← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حراء: بالمدّ، قال الجوهرى: (١) كان النبىّ ﷺ يتعبّد فى غار حراء ويخلو فيه، وقال مسلم: وهو الجبل الذى تحرّك لمّا صعد رسول الله ﷺ (١١٥) وأصحابه عليه، وقال البخارى ﵀: إنّما كان ذلك جبل أحد. حزازة: (٢) من جبال مكّة، كانت عنده وقعة مشهورة بين نزار واليمن. حضن: وهو بأعلى نجد، قال الجوهرى ﵀: (٣) وفى المثل يقال: أنجد من رأى حضنا، معناه من عاين هذا الجبل أعنى حضنا فقد دخل فى ناحية نجد، ومن عظم هذا الجبل ضرب به المثل، فقالوا أيضا: ركن حضن لا يحتضن. جبل دنباوند: (٤) وهو بالمشرق ببلاد طبرستان يرى من مسيرة مائة فرسخ لارتفاعه وذهابه فى الجوّ صعدا، ويرتفع من أعاليه دخان عال. الثلوج يترادف عليه، ويخرج من تحته نهر عظيم أصفر كبريتى ذهبى اللون قال: ومسافة صعوده ثلاثة أيّام بلياليها ورأسه مدوّر يكون مقدار ألف ذراع يرى من أسفله شبه القبّة العظيمة المخروطة وفى أعلاه رمل أحمر تغوص فيه الإقدام ولا يصل إليه شئ من الطيور والوحوش لشدّة الرياح به والبرد فى أعاليه، وفى أعاليه ثلاثون نقبا يخرج منها الدخان العظيم يسمع لخروجه دوىّ شديد مثل الرعد وذلك صوت تلهّب النار فى باطنه، وقال: وفى رأسه الكبريت الأحمر الذى يصلح لعمل الكيمياء على زعم من زعم، وبين هذا الجبل وبين طبرستان عشرون فرسخا، ويقال إنّ الضحاك مسجون به وهو الضحاك الذى تسمّيه العرب السفاك حسبما يأتى من ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 142

دمان وورمان: (١) هذان جبلان أسودان مشهوران بالحجاز، وهما شامخان شديدان السواد وفيهما أنواع الثمر والسمّاق والرمّان والقرظ وهما لعرب مزينة (١١٦) وهم قوم صدق. رأس الجمجمة: وهو جبل عظيم أوّله باليمن من ناحية الشحر والأحقاف ويمتدّ فى البحر إلى الهند ومنه تطلق المراكب من بحر فارس ويمتدّ إلى المشرق ولا يدرى أين غايته فى البحر. جبل جيم: من جبال الحجاز أيضا مذكور معروف. وجرجان: قال الجوهرى ﵀: (٢) هو قريب من عكاظ ومنه يوم حرب كان لبنى عامر على بنى تميم وهو من أيّام وقائع العرب المشهورة لما نذكره. رضوى: من جبال تهامة وبينه وبين المدينة سبع مراحل وهو من البقيع على يوم، قال الجوهرى: (٣) وهو من جبال المدينة والنسبة إليه رضوىّ، وهذا الجبل تزعم الكيسانيّة أنّ محمد بن الحنفيّة فيه وأنّه دخل فى شعب من شعابه ومعه أصحابه وهم فيه أحياء يرزقون وأنّه سيخرج وهو الإمام المنتظر. وقال قدامة الكاتب: ويقارب رضوى فى ارتفاعه جبل يقال له غرور يضاهى رضوى فى العلوّ والارتفاع وكثرة المياه والشجر والمراعى ويسكن فى الجبلين نهد وجهينة فى الوبر دون المدر. ساقى دما: سم جبل، قاله الجوهرى، وهو من جبال تهامة، وقيل من اليمن، وقيل من الشام، سمّى بذلك لأنّه ليس من يوم إلاّ ويسفك عليه دما.

стр. 143

جبل الستار: بالسين المهملة المكسورة فى الحجاز، وقد ذكره الجوهرى (١) فى شعر لامرئ القيس وقال إنّهما جبلان، وقيل إنّهم ثلاثة أجبل: قطنا (٢) والستار ويذبل، قال: هؤلاء الثلاثة بحذاء بعضهم بعضا، فلذلك قيل واحد واثنان وثلاثة. سلع: (٣) جبل مشهور بالمدينة وقد أكثرت الشعراء ذكره فى أشعارهم. شابة: بالشين المعجمة، جبل بنجد ذكره الجوهرى. (٤) شعبان جبل باليمن، ويقال له (١١٧) شعب، وقال الجوهرى: (٥) ويقال له ذو شعبين، نزله حسّان بن عمرو الحميرى وولده نسبوا إليه، فمن كان منهم بالكوفة يقال له شعبيّون، ومن هؤلاء عامر بن شراحيل الشعبى ﵀ وعداده فى همذان لما نذكره، ومن كان منهم بالشام يقال لهم الشعبانيّون، ومن كان منهم باليمن يقال لهم الأشعوب وهم جميعا بنو حسّان بن عمرو، هذا لفظ الجوهرى، والشين مفتوحة فى الجميع إلاّ أنّه قال ذو شعب وذو شعبين، ولم يذكر شعبان، وكذا ذكر محمد <بن> (٦) سعد وابن الكلبى ﵏ وقدامة وغيرهم، قال أبو سعد: حدّثنا عبد الله بن محمّد بن مرّة الشعبانى، حدثنا أشياخ من شعبان منهم محمّد ابن أبى أميّة أنّ مطرا أصاب اليمن فاسترقّ موضعا فأبدى عن أزج عليه باب من الحجارة فكسر الغلق ودخل فإذا بهوّ عظيم فيه سرير من ذهب عليه رجل مشجا، قال: فشبرناه فإذا طوله اثنى عشر شبرا وعليه جباب من وشى منسوجة بالذهب وإلى جنبه محجن من ذهب وعلى رأسه تاج من ذهب فيه ياقوته

стр. 144

حمراء وهو أبيض الرأس واللحية له ضفيران وإلى جانبه لوح من ذهب مكتوب فيه بالحميريّة: باسمك اللهم ربّ حمير: أنا حسّان بن عمرو، القيل إذ لا قيل إلاّ الله، عشت بأمل ومتّ بأجل، فأتيت جبل ذى شعبين ليجرنى من الموت فكان حفرتى، قالوا: والى جانبه سيف عليه مكتوب بالحميريّة: أنا قبار، بى يدرك الثأر، وقالوا، ورأوا فى اللوح مكتوب أيضا: هلك فى هذا المكان اثنا عشر ألف قيل فكنت آخرهم. جبل شامة (١) قريب من مكّة وكذا ظفيل وقد أشار إليه بلال وقال: هل تبدون لى شامة وظفيل. شمام: (١١٨) (٢) من جبال الحجاز، مبنى على الكسر مثل قطام وحدام، ذكره الجوهرى شعران: (٣) بفتح الشين، ذكره الجوهرى أيضا وقال: سمّى بذلك لكثرة شجره وهو من جبال الموصل. عاقل: (٤) من جبال الحجاز، مذكور أيضا. ضجنان: قال الجوهرى: (٥) هو جبل بناحية مكّة وهو الذى كان يرعى عنده عمر بن الخطّاب رضى الله عنه غير الخطّاب، (٦) وقد ذكره تأبّط شرّا فى شعره لما ظهر له به الغول، قتله لما يذكر من حبره عند ذكرنا له إن شاء الله.

стр. 145

الظهران: بفتح الظاء: (١) حبل بين مكّة والمدينة وهو إلى مكّة-شرّفها الله تعالى-أقرب من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقد نزله. سيّدنا رسول الله ﷺ عام الحديبية وعام الفتح لما نذكر من ذلك. جبل العرج: (٢) بإسكان الراء: هو من جبال الحجاز بين مكّة والمدينة، قال الجوهرى: هو منزل وإليه ينسب العرجى الشاعر واسمه عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن عفّان رضى الله عنه، وسيأتى ذكره فى باب الشعراء المولّدين إن شاء الله تعالى، وروى عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمّه بإسناده إلى عبد الله بن عمر العمرى رضى الله عنه وكان من أكابر أعيان العباد بالحجاز قال: حججت فبينا أنا فى بعض الطريق إذ سمعت امرأة من هودج تكلّمت بكلام أرقتت فيه، قال: فدنوت منها وألصقت راحلتى براحلتها وقلت لها: يا أمة الله أما تستحين أما تخافين الله بهذا الكلام فى مثل هذه الطريق؟ قال: فهتكت سجان الهودج وبرزت بوجه بهر الشمس حسنا وقالت: تأمّل يا عمّ فإنّنى من اللواتى (٣) قال فيهنّ العرجى (من الطويل): أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها ... وأرخت على الخدّين بردا مهلهلا (٤) من اللواتى (٥) ... لم يحججن يبغين حسنة ولكن ليقتلن السليم البرئ المغفّلا (١١٩) قال: فقلت: لا عذّب الله هذا الوجه بالنار، قال عبد الرحمن: فبلغت هذه الحكاية لابن المسيّب رضى الله عنه فقال: إنّه لمن ظرف عباد الحجاز أما إنه لو كان بعض بعضاء العراق لقال لها اغربى فعل الله بك وترك.

стр. 146

قلت: وسقنا هذه الحكاية هاهنا لما فيها من شعر العرجى عند ذكرنا له ولما فيها من الظرف والملاحة. قال قدامة بن جعفر الكاتب فى كتاب الخراج: (١) وجبل العرج هذا يتّصل بالشام فبعضه يتّصل بلبنان وبعضه بجبل الثلج من أرض دمشق ويمتدّ إلى الروم، وقال النضر بن شميل: يأتى إلى الشام من ناحية الأبلّة ثم إلى الطور ثم إلى بيت المقدّس ثم يأبى طبرية ويمرّ بالبقاع وبعلبك ويمتدّ غربى حمص وحلب حتى يتّصل بجبل اللكام، ثم يمتدّ إلى ملطية إلى بحر الخزر، وفيه عدّة كثيرة من القلاع والحصون والمدن الكبار وتسكنه عدّة أمم من الناس. عسيب: من جهال الحجاز أيضا، قال الجوهرى: هو جبل هذيل وأنشد لامرئ القيس (من الطويل): (٢) أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإنى مقيم ما أقام عسيب وسيأتى تتمّة هذا البيت وسببه عند ذكرنا لامرئ القيس إن شاء الله تعالى، قال الجوهرى: عسيب بفتح العين وسكون الباء، قال ابن الجوزى ﵀: وقد رأيت ببلد الروم عند قيساريّة جبلا يقال له عسيب وعليه قبر يقال قبر امرئ القيس وهو أقرب إلى الصحّة لأنّ امرئ القيس مات ببلاد الروم وهو عائدا من عند ملك الروم بالنجدة لما نذكر من خبره، فأمّا عشيب بضمّ العين وشين معجمة: فجبل بالحجاز لقريش. عير: (٣) جبل بالحجاز أيضا.

стр. 147

عينين: هو من جبال المدينة بات به (١٢٠) رسول الله ﷺ وقعة أحد. غرّب: بغين معجمة، بين المدينة والشام فى بلاد كلب، قال الجوهرى: (١) وعنده عين تسمى عين غرّبة. غزوان: (٢) جبل بالطائف معروف وعليه ديار بنى سعد وليس بالحجاز مكان يبرد فيه الماء ويجمد سواه. لعلع: (٣) من جبال الحجاز أيضا، ذكره الجوهرى وقال: كانت عنده وقعة مشهورة، وأنشد (من الطويل): (٤) لقد ذاق منّا عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هزّ بالكفّ صمما وأكثروا الشعراء أيضا من ذكره فى أشعارهم. المحصّب: وهو من جبال مكّة ويشرف على ذى طوى، وقال الجوهرى: (٥) هو موضع بالحجاز وذكروه أيضا الشعراء المولّدين فى أشعارهم: كعمر بن أبى ربيعة المخزومى وأنظاره، وكذلك: الجمار: بمنى، ويقال له قزح لأنّه أوّل ما رؤى عليه قوس قزح، قال الجوهرى: (٦) وقوس قزح التى فى السماء غير مصروفة، قال: وقزح جبل المزدلفة. مخاشن: (٧) جبل بالحجاز. المقطّم: جبل مصر، ويمتدّ إلى النوبة وهو جبل مبارك وتستحفّه بالديار المصريّة مقابر عدّة من الشهداء وجماعة كبيرة من الصحابة والتابعين دخلوا مصر

стр. 148

وتوفّوا بها ودفنوا فى سفحه، قال: ويمتدّ من النوبة إلى نعمان. ونعمان: (١) جبل، وفيه واد فى طريق الطائف يخرج إلى عرفات، ذكره الجوهرى، قال: ويقال له نعمان الأراك، وقال ابن قتيبة: ونعمان جبل بالقرب من عرفة ويتّصل بوادى القرى ونواحيه، قال: وفى الحديث: خلق الله آدم من دحا ومسح ظهره بنعمان السحاب وشبه بالسحاب لأنّه يشرف على جبلى نعمان ويعلوهما. يذبل: جبل بين اليمامة والبصرة، وكذا ذكره الجوهرى، (٢) وقد ذكره الشعراء أيضا ومنهم: أبو العلاء المعرّى. يلملم: وهو ميقات أهل اليمن فى الإحرام. (١٢١) أبو قبيس: بمكّة، يقال إنّه أوّل جبل خلق على وجه الأرض وقد تقدّم، وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: هو أوّل جبل وضع فى الأرض وكان يقال له فى الجاهليّة: الأمين، لأنّ ركن البيت كان فيه مستودعا أيّام الطوفان، وهو إحدى الأخشبين المطلين على مكة: هذا مشرف على الصفا. والآخر يقال له: الأحمر والأعرق، (٣) وفى الحديث: لا نزول مكّة حتى تزول أخشباها، والأخشب: الجبل العظيم. قلت: وروى عبد الملك بن هشام (٤) فى كتاب التيجان المختصّ بأخبار حمير ملوك اليمن: أنّه سمّى بأبى قبيس لوافعة كانت فى عهد جرهم أوّل زمان، وكان ابن سيّدهم يدعى الحرث وكانت له ابنة عم تسمى ليلى وكانا متحابيان (٥) بألفة الصبى والمربا، وكان أبو قبيس يهوى ليلى أيضا وليس من أكفائها وكان يقنع منها فى

стр. 149

الحين بسرقة النظرة وهى لا تعلم، وكانت ابنة خال للحرث تسمّى رضوى، فبينا هى فى طواف البيت إذ أدركها عطش كادت تتلف منه فلم تنظر بالطواف من تدلّ عليه غير الحارث فكلمته بدالية القرابة وسألته شربة من الماء قأتاها بذلك وذلك بمرأى من ليلى عند بعد ومرأى من أبى قبيس فحمله الهوى إلى مكالمة ليلى وقال: أتنظرين يا ليلى لما فعل الحارث؟ قالت: وما فعل؟ قال: إنّه لما انطار ضوى الماء أنشدها شعرا يتضمّن تعلّقه بحبّها وأجابته أنّ بها أضعاف ما به، قال: ولم يكن القوم يعرفون قبل ذلك كذبا ولا اختلافا، قال: فرجعت إلى أحياء أبيها وقال لترحلنّ بنا أو أعدم نفسى الحياة، قال: فأمر بالرحيل من وقته فبلغ ذلك الحارث فأتا ابنة عمّه فحلفت لا عادت تفاوضه بكلام واستمرّ رحيل القوم فحقّق الحارث الحال فوجده من أبى قبيس فاخترط سيفه وقصده فهرب منه فى أبى قبيس وهو هذا الجبل ولم يطلع (١٢٢) له بعدها على أثر ولا علم له خبر، فنسب الجبل إليه وسمّى باسمه. قلت: ولنذكر هاهنا تتمّة الخبر وما كان من أمر الحارث وابنة عمّه ليلى لإكمال الفائدة ولما فيه من رقّة الشعر، قال عبد الملك بن هشام: وكان ممّا ألفاه أبو قبيس على لسان رضوى والحارث من الشعر أنّه قال لليلى لمّا سألته عن قولهما فقال: إن الحرث لمّا ناولها الإناء الماء أنشد (من الطويل): (١) (٢) إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق ... كلاما ما تكلّمنا بأعيننا شزرا (٣) فنقضى ولم يفطن (٤) ... لنا كلّ حاجة ولم نظهر الشكوى ولم نهتك السترا ولو قذفت أحشاؤنا ما تضمّنت ... من الشوق (٥) والبلوى إذن قذفت جمرا

стр. 150

قال فأجابته رضوى تقول (من الكامل): (١) ومراقبين (٢) ... يكاتمان هواهما جعلا الصدور لما تجنّ قبورا يتلاحظان تلاحظا فكأنّما ... يتناسخان من الجفون سطورا قال: ثم إنّ الحرث آلا على نفسه لا يذوق طعاما ولا شرابا حتّى تعود ليلى إلى الأحياء، قال: وآلت ليلى على نفسها أنّها لا تعود حتى تزول الأخشبين، قال، وعاد الحرث هائما لا يذوق شيئا وله أشعار كثيرة فى مدّة سبع أيّام حتى قضى نحبه، فمنها وقد وقف على منهل وكان يوما صائفا وقد حميت الرمضاء والعطش قد زاد به فقال (من الكامل): لو كنت أطلب حظ نفسى فى الهوى ... وطلابه يرزى بمطلبيه لم أجتنب ذاك الجناب وأرتضى ... حر الهجير على مقيلى فيه وأصد عن تلك الموارد حائما ... والقلب يعلم أنّها ترويه حسبى بحظّى أن تصحّ بأنّه ... لا حظّ لى فى حبّكم أبغيه قال: وكان آخر شعر قاله وفاضت نفسه (من الطويل): (٣) ذكرتك ذكرى هائم بك تنتهى ... إليك أمانيه وإن لم يكن وصل (١٢٣) ولست بذكرى ساعة بعد ساعة ... ولكنّها موصولة ما لها فصل قال: ثم شهق شهقة فاضت فيها نفسه، قال: فبلغ خبره ليلى وعلمت أنّها ظلمته لما سعى به أبو قبيس فسألت كيف كان موته فأخبرت، فآلت على نفسها لا تتلمّص بزاد ولا تذوق ماء حتى يرد جمل أبيها ورده وكان لا يرد إلاّ عن عشر ليال، ولها أيضا أشعار كثيرة رقيقة فمن ذلك (من الطويل):

стр. 151

ألا حبّذا البطحا (٢) وطيب ترابها... وأرض خلاء يصدح الليل هامها ونصّ المهارى العشيّان والضحى ... إلى نفر وحى العيون كلامها (١) ومن شعرها واعتدّوا به فى الطبقة العليا فى معناه قولها (من الطويل): (٣) وما وجد ملواح عن الهيم حلّئت ... عن الورد حتى جوفها يتصلصل (٤) تحوم وتغشاها العصىّ وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل بأكثر (٥) ... منّى لوعة وتطلّعا إلى الورد إلاّ أنّنى أتحمّل قال: وفاضت نفسها فى اليوم الذى فاضت فيه نفس ابن عمّها الحارث وفى ساعته التى قضا فيها فدفنا جميعا فى لحد واحد، قال: ثم إنّ رضوى أيضا آلت على نفسها ما آلاه حتى لحقت بهما من غير هوى كان بها وإنّما قالت: أنا كنت السبب لذلك فأنا أحقّ بالموت منهما، قال عبد الملك بن هشام: فالحارث وليلى أوّلا متيّما فى العرب ماتا بعزّة النفس. قلت: أما الشعر الأوّل الذى انتحله أبو قبيس على لسان الحارث الذى أوّله يقول: إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق. . .

стр. 152

فقد أخذه سالم بن الوليد (١) فقال (من الطويل): جعلنا ملامات (٢) ... المودّة بيننا دقائق لحظ هنّ أخفى من السحر فأعرف منها الوصل فى لين طرفها ... وأعرف منها الهجر فى النظر الشزر (١٢٤) وقال العبّاس بن الأحنف (من الكامل): (٣) يا من يكاتمنى تغيّر قلبه ... سأكفّ نفسى قبل أن تتبرّما وأصدّ عنك وفى يديىّ بقيّة ... من حبل ودّك قبل أن يتصرّما يا للرجل لعاشقين توافقا ... فتخاطبا من غير أن يتكلّما حتى إذا خافا العيون وأشفقا ... جعلا الإشارة بالأنامل سلّما وقال البحترى (من الخفيف): (٤) يتبسّمن من وراء حواشى (٥) ... الربط عن برد أقحوان الثغور ويسارقن والرقيب قريب ... لحظات يخلسن (٦) سرّ الضمير ضعف الدهر عن هوانا وما الدهر ... على كلّ دولة بقدير وكذلك معنى الشعر الثانى المنتحل على الحارث من أبى قبيس ليس بينهما فرق بل هو هذا المعنى بعينه، وكثير ما تمت الأحوال على أهل الضر، فورى عنها بضروب من العدد كقول أحمد بن أبى فنن (من الطويل):

стр. 153

(١) ... ولما أبت (٢) عيناى أن تملك البكاء وأن يحبسا سحّ الدموع السواكب ما ابت كيلا ينظر الدمع منكر ... ولكن قليل ما بقاء التناؤب أعرّضتمانى للهوى ونممتما ... علىّ لبئس الصاحبان لصاحب ولقى بشّار أبا العتاهية فقال له: يا أبا إسحق أنشدنى ما أحدث ما عملت فأنشده (من الكامل): (٣) ومسامر (٤) ... أضحى يسا رقنى البكاء من الحياء فإذا تفطّن لامنى ... فأقول ما بى من بكاء لكن ذهبت لأرتدى ... فطرفت (٥) عينى بالرداء فقال: أحسنت إلاّ أنّك سرقته من قولى (من الوافر): (٦) كتمت عواذلى ما فى فؤادى ... وقلت لهن ليتهم بعيد (١٢٥) ففاضت (٧) ... عبرة أشفقت منها كأنّ مسيل وابلها فريد فقالوا قد بكيت (٨) ... فقلت كلاّ وهل يبكى من الطرب الجليد ولكنى أصاب سواد عينى ... عويد قذا له طرف حديد فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتى (٩) مقلتيك أصاب عود لقبل دموع عينك خبّرتنا ... بما جمجمت زفرتك الصعود

стр. 154

ومن ما ذكر فى هذا الشعر الطرب شعر رقيق يكاد يكون للروح اللطيف شقيق وهو (من البسيط): (١) أتهجرون فتى أغرى بكن تيها ... حقّا لدعوة صبّ أن تجيبوها أهدى إليكم على بعد تحيّته ... حيّوا بأحسن منها أو فردّوها زمّوا المطايا (٢) ... غداة البين وارتحلوا وخلّقونى على الأطلال أبكيها شيّعتهم (٣) ... فاسترابونى فقلت لهم إنّى بعثت مع الأجمال أحدوها قالوا فما نفس (٤) ... يعلو كذا صعدا وما لعينيك لا ترقى مآقيها قلت التنفّس من تدآب (٥) ... سيركم والعين تذرف دمعا من قذا فيها حتى إذا ارتحلوا والليل معتكر ... خفضت فى جنحه صوتى أناديها يا من بها أنا هيمان ومختبل ... هل لى إلى الوصل من عقبى أرجّيها نفسى تساق إذا سيقت ركابيكم (٦) ... فإن عزمتم على قتلى فسوقوها وأمّا شعر ليلى الذى أوّله تقول: وما وجد ملواح عن الهيم حلئت. . . فنظيره قول جميل بن معمر العذرى (من الطويل):

стр. 155

(١) ... وما صاديات حمن يوما وليلة على الماء يغشين (٢) العصىّ حوان لواغب لا يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنّ من برد الحياض دوان (٣) يرين حباب الماء والموت دونه ... منهنّ لأصوات السقاة روان (٤) (١٢٦) بأكثر منى غلّة وصبابة ... إليك ولكن الغدوّ عدانى وقال أبو الهذيل ابن العلاّف: (٥) لا يجوز فى دور الفلك ولا فى تركيب الطبائع، ولا فى القياس، ولا فى الحسّ، ولا فى الممكن، ولا فى الواجب: أن يكون محبّ ليس لمحبوبه إليه ميل. وكان ليوسف بن القسم بن صبيح غلام أسود (٦) نشأ فى بادية الأعراب فتولّع بجارية لبعض أهله فشكى إلى مولاه فضربه وحبسه وحلف ألاّ يطلقه إلاّ بعد شفاعة من شكاه فقيل للعبد وهو مسجون: أتحبّك طلابتك كما تحبّها أنت فقال (من الطويل): كلانا سواء فى الهوى غير أنّها ... تجلد أحيانا وما بى تجلّد تخاف وعيد الكاشحين وإنّما ... أحنّ (٧) إليها حين أصى وأبعد قال: فبلغ مولاه يوسف شعره فقال: وإن فيه لهذا الفضل فركب من وقته واحتال حتى أوصله إلى الجارية. أخذ الناشئ هذا فقال (من الكامل): (٨) عيناك شاهدتان إنّك من ... حرّ الهوى مجدين ما أجد بك ما بنا لكن على مضض ... تتجلّدين وما بنا جلد

стр. 156

رجع ما انقطع ذكر تتمّة الجبال جبل الفتح: (١) هو من أعظم الجبال فى الدنيا وفيه أمم كثيرة وممالك غزيرة، يجمع اثنان وسبعون أمّة، كل أمّة لها لسان وملك وفيه شعاب وأودية ومدينة باب الأبواب على حدّ شعابه بناها كسرى أنو شروان وجعلها حدّا فاصلا بينه بين الخزر وجعل حدّ (١٢٧) السور ومبدأه من البحر إلى أعالى الجبل وذلك نحو من أربعين فرسخا حتى ينتهى إلى طبرستان، وجعل على كلّ ثلاثة أميال من هذا الجبل بابا من الحديد وعنده حفظة، وأسكن هناك أمما مختلفة لحفظ الحدّ من العدوّ مثل الخزر والترك والان (٢) وغيرهم، ومسافة هذا الجبل من أوّل أعالى أسوان وحدود اليمن مدّة شهرين إلى أن ينتهى إلى قلعة باب الأبواب، وبينها وبين بغداد أربعمائة فرسخ، وهذه القلعة على واد عظيم من هذا الحدّ بالجبل المذكور لا سبيل لأحد على العبور إلاّ من تحتها، وهى على جبل مدوّر يخرج من وسطها عين ماء، وفى جبلها قرود يقف القرد على رأس الملك فإن كان الطعام مسموم غمز القرد الملك فامتنع منه، قال: والذى بناها أنو شروان، هذا من رواية ابن الجوزى ﵀. وأمّا رواية المسعودى ﵀ (٣) فقال: فى هذا الجبل عجائب كثيرة منها خسفة قدير دورها فرسخا طولا فى مثله عرضا، وفيه قرود كهئة الآدميّين يتحيّل عليهم ويصاد منهم ويهدوا إلى الملوك، ومن خاصّيّة الفرد منهم أن يجلس على طعام الملك فإن كان مسموما عرق القرد حتى يرشح عرقه فيفهم أنّ الطعام مسموما فيمتنع منه،

стр. 157

ومنها أنّ بهذا الجبل أيضا خسفة أخرى أعظم من تلك الخسفة بأضعاف مضعقة ودورها أملس منحوتا لا يقدر على النزول إليها بوجه من الوجوه ولا يصل إلى سفلها جبل لعظم عمقها وفى سفلها أمّة من الأمم لا يعلم ما هم من الإنس ولا من الجنّ غير أنّهم يرون كأصغر ما يكون لبعد مسافة عمق تلك الخسفة وعندهم أشجار وأنهار ودوابّ ومواشى وغير ذلك وينظر إليهم (١٢٨) يغدون ويروحون فى معاشهم ولا يصل إليهم أحد ولا يصلون إلى أحد، هذا ما ذكره المسعودى فى كتابه مروج الذهب، (١) وقال فيه: إنّ الذى بنا قلعة باب الأبواب اسفنديار من ولد بهراسف من أوّل طبقة ملوك الفرس الأول ورتّب فيهم رجالا، ويقال إنّ هذه القلعة فتحت فى أيّام عبد الملك بن مروان ورتّب فيها رجالا من المسلمين من العرب وهم إلى هلمّ جرا يتوارثون أمرها وتنقل إليهم الموادّ من تفيس ونواحيها، قالوا: وبينها بين تفليس عشرة أيّام وأهل تفليس ساعدونهم خوفا من العدوّ، قالوا: ووراء هذا السور قوما من العرب يتكلّمون بالقحطانيّة وبينهم وبين هذه القلعة عشرة أيّام، وقيل ثلاثة أيّام، ثم تلى هذا السور من ناحية المشرق أمم كثيرة: خزر، وترك، ولان، وقفحاق، وغيرهم، ولهم ملوك منهم ملك السرير سمّى بذلك لأنّ يزدجرد لمّا أحسّ بزوال ملكه فى آخر أيّام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه بعث سريرا من الذهب وأموالا عظيمة إلى تلك الديار، وهلك يزدجرد لما نذكره إن شاء الله تعالى فى أيّام عثمان بن عفّان رضى الله عنه، فغلب على هذا السرير رجل من نسل بهرام جور وملك تلك الناحية وفيها اثنا عشر ألف قرية، ثم يلى هذه المملكة: اللان ويقال لملكهم كرحاح (٢)

стр. 158

وله مدينة يقال لها ماعص (١) وعسكره ثلاثون ألفا، وممّا يلى هذه الممالك جبال فيها قرود كثيرة غير تلك القرود المقدّم ذكرها على صور بنى آدم ولكن ليس لهم تلك الخاصّيّة المقدّم ذكرها. قلت: وهذه الممالك كلّها عادت بأيدى التتار عند وضع هذا التأريخ لما نذكر من أمرهم إن شاء الله تعالى. قاسيون: جبل شمال دمشق فيه آثارات كثيرة منها: مغارة الدم ومغارة الجوع ومسجد الكهف وقبور الزهّاد والأولياء والعلماء وهو جبل مبارك والنفس ترتاح إليه وتختبر المقام به، ومن سكنه لا يطيب له (١٢٩) سكنى غيره. وجاءت فيه آثار، قال ابن الجوزى ﵀: حدّثنى به الشيخ الصالح أبو عمرو المقدسى ﵀ قال: بلغنى عن كعب الأحبار أنّه قال: أوحى الله تعالى إلى قاسيون: هب ظلّك وبركتك لجبل بيت المقدس! ففعل، فأوحى الله إليه لن تذهب الأيّام والليالى حتى أردّ إليك خيرك وبركتك وظلّك ويبنى لى فيك-أو قال: فى ركنك-بيت أعبد فيه بعد خراب البيت أربعين سنة، قال، فقاسيون بين يدى الله تعالى بمنزلة العبد الخاضع المتواضع المسكين. وذكر الحافظ أبو القسم ابن عساكر ﵀ فى تأريخه: (٢) هذا الأثر عن القسم أبى عبد الرحمن ولم ينسبه، وذكر البيت قال: هو جامع دمشق، وإنّ رجلا سأل رسول الله ﷺ عن دمشق فقال: بها جبلا يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه وفى أسفله غار من الغرب فيه ولد إبراهيم ﵇، وذكر حديثا فيه أماكن، قال ابن الجوزى ﵀: والعجب من رواية مثل هذا

стр. 159

الحديث الذى اللفاظه (١) تنطق بوضعه على رسول الله ﷺ فإنّ أحدا من العلماء لم يذهب أنّ قابيل قتل أخاه هابيل بالشام قطّ ولا أنّ الخليل ﵇ ولد بالشاء وإنّما ولد ببابل وإنّما المنقول عن كعب الأحبار فى هذا الباب ما رواه الثكالى: أنّ كعبا قدم الشام ومعاوية بن أبى سفيان أميرا بها من قبل عثمان رضى الله عنه، وكان معاوية لمّا بلغه قدوم كعب إلى القدس فى سنة ثلاثين قال: يا ليت لنا من يخبره بفضائل دمشق وبلغ كعبا فلمّا نزل من عقبة شحرورا دمشق نظر إلى قاسيون فقال: لا إله إلاّ الله هذا مكان قتل فيه ابن آدم أخا، كذا وجدته فى التوراة وهذا الكهف الذى عزّت فيه الملائكة لآدم (١٣٠) وهذا الغار الذى ولد فيه إبراهيم، وأشار إلى برزة، وعاد يقول: وهذا مكان كذا وهذا مكان كذا، وبلغ معاوية فبعث إليه بمال كثير، ومعلوم أنّ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه كان يعلو كعبا بالدرّة ويقول: دعنا من يهوديّتك: وإنما تزار هذه الأماكن بحسن الظنّ فإنّ الأعمال بالنيّات، وقد طرقها خلق كثير من السادات. جبل قدس: (٢) بإسكان الدال، جبل عظيم بأرض نجد وقد ذكرته العرب. قطن: (٣) جبل معروف، وكانت عنده رقعة لعبس وذبيان بالحجاز، وقد ذكروه فى أشعارهم. لبنان: جبل بالشام، وهو من أعظم الجبال بركة، وأصله من الحجاز يأتى من العرج ويتّصل بالجبال التى على ساحل البحر الشرقى على الطور وأيلة ويتّصل إلى بيت المقدس ثم يمتدّ على البقاع وبلد حمص وحلب والثغور، ثم يمتدّ إلى الروم ويتّصل باللكام، وفيه العيون الباردة والأشجار المثمرة والمساحات الكثيرة والحشائش التى تدخل فى الدرياقات، (٤) ويقال إنّ فيه حشيشة الكيمياء

стр. 160

بزعم من زعم، وفيه الصالحون والأبدال، وفيه جبل يقال له جبل الدير مطلّ على ساحل البحر ببيروت، يقال أنّه الجبل الذى قال فيه كنعان بن نوح: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ»﴾ (١)، وفى سفحه أيضا قرية يقال لها كرك نوح فيها قبر يقال إنّه قبر نوح ﵇، وفى سفحه أيضا قبر شيبان الراعى وقصته مع دنون (٢) المصرى مشهورة. وحكى عن بن الكلبى عن كعب الأحبار قال: قدم الخليل ﵇ الشام فاشتاق إلى بيت المقدّس فقال: يا ربّ أرنى الأرض المقدّسة! فقيل له: اصعد على لبنان انظر إلى أىّ مكان انتهى بصرك فهى مقدّسة، أو قيل: فهو مقدّس، وروى عن شقيق البلخى رضى الله عنه أنّه قال: (١٣١) ما اتّخذ الله وليّا حتى يسحب ذيله على لبنان: جبل اللكام: وقد ذكره ابن حوقل فى كتاب الأقاليم (٣) فقال: جبل اللكام هو الفاصل بين الغرين يعنى الشام والجزيرة لأنّ كلّ ما كان وراء الفرات من الشام ومن ملطية لى مرعش جزيرة، قال: واللكام داخل فى بلاد الروم، ويقال إنه ينتهى إلى نحو مائتى فرسخ ويمرّ على مرعش وعين زربة الهارونيّة، وإلى هاهنا يسمّى اللكام إلى أن يجاوز الادقيّة فيسمّى جبل بهرا ويتمّ إلى حمص ويتّصل بلبنان ويمرّ على فلسطين حتى ينتهى إلى بحر الفلزم ويتّصل بالمقطّم جبل مصر، قال: وأوّله بالمشرق فى بلد الصين خارجا من البحر المحيط فيقطع بلاد التبّت وفرغانة ثم يمرّ على سمرقند من شمال الصغد ويقطع نهر جيحون إلى الخزر ويكون عن يمين القاصد من خراسان إلى العراق ومنه يتشعّب جبال جرجان وطبرستان والديلم،

стр. 161

ويتّصل بجبال آذربيجان والرىّ، ثم يعود إلى همذان وحلوان، ثم إلى شهرزور ويقطع دجلة بنواحى تكريت إلى حديثة الموصل ثم إلى الجودى ثم إلى آمد، ومنه يتشعّب جبال أرمينية، ثم يمرّ إلى جبل الفتح (١) وباب الأبواب إلى بحر الخزر إلى بلاد ياجوج وماجوج، ثم يتشعّب منه جبل يأخذ إلى الفرات ويتّصل بسميساط إلى مرعش النى ابتدأ منها، قال: وإذا وصل إلى المقطّم قطع النيل، ثم مضى إلى برقة وأقصى المغرب، ثم إلى البحر المحيط. فالحاصل أنّ ابن حوقل قال: إنّه يخرج من البحر المحيط بالصين وينتهى إلى البحر المحيط بالمغرب، وهذا تخليط ظاهر لأنّه جعله أوّلا الفاصل بين الشاء والجزيرة فينبغى أن ينقطع عن الفرات بأرض ملطية، ثم خلّطه بجبال خراسان والشرق ولبنان (١٣٢) ومصر، وأين جبال مصر من جبال الشام وما وجه الاتّصال بها؟ وإنّما كلّ جبل على حدّة، وذكر غير ابن حوقل وقال: واللكام جبل مبارك فيه الأبدال والمباحات والعيون وحدّه من مرعش إلى ملطية عرضا ويمتدّ فى بلاد الروم طولا إلى حيث يعلم الله تعالى، وأمّا الجبل الذى يقطع بنواحى تكريت فهو جبل حمر بن مشهور بنواحى العراق. ق: وهو الجبل المحيط بالدنيا، ذكر أبو إسحاق الثعلبى ﵀ فى تفسير قوله تعالى: ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ»﴾ (٢)، عن ابن عبّاس أنّه جبل من زمرّدة خضراء محيط بالدنيا، وخضرة السماء منه، وعليه كنف الدنيا، وما وجد الناس من الزمرّد فهو ممّا يتساقط منه. قال وهب بن منبّه: لمّا مرّ عليه ذو القرنين رأى حوله جبالا صغارا فناداه: يا قاف ما هذه الجبال التى حولك؟ فقال: عروقى ليس فى الدنيا مدينة إلاّ وفيها

стр. 162

عرق من عروق، فإذا أراد الله أن يلزلزل (١) أرضا أمرنى فحرّكت ذلك العرق فتزلزلت تلك البقعة من الأرض، فقال الإسكندر: فهل وراءك شئ؟ قال: نعم! أرض طولها خمس مائة عام، فيها جبال من ثلج تحطم بعضها بعضا ولولا ذلك لاحترقت من حرّ جهنّم. وقد ذكره الجوهرى (٢) فقال: قاف جبل محيط بالدنيا، روى عكرمة عن ابن عبّاس قال: بنى إبراهيم الكعبة من خمسة أجبل: أبى قبيس، وطور سينا، وطور زيتا: وهو جبل بيت المقدس، والجودى، ولبنان. وفى الأقاليم جبال شوامخ وعرة فى ناحية الشمال، النهار عندهم أى أهلها ساعة ونصف لأنّ الشمس منحرفة عندهم، وفى المغرب جبال وعرة تسكنها البربر ويعصون فلا يقدر أحد عليهم، وفى الأندلس جبال فيها حجارة (١٣٣) تتّقد فى الليل ويظهر منها الدخان فى النهار، قال ابن الجوزى ﵀: ذكر جدّى فى كتابه المنتظم قال: وفى اليمن جبال منها جبلين عظيمين بينهما فى السهل مسيرة ثلاثة أيّام ورأسهما متقاربان بحيث يتناول الرجل الرجل من رأس الجبل ما يريد لضيق ما بينهما. ذكر الهضاب والتلال والتلاع والرمال (٣) حكى سيبويه ﵀ عن الخليل بن أحمد ﵀ قال: الهضبة اسم لما دون الجبل، وقال فى الصحاح: (٤) هى الجبل البسيط على وجه الأرض والجمع الهضبات، والضراب والأعلام والتلال والتلول أيضا، والصوة بمعنى الهضبة، وكذلك التلعة وجمعها تلاع وكثير من هذا المعنى وهنّ كثيرات لا تحصى، وأمّا العقاب

стр. 163

فكثيرة جدّا، منها: عقبة سرنديب، والهند، والصين، وعقبة ساوة، وهمذان، وحلوان، وفى خراسان عقاب كثيرة، وفى الرىّ، وفى الحجاز عقبة هرشى، وذكره الجوهرى (١) وقال: هرشى ثنيّة فى طريق مكّة، قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ولها طريقان، فكلّ من سلكها كان مصيبا غير خاطئ، قال الشاعر (من الطويل): خذى أنف هرشى أو قفاها فإنّه ... كلا جانبى هرشى لهن ولهن (٢) يعنى: الإبل، وفى طريق الحجاز أيضا: عقبة أيلة من طريق مصر، وفى اليمن عقاب كثيرة لا يدرك غايتها، وفى الشام من طريق مصر عقبة فيق، وعقبة شجر، وعقبة الكرسى، وفى لبنان أيضا، وقد أشار إليها المتنبّى بقوله (من الكامل): (٣) وعقاب لبنان وكيف بقطعها ... وهو المساء وصيفهن شتاء (١٣٤) وأمّا الرمال فكثيرة: منها الأحقاف وهى ديار عاد وبها الرمل الكثير، قال الجوهرى: (٤) الحقف بكسر الحاء المعوجّ من الرمل والجمع أحقاف، ومنها رمل عالج. قلت: ولى فى ذكره من رسالة، وسوقا لو عاناه الأعرابى لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلى لا يثنى بكبد ذات حرق ولواعج. وعالج موضعا بالبادية وقد ذكره ابن عبّاس رضى الله عنه فى مسئلة الغول فقال: والذى أحصى رمل عالج، وذكرته الشعراء كثيرا، وكذلك رمل زرود وهو بين مكّة والعراق، ومنها الرمال التى بين مصر والشام بعدّة منازل تسمّى رمل الغرابى (٥) ويبتد ئ من منزلة القصير إلى حدود غزّة عند الجماميز، وهناك بئر

стр. 164

تعرف ببئر طرنطاى، وهذه المسافة مسيرة ستّة أيّام هذا فى نفس الطريق الشامية من الديار المصرية وينتهى إلى تيه بنى إسرائيل ومتّصل بالطور والبحر والحجاز. وقد ذكره ابن حوقل ﵀ فى كتاب الأقاليم (١) فقال: والرمل المعروف بالهبير هو الذى طوله من وراء جبلى طئ إلى أن يتّصل بالجفار من أرض مصر قال: وعرضه من الشقوق إلى الأجفر ويقطع النيل إلى المغرب ويمتدّ فى أرض سجلماسة إلى البحر المحيط، وله عرق يضرب إلى عمان والبحرين ويقطع البحر الشرقى إلى جيحون وخوارزم وسمرقند ويتّصل بالصين وفيه اللوان (٢) مختلفة: أصفر، وأحمر، وأبيض، وأسود. قلت: أمّا قوله: يقطع النيل، فوهم فإنّه لا يتعدّا منزلة القصير وبين القصير وبين النيل مسافة ثلاثة أيّام وبينهما بلاد ومزارع وأعمال مصر بالوجه البحرى كأعمال الشرقيّة ببلبيس وأعمالها متّصلة بالنيل، وكذلك الغربيّة بالمحلة وأعمالها متّصلة بالمالح، وكذلك أعمال إشموم متّصلة إلى دمياط بالمالح. وأمّا اتّصاله بالمالح وهو البحر الرومى فنعم، فلو قال: إنّه يتّصل بالمغرب بعد قطعه المالح كان أقرب، ولعلّ الرجل ما دخل مصر فنقل عن سماع فإنّه فاضل مطّلع ﵀. وقال قدامة بن جعفر ﵀ فى كتاب الخراج: وفى وسط البحر الشرقى يعنى الحبشى كثيب رمل أحمر بعيد المسافة وفيه أمّة سود الألوان عظام الأجسام، يقال إنّهم يأكلون الآدميّين من البيض إذا وقعوا بهم من التجّار الغرقى والذين تسوقهم إليهم الرياح لآجالهم. وأمّا التلاع فأبلغ من أن تحصى.

стр. 165

ذكر القلاع المشهورة (١) وهى أكثر من أن تحصى فى الأقاليم السبع، فمن قلاع المشرق: قلعة سليمان بإصطخر: يقال إنّ الشياطين بنوها له ﵇ فإنّها من عجائب الدنيا فى البناء والارتفاع والحصانة، وقلعة بفارس بناها زياد بن أبيه لمّا كان على العراقين من قبل معاوية رضى الله عنه لما نذكر من خبره، وقلاع أخر بفارس انطرور ودبول وكردكوه، وفى خراسان حصون كثيرة مذكورة وكذ (٢) فيما وراء النهر، فمن حصون خراسان قلعة نيزك وهى قلعة عظيمة فتحها يزيد بن المهلّب بن أبى صفرة فى سنة أربع وثمانين، وقد مدحها الشعراء وليس بالشرق بعد قلعة سليمان أحصن منها، ومن ذلك قلعة باب الأبواب بجبل الفتح، (٣) وقد تقدّم ذكرها، وفى جبل الفتح عدّة قلاع، وقد تقدّم القول بذلك. وفى بلاد أرمينية قلاع كثيرة لهم حصانة مانعة. ومن قلاع الجزيرة قلعة ماردين، قال ابن المنادى ﵀: أسّست قلعة ماردين على مصابرة العدوّ أربعين سنة، فلو نزل عليها ملك بجيشه لما طاق فتحها عفوة. قال (١٣٦): وفيها من العيون العذبة عشرة أعين، وهذا قول ابن المنادى وهو أيضا وهم، فإنّ المعتضد فتحها عنوة بالسيف فى مدّة يسيرة، وكذلك العادل بن أيّوب أقام عليها دون التسعة أشهر واستظهر على فتحها فجاءه خبر وفاة ابن أخيه الملك العزيز بمصر وخلف أولاد أخوه فرحل عنها ولو استمرّ عليها عشرة أيّام أخر افتتحها، وأمّا قوله: إنّ فيها عشرة أعين فقد ذكر لى جماعة من أهلها: أنّ لم يكن بها غير عين واحدة وهى يسيرة جدّا، وربّما تنقطع فى وقت من السنة.

стр. 166

وقد ذكر أيضا ابن حوقل (١) فقال: وجبل ماردين من قرار الأرض إلى ذروته مسيرة فرسخين أو نحو فرسخين، و <عليه> (٢) قلعة لحمدان بن الحسن بن عبد الله ابن حمدان تعرف بالبازى الأشهب لا يستطاع فتحها عنوة، وفى الجبل جوهر الزجاج وبه حيات عظام، وفى الجملة فهى أحصن قلاع الجزيرة. وفى الشام قلاع كثيرة منها: قلعة حلب وتسمّى الشهباء، فإنّ ملك الروم نزلها وفتح البلد ولم يقدر عليها، وكان سيف الدولة ابن حمدان ﵀ يفتخر بها مع اتّساع ملكه فى ذلك الوقت ويقول: معقلى حلب وشاعرى المتنبىّ، وبقلعة حلب آثار إبراهيم الخليل ﵇، ويقال: إنّه أوى إليها عند دخوله إلى الشام، وعلى الجملة فإنّها لم تزل تعدّ فى القلاع المانعة حتى افتتحها هلاوون فى المدّة اليسيرة حسبما سنذكره من ذلك مع سائر ما ذكرنا من القلاع المانعة، لم يتّسع على القوم سهل ولا جبل ولا اغنى منهم خيل ولا خول ولا مكر ولا حيل ولم يزالون على ذلك إلى أن كسرهم الله تعالى على يد السلطان الشهيد والبطل الصنديد سيف الدنيا والدين قطزّ تغمّده برحمته وأسكنه جنّته برحمته. (١٣٧) ومن قلاع الشام أيضا قلعة حمص، وحماة، وبعلبك ودمشق، وصرخد، وعجلون، والكرك، والشوبك قبل خرابه، وكان أيضا (٣) مثل قلعة القدس، وكوكب، والطور، وتنين، وهونين، وعكّا، وطرابلس، هؤلاء بالساحل وغيرهم أيضا يأتى أسماؤهم عند فتوحهم وعودتهم فى أيدى المسلمين، أدام الله ذلك إلى يوم الدين. وأمّا الديار المصريّة فيها أشرف القلاع، التى تشرّفت بساكنها على سائر البقاع، وتشنّفت بذكر محاسنها الأسماع:

стр. 167

قلعة الجبل المحروسة التى أضحت بالمقام الشريف الناصرى مأنوسة، فعادت بزينتها بين سائر قلاع الأرض تتجلاّ كالعروسة، لما شيد فيها من البنيان، الذى يعجز عن وصف بعضه صاحب علم البيان، فليس الخبر كالعيان، فتبارك الله الملك الديّان، الذى أيّد مولانا السلطان، بالملائكة والقرآن، حتى ذلّ له الزمان، وعادت أيّامه من صروفه فى أمان، فهو فى مشرفه معد بن عدنان، وفى فصاحته قس وسحبان، وفى بلاغته قدامة بن حطان، وفى كرمه برمكىّ الإحسان، وفى كتابته على ثان، وفى عدله كسرى أنو شروان، الملك العظيم الشأن، ساهر من الثقلان، المتوّج بالنيران، الشمس والقمر من غير نقصان، ولا تدركهما آية الكسوفان، فهو مولانا وسيّدنا السلطان، الملك الناصر، الناصر لملّة القرآن، سمّى سيّد ولد عدنان، محمّد صلى الله عليه كلّما صدح قمرى على أعلا أغصان، والمستبشر به لإعلاء دينه على سائر الأديان، فهو فى عصره سليمان، ذلّت لهيبته ملوك الإنس والجانّ، فلو أدرك زمانه النعمان، لكان من جملة الغلمان، أو قيصر وكسرى وخاقان، (١٣٨) لكانوا من بعض الأعوان، ولو نال من قبله بشر فى الأفلاك مكان، لكان ظهر جواده السماكان، فقلوب الخلائق تحبّه وحبّ الخلق لحبّ الخالق عنوان، فهو مكىّ الحرم، برمكىّ الكرم، هاشمىّ الفصاحة، حاتمىّ السماحة، عثمانىّ الحياء، لقمانىّ الذكاء، يوسفىّ الخلق، محمدىّ الخلق، يظنّ فى الكرم بحرا، ويحسب لفظه للحسن شجرا، إذا أفصل فصلا كان قولا فصلا، وإذا أصل أصلا لم يستطع أحد من الملوك مثله أصلا (من البسيط): فاق الملوك بأخلاق مهذّبة ... وفات من كان جاراه وباراه توطّد الملك مذولى ولايته ... واستبشرت حين راعاه رعاياه

стр. 168

وقام بالأمر مذ نيطت تمائمه ... قيام مضطلع قواه تقواه وأعلن العدل حتى أمّ مذهبه ... من كان قدما تعدّاه وعاداه وجدّد الجود حتى لاح معلمه ... للمجتدين وطرّاه وأطراه فالدين والملك والأقوام قاطبة ... راضون عن سعيه والله والله فلله درّه من سلطان عادل، وملك فاضل، يطيل الأقبال، ويزيل الأقلال، ويتفقّد الأحوال، وينتقد الرجال، ويكشف النوازل، ويعرف المنازل، بهىّ المنظر، رضىّ المخبر، لا يخيبه أمل، ولا يقهره بطل، جبر الرعيّة بفضله، وعمّ البريّة بعدله، وحصن الأنام بكفايته، وحسن الأحكام بدرايته (من الكامل): متيقّظ العزمات مذ نهضت به ... عزماته نحو العلى لم يقعد وتكاد من نور البصيرة أن يرى ... فى نومه فعل العواقب فى غد وسنذكر فى جميع أجزاء هذا التأريخ من بعض محاسنه ما يليق كلّ (١٣٩) فصل من فصوله الحسان، ولا ندرك بعض بعض محاسن سيرة مولانا السلطان، ويأتى أيضا من ذكر هذه القلعة المنصورة، التى عادت محاسن الدنيا فى كلّ مقصورة منها عليها مقصورة. فصل فى ذكر البحار والجداول والأنهار (١) قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٢) بإسناده إلى شيخ كان مرابطا بساحل البحر قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فقال: حدّثنى عمر عن النبىّ ﷺ أنّه قال: ليس من ليلة إلاّ والبحر يشرف على الأرض يستأذن ربّه ثلاثا هل ينفضح على الأرض فيكفّه الله تعالى.

стр. 169

قال ابن الجوزى ﵀ إنّ جدّه ﵀ ذكر الحديث فى الواهية، وقال: الشيخ الذى فى الحديث مجهول، ثم قال: لا يقدح فى الحديث فقد أخرج الحميدى فى آخر الجمع بين الصحيحين عن رجل مجهول وغيره، وإنّما الحديث الذى ضعّفوه رواه أبو هريرة وغيره: إنّ الله تعالى كلّم البحر الشامى فقال: يا بحر ألم أخلقك وأكثرت ماءك، وهو حديث طويل، قال ابن الجوزى: قال جدّى ﵀: فى طريق هذا الحديث عبد الرحمن العمرى اتّفقوا على تركه، وذكر غيره وقال: إنّما هو من كلام كعب الأحبار. فإن قيل: لم سمّى بحرا قلنا: لعمقه وسعته، وقال الجوهرى: (١) البحر خلاف البرّ والجمع أبحر وبحار وبحور، قال: وكلّ نهر عظيم بحر، ويسمّى الفرس الواسع الجرىّ: بحرا، قلت: وكذلك العالم المتّسع فى علمه يسمّى بذلك، وقد سمّى عبد الله بن عبّاس رضى الله عنه بحرا لاتّساع علومه. واختلفوا فى عدد البحار على أقوال: أحدها: إنّها سبعة أبحر، منها ستّة ظاهرة وواحد محيط بالدنيا مظلم ومنه (١٤٠) تستمدّ باقى البحور، قاله ابن عبّاس الثانى: إنّها خمسة أبحر، قاله مقاتل. الثالث: أربعة أبحر، قاله مجاهد. والأوّل أصحّ، شهد بذلك القرآن، ولأنّ السموات سبع، والأرضين سبع، والنجوم السيّارة سبع، والأيّام سبع، وخلق الإنسان من سبع، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ»﴾ (٢) الآية، ورزق من سبع لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ»﴾ (٣) الآية، ومن قال بالأربع والخمس فهى داخلة فى السبع.

стр. 170

وذكر فى جغرافيا أنّها مختلفة المقادير، فمنها: ما هو على صورة الطيلسان، ومنها ما هو على هيئة السابورة، ومنها ما هو على التدوير، والغالب عليها الاستدارة، وقال ابن حوقل فى كتاب الأقاليم: (١) وأشرّها بحر فارس والروم وهما خليجان متقابلان يأخذان من البحر المحيط، وأفسحها طولا وعرضا بحر فارس يعنى الشرقى، قال: والمحيط يقال له نيطس والبحار تستمدّ منه وهى بالنسبة إليه كالخلجان ولا يتأنّى فيه الركوب ولا يعيش فيه حيوان إمّا لشدّة برده أو لحرارته، والقريب لبرده، ولا تجرى فيه المراكب لما فيه من حجارة المغناطيس، ومن القلزم إلى الصين على خطّ مستقيم يعنى على وجه الأرض نحو من مائتى مرحلة، وأمّا من أراد قطع هذه المسافة من القلزم إلى الصين فى البحر طالت عليه المسافة لكثرة المعاطف والتعاريج فى البحار والتواء الطرق. ذكر البحر الشرقى وعجائبه (٢) قال علماء الهندسة: إنّه يأخذ من البحر المحيط الكبير المظلم بالمغرب وينتهى إلى أقصى الهند والصين وذلك ثمانية آلاف ميل، وعرضه (١٤١) ألفان ميل وسبعمائة ميل، وقد يختلف عرضه باختلاف الأماكن فى الضيق والسعة، قال ابن المنادى: طول هذا البحر من القلزم إلى الوقواق أربعة ألف فرسخ وخمس مائة فرسخ، وفيه خلجان عظيمة منها: خليج يتّصل بأرض الحبشة ويمتدّ إلى بلاد الزنج إلى مكان يقال له بربر، طوله خمس مائة ميل وعرضه مائة ميل، ليس هذا بربر الموضع المعروف بالمغرب من أرض إفريقية، وإنّما هو مكان آخر

стр. 171

فى أقصى الحبشة يسمّى بهذا الاسم وهو جنس من الأحابش، وقال أبو معشر: وليس فى البحار أعظم من موجه يرتفع مثل الجبال ثم ينخفض حتى يصير أردية عميقة. وذكر أحمد بن محمد بن إسحاق فى كتاب البلدان، قال: (١) وليس فى العالم أكبر من هذا البحر، يعنى غير المحيط، فإنّه يأخذ من المغرب وينتهى إلى الصين فيمرّ على النوبة والحبشة، ثم إلى القلزم، ثم إلى وادى القرى جدّة، وزبيد، وعدن، والشحر، وحضرموت، وعمان، والديبل، وفارس إلى الشرق، وجميع بلاد الهند والسند عليه، صيفهم شتاؤنا وشتاؤنا صيفهم، فكانون وكانون وشباط عندهم مثل حزيران وتمّوز وآب عندنا، قال: وعلّلوا ذلك بقرب الشمس من الأقاليم وبعدها. قال ابن الجوزى: وذكر من له خبرة به أنّ عمقه فى مواضع مائة ذراع وأكثر. وقال أبو معشر ﵀: قد قسم أرباب الهيئة هذا البحر الشرقى سبعة أقسام، فالقسم الأوّل: بحر القلزم ويمرّ على النوبة والحبشة واليمن وعمان، وطول هذا القسم من البحر ألف وأربع مائة ميل وعليه من المدن: القصير، وعيذاب، وبين مدينة القلزم والفسطاط ثلاثة أيّام. (١٤٢) الثانى: بحر فارس، وأوّله من الأيلة والبصرة والبحرين عند الخشبات وهى علامات منصوبة من خشب فى البحر يستدلّ بها أهل المركب عند جبل يقال له رأس الجمجمة، وقد ذكرناه فى الجبال، وقلنا إنّ أوّل هذا الجبل من اليمن من ناحية الشحر والأحقاف وآخره يمتدّ فى الهند إلى البحر ولا يعلم له غاية.

стр. 172

وعلى هذا الخليج الذى يسمّى بحر فارس من البلاد: البحرين، وعمان، وسيراف، وكرمان، ومن عمان إلى سيراف ستّون ومائة فرسخ، ومن سيراف إلى البصرة أربعون ومائة فرسخ، وفيه من الأمم والجزائر ما لا تحصى، وفيه مغاص اللؤلؤ فى جزيرة كيش، (١) قال: ولا يكون ذلك فى جميع السنة بل من أوّل يوم من نيسان إلى آخر أيلول لا غير. واختلفوا فى اللؤلؤ على قولين: أحدهما: أنّه من حيوان فى البحر يقال له البلبل وفيه لحم ويخاف على ما فيه من الدرّ من الغاصة كما تخاف المرأة على جنينها، القول الثانى: إنّه يتولّد من الأمطار إذا وقع المطر فى نيسان ارتفع الصدف إلى وجه الماء فيفتح فاه فيقع فيه المطر، فمن الصدف ما يضمّ على ما وقع فى فيه ويغوص ويقيم طول السنة يحفظ نفسه من استنشاق الهواء حتّى يأتى على نيسان وقد انعقد فى باطنه اللؤلؤ، ومن الصدف من يشتاق إلى النسيم فيصعد على وجه الماء فيفتح فاه ويستنشق النسيم فيفسد ما فيه، والأوّل أصحّ لأنّ الغوّاصين يستخرجون هذا الحيوان من البحر ويأكلون لحمه ويأخذون اللؤلؤ من جوفه، ويحتمل أنّ اللؤلؤ يتولّد من المطر والحيوان جميعا. القسم الثالث من هذا البحر يقال له بلاذرى وليس فى البحر الحبشى أعظم مجرى للماء منه. والقسم الرابع (١٤٣) يعرف بكندر لاوى وفيه العنبر الخام، واختلفوا أيضا فيه، فمنهم من قال إنّه حثا سمك فى البحر وتقذفه الأمواج إلى سواحل معروفة فيه فيلقطونه أهل تلك الديار ويبيعونه على طلابه من التجّار، ومنهم من قال إنّ أصله حشيشا فى جزائر ذلك البحر وإنّ السمك إذا رعاه وتكوّن فى

стр. 173

جوفه أهلكه فيموت ويطف على وجه الماء وتقذفه الأمواج إلى سواحله فيأخذونه ويستخرجون العنبر الخام من جوفه فيبيعونه، وعلى الجملة إنّه من سمك تلك الديار فى هذا البحر المعروف بكندر لاوى. والقسم الخامس: يسمّى كلاه مات. (١) والسادس: كردنج: وهو بحر الصين. والسابع: مملكة المهراج، وقال فى كتاب المسالك والممالك: (٢) (٣) ووراء بحر الصين مفاوز ورمال تجرى فيه السفن وهذا غريب، وقال النوبختى: إنّ بين الهند والصين على هذا البحر ثلاثون ملكا أصغر ملك منهم يملك مثل ملك العرب. وفى هذا البحر الشرقى المذكور عجائب كثيرة، منها: أنّ فيه سمكا طول كلّ سمكة خمس مائة ذراع وأكثر وأقلّ، وذلك بذراع أهل لبحر وهو ذراع أطول من ذراع التجّار، ويقال لهذا السمك العمرى، قال: وإنّ السمكة منه لترفع جناحها فيكون كالقلع العظيم وتخرج رأسها من الماء ثم تنفخ فيذهب الماء فى الجوّ صعدا ويمرّ أكثر من مرّ السهم الجيّد، قال: وأهل المراكب يخافونها فيضربون الدبادب والأبواق والصراخ العظيم لينفر عنهم وتبع ما تجده من السمك الصغار فيسمع لذلك فى جوفها دويّا عظيما، قال: ولهذه السمكة آفة وهى سمكة صغيرة بمقدار الذراع يقال لها الكشك فإذا أراد الله تعالى هلاك تلك السمكة العظيمة جاءت الصغيرة إليها (١٤٤) فتلصق بأصل أذنها وتعضّها فلقوّة ما تجده من الألم تغوص فى الماء إلى قرار البحر وتضرب بنفسها الأرض

стр. 174

عدّة دفوع حتى تموت وتطفو على وجه الماء كالجبل العظيم، قلت: ونظير هذه السمكة الصغيرة التى تقتل هيتك (١) السمكة الكبيرة الدويبة التى تقتل التمساح بنيل مصر لما نذكر. وفى هذا البحر سمكا يبلغ المراكب بما فيها من الركّاب والأمنعة، وفيه سمكا طيّارا، وسمكا على صورة الجمال وجوههم كوجوه البوم، وسمكا على صورة البقر كشبه الجاموس يعمل من جلودها الدرق المانعة، قال ابن الجوزى: وفيه سمك فى بطن سمك فى بطن كلّ سمكة مثلها، وفى بطن الأخرى مثلها إلى عدّة طبقات، قلت: وهذا أيضا يؤخذ بالقياس نسبة الأترجّة فى جوفها أترجّة بالديار المصريّة كثير جدّا، قال: (٢) وفيه سلاحف استدارة ظهر السلحفاة عشرون ذراعا وأكثر يوجد فى جوفها ما يزيد عن ألف بيضة، وقال ابن المنادى ﵀ وعلى هذا البحر فى الهند مدينة يقال لها مل (٣) تنبت الفلفل، وعلى كلّ عنقود فى عناقيده ورقة تكنّه من المطر فإذا مضى زمان المطر ارتفعت الورقة وإذا عاد عادت. وقال المسعودى: (٤) وفى مملكة المهراج الحيوان المعروف بالكركدنّ والقرن الذى فى جبهته ينشر فيجدون فيه على صوره (٥) عدّة من الحيوانات ففيه شئ نظيره، وفيه شئ نظير الفيل والزراف والقرد وشئ شبيه الطاؤوس مع عدّة من الحيوانات فيصنعون فيه المناطق بالذهب وله قيمة كبيرة ويشدوها ملوك الصين والهند فى أوساطهم مع الرؤسا منهم، وعدّد المسعودى أيضا عدّة عجائب فى هذا البحر الشرقى أضربت عنها كونها فى كتابه مروج الذهب، وهو موجودا بأيدى الناس ففيه كفاية. (١٤٥) قال ابن الجوزى: وفى هذا البحر جميع المعادن خصّص بذلك، وسنذكر مملكة المهراج عند ذكرنا للجزائر إن شاء الله تعالى.

стр. 175

ذكر لمعا من المعادن التى كالخزائن (١) قال الهيثم بن عدىّ: المعادن كثيرة غير أنّ المشهور منها سبعمائة منها: معدن الذهب وهى عدّة معادن مفرّقة فى أقطار الأرض، وكذلك معادن الفضّة، والنحاس، والصفر، والزئبق، والرصاص، والنفط، والقار، والمرداشيح، والزرنيخ، والجصّ، والنورة، والملح، والنشادر، والأطرون، ولا يوجد الأطرون إلاّ بمصر وهو من عجائبها فإنّ له بركة ينعقد بها، ونحوه، ولا ينعقد الملح إلاّ فى السباخ، ولا الجصّ إلاّ فى الرمل يعنى فى الغالب، وجميع المعادن مفرّقة فى الأقاليم السبعة، والغالب على معادن الذهب والفضّة أن يكونا فى المغرب وجزائر الإفرنج. قلت: وسنذكر من خبر معدن الذهب الذى ببلاد التكرور عند ذكرنا قدوم ملك التكرور إلى الديار المصريّة طالبا للحجاز الشريف ممّا حدّثنا به عن حقيقة أمره إن شاء الله تعالى. قال: والغالب على الياقوت والجوهر واللآلئ أن يكون بالمشرق، والنحاس والصفر والزفت والقار ببلاد الجزيرة، والحديد بالشرق وبلاد الأرمن، قلت: والزمرّد فمعدنه المشهور بنواحى صعيد مصر فى جبل غربى النيل يضرب عروق بين صفحات ذلك الجبل فيوجد منه الكبير القدر والقليل والجيّد وهو الدبابى ومن خاصّيّته إذا نظرته الحيّات تسيل عيونها ودونه ودون الدون السلقى وهو أقلّه ثمنا، وسنذكر أيضا من خبره فصلا.

стр. 176

ذكر البحر الرومى وعجائبه (١) ذكر ابن حوقل فى كتاب الأقاليم قال: وأمّا بحر الروم (٢) فإنّه يأخذ (١٤٦) من المحيط من المغرب فى الخليج الذى بين المغرب والأندلس حتى ينتهى إلى الثغور الشاميّة، ومقداره فى المسافة نحو من أربعة شهور وهو أحسن استقامة واستواء من بحر فارس، وذلك لأنّه إذا أخذت من فم هذا الخليج أدّتك ريح واحدة إلى أكثر هذا البحر، قال: وبين القلزم الذى هو لسان بحر فارس وبين بحر الروم على سمت الفرما اربع مراحل. قلت: قصده عرض المسافة من الإسكندريّة إلى القلزم فهو أكثر من ذلك، وإن قصد من دمياط فأيضا أكثر ممّا ذكر، والنهار يقطع فى مرحلتين، والمسافة بينهما خمسة أيّام بعشرة مراحل، قال ابن الجوزى: ويزعم بعض المفسّرين فى قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ»﴾ (٣) أنّه هذا الموضع القاطع بين البحرين. وقال أبو معشر ﵀: بحر الرومى (٤) يأخذ من خليج يخرج من البحر المحيط ويسمّى ذلك البحر نيطس، قال: وأضيق مكان فى ذلك الخليج من ساحل مدينة طنجة بالمغرب ويعرف بالزقاق عند مدينة سبتة، قال: ويبدأ البحر الرومى من مكان يقال له أصنام النحاس، ليس وراءه شئ، وعرض الزقاق ستّة أميال، وقيل إنّ هذا البحر مثل البركة، ولهذا إنّ ما بين الأندلس وبين القسطنطينيّة مائة ميل، وهذا البحر يمتدّ إلى أقصى بلاد المغرب وبلاد الفرنج، وعليه مدينة طرابلس الغرب، ثم يمتدّ إلى الإسكندريّة ودمياط والفرماء وغزّة وعسقلان ويافا

стр. 177

وقيساريّة وحيفا وعكّة وصور وصيدا وبيروت وجبيل واطرابلس الشام، وانطرسوس وأدنة، والمصيصة وجبلة واللاذقيّة وبلد أنطاكية، ثم يمرّ على بلاد الأرمن تسيس إلى الروم إلى خليج القسطنطينيّة، وقيل طوله ستّة آلاف ميل وعرضه من المائة (١٤٧) إلى الستّمائة بحسب اختلاف الأماكن فى السعة والضيق. وفيه جزائر يأتى ذكرها، وقيل إن ذو القرنين هو الذى فتح هذا الزقاق عند مدينة سبتة لأنّ مكان البحر كان واديا عظيما فيه أمم كثيرة ومدن وحصون ومزارع وقرى وآثارها باقية فيه، وكان أهلها عصاة على الإسكندر فأقام ينذرهم أربعين سنة فلم يطيعوه فأرسل عليهم الماء من الزقاق فغرقوا. قلت: هذه رواية ضعيفة، إن كان قصدهم ذو القرنين الإسكندر اليونانى فإنّه لم تطول مدّته إلى أربعين سنة، وإن أعنوا ذو القرنين الأوّل فلعلّه. قال: ويتشعّب منه خليج طوله خمس مائة ميل ويتّصل بمدينة رومية ويسمّى أروس، وقد زعم قوم: أنّ البحر الرومى متّصل بالبحر الحبشى واحتجّوا بأنّه وصل فى الزمان القديم قوم إلى جزيرة الأندلس فى مراكب فأغاروا عليهم ووجدوا فى مراكبهم النارنجيل وهو شجر لا يكون إلاّ فى للبحر الشرقى وهو شجر يشبه المقل وليفه يعمل به مراكب البحر الشرقى لأنّ مراكب البحر الرومى مسمرة بالمسامير والبحر الشرقى كثير الحجارة <و> المغناطيس فتشدّ المراكب بليف النارنجيل، قلت: وهذا القول بعيد لما بين البحر الشرقى والغربى من المسافات والبحار والجبال. وأمّا خليج القسطنطينيّة: (١) فقد توهّم قوم أنّ الخليج المذكور إنّما يأخذ من البحر الرومى ويصبّ فى بحر باب الأبواب والأمر بالعكس لأنّ علماء الهيئة

стр. 178

ذكروا أنّ فى ناحية الشمال بحر يقال له نيطس طوله ألف ميل وعرضه ثلاثمائة ميل وهو أحد البحور السبعة ومصبّه من ناحية الشمال من بحر آخر أكبر منه، وعلى سواحله خلق عظيم من ولد يافث (١٤٨) بن نوح ﵇، يمتدّ إلى خليج القسطنطينيّة، وطول هذا الخليج ثلاثمائة ميل وعرضه عشرة أميال، والقسطنطينيّة إلى جانبه من ناحية الشمال، وهو خليج عسر كثير العطب عظيم الأمواج، وقال ابن المنادى: البحر المعروف بنيطس من وراء القسطنطينيّة يجئ من بحر الخزر وعرض فوهته ستّة أميال، يمرّ على القسطنطينيّة ثم يصبّ فى بحر الروم ويمرّ ببلاد الأندلس فإذا انتهى إليها صار بين جبلين ويضيق حتى يصير عرضه مقدار السهم. وأمّا بحر باب الأبواب، (١) قال علماء الهيئة: هذا البحر مستدير الشكل إلاّ أنّه إلى الطول أقرب، وطوله ثمان مائة ميل وعرضه ستّمائة ميل، وعليه الخزر والديلم وجرجان وطبرستان والترك وأمم كثيرة، وفيه التنّين، واختلفوا فيه على قولين: أحدهما: إنّه دابّة تكون فى البحر فتعظم فتؤذّى دوابّ البحر فيبعث الله تعالى عليها ريحا فيخرجها إلى وجه الماء فيتعلّق بها السحاب فيلقيها فى الأرض، والثانى: إنّها ريح سوداء تكون فى قعر البحر فتظهر إلى ظاهره ثم ترتفع إلى الجوّ وتلتحق بالسحب كالزوبعة إذا ثارت من الأرض واستدارت وثار معها الغبار فيتوهّم الناس أنّها حيّة عظيمة سوداء خرجت من البحر، والأوّل أقرب إلى الصحيح.

стр. 179

ذكر مبادئ البحار (١) اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: إنّها من الأستقصّات الأربع خلقها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض كما خلق فى جميع الكائنات. الثانى: إنّها بقيّة طوفان قوم نوح ﵇، وهذا ضعيف لوجهين: الأوّل: أنّ قد كان من قبل الطوفان البحار فى المخلوقات الأرضيّة حسبما ذكرنا (١٤٩) الثانى: أنّه أجمع العلماء رضى الله عنهم على أنّ طوفان قوم نوح كان ماء أسود منتن وهذه البحار بخلاف ذلك، وزعم قوم أنّ الطوفان لم يصل الصين ولا الهند بزعم من زعم، وهذه البحار فأصولها من ثمّ، والبحر المحيط فليس فى وجوده شكّ ولا اختلف فيه اثنان. والثالث: أنّ البحار من عرق الأرض لما ينالها من حرارة الشمس. وفيه أيضا. (٢) والرابع: أنّها من مياه الأرض فالملح ينحدر إلى الأماكن المنخفضة فينعقد غليظا كدرا وتختلط به الأجزاء الناريّة، فأمّا الأمياه (٣) العذبة فترفع فى أيّام الشتاء إلى الجوّ فيحدث منه المطر بإذن الله فلا تزال العين قائمة دائما، وهذا قول علماء الهيئة، وسيأتى أيضا فى آخر جزء من هذا التأريخ من بيان ذلك فصلا ذكرناه فى موضعه اللائق به. وأمّا ما ورد عن ابن عبّاس رضى الله عنه. فقد روى عكرمة عنه أنّه قال: البحر المظلم من ورائه بحر آخر يقال له الباكى، ماؤه عذب، وإنّما سمّى الباكى لأنّه يبكى من خشية الله وليس بعده شئ، وقال علماء الهيئة: وهذه

стр. 180

البحار كلّها داخلة فى الفلك لأنّه محيط بالأرض كلّها. وقال علماء الهيئة أيضا: ثم إنّ هذه البحار تنتقل بعضها على بعض وتنتقل من مكان إلى مكان على مرّ السنين والدهور فيصير موضع البحر برّا وموضع البرّ بحرا، قالوا: وعلّة ذلك جريان الماء فإنّ لموضع جريانه شبابا ولموضع انتقاله هرما وحياة وموتا ونشأة كما تكون فى الحيوان والنبات، واستشهدوا بقول أبى العلاء المعرّى (من الربع): أجبلت الأبحر فى عصرنا ... وعن قليل تبحر الأجبل وسيأتى أيضا من بيان ذلك فى المكان الذى قدمنا ذكره إن شاء الله تعالى. (١٥٠) قال ابن الجوزى: وقد شاهدنا ذلك عيانا فى الأنهار العظام كالنيل والفرات ودجلة والنجف بالكوفة، فإنّه كان بحرا تأتى فيه السفن من الهند وغيرها فاستحال الماء إلى موضع آخر، قال: وكذا ببغداد فى دجلة الغور فإنّها استحالت فراسخ وأخربت قرى كثيرة وهى اليوم قد استحالت أيضا. قلت: وكذلك جرى بنيل مصر فى أماكن كثيرة بسواحله، أكل البحر عدّة ضياع وغمر غيرها، وانتقل من ذلك الجانب الغربى إلى الجانب الشرقى، والذى شاهدته أنّ كان لنا ملكا بمكان يسمّى خور ابن الصعبى وكان بينه وبين البحر نيف وخمسين دارا فأكل البحر الجميع مع عدّة بساتين وصاروا الجميع فى البرّ الغربى برّا متّصلا. وأمّا المالح بالديار المصريّة فإنّه غلب على إقليم يسمّى تنّيس كان من أكبر أقاليم الديار المصريّة، يقال: إنّ كانت عدّة قراه أربع مائة قرية وكانت مدينتها تنّيس تضاهى الإسكندريّة، وكان يضرب بحسن صناعة ما يعمل فيها من القماش المثل، فيقال كأنّه من دقّ تنّيس، فغلب عليها المالح من جهة نواحى الإسكندريّة، وهى اليوم بحيرة عظيمة يصاد منها السمك الذى
следующие страницы →