Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
الضحاك بن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له [مهرية (١)] أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، وكانت له القصواء ابتاعها أبو بكر وأخرى [معها] (٢) من بنى قشير بثمان مائة درهم، وهى التى هاجر عليها، وكانت إذ ذاك رباعيّة، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحى غيرها، وهى العضباء والجدعاء، وهى التى سبقت فشقّ ذلك على المسلمين فقال ﷺ (١٠٩):
«إن من قدر الله تعالى أن لا يرتفع شئ إلاّ وضعه الله». وكان له ﷺ مائة من الغنم، ولم يعلم أنه أقنى شيئا من البقر، وكان [له] (٣) سبع شياة، وهنّ عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، [وورسة (٤)]، وأطلال، وأطراف، وكانت ترعاهنّ أمّ أيمن، وكانت له شاة يختصّ بشرب لبنها تدعى غيثة، وكان له ديك أبيض، ذكره أبو سعد، والله أعلم.
ذكر سلاحه ﷺ
وكانت له أربعة رماح، ثلاثة أصابها من رماح بنى قينقاع، واحد يقال له المثنّى، وكان له عنزة وهى حربة دون الرمح، كان يمشى بها فى يده، وتحمل بين يديه فى العيدين حتى تركز أمامه، يتّخذها سترة يصلّى إليها، وكان له محجن قدر ذراع يتناول به الشئ، وهو الذى استلم به الركن فى حجّته، حجّة الوداع وكان له مخصرة سمّى العرجون، وقضيب يسمّى الممشوق.
وكان له أربع قسىّ؛ قوس من شوحط تدعى الروحاء، وآخر من شوحط
стр. 1157
أيضا تدعى البيضاء، وأخرى من نبع تدعى الصّفراء، وقوس تدعى الكتوم، كسرت يوم بدر.
وكان له جعبة تدعى الكافور، وترس كان عليه قتال عقاب، أهدى له فوضع يده عليه فأذهبه الله تعالى.
وكان له تسعة أسياف: ذو الفقار [تنفّله] (١) يوم بدر، وهو الذى رأى منه كأنّ فى ذبابه ثلمة فأوّلها هزيمة، فكانت يوم أحد، وكان قبله لمنبّه بن الحجّاج السّهمىّ، وثلاثة أسياف أصابها من بنى القينقاع: سيف قلعىّ، وسيف يدعى البتّار، وآخر يدعى الحتف، وكان له آخر سمّى المخزم، وآخر يدعى الرسوب، وآخر ورثه من أبيه، وآخر يقال له العضب، وهو أوّل سيف تقلّد به ﷺ (١١٠)، قال أنس بن مالك: كان نعل سيف رسول الله ﷺ فضّة، [وقبيعته] (٢) فضّة وما بين ذلك حلق فضّة.
وكان له درعان، أصابهما من سلاح بنى قينقاع، يقال لأحدهما: السعديّة، والأخرى فضّة.
وعن محمّد بن مسلمة قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد عليه درعاه، درعه ذات الفضول، ودرعه فضّة، ورأيت عليه يوم حنين (٣) درعين: ذات الفضول والسعديّة، ويقال كانت عنده درع داود ﵇.
وكان له مغفر يسمّى السّبوغ، ومنطقة من أدم مبشور، وفيها ثلاث حلق
стр. 1158
من فضّة، والإبزيم من فضّة، والطرف من فضّة.
وكان له راية سوداء يقال لها العقاب.
ذكر أثوابه ﷺ
وترك ﷺ لمّا مات ثوبين حبرة (١)، وإزارا عمانيّا، وثوبين صحاريّين، وقميصا صحاريّا، وقميصا سحوليّا، وجبّة يمنيّة، وخميصة، وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطيه (٢) ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسّة.
وكان له ربعة فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض وسواك.
وكان له فراش من أدم حشوه ليف.
وكان له قدح مضبّب (٣) [بثلاث] (٤) ضباب، وقيل حديد، وفيه حلقة يعلّق بها، يسع أكثر من نصف المدّ، وكان له قدح آخر يدعى الريّان، [وتور] (٥) من حجارة يدعى المخضب، ومخضب من شبّة يكون فيه الحنّاء، والكتم (٦) توضع على رأسه إذا وجد حرّا وقدح من زجاج، ومغسل من صفر، [وقصعة] (٧)، وصاع يخرج به فطرته.
стр. 1159
وكان له سرير وقطيفة، وخاتم من فضة فصّه منه، نقشه محمّد رسول الله، وقيل كان من حديد ملوىّ بفضّة.
وأهدى له النجاشى خفّين أسودين (١١١) ساذجين فلبسهما، وكان له كساء أسود كساه فى حياته، فقالت له يوما أم سلمة: بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، ما فعل كساؤك الأسود؟ قال: «كسوته»، قالت: ما رأيت شيئا قطّ كان أحسن من بياضك فى سواده.
وكانت له عمامة يعتمّ بها يقال لها السحاب، فكساها لعلىّ بن أبى طالب ﵇، فربّما طلع علىّ فيها فيقول: «إيّاكم علىّ فى السحاب».
وكان له ثوبان للجمعة غير ثيابه التى كان يلبسها فى سائر الأيّام، وكان له منديل يمسح به وجهه الكريم من الوضوء، وربّما مسحه بطرف ردائه، ﷺ وكرم وعظّم.
وفى أوّل هذه السنة-وهى سنة إحدى عشرة-قبل وفاته ﷺ كان قد سيّر أسامة بن زيد إلى أرض السراة بناحية البلقاء، وأمّره على جماعة من المهاجرين والأنصار.
وفيها كان ظهور مسيلمة الكذّاب، وفيها كان ظهور الأسود العنسى، وكذلك ظهور طلحة بن خويلد، وكلّ من هؤلاء ادّعى النبوّة، وكذلك ظهرت سجاح فى بنى تميم وادّعت النّبوّة، وكان طلحة بن خويلد قد تسمّى بذى النون، وزعم أنّه اسم الذى يأتيه بالرسالة.
وفيها كان أمر الردّة وحدثها، وفيها كانت خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
وفيها توجّه خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى اليمامة لحرب مسيلمة فى بنى حنيفة، ممّا يأتى لمع من ذلك فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
стр. 1160
ذكر خلافة
الإمام أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه
ونسبه وبعض سيرته
أمّا نسبه رضى الله عنه فهو: أبو بكر عبد الله عتيق بن أبى قحافة عثمان ابن عامر بن عمرو [بن كعب] (١) بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب، يلقى رسول الله ﷺ فى مرّة بن كعب، وكان يسمّى أبو بكر فى الجاهليّة عبد الكعبة كما يأتى بيانه فى موضعه إن شاء الله تعالى. أمّه تسمى (١١٢) أمّ الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر الأكبر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة ابن كعب، ولد رضى الله عنه بمنى، روى أنّ سلمى بنت صخر وهى أمّ الصدّيق رضى الله عنه أرضعته أربع سنين، ثم أرادت فصاله فوضعت على ثديها صبرا، فلمّا وجد طعمه قال: يا أمّاه اغسلى ثدييك! فقالت: يا بنىّ، إنّ لبنى فسد وخبث طعمه، فقال لها: إن وجدت ذلك الخبيث قبل أن يخرج اللبن فاغسلى ثدييك، وإن كنت قد بخلت بلبانك فإنى أصدّ عنه، فضمّنه إلى صدرها ورشفته، وجعلت ترقّصه، وتقول:
يا ربّ عبد الكعبه ... أمتع به يا ربّه
فهو بصخر أشبه
ثم تحوّلت عن هذا الروىّ فقالت:
عتيق يا عتيق ... ذو المنظر الأنيق
стр. 1161
والمقول الدّليق كالمصعب الفنيق ... رشفت منه ريق كالزرنب الفتيق
ثم تحوّلت عن هذا الروىّ فقالت:
ما نهضت والدة عن ندّه ... أروع بهلول نسيج وحده
ثم إنّ السرور استخفّها، فهتفت بأعلى صوتها كما تهتف النساء عند الفرح، ودخل أبو قحافة فقال: ما بالك يا سلمى؟ أحمقت؟! فأخبرته، بمقاله، فقال:
أتعجبين من هذا، فو الذى كان يحلف به أبو قخافة، ما نظرت إلى ابنك هذا قطّ إلا تبيّنت السّؤدد فى حماليق عينيه.
تفسير كلمات من هذا الخبر
أما قولها: عبد الكعبة، فهو اسم كان للصدّيق رضى الله عنه، فسمّاه النبى ﷺ : عبد الله.
وقولها: فهو بصخر أشبه، فإنّها تعنى أباها، وهو صخر بن عمرو بن كعب ابن تيم بن مرّة، وهى بنت عمّ أبى قحافة.
وقولها: المنظر الأنيق، فهو المعجب المستحسن.
وقولها: المقول (١١٣) الدليق، فهو اللسان الحادّ الماضى.
وقولها: كالمصعب الفنيق، المصعب: الفحل من الإبل الّذى لم يذلّل بالعمل، والفنيق: المكرّم الممتلئ الجسم العبل (١).
стр. 1162
وقولها: كالزرنب الفتيق، يقال إنّ الزنب نبت طيّب الريح، ويقال إنّه أخلاط من الطيب.
وقولها: أروع، هو الحسن المنظر، الذى يروع من رآه.
وقولها: بهلول، يقال: هو الحسن، ويقال: الشجاعة.
وقولها: نسيج وحده، أى لا شبيه له، وهو مثال يضرب، وأصله من الثوب النفيس، فهو ينسج وحده.
وقوله: هتفت: أى رفعت صوتها، وكلّ مصوّت هاتف، والله أعلم.
وروى عن القاضى الإمام أبى الحسن أحمد بن محمّد الزبيرى بإسناده، فى كتابه المسمى معالى الفرش إلى عوالى العرش عن أبى هريرة رضى الله عنه قال:
اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: وعيشك يا رسول الله إنّى لم أسجد لصنم قطّ، فغضب عمر بن الخطّاب رضى الله عنه وقال:
تقول وعيشك يا رسول الله إنّى لم أسجد، وقد كنت فى الجاهليّة كذا كذا سنة؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه: إنّ أبا قحافة أخذ بيدى فانطلق بى إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لى: هذه آلهتك الشمّ العلى فاسجد لها، وخلاّنى وذهب، فدنوت من الصنم، وقلت: إنّى جائع فأطعمنى، فلم يجبنى. فقلت: إنّى عطشان فارونى، فلم يجبنى: فقلت: إنّى عار فاكسنى، فلم يجبنى، فأخذت صخرة وقلت: إنّى ملق هذه الصخرة عليك، فإن كنت إلها فامنع نفسك! فلم يجبنى، فألقيت الصخرة عليه، فخرّ لوجهه، وأقبل والدى، فقال: ما هذا يا بنىّ؟ فقلت: هذا الذى ترى، فانطلق بى (١١٤) إلى أمّى، وأخبرها، فقالت: دعه! فهذا الذى ناجانى الله به، فقلت: يا أمّاه، وما الذى ناجاك به؟ فقالت: ليلة أصابنى المخاض لم يكن عندى
стр. 1163
أحد، فسمعت هاتفا يقول: يا أمة الله على التحقيق، ألا أبشرى بالولد العتيق، اسمه فى السماء الصدّيق، لمحمّد صاحب وصديق، قال أبو هريرة رضى الله عنه:
فلمّا انقضى كلام أبى بكر رضى الله عنه نزل جبريل على النبى ﷺ ، وقال:
صدق أبو بكر، فصدّقه ثلاثا.
بويع له بالخلافة يوم قبض رسول الله ﷺ بإجماع المهاجرين والأنصار، وكان ذلك فى سقيفة بنى ساعدة، وله من العمر يومئذ ستّون سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما، وقبض رضى الله عنه يوم الإثنين لعشر بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة، وهو ابن ثلاث وستّين سنة وأشهر، وصلّى عليه عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، ودفن مع النبى ﷺ : قال الكلبى: سمّ، سمّه يهودى، وهو أول خليفة سمّ، ولم يل الخلافة من أبوه حىّ غير أبى بكر، ومات فى حياة أبيه، ولحقه بعد ستّة أشهر، والله أعلم.
ذكر شئ من أمر الرّدّة ومنع الزّكاة
قال: أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن إسحق بن إبراهيم البغدادىّ، قراءة عليه من كتابه فى منزله، سنة خمس عشرة وخمس مائة، قال: حدّثنا أبو العبّاس الوليد بن حمّاد الرّملىّ، قال: أخبرنا الحسين بن زياد التّميمىّ، عن أبى إسماعيل محمّد بن عبد الله الأزدىّ البصرىّ، قال: إنّ الله لمّا قبض نبيّه ﷺ ارتدّ كثير من العرب (١١٥) عن الإسلام بعد وفاة
стр. 1164
رسول الله ﷺ ، وكفروا بالزّكاة، وقالوا: قد كنّا ندفع أموالنا إلى محمّد فما بال ابن أبى قحافة يسألنا أموالنا؟ والله لا نعطيه منها شيئا أبدا، فمنعوا أبا بكر الزّكاة، وكفروا بها، فاستشار أبو بكر أصحاب رسول الله ﷺ فيهم، فأجمع رأيهم جميعا على أن يتمسّكوا بدينهم، وأن يخلّوا بين النّاس وبين ما اختاروه لأنفسهم، وظنّوا أنّهم لا طاقة لهم بمن ارتدّ منهم عن الإسلام، لطول ما قاسى رسول الله ﷺ من جهاده فيهم، فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله لو لم أجد أحدا يؤازرنى لجاهدتهم بنفسى وحدى حتى أموت، أو يرجعوا إلى الإسلام، ولو منعونى عقالا ممّا كانوا يعطونه رسول الله ﷺ لجاهدتهم حتى ألحق بالله، فلم يزل أبو بكر رضى الله عنه يجاهدهم بأصحاب رسول الله ﷺ ، وبالمقبل من المسلمين مدبرهم، حتى عادوا جميعا إلى الإسلام، ودخلوا فيما كانوا خرجوا منه، فلمّا دوّخ الله العرب، وانتهت الفتوح من كل وجه إلى أبى بكر رضى الله عنه، واطمأنّت العرب بالإسلام، وأذعنت به، واجتمعت عليه، حدّث أبو بكر نفسه بغزو الرّوم، وأسرّ ذلك فى نفسه، فلم يطلع عليه أحدا كما يأتى ذكر ذلك فى سنة اثنتى عشرة، إن شاء الله تعالى.
وفيها أمر أبو بكر رضى الله عنه بجمع القرآن العظيم، وفيها مات عبد الله ابن أبى بكر رضى الله عنهما، وهو أعرق الناس فى صحبة رسول الله ﷺ ، فإنّه وأباه وجدّه كلّهم رأوا النبىّ ﷺ وصحبوه.
стр. 1165
ذكر سنة اثنتى عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وتسعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الإمام أبو بكر رضى الله عنه خليفة رسول الله ﷺ فى هذه [السّنة] (١١٦) بالمدينة، على ساكنها أفضل الصّلاة والسّلام، ومكّة شرّفها الله تعالى دار الإسلام، ومصر فى يد المقوقس ملك القبط، وهو يقوم بالخراج للرّوم بالشّام والشام فى يد قيصر هرقل ملك الرّوم، والعراق وفارس والعجم فى مملكة الفرس، واليمن دار إسلام أكثرها، فيها سار خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى اليمامة، وقتل مسيلمة الكذّاب، وصالح الحرّة من طرف بلاد العراق على تسعين ألف درهم، وصالح بانقيا وباروسما على عشرة آلاف درهم، وفتح الأنبار، واستشهد من المسلمين باليمامة ألف ومائتا رجل، منهم سبعون يحمعون القرآن.
ذكر لمع من خبر مسيلمة وسجاح
ادّعت سجاح وهى ببنى تميم النّبوّة بعد وفاة النبى ﷺ ، وكان فيما ادّعت به أنّه أنزل عليها: يا أيّها المؤمنون لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يبغون، فاجتمعت بنو تميم كلّها لينصروها، وكان منهم الأحنف ابن قيس، وحارثة بن بدر، ووجوه تميم كلّها، وكان قيس بن عاصم مؤذّنها لأنّه ارتدّ بعد الإسلام ثم عاد فأسلم.
стр. 1166
ولمّا بلغها خبر مسيلمة الكذّاب وأنّه ادّعى أيضا النّبوّة، وأنّه يزعم أنّه نزل عليه قرآن ووحى، فجمعت جيوشها وقالت لبنى تميم: إنّ الله لم يجعل هذا الأمر فى ربيعة وإنّما اختص به مضر، فأطاعوها وساروا معها بجموعهم لحرب مسيلمة فى بنى حنيفة، وبلغ مسيلمة خبرها فاشتدّ عليه ذلك، وتحصّن فى اليمامة، فجاءت سجاح وجيوشها من تميم وغيرها، فأحاطت به فأرسل إلى وجوه قومه، وقال: ما ترون؟ قالوا: نرى أن تسلّم هذا الأمر إليها وتدعنا، فإن لم تفعل فهو البوار (١١٧) فقال: أنظرونى.
وكان مسيلمة داهية من أكبر دهاة العرب، ثم بعث إليها يقول: إنّ الله جلّ ذكره-عن زعمه-أنزل إلىّ كتابا وعلىّ وحيا قرآنا، وأنت تدّعين كذلك، فهلمّ نجتمع فنتدارس، فمن عرف الحقّ تبعه، فاجتمعنا فأكلنا العرب فاطبة بقومى وقومك، فأجابت لذلك، فأمر مسيلمة أن تضرب قبّة من أدم وأمر بالعود والمندل، فسجر (١) فيها، وقال: أكثروا من الطيب، فإنّ المرأة إذا تنشقت رائحة الطّيب حنّت للباه، ففعلوا ذلك، واجتمعا فى تلك القبّة، ولم يكن بينهما ثالث، فقالت: هات ما أنزل عليك. فقال: ألم تر كيف فعل ربّك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، ومن بين ذكر وأنثى، ثم إلى ربّك المنتهى، قالت: ثم ماذا؟ فقال: ألم تر أنّ الله خلقنا أفواجا، وجعل النساء للرّجال أزواجا، نولج فيهن [قعسا] (٢) إيلاجا، ونخرجها منهنّ إخراجا، وهو مع ذلك يتراءى لها بغرموله وقد أنعظ، فلحّت ببصرها نحوه، ثم قالت وقد ألانت كلامها: فبأىّ شئ أمرك، فما أظنّك إلاّ على حقّ دونى، فقال:
стр. 1167
ألا قومى إلى المخدع ... فقد هيئ لك المضجع
فإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
فقالت: بل به أجمع يا نبى الله، فقام إليها، فقام إليها وواقعها، فلمّا قام عنها قالت: إنّ مثلى لا يجرى أمرها هكذا، فتكون وصمة على قومى، ولكنّى مسلّمة الأمر إليك، ومعترفة بأمرك، واخطبنى من أوليائى يزوّجوك، فخرجت وخرج، واجتمع الحيّان، فقالت لهم سجاح: إنّه قد قرأ علىّ ما أنزل عليه فوجدته حقّا فاتبعته.
ثم إنّه خطبها من قومها فزوّجوه (١١٨) وسألوه عن المهر فقال: قد وضعت عن تميم خاصة صلاة العصر (١)، فبنو تميم إلى الآن بالرّمل لا يصلّون العصر، ويقولون هذا حقّ لنا، ومهر كريمة منّا، ويفخرون بذلك، وفى ذلك قال الشاعر:
أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
وقيل: أسلمت سجاح بعد قتل مسيلمة، وكان عمره إلى حين قتل مائة وخمسين سنة.
وفيها شرب خالد بن الوليد السّمّ، وقال: بسم الله وبالله ربّ الأرض والسّماء الذى لا يضرّ مع اسمه شئ، فلم يضرّه ذلك.
وفيها حجّ أبو بكر رضى الله عنه بالنّاس، واستخلف عثمان بن عفّان رضى الله عنه بالمدينة.
وفيها كانت البعوث إلى الشام.
стр. 1168
ذكر ابتداء فتح الشام وما لخّص عنه
وذلك أنّ أبا بكر رضى الله عنه لما حدّث نفسه بغزو الروم، وكتم ذلك فى سرّه، فبينا هو فى ذلك إذ جاءه شر حبيل بن حسنة فقال: يا خليفة رسول الله، أتحدّث نفسك أن تبعث إلى الشام جندا؟ فقال: نعم، قد حدّثت نفسى بذلك فما أطلعتك عليه؟ فقال: إنّى رأيت فيما يرى النائم كأنّك فى ناس من المسلمين فوق جبل، فأقبلت تمشى معهم حتى صعدت منه إلى قبّة عالية أعلى الجبل، فأشرفت على الناس ومعك أصحابك أولئك، ثم إنّك هبطت من تلك القبّة إلى أرض سهلة دمثة، فيها القرى والعيون والزروع والحصون، فقلت: يا معشر المسلمين شنّوا الغارة على المشركين، فأنا الضامن لكم الفتح والغنيمة، وأنا فيهم ومعى راية فتوجّهت (١١٩) بها إلى أهل القرية، فدخلتها فسألونى الأمان، فأمّنتهم ثم جئت، فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم ففتح لك، وألقوا إليك السلم، وجعل لك عرش فجلست عليه، ثم قال لك قائل: يفتح الله عليك وينصرك، فاشكر ربّك واعمل بطاعته. ثمّ قرأ عليك: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ. .»﴾ إلى آخر السورة، ثم انتهت.
قال أبو بكر رضى الله عنه: نامت عينك، ثم دمعت عيناه، وقال: أمّا الجبل الذى رأيت، فإنّا نكابد من أمر هذا الجند مشقّة ويكابدونه، ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا، وأمّا نزولنا من القبّة إلى تلك الأرض الدمثة السهلة ذات الزروع والحصون، فإنّا ننزل إلى أمر أسهل ممّا كنا، فيه الخصب والمعاش، وأمّا قولى للمسلمين: شنّوا الغارة، فإنّى ضامن لكم الفتح والغنيمة، فإنّ ذلك توجيهى
стр. 1169
إن شاء الله تعالى المسلمين إلى بلاد المشركين، وأمرى إيّاهم بالجهاد فى سبيل الله، وأمّا الراية التى كانت معك فتوجّهت إلى قرية فدخلتها فاستأمنوك فأمّنتهم، فإنّك تكون أحد الأمراء من المتوجّهين، ويفتح الله على يديك، وأمّا الحصن الذى فتح الله لى فهو ذلك الوجه يفتح الله علىّ، وأمّا العرش الذى رأيتنى جالسا عليه فإنّ الله يرفعنى ويضع المشركين، وأمّا أمرى بطاعة ربّى، وقرأ علىّ هذه السورة، فإنّه نعى إلىّ نفسى، فإنّ هذه السورة حين نزلت على رسول الله ﷺ علم أنّ نفسه نعيت إليه، ثم سالت عيناه بالبكاء رضى الله عنه.
ثم قال: لآمرنّ بالمعروف، ولأنهينّ عن المنكر، ولأجاهدنّ من ترك أمر الله ، ولأجهّزنّ الجيوش إلى العادلين بالله فى مشارق الأرض ومغاربها، حتى يقولوا أحد، أو يؤدّوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإذا توفّانى (١٢٠) ربّى لم يجدنى مقصّرا، ولا فى ثواب المجاهدين زاهدا، ثم إنّه بعد ذلك أمّر الأمراء وجهّز البعوث.
قال: حدّثنا الوليد بن حمّاد، قال: حدّثنا الحسن (١) بن زياد عن أبى إسمعيل محمّد بن عبد الله، قال: حدّثنى الحارث بن كعب، عن عبد الله بن أبى أوفى الخزاعى، وكانت له صحبة، قال: [لمّا (٢)] أراد أبو بكر رضى الله عنه أن يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر، وعثمان، وعليّا، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبى وقّاص، وأبا عبيدة بن الجرّاح، ووجوه المهاجرين
стр. 1170
والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه، قال عبد الله بن أبى أوفى الخزاعىّ:
وأنا فيهم، فقال: إنّ الله تعالى لا تحصى نعمه، ولا تبلغ الأعمال جزاءها، فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم، قد (١) جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله، ولا أن تتّخذوا إلها غيره، والعرب بنو أمّ وأب (٢)، وقد أردت أن أستنفرهم إلى الروم بالشام، فمن هلك منهم هلك شهيدا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين، مستوجبا على الله ثواب المجاهدين، هذا رأيى الذى رأيت، فليشر علىّ كلّ امرئ بمبلغ رأيه.
فقام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ ، ثم قال: الحمد لله الذى يختصّ بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقتنا إلى شئ من الخير إلاّ سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت [لقاءك] (٣) بهذا الرأى الذى ذكرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت، أصاب الله بك سبل الرشاد، سرّب إليهم الخيل فى إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال (١٢١) والجنود تتبعها الجنود، فإن الله ناصر دينه، ومعزّ الإسلام وأهله، ومنجز ما وعد رسوله ﷺ .
ثم قام عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، فقال: يا خليفة رسول الله، إنّها الروم وبنو الأصفر، حدّ حديد، وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل
стр. 1171
عليهم إقحاما، ولكن تبعث الخيل فتغير فى أدانى أرضهم، ثم تبعثها فتغير، ثم ترجع إليك، ثم تبعثها فتغير ثم ترجع، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضرّ (١) بعدوّهم، وغنموا من أدانى أرضهم فقووا به على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن، وإلى أقاصى ربيعة ومضر، فتجمعهم إليك جميعا، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت بعثت إليهم من ترى لغزوهم، ثم جلس، وسكت الناس.
فقال لهم أبو بكر رضى الله عنه: ماذا ترون رحمكم الله؟
فقام عثمان رضى الله عنه، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، وصلّى على النبى ﷺ ، ثم قال: نرى أنّك ناصح لأهل هذا الدين، عليهم شفيق، فإذا رأيت رأيك [علّمتهم] (٢) رشدا وصلاحا وخيرا، فاعزم على إمضائه، فإنّك غير ظنين ولامتّهم (٣) عليهم.
فقال طلحة، والزبير، وسعد، وأبو عبيدة، رضى الله عنهم، وسعيد بن زيد، وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان فيما قال ما رأيت من رأى فأمضه؛ فإنّا سامعون لك مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتّهم رأيك، ولا نتخلّف عن دعوتك وإجابتك، فذكروا هذا وشبيهه، وعلىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه فى القوم لا يتكلّم، فقال له أبو بكر: ما ترى يا أبا الحسن؟ قال: أرى أنّك مبارك ميمون النقيبة (٤)، وأنّك إذا سرت إليهم بنفسك، أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله تعالى، (١٢٢) [فقال أبو بكر: بشّرك الله] (٥) بخير، فمن أين علمت هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال
стр. 1172
هذا الدين ظاهرا على كلّ من ناوأه، حتى يقوم الدين وأهله ظاهرين».
فقال أبو بكر: سبحان الله، ما أحسن هذا الحديث لقد سرّك الله فى الدّنيا والآخرة.
ثمّ إنّ أبا بكر قام فى الناس فحمد الله وأثنى عليه، وذكره بما هو أهله، وصلّى على النبى ﷺ ، ثم قال: أيّها الناس، إنّ الله قد أنعم عليكم بالإسلام، وأعزّكم بالجهاد، وفضّلكم بهذا الدين على أهل كلّ دين، فتجهّزوا عباد الله إلى غزو عدّوكم الروم بالشام، فإنّى مؤمّر عليكم أمراء، وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربّكم، ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيّتكم وسريرتكم (١)، فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون.
قال: وسكت النّاس، فو الله ما أجابه أحد هيبة لغزو الروم، لما يعلمون من كثرة عددهم وشدّة شوكتهم، فقام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فقال:
يا معشر المسلمين، ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله ﷺ إذا دعاكم لما يحييكم؟
فقام خالد بن سعيد بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ ثم قال: الحمد لله الذى لا إله إلاّ هو، بعث محمّدا، ﷺ بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، فإنّ الله تعالى منجز وعده، ومعزّ دينه، ومهلك أعداءه، ثم أقبل على أبى بكر فقال: نحن غير مخالفين لك، ولا متخلّفين عنك، وأنت الوالى الناصح الشفيق، ننفر إذا استنفرتنا، ونطيعك إذا أمرتنا، ونجيبك إذا دعوتنا: ففرح أبو بكر رضى الله عنه بمقاله، وقال:
стр. 1173
جزاك الله من أخ وخليل خيرا، فقد أسلمت مرتغبا (١٢٣) وهاجرت محتسبا، وهربت بدينك من الكفّار، لكى يطاع الله ورسوله وتكون كلمة الله العليا، فسر (١) رحمك الله.
قال: فتجهّز خالد بن سعيد بن العاص بأحسن جهاز، ثم أتى أبا بكر وعنده المهاجرون والأنصار، فسلّم ثم قال: والله لئن أخرّ من رأس حالق، أو تخطّفنى الطير فى الهواء بين السماء والأرض أحبّ إلىّ [من] (٢) أن أبطئ عنك ولا أجيب دعوتك، فو الله ما أنا فى الدنيا براغب، ولا على البقاء بحريص، وإنّى أشهدكم أنّى وإخوتى وفتياتى ومن أطاعنى من أهلى حبيس فى سبيل الله، نقاتل المشركين حتى يهلكهم الله، أو نموت عن آخرنا.
فقال له أبو بكر خيرا، ودعا له المسلمون بخير، وقال له أبو بكر: إنّى لأرجو أن تكون من نصحاء الله فى عباده: بإقامة كتابه، واتّباع سنّة نبيّه ﷺ ، فخرج هو وإخوته وغلمانه ومن تبعه، فكان أوّل من عسكر إلى الروم، ثم تبعه الناس.
وأنفذ أبو بكر رضى الله عنه إلى اليمن، فأتت حمير بنسائها وأولادها، فاستبشر أبو بكر بذلك، ثم عقد الألوية وأمّر الأمراء المقدمين مثل: أبى عبيدة بن الجرّاح ويزيد بن أبى سفيان، ومعاذ بن جبل، وشر حبيل بن حسنة، وأمّر عليهم، وأمّر على الجميع أبا عبيد بن الجرّاح، إذا اجتمعوا كان الأمير عليهم، فإن تفرّقوا فكلّ من هؤلاء أمير بحاله، وأوصاهم بما يعتمدونه.
стр. 1174
ذكر سنة ثلاث عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا، وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(١٢٤) الإمام أبو بكر الصدّيق، رضى الله عنه، بالمدينة إلى أن توفّى فى تاريخ ما تقدّم، وفيها كان عبور الجيوش الإسلاميّة إلى الشام، وكان قد أمّر خالد بن الوليد ثم عزله، وولّى أبا عبيدة بن الجرّاح، وذلك لما رأى من شفقة أبى عبيدة على المسلمين، وكونه لم يجسر على العبور إلى الشام، وكان أبو عبيدة قد نزل البلقاء وصالح أهلها بعد قتال، وهو أوّل صلح كان بالشام، ثم إن خالد ابن الوليد رضى الله عنه قطع المفازة لمّا جاءه أمر أبى بكر رضى الله عنه، وهى مفازة العلا وتبوك، وخطم الجمال بعد ما عطّشها وسقاها، وعاد فى كل يوم ينحر عشرة، فيأكلون لحومها، ويشربون ما فى بطونها من الماء، حتى قطع بهم المفازة.
وفيها كانت وقعة اليرموك، وكان المسلمون أربعين ألفا، معهم ألف صحابى، فيهم نحو من مائة ممّن شهد بدرا، وكانت الروم فى مائتى ألف، منهم ثمانون ألف مقيّد، وأربعون مسلسل، وأربعون ألف مشدود بالعمائم، كلّ ذلك لئلاّ ينهزموا. وأبى الله إلاّ نصرة دينه، وإظهار كلمة الإيمان على كلمة عبدة الصلبان.
стр. 1175
وفيها فتحت صيدا، وجبيل، وبيروت، وبيسان، وطبريّة.
وفيها كانت وقعة النساطين بكسكر، ووقعة الجالينوس وغيرها، وسيأتى ذكر شئ من ذلك فى أيام خلافة عمر رضى الله عنه.
وفيها كانت خلافة عمر رضى الله عنه.
وفيها كانت وفاة أبى بكر رضى الله عنه بطرف من سل، وقيل بل من سقية اليهودى له، حسبما تقدّم من الكلام، والله أعلم.
وقيل إنّ أبا بكر رضى الله عنه لم يكن يأكل من بيت مال المسلمين شيئا.
ولا يجرى عليه من الفئ درهم، إلاّ أنّه استسلف (١٢٥) من بيت المال مالا، فلما حضرته الوفاة أمر عائشة رضى الله عنها بردّه، فردّته.
ومن كلام عائشة رضى الله عنها فى أبيها بعد وفاته
قالت: من جملة كلام [عن] أبى بكر: والله من لا تعطونه الأيدى ذاك طود منيف، وظلّ مديد، أنجح إذ كذّبتم، وسبق إذ ونيتم، سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفّك عانيها، ويريش ملقها وتراب شعبها، فمّا برحت شكيمته فى ذات الله تشتدّ، حتى اتّخذ بفنائه مسجدا، يحيى فيه ما أمات المبطلون، كان والله قيد الجوانح، غزير الدّمعة، شجىّ النّشيج، فانقضّت إليه نسوان مكّة وولدانها، يسخرون منه ويستهزئون به، والله يستهزئ بهم ويمدهّم فى طغيانهم يعمهون، فأكبرت ذلك رجالات قريش، فما فلّوا صفاة، ولا قصفوا له قناة، حتى ضرب الحقّ بجرأته، وألقى بركنه، ورست أوتاده، فلمّا قبض الله نبيه ﷺ ضرب الشيطان رواقه، ومدّ طنبه،
стр. 1176
ومدّ حباله، وأجلب بخيله ورجله، فقام الصدّيق حاسرا مشمرا، فردّ الإسلام على غرّة، وأقام أود نفاقه، فانذعر النفّاق بوطئه، وانتعش الناس بعدله، حتى أراح الحقّ على أهله، وحقن الدماء فى أهلها.
صفة الإمام أبى بكر رضى الله عنه وأرضاه
كان أبيض، نحيفا، طويلا، خفيف العارضين، غائر العينين، أجنأ (١)، ناتئ الجبهة، عارى الأشاجع (٢)، لا يستمسك إزاره، يسترخى عن حقويه (٣)، يخضب، وفى تاريخ القضاعىّ رحمه الله تعالى أنّه كان آدم اللون، والله أعلم.
(١٢٦) ومن كلامه رضى الله عنه
المعروف بقى مصارع السوء، والموت أشدّ ما قبله وأهون ما بعده، أربع من كنّ فيه كان من خيار عباد الله: من فرّج للتائب، واستغفر للمذنب، وأعان المحسن، ودعا للمدبر، ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغى، والنّكث، والمكر.
أسماء كتّابه رضى الله عنه
كان كاتبه عثمان بن عفّان إلى حين وفاته، رضى الله عنه.
أسماء حجابه رضى الله عنه
كان حاجبه سويدا، ويقال شريف مولاه رضى الله عنه.
نقش خاتمه رضى الله عنه
كان نقش خاتمه: نعم القادر الله، وقال ابن عبّاس رضى الله عنه: بل كان نقش خاتمه: عبد ذليل لربّ جليل، والله أعلم.
стр. 1177
ذكر خلافة
الإمام الفاروق عمر بن الخطّاب
ونسبه وبعض سيرته رضى الله عنه
أما نسبه، رضى الله عنه فهو أبو حفص عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدىّ بن كعب، يلقى رسول الله ﷺ فى كعب بن مرّة، أمّه [حنتمة (١)] بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب.
بويع له رضى الله عنه يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة للهجرة، وله اثنتان وخمسون سنة وأشهر، وكانت خلافته عشر سنين، وستّة (١٢٧) أشهر، وأربعة أيّام.
أجمع أهل العلم أنّ أفرس الناس أربعة نفر: رجلان وامرأتان، صفراء بنت شعيب، لما تفرّست فى موسى صلوات الله عليه، فقالت: ﴿يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»﴾ (٢)، وعزيز مصر، لما تفرّس فى يوسف صلوات الله عليه، فقال: ﴿أَكْرِمِي مَثْااهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً»﴾ (٣).
وخديجة بنت خويلد رضى الله عنها، لما تفرّست فى رسول الله ﷺ ، فخطبته لنفسها، وكانت أوّل من آمن به، فعادت سيّدة نساء العالمين، وأبو بكر رضى الله عنه لما تفرّس فى عمر رضى الله عنه فاستخلفه على الأمّة، فكان نعم الخليفة، ونعم من استخلف عنه.
стр. 1178
وكان نفيل جدّ عمر شريفا نبيلا، تتحاكم إليه قريش، وولد عمر رضى الله عنه بعد الفيل بثلاث سنين، وقيل بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان عمر شديدا على المسلمين، فلمّا أسلم أعزّ الله به دينه، أسلم بعد أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة.
وكان لعمر فى الجاهليّة السفارة، وكانت قريش إذا وقعت بينهم عداوة بعثوه سفيرا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم بعثوه منافرا ومفاخرا ورضوا به، وأسلمت فاطمة بنت الخطّاب أخته، وزوجها سعيد بن عمرو بن نفيل، وكانا يكتمان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النّحام من قوم عمر من بنى عدىّ قد أسلم مستخفيا من عمر.
ذكر إسلام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه
قال: وخرج عمر يوما متوشّحا سيفه، يريد رسول الله ﷺ وأصحابه، ذكروا له أنّهم مجتمعون فى بيت عند الصفا، معه (١٢٨) ﷺ عمّه حمزة، وأبو بكر، وعلىّ، فى رجال من المسلمين ممّن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكّة (١)، فلقيه نعيم بن عبد الله، فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمّدا، هذا الصابئ الذى فرّق أمرنا، وسفّه أحلام قريش، وعاب دينها، وسبّ آلهتها، فأقتله! فقال: غرّتك نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمّدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: أىّ أهل بيتى؟ قال: أختك، وابن عمّك سعيد بن زيد، فعليك بهما.
فرجع عمر إليهما وعندهما خبّاب بن الأرتّ، معه صحيفة فيها سورة طه،
стр. 1179
يقرئهما إيّاها، فلمّا سمعوا حسّ عمر تغيّب خبّاب، فلمّا دنا قال: ما هذه الهينمة (١)؟ فأنكراه، فقال: بلى! قالا: لا، فقال: قد أخبرت أنّكما تابعتما محمّدا على دينه، وبطش بسعيد، فدفعت عنه فاطمة، فضربها فشجّها، فقالا له: نعم، قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!
فلمّا رأى عمر الدم رقّ وقال لأخته: أعطينى هذه الصحيفة، لأنظر ما جاء به محمّد، فقالت: أخشاك عليها؟ فحلف ليردنّها، فقالت: يا أخى، أنت نجس مشرك، وما يمسّها إلاّ طاهر، فقام فاغتسل وقرأ الصحيفة، فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلمّا سمعه خبّاب خرج وقال: إنّى لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه، فإنّى سمعته يقول أمس: «اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطّاب»! فالله الله يا عمر.
فقال عمر: دلّنى يا خباب على محمّد، فدلّه عليه، فأخذ عمر سيفه وعمد إلى رسول الله ﷺ ، فضرب الباب عليهم، فسمعوا صوت عمر، ورآه رجل من خلل الباب، فرجع فزعا، فقال: يا رسول الله، هذا (١٢٩) عمر متوشّحا سيفه! (٢) فقال حمزة: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه، وإن أراد شرّا قتلناه بسيفه، فأذن له النبى ﷺ ، وخرج إليه رسول الله ﷺ ، فلقيه فى الحجرة، فأخذ بجمع ردائه، وجذبه جذبا شديدا وقال: «ما جاء بك يا بن الخطّاب، فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة»، فقال: جئتك يا رسول الله لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، فكبّر ﵇ تكبيرة عرف
стр. 1180
أهل البيت أنّ عمر قد أسلم، فتفرّق أصحاب النبى ﷺ من مكانهم، وقد عزّوا فى أنفسهم، حين أسلم عمر وحمزة.
وروى أنّ عمر رضى الله عنه قال: كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب شراب فى الجاهليّة، وكنت أجتمع مع رجال من قريش، فخرجت أريدهم، فلم أجد أحدا منهم، فقلت: لو أتيت فلانا الخمار، لعلّى أجد عنده خمرا فأشربها، فأتيته فلم أجده، فقلت: لو أتيت الكعبة فطفت بها سبعا، فجئت المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائما يصلّى، فقلت: لو أنّى استمعت لمحمّد الليلة، حتى أسمع ما يقول، ثم قلت: لئن دنوت منه لأروّعنّه، فجئت من قبل الحجرة التى تحت ثيابها، فمشيت رويدا، ورسول الله ﷺ قائم يصلّى ويقرأ، فلمّا سمعت القرآن رق قلبى ودخلنى الإسلام.
فبتّ مكانى حتّى انصرف ﵇، فتبعته، فلمّا سمع رسول الله ﷺ حسّى عرفنى وظنّ أنّى إنّما اتّبعته لأوذيه، فنهمنى (١)، ثم قال: «ما جاء بك يا بن الخطّاب هذه الساعة؟ فقلت: جئت لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فحمد الله رسول الله ﷺ ، ثم قال: «هداك الله يا عمر»! ثم مسح صدرى، ودعا لى بالثبات، ثم دخل ﵇ بيته، وانصرفت.
قال ابن مسعود: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نطوف بالبيت ونصلّى حتّى أسلم عمر، فقاتلهم حتى تركونا نصلّى، فصلّينا وطفنا.
وقال ابن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة،
стр. 1181
قال عمر رضى الله عنه: لمّا أسلمت قلت: أىّ رجل أنقل للحديث؟ فقيل لى:
جميل بن معمر الجمحى، فأتيته فقلت: هل علمت أنّى أسلمت وتابعت محمّدا؟ فما راجعنى حتى قام يجرّ رداءه، فوقف على باب المسجد، فصرخ بأعلى صوته، وقريش فى أنديتها حول الكعبة: ألا وإنّ ابن الخطّاب قد صبأ، فقلت: كذب، ولكنّى أسلمت، ودخلت فى دين محمّد، قال: وثاروا إلىّ فقاتلونى وقاتلتهم حتّى قامت الشمس على رءوسهم، فقعدت وقاموا على رأسى، فنالوا منّى.
قال عمر رضى الله عنه: فقلت: اصنعوا ما شئتم، فأقسم لو كنّا ثلاثمائة لتركناها لكم، أو تركتموها لنا.
قال عبد الله بن عمر: فبينا هم كذلك إذ أقبل شيخ من قريش، عليه جبّة من أعلى مكة، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون منه؟، أترون بنى عدىّ يسلمونه، فو الله لكأنّما كانوا ثوبا كشف عنه.
قال عبد الله: فقلت لأبى بعد أن هاجر: يا أبت، من الذى وزّع الناس عنك بمكّة يوم أسلمت جزاه الله خيرا، قال: ذلك العاص بن وائل السهمىّ، لا جزاه الله خيرا.
ولد عمر رضى الله عنه قبل يوم الفجار بأربع سنين، وولدت ابنته حفصة، زوج النبى ﷺ ، قبل المبعث بخمس سنين، وأسلم عمر، رضى الله عنه، بعد المبعث فى السنة السادسة، وهو يومئذ ابن تسع وعشرين سنة، وتوفّى لهلال المحرم سنة أربع وعشرين (١٣١) وهو ابن ستّين سنة، وهو الصحيح.
وشهد عمر المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وتوفّى رسول الله ﷺ وهو
стр. 1182
عنه راض، وولى الخلافة سنة ثلاث عشرة، فى اليوم الذى مات فيه أبو بكر رضى الله عنه بوصيّة من أبى بكر، وكانت سيرته من محاسن السّير، وأنزل نفسه من مال الله تعالى بمنزلة رجل من المسلمين، لم يستأثر بشئ دونهم.
وهو أوّل من دوّن الدواوين فى الإسلام، ونوّر شهر رمضان بصلاة الأشفاع وهو أوّل من تسمّى بأمير المؤمنين، ناداه رجل: يا خليفة الله، قال: ذاك نبى الله داود، قال: يا خليفة رسول الله، قال: ذاك صاحبكم المفقود، قال: يا خليفة خليفة رسول الله. قال: ذاك أمر يطول، أنتم المؤمنون وأنا أميركم.
ويروى أنّه قيل له: يا عمر، فقال: لا تبخس مقامى شرفه، ويقال إنّ المغيرة ابن شعبة أوّل من دعاه بأمير المؤمنين، فقال ذاك إذا، وقيل السبب فى ذلك أنّ عمر كتب إلى عامله بالعراق أن تبعث إلىّ رجلين نبيلين جلدين نسلهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة العامرى وعدىّ بن حاتم الطائى، فأناخا بباب المسجد، فلقيا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فوثب عمرو فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين.
وكان عمر كما وصفه علىّ ﵉، فقال فى كلام ذكر فيه أبا بكر وأثنى عليه، ثم قال: ثم ولى عمر الأمر بعده، بعد أن استشار المسلمين فيه، فكره قوم ورضى قوم، فكنت ممّن رضى فلم يفارق الدنيا حتى رضى به من كان كرهه، فأقام الأمر على منهاج صاحبيه، يتّبع آثارهما كاتّباع الفصيل أمّه، رحيما بالضعفاء ناصرا للمظلومين (١٣٢) قويّا فى حقّ الله وأمره، لا تأخذه فيه لومة لائم، ضرب الله بالحقّ على لسانه، شبهّه رسول الله ﷺ بجبريل فى غلظته على الأعداء، والغيظ على الكفّار، فمن أحبّنى فليحبّهما، ومن أبغضهما فقد أبغضنى، وأنا منه برئ.
стр. 1183
وقال ﷺ : «إنّ الله ﷻ جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه»، ونزل القرآن بموافقته فى أسرى بدر قال الله تعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ»﴾ (١)، وذلك أنّه لمّا جئ بالأسرى يوم بدر قال لأصحابه: «ما تقولون فى هؤلاء»؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك استبقهم [واستتبهم] (٢)، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون قوّة على الكفّار، وقال عمر: يا رسول الله، كذّبوك، وأخرجوك، فاضرب أعناقهم، ومكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، ومكّنى من فلان-[نسيب] (٣) لعمر-فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، فقال عبد الله بن رواحة: انظروا واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أحزمه عليهم نارا، فقال العبّاس:
قطعتك رحم (٤).
فسكت النبى ﷺ ، فقال ناس: يأخذ بقول أبى بكر، وقال آخرون:
يأخذ بقول عمر، وقال آخرون: يأخذ بقول ابن رواحة، فخرج النبى ﷺ فقال: «إنّ الله ليليّن قلوب رجال [فيه] (٥)، حتّى تكون ألين من اللبن، وإنّ الله ليشدّد قلوب رجال، حتّى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»﴾ (٦)، ومثلك كمثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ﴾
стр. 1184
﴿عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»﴾ (١)، ومثلك يا عمر كمثل نوح، حيث قال: ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ (١٣٣) مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً»﴾ (٢). ومثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْاالِهِمْ، وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ»﴾ (٣).
ثم قال رسول الله ﷺ : «أنتم اليوم عالة، فلا يفلتنّ أحد منكم إلاّ بفداء أو ضربة عنق»، قال عبد الله بن مسعود: إلاّ سهيل بن بيضاء، فإنّى سمعته يذكر الإسلام، فسكت النبى ﷺ ، فما رأيتنى فى يوم أخوف أن تقع علىّ الحجارة من السماء منّى فى ذلك اليوم حتّى قال النبى ﷺ : «إلاّ سهيل بن بيضاء»، فلمّا كان من الغد جئت النبى ﷺ ، وإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت:
يا رسول الله، خبّرنى عن أىّ شئ تبكيان؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت، فقال النبى ﷺ : «أبكى على أصحابى من أخذهم الفداء، ولقد عرض علىّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة»، لشجرة قريبة من النبى ﷺ .
قال ابن عبّاس: كان هذا يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلمّا كثروا واشتدّ سلطانهم أنزل الله : ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمّا فِداءً»﴾ (٤) فخيّر الله سبحانه نبيّه والمؤمنين فى أمر الأسارى: إن شاءوا قتلوهم واستعبدوهم، أو فادوهم، أو أعتقوهم، ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ»﴾ (٥)، أى: فى الّلوح المحفوظ، بأنّ الله سبحانه يحلّ لكم الغنيمة «لمسّكم» فى أخذ الغنيمة والفداء قبل أن تؤمروا «عذاب عظيم». قال ﷺ : «لو نزل عذاب من السّماء ما نجا
стр. 1185
منه إلاّ عمر بن الخطّاب وسعد بن معاذ، فإنّهما أمسكا عمّا أخذ من الغنائم».
وقيل معنى قوله تعالى: «لولا كتاب من الله سبق» أنّه لا يعذّب أحدا ممّن شهد بدرا مع النبى ﷺ ، لمسّكم العذاب.
ووافق عمر القرآن فى مقام (١٣٤) إبراهيم، وذلك أنّ النبى ﷺ مرّ بالمقام ومعه عمر، فقال: يا رسول الله، هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال «نعم»، قال:
أفلا نتّخذه مصلّى؟ فقال النبى ﷺ : «لم أؤمر بذلك»، فلم تغب الشمس من ذلك اليوم حتى نزلت: ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى»﴾ (١)، ووافق عمر القرآن فى الحجاب، وذلك أنّه قال للنبى ﷺ : إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو حجبت أمّهات المؤمنين، فنزلت آية الحجاب.
قال عمر: بلغنى شئ كان بين أمّهات المؤمنين وبين النبى ﷺ ، فاستعرضتهنّ أقول لهنّ: لتكفنّ عن رسول الله أو ليبدلنّه الله أزواجا خيرا منكنّ، حتى أتيت على آخرهنّ، فقالت أمّ سلمة: يا عمر، ما فى رسول الله ﷺ ما يعظ به نساءه حتى تعظهنّ، فأمسكت، فنزلت: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْااجاً خَيْراً مِنْكُنَّ»﴾ (٢) الآية.
ولمّا أصاب عمر أرضه بخيبر، قال للنبى ﷺ : يا رسول الله، ما أصبت مالا أنفس عندى منه، فما تأمر؟ فقال ﵇: «إن شئت تصدّقت بها، وحبست أصلها»، فجعلها عمر صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، وتصدّق بها على الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، والغزاة فى سبيل الله، والضيف،
стр. 1186
وفى الرقاب، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، ويطعم صديقا غير متموّل مالا، ثم أوصى بها إلى حفصة، ثم إلى الأكابر من ولده، وهى أوّل صدقة تصدّق بها فى الإسلام.
وقال ﵇: «لست أدرى ما مقامى فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدى:
أبى بكر وعمر، واهتدوا بهدى ابن عمّار، وتمسكوا بعهد أمّ معبد»، وقال ﷺ :
«أتيت فى منامى (١٣٥) بقدح لبن فشربته، حتّى رأيت الرىّ يخرج من أظافرى، ثم أعطيته عمر بن الخطّاب فشرب فضله»، قالوا فما أوّلته يا رسول الله؟ قال:
«العلم» وقال ﵇: «إنّ الله تعالى وضع العلم على لسان عمر، فهو يقول به».
قال ابن شهاب: كنا نتحدّث أنّ ملكا ينطق على لسان عمر، قال ابن مسعود:
لو وضع علم أحياء العرب فى كفّة، ووضع علم عمر فى كفّة لرجح علم عمر، وقال:
ما شئ أنفع من كلام، ولا أحسن من كلام، أخذت مضجعى، فسمعت قائلا يقول: السّلام على أهل البيت، خذوا من دنياكم، أو قال: من دنيا فانية لأخرى باقية، واستعدّوا المعاد إلى الله ، فإنّه لا قليل من الأجر، ولا غنىّ عن علم الله ، ولا عمل بعد الموت، أصلح الله أعمالكم.
وسمع عمر رجلا يقول: الّلهم اجعلنى من الأقلّين، فقال له: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: سمعت الله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ»﴾ (١)، و ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ»﴾ (٢)، فقال عمر رضى الله عنه: عليك من الدعاء بما يعرف.
стр. 1187
وقال ناس من الصحابة لعمر رضى الله عنه: ما بال الناس فى الجاهليّة كانوا إذا ظلموا فدعوا يستجاب لهم، ونحن اليوم ندعو فلا يستجاب لنا، وإن كنّا مظلومين؟ فقال عمر: كان ذلك ولا أجر لهم إلاّ ذاك، فلمّا نزل الوعد والوعيد، والحدود والقصاص، والعقود وكلهم الله إلى ذلك.
ومن أجوبته الحسنة أنّه قال: إنّ فى يوم كذا من شهر كذا ساعة لا يدعو الله سبحانه فيها أحد إلاّ استجاب له، فقيل له: أرأيت إن دعا الله فيها منافق؟ فقال: إنّ المنافق لا يوفّق لتلك السّاعة، وقال ﷺ : «قد كان فى الأمم (١٣٦) قبلكم محدّثون، فإن يكن فى هذه الأمّة أحد فعمر»، وقال ﵇: «لو كان بعدى نبىّ لكان عمر».
وكان عمر شديد الغيرة، قال النبى ﷺ : «دخلت الجنّة، فرأيت فيها دارا أو قصرا، وسمعت فيها ضوضأة، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لرجل من قريش، فظننت أنّى أنا هو، فقلت: من هو؟ فقالوا عمر، فلولا غيرتك يا أبا حفص لدخلته»، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟
خرج عمر رضى الله عنه يوما ومعه النّاس، فمرّ بعجوز فاستوقفته، فوقف لها وجعل يحدّثها وتحدثه، فقال الجارود العبدرى: حبست الناس على هذه العجوز؟ فقال: ويلك، أتدرى من هذه؟ هذه امرأة سمع الله كلامها وشكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، التى أنزل الله فيها:
«قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله»، والله لو وقفت إلى الّليل ما فارقتها إلاّ إلى الصلاة، ثم أرجع إليها.
стр. 1188
وروى أنّها قالت لعمر: إيها يا عمر، عهدتك تسمّى عميرا فى سوق عكاظ تزع الصبيان بالعصىّ، فلم تذهب الأيّام حتّى دعيت عمر، ثم لم تذهب الأيّام حتى سمّيت أمير المؤمنين، فاتّق الله فى الرعيّة، واعلم أنّ من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشى الفوت، فقال لها الجارود: قد أكثرت أيّتها المرأة على أمير المؤمنين، فقال له عمر، ثم ذكر ما تقدّم، وقيل إنّ اسم المرأة خولة بنت حكيم، امرأة عبادة بن الصامت، كذلك اختلف فى اسم أبيها، فقيل حكيم وقيل ثعلبة.
مرّ عمر رضى الله عنه بضجنان، فقال: لقد رأيتنى وأنا أرعى غنم الخطّاب فى هذا المكان، وعلىّ مدرعة صوف، وكان والله ما علمت فظّا غليظا يضربنى إذا (١٣٧) قصّرت، ويتعبنى إذا عملت، ثم أصبحت اليوم وأمر أمّة محمّد ﷺ إلىّ، ثم تمثّل:
لا شئ مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بدّ من ورده يوما كما وردوا
قال ابن عبّاس رضى الله عنه (١): قال لى عمر رضى الله عنه: أنشدنى لأشعر شعرائكم زهير، قلت: كيف جعلته أشعر شعرائنا؟ قال: لأنّه كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يطلب [وحشىّ الشعر] (٢)، ولا يطلب الرجل إلا بما يكون فى الرجال، وقال عمر: أشعر الشعراء من يقول:
فلست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرّجال المهذّب
стр. 1189
وهو النابغة.
قال الشّعبى: كان أبو بكر، وعمر وعلىّ كلّهم شعراء، وكان علىّ ﵇ أشعر الثلاثة، سار عمر رضى الله عنه يوما على ناقة له فظلعت، فعرض له رجل معه ناقته فركبها وقال:
كأنّ راكبها غصن بمروحة ... إذا تخطّت به أو شارب ثمل
وشهد رجل عند عمر على هلال رمضان، وكان قد أصيب بعينه فى غزاة مع رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: بأىّ عينيك رأيته؟ قال: بشرّهما، يعنى الصحيحة، فقال له عمر: فإن أفطرت فما أنت صانع؟ فقال: أفطر معكم، فقبل شهادته.
وقال عمر رضى الله عنه: من أعطى الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن أعطى الشكر لم يحرم الزّيادة، ومن أعطى الاستغفار لم يحرم القبول، قال الله تعالى:
﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿اِسْتَغْفِرُوا (١٣٨) رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً»﴾ (٣).
ومما يستحسن من عدله وإنصافه
ما ذكره عبد الله بن عبّاس قال: أتدرون من يتكلّم بملء فيه: عمر بن الخطّاب، كان يكسوهم اللّين ويلبس الخشن، ويطعمهم الطيّب ويأكل الخبز المغلوث (٤)، قال: وأعطى عمر رجلا عطاء وزاده ألفا، فقيل له: لو زدت عبد الله بن عمر، فإنّه ابنك، وهو لذلك مستحقّ، فقال: هذا ثبت أبوه مع رسول الله ﷺ يوم أحد، ولم يثبت أبو هذا-يريد نفسه. وكان يجرى لنفسه
стр. 1190
من بيت المال درهمين كلّ يوم، فلمّا ولى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه قيل له:
لو أخذت ما كان عمر يأخذ، فقال: إنّ عمر كان لا مال له، وأنا لى ما يغنينى.
وقال عمر: أتدرون ما يحلّ لى من مال الله؟ يحلّ لى حلّتان: حلّة للشّتاء وحلّة للصّيف، وما أحجّ عليه وأعتمر من الظهر، ومولى، وقوت عيالى كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين يصيبنى ما أصابهم.
سمع عمر رجلا ينشد:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدى (١)
فقال عمر: لولا أن أسير فى سبيل الله، وأضع جبهتى على الأرض لله، وأجالس قوما ينتقون أحسن الحديث، كما ينتقى أطايب الثمر، لم أبال أن أكون متّ.
ذكر سنة أربع عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم ستّة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(١٣٩) الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، والجيوش الإسلاميّة فى حروب الشّام، وفيها أمر عمر رضى الله عنه بقيام شهر رمضان، وكتب بذلك إلى سائر الأمصار التى عادت فى أيدى المسلمين،
стр. 1191
وفيها ولد سعيد بن المسيّب، وفيها كانت وقعة القادسيّة، كما يأتى ذكرها بعد ذلك إن شاء الله تعالى، وفيها كان فتح الأردنّ ودمشق وحمص.
ذكر فتح دمشق وحمص وما معهما ملخّصا
وذلك أنّ الأمير كان على العساكر خالد بن الوليد رضى الله عنه طول خلافة أبى بكر ﵀ وأرضى عنه، فلمّا ولى الأمر عمر بن الخطّاب رضى الله عنه قال: والله لأعزلنّ خالد بن الوليد، والمثنّى بن حارثة، ليعلما أنّ الله هو الناصر لدينه، فعزلهما، وعزل خالد بأبى عبيدة، فجاءه الكتاب وهما فى حصار دمشق، فكتمه أبو عبيدة رضى الله عنه ولم يطلع عليه خالدا، وبقى خالد يصلّى بالناس على حاله، ولمّا علم خالد ذلك قال لأبى عبيدة: كيف لم تعلمنى بولايتك وأنت تصلّى خلفى، والسلطان سلطانك؟ فقال أبو عبيدة: ما السلطان أردت، وكلّ ما ترى إلى زوال، ونحن إخوان فأيّنا ولّى عليه أخوه لم يضرّه فى دينه ولا دنياه، بل المولى يكون أقربهما إلى الفتنة، وأوقعهما فى الخطيئة، إلاّ من عصم الله.
وكان أبو عبيدة منازل دمشق من باب الجابية، وخالد من باب شرقى، وكان الروم أبو عبيدة أحبّ إليهم من خالد رضى الله عنهما، للينه، ولما بلغهم أنّه أقدم هجرة وإسلاما، وفتح لأبى عبيدة باب الجابية فدخل صلحا، وخالد على الباب الشرقى ليس عنده خبر، فولج دمشق عنوة، وأراد سبيهم، فمنعه أبو عبيدة، وقال: قد أمّنتهم، وفتحت منتصف رجب سنة أربع عشرة، لثلاثة عشر شهرا من خلافة عمر، وهو الصحيح.
стр. 1192
(١٤٠) وفتح الله تعالى لعمر رضى الله عنه على يد خالد، وهو أمير من قبل أبى عبيدة حمص، افتتحها صلحا على مائة ألف وتسعين ألف دينار، ودخلها المسلمون.
وكان هرقل ملك الروم فى كلّ ذلك بأنطاكيّة، وهو يمدّهم بالعساكر، فيرجعون خائبين، وكان يقول لأهل دينه: أنتم أكثر من المسلمين، وأنتم بشر وهم بشر، فما بالهم ينصرون عليكم؟ فقال شيخ من أصحابه: ذلك من أجل أنّ القوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ومن أجل أنّا نشرب الخمر، ونرتكب المحارم، وننقض العهد، ونأمر بما يسخط الله، وننهى عما يرضى الله، ونفسد فى الأرض، فقال هرقل: صدقت لأخرجنّ من هذه القرية، وما لى فى صحبتكم من خير، فأشير عليه بأن لا يفعل، فأقام واستصرخ بأهل روميّة وأهل قسطنطينيّة، وأرمينيّة، وأجناد الجزائر، وأمر أن يحشر إليه كلّ من بلغ الحلم من أهل مملكته، وبعث إلى المسلمين جيوشا لا تحصى.
وجاءت الأخبار إلى أبى عبيدة من جهة عيونه بذلك، فأطلع المسلمين على ذلك واستشارهم، فقال يزيد بن أبى سفيان: أرى أن نعسكر على باب حمص المسلمين، وتدخل النساء والذرارى المدينة، وابعث إلى المسلمين وأمّر بهم كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد فيكونوا معك، فقال شرحبيل: لا أرى أن تدخل ذرارى المسلمين مع أهل حمص وهم على دين عدوّنا، ولا نأمن إن تشاغلنا بحرب من يأتينا أن تثب أهل حمص على ذرارينا، فيتقرّبوا بهم إلى عدوّنا، فقال أبو عبيدة:
سلطان المسلمين أحبّ إليهم من سلطان عدوّكم، وإنّى أرى أن أخرجهم من المدينة
стр. 1193
وأدخل النساء، وأنزل معهم الرجالة، ونكون نحن بإزاء العدوّ، فقال شرحبيل:
كيف يحلّ (١٤١) إخراجهم، وقد صالحناهم على تركهم فى ديارهم؟ فقال ميسرة ابن مسروق: إنّا لسنا أهل مدائن وحصون، وإنّا أصحاب البرّ والبلد القفر، فأخرجنا من بلاد الروم إلى بلادنا، واضمم قواصيك، واكتب لأمير المؤمنين فليمدّك، فاستصوب رأيه المسلمون.
وأمر أبو عبيدة بردّ المال الذى أخذه من أهل حمص بخروجه عنهم، فدعوا له بالنصر، وردّ على أهل دمشق أيضا ما كان أخذ منهم، وقال: إنّما أخذناه على أنّا نمنعكم، ونحن باقون على الوفاء لكم.
وأشار شرحبيل بن حسنة على أبى عبيدة ألاّ يخرج من الشام وقد افتتحها، وأنّه إن فعل ذلك عسر عليه أيضا دخولها، ونقض أهل إيلياء الصلح، فسار إليهم عمرو بن العاص، وبلغهم ذلك فداخلهم الرعب، وكان ذلك قصد عمرو، ثم سار خالد بن الوليد إلى عمرو مددا، فنزل اليرموك، وأقبل عمرو بن العاص معه، وأقام أبو عبيدة باليرموك.
وأقبلت جموع الرّوم، وهى ثلاثة عساكر، فلم يمرّوا بقرية من القرى الّتى افتتحها المسلمون إلاّ سبوا أهلها، ونزلوا اليرموك على ألويتهم وراياتهم، وأمر خالد رجالا كانوا نصارى ثم أسلموا أن يدخلوا عسكر الروم ويكتموا إسلامهم، ليكونوا عيونا للمسلمين، ثم إنّ الروم أساءوا السيرة مع أهل القرى والمدن، وجاروا عليهم، وقطعت المؤن عن المسلمين، إلاّ ما كان يأتيهم من الأردنّ، لأنّه كان فى أيديهم.
стр. 1194
وجاءت جيوش الرّوم فأحاطت بالمسلمين من كلّ جانب، فكتب أبو عبيدة لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه كتابا يطلب المدد، ويعلمه ما هم فيه، فبكى المسلمون لما قرئ عليهم كتاب أبى عبيدة، وقالوا: سيّرنا إلى إخواننا وسر معنا، فلو قدمت الشام شدّ الله ظهور المسلمين! فقال (١٤٢) للّذى جاء بالكتاب: كم بين المسلمين وبين الروم؟ قال: بين أدناهم وبين المسلمين ثلاثة أيّام، وبين جمعهم وجمعهم خمس ليال، فقال عمر: هيهات، متى يأتى هؤلاء غياثنا، ثم كتب إلى أبى عبيدة كتابا شجّعه فيه، ورغّبه فى الشهادة، وأخبره بقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ»﴾ (١)، وسيّر نجدة بألف فارس، فلمّا دخلوا عسكر أبى عبيدة قويت نفوسهم.
ذكر وقعة اليرموك
قال: وسار أبو عبيدة بالنّاس من دمشق حتى نزل اليرموك، ولما تدانى العسكران لم يتقّدم عليهم الروم، وألقى الله فى قلوبهم الرّعب، هذا والمسلمون على مصافّهم، ثم انصرفت الرّوم عنهم ذلك اليوم، فلمّا كان من الغد وأقبلت الرّوم كأنّها سحابة منقضة، بدر أمراء الأجناد يعظون أصحابهم، فبرز معاذ ابن جبل رضى الله عنه، وقال: معاشر المسلمين اصبروا، فو الله لا ينجيكم اليوم إلاّ الصبر، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يركبه ويقاتل عليه فليفعل، فوثب عليه ابنه عبد الرحمن، وهو غلام حين احتلم، وقال: يا أبت، إنّى لأرجو أن لا يكون فارس أعظم غناء منّى، ولا راجل أعظم غناء منك.
стр. 1195
وحملت الرّوم حملة رجل واحد، فزال المسلمون عن الميمنة إلى القلب، وانكشفوا عن راياتهم، وصبرت طوائف من قبائل العرب مع أمرائهم، وحمل خالد بن الوليد رضى الله عنه على ميسرة الرّوم، وقد كانت دخلت عسكر المسلمين حتى صارت ميمنة المسلمين، والقلب شيئا واحدا، فقتل خالد-وهو فى قريب من الألف-ستّة آلاف فارس، وكان بإزائه قريب من المائة ألف، فنادى خالد رضى الله عنه: يا أهل الإسلام، لم يبق للقوم من الحلية إلاّ (١٤٣) ما رأيتم، الشّدة الشّدة، فو الذى نفسى بيده إنّى لأرجو أن يمنحكم الله تعالى أكتافهم، وانتهى خالد فى تلك الساعة بالحملة إلى [الدّرنجار] (١)، وفض الله جموع الروم، وهم ثلاثة عساكر.
وكان لمّا انهزم المسلمون أولا سمعوا صوتا ملأ العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثّبات الثّبات يا معشر المسلمين، فانعطف عليه، فإذا هو أبو سفيان ابن حرب تحت راية ابنه يزيد.
وانتهى الرّوم إلى مكان مشرف على أهوية، فسقط فى تلك الأهوية تقدير ثمانين ألفا، لم يعدوا إلاّ بالقصب، وبات المسلمون على مراكزهم، فلمّا أصبحوا لم ينظروا فى ذلك الوادى شيئا، فظنّوا أنّ العدوّ قد كمن لهم، فبعثوا الخيل إثرهم، فأخبرهم الرعاة أنّه قد ترحّل منهم البارحة نحو من أربعين ألفا فاتّبعهم خالد فى الخيل، فقتل سائرهم، حتى مرّ بدمشق فاستقبله أهلها فسألوه البقاء على العهد، ففعل، ثم مرّ فى إثرهم حتى أتى حمص، فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن
следующие страницы →