Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وفيها ولد سعيد بن المسيّب، وفيها كانت وقعة القادسيّة، كما يأتى ذكرها بعد ذلك إن شاء الله تعالى، وفيها كان فتح الأردنّ ودمشق وحمص.
ذكر فتح دمشق وحمص وما معهما ملخّصا
وذلك أنّ الأمير كان على العساكر خالد بن الوليد رضى الله عنه طول خلافة أبى بكر ﵀ وأرضى عنه، فلمّا ولى الأمر عمر بن الخطّاب رضى الله عنه قال: والله لأعزلنّ خالد بن الوليد، والمثنّى بن حارثة، ليعلما أنّ الله هو الناصر لدينه، فعزلهما، وعزل خالد بأبى عبيدة، فجاءه الكتاب وهما فى حصار دمشق، فكتمه أبو عبيدة رضى الله عنه ولم يطلع عليه خالدا، وبقى خالد يصلّى بالناس على حاله، ولمّا علم خالد ذلك قال لأبى عبيدة: كيف لم تعلمنى بولايتك وأنت تصلّى خلفى، والسلطان سلطانك؟ فقال أبو عبيدة: ما السلطان أردت، وكلّ ما ترى إلى زوال، ونحن إخوان فأيّنا ولّى عليه أخوه لم يضرّه فى دينه ولا دنياه، بل المولى يكون أقربهما إلى الفتنة، وأوقعهما فى الخطيئة، إلاّ من عصم الله.
وكان أبو عبيدة منازل دمشق من باب الجابية، وخالد من باب شرقى، وكان الروم أبو عبيدة أحبّ إليهم من خالد رضى الله عنهما، للينه، ولما بلغهم أنّه أقدم هجرة وإسلاما، وفتح لأبى عبيدة باب الجابية فدخل صلحا، وخالد على الباب الشرقى ليس عنده خبر، فولج دمشق عنوة، وأراد سبيهم، فمنعه أبو عبيدة، وقال: قد أمّنتهم، وفتحت منتصف رجب سنة أربع عشرة، لثلاثة عشر شهرا من خلافة عمر، وهو الصحيح.
стр. 1192
(١٤٠) وفتح الله تعالى لعمر رضى الله عنه على يد خالد، وهو أمير من قبل أبى عبيدة حمص، افتتحها صلحا على مائة ألف وتسعين ألف دينار، ودخلها المسلمون.
وكان هرقل ملك الروم فى كلّ ذلك بأنطاكيّة، وهو يمدّهم بالعساكر، فيرجعون خائبين، وكان يقول لأهل دينه: أنتم أكثر من المسلمين، وأنتم بشر وهم بشر، فما بالهم ينصرون عليكم؟ فقال شيخ من أصحابه: ذلك من أجل أنّ القوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ومن أجل أنّا نشرب الخمر، ونرتكب المحارم، وننقض العهد، ونأمر بما يسخط الله، وننهى عما يرضى الله، ونفسد فى الأرض، فقال هرقل: صدقت لأخرجنّ من هذه القرية، وما لى فى صحبتكم من خير، فأشير عليه بأن لا يفعل، فأقام واستصرخ بأهل روميّة وأهل قسطنطينيّة، وأرمينيّة، وأجناد الجزائر، وأمر أن يحشر إليه كلّ من بلغ الحلم من أهل مملكته، وبعث إلى المسلمين جيوشا لا تحصى.
وجاءت الأخبار إلى أبى عبيدة من جهة عيونه بذلك، فأطلع المسلمين على ذلك واستشارهم، فقال يزيد بن أبى سفيان: أرى أن نعسكر على باب حمص المسلمين، وتدخل النساء والذرارى المدينة، وابعث إلى المسلمين وأمّر بهم كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد فيكونوا معك، فقال شرحبيل: لا أرى أن تدخل ذرارى المسلمين مع أهل حمص وهم على دين عدوّنا، ولا نأمن إن تشاغلنا بحرب من يأتينا أن تثب أهل حمص على ذرارينا، فيتقرّبوا بهم إلى عدوّنا، فقال أبو عبيدة:
سلطان المسلمين أحبّ إليهم من سلطان عدوّكم، وإنّى أرى أن أخرجهم من المدينة
стр. 1193
وأدخل النساء، وأنزل معهم الرجالة، ونكون نحن بإزاء العدوّ، فقال شرحبيل:
كيف يحلّ (١٤١) إخراجهم، وقد صالحناهم على تركهم فى ديارهم؟ فقال ميسرة ابن مسروق: إنّا لسنا أهل مدائن وحصون، وإنّا أصحاب البرّ والبلد القفر، فأخرجنا من بلاد الروم إلى بلادنا، واضمم قواصيك، واكتب لأمير المؤمنين فليمدّك، فاستصوب رأيه المسلمون.
وأمر أبو عبيدة بردّ المال الذى أخذه من أهل حمص بخروجه عنهم، فدعوا له بالنصر، وردّ على أهل دمشق أيضا ما كان أخذ منهم، وقال: إنّما أخذناه على أنّا نمنعكم، ونحن باقون على الوفاء لكم.
وأشار شرحبيل بن حسنة على أبى عبيدة ألاّ يخرج من الشام وقد افتتحها، وأنّه إن فعل ذلك عسر عليه أيضا دخولها، ونقض أهل إيلياء الصلح، فسار إليهم عمرو بن العاص، وبلغهم ذلك فداخلهم الرعب، وكان ذلك قصد عمرو، ثم سار خالد بن الوليد إلى عمرو مددا، فنزل اليرموك، وأقبل عمرو بن العاص معه، وأقام أبو عبيدة باليرموك.
وأقبلت جموع الرّوم، وهى ثلاثة عساكر، فلم يمرّوا بقرية من القرى الّتى افتتحها المسلمون إلاّ سبوا أهلها، ونزلوا اليرموك على ألويتهم وراياتهم، وأمر خالد رجالا كانوا نصارى ثم أسلموا أن يدخلوا عسكر الروم ويكتموا إسلامهم، ليكونوا عيونا للمسلمين، ثم إنّ الروم أساءوا السيرة مع أهل القرى والمدن، وجاروا عليهم، وقطعت المؤن عن المسلمين، إلاّ ما كان يأتيهم من الأردنّ، لأنّه كان فى أيديهم.
стр. 1194
وجاءت جيوش الرّوم فأحاطت بالمسلمين من كلّ جانب، فكتب أبو عبيدة لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه كتابا يطلب المدد، ويعلمه ما هم فيه، فبكى المسلمون لما قرئ عليهم كتاب أبى عبيدة، وقالوا: سيّرنا إلى إخواننا وسر معنا، فلو قدمت الشام شدّ الله ظهور المسلمين! فقال (١٤٢) للّذى جاء بالكتاب: كم بين المسلمين وبين الروم؟ قال: بين أدناهم وبين المسلمين ثلاثة أيّام، وبين جمعهم وجمعهم خمس ليال، فقال عمر: هيهات، متى يأتى هؤلاء غياثنا، ثم كتب إلى أبى عبيدة كتابا شجّعه فيه، ورغّبه فى الشهادة، وأخبره بقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ»﴾ (١)، وسيّر نجدة بألف فارس، فلمّا دخلوا عسكر أبى عبيدة قويت نفوسهم.
ذكر وقعة اليرموك
قال: وسار أبو عبيدة بالنّاس من دمشق حتى نزل اليرموك، ولما تدانى العسكران لم يتقّدم عليهم الروم، وألقى الله فى قلوبهم الرّعب، هذا والمسلمون على مصافّهم، ثم انصرفت الرّوم عنهم ذلك اليوم، فلمّا كان من الغد وأقبلت الرّوم كأنّها سحابة منقضة، بدر أمراء الأجناد يعظون أصحابهم، فبرز معاذ ابن جبل رضى الله عنه، وقال: معاشر المسلمين اصبروا، فو الله لا ينجيكم اليوم إلاّ الصبر، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يركبه ويقاتل عليه فليفعل، فوثب عليه ابنه عبد الرحمن، وهو غلام حين احتلم، وقال: يا أبت، إنّى لأرجو أن لا يكون فارس أعظم غناء منّى، ولا راجل أعظم غناء منك.
стр. 1195
وحملت الرّوم حملة رجل واحد، فزال المسلمون عن الميمنة إلى القلب، وانكشفوا عن راياتهم، وصبرت طوائف من قبائل العرب مع أمرائهم، وحمل خالد بن الوليد رضى الله عنه على ميسرة الرّوم، وقد كانت دخلت عسكر المسلمين حتى صارت ميمنة المسلمين، والقلب شيئا واحدا، فقتل خالد-وهو فى قريب من الألف-ستّة آلاف فارس، وكان بإزائه قريب من المائة ألف، فنادى خالد رضى الله عنه: يا أهل الإسلام، لم يبق للقوم من الحلية إلاّ (١٤٣) ما رأيتم، الشّدة الشّدة، فو الذى نفسى بيده إنّى لأرجو أن يمنحكم الله تعالى أكتافهم، وانتهى خالد فى تلك الساعة بالحملة إلى [الدّرنجار] (١)، وفض الله جموع الروم، وهم ثلاثة عساكر.
وكان لمّا انهزم المسلمون أولا سمعوا صوتا ملأ العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثّبات الثّبات يا معشر المسلمين، فانعطف عليه، فإذا هو أبو سفيان ابن حرب تحت راية ابنه يزيد.
وانتهى الرّوم إلى مكان مشرف على أهوية، فسقط فى تلك الأهوية تقدير ثمانين ألفا، لم يعدوا إلاّ بالقصب، وبات المسلمون على مراكزهم، فلمّا أصبحوا لم ينظروا فى ذلك الوادى شيئا، فظنّوا أنّ العدوّ قد كمن لهم، فبعثوا الخيل إثرهم، فأخبرهم الرعاة أنّه قد ترحّل منهم البارحة نحو من أربعين ألفا فاتّبعهم خالد فى الخيل، فقتل سائرهم، حتى مرّ بدمشق فاستقبله أهلها فسألوه البقاء على العهد، ففعل، ثم مرّ فى إثرهم حتى أتى حمص، فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن
стр. 1196
على العهد، فأعطنا أمانك، ففعل، وبقى أبو عبيدة باليرموك، يدفن قتلى المسلمين.
وسار ملك الرّوم منهزما، راجعا إلى القسطنطينيّة، وأقام أبو عبيدة بموضعه حتى اجتمعت إليه جنود المسلمين، وولّى دمشق وحمص وغيرهما لولاته، ثم رحل حتى أتى الأردنّ فعسكر بها.
ذكر سنة خمس عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطّاب، رضى الله عنه، أمير المؤمنين بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام (١٤٤) والحجاز واليمن دار إسلام، وكذلك الشام فى أيدى المسلمين.
وقيل فى هذه السنة كان فتح دمشق ووقعة اليرموك حسبما تقدّم من ذلك، وفيها كانت وقعة مرج الديباج، عندما لحق خالد بالروم من أهل دمشق به، وفيها كان فتح حمص، وبعلبك، وقنّسرين، والعواصم، وحماة، وحلب، وأنطاكية، وقيسارّية، حسبما شهد بذلك فتوح الشّام، وفيها توفّى سعد بن عبادة رحمه الله تعالى، وفيها حجّ بالناس عمر رضى الله عنه.
стр. 1197
ذكر سنة ستّ عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم ستّة أذرع وخمسة أصابع، ومبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أمير المؤمنين بالمدينة إلى حين قدومه بيت المقدس فى هذه السّنة، والحجاز واليمن دارا إسلام، وكذلك الشام فى أيدى الأمراء من المسلمين، فيها دوّن الإمام عمر رضى الله عنه الدواوين، وفيها كان فتح بيت المقدس.
ذكر فتح إيلياء
وهى بيت المقدس الشّريف، وهو أوّل فتوح فتحه الإسلام له، قيل: لمّا نزل أبو عبيدة رضى الله عنه الأردنّ بالعساكر كاتب أهل إيلياء، ودعاهم إلى الإسلام أو يعطوا الجزية، فامتنعوا، فنزل عليهم بالجيوش وحاصرهم، فخرجوا ذات يوم فقاتلوا المسلمين، وكانت النوبة يومئذ لخالد بن الوليد رضى الله عنه، ويزيد بن أبى سفيان، فهزموهم حتى أدخلوهم (١٤٥) الحصن، ثم قدم سعيد ابن يزيد، وكان على دمشق من قبل أبى عبيدة، وكان قد كتب إلى أبى عبيدة قبل قدومه: أيّها الأمير، ما كنت لأوثر على الجهاد شيئا، فابعث إلى عملك، فإنّى قادم عليك والسّلام.
فأنفذ أبو عبيدة يزيد بن أبى سفيان عاملا على دمشق، فلمّا اشتدّ على أهل
стр. 1198
أهل إيلياء الحصار من المسلمين طلبوا من أبى عبيدة الصلح، فأجابهم، فقالوا:
أرسل إلى خليفتك عمر، فهو الذى يعطينا العهد، ويكتب لنا الأمان، فكتب أبو عبيدة لعمر رضى الله عنه بذلك، فلمّا جاءه الكتاب استشار الصحابة رضوان الله عليهم فى السفر، فقال له عثمان رضى الله عنه: إنّ الله ﵎ قد أذلّ المشركين ولن يزدادوا إلاّ ذلاّ، ولن يزداد المسلمون إلاّ قوّة وعزّا، فإن أقمت بمكانك كان ذلك استخفافا بأمرهم، واستحقارا لهم، وإنّ القوم لن يلبثوا حتى ينزلوا على حكم أبى عبيدة ويعطوا الجزية.
قال علىّ كرّم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، إنّهم سألوك منزلة لهم فيها الذلّ والصغار، وللمسلمين فيها العزّ والفتح، وليس بينك وبين ذلك إلاّ أن تقدم، ولك الأجر، وفى كلّ ظمأ ومخمصة، والثواب فى قطع كلّ واد، وفى كلّ نفقة، ولست آمن إن يئسوا من قبولك الصلح أن يتمسّكوا بحصنهم، ويأتيهم مدد فيطول حصار المسلمين إيّاهم، ولا آمن أن يدنو المسلمون من حصنهم فيرشقوهم بالنبل، ويقذفونهم بالمجانيق، ورجل من المسلمين خير ممّا طلعت عليه الشّمس، فقال عمر رضى الله عنه: قد أحسن عثمان النظر فى مكيدة العدوّ، وقد أحسن علىّ النظر لأهل الإسلام. سيروا على اسم الله.
فسار عمر وولّى علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، وخرج العبّاس رضى الله عنه، عمّ النبى ﷺ ، فعسكر بالناس، وخرج معه وجوه المهاجرين والأنصار، (١٤٦) وخرج عمر رضى الله عنه راكبا على بعير له عليه غرارتان، إحداهما سويق، والأخرى تمر، وبين يديه قربة فيها ماء، وخلفه جفنة.
стр. 1199
فلمّا قربوا من إيلياء استقبله الناس، وكان أوّل مقنب (١) لقيه، فسلّموا عليه، ولم يعرفوا عمر، فقالوا: هل عندكم من أمير المؤمنين علم؟ فسكتوا، ثم لقيهم مقنب (١) آخر، فسألوهم عن أمير المؤمنين عمر، فقال عمر: ألا تخبرون القوم عن صاحبهم؟ فقالوا: هذا أمير المؤمنين، فاقتحموا عن خيلهم، فقال عمر:
لا تفعلوا.
فساروا قبل المسلمين يصفّون الخيل، ويشرعون الرماح على حافتى الطريق، ثم طلع أبو عبيدة بن الجرّاح فى كبكبة من الخيل وهو على قلوص مكنّفا (٢) بعباءة، وخطام ناقته من شعر، وعليه سلاحه، وقد تنكّب قوسه، فلمّا رأى عمر أناخ راحلته، وأناخ عمر بعيره فنزلا، ومدّ أبو عبيدة يده إلى عمر ليصافحه، فمدّ عمر يده إليه، فأهوى أبو عبيدة ليقبّل يد عمر، يريد تعظيمه فى العامّة، فأهوى عمر إلى رجل أبى عبيدة ليقبّلها، فقال أبو عبيدة: مه يا أمير المؤمنين، وتنحّى عنه، فقال عمر: مه يا أبا عبيدة، فتعانقا، ثمّ ركبا وتسايرا، ونزلا بالجابية.
وجنود أبى عبيدة محاصرة إيلياء. وأتى إلى عمر ببرذون وثياب بيض، وسألوه ركوب البرذون، ولباس الثياب، وقالوا: إنّ ذلك أهيب لك عندهم، فلم يلبس الثياب، وركب البرذون فهملج به، وخطام ناقته بيده لم يفلته بعد، فنزل عن البرذون وقال: لقد غرّنى هذا، وأنكرت نفسى، ثم قال: يا معشر
стр. 1200
المسلمين عليكم بالقصد، وبما أعزّكم به الله، ثم دعا عمر أبا عبيدة، وأمره أن يكتب لهم الأمان، ويخبرهم بقدومه.
وسار أبو عبيدة وتبعه عمر فى المنازل حتى قدما، فتلقاه يزيد (١٤٧) ابن أبى سفيان، وسأله أن يغيّر زيّه، وأخبره أنّ ذلك أجمل فى النّاس، وأعظم فى نكاية العدوّ، فقال: يا ابن أبى سفيان، ما أزيّن نفسى بما يشيننى عند الله تعالى، ولا أعظّم نفسى عند النّاس بما يصغّرنى عند الله ، فلمّا نزل عمر رضى الله عنه إيلياء نزل إليهم عظيمهم فصالحهم.
وولّى أبو عبيدة عمرو بن العاص فلسطين، وطهّر الله تعالى البيت المقدّس على يد أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه.
وفيها كان عبور الجيوش الإسلاميّة العراق، وحرب فارس.
ذكر ابتداء دخول المسلمين العراق
ثم إنّ الإمام عمر رضى الله عنه، ندب النّاس إلى العراق لقتال الفرس، فتثاقل الناس عنه لمّا سمعوا ذكر الفرس، ثم انتدب أبا عبيدة بن مسعود الثقفى وسار معه المسلمون، فقاتلهم الفرس بالفيلة، وكانت العرب لا تعرف القبلة فانهزم المسلمون، وقتل أبو عبيدة بن مسعود-رحمه الله تعالى-وأشراف الناس، وغرق من المسلمون بشر كثير، وسبق عبد الله بن يزيد إلى الجسر فقطعه، فقيل له:
لم فعلت ذاك؟ فقال: حتى تقاتلوا عن أميركم، فأخذ الرّاية المثنى بن حارثة، فجال بها ورجعت الفرس عنه، ونزل خفّان، وكتب إلى عمر يستمدّه، وبلغت الهزيمة المدينة، فكان أوّل من قدمها عبد الله بن يزيد منهزما، فلمّا رآه عمر قال:
стр. 1201
ما عندك؟ فأخبره ما جرى على المسلمين، فقال: ما سمعت رجلا حضر أمرا فحدّث الناس عنه كان أثبت خبرا من عبد الله بن يزيد.
ورأى عمر جزع النّاس من فرارهم، فقال: معاشر المسلمين «إذا لقيتم» (١)، يعنى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ»﴾ (٢)، فكان يطيّب قلوب النّاس بقوله.
وكان ذلك الجيش أوّل جيش هزمته فارس من المسلمين، فأقام (١٤٨) عمر مدّة لا يذكر العراق، ثم جاءته قبائل العرب يطلبون الجهاد واللّحاق بالشّام، فحرّضهم على قتال فارس والمسير إلى العراق، وأخبر بما قتل من جند المسلمين بها، فأجابوه بعد أن أبطأوأ، وأمّر على كلّ قبيلة رجلا منهم، وأمّر على بجيلة جرير ابن عبد الله.
فساروا حتّى إذا كانوا قريبا من المثنّى بن حارثة كتب إليه أن أقبل إلىّ فإنّما أنت مدد لى، فكتب إليه جرير: لست فاعلا ذلك إلاّ أن يأمرنى أمير المؤمنين، وأنت أمير وأنا أمير، ثم ساروا نحو الجسر فلقيه مهران بن ياذان، وهو عظيم من عظماء الفرس عند النجيلة، فاقتتلوا وقتل مهران، وكوتب عمر رضى الله عنه باختلاف المثنّى وجرير، فكتب عمر إلى المثنّى: إنّى لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد وجهت سعد بن أبى وقّاص إلى العراق وأمرتكما بالسّمع والطّاعة له.
وشنّ المسلمون الغارات على السّواد، وتحصّن الدّهاقين فى الحصون، وبعثوا إلى المدائن يستغيثون بأهل فارس، وملكهم يومئذ بوران بنت شيرين ابنة كسرى
стр. 1202
الذى قتل أبوه وكان صبيّا، وجاءت الأعاجم فى ثلاثة صفوف، ومع كلّ صفّ فيل، ولفرسانهم رجل كرجل الرعد، فقال المثنّى: يا معشر المسلمين، إنّ هذه الأصوات منهم فشل، فالزموا الصّمت.
ثم حملت الأعاجم على المسلمين فثبتوا، ثم حملوا عليهم ثانية فثبتوا، فلمّا كانت الحملة الثالثة انتقضت صفوف المسلمين، ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصرف الله وجوه أهل الكفر، فهزموا إلى شاطئ الفرات، وعبر أهل القوّة منهم الجسر فقطعوه، لئلا يلحقهم المسلمون، فاقتحم رجل من المسلمين الفرات وهو يقرأ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ (١٤٩) إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ»﴾ الآية (١)، وتبعه النّاس، فما فقد منهم عقال، إلاّ وقد صاح رجل انقطع من سرجه، فدار فوق الماء إلى أن أخذ وسلم، وحصل من الكسب والأموال والأسلاب ما لا يحصى كثرة.
ثم سار المسلمون إلى بغداد ومرّوا على الأنبار فتحصّن صاحبها، فأرسل إليه:
ما يمنعك أن تنزل إلينا ونؤمّنك على قريتك؟ فنزل، فطلبوا منه أن يبعث إليهم دليلا إلى بغداد، ليكون العبور منها إلى مدائن كسرى، ففعل، وسيّر معهم الأدلاّء، فسار بهم، فصبحوا القوم فى أسواقهم، فقتلوا وسبوا، وأخذوا الأموال، وغنموا غنائم عظيمة.
стр. 1203
ذكر وقعة القادسيّة مع رستم
ثم إنّ عمر رضى الله عنه مدّهم بسعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه، بعد أن همّ أن يمدّهم بنفسه، ثم بدا له أن يوجّه عبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن:
فداك أبى وأمّى، قال عبد الرحمن: ما فديت أحدا بأبوى بعد رسول الله ﷺ غير عمر، انصرف إلى المدينة، فو الله لئن قتلت إنّى أخاف على المسلمين، ولكن ابعث يا أمير المؤمنين، قال: فمن أبعث؟ قال: ابعث الأسد على براثنه، سعد ابن أبى وقّاص! فبعثه فى أربعة آلاف فارس، فنزل القادسيّة، ثم استمدّ عمر، فمدّه بالمغيرة والأشعث بن قيس وغيرهما من فرسان العرب.
وبلغ المثنّى قدوم سعد أميرا، فوجّه إليه من يلقاه، ثم لقيه بعد ذلك، فأراه سعد كتاب عمر، فسمع وأطاع، وأعطاه الخمس، وجاءه جرير أيضا فأطاعه.
وسار سعد فى ستّة آلاف، وشنّ الغارات، فسار إليه رستم فى ستّين ألفا من أساورة العجم، وكان بينهما جسر القادسيّة، وتراسلوا، وكان (١٥٠) رسول المسلمين المغيرة بن شعبة، ثم تزاحفوا وعامّة أجنّة المسلمين التى يتترّسون بها برادع الرحال، وقد يعرّص فيه الجريد، لكن بقلوب أقوى من الحديد، فاقتتلوا وسعد فى القصر، قصر العذيب، ومعه زوجتاه، فسرّح إليه رستم خيلا، فأحدقوا بسعد، ومعه فى القصر قريب من ثلاثين رجلا، فقالت له سلمى زوجته: اخرج إلى القوم! فقال: أخاف أن ألقى بيدى إلى التّهلكة، فقالت: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة! ثم قالت: وامثنّاه، لا مثنّى اليوم، وكانت قبل ذلك عند المثنّى، فغار سعد، فلطم وجهها، فقالت: يا سعد: غيرة وجبنا.
стр. 1204
وبلغ المسلمين خبر الخيل، فنفذوا (١) إلى سعد خيلا فيهم عمرو بن معدى كرب، فقتلوهم جميعا.
وكان أبو محجن الثقفى محبوسا فى القصر وهو مريض، فلمّا رأى ما تصنع الخيل قال لأمّ ولد سعد: أطلقينى، ولك عهد الله، أنّى إن لم أقتل رجعت إليك ولأضعنّ رجلى فى الحديد، فأطلقته، فركب فرسا لسعد، فنظر سعد فجعل ينكر فرسه ويعرفها، فلمّا فرغوا من القتال وقتل الله رستم وهزم جيشه، دخل أبو محجن القصر، ووضع رجله فى قيده، وأنزل سعد من القصر، فسأل عن فرسه فعرف ما كان من أبى محجن، فأطلقه وآلى ألا يحبسه أبدا.
دخل ابن لأبى محجن على معاوية بن أبى سفيان، فقال معاوية: يا أهل الشّام، تدرون من هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا ابن الذى يقول:
إذا متّ فادفنّى إلى جنب كرمة ... تروّى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنى ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
فقال ابن أبى محجن: أما والله لو شئت لذكرت من شعره ما هو (١٥١) أحسن من هذا، قوله:
لا تسأل الناس عن مالى وكثرته ... وسائل النّاس عن بأسى وعن خلقى
قد أطعن الطّعنة النّجلاء عن عرض ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
وكان مع الفرس يوم القادسيّة ثمانية عشر فيلا.
وذكر الشّعبى أنّ الفرس كانوا يوم القادسيّة فى مائة ألف وعشرين ألفا، معهم ثلاثون فيلا، ولحقت الفرس بدير قرّة، ونهض سعد بالمسلمين فنزل بهم دير قرّة، وقسم بينهم سعد الأموال، وأعطاهم على قدر ما قرأوا من القرآن.
стр. 1205
وكان لرستم ستّمائة ألف من أوانى الذّهب والفضّة، وأعجبهم بياض الفضّة فكانوا يقولون من يأخذ صفراء ببيضاء، ووجدوا من الكافور شيئا كثيرا فلم يعرفوه، فتبايعوه بينهم كيلا بكيل من برّ وشعير.
وهربت الفرس حتى نزلوا المدائن، ومعهم الخزائن والأموال، وبنات كسرى.
وتبعهم سعد بالعسكر، وتخلّف عنهم لمرض ناله، فلمّا أفاق لحقهم، وحاصرهم بالمدائن إلى أن دخلت سنة سبع عشرة.
ذكر سنة سبع عشرة
للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم ستّة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزّيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، والحجاز واليمن دارا إسلام، وكذلك الشّام بكماله، والعراق إلى حدود المدائن، والمدائن فى أوّل هذه السّنة فى حصار المسلمين، ومصر دار حرب (١٥٢)، والمقوقس بها، وقسمين البطرخ إلى سنة عشرين، افتتحها المسلمون، وكان فتحها على يد عمرو ابن العاص، وسيأتى ذكر ذلك فى سنة عشرين، إن شاء الله تعالى.
стр. 1206
وفى هذه السّنة قام بأمر ملك فارس يزدجرد بن كسرى أبرويز، فأمرهم بالتّحمّل من المدائن، ثم شخص بالجنود حتى نزل حلوان، واستعمل عليهم أخا رستم صاحب القادسيّة.
ذكر وقعة جلولا بين الفرس والمسلمين
ولمّا ظهر المسلمون على الأعاجم، وقام فيهم يزدجرد كاتب أهل الرىّ وهمدان وقومس وإصبهان ونهاوند، وتراسلوا وتعاقدوا على أن يغزوا عمر ابن الخطّاب فى بلاده، وأن يسيروا مع ملكهم يزدجرد إلى سائر أرض المسلمين، وكتب سعد بن أبى وقّاص بذلك إلى عمر رضى الله عنه، فاشتدّ ذلك على عمر، فصعد المنبر وصرخ: يا أهل الإسلام، يا أبناء المسلمين، أين المهاجرون؟ أين الأنصار؟ فاجتمع الناس إليه يهرعون، فقال: إنّ سعدا كتب إلىّ أن الشّيطان قد جمع جموعا ليطفئ نور الله، وهم أهل همدان والرّى وقومس وإصبهان ونهاوند وغيرهم أمم مختلفة ألسنتها وأهوائها وأديانها وممالكها، وإنّهم تعاقدوا أن يخرجوكم من بلادكم، ويخرجوا إخوانكم من بلادهم، فأشيروا علىّ وأوجزوا ولا تطنبوا، فإنّ هذا يوم له ما بعده من الأيّام!
فقام طلحة رضى الله عنه فقال، بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيّه ﷺ :
أمّا بعد، فقد حنّكتك الأمور، وجرّبتك الدّهور، وعجنتك البلايا، وأحكمتك (١) التّجارب، فأنت ولىّ ما وليت، لا ننبو فى يديك، ولا نكلّ (٢) عليك، بل نقبلها منك، ونأخذها عنك، فادعنا نجبك، وقدنا نتبعك، واحملنا نركب،
стр. 1207
فإنّك مبارك الأمر، لم ينكشف عن شئ من عواقب قضاء الله (١٥٣) لك إلاّ عن توفيق.
فقال عمر رضى الله عنه: تكلّموا أيّها الناس، فقام عثمان رضى الله عنه فقال بعد حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ : أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنّى أرى [أن] تكتب لأهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، وتسير أنت بجيش من أهل الحرمين إلى أهل الكوفة، فيلتقى جموع المسلمين بجموع المشركين، فإنّك إن فعلت ذلك لم يبق أحد من العرب يتخلّف عنك، ثم جلس.
فقال عمر رضى الله عنه: تكلّموا أيّها النّاس! فقال علىّ كرّم الله وجهه:
أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ الله لم يزل يعرفك ويعرف المسلمين، البركة فى رأيك واليمن، وإنّك إن شخصت بأهل الشام من شامهم لم تأمن مسير الروم إلى ذراريهم برّا وبحرا، وإن شخصت بأهل اليمن من يمنهم لا تأمن مسير الحبشة، وإن شخصت بأهل الحجاز لم تأمن من انتقاض سفهاء العرب وجهّالهم، حتّى تكون ما تدع من العورة خلفك أهمّ إليك ممّا بين يديك، أمّا كثرة العدوّ فإنّا لم نكن نقاتلهم بالكثرة، ولكن بحول الله وقوّته، وإن أنت سرت ونظرت إليك الأعاجم قالوا: هذا ملك العرب لم يبق خلفه أحد، فكان ذلك أشدّ لطلبهم وحربهم، ولكن اكتب إلى أهل البصرة، فليتفرّقوا ثلاث فرق: فرقة تقيم فى ذراريهم حرسا لهم، وفرقة تقيم على أهل عهدهم، وفرقة تسير إلى إخوانهم من المسلمين مددا لهم، واكتب إلى أهل الكوفة بمثل ذلك.
فاستصوب عمر ذلك، ثم كتب إلى المسلمين: إنّى استعملت عليكم النعمان
стр. 1208
ابن مقرن، فإن قتل فحذيفة، فإن قتل فجرير بن عبد الله، فإن قتل فالمغيرة ابن شعبة، فإن قتل فالضحاك بن قيس الكندى، وأنفذ (١) الكتاب مع السائب ابن الأقرع (١٥٤) الثقفى، وولاّه قسمة الغنائم، وقال: يا سائب، إن هلك الجيش فاذهب فى بسيط الأرض ولا أنظرنّ إليك بواحدة من عينىّ أبدا، فإنّى متى رأيتك جدّدت لى حزنا.
وسار المسلمون حتى نزلوا بعقر نهاوند وكانوا سبعة آلاف، وتزاحف الفريقان، واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وبات المسلمون يعصبون جراحاتهم، وبات المشركون فى خمورهم ولذّتهم ومزاميرهم، فلمّا أصبح النعمان عبّى كتائبه، وسار يقف على كلّ راية يحضّها على القتال، فبكى المسلمون وقالوا: أيّها الأمير مرنا بأمرك، فقال: انتظر بهم زوال الشمس ومهبّ الرياح، وأن تفتح السماء لمواقيت الصلاة وينزل النصر، فإنّى رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك.
ثم إنّ الله تعالى أيّد المسلمين بنصره، وانهزم جيش الفرس وكفره، واستشهد النعمان رحمة الله عليه، وجمعت الغنائم إلى السائب بن الأقرع، فأتى رجل فقال:
أتؤمّننّى على أهلى ودمى ومالى وأدلّك على كنز فى غيبة، فيكون لأمير المؤمنين خاصّة، فأمّنه فأتى بهم إلى صخرة فاقتلعوها، فاستخرجوا سفطين فيهما تيجان مكلّلة بالياقوت الأحمر، قد نسج بعضها إلى بعض، فرأى السائب ما لم يره قطّ.
وقسمت الغنائم سهمين سوى السفطين، فأصاب سهم كل واحد ثلاثين ألفا، وقدم السائب بالسفطين على عمر، وبشّره بالفتح، فقال عمر: ما فعل النعمان؟
стр. 1209
قال: أكرمه الله بالشهادة، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ويحك أبدار مضيعة أصيب؟ قال: لا، وأقبل السائب يحدثه بالفتح، وعمر إنّما يسأله عن الناس، فقال: هل أصيب من المسلمين غيره، فقال: أمّا من نعرف فلا، فانتحب عمر وقال: الضعفاء الضعفاء، فترحّم عليهم، ودعا لهم ثم قال: وما عليهم ألاّ يعرفهم عمر، قد عرفهم الله الذى (١٥٥) أكرمهم بالشهادة، ثم قال عمر: هل أعطيت كل ذى حقّ حقّه؟ قال: نعم.
ثم أخرج السفطين فأخبره خبرهما، قال: من جعلنى أحقّ بهما؟ فأرسل إلى علىّ وعبد الله بن أرقم وابن مسعود، فأمرهم أن يختموا عليهما، فلمّا أصبح أرسل إلى السائب فأتاه فقال: ويلك تنازعنى دينى؟ إنّما دعوتنى إلى النار، فقال السائب: مالى ولك يا أمير المؤمنين، أقلقت فؤادى، قال: أخبرنى عن السفطين، فقال: والله لا كتمتك حرفا، فأخبره. فقال: يا سائب، لمّا أخذت مضجعى جاءتنى ملائكة من ربّى، فملأوا سفطيك نارا، وجعلوا يدفعونهما فى مجرى، وأنا أعاهد الله لأردنّهما على من أفاءهما الله سبحانه عليه، فقدم بهما العراق، فاشتراهما عمرو بن حريث بعطاء المقاتلة والذرية، فباع أحدهما بذلك وربح الثانى (١) وكان أوّل قرشى اعتقر بالكوفة دارا، فتفرّق العجم بعد ذلك فما اجتمعوا.
وفيها أصاب الناس القحط والمجاعة، حتى استسقى عمر بالعبّاس رضى الله عنه، فسقوا، وقيل بل كان ذلك فى سنة ثمانى عشرة، والله أعلم.
стр. 1210
وفيها أكل عمر رضى الله عنه خبز الشعير، فاستنكرته بطنه فقرقر جوفه، فضرب بطنه بيده وقال: هو والله ما ترين حتى يوسّع الله على الناس أو قال على المسلمين.
وفيها تزوّج عمر أمّ كلثوم بنت علىّ ﵇.
وفيها فتح الجزيرة وأرمينية وفارس والأهواز ورامهرمز وتستر والسوس، وأسر الهرمزان، وسار الناس إلى كرمان، وقيل إنّ هذه الفتوحات كلّها كانت فى سنة ثمان عشرة، كما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى.
وفيها اعتمر عمر، وبنى المسجد الحرام، وقيل فيها بنيت الكوفة والبصرة، وتحوّل سعد بن أبى وقّاص إلى المدائن، والله أعلم.
(١٥٦) ذكر سنة ثمانى عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشرة إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، إلى أن قدم الشام فى هذه السنة.
وفيها كان طاعون عمواس من أرض فلسطين، مات به من المسلمين خمسة وعشرون ألفا، فيهم أبو عبيدة بن الجرّاح، واستخلف مكانه معاذ بن جبل
стр. 1211
رضى الله عنه فمات أيضا، فاستخلف مكانه عمرو بن العاص رضى الله عنه.
وفيها مات الفضل بن العبّاس، ويزيد بن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وسهيل بن عمر رحمة الله عليهم أجمعين.
وفيها قدم عمر رضى الله عنه الشام، وكتب إلى سعد بن أبى وقّاص: إنّ الله فتح الشام والعراق على المسلمين، فابعث جندا إلى الجزيرة وأمّر عليهم أحد الثلاثة: خالد بن عرفطة، أو هشام بن عتبة، أو عيّاض بن غنم! فقال سعد: ما أخّر أمير المؤمنين عيّاض بن غنم آخر القوم إلاّ أنّ له فيه هوى أن أولّيه، فولاّه، وبعث به مع جيش، وأصحبه بأبى موسى الأشعرى، وعمرو ابن سعد بن أبى وقّاص، وهو إذ ذاك غلام، فنزل عيّاض الرها، وصالح أهلها على الجزية، وكذلك حرّان.
وفيها فتحت جرجان وأذربيجان. وفيها استقضى عمر رضى الله عنه شريحا، وفيها حوّل المقام إلى موضعه الآن، وكان ملتصقا بالبيت، والله أعلم.
ذكر سنة تسع عشرة للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
(١٥٧) الماء القديم ستّة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أمير المؤمنين، والحجاز واليمن والشام والعراق إلى حدود بلاد فارس دور إسلام، ببركات النبى ﵇، وجيوش
стр. 1212
المسلمين تفتح بلاد المشركين مؤيّدين من الله تعالى بالنصر المبين، ومصر دار حرب فى يد المقوقس عظيم القبط، وقسمين البطرخ بها، إلى حين ما يأتى ذكر فتحها فى سنة عشرين إن شاء الله تعالى.
وفى هذه السنة بعث سعد أبا موسى الأشعرى إلى نصيبين، وبعث عثمان ابن أبى العاص الثقفى إلى أرمينية، ثم صالح أهلها، ثم كان فتح قيساريّة الروم وقنّسرين، وهرب هرقل ملك الروم إلى روميّة
ثم فتحت الرىّ وإصبهان، ثم كانت وقعة أبى موسى بتستر، ثم وقعته بدست بيسان، فأرسل أبو موسى الأحنف بن قيس إلى عمر رضى الله عنه مع جماعة فأعرض عنهم عمر، وحجبهم ثلاثة أيّام، فمرّ عمر بعد ذلك بالأحنف وهو بالسوق فضربه بالدرة، ثم قال: ما عليك لو جعلت بعض ثمن ثوبيك فى المساكين، فرجع الأحنف إلى أصحابه وقال: إنّما أتينا من قبل ثيابنا، فلبسوا الأردية والأرز، ثم دخلوا عليه، فقال: كنتم أتيتمونى فى ثياب لا أعرفها.
فقدّم إليه الأحنف هديّة من أبى موسى، وهى: برذون وقارورة دهن وخمس نمرات (١) وعشرون سلة من خبيص وسوارى ابن كسرى، وقيمتها مائة ألف دينار، فدعا سراقة فألبسهما إيّاه، وحمد الله تعالى، ثم قال: ألقهما، فإنّهما ممّا أفاء الله على المسلمين، ثم قرّب الأحنف إليه الأسير وهو صاحب مقدّمة (١٥٨) كسرى، فقال عمر رضى الله عنه: الحمد لله الذى أظفرنا الله بك، فقال الأسير: بكلام الأحياء أكلّمك أم بكلام الأموات؟ قال: أو لست حيّا؟
стр. 1213
بل بكلام الأحياء، ثم أمر بضرب عنقه، فقال: أكان فيما جاءكم به نبيّكم أن تجعلوا عهدا ثم تحقروه؟ فقال عمر: وأى عهد لك؟ فقال: ألم تقل: تكلّم بكلام الأحياء؟ فقال عمر: قاتلك الله، أخذت هذا عهدا؟ ما أعلمك! خلّوا سبيله.
ثم فتح السلال فمسّ الخبيص، ثم قال: أرى طعاما ليّنا، ثم ذاقه، وقال:
رحم الله أبا موسى، لئن كان طعاما أوسع جميع الناس من هذا القرى لقد أحسن، فقيل له: لو أنفق خراج فارس على أن يوسع على المسلمين من هذا ما بلغه، فقال عمر: فما تجعلنى أحقّ به من المسلمين؟ والله لئن أكلت قريش هذا الطعام لتنحرنّ بعضها بعضا، ثم بعث بسلاسل منها إلى أزواج النبى ﷺ ودعا لبقيّته أبناء الشهداء وليس فيهم إلاّ يتيم، فأجلسهم سماطين، وقربت السلاسل فأكلوا، ولم يأكل معهم غيرهم.
ثم جاء الأحنف فى رجال إلى حفصة فاستأذن عليها فأذنت، فلمّا قرب من الستر قال: يا أمّ المؤمنين، أما يجب أن تكون ثياب أمير المؤمنين ألين ممّا يلبسه، وطعامه ألين ممّا يأكل، فيكون ذلك معينا له على ما يتعاهد من أمر المسلمين؟ وليس فيما أحلّ الله بأس، وقد وسّع الله على المسلمين فى ولايته، فقالت: مكانكم، ثم أرسلت إليه، وكان يعظّمها لمكانها من رسول الله ﷺ فلمّا جاء أخبرته بما قالوا، فقال: أى بنيّة، ما فى الأرض حاجة أحبّ إلىّ من حاجتك، ولا نفس أعزّ علىّ من نفسك، يا بنيّة، أتعلمين أنّه ليس أحد أعلم بداخلة الرجل من أهله، يشهدون منه ما غاب عن غيرهم؟ (١٥٩) قالت: نعم، فقال: نشدتك الله هل أنّ رسول الله ﷺ لم يتغدّ يوما إلاّ أضرّ بعشائه، ولم يتعشّ إلا أضرّ بغدائه؟ قالت: الّلهمّ نعم! ثم قال: فهل تعلمين أنّه ﷺ أتى
стр. 1214
بطعام على خوان فاجترّه (١) فوضعه على الأرض واستوفز على عقبه، وقال: إنّما أنا عبد آكل كما تأكل العبيد، وأجلس جلسة عبد؟ ثم بكى فقالت: حسبك يا أبتاه!
فقال: أى بنيّة: نشدتك الله هل تعلمين أنّه ﷺ يرفع ثوبه ليغسله فيأتيه بلال فيدعوه إلى الصلاة الغداة فينظر فى نواحى البيت فما يجد ما يخرج فيه إلى الصلاة؟ فبكت حفصة حتى كادت نفسها تخرج، ثم قال: أى بنيّة، نشدتك الله هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ أمر بثوبين يتّخذان له من الحسنة، ففرغ من أحدهما، فدعاه بلال، فلبسه، وقد عقد أحد طرفيه بين كتفيه ليس عليه غيره؟
فبكت حفصة ثم قالت: نشدتك الله يا أبت ألاّ تذكر سوى ما ذكرت، فقال: أى بنيّة، أرأيت لو أنّ ثلاثة سلكوا طريقا، فسلك أوّلهم وهو سيّدهم ثم تبعه الآخر، فسلك طريقه واقتصّ أثره، ثم جاء الآخر فسلك غير طريقهما متى تظنّينه يدركهما؟ قالت: لا يدركهما أبدا، قال: فو الله لئن تبعت غير طريق رسول الله ﷺ وأبى بكر لا أدركهما أبدا، فبكى الأحنف وأصحابه وخرجوا.
ثم سأل أهل المدينة الأحنف وأصحابه عن إخوانهم من المسلمين، فقالوا:
إنّهم يهيلون الذهب والفضّة هيلا، فنشط المسلمون إلى الجهاد.
وكان عمر، رضى الله عنه، قد جعل لجرير بن عبد الله ولقومه ربع الغنائم، يضرّيه به على الجهاد، فلما اجتمعت الغنائم أمثال الآطام (٢) (١٦٠) طلب جرير
стр. 1215
من سعد ما جعله له عمر، فقال سعد: حتى أكتب لأمير المؤمنين، فكتب إليه، فأجابه عمر رضى الله عنه: صدق جرير، خيّره بين أن يكون جهاده وجهاد قومه على جعل، وبين أن يكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فأخبر سعد جريرا بذلك، فقال: صدق أمير المؤمنين، قد رددت على المسلمين، ورضيت أن أكون رجلا منهم، فعرف له ذلك عمر.
وفى سنة تسع عشرة مات أبىّ بن كعب رضى الله عنه مع اختلاف فيه، وكذلك عمرو بن معدى كرب رحمه الله تعالى.
ذكر سنة عشرين للهجرة النبويّة
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم أربعة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أمير المؤمنين بالشام فى هذه السنة، مع اختلاف فى ذلك، والإسلام أعزّه الله ثابت أصله، باسق فرعه قد علت كلمته، وسما حكمه ونمى شرعه، حتى أنار الشرق بأنوار الدين، وعادت كلمة التوحيد جارية على كلّ دين، أدامها الله تعالى إلى يوم الدين.
فى هذه السنة فتحت مصر على يد عمرو بن العاص رضى الله عنه، وكان فتحها يوم الجمعة مستهلّ المحرّم من هذه السنة.
стр. 1216
ذكر عمر بن العاص
ولمعا من خبره رضى الله عنه
روى أنّ العاص بن وائل السهمى كان يرقّص ابنه عمرا فى صغره، ويقول:
ظنّى بعمرو أن يفوق حلما ... وينشق الخصم الألدّ غما
وأن يسود جمحا وسهما ... وأن يقود الجيش مجرا دهما
يلهم أحشاد الأعادى لهما
تفسير ذلك:
(١٦١) قوله: الخصم النشق: أن يصبّ الدواء وغيره فى الأنف، وذلك المصبوب فيه هو النشوق بفتح النون، وإن صبّ الدواء وغيره من الحلق فهو الوجور، فإن صبّ فى جانبى الفم فهو اللدود، وقوله: مجرا دهما، المجر هو العظيم، والدهم هو الكبير، وهو الذى يبغت، وما بغتك من شئ فقد رهمك، ويقال:
جيش دهم، وعدد دهم، أى كبير، وقوله: يلهم أى يبتلع، فالإلهام الابتلاع بكثرة، وقوله: أحشاد جمع حشود، وهم المحشودون، يقال: حشدت القوم أحشدهم حشدا، وهم حشد بفتح الشين.
وروى أنّ هشام بن المغيرة كانت بينه وبين العاص بن وائل نبوة، وكان أبو جهل بن هشام حديث السنّ معجبا بنفسه، فمرّ بالعاص بن وائل وهو فى نادى قومه، وابنه عمرو بن العاص بين يديه، وهو يومئذ صغير السنّ، قال أبو جهل للعاص بن وائل كلمة يتهدّده بها، فلم يجبه العاص بشئ، فقال له ولده عمرو:
يا أبت ما لك لا تجيبه؟ فقال له أبوه: ما الذى أقول له، قال: تقول:
إذا كنت يومك ذا عاجزا ... مهينا، فأنت غدا أعجز
стр. 1217
ولو كنت تعقل ألهاك عن ... وعيدك لى ما به تنبز
قال: فاستطير العاص بن وائل سرورا به، وقال له: أنت ابنى حقّا، وكان قبل ذلك يعصيه، ويقدم غيره من ولده عليه.
قلت: والذى عناه عمرو بقوله: ما به تنبز، أنّ أبا جهل كان فيه خنث، وينبز بالداء العضال، وكان نديما للحكم [بن] (١) أبى العاص بن أميّة، فكان مثله فى ذلك جميعا، يجمعهما علّة الخنث.
وروى أنّ أمّ عمرو بن العاص، وهى النابغة، امرأة من عنزة، وقع عليها شئ، فضربت يوما ولدها عمرو بن العاص، (١٦٢) وهو صغير جدّا عند ما دبّ، فقال لها: ستعلمين، وذهب إلى أبيه وهو فى نادى قومه، فجلس فى حجره، فبال عليه، وكان أبوه قاذورة متقزّزا، فى خلقه عسر، فتأفّف منه، وأراد ضربه، فمنعه قومه وقالوا: هذا طفل لا يعقل، فنهض مغضبا فدخل على النابغة، فأوجعها ضربا، وأقسم لها بما يعظّمه لئن بعثت به إليه وهو فى نادى قومه ليعودنّ لها بأشدّ ما بدا، ولمّا خرج من عندها قال لها عمرو: كيف رأيت، ألم أقل لك؟! فصكّت وجهها، ونادت بالويل، فرجع العاص إليها وتناول السوط، فقالت: مهلا حتى أخبرك، وحدّثته فقال: والكعبة إنّه لذو دهاء، فاحذريه!
فكانت تحذره مدّة طويلة، ثم نقمت عليه أمرا فضربته، ورصدته فلم يجد محيصا عنها سحابة يومه ذلك، فلمّا كان من الغد، أملس منها فذهب إلى أبيه وهو فى الحجر مع سادة قريش، فلمّا رآه انتهره، فقال له عمرو: إنّ أمّى تدعوك،
стр. 1218
فقال: كذبت، وجهجه به، فذهب ثم عاد وفى يده نقبة خلق وضرة، كانت أمّه تمتهن فيها، ثم قصد والده من قبل ظهره فلم يشعر به حتى قام على القوم، فنشر تلك النقبة، وقال لأبيه: تقول لك أمّى: تعال، وهذه النّقبة أمارة، فرمى القوم يأبصارهم، وكاد العاص بن وائل يتميّز غضبا، فتناول من ولده النّقبة، واحتضنه، وأتى به منزله، وانحنى على المرأة ضربا، وجعلت تستوقفه وتستصيبه (١)، وقد أخذ الغضب ببصره وسمعه، حتى إذا أثخنها ضربا وسكن غضبه جلس وقد خامره الندم على ما كان منه إليها، فقالت: والله ما لى ذنب إليك، وما أحسبنى ذهبت إلاّ من قبل ولدك، فإنّى ضربته أمس، فقال:
ويحك، ألم تنفذيه إلىّ (١٦٣) بالنّقبة أمارة؟ فقالت: ما فعلت وربّ البيت! فقال لابنه: ألم تقل ذلك؟ فقال: إنّها ضربتنى بالأمس فقال: أشهد أنّك أدهى العرب، ثم قال لأمّه: لا تعرضى له بعد.
تفسير كلم من هذا الحديث
قوله: عند ما دبّ، الدّبيب أضعف المشى، وهو أوّل مشى الطفل، ومشى الشيخ الهرم، وقوله: نادى قومه، أى مجلسهم، والنادى اسم المجلس ما دام المتجالسون به، وقوله: قاذورة أى متقززا، وقوله: فتأفّف أى قال أفّ أفّ، وقوله: سحابة يومه، أى جميع يومه، هذا كلام العرب؛ يقولون: ما رأيت فلانا سحابة يومى، أى فى جميع يومى، وقوله: جهجه به: أى نفّره وشرّده ومنعه الاستقرار، والجهجهة فى الأصل حكاية قول القائل: جه جه جه، وقوله:
стр. 1219
أملس منها، أى ذهب ولم تشعر به، وقوله: النقبة: هو مئزر يخاط طرفاه فيؤتزر به، فهو كالسراويل بغير نيفق ولا ساقين محجوزين، وقوله: وضرة، أى ذات وضر، والوضر: وسخ الدهن وما ضاهاه، وقوله: تمتهن أى تخدم، والمهنة الخدمة، والله أعلم.
ذكر مصر ومبتدئها
ملخّصا من وجه
قلت: قد تقدّم القول من العبد فى ذكر مصر ومبتدئها منذ أوّل زمان وإلى آخر وقت، فى الجزء الأوّل (١) من هذا التّاريخ. وذكرنا عجائبها وغرائبها وملوكها وكهنتها وسحرتها وكنوزها ورموزها وأعلامها وأهرامها، ولم نبخل بحمد الله وحسن إلهامه وتوفيقه بشئ من أحوالها، جهد الطاقة، وحدّ الاستطاعة، وأخّرنا هذا الفصل اللطيف ها هنا، كونه لائقا بهذا المكان مستحليا به، لئلاّ يخلو جزء من أجزاء هذا التّاريخ من نبذة (١٦٤) خفيفة وزبدة لطيفة، والله المستعان إلى هذه المعان.
ذكر القاضى ابن لهيعة، والقضاعى، وجماعة من المشائخ المصريّين؛ منهم عبد الله بن خالد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورشد بن سعد، كلّهم يذكر عن التابعين، رضوان الله عليهم أجمعين، فى حديث مصر أن بيصر بن حام ابن نوح ﵇ لمّا نزل إلى الأرض التى أمّها عند خروجه من بابل سكن منف بولده وأهل بيته، وهم ثلاثون إنسانا، منهم أربعة أولاد لبيصر من صلبه
стр. 1220
وهم: مصر، وفارق، ومناح، وباح (١)، وإنّما اسم منف مافه، ومافه لفظة قبطيّة، تفسيرها: ثلاثون، وكان مصر أكبر أولاده، وأحبّهم إليه، فاستخلفه بيصر أبوه على إخوته، فاقتطع أرض مصر لنفسه، مسيرة شهر عرضا فى شهر طولا، وهى من الشجرتين (٢) إلى أسوان، ومن أيلة إلى برقة.
وكان لمصر أربعة أولاد وهم قفط (٣)، وأشمن، وأترب، وصا، فقسم لهم شطّ النيل بأربعة أقسام، وجعل لكلّ واحد وولده قطعة، ولمّا هلك مصر خلفه ابنه قفط، وخلف قفط أشمن، وخلف أشمن أترب، وخلف أترب صا.
ثم صار الملك فى ولد صا، ملك منهم خمس، أوّلهم: رادس (٤) بن صا، ثم ماليون بن رادس (٥)، ثم أخوه ماليا، ثم لوطس بن ماليا، فلمّا حضرت لوطس الوفاة ملّك ابنته حوريا، فإنّه لم يكن له ذكر من ولده، ثم ملكت ابنة عمّها دلوكة بنت [زباء] (٦)، ثم ابنة عمّ لها يقال لها مانوفن، فلمّا تداولتهم النساء غزتهم العماليق، فقاتلهم الوليد بن دومغ، فصالحوه على أن يملكهم من العمالقة سبع، أوّلهم الوليد بن دومغ.
стр. 1221
(١٦٥) وقد ذكرت جميع هؤلاء العمالقة وسيرهم ومددهم وسبب تمليكهم مصر فى الجزء الأول (١) من هذا التّاريخ مفصّلا، مبرهنا، ما لعلّه لم يوجد فى تاريخ غيره، وإنّما استمددت ذلك من كتاب قبطى عتيق، كان قد وجدته فى الدير الأبيض الذى قبالة سوهاج من صعيد مصر، وقد ذكرت أيضا فى ذلك الجزء هذا الكتاب القبطىّ وسبب تحصيله ممّا يغنى عن إعادته هاهنا.
ولم تزل العماليق ملوك مصر من حين تغلّبوا على قبطها حسبما تقدّم من الكلام، وكان الكاهن أشمويل أوّل من بنى مقياسا الماء بمدينته المعروفة به وهى الأشمونين، فلمّا استخلف يوسف ﵇ بنى مقياسا للماء بمنف، وكانت دلوكة بنت زباء قبل ذلك قد بنت مقياسا بأنصنا، وبنت آخر بأخميم، وقيل هى بانية البربا وحيط العجوز (٢)، وكانت عالمة بأنواع السحر وبقيّة من علم الطلّسمات والعزائم، وطلبتها الأعداء فلم يقدروا عليها، وأهلكتهم فى مواطنهم حسبما تقدّم من الكلام فى ذلك الجزء عند ذكرها.
ولمّا فتحت مصر، وصارت فى أيدى المسلمين بمعونة الله تعالى وعنايته بدين الإسلام، بنى عمر بن عبد العزيز مقياسا بحلوان، وبنى أسامة بن زيد التنوخى مقياسا فى الجزيرة، وهو الذى هدمه الماء، وبنى المأمون مقياسا بالسرورات، وبنى المتوكّل هذا المقياس الذى تقاس فيه فى هذا الوقت عند وضعى لهذا التاريخ، وهو فى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، أحسن الله فيها العاقبة.
стр. 1222
وحكت الجماعة المشائخ رضى الله عنهم أنّه وجد فى كتاب قبطىّ باللغة القبطية ما نقل إلى العربيّة أن الريّان بن الوليد كان يجبى خراج مصر أربعة وعشرين ألف ألف مرّتين، وأربع مائة ألف دينار، فكان يصرف منها فى عمارة (١٦٦) الضياع لحفر الخليج والترع وعمل الجسور، ونقوية من يحتاج إليه من التقوية من المزارعين، من غير رجوع عليه بشئ منها، لإقامة العوامل، وثمن الآلات، وأجرة من يستعان به لحمل البذار، وسائر هذه المنافع العائد مصلحتها لتحضير سائر أراضيهم، وتغليقها بالزراعة وتطبيقها بالبذار، فيصرف فى جميع ذلك من الجملة المذكورة ثمان مائة ألف دينار.
وما يصرف فى الأرزاق للأولياء ممّن يحمل السلاح من الجند المعدودين للحرب وللشاكرديّة وغيرهم من الغلمان ومن يجرى مجراهم، وعدة جميعهم مائة ألف رجل وأحد عشر ألفا مع ألف كاتب مسوّمين بالدواوين، سوى من تبعهم من الخزان ومن يجرى مجراهم ثمانية ألف ألف-مرّتين-دينار، وما يصرف للأرامل والأيتام من ذوى الحاجة فرضا لهم من بيت المال من غير حوالة أربع مائة ألف دينار.
وما يصرف فى أرزاق كهنة برابيهم، وأئمّتهم، وبيوت صلواتهم، على ما جرت به رسومهم من جملة ذلك مائتا ألف دينار، وما يصرف فى الصدقات ممّا يصبّ صبّا، وينادى مناد فى الناس: برئت الذمّة من أحد كشف وجهة لفاقة نزلت به، فليحضر فلا يردّ عنه أحد، والأمناء حضور.
فإذا رأوا رجلا لم تجر له عادة بالحضور أفرد بعد قبض ما يقبضه من صدقته.
стр. 1223
حتى إذا فرغ وفرّق جميع ذلك المرصّد، واجتمع من هذه الطائفة من اجتمع، دخل أمناؤه إليه فهنّئوه بتفرقة المال، ودعوا له بالبقاء وداوم العزّ، وأنهوا إليه حال تلك الطائفة التى اجتمعت، فيأمر بتغيير لباسهم ولمّ شعثهم، ويأمر بالسماط (١٦٧) فتمدّ، ويحضر بنفسه الطعام، ويدعى بهم فيأكلون ويشربون بين يديه، ثم يستعلم منهم من كلّ واحد ما سبب فاقته، فإن كانت من آفات الزمان ردّ عليه مثل ما كان له، وإن كان عن سوء رأى وتدبير ضمّه إلى من يشرف عليه، بعد أن يقام له ما يصلحه، فالمرصد لذلك من الجملة مائة ألف دينار.
وما يصرف فى نفقات مطبخه وسائر رواتبه مائتا ألف دينار، ثم يحمل الباقى إلى بيت المال لنوائب الزمان ما جملته عشرة ألف ألف-مرّتين-وستمائة ألف دينار.
وذكرت الجماعة أنّ فرعون كان يجبى خراج مصر خمسين ألف ألف دينار، فيأخذ الربع من ذلك لنفسه وأهله، والربع الثانى لوزرائه وكتّابه وجنده، والربع الثالث مرصّد لحفر الخلج، وعمل الجسور والترع، وأعمال مصالح الأرض، والربع الرابع يردّه فى المدن والقرى، فإذا لحقهم فى بعض السنين ظمأ أو استبحار أو فساد فى الزرع أخرجه وردّه عليهم، وصرفه فى مصالحهم.
وتقبّلها المقوقس من [فوقاس] (١) بن هروك، متملّك الروم، بتسمة عشر ألف ألف دينار، وكان يجبيها عشرين ألف ألف دينار.
стр. 1224
فلمّا افتتحها عمرو بن العاص جباها اثنى عشر ألف ألف دينار، ثم جباها بعد ذلك تسعة آلاف ألف دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن أبى سرح أربعة عشر ألف ألف دينار، وهو الذى بنى مدينة القيروان بالغرب، والله أعلم.
ذكر سبب دخول عمرو بن العاص مصر
فى الجاهليّة
قال (١): حدّثنا عمر بن صالح، عمّن رواه من الثقاة قال: لمّا كان سنة ثمانى عشرة، وقدم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه الجابية، خلا به عمرو بن العاص، وذكر له مصر واستأذنه فى المسير إليها وكان عمرو بن العاص قد دخلها فى الجاهليّة، وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها.
وكان سبب دخول عمرو بن العاص مصر كما روى، قال: حدّثنا [يحيى ابن خلد العدوى] (٢)، عن ابن لهيعة ويحيى بن أيّوب، عن [خلد] (٣) بن يزيد، أنّه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس، فخرج فى بعض جبالها يرعى إبله وإبل أصحابه، وكان رعى الإبل نوبا بينهم، فبينا عمرو بن العاص يرعى إبله إذ مرّ به شيخ شمّاس، وقد أصابه العطش فى يوم شديد الحرّ، حتى كاد يتلف عطشا، فوقف على عمرو فاستسقاه، فسقاه عمرو من قربته، فنهل حتى روى، ونام الشمّاس مكانه.
стр. 1225
وكانت إلى جنب الشمّاس حيث نام حفرة، فخرجت منها حيّة عظيمة تريد الشمّاس، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها، فلمّا استيقظ الشمّاس ونظر الحيّة وعظمها، وكيف نجا منها قال: وما هذه؟ فأخبره عمرو، فأقبل الشماس إلى عمرو يقبّل رأسه، وقال: قد أحيانى الله بك مرّتين؛ مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه الحيّة، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لى نطلب الفضل فى تجارتنا، فقال الشمّاس: وكم تراك ترجو أن تصيب فى تجارتك؟ قال: رجائى أن أصيب ما أشترى به بعيرا، فإنّى لا أملك إلاّ بعيرين، فأملى أن أصيب بعيرا آخر، فتعود ثلاثة أبعرة، فقال له الشمّاس: أرأيت دية أحدكم بينكم كم تكون؟ قال: مائة من الإبل، قال الشمّاس: لسنا أصحاب إبل إنّما نحن أصحاب دنانير، قال عمرو: يكون ذلك ألف دينار.
فقال الشمّاس: إنّى رجل غريب فى هذه البلاد، وإنّما قدمت أصلّى فى كنيسة بيت المقدس، وأسيح فى هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك علىّ نذرا، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرّجوع إلى أهلى، فهل لك أن تتبعنى (١٦٩) إلى بلادى، ولك عهد الله منّى وميثاقه، أن أعطيك ديتين، لأنّ الله تعالى أنجانى بك مرّتين، فقال له عمرو: وأين تكون بلادك؟ قال: مصر، فى مدينة يقال لها الإسكندريّة، فقال عمرو: لا أعرفها ولم أدخلها قطّ، فقال الشمّاس: لو دخلتها لعلمت أنّك لم تدخل قطّ مثلها، فوثق منه عمرو، وأخذ عليه العهود، وشاور أصحابه وقال:
إن وفى لى بما قال فلكم علىّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبنى رجل منكم آنس به، فبعثوا معه رجلا، فدخل عمرو مصر مع الشمّاس، ونظر إلى الإسكندريّة فرأى عمرو من عمارتها عجبا.
стр. 1226
ووافق دخول عمرو الإسكندريّة عيدا فيها عظيما، يجتمع فيه سائر ملوكهم، وأبناء ملوكهم، وأشرافهم، ولهم [أكرة] (١) من ذهب مكلّلة، يترامى بها ملوكهم، ويتلقونها بأكمامهم، فمن وقعت تلك الأكرة فى كمّه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم، فلما قدم عمرو أحضره الشمّاس معه للفرجة فى ذلك المجلس، ورمى بتلك الأكرة، فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كمّ عمرو، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا أكرتنا قطّ إلاّ هذه المرّة: أترى هذا الأعرابى يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا.
ثم إنّ ذلك الشمّاس وفى لعمرو بما قال له، وأعطاه ألف دينار، وأكرمه، وسيّره مع من وصله إلى أصحابه، فوفى أيضا عمرو لأصحابه، وشاطرهم المال كما ذكر، قال عمرو: فكان ذلك أوّل مال عقدته وملكته، وهذا سببه، والله أعلم.
ذكر فتح مصر على يد عمرو بن العاص
رضى الله عنه
قال (٢): حدّثنا عثمان بن صالح، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن [عبيد الله] (٣) ابن أبى جعفر، وعيّاش بن عبّاس [القتبانى] (٤)، وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض، قال: لمّا قدم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه الجابية قام إليه عمرو ابن العاص، فخلا به، فقال: (١٧٠) يا أمير المؤمنين، ائذن لى أن أسير إلى مصر،
стр. 1227
وحرّضه على ذلك، وقال له: إنّك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين، وعونا لهم، وهى أكثر الأرض أموالا، [وأعجزها] (١) عن قتال وحرب، فتخوّف عمر رضى الله عنه على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل به عمرو يعظّم أمرها وأموالها، ويستصغر حرب أهلها وعجزهم، ويهوّن عليه أمرها، حتّى ركن لذلك عمر رضى الله عنه، فعقد له على أربعة آلاف، كلّهم من عك، ويقال بل ثلاثة آلاف وخمسمائة.
قال (٢): حدّثنا أبو الأسود النضر بن عبد الله أو ابن عبد الجبّار-وهو الصحيح-، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن [أبى حبيب] (٣) أنّ عمرو ابن العاص دخل مصر بثلاثة آلاف وخمسمائة، وأنّ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه قال له: سر وأنا مستخير الله تعالى فى سيرك، وسيأتيك كتابى سريعا إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئا من أرضها، فانصرف قافلا، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر رضى الله عنه الله تعالى، فكأنّه تخوّف على المسلمين فى وجهتهم تلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرا وهو بمنزلة رفح، فتخوّف عمرو من أخذ الكتاب إن هو أخذه من الرسول وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه، وسار
стр. 1228
لوجهه حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها، فقيل: إنّها من مصر، فدعى بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى (١٧١) إن لحقنى كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، وإن كنت دخلت أرض مصر فأمضى لما ندبنى إليه، فسيروا بنا على بركة الله.
ويقال: بل كان عمرو بفلطسين، فتقدّم بأصحابه إلى مصر، بغير إذن عمر رضى الله عنه، فكتب إليه وهو دون العريش، فحبس الكتاب ولم يقرأه حتى بلغ العريش، فقرأه فإذا فيه: من عمر بن الخطاب إلى العاصى بن العاصى. أما بعد، فإنّك سرت بالمسلمين إلى مصر، وبها جموع الروم، وإنّما معك نفر يسير، ولعمرى لو كانوا [ثكل أمّك] (١) ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع، فقال عمرو: الحمد لله، أيّة أرض هذه؟ قالوا: مصر، فتقدّم على ما كان عليه، واتّفقت أكثر الروايات على مثل هذا الكلام وأنظاره.
وكان صفة عمرو بن العاص كما حدّث سعد بن عفير، عن الليث بن سعد، قصيرا، عظيم الهامة، ناتئ الجبهة، واسع الفم، عظيم اللحية، عريض ما بين المنكبين والقدمين، قال الليث بن سعد: يملأ هذا المسجد.
فلمّا بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، توجّه من الإسكندرّية إلى الفسطاط، فكان يجهّز العساكر، وكان على القصر رجل من الروم، يقال له الأعيرج واليا، وكان من تحت أمر المقوقس.
стр. 1229
وأقبل عمرو حتى [إذا] (١) كان بجبل الخلال [نفرت] (٢) معه راشدة وقبائل من لخم، فكان أوّل موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه.
وكان عبد الله بن مسعود على ميمنة عمرو بن العاص، منذ توجّه من قيساريّة، إلى أن فرغ من حربه.
وعن مشائخ من أهل مصر قالوا: كان بالإسكندريّة أسقف القبط يقال له:
أبو ميامين (٣)، فلمّا بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، كتب إلى (١٧٢) القبط يعلمهم أن لا للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقّى عمرو ابن العاص، فيقال إنّ القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو عونا، قال عثمان فى حديثه: ثم توجّه عمرو فلا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر.
قال: حدّثنا عبد الملك بن المسلمة، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن شريح أنّه سمع شراحيل بن يزيد يحدّث عن أبى الحسين أنّه سمع من رجل من لخم يحدّث كريب بن أبرهة (٤) قال: كنت أرعى غنما لأهلى [بالقواصر] (٥)، فنزل عمرو ومن معه، فدنوت إلى أقرب منازلهم، فإذا [بنفر] (٥) من القبط كنت قريبا منهم، فقال بعضهم لبعض: ألا تعجبون
стр. 1230
من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الروم وإنّما هم قلّة من الناس فأجابه رجل آخر فقال: إنّ هؤلاء لا يتوجّهون [إلى أحد] (١) إلاّ ويظهرون عليه، حتى يقتلوا خيرهم، قال: فقمت إليه فأخذت بتلابيبه، فقلت: أنت تقول هذا؟ انطلق معى إلى عمرو بن العاص حتى يسمع الذى قلت، فطلب إلىّ أصحابه حتى خلصوه، فرددت الغنم إلى منزلى، ثم جئت حتى دخلت فى القوم.
قال عثمان فى حديثه: فقدم عمرو ولا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم.
ثم رجع إلى حديث [ابن] (١) وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل ابن يزيد، عن أبى الحسين أنّه سمع رجلا من لخم قال: فجاء رجل إلى عمرو ابن العاص فقال: اندب معى خيلا حتى آتى من ورائهم عند القتال، فأخرج معه (١٧٣) خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل، حتى دخلوا مغار بنى وائل قبل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقا، وجعلوا له أبوابا، فثّبتوا (٢) فى أقبيتها حسك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرج اللخمى بمن معه من ورائهم، فانهزموا حتى دخلوا الحصن.
وقال غير ابن وهب: بعث خمسمائة عليهم خارجة بن حذافة، فلمّا كان وجه الصبح نهض القوم، فصلّوا الصبح، ثم ركبوا خيلهم، وغدا عمرو بن العاص على
следующие страницы →