاوية: قل له: قد قعدنا مع من هو خير منك وحدّثناه وخاطبناه وهو محمّد ﷺ ! ولكن اسأله عن ابتداء بناء دمشق (١٠١) كيف كان، قال: نعم، وذكر لحديث المقدّم ذكره.
وذكر الحافظ ابن عساكر أيضا (٢) عن أبى حسين الرازى والد تمام أنّه ذكر فى تأريخه: أنّ عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس لمّا حاصر دمشق وهدم سورها وقع منه حجرا عليه منقوش باليونانى فترجم بالعربيّة، فكان: ويك أمّ الجبابرة من رامك بسوء قصمه الله وتلك من خمسة أعين ينقض سورك على يديه بعد أربعة آلاف سنة فنظر فإذا هو عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس ابن عبد المطلّب، ففعل بها ما فعل.
وقد ورد أيضا فى فضائل دمشق أخبار فيها للمحدّثين نظر، فلذلك عديناها، وقد ذكرها أبو القسم فى تأريخه، وليس فيها ما ينبت إلاّ النادر، وذكر أيضا أبو القسم فى تأريخه فى أخبار دمشق: أن أبا الفتح المسلم بن هبة الله صنّف ألف رسالة فى تفضيل دمشق على الدنيا، وكان فاضلا ﵀، وهو القائل (من الطويل):
وما ذقت طعم الماء إلاّ وجدته ... كأن ليس بالماء الذى كنت أعرف
ولا سرّ صدرى مذ تناءت بى النوا ... أنيس ولا مال ولا متصرّف
стр. 125
وما أحضر اللذات إلاّ تكلّفا ... وأى سرور يقتضيه التكلّف
وروى عن كعب الأحبار أنّه رأى رجلا من أهل الشام فقال: من أين أنت؟ فقال: من دمشق، فقال: أنت من الذين يعرفون فى الجنّة بالثياب الخضر، وحكى جماعة من مشايخ دمشق أنّ بالغوطة مائة ألف ونيفا وثلاثين ألف بستان، وسنذكر أنهارها عند ذكرنا لأنهار الدنيا إن شاء الله تعالى.
وروى عن ابن أبى ديب (١) عن معن بن الوليد عن خالد بن معدان عن معاذ ابن جبل قال، قال رسول الله ﷺ : اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدّنا وفى شامنا ويمنّا وفى حجازنا، قال، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله! وفى (١٠٢) عراقنا! فأمسك النبىّ ﷺ ، فلمّا كان فى اليوم الثانى قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله! وفى عراقنا! فأمسك، فقام إليه فى اليوم الثالث وقال مثل ذلك فأمسك عنه فولّى وهو يبكى فدعاه النبىّ ﷺ فقال: أمن أهل العراق أنت؟ قال: نعم، قال: إنّ أبى إبراهيم همّ أن يدعو عليهم فأوحى الله إليه: لا تفعل فإنّى جعلت خزائن علمى فيهم وأسكنت الرحمة قلوبهم.
وقد أكثرت الشعراء فى وصف دمشق ومحاسنها فمنهم أحمد بن منير (٢) فقال (من البسيط):
حيى الديار على علياء جيرون ... مهوى الهواء ومغانى الخرّد العين
(٣) من أبيات وقد وازنها أبو عبد الله محمّد بن محمّد الملقّب بالعماد الكاتب الإصفهانى فقال (من البسيط):
стр. 126
أهدى النسيم لنا ربّا الرياحين ... أم طيب أخلاق جيرانى بحيرون (١)
هبّت لنا نفخة فى جلّق سحرا ... باحت بسرّ من الفردوس مكنون
ومنها:
دمشق عندى لا تحصى فضائلها ... عدّا وحصرا ويحصى رمل يبرين (٢)
وما أرى بلدة أخرا تماثلها ... فالحسن (٣) من مصر حتى منتهى الصين
وإنّ من باع كلّ العمر مقتنعا ... بساعة فى ذراها غير مغبون
لمّا علت همّتى صيّرتها وطنى ... وليس يقنع غير الدون بالدون
ترى جواسقها فى الجوّ شاهقة ... كأنّهنّ قصور للسلاطين
دار النعيم ومن أدنى محاسنها ... ثمار تمّوز فى أيّام كانون
نعيمها غير ممنوع لساكنها ... كالخلد والمنّ فيها غير ممنون
أزهارها أبدا فى الروض مونقة ... فحسن نيسان موصول بتشرين (٤)
وللحمائم فى الأشجار أدعية ... مرفوعة شفعت منّا بتأمين
خافت على الروض من عين مطوّفة ... أضحت تعوّذه منها بياسين
(١٠٣) من كلّ مطرب صوت غير مضطرب ... وكلّ معرب لفظ غير ملحون
وللبساتين أنهار جداولها ... تسير (٥) فى الجرى أمثال الثعابين
وقال ابن الكلبى ﵀: دمشق كورة من كور الشام ومن أعمالها البلقا منسوبة إلى بالق، وعمّان بالتشديد سمّيت بذلك لأنّ عمّان بن لوط عمرها وأقام بها، وزغر ومآب باسم ابنتى لوط ﵇، وسمّيت صيدا بصيدون
стр. 127
ابن كنعان بن نوح ﵇، وأريحا بأريحا بن مالك بن ازفحشد بن سام ابن نوح، وورد (١) أيضا أنّ مآب بن لوط والربه بنته، وسمّيت الكسوة لأنّ رسل ملك الروم باتوا بها فسرقت ثيابهم فأصبحوا عراة وقيل لأنّ غسّان قتلهم واقتسمت ثيابهم وكساها أصحابه فسمّيت بذلك.
قال: وصور وعكّا من أعمال دمشق، وقال الجوهرى: (٢) عكّه بالهاء من أعمال دمشق وهى بلد بالثغور، وصور من صار إذا مال وهى مائلة فى البحر.
ومنها الربوة كان عيسى ﵇ وأمّه يأويان إليها ومنه قوله تعالى:
﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ»﴾ (٣)، الآية، ومنها قاسيون وسنذكره فى الجبال إن شاء الله تعالى.
وبظاهر دمشق أماكن مباركة منها مقبرة باب الفراديس كان كعب الأحبار يقول: يبعث الله منها سبعين ألف شهيد يشفعون فى سبعين ألف إنسان، وقال كعب الأحبار: بطرسوس عشرة قبور من قبور الأنبياء وبالمصيصة خمسة وبأنطاكية قبر حبيب النجار، وسنذكره، وبمحص ثلاثون نبيّا وبدمشق خمس مائة وبالسواحل ألف نبىّ وببيت المقدس ألف نبىّ وبالعريش عشرة، وروى مكحول عن ابن عبّاس قال: من أراد ينظر إلى قبور الأنبياء فعليه بالشام.
قلت: وقد ذكر أبو القاسم ابن عساكر ﵀ فى تأريخه (٤) جملة جيّدة فى أماكن بظاهر دمشق (١٠٤) منها قرية برزة فروى بإسناده إلى ابن عبّاس قال:
ولد إبراهيم الخليل فى غوطة دمشق بقرية يقال لها برزة فى جبل يقال له قاسيون،
стр. 128
ثم ذكر بعده أنّ إبراهيم قدم الشام وجاهد ملك النبط وجاء فصلّى فى المقام، قلت:
لا خلاف بين علماء السير أنّ إبراهيم ﵇ ولد بالعراق ما اختلف فى ذلك اثنان، ثم روى بعد هذا أنّ جبل برزة هو الذى رأى منه إبراهيم الكواكب، وقال هذا ربّى، وهذا أيضا تناقض، ثم قال: الشقّ الذى فى المسجد هو الذى اختبأ فيه إبراهيم ﵇ من نمرود، ثم روى بعد هذا حديثا عن النبىّ ﷺ أنّه قال: وبالغوطة جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه.
قال ابن الجوزى ﵀: هذا الحديث لا يصحّ عن رسول الله ﷺ ولا قتل قابيل أخاه بالشام بل فى الهند، قلت: الصحيح ما ذكره الشيخ جمال الدين بن الجوزى متّفق عليه. وذكر أنّ الدم الذى على قاسيون م هابيل وأنّ الملائكة نزلت عزت آدم فى الكهف بقاسيون. وحكاه عن كعب الأحبار وغيره، قال ابن الجوزى: ما ورد عن كعب الأحبار فى هذا الباب فقد توقّف الناس فيه: وكان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه يضربه بالدرّة ويقول: دعنا من يهوديّتك. ومع هذا فقد أجاز روايته بعضهم إذا لم يروى عن النبىّ ﷺ لأنّه أسلم على يد عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فالرواية عن رسول الله ﷺ فى هذا الباب فيها وهن عظيم إذا لم يوافق السنن والأصول.
فروى أبو القسم فى فضل دمشق والغوطة قال: (١) حدّثنا عن عائشة قالت:
قال رسول الله ﷺ : خلق الله جمجمة جبرائيل على قدر الغوطة، قال ابن الجوزى أيضا: وهذا ممّا لا نوافقه عليه قضاء بالعقول لأنّه قد ثبت فى الصحيحين أنّ النبىّ ﷺ (١٠٥) قال: خلق الله الملائكة من نور، والنور روحانى فكيف يكون جسما، وفى رواية: من نور العرش، ولمّا سأله النبىّ ﷺ أن يظهر له فى
стр. 129
صورته ظهر فسدّ أحد جناحيه ما بين المشرق والمغرب، وقد تقدّم ذكر ذلك.
وأمّا الشام الرابعة: (١) الأردنّ ومدينة طبريّة على ساحل البحيرة ويقال إنّها من بناء سليمان بن داود ﵇ وإنّ قبره على شاطئ البحيرة.
وأمّا الشام الخامسة: (٢) الرملة ومدينتها فلسطين وبيت المقدس وعسقلان وغزّة والبلاد الساحليّة، وهذا أشار الجوهرى (٣) إلى ما ذكر ابن المنادى فإنّه قال: الشام خمسة أجناد: دمشق، وحمص، وقنّسرين، وأردنّ، (٤) وفلسطين بكسر الفاء، يقال لكلّ مدينة منها جند.
وقال ابن الجواليقى: (٥) وشيزر اسم موضع لا أحسبه عربيّا صحيحا، وفى الصحاح: (٦) شيزر بلدا، وقال امرئ القيس (من الطويل):
نقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشيّة جاوزنا حماة وشيزرا
وقد ذكر امرئ القيس (٧) حماة فى شعره فدلّ على أنّها قديمة أيضا، وقال أبو عبيدة:
ومن الناس من يبتدئ بالرملة فيجعلها الشام الأعلى وبعدها فلسطين ثم دمشق ثم حمص ثم حلب.
وأمّا مدائن الروم (٨) منها قيساريّة، وهى من المدن القديمة وقد مرّ بها امرؤ القيس لمّا وصل الروم ويقال إنّ قبره على جبل قريب منها يقال له عسيب وهو قوله (من الطويل):
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب ... وإنى مقيم ما أقام عسيب
(٩)
стр. 130
ومنها عموريّة، وكان ملكها يركب فى مائة ألف فارس وكان حولها ألف عمود ومائتى عمود على كلّ عمود راهب لا ينزل منه إلاّ بالموت، وكانت (١٠٦) مركز قيصر، ومنها كان يستعدّ للغارات على بلاد المسلمين الشام والجزيرة وغيرها، ففتحها المعتصم ابن الرشيد لما نذكر من ذلك.
ومنها القسطنطينيّة، وهى المدينة العظمى بناها قسطنطين الملك وهو أوّل من أظهر دين النصرانيّة، قالوا: ولها سبعة أسوار وسمك سورها الكبير أحد وعشرون ذراعا وفيها مائة باب وسمك فصيلها الصغير عشرة أذرع وهى على خليج يصبّ فى البحر الرومى وهى متّصلة ببلاد رومية والأندلس لما نذكر فى باب البحار وذكرها إن شاء الله تعالى.
قلت: (١) وقد جاء فى ذكرها حديث. قال مسلم بإسناده إلى أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من ولد إسحاق فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلاّ الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولون: لا إله إلاّ الله والله أكبر فيسقط الجانب الآخر، فيقولون الثالثة كذلك فينفرج لهم فيدخلونها فيغنمون ما فيها، فبينا هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ أنّ الدجّال قد خرج فيتركون كلّ شئ ويرجعون، وهو حديث طويل وفيه أمارات الساعة، وانفرد بإخراجه مسلم، وقال ثور بن يزيد: هى القسطنطينيّة.
وقال أحمد بن حنبل ﵀ (٢) حدّثنا يحيى بن إسحاق حدّثنا أيّوب حدّثنى أبو قبيل قال: كنّا عند عمرو بن العاص وسئل: أى المدينتين تفتح أوّلا
стр. 131
القسطنطينيّة أو رومية؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل يعنى القسطنطينيّة.
ومنها مدينة رومية الكبرى، ذكر ابن خرداذبه فى كتاب المسالك والممالك (١) أنّ طولها من الباب الغربى إلى الباب الشرقى ثمانية وعشرون ميلا، ولها سوران من حجارة بينهما مقدار ستّين ذراعا فضاء وسمك السور الأوّل اثنان وسبعون ذراعا وسمك الثانى اثنان وأربعون ذراعا وبين السورين نهر مغطا ببلاط من نحاس طول كلّ بلاطة سبعة وأربعون ذراعا.
قال: والنهر الذى يدخل فيها من البحر تدخل فيه (١٠٧) المراكب بقلوعها فتقف على حوانيت التجار تبيع وتشترى، وفى داخلها كنيسة بنيت على اسم بطرس وبولس الحواريّين وهما فيها فى جرن من الرخام مدفونين.
قال: وطول هذه الكنيسة ثلاثة آلاف ذراع وعرضها ثلاثمائة ذراع وقيل ألف ذراع وهى مبنيّة على قناطر من صفر ونحاس وكذا سائر أركانها وسقوفها وحيطانها وهى من عجائب الدنيا، قالوا: وفيها كنيسة مثل بيت المقدّس على عرضه وطوله مرصّعة باليواقيت والجواهر والزمرّد وطول مذبحها عشرون ذراعا من الزمرّد الأخضر وعرضه ستّة أذرع يحملها اثنا عشر تمثالا من الذهب الإبريز طول كلّ تمثال ذراعا ونصف ولكلّ تمثال عينان من الياقوت الأحمر تضئ الكنيسة منها ولها ثمانية وعشرون بابا وطول هذه الكنيسة ميل وأبوابها من الذهب الأحمر.
قال: ولمدينة رومية ألف باب من النحاس الأصفر سوى العود والصنوبر والخشب المنقوش بالأبنوش وغيره الذى لا يدرى قيمته، قالوا: وبها ألف ومائتى
стр. 132
كنيسة وأربعون ألف حمّام وفيها طلسمات للحيّات وللقارب (١) لا تدخل إليها وطلسم يمنع الغريب من الدخول إليها، وملكها يقال له الباب وهو الحاكم على دين النصرانيّة كلّها برّها وبحرها، ومنزلته بمنزلة الخليفة فى المسلمين.
وفى وسطها سوق يباع فيه الطير مقدار فرسخ وتقديرها ثلاث فراسخ وبها عجائب كبيرة أخر نذكرها فى باب العجائب المفرّقة فى أقطار الأرض إن شاء الله تعالى.
وأمّا مدائن مصر (٢) وما والاها فقد أخّرنا كثيرا من ذلك نذكره فى الجزء الثانى من هذا التأريخ ليكون ذلك يتلو بعضه بعضا عند ذكرنا لملوك مصر من قبل الطوفان وبعده واعتنينا بذلك كلّ العناية ولعلّ لم تخل بملك من ملوكها من أوّل ما خلق الله تعالى الدنيا وإلى آخر وقت.
(١٠٨) وأمّا ما يليق (٣) بأن نذكر هاهنا، (٤) قال ابن حوقل فى كتاب الأقاليم:
أما مصر فلها حدّ ينتهى يأخذ من بحر القلزم خلف العريش إلى رفح ثم يعود على ساحل البحر الرومى إلى الاسكندريّة إلى برقة فى البريّة، ثم إلى الواحات، ويمتدّ إلى بلاد النوبة، ثم يعطف على حدّ أسوان إلى أرض البحاة: وينتهى إلى القلزم إلى طور سيناء، ثم يعطف إلى تيه بنى إسرائيل مادّا فى الجفاء إلى بحر القلزم مكان مبتدأه، هذا ما حدّه ابن حوقل وسنذكر أيضا قول غيره فى ذلك فى مكانه.
стр. 133
قال ابن حوقل: (١) ومن مدائنها العتيقة منف، وهى مدينة فرعون موسى، وقيل إنّها عين شمس، وكان قد بلغ فى بنائها وجعل لها سبعين بابا وبناء حيطانها بالصفر والنحاس وزخرفها بالذهب والفضّة وأجرى إليها النيل وقسمه أنهارا تجرى تحت قصره مع سائر قصورها حتى الماء يجرى تحت سريره، وافتخر وقال:
أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى؟ وسنذكر من أمرها جملا كثيرة لما أوعدنا.
ومن مدنها الإسكندريّة، واختلفوا فى بانيها على أقوال: أحدها أنّه شدّاد ابن عاد، قاله وهب. والثانى أنّه الإسكندر الأوّل ذو القرنين وهو المقدونى، قال الهيثم بن عدّى: مقدونة هى أرض مصر وإنّما سمّيت مصر بمصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وسنذكر ذلك مفصّلا، قال ابن حوقل: (٢) وكان مصر لمّا انفصل عن بابل نزلها فسمّيت به ونسبت إليه، وقسمها بين أولاده الأربعة وهم:
قبط، واشموم، وأترب، وحنا. قلت: هذا غلط من راويه، وسيأتى ذكر أولاد مصر الأربع وهؤلاه المذكورون بنى بنيه كما نبيّن ذلك فى موضعه الائق (٣) به إن شاء الله تعالى.
قال: وكان قبط الأكبر وسمّى كلّ مكان باسم ولد، قال: وقال الهيثم:
(١٠٩) بن عدّى: مرّ بها ذو القرنين فأعجبه مكانها وصحّة هوائها فأمر بعمارتها فلما شرع وجد أثر البنيان القديم ومرمرا ورخاما وعمودا عليه مكتوب بالقلم المسند من أقلام حمير فحلّه فإذا هو: أنا الملك شدّاد بن عاد، شددت بساعدى
стр. 134
البلاد، وقطعت الأطواد، وبنيت «﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾»، التى لم يخلق مثلها فى البلاد، وأردت أن أبنى هنا مثل إرم، وأنقل إليها كلّ ذى قدم، من جميع الأمم لا خوف ولا هرم، ولا غمّ ولا سقم، فأصابنى الدهر بسهمه وسقانى سمّه، فكان مقتلى، وأخرجنى من دارى ووطنى، فمن رآنى فلا يغترّ بالدنيا بعدى.
قال: فلمّا قرأ الإسكندر ما على اللوح قوى عزمه على بنائها فجمع الحكماء والمهندسين وأرباب الرصد وهيّأ الأخشاب والحجارة، وقال بعد ما جعل عند الأساس أجراسا للمنجّمين: إذا أخذتم الطالع فحرّ كوا هذه الأجراس لنضع الأساس فى تلك الساعة وذلك برأى منّى، واتّفق أنّ الإسكندر نام فى تلك الساعة والمنجّمون يرصدون فأتى غراب فقعد على إحدى الأجراس وهو الأكبر وحرّكه فتحرّكت الأجراس عن يد واحدة فوضع الصنّاع الأساس وصاحوا صيحة انتبه لها الإسكندر فلمّا رأى الغراب فهم القضيّة فقال: فهمنا المقصود وأردنا أمرا وأراد الله غيره، وأمر بإتمام العمل والبناء.
قال، فلمّا تمّ السور خرجت فى الليل من البحر دوابّ على صورة الشياطين فأخربوه فأعاد البناء مرارا وهو يهدم فجمع الحكماء والمهندسين حتّى تحقّقوا صورهم وإذا بهم شياطين فعملوا طلسمات من نحاس على صورهم ثم جعلوا (١) على أعمدة من نحاس فلمّا خرجت الشياطين ورأوا تلك الصور ولّوا هاربين ولم يعودوا وتمّ البناء، قلت: هذا ما ذكره ابن حوقل (١١٠) ﵀، (٢) والمستحسن فى هذا القول ما نذكره فى مكانه إن شاء الله تعالى.
قال ابن حوقل أيضا: (٣) ثم بنى الإسكندر عليها سبعة أسوار بين كلّ سورين خندق فتمّ بناؤها فى مائة سنة.
стр. 135
والثالث من الأقوال فى بنائها: إنّ الذى بناها هى الملكة دلوكة لتجعلها مرقبا من ناحية الروم لأنّ الروم إنّما ملكت مصر منها، قاله النوبختى، قلت:
وسنذكر ما يستحسن أيضا فى هذا الفصل.
والرابع: إن الذى بنا الأهرام بناها وإنّما أضيفت إلى الإسكندر لأنّه سكنها، قال النوبختى: مكث أهلها سبعين سنة لا يمشون بالنهار إلاّ وعلى وجوههم خرق سود لشدّة بياضها ولقوّة شعاع حيطانها وصقالها.
وأمّا منارتها: ذكر صاحب كتاب المسالك والممالك (١) أنّ المنارة على سرطان من زجاج فى البحر من صناعة الإسكندر، والصحيح أنّها على جبل فى البحر، والصحيح أنّها بنيت قبل وصول البحر إليها وكان بين ذلك الجبل التى بنيت عليه وبين البحر مسافة وإنّما البحر تقدّم إليها على طول السنين والآن فقد أكل الماء معظّمه، (٢) وقد شاهدته بالمعاينة.
وقيل إنّ الإسكندر لمّا مات كسروا آنيته التى كانت لطعامه وشرابه وجمعوا جميع، جواهره وذخائره، وجعلوا الجميع فى سرطان من زجاج ودفنوه فى أساس المنارة، قال ابن الجوزى: (٣) قال جدّى ﵀ فى كتابه المنتظم أنّه كان على رأس المنارة مرآة، إذا نظر الناظر فيها قبل طلوع الشمس رأى من يكون بالقسطنطينيّة وبينهما عرض البحر، ثم قال: إنّما نقله جدّى من كتاب المسالك والممالك وليس كما ذكر صاحب المسالك فإن مسافة ما بين القسطنطينيّة والإسكندريّة نيفا وأربعين يوما إذا طابت الريح على ما حكاه المسافرين، وإنّما بين جزيرة قبرص والإسكندريّة إذا طاب الهواء مسيرة ثلاثة أيّام فكأنّ الناظر
стр. 136
قبل طلوع الشمس ينظر فيها إلى المراكب (١١١) وقد أقلعت من قبرص فيخبر أهل البلد فيستعدّون للحرب.
فتحيّل ملوك الفرنح حتى قلعوا المرآة من المنارة، واختلفوا فى أىّ زمان قلعت المرآة المذكورة على قولين، أحدهما فى زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان، قال: وكان الإسكندر قد صنع هذه المرآة بحكمته حفظا للبلد من العدوّ أن يدهمها بغتة، فلمّا كان فى زمن الإسلام وكان فى عزم ملوك الروم قصد مصر فلم يتأتّى لهم ذلك وكان لهم ملك داهية فأظهر الغضب على خادم له وكان خصيصا به وكان الخادم باقعة ذا مكر وخديعة، فأعطاه أموالا عظيمة من جواهر ويواقيت وأسرّ إليه أن يحتال فى تلك المرآة وقلعها وقرّر معه ما يضع، قال: فخرج ذلك الخادم إلى البلاد ودفن تلك الأموال فى عدّة أماكن متفرّقة وتوصّل بعد ذلك إلى الوليد ابن عبد الملك فأسلم على يده وقال: أنا خادم الملك الفلانى وقد رغبت فى الإسلام وقد وقد وقع لى كتاب فيه أسماء المطالب التى بالشام ومصر فساعدونى بالمال والرجال لترى ما أصنع.
وكان الوليد شرها فأمدّه بما طلب فصار يحفر تلك الحفائر التى أودع فيها تلك الأموال والجواهر ويحملها إلى الوليد فسرّ بذلك واستولى عليه وملك قلبه وأخذ منه من الأموال أضعاف ما كان يحمل إليه، وكان يبعث بها إلى مولاه ملك الروم سرّا أوّلا فأوّلا فقال الخادم للوليد إنّ تحت المنار التى بالإسكندريّة ذخائر الإسكندريّة وذخائر شدّاد بن عاد وملوك مصر لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فابعث معى رجالا لنهدم المنار! وكان طولها ألف ذراع والمرآة على رأسها، فبعث معه الرجال فهدم منها جانبا فثار المسلمون وأرادوا قتل ذلك الخادم وقالوا: تهدم هذه المنارة وهى معقل الإسلام بقول علج، فأمهل الخادم إلى الليل وقد أعدّ مركبا لطيفا بالقرب منه وصعد إلى المنار نصف الليل وقلع المرآة ورمى بها (١١٢) فى
стр. 137
البحر وركب من وقته ذلك المركب المعتدّ له وتوجّه إلى بلاده وتمّت الحيلة، ذكر ذلك المسعودى. (١)
والقول الثانى إنّ الواقعة كانت فى زمن الحاكم العبيدى وإنّ بعض ملوك الروم تزيّا راهبا وأظهر الإسلام وأقام يتعبّد فى المنار حتى وجد فرصة فقلعها فى الليل ورمى بها فى البحر وهرب فى مركب معتدّ له، ذكر ذلك أبو سعيد ابن يونس فى تأريخ مصر.
قال ابن الجوزى: (٢) وذكر جدّى ﵀ فى كتابه المنتظم قال: كان بالإسكندريّة ستمائة ألف يهودىّ ونصرانىّ خولا لأهلها، قال: وهذا يحتمل أنّه كان فى قديم الزمان. أمّا اليوم فلا يبلغ أهلها كلّهم هذا العدد المذكور.
وحكى ابن عساكر ﵀ فى تأريخه (٣) فى حرف الهمزة فى من اسمه أسامة بن زيد بن عدى أبو عيسى الكاتب التنّوخى قال: كان بالإسكندريّة صنم يقال له شراحيل على خشفة من خشف البحر وهى فى الجزيرة وكان مستقبلا بأصبعه القسطنطينيّة لا يدرى أكان ممّا عمله سليمان أو الإسكندر فكانت الحيتان تجتمع عنده وتدور حوله فيصاد منها ما شاء الله، فكتب أسامة إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بخبر الصنم ويقول: الفلوس عندنا قليلة فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع الصنم ويصيره فلوسا ففيه الكفاية، فأرسل الوليد رجالا أمناء فأنزلوا الصنم من الخشفة فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوتين لا قيمة لهما فذهبت الحيتان بعد ذلك فلم تعد إلى ذلك المكان.
وأمّا بلاد المغرب فسنذكر منها جملا تأتى فى أماكنها اللائقة بها، فنذكر
стр. 138
الأندلس وأخبارها ومدنها عند ذكرنا لخلفاء بنى أميّة بها، وكذلك القيروان عند ذكرنا لملوك الأغالبة مع ما نضيف إلى ذلك من الأخبار ونتبعه من الآثار، وذلك كلّه بحول الله وقوّته وبركة إلهامه وتوفيق العبد إلى ذلك بإنعامه.
(١١٣) فصل
فى ذكر الجبال والهضبات والرمال
(١) ذكر أبو الحسين ابن المنادى ﵀ وقدامة بن جعفر الكاتب وأبو معشر رحمهما الله: أنّ عدد الجبال المشهورة مائة وثمانية وأربعون جبلا، قال قدامة فى كتاب الخراج: فى الإقليم الأوّل تسعة عشر جبلا، وفى الإقليم الثانى سبعة وعشرون جبلا، وفى الثالث أحد وثلاثون جبلا، وفى الرابع أربعة وعشرون جبلا، وفى الخامس تسعة وعشرون جبلا، وفى السادس ستّة وثلاثون جبلا، وفى السابع اثنان وثلاثون جبلا: قلت: ولم يذكر قدامة أسامى الجبال المذكورة، وقد ذكر العبد المشاهير منها على الحروف على الاصطلاح المعروف، فأقول:
أحد: وهو الذى كانت الوقعة عنده وهو من جبال المدينة، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٢) بإسناده عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ : أحد جبل يحبّنا ونحبّه، انفرد بإخراجه البخارى رضى الله عنه، وقد رواه أبو هريرة أيضا، وقال الزهرى: وإنّما أراد أهل المدينة وهم الأنصار أى أهل أحد، وهذا عند علماء البيان والبديع جائز.
стр. 139
إضم: جبل بالحجاز ذكره الجوهرى بكسر الهمزة (١) وقد ذكرته الشعراء فقال بعضهم فيه (من بسيط):
ينبى بنا الطيب أحيانا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازا على إضم
تعار: (٢) بكسر التاء، هو من جبال الحجاز، مشهور، والعرب تقول: لا أفعل كذا ما قام تعار.
ثبير: (٣) وهو جبل منى ويقال له جبل الكيش، قال ابن عبّاس رضى الله عنه:
فدى إسماعيل عنده وفيه النحر، وكانت العرب تعظّمه فى الجاهليّة، قال الجوهرى: (٤)
كانوا إذا انقضى الموسم وقفوا عنده وقالوا: أشرق ثبير كما نغير.
الثنين: (٥) من جبال أنطاكية ويقال له الأقرع لأنّه لا ينبت (١١٤) إلاّ فى أماكن وعليه حيّات كبار.
جبل الثلج: من جبال الشام فى أرض بانياس غربى دمشق وهو جبل شامخ يرى من مسيرة ثلاثة أيّام فى السهل ولم يبرح الثلج عليه لا يذهب صيفا ولا شتاء وقد كان مسكونا وعليه آثار العمارة، يقال: إنّه كان فى سكانه رجل كبير قد قرأ الكتب واطلع على علوم كثيرة فقال لأهله: متى أصبح هذا المكان وعليه نداوة فارحلوا عنه ومات الرجل فأصبحوا ذات يوم وعلى ظهور دوابّهم الندا فارتحلوا فنزل عليه الثلج فى اليوم التالى فطمّه واستمرّ، وقد ذكره الشعراء قال جرير (من البسيط): (٦)
هل دعوة من جبال الثلج سمعه ... أهل الإياد وحيا بالغباريس
стр. 140
جبل ثور: (١) من جبال مكّة، وفيه الغار المذكور فى القرآن العظيم ويقال له ثور المحل، (٢) وقال بعضهم: اسم الجبل المحل، نسب إلى ثور بن عبد مناه لأنّه نزله.
جبل نهال: (٣) من جبال الحجاز وهو مشتقّ من النهل وهو الانبساط على وجه الأرض لأنّه ممتدّا.
جبل جمدان: (٤) بجيم، بين قديد والجحفة.
الجودىّ: وهو الذى أرست عليه السفينة، وتحته ضيعة يقال لها ثمانين نزل بها نوح ﵇، وذكره الجوهرى (٥) فقال: والجودى جبل بأرض الجزيرة استوت عليه السفينة ولمّا نزل نوح بها كان فى ثمانين نفسا فسمّيت بذلك، وهو أوّل ضيعة بنيت على وجه <الأرض> (٦) بعد الطوفان، وهى من أعمال الموصل، وبين هذا الجبل ودجلة ثمانى فراسخ، وآثار السفينة باقية عليه إلى الآن على ما قيل.
جبل حبشىّ: قال الجوهرى: (٧) وحبشىّ بالضمّ جبل بمكّة أسفل منها، يقال أحابيش قريش لأنّهم اجتمعوا عنده وتحالفوا فى حلف الفصول.
الحجون: وهو الجبل على مسجد البيعة عند العقبة، قال الجوهرى: (٨) قال الشاعر (من الطويل):
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
وهو مقبرة قريش.
стр. 141
حراء: بالمدّ، قال الجوهرى: (١) كان النبىّ ﷺ يتعبّد فى غار حراء ويخلو فيه، وقال مسلم: وهو الجبل الذى تحرّك لمّا صعد رسول الله ﷺ (١١٥) وأصحابه عليه، وقال البخارى ﵀: إنّما كان ذلك جبل أحد.
حزازة: (٢) من جبال مكّة، كانت عنده وقعة مشهورة بين نزار واليمن.
حضن: وهو بأعلى نجد، قال الجوهرى ﵀: (٣) وفى المثل يقال: أنجد من رأى حضنا، معناه من عاين هذا الجبل أعنى حضنا فقد دخل فى ناحية نجد، ومن عظم هذا الجبل ضرب به المثل، فقالوا أيضا: ركن حضن لا يحتضن.
جبل دنباوند: (٤) وهو بالمشرق ببلاد طبرستان يرى من مسيرة مائة فرسخ لارتفاعه وذهابه فى الجوّ صعدا، ويرتفع من أعاليه دخان عال. الثلوج يترادف عليه، ويخرج من تحته نهر عظيم أصفر كبريتى ذهبى اللون قال: ومسافة صعوده ثلاثة أيّام بلياليها ورأسه مدوّر يكون مقدار ألف ذراع يرى من أسفله شبه القبّة العظيمة المخروطة وفى أعلاه رمل أحمر تغوص فيه الإقدام ولا يصل إليه شئ من الطيور والوحوش لشدّة الرياح به والبرد فى أعاليه، وفى أعاليه ثلاثون نقبا يخرج منها الدخان العظيم يسمع لخروجه دوىّ شديد مثل الرعد وذلك صوت تلهّب النار فى باطنه، وقال: وفى رأسه الكبريت الأحمر الذى يصلح لعمل الكيمياء على زعم من زعم، وبين هذا الجبل وبين طبرستان عشرون فرسخا، ويقال إنّ الضحاك مسجون به وهو الضحاك الذى تسمّيه العرب السفاك حسبما يأتى من ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 142
دمان وورمان: (١) هذان جبلان أسودان مشهوران بالحجاز، وهما شامخان شديدان السواد وفيهما أنواع الثمر والسمّاق والرمّان والقرظ وهما لعرب مزينة (١١٦) وهم قوم صدق.
رأس الجمجمة: وهو جبل عظيم أوّله باليمن من ناحية الشحر والأحقاف ويمتدّ فى البحر إلى الهند ومنه تطلق المراكب من بحر فارس ويمتدّ إلى المشرق ولا يدرى أين غايته فى البحر.
جبل جيم: من جبال الحجاز أيضا مذكور معروف.
وجرجان: قال الجوهرى ﵀: (٢) هو قريب من عكاظ ومنه يوم حرب كان لبنى عامر على بنى تميم وهو من أيّام وقائع العرب المشهورة لما نذكره.
رضوى: من جبال تهامة وبينه وبين المدينة سبع مراحل وهو من البقيع على يوم، قال الجوهرى: (٣) وهو من جبال المدينة والنسبة إليه رضوىّ، وهذا الجبل تزعم الكيسانيّة أنّ محمد بن الحنفيّة فيه وأنّه دخل فى شعب من شعابه ومعه أصحابه وهم فيه أحياء يرزقون وأنّه سيخرج وهو الإمام المنتظر. وقال قدامة الكاتب: ويقارب رضوى فى ارتفاعه جبل يقال له غرور يضاهى رضوى فى العلوّ والارتفاع وكثرة المياه والشجر والمراعى ويسكن فى الجبلين نهد وجهينة فى الوبر دون المدر.
ساقى دما: سم جبل، قاله الجوهرى، وهو من جبال تهامة، وقيل من اليمن، وقيل من الشام، سمّى بذلك لأنّه ليس من يوم إلاّ ويسفك عليه دما.
стр. 143
جبل الستار: بالسين المهملة المكسورة فى الحجاز، وقد ذكره الجوهرى (١) فى شعر لامرئ القيس وقال إنّهما جبلان، وقيل إنّهم ثلاثة أجبل: قطنا (٢) والستار ويذبل، قال: هؤلاء الثلاثة بحذاء بعضهم بعضا، فلذلك قيل واحد واثنان وثلاثة.
سلع: (٣) جبل مشهور بالمدينة وقد أكثرت الشعراء ذكره فى أشعارهم.
شابة: بالشين المعجمة، جبل بنجد ذكره الجوهرى. (٤)
شعبان جبل باليمن، ويقال له (١١٧) شعب، وقال الجوهرى: (٥) ويقال له ذو شعبين، نزله حسّان بن عمرو الحميرى وولده نسبوا إليه، فمن كان منهم بالكوفة يقال له شعبيّون، ومن هؤلاء عامر بن شراحيل الشعبى ﵀ وعداده فى همذان لما نذكره، ومن كان منهم بالشام يقال لهم الشعبانيّون، ومن كان منهم باليمن يقال لهم الأشعوب وهم جميعا بنو حسّان بن عمرو، هذا لفظ الجوهرى، والشين مفتوحة فى الجميع إلاّ أنّه قال ذو شعب وذو شعبين، ولم يذكر شعبان، وكذا ذكر محمد <بن> (٦) سعد وابن الكلبى ﵏ وقدامة وغيرهم، قال أبو سعد:
حدّثنا عبد الله بن محمّد بن مرّة الشعبانى، حدثنا أشياخ من شعبان منهم محمّد ابن أبى أميّة أنّ مطرا أصاب اليمن فاسترقّ موضعا فأبدى عن أزج عليه باب من الحجارة فكسر الغلق ودخل فإذا بهوّ عظيم فيه سرير من ذهب عليه رجل مشجا، قال: فشبرناه فإذا طوله اثنى عشر شبرا وعليه جباب من وشى منسوجة بالذهب وإلى جنبه محجن من ذهب وعلى رأسه تاج من ذهب فيه ياقوته
стр. 144
حمراء وهو أبيض الرأس واللحية له ضفيران وإلى جانبه لوح من ذهب مكتوب فيه بالحميريّة: باسمك اللهم ربّ حمير: أنا حسّان بن عمرو، القيل إذ لا قيل إلاّ الله، عشت بأمل ومتّ بأجل، فأتيت جبل ذى شعبين ليجرنى من الموت فكان حفرتى، قالوا: والى جانبه سيف عليه مكتوب بالحميريّة: أنا قبار، بى يدرك الثأر، وقالوا، ورأوا فى اللوح مكتوب أيضا: هلك فى هذا المكان اثنا عشر ألف قيل فكنت آخرهم.
جبل شامة (١) قريب من مكّة وكذا ظفيل وقد أشار إليه بلال وقال: هل تبدون لى شامة وظفيل.
شمام: (١١٨)(٢) من جبال الحجاز، مبنى على الكسر مثل قطام وحدام، ذكره الجوهرى
شعران: (٣) بفتح الشين، ذكره الجوهرى أيضا وقال: سمّى بذلك لكثرة شجره وهو من جبال الموصل.
عاقل: (٤) من جبال الحجاز، مذكور أيضا.
ضجنان: قال الجوهرى: (٥) هو جبل بناحية مكّة وهو الذى كان يرعى عنده عمر بن الخطّاب رضى الله عنه غير الخطّاب، (٦) وقد ذكره تأبّط شرّا فى شعره لما ظهر له به الغول، قتله لما يذكر من حبره عند ذكرنا له إن شاء الله.
стр. 145
الظهران: بفتح الظاء: (١) حبل بين مكّة والمدينة وهو إلى مكّة-شرّفها الله تعالى-أقرب من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقد نزله. سيّدنا رسول الله ﷺ عام الحديبية وعام الفتح لما نذكر من ذلك.
جبل العرج: (٢) بإسكان الراء: هو من جبال الحجاز بين مكّة والمدينة، قال الجوهرى: هو منزل وإليه ينسب العرجى الشاعر واسمه عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن عفّان رضى الله عنه، وسيأتى ذكره فى باب الشعراء المولّدين إن شاء الله تعالى، وروى عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمّه بإسناده إلى عبد الله بن عمر العمرى رضى الله عنه وكان من أكابر أعيان العباد بالحجاز قال: حججت فبينا أنا فى بعض الطريق إذ سمعت امرأة من هودج تكلّمت بكلام أرقتت فيه، قال:
فدنوت منها وألصقت راحلتى براحلتها وقلت لها: يا أمة الله أما تستحين أما تخافين الله بهذا الكلام فى مثل هذه الطريق؟ قال: فهتكت سجان الهودج وبرزت بوجه بهر الشمس حسنا وقالت: تأمّل يا عمّ فإنّنى من اللواتى (٣) قال فيهنّ العرجى (من الطويل):
أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها ... وأرخت على الخدّين بردا مهلهلا (٤)
من اللواتى (٥) ... لم يحججن يبغين حسنة
ولكن ليقتلن السليم البرئ المغفّلا
(١١٩) قال: فقلت: لا عذّب الله هذا الوجه بالنار، قال عبد الرحمن:
فبلغت هذه الحكاية لابن المسيّب رضى الله عنه فقال: إنّه لمن ظرف عباد الحجاز أما إنه لو كان بعض بعضاء العراق لقال لها اغربى فعل الله بك وترك.