Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
ووافق دخول عمرو الإسكندريّة عيدا فيها عظيما، يجتمع فيه سائر ملوكهم، وأبناء ملوكهم، وأشرافهم، ولهم [أكرة] (١) من ذهب مكلّلة، يترامى بها ملوكهم، ويتلقونها بأكمامهم، فمن وقعت تلك الأكرة فى كمّه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم، فلما قدم عمرو أحضره الشمّاس معه للفرجة فى ذلك المجلس، ورمى بتلك الأكرة، فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كمّ عمرو، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا أكرتنا قطّ إلاّ هذه المرّة: أترى هذا الأعرابى يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا.
ثم إنّ ذلك الشمّاس وفى لعمرو بما قال له، وأعطاه ألف دينار، وأكرمه، وسيّره مع من وصله إلى أصحابه، فوفى أيضا عمرو لأصحابه، وشاطرهم المال كما ذكر، قال عمرو: فكان ذلك أوّل مال عقدته وملكته، وهذا سببه، والله أعلم.
ذكر فتح مصر على يد عمرو بن العاص
رضى الله عنه
قال (٢): حدّثنا عثمان بن صالح، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن [عبيد الله] (٣) ابن أبى جعفر، وعيّاش بن عبّاس [القتبانى] (٤)، وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض، قال: لمّا قدم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه الجابية قام إليه عمرو ابن العاص، فخلا به، فقال: (١٧٠) يا أمير المؤمنين، ائذن لى أن أسير إلى مصر،
стр. 1227
وحرّضه على ذلك، وقال له: إنّك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين، وعونا لهم، وهى أكثر الأرض أموالا، [وأعجزها] (١) عن قتال وحرب، فتخوّف عمر رضى الله عنه على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل به عمرو يعظّم أمرها وأموالها، ويستصغر حرب أهلها وعجزهم، ويهوّن عليه أمرها، حتّى ركن لذلك عمر رضى الله عنه، فعقد له على أربعة آلاف، كلّهم من عك، ويقال بل ثلاثة آلاف وخمسمائة.
قال (٢): حدّثنا أبو الأسود النضر بن عبد الله أو ابن عبد الجبّار-وهو الصحيح-، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن [أبى حبيب] (٣) أنّ عمرو ابن العاص دخل مصر بثلاثة آلاف وخمسمائة، وأنّ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه قال له: سر وأنا مستخير الله تعالى فى سيرك، وسيأتيك كتابى سريعا إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئا من أرضها، فانصرف قافلا، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر رضى الله عنه الله تعالى، فكأنّه تخوّف على المسلمين فى وجهتهم تلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرا وهو بمنزلة رفح، فتخوّف عمرو من أخذ الكتاب إن هو أخذه من الرسول وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه، وسار
стр. 1228
لوجهه حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها، فقيل: إنّها من مصر، فدعى بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى (١٧١) إن لحقنى كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، وإن كنت دخلت أرض مصر فأمضى لما ندبنى إليه، فسيروا بنا على بركة الله.
ويقال: بل كان عمرو بفلطسين، فتقدّم بأصحابه إلى مصر، بغير إذن عمر رضى الله عنه، فكتب إليه وهو دون العريش، فحبس الكتاب ولم يقرأه حتى بلغ العريش، فقرأه فإذا فيه: من عمر بن الخطاب إلى العاصى بن العاصى. أما بعد، فإنّك سرت بالمسلمين إلى مصر، وبها جموع الروم، وإنّما معك نفر يسير، ولعمرى لو كانوا [ثكل أمّك] (١) ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع، فقال عمرو: الحمد لله، أيّة أرض هذه؟ قالوا: مصر، فتقدّم على ما كان عليه، واتّفقت أكثر الروايات على مثل هذا الكلام وأنظاره.
وكان صفة عمرو بن العاص كما حدّث سعد بن عفير، عن الليث بن سعد، قصيرا، عظيم الهامة، ناتئ الجبهة، واسع الفم، عظيم اللحية، عريض ما بين المنكبين والقدمين، قال الليث بن سعد: يملأ هذا المسجد.
فلمّا بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، توجّه من الإسكندرّية إلى الفسطاط، فكان يجهّز العساكر، وكان على القصر رجل من الروم، يقال له الأعيرج واليا، وكان من تحت أمر المقوقس.
стр. 1229
وأقبل عمرو حتى [إذا] (١) كان بجبل الخلال [نفرت] (٢) معه راشدة وقبائل من لخم، فكان أوّل موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه.
وكان عبد الله بن مسعود على ميمنة عمرو بن العاص، منذ توجّه من قيساريّة، إلى أن فرغ من حربه.
وعن مشائخ من أهل مصر قالوا: كان بالإسكندريّة أسقف القبط يقال له:
أبو ميامين (٣)، فلمّا بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، كتب إلى (١٧٢) القبط يعلمهم أن لا للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقّى عمرو ابن العاص، فيقال إنّ القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو عونا، قال عثمان فى حديثه: ثم توجّه عمرو فلا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر.
قال: حدّثنا عبد الملك بن المسلمة، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن شريح أنّه سمع شراحيل بن يزيد يحدّث عن أبى الحسين أنّه سمع من رجل من لخم يحدّث كريب بن أبرهة (٤) قال: كنت أرعى غنما لأهلى [بالقواصر] (٥)، فنزل عمرو ومن معه، فدنوت إلى أقرب منازلهم، فإذا [بنفر] (٥) من القبط كنت قريبا منهم، فقال بعضهم لبعض: ألا تعجبون
стр. 1230
من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الروم وإنّما هم قلّة من الناس فأجابه رجل آخر فقال: إنّ هؤلاء لا يتوجّهون [إلى أحد] (١) إلاّ ويظهرون عليه، حتى يقتلوا خيرهم، قال: فقمت إليه فأخذت بتلابيبه، فقلت: أنت تقول هذا؟ انطلق معى إلى عمرو بن العاص حتى يسمع الذى قلت، فطلب إلىّ أصحابه حتى خلصوه، فرددت الغنم إلى منزلى، ثم جئت حتى دخلت فى القوم.
قال عثمان فى حديثه: فقدم عمرو ولا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم.
ثم رجع إلى حديث [ابن] (١) وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل ابن يزيد، عن أبى الحسين أنّه سمع رجلا من لخم قال: فجاء رجل إلى عمرو ابن العاص فقال: اندب معى خيلا حتى آتى من ورائهم عند القتال، فأخرج معه (١٧٣) خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل، حتى دخلوا مغار بنى وائل قبل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقا، وجعلوا له أبوابا، فثّبتوا (٢) فى أقبيتها حسك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرج اللخمى بمن معه من ورائهم، فانهزموا حتى دخلوا الحصن.
وقال غير ابن وهب: بعث خمسمائة عليهم خارجة بن حذافة، فلمّا كان وجه الصبح نهض القوم، فصلّوا الصبح، ثم ركبوا خيلهم، وغدا عمرو بن العاص على
стр. 1231
القتال، فقاتلهم من [وجههم] (١)، وحملت التى كانت من ورائهم، واقتحمت عليهم [فانهزموا] (٢).
قال ابن وهب فى حديثه: فسار عمرو حتى نزل على الحصن، فحاصرهم، حتى سألوه أن يسيّر منهم بضعة عشر أهل بيت [ويفتحوا] (٢) له الحصن، ففعل ذلك، ففرض عمرو لكلّ رجل من أصحابه [دينارا وجبّة] (٢) وبرنسا وعمامة وخفين، وسألوه أن [يهيّئوا له ولأصحابه صنيعا] (٣) ففعل.
قال عبد الرحمن: قال، حدّثنى أبو عبد الله بن عبد الحكم أنّ عمرو ابن العاص أمر أصحابه فتهيّئوا (٤)، ولبسوا البرود، ثم أقبلوا قال [ابن] (٥) وهب فى حديثه: وسألوه أن يصنعوا له طعاما ولأصحابه، فلمّا فرغ عمرو من طعامهم سألهم: كم أنفقتم؟ قالوا: عشرين ألف دينار، قال عمرو: لا حاجة لنا فى صنيعكم بعد اليوم، أدّوا إلينا عشرين ألف دينار، فجاءه نفر من القبط، فاستأذنوا إلى قراهم وأهلهم، فقال لهم عمرو: كيف رأيتم أمرنا! قالوا: لم نر إلاّ حسنا، فقال الرجل الذى قال فى المرّة الأولى ما قال لهم: إنّكم لن تزالوا تظهرون على كلّ من لقيتم حتى تقتلوا خيركم، فغضب عمرو وأمر به، فطلب إليه أصحابه وأخبروه أنّه لا يدرى ما يقول حتى خلّصوه، فلما بلغ عمرا قتل عمر بن الخطّاب رضى الله عنه
стр. 1232
أرسل (١٧٤) فى طلب ذلك القبطى فوجده قد هلك، فعجب عمرو من كلامه، قال عمرو: فلمّا قتل عمر بن الخطّاب، قلت: هو ما قال القبطى، فلما حدّثت (١) إنّما قتله أبو لؤلؤة رجل نصرانى قلت: لم يعن هذا إنّما عنى من قتله المسلمون فلما قتل عثمان عرفت أنّما قال الرجل حقّ.
قال ابن وهب فى حديثه: فلمّا فرغ القبط من صنيعهم، أمر عمرو بن العاص بطعام، فصنع لهم من الثريد ولحم الأباعر، وجعل الأكارع على وجوه الجفان، وأمر أصحابه بلبس الأكسية، واشتمل الصماء، والقعود على الركب، فلمّا حضرت الروم وضعوا كراسىّ الديباج فجلسوا عليها، وجلست العرب إلى جوانبهم، فجعل الرجل من العرب يلتقم اللقمة من الثريد شبه البعير، وينهش من تلك الأكارع فيتطاير على من إلى جنبه من الروم، فيستغيث الرومى بذلك، وقالوا:
أين أولئك الذين كانوا أتونا قبل؟ فقيل لهم: أولئك أصحاب المشورة، وهؤلاء أصحاب الحرب (٢).
وروى فتح القصر من وجه آخر فيه طول، فاختصرنا هذا، إذ القصد أن لا يخلو تأريخنا من واقعة جرت بطريق الاختصار، والله الموفق للصواب.
ولمّا طلب المقوقس من عمرو بن العاص رسلا يسمعون كلامه، أنفذ إليه عبادة بن الصامت، وكان شديد السواد، هائل الطول والمنظر، مع جماعة من المسلمين، فلمّا رآه المقوقس هابه وقال: قدّموا غير هذا يكلّمنى! فقالوا: هو
стр. 1233
المقدّم علينا، فقال المقوقس بعد كلام طويل: تقدّم وقل برفق، فإنّى أهابك، وإن اشتدّ كلامك كان أهيب، فقال عبادة: قد سمعت كلامك، وإنّ فيمن خلفت ورائى من أصحابى ألف رجل أسود، كلّهم أفظع منظرا منّى، فى كلام طويل هذا آخره.
ثمّ تناظروا مناظرات (١٧٥) كثيرة، آخرها أنّ عبادة قال: لا نرضى منكم بغير ثلاث خصال: إمّا أن تدخلوا فى ديننا، أو تؤدّوا الجزية، أو يحكم السّيف بيننا، فارتضوا بعد مشاجرات كثيرة بالجزية، والله أعلم.
ذكر بعض شئ ممّا ورد
فى صفة مصر
قال (١): حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، وبكر بن عمرو الخولانى، يرفعان الحديث إلى عبد الله بن [عمرو] (٢) رضى الله عنه، قال: قبط مصر أكرم الأعاجم كلّها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب عامة، وبقريش خاصة، ومن أراد أن يذكر الفردوس، أو ينظر إلى مثلها، فلينظر إلى مصر وأراضيها، حين يخضرّ زرعها وتنوّر ثمارها.
قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا أبو الأسود النضر بن عبد الله، أو ابن عبد الجبّار، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد
стр. 1234
ابن عمرو المعافرى، عن كعب الأحبار، قال: من أراد أن ينظر إلى [شبه] (١) الجنّة فلينظر إلى مصر إذا أزهرت.
وقال ابن لهيعة: كان منهم السحرة آمنوا كلّهم فى ساعة واحدة، ولا يعلم جماعة أسلمت فى ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط.
وعن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبئى (٢)، وبكر بن عمرو الخولانى ويزيد بن أبى حبيب المالكى، يزيد بعضهم على بعض فى الحديث، أنّ سحرة مصر كانوا اثنى عشر ساحرا رؤساء، تحت يد كلّ ساحر منهم عشرون عرّيفا، تحت يد كلّ عرّيف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتى ألف وأربعين ألفا ومائتين [واثنين] (٣) وخمسين إنسانا، بالرؤساء والعرفاء، فلمّا عاينوا ما عاينوا تحقّقوا أنّ ذلك من السماء، وأنّ السحر لا يقوم لأمر الله، فخرّ الرؤساء الاثنا عشر (١٧٦) عند ذلك سجّدا، فاتّبعهم العرفاء، واتبع العرفاء الباقون، وقالوا: آمنّا بربّ العالمين، ربّ موسى وهارون.
قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: وكانت مصر كما حدّثنا عبد الله بن صالح، وعثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة (٤) المهرى، عن أبى رهم (٥) السماعى، قال: كانت
стр. 1235
مصر لها قناطرو جسور بتقدير وتدبير، حتى إنّ الماء ليجرى تحت منازلها وأفنيتها، فيحبسونه كيف شاءوا، ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى فيما حكاه من قول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ»﴾ (١). ولم يكن فى الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنّات [بحافتى (٢)] النيل، من أولّه إلى آخره، فى الجانبين جميعا، من أسوان إلى رشيد، وبها سبع خلج؛ وهم: خليج الإسكندريّة، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيّوم وخليج [المنهى (٣)]، وخليج السردوس، ذات جنّات متّصلة، لا ينقطع منها شئ عن شئ، والزرع ما بين الجبلين، من أولّ حدود مصر إلى آخرها، ممّا يبلغه الماء.
وكان جميع أرض مصر كلّها تروى من ستّة عشر ذراعا، لما قدّروا ودبّروا من قناطرها وخلجانها وجسورها، فلذلك قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ»﴾ (٤)، قالوا: والمقام الكريم: المنابر، التى كان بها ألف منبر.
وأمّا خليج الفيّوم والمنهى فحفرهما يوسف ﵇، والسّردوس حفره هامان وزير فرعون، والله أعلم.
стр. 1236
ذكر شئ مما ورد من الحديث
فى الوصيّة بقبط مصر
قال (١): حدّثنا علىّ بن الحسن بن خلف بن قديد، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن عبد الحكم، قال: حدّثنا أشهب بن عبد العزيز، وعبد الملك بن مسلمة، قالا:
حدّثنا مالك (١٧٧) بن أنس، عن ابن شهاب، عن كعب بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإنّ لهم ذمّة ورحما». قال ابن شهاب: وكان يقال إنّ أمّ إسماعيل بن إبراهيم ﵉ منهم.
قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الملك بن مسلمة، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، عن حرملة بن عمران، عن عبد الرحمن بن [شماسة (٢)] المهرى، قال: سمعت أبا ذرّ يقول: قال رسول الله ﷺ : «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإنّ لهم دمّة ورحما»، وقال صاحب هذا الحديث يرفعه إلى [بجير (٣)] بن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص، عن عمر بن الخطّاب، أنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإنّ لكم منهم صهرا وذمّة».
قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الملك بن مسلمة، ويحيى بن عبد الله بن بكير (٤)، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، أنّ
стр. 1237
أبا سالم الجيشانى سفيان بن هانئ، أخبره أنّ بعض أصحاب رسول الله ﷺ أخبره أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّكم ستكونون أجنادا، وإنّ خير أجنادكم أهل الغرب منكم، فاتّقوا الله فى القبط، لا تأكلوهم أكل الحضر».
قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، وابن لهيعة، قالا: قال عبد الملك: حدّثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن [يزيد] (١) بن أبى حبيب، أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن حدّثه أنّ رسول الله ﷺ أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب، وقال: «الله الله فى قبط مصر، فإنّكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدّة وأعوانا فى سبيل الله».
قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا (١٧٨) عبد الرحمن، قال: حدّثنا عثمان ابن صالح، قال: حدّثنا مروان القصاص، قال: صاهر إلى القبط من الأنبياء ثلاثة: إبراهيم خليل الله ﵇ [تسرّر هاجر] (٢)، ويوسف ﵇ تزوّج بنت صاحب عين شمس، ورسول الله ﷺ تسرّر [مارية] (٣) القبطيّة.
ولنعد إلى سياقة التّاريخ
وفيها، وهى سنة عشرين للهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام تولّى عمرو بن العاص مصر: حربها وخراجها، وكتب إليه عمر رضى الله عنه أن يستقضى كعب بن يسار، فامتنع كعب من ذلك، فتركه وولّى قيس بن أبى عاصم السهمى، وجبى مصر هاتيك السنة عشرة آلاف ألف دينار.
стр. 1238
وفيها فتح أبو موسى الأشعرى السوس، ودلّ على خبيئة دانيال، فأخذ أبو موسى خاتمه، وفصّه حجر أحمر.
وفيها حاصر أبو موسى الأشعرى الأهواز، فسألهم ملكهم الصلح، على أن يحصى ثمانين من أهل الحصن ويقتل البقيّة، فاستأذن عمر رضى الله عنه، فكتب إليه عمر: افعل ذلك! فأنزل الملك فقتله، لأنّ الملك ما استثنى نفسه فيهم، واستحيى ثمانين كان الملك عيّنهم له، وقتل البقيّة.
وفيها فتحت تستر، ويوم فتحها فتحت الإسكندريّة.
وفيها مات بلال، مؤذّن النبى ﷺ .
وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، واسمه المغيرة، وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاع، وكان فيه شبه من رسول الله ﷺ .
وفيها ماتت صفيّة، عمّته ﷺ .
وفيها مات هرقل ملك الروم.
وفيها عدا الكندى إلى بلد الروم، وهو أوّل من دخلها، وقتل ميسرة.
وزلزلت الأرض بالمدينة، وماتت زينب بنت جحش، زوج النبى ﷺ ، وتزوّج عمر رضى الله عنه فاطمة بنت الوليد.
(١٧٩) وفيها قسم عمر رضى الله عنه خيبر بين المسلمين، وأجلى اليهود عنها، وقسّم وادى القرى، وأجلى يهود نجران إلى الكوفة.
وفيها بعث علقمة بن [مجزّز] (١) إلى الحبشة، وكان خراجها فى زمن
стр. 1239
فرعون مصر ستّة وسبعين ألف ألف دينار، وفى زمن بنى أميّة ألفى ألف وسبعمائة ألف وثلاثة وعشرين ألف دينار، وفى زمن بنى العبّاس ألفى ألف ومائة ألف وثمانين ألف دينار. وكان خراج فارس فى زمن الفرس أربعين ألف ألف دينار، وكرمان ستّين ألف ألف دينار، وخوزستان خمسين ألف ألف دينار، والله أعلم.
ذكر سنة إحدى وعشرين
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم خمسة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أمير المؤمنين، والدنيا عادت دار إسلام، يتلى فيها القرآن، وخلت من عبادة الأوثان والصلبان.
وفيها فتحت [الماهين] (١) وهمدان، ووصل المسلمون بلاد العجم، وفتحت إصبهان.
وفيها كانت وقعة أبى موسى مع الهرمزان، وأسر، وبعث إلى الإمام عمر ابن الخطّاب، وقد ألبس ثياب الديباج المنسوجة بالذهب مرصّعة بالدرّ والجوهر ووضع على رأسه التاج مكلّلا بالياقوت الأحمر، ممنطقا بمنطقة فيها حبّ الجوهر، وختموه بخاتمه.
стр. 1240
فلمّا قدم به المدينة قال: هل لملككم يوم يجلس فيه؟ فقيل: إنّه يمشى فى الأسواق، ليتعاهد أمور المسلمين، قال: فمن حرسه؟ قالوا: الله حارسه، قال:
فمن شرطه؟ قالوا: هو شرطى نفسه.
فأتى به إلى المسجد، وعمر نائم فى المسجد متوسّدا الحصى، فاتتبه (١٨٠) عمر رضى الله عنه لجلبة الناس، فرآه فاستعاذ بالله من أهل النار، وأمر بإلقاء ما عليه، وأمر بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمتّ عطشا، فقال: لا يجمع الله عليك القتل والعطش، اسقوه! فأتى بقدح من خشب فيه ماء، فقال: إنّى لم أشرب فى هذا قطّ، فاسقونى فى إناء نظيف! فأتى بزجاجة فيها ماء، فلمّا أخذها ارتعد وعاد يتلفّت يمينا وشمالا، فقال له عمر: اشرب! قال: إنّى أخاف أن أقتل قبل أن أشرب، قال: لا بأس عليك، لا تقتل حتى تشرب، فألقى الزجاجة فكسرها، فقال عمر: جيئوه بغيرها! قال: لست اليوم بشارب، فقال عمر:
اضربوا عنقه! فقال أنس بن مالك: أليس إنّك أمنته؟ قال عمر: لتجيئنّى بالمخرج أو لأعاقبنّك، قال: أو لم تقل: لا تقتل حتى تشرب؟ فقال عمر: أسلم يا هرمزان! قال: أمّا دينى فلا أتركه، وأمّا دمى فقد أحرزته، فحبسه عمر، ولم يزل يدعوه إلى الإسلام حتى أسلم.
وفيها مات خالد بن الوليد رضى الله عنه، ودفن بحمص. وعن محمّد بن سلام عن أبان بن عثمان قال: لم تبق امرأة من بنى المغيرة إلاّ وجزّت ناصيتها، ووضعته على خالد.
وفيها قتل الجارود بالبحرين.
وفيها ولد الحسن البصرى والشعبى، واسمه عامر بن شراحيل.
стр. 1241
وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع فافتتح زويلة.
وكان الأمير فى هذه السنة على دمشق عمر بن سعد، وفى ولايته حوران وحمص وقنّسرين والحيرة، ومعاوية بن أبى سفيان على البلقاء والأردنّ وفلسطين والسواحل وأنطاكية والمعرّة وما معهم، وعمرو بن العاص بمصر وأعمالها، وأبو موسى الأشعرى ببلاد العجم.
وفيها حجّ رضى الله عنه، واستخلف زيد بن ثابت على المدينة، وكان عامله على مكّة واليمن والطائف واليمامة.
وفيها مسحت بلاد السواد، فكان عامره وعابره ستة وثلاثين ألف جريب، ولم تمسح سبخة ولا تلّ ولا مستنقع ماء. والذى مسح ما دون جبل حلوان إلى منتهى القادسيّة المتّصل بالعذيب، من أرض العرب إلى الفرات عرضا تقدير ثمانين فرسخا، من تخوم الموصل مع الماء إلى ساحل البحر بلاد عبادان، من شرقى دجلة طولا قدره مائة وخمسة وعشرون فرسخا.
وفرض على كلّ جريب درهما وقفيزا من غلّة، وجريب الكرم عشرة الدراهم وجريب النخل خمسة الدراهم، وجريب القصب ستّة، وجريب البرّ أربعة، والشعير درهمين، وعلى الموسر من أهل الذّمة ثمانية وأربعين درهما، والمتوسّط نصفها، والفقير ربعها.
فكان جملة خراجه أوّل سنة ستّة وثمانين ألف ألف درهم، والسنة الثانية مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، وجباه عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف. وفى زمن الحجّاج ستّون ألف ألف، وقد كانت
стр. 1242
الأكاسرة تجبيه مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف، والجبل والرىّ إلى حلوان ثلاثين ألف ألف سوى خراسان، والله أعلم.
وفيها ضربت الدراهم على سكك الكسرويّة ونقش فى بعضها اسمه، وبعضها الحمد لله، وبعضها لا إله إلاّ الله، وبعضها محمّد رسول الله.
ذكر سنة اثنتين وعشرين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستّة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزّيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(١٨٢) الإمام عمر رضى الله عنه أمير المؤمنين، والنوّاب الأمراء المذكورون فى السنة التى قبلها على حالهم، والقاضى شريح بحاله قاضيا، وبمصر فى هذه السنة القاضى قيس بحاله.
فيها فتحت آذربيجان، على يد المغيرة بن شعبة، وغزا معاوية بن أبى سفيان الصّائفة من أرض الروم، وأسر عبد الله بن حذافة (١).
وفيها بعث عمر رضى الله عنه نعيما إلى همدان ثانية فحاصرها، فأعطوا الجزية، ثم خرج إلى الرىّ، فبعث من دخل عليهم من حيث لا يعلمون، فقاتلهم وغلبهم.
стр. 1243
وفيها أخذ يزيد قومس بالأمان، وغزا عبد الرحمن بن ربيعة الروم. وقالت الروم: إنّ مع هؤلاء القوم ملائكة يقاتلون، فانهزموا، واختلفت أقاويلهم، فمنهم من ادّعى أنّه رأى كلّ ملك: رجلاه فى الأرض، ورأسه فى السماء، ومنهم من قال غير ذلك، وظفر المسلمون بهم ظفرا مؤيّدا.
وفيها ولد يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وقيل فى سنة خمس وعشرين، وولد فيها عبد الملك بن مروان.
وفيها خرج الأحنف بن قيس إلى خراسان، فافتتح هراة، وسار إلى مرو، وسيّر مطرف بن عبد الله إلى نيسابور، وفتحت جرجان وقزوين وطبرستان وشهرزور والصامغان.
وفيها فتحت طرابلس الغرب وبرقة.
ذكر سنة ثلاث وعشرين
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الإمام عمر رضى الله عنه أمير المؤمنين إلى حين وفاته فى هذه السنة (١٨٣) وهو يومئذ بالمدينة، وعمرو بن العاص بمصر وما فتح من بلاد المغرب، والقاضى قيس بحاله، وعلى مكّة شرّفها الله تعالى نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفى، وعلى صنعاء اليمن يعلى بن منية، وعلى الجند
стр. 1244
عبد الله بن أبى ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى الأشعرى، وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية بن أبى سفيان، وعلى البحرين وما والاها عثمان بن أبى العاص الثقفى، وعلى قضاء الكوفة القاضى شريح.
وفيها فتحت إصطخر، [ونوّج] (١)، وكرمان، وسجستان، وعسقلان.
وفيها حجّ عمر رضى الله عنه بأزواج النبى ﷺ .
وفيها توفّى قتادة بن النعمان الأنصارى ﵀، وهو الذى ردّ رسول الله ﷺ عينه.
وفيها توفّى واقد بن عبد الله التميمى حليف الخطّاب، وهو أوّل من قاتل فى سبيل الله فى الإسلام، وقيل بل عمرو الحضرمى، والله أعلم.
وفيها توفّى عيلان بن سلمة، وهو الذى أسلم وتحته عشر نسوة.
وفيها توفّى الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه.
ذكر وفاة الإمام عمر رضى الله عنه
لمّا كانت السنة التى قتل فيها رضى الله عنه حجّ بأزواج النبى ﷺ ، وبعث إلى أمراء الأجناد فقدموا عليه، وفيهم سعد بن أبى وقّاص، وهو من أهل الشورى.
ولمّا كان فى حجّه نزل الأبطح، فكثب كثيبا من رمل تحت رأسه ووضع رأسه عليه، وقال: اللهم كبرت سنّى، ودقّ عظمى، وانتشرت رعيّتى،
стр. 1245
فاقبضنى إليك غير عاجز ولا مفرّط، فما انسلخ ذو الحجّة حتى قتل رضى الله عنه.
وكان لمّا جاء إلى الجمرة ليرميها (١٨٤) فى حجّته أتاه حجر فوقع فى صلعته فأدماها، فقال رجل من بنى لهب: أشعر أمير المؤمنين لا يحجّ بعدها، ثم جاء إلى الجمرة الثانية فصاح رجل: يا خليفة رسول الله، فقال رجل: لا يحجّ أمير المؤمنين بعدها.
وعن أبى موسى الأشعرى قال: رأيت كأنّى انتهيت إلى جبل، فإذا رسول الله ﷺ فوقه، وإلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومئ إلى عمر أن: تعال! قال أنس: فقلت لأبى موسى: ألا تكتب بهذا إلى عمر، فقال: ما كنت لأنمى إليه نفسه.
خطب عمر الناس يوم جمعة فقال: رأيت كأنّ ديكا نفرنى ولا أراه إلاّ حضور أجلى، فقلت: يسوق الله لى الشهادة ويقتلنى رجل أعجمى، وإنّ ناسا يأمروننى أن أستخلف عليهم، وإنّ الله لن يضيع دينه وخلافته، فإن عجل بى أمر فالخلافة شورى فى هؤلاء الستّة الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقد عرفت أنّ أناسا يطعنون فى هذا الأمر، وأنا قاتلتهم بيدى هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك هم الكفرة الضّلال، إنى والله ما أدع شيئا أهمّ عندى من الكلالة، لقد سألت نبى الله ﷺ عنها، فما أغلظ فى شئ ما أغلظ فيها، حتى طعن بإصبعه فى بطنى فقال: «يا عمر، يكفيك الآية التى نزلت فى آخر سورة النساء، وإن أعش فسأقضى فيها قضيّة، لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن».
وقال: اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك، وموتة ببلد نبيّك ﷺ ، فقالت
стр. 1246
حفصة: وأنّى لك الشهادة بهذه البلدة، فقال: يا بنيّة، يأتى الله بها من حيث شاء، قال: وكان بينه وبين فارس مسيرة شهر، وبينه وبين القوم كذلك.
قالت عائشة رضى الله عنها: لمّا حجّ عمر أقبل رجل متنقّب، فأنشد عمر:
(١٨٥) جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتّق
وكنت تشوب الدين بالحلم والتّقى ... وحكم صليب الرأى غير مزوّق
فمن يسع، أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكف سبىّ أحمر العين أزرق
قالت عائشة رضى الله عنها: فظننته المزرّد بن ضرار أخى الشماخ، قالت:
فلقيته بعد ذلك، فحلف بالله أنّه ما شهد الموسم الذى سمعت فيه هذه الأبيات (١).
وكان يقال إنّ هذا الشعر لجنّى. والله أعلم.
بلغ أمّ كلثوم بنت علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، زوجة عمر رضى الله عنه أنّ كعب الأحبار يقول: إنّ عمر باب من أبواب جهنّم، فغضبت، ثمّ غدت إلى حفصة بنت عمر، فقالت: ألا تعجبين لما بلغنى عن هذا اليهودى، إنّه يزعم أنّ أمير المؤمنين باب من أبواب جهنّم، أو على باب جهنّم. فقالت: وا أبتاه، ثم أرسلت إلى عمر فأتاها، فأخبرته بقول كعب، فقال: وا عمراه، ثم قال: إنّى لأرجو أن لا يكون الله سبحانه خلقنى شقيّا، ثم أرسل إلى كعب فسأله عمّا قيل عنه، فقال: صدقوا، إنّك على باب جهنّم تذبّ الناس عنه، لو قد هلكت
стр. 1247
فتح ذلك الباب عليهم، ولن يمرّ لك إلاّ ثلاث حتى تستشهد فى سبيل الله، فقال: وأنّى لى بالشهادة وبينى وبين أجناد العرب ما علمت؟ فقال كعب: إنّ سبل الله تعالى كثيرة، وأفضل سبله الصلاة، فلمّا كان اليوم الثالث قال عمر:
يا كعب، هذا اليوم الثالث، قال: إنّ لى الليلة إلى الصباح، فخرج عمر رضى الله عنه ليوقظ الناس أهل المسجد إلى الصلاة، فطعنه أبو لؤلؤة، (١٨٦) وقال عمر رضى الله عنه عندما قال له كعب ما قال:
تواعدنى كعب ثلاثا أعدّها ... وأعلم أنّ القول ما قال لى كعب
وما بى لقاء الموت، إنّى لميّت ... ولكنّ ما بى الذّنب يتبعه الذّنب (١)
وقالت عائشة رضى الله عنها: سمعت نائحة الجنّ تبكى قبل قتل عمر، تقول:
ليبك على الإسلام من كان باكيا ... فقد وشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر أهلها ... وقد ملّها من كان يؤمن بالوعد (٢)
وكان عمر رضى الله عنه لا يؤذن لسبى أن يدخل المدينة، فكتب المغيرة ابن شعبة، وهو على الكوفة، يستأذن على أبى لؤلؤة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عندى غلاما، وعنده أعمال كثيرة فيها منافع للمسلمين، إنّه حدّاد نقّاش، فلو أذنت له، فأذن له، وضرب عليه المغيرة مائة درهم فى كلّ شهر، فاشتكى إلى عمر ثقل خراجه، فقال: ماذا تحسن؟ فذكر الأعمال التى يحسنها، فقال عمر: ما خراجك بكثير فى جنب ما تعمل، ثم دعاه عمر فقال: ألم أخبر أنّك تقول: لو شئت
стр. 1248
صنعت رحى تطحن بالهواء؟ فالتفت أبو لؤلؤة ساخطا عابسا فقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها فى الشرق والغرب، فلمّا ولّى قال للرهط الذين كانوا معه: تواعدنى العبد، وقيل إنّ عمر قال لعلىّ ﵇: ما تراه أراد بكلمته؟ قال: تواعدك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لقد علمت أنّ لكلمته غورا.
ويقال إنّ عيينة بن حصن الفزارى قال لعمر يوما: إنّ الله سبحانه جعلك فتنة على أمّة محمّد، فقال عمر: كذبت، إنّ ربّى ليعلم أنّى لم أضمر لها غير العدل عليها، والإحسان إليها، فقال عيينة: إنّى لم أذهب هناك، ولكن يفقدون سيرتك فيضرب بعضهم بعضا، فقال عمر: لست (١٨٧) لذلك بآمن، فقال:
يا أمير المؤمنين، احترس من الأعاجم وأخرجهم من جزيرة العرب، فإنّى لا آمنهم عليك، فلمّا طعن عمر قال: ما فعل عيينة بن حصن؟ فقيل: مات بالحاجر (١). فقال: إنّ هناك لرأيا.
وكان أبو لؤلؤة قد سباه المغيرة من نهاوند، ولمّا كان يوم الأربعاء، لسبع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين، خرج عمر رضى الله عنه فأيقظ الناس للصلاة على عادته، وكان أبو لؤلؤة قد كمن له فى المسجد، ومعه خنجر برأسين ونصابه فى وسطه، وسقاه السمّ، فلمّا دنا من عمر ضربه وطعنه ثلاث طعنات، إحداهنّ تحت سرّته، فخرق الصفاق، وهى التى قتلته رضى الله عنه، ثم أغار على أهل المسجد فطعن من يليه، ممّن على يمينه وعلى يساره، حتى طعن أحد عشر رجلا سوى عمر، وقيل ثلاثة عشر-على اختلاف الرواية-مات منهم أربعة: منهم إياس بن البكير الكنانى، وكليب بن قيس، فرمى عليه
стр. 1249
رجل برنسا، فلمّا علم أنّه مأخوذ نحر نفسه، فقال عمر رضى الله عنه: مروا عبد الرحمن فليصلّ بالناس، فصلّى بهم صلاة خفيفة، فأمّا من وراءه فقد رأى ما رأى، وأمّا من كان فى نواحى المسجد فلا يدرون إلاّ أنهم فقدوا صوت عمر، وسمعوا سبحان الله، سبحان الله.
ثم حمل عمر إلى بيته، ثم قال لابن عبّاس: انظر من قتلنى! فخرج ثم دخل، فقال: غلام المغيرة. فقال عمر: الصّناع؟ يعنى النجار، قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد كنت أمرت به معروفا، الحمد لله الذى لم يجعل منّيتى بيد رجل يدّعى الإسلام، ثم قال لابن عبّاس: كنت وأبوك تريدان أن تكثر العلوج بالمدينة، فقال:
إن شئت فعلناها، يعنى قتلناهم، فقال: أبعد ما تكلّموا (١٨٨) بلسانكم، وصلّوا صلاتكم، وحجّوا حجّكم؟
وكأنّ المسلمين لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ.
ثم دعا عمر ابنه عبد الله فقال: يا بنىّ، أوص الخليفة من بعدى بتقوى الله ، والأخذ بكتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه ﷺ ، وبالمهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْاالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْااناً، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ»﴾ (١)، وأن يعرف لهم منزلتهم وكرامتهم وسابقتهم، وأوصه بالأنصار ﴿الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ»﴾ إلى قوله ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»﴾ (٢)، وأوصه بالأعراب خيرا، فإنّهم شجرة العرب، ومادة الإسلام، أن يأخذ من أموالهم
стр. 1250
صدقاتهم، يطهّرهم ويزكّيهم ويردّها على فقرائهم، وأوصه بأهل الأمصار خيرا، فإنّهم جباة الأموال، وردّ الإسلام، وأن لا يأخذ منهم إلاّ طاقتهم، ويقاتل من وراءهم، وأوصه بأهل ذمّة الله وذمّة رسوله خيرا، أن يفى لهم بعهدهم، إنّ هذا عهدى وأمرى إلى من وليّنه أمر الأمّة، وإنّى آمر أمراء الأمصار أن يفقّهوا من يليهم من المسلمين فى كتاب الله .
فقال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين، أبشر بثلاث خصال أكرمك الله بهنّ، فقال: وما هنّ يا ابن عبّاس؟ قال: خلافتك كانت نصرا، ولقد ملأت الأرض عدلا، وإذا استرحمت رحمت، فقال: أتشهد لى بها يا ابن عبّاس؟ قال:
نعم. ثم دخل علىّ ﵇ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بكرامة الله، فقد كان إسلامك فتحا، وخلافتك نصرا، ولقد ملأت الأرض عدلا، وما اختلف فى ولايتك رجلان، فأعجبته هذه الكلمة، فقال: أتشهد لى بها عند ربّى؟ (١٨٩) قال: نعم.
وروى أنّ ابن عبّاس قال له: أبشر يا أمير المؤمنين، أسلمت إذ كفروا، وجاهدت مع رسول الله إذ خذلوا، وتوفّى رسول الله ﷺ وهو عنك راض، فقال عمر: المغرور والله من غررتموه، لو أنّ لى ما طلعت عليه الشمس لا فتديت به من هول المطلع، اذهب إلى عائشة فقل لها: إنّ عمر يقرئك السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنّى لست للمؤمنين اليوم بأمير، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فإن أذنت وإلاّ فادمنّى فى مقابر المسلمين، فأتاها فوجدها عند الباب تبكى، فأبلغها مقالة عمر، فقالت: رحم الله عمر، لقد كان مرتفعا فى حياته وعند موته، نعم، قد كنت ادّخرته لنفسى، فأنا أوثره على نفسى.
стр. 1251
ثم جاء عبد الله فقال: قد أذنت لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: الحمد لله، ما كان شئ أهمّ إلىّ من ذلك المضجع، يا عبد الله، إذا أنا مت فاحملنى على سريرى، ثم قف على الباب فقل يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت فأدخلنى، وإن بدا لها فادفنّى فى مقابر المسلمين.
ثم دعا عمر طبيبا من العرب فسقاه نبيذا، فشبّه النبيذ بالدم لما خرج من الطعنة، فدعى له آخر من الأنصار، فسقاه لبنا فخرج من الطعنة أبيض، فقال الطبيب:
يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنّك ميّت، فقال عمر: صدقنى أخو بنى معاوية، ولو قلت غير ذلك لكذّبتك.
ولم يزل عمر منذ حمل إلى بيته فى غشية واحدة بعد واحدة من نزف الدم، أسفر، ثم أفاق، فقال: يا ابن عبّاس أصلّى الناس؟ قلت: نعم، قال: لا حظّ فى الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم دعا بوضوء فتوضّأ وصلّى. ثم سمع هدّة بالباب، فقال: ما شأن الناس؟ قال ابن عبّاس: الناس يريدون الدخول عليك (١٩٠)، قال: ائذن لهم، فدخلوا فقالوا: استخلف علينا عثمان! فقال عمر: فكيف بحبّه المال والجاه؟ فخرجوا، ثم سمع هدّة فقال: ما شأن الناس؟ قال: إنّهم يريدون الدخول عليك، فأذن لهم، فدخلوا، فقالوا: استخلف علينا علىّ بن أبى طالب! فقال: إذا يحملكم على طريقة من الحقّ، فقال عبد الله بن عمر: فأكببت عليه ثم قلت: ما يمنعك منه؟ قال: أى بنىّ لا أتحمّلها حيّا وميّتا، وإن أستخلف فسنّة، وإن لم أستخلف فسنّة، توفّى رسول الله ﷺ ولم يستخلف، وتوفّى أبو بكر واستخلف، فقال عبد الله: فعلمت أنّه والله لن يعدل بسنّة رسول الله ﷺ .
ثم قال عمر: ولا أعلم أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء الستّة الذين توفّى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
стр. 1252
وروى أنه قال: إن أولّ عثمان أولّ رجلا صالحا فى نفسه، وأخف إيثاره قراباته بأن يغلبوه على رأيه، والله لو فعلت ليفعلنّ، وو الله لئن فعل ليفعلنّ، وإن أولّ عليّا أولّ شجاعا تقيّا، على دعابة فيه، وخليق أن يحملهم على طريقة صالحة، وإن أولّ الزبير أوّل لقسا شرسا شكسا، وإن أولّ طلحة أولّ ذا إباء وكبر، وإن أولّ عبد الرحمن أولّ رجلا ليّن الجانب، سلس القياد، وليس يصلح لهذا الأمر إلاّ شدّة فى غير عنف، ولين فى غير ضعف، وجود فى غير سرف، وإمساك فى غير بخل، ولكن أدعها شورى بين هؤلاء الستّة فيختار المسلمون لأنفسهم من شاءوا، ويدخل عبد الله بن عمر معهم، وليس له من الأمر شئ وإن استخلف سعدا فذاك، وإلاّ فأيّكم أستخلف فليستعن به، فإنّى لم أعزله عن عجز ولا خيانة، فقال سعيد بن زيد: لو عيّنت رجلا (١٩١) ائتمنك الناس، قال: قد رأيت فى أصحابى حرصا سيئا، فقال المغيرة: فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله، ما أردت الله بهذا؟ كيف أستخاف رجلا لم يحسن أن يطلّق امرأته.
وتطاول عمرو بن العاص لأن يكون فى أهل الشورى، فقال له عمر: اطمئنّ كما وضعك الله، والله لا أجعل فيها من حمل على رسول الله ﷺ سلاحا.
ولمّا حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: ضع خدّى على الأرض! ثم قال:
ويل لعمر إن لم يغفر الله له، ثم قال: يا بنىّ، ضع ركبتيك بين كتفىّ، وضع راحتك اليمنى على جبهتى، وراحتك اليسرى تحت ذقنى، وغمّض بصرى، وأحسن غسلى، وكفّنّى فى وتر من الثياب، ولا تغلوا فى كفنى، فإن يك ربّي راضيا عنّى فلن يرضى بثيابكم هذه حتى يكسونى من ثياب الجنّة، وإن يك ساخطا
стр. 1253
فسيسلبنى سلبا سريعا ويلبسنى شرّ ثياب، وإذا حفرتم فاحفروا قدر مضجعى، فإن يك ربّى راضيا عنّى فسيوسّعه على مدّ بصرى، وإن يك ساخطا علىّ فسيضيّقه حتى تختلف أضلاعى، وإذا حملتمونى إلى حفرتى فأسرعوا بى المشى، فإنّما هو خير تقدمونى عليه، أو شرّ تضعونه عن رقابكم، ولا تمشينّ فى جنازتى امرأة، ولا تقم علىّ نائحة، ولا تزكّونى فربّى أعلم بى.
فلمّا مات لم تصب المسلمين بعد نبيّهم مثلها.
قال ابن عبّاس: لمّا وضع عمر على سريره، وقفت أنا وعبد الرحمن بن عوف فإذا رجل من خلفنا وقد وضع يده على منكبى، فالتفتّ فإذا علىّ، ففرّجت له بينى وبين عبد الرحمن، فقال: رحمك الله يا عمر، إنّى لأرجو أن يكون الله قد ألحقك بصاحبيك، فطالما سمعت رسول الله ﷺ (١٩٢) يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر.
ولما دفن عمر ﵀ ورضى عنه جاء عبد الله بن سلام وقد فاتته الصلاة عليه، فوقف على قبره، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فو الله لئن فاتتنى الصلاة عليك لما فاتنى حسن الثناء عليك، أما والله لقد علمت يقينا أنّك كنت سخيّا بالحقّ، بخيلا بالباطل، ترضى حين الرضى، وتسخط حين السخط، ليّنا حين ينفع اللين، شديدا حين تنفع الشدّة، ما كنت عيّابا ولا مزّاحا، كنت والله عفيف الطرف.
ولمّا بلغ ابن مسعود موت عمر، وكان بمسجد الكوفة، طرح رداءه وقام يبكى، وقال: إذا ذكر الصالحون فحيّهلا بعمر، لقد كان إذا نحر الجزور أطعم ابن السبيل كبدها وسنامها، ويكون العنق لآل عمر، ولقد كان عمر حصنا
стр. 1254
للإسلام وأهله، يدخل فيه الإسلام، ولا يخرج منه، فانثلم الحائط، فالإسلام اليوم يخرج منه ولا يدخل فيه.
دخل علىّ ﵇ على عمر وهو مسجّى، فقال: ما أحد من الناس أحبّ أن ألقى الله بمثل هذا المسجّى.
وقالت عاتكة بنت زيد (١) ترثيه:
فجعنى فيروز (٢) ... لا درّ درّه
بأبيض تال للقران منيب
عطوف على الأدنى غليظ على العدى ... أخى ثقة فى النائبات نجيب
فتى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
وروى أنه لما احتضر قال لولده: يا بنىّ احسب ما علىّ من الدين، فحسبه فوجده ستّة وثمانين ألف درهم، فقال: إن وفى بها مال وإلاّ فأوفها عنّى، وإن لم يف بها فأدّها بمنى من مال آل عمر (١٩٣) وإن لم تف بها أموالهم فسل فيها فى بنى عدىّ، فإن لم تف بها أموالهم فسل فيها قريشا ولا تعدهم إلى غيرهم.
ولمّا مات صلّى عليه صهيب، ودفن مع صاحبيه، رضوان الله عليه.
واجتمع أهل الشورى يتشاورون، فمكثوا يوما أو يومين سكوتا لا يبدون حرفا، كما يأتى ذكر ذلك عند خلافة عثمان رضى الله عنه.
стр. 1255
ذكر أولاد عمر بن الخطاب
رضى الله عنه
وهم: عبد الله بن عمر رضى الله عنه، يكنّى أبا عبد الرحمن، وكان بارع الفضل، مبرّزا فى الزهد، عرض عليه علىّ ﵇ ولاية الشام فأبى، وعرضت عليه الخلافة فأباها، ويقال إنّه أسلم قبل أبيه، وقيل أسلم أبوه قبله، ولم يشهد بدرا لأنّه كان صغيرا، وهو أوّل من بايع تحت الشجرة، وقيل إنّ أوّل من بايع أبو سنان الأسدىّ، ولم يقاتل فى الفتنة، وندم عند موته، وقال: لا آسى على شئ من أمر الدنيا إلاّ أنّى لم أقاتل مع علىّ الفئة الباغية.
ولمّا مات عثمان دخل على عبد الله بن عمر مروان (١) فى جماعة، فقالوا:
نبايع لك بالخلافة، فأبى وقال: كيف لى بالناس؟ فقالوا: تقاتلهم.
[فقال: والله لو اجتمع علىّ أهل الأرض-إلاّ أهل فدك-ما قاتلتهم] (٢)، فخرج مروان وهو يقول:
والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا.
رأت حفصة أخته له رؤيا، فقصّتها على النبى ﷺ ، فقال: «نعم الرجل أخوك، لو كان يكثر الصلاة من الليل»، فكان بعد ذلك أكثر الناس صلاة.
استفتاه رجل من أهل العراق فى محرم قتل جرادة، وآخر فى محرم قتل نملة، وآخر فى محرم قتل قملة، فقال: وا عجبا لأهل العراق، يقتلون ابن بنت نبيّهم ويستفتون فى هذا!
стр. 1256
وعاش عبد الله بن عمر إلى زمن الحجّاج بن يوسف، ويقال إنّه دسّ له رجلا، فسمّ زجّ رمحه، وجعله فى طريقه، فأصاب ظهر (١٩٤) قدمه، فدخل عليه الحجّاج يعوده، فقال: من أصابك؟ قال: أنت أصبتنى، قال: لا تقل هذا رحمك الله، قال: حملت السلاح فى بلد لم يحمل فيه قبلك.
والحجّاج هو الذى صلّى على عبد الله بن عمر يوم مات، وقيل إنّ الحجّاج أخّر الصلاة يوما، فقال له ابن عمر: إنّ الشمس لا تنتظرك، فقال له الحجّاج:
لقد هممت أن أضرب الذى فيه عيناك، فقال ابن عمر: إن تفعل فإنّك مسلّط سيفه، فعزّ ذلك على الحجّاج، فدسّ له حتى أصابه، وكان يتقدّم الحجّاج فى المناسك.
وروى أنّه أسلم يوم أسلم أبوه وكان صغيرا، وشهد الخندق وما بعده، ومات سنة أربع وسبعين بمكّة، وله أربع وثمانون سنة، ومات بعد عبد الله ابن الزبير بشهرين أو ثلاثة.
وكان عبد الله يضرب ولده على اللحن ولا يضربهم على الغلط فى القرآن.
وممّا يتعلّق بذكر عبد الله بن عمر أنّ أمّ ولد لمروان كتبت إلى وكيلها بالمدينة أن اشتر لى غلاما كاتبا قارئا، عالما بالسنة، فصيح اللسان، عفيفا، فكتب إليها: قرأت كتابك، وطلبت لك غلاما على ما وصفت، فلم أجد إلاّ عبد الله ابن عمر بن الخطّاب، وقد رأى أهله ألا يبيعوه.
стр. 1257
ومن كلامه رضى الله عنه
لا يصيب الرجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء وهو محقّ، والكذب وهو مازح.
وكان يقول: تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فربّ رحم قطعت بجهل صاحبها بها.
وقال ابن عمر لرجل يمازحه: إنّك تحبّ الفتنة، فوجم الرجل واغتمّ، فقال ابن عمر: ألست تحبّ المال والولد؟ قال الله تعالى: ﴿أَنَّما أَمْاالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ»﴾ (١).
مرّ ابن عمر بغلام يرعى غنما، فقال له: بعنى شاة، فقال: إنّى عبد مسترعى، فقال ابن عمر: فأين العلل؟ (١٩٥) يريد أن يعتلّ لأهلها بأنّ الذّئب أكلها، أو أنّها ضاعت، فقال له الغلام: فأين الله؟ فاشتراه عبد الله وأعتقه، فقال له الغلام: أسأل الذى رزقنى العتق الأصغر أن يعتقك العتق الأكبر.
صلّى أشعب صلاة خفيفة فعابه عبد الله بن عمر، فقال أشعب: إنّها صلاة لم يخالطها رياء.
كان ابن عمر لا يتخلّف عن السرايا فى حياة رسول الله ﷺ ، ولا عن الحجّ فى أيّام الفتنة، قال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عبّاس.
ولعبد الله بن عمر أولاد؛ منهم سالم بن عبد الله بن عمر، يكنى أبا عمرو، وكان فقيها عابدا، مات بالمدينة، وصلّى عليه هشام بن عبد الملك، سنة ستّ ومائة، وقال هشام: ما أدرى أى الأمرين أسرّ به: أبتمام حجّى، أم بصلاتى على سالم.
стр. 1258
ومن أولاد عمر رضى الله عنه
عبيد الله بن عمر، كان شديد البطش، وله أخبار بصفّين فى قتاله عليّا مع معاوية، ولمّا بويع لعلىّ بالخلافة هرب منه، وخاف أن يقيّده بالهرمزان، وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وكان مع معاوية، وكان معه سيف عمر رضى الله عنه، وهو ذو الوشاح، وسيأتى مصافاته عند ذكر حرب صفّين.
ولمّا استمرّ القتل بصفّين، قال معاوية: من لربيعة؟ وكانوا يقاتلون مع علىّ قتالا شديدا أنكوا فيه (١)، فقال له عبيد الله بن عمر: أنا لهم إن أعطيتنى ما أسلك فيه، قال: سل! قال: الغمامة تصرفها معى، وهى كتيبة معاوية، وكان يقال لها الغمامة والخضراء والشهباء، فصرفها معاوية معه، فمال عبيد الله إلى فسطاطه ومعه بحريّة بنت هانئ بن قبيصة الشيبانى، فظاهر بين درعين.
فقالت له زوجته: ما هذا؟ (١٩٦) قال: عبّأنى معاوية لقومك فى الغمامة، فما ظنّك؟ قالت: ظنّى أنّهم سيد عوننى أيّما منك، فقتل ذلك اليوم.
فلمّا كان العشىّ وتراجع الناس، أقبلت بحريّة على بغلتها، وعليها خميصة سوداء، ومعها غلمة لها، حتى انتهت إلى ربيعة، فسلّمت، ثم قالت: يا معشر ربيعة، لا يخز الله هذه الوجوه، قالوا: من أنت؟ قالت: أنا بحريّة بنت هانئ، قالوا: مرحبا وأهلا وسهلا بسيّدة نسائنا، وابنة سيّدنا، ما حاجتك؟ قالت:
جثّة عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، قالوا: أذنّا لك فيها، وأشاروا إلى الناحية
стр. 1259
التى صرع فيها، وكانت الريح هاجت عليهم، فقلعت أوتاد أبنيتهم، وإذا برجل من بنى حنيفة قد أوثق طنبا من أطناب خبائه برجل عبيد الله بن عمر وهو مسلوب، فلمّا رأته رمت خميصتها عليه، وأمرت غلمانها فحفروا له، ثم وارته.
وكان الذى قتله سلبه سيفه، فلمّا تولّى الأمر معاوية أخذ السيف من قاتله، فردّه على آل عمر.
وأمّا زيد أخو عمر رضى الله عنهما كان أسنّ من عمر، وأسلم قبل عمر، وشهد بدرا وأحد والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ .
وكان زيد صاحب الراية يوم اليمامة، وانكشف المسلمون، فجعل زيد يقول:
اللهم إنّى أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء وأعتذر إليك من فرار أصحابى، ثم تقدّم بالراية فضارب بسيفه، حتى قتل ﵀، ورقعت الراية فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، فقال له المسلمون: يا سالم، إنّا نخاف أن نؤتى من قتلك، فقال:
بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلى.
وقال عمر رضى الله عنه لمّا استشهد زيد ﵀: سبقنى إلى أخى الحسنيين، أسلم قبلى واستشهد قبلى.
وكان (١٩٧) الذى قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفى، فلمّا جاء إلى عمر، قال له: أقتلت أخى زيدا؟ فقال: أكرمه بيدى ولم يهنّى بيده.
ولمّا شهد زيد بدرا مع عمر كان بينهما درع، فقال كلّ واحد لصاحبه:
والله ما يلبسها غيرك، وكان ممّن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد.
وكان عمر يقول: ما هبّت صبا قطّ إلاّ ذكرت أخى زيدا (١)، وأقسم عمر
стр. 1260
يوم أحد على زيد أن يلبس درعه، فلبسها زبد لقسمه، ثم نزعها، فسأله عمر، فقال زيد: أريد لنفسى ما تريد من الشهادة لنفسك.
وذكر ابن قتيبة فى المعارف قال: مات زيد بن عمر بن الخطّاب وأمّه أمّ كلثوم فى ساعة واحدة، فلم يرث أحد منهما صاحبه، وصلّى عليهما عبد الله ابن عمر، فقدّم زيدا وأخّر أمّ كلثوم، فجرت السنة بتقديم الرجال (١).
صفته رضى الله عنه
كان طويلا، شديد الأدمة، أعسر يسرا (٢)، أصلع، كثّ اللحية، ضخما يخضب بالحنّآء والكتم، وفى تأريخ أبى يعقوب أنّه كان كوسجا.
كتّابه رضى الله عنه
كتب له عثمان بن عفّان رضى الله عنه، وزيد بن ثابت الأنصارى، وربيعة ابن مخزم، والله أعلم.
حاجبه رضى الله عنه
[يرفأ] (٣) مولاه.
نقش خاتمه رضى الله عنه
كفى بالموت واعظا، ويقال: آمنت بالذى خلقنى، وقال ابن عبّاس: الله المعين لمن صبر.
стр. 1261
(١٩٨) ذكر سنة أربع وعشرين
النيل المبارك فى هذه السّنة:
الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستّة أصابع.
ذكر خلافة الإمام ذى النورين
عثمان رضى الله عنه ونسبه وبعض سيرته
أمّا نسبه رضى الله عنه فهو: أبو عمرو، وأبو عبد الله، وأبو ليلى، عثمان ابن عفّان بن أبى العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، يلقى النبى ﷺ فى عبد مناف.
أمّه رضى الله عنه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطّلب، يلقى رسول الله ﷺ هو والزبير ابن العوّام بأمّيهما فى عبد المطّلب؛ لأنّ أمّ الزبير صفيّة بنت عبد المطلب، وهما عمّتا رسول الله ﷺ .
وكانت أمّ حكيم البيضاء ترقّص عثمان فى صغره، وتقول:
ظنّى به صدق وبر ... فأمره فيأتمر
من فئة بيض صبر ... يحمون عورات الدّبر
قال عثمان رضى الله عنه: قدمت من الشام، فلمّا كنت بموضع كذا إذا أنا بمناد ينادى: أيّها النوام هبّوا، إنّ أحمد قد خرج بمكّة، فلم يتمالك دون أن قدم حتى أتى النبى ﷺ ، فأسلم. ولما أسلم أخذه الحكم بن العاص بن أميّة عمّه
стр. 1262
فأوثقه رباطا، وقال: أترغب عن ملّة آبائك إلى دين محمّد، والله لا أحلّك حتى تدع ما أنت عليه، قال: والله لا أدعه أبدا، فلمّا رأى صلابته فى دينه تركه.
وحلفت أمّه أروى ألاّ تأكل له طعاما، ولا تلبس له ثوبا، ولا تشرب له شرابا حتى يدع دين محمّد، وتحوّلت إلى بنت أختها فأقامت حولا، فلمّا يئست منه عادت إلى منزلها.
وهاجر عثمان رضى الله عنه (١٩٩) الهجرتين إلى أرض الحبشة، فرارا من قريش، وكانت معه فى الهجرة الثانية زوجته رقيّة بنت النبى ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : «إنهما لأول من هاجر إلى الله سبحانه بعد إبراهيم ولوط» (١) يريد قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»﴾ (٢).
وكان عثمان رضى الله عنه تاجرا فى الجاهليّة والإسلام، يدفع ماله قراضا، ولم يشهد عثمان بدرا بسبب مرض رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وقد تقدّم ذكر ذلك (٣)، وتخلّف عثمان عن بيعة الرضوان، وكانت من أجله، وذلك أنّ رسول الله ﷺ وجّهه إلى مكّة فى أمر لا يقوم فيه غيره مقامه من صلح قريش، فأتاه ﷺ خبر كاذب بأنّ عثمان قتل، فجمع ﵇ أصحابه، وبايعهم على قتال أهل مكّة، وبايع عن عثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال:
«هذه لعثمان»، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من يد عثمان لنفسه.
стр. 1263
قال رسول الله ﷺ : «سألت ربّى ألاّ يدخل النار أحدا صاهرته أو صاهر إلىّ».
نظر رسول الله ﷺ إلى عثمان فقال: «هذا المؤمن التّقى الشهيد شبيه إبراهيم ﵇».
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة.
وكان علىّ كرّم الله وجهه يقول: كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا واتقّوا وأحسنوا، والله يحبّ المحسنين.
وكان عثمان رضى الله عنه يتختّم فى يساره، ويشدّ أسنانه بالذهب، وكان به سلس البول، وكان يتوضّأ لكلّ صلاة، وكان بالليل يلى وضوءه بنفسه.
وقال ﷺ : «أصدق أمّتى حياء عثمان» وقال ﷺ : (٢٠٠) «أرحمكم أبو بكر، وأشدّكم فى الدين عمر، وأقرؤكم أبىّ، وأصدقكم حياء عثمان، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علىّ، وأفرضكم زيد، ألا وإنّ لكلّ أمة أمينا، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح».
تمارى عثمان والزبير فى شئ، فقال الزبير: يا ابن صفيّة، فقال عثمان: هى أدنتك من الظلّ، ولولاها كنت ضاحيا.
واشترى عثمان بئر دومة، وكانت ركيّة (١) ليهودىّ، فاشترى نصفها باثنى عشر ألفا فجعلها للمسلمين، فاشتكى اليهودىّ، فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبك قربتين، وعلى نصيبك قربتين، وإن شئت فلى يوم ولك يوم، فقال اليهودى: لى يوم ولك يوم، فإذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم
стр. 1264
ليومين، فلمّا رأى اليهودىّ قال: أفسدت علىّ ركيّتى، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف وجعلها للمسلمين.
وقال النبى ﷺ : «من يزيد فى المسجد؟» فاشترى عثمان موضع خمس سوار، فزاده فى المسجد، وجهّز جيش العسرة فى غزاة تبوك.
وروى أنّ عثمان رضى الله عنه حمل فى جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا، وأنفق فى جيش العسرة ألف دينار، فقال النبى ﷺ : «اللهمّ لا تنس هذا اليوم لعثمان، اللهمّ إنّى راض عن عثمان فارض عنه»، وكانت هذه الغزاة -وهى غزوة تبوك-فى رجب سنة تسع للجرة.
ذكر نبذ مما جرى فى هذه الغزاة
كان ﵇ قلمّا يخرج فى غزوة إلاّ كنى عنها، وأخبر أنّه يريد غيرها، إلاّ فى هذه الغزوة-وهى غزوة تبوك-فإنّه بيّنها لبعد المسافة، وشدّة الزّمان، وكثرة الروم، وأخبرهم أنّه يريد الروم (٢٠١) ليتأهّب الناس، وحضّ أهل الغنى واليسار على النفقة، فلم ينفق أحد من المسلمين ما أنفق عثمان رضى الله عنه، واعتذر إليه ناس من الأعراب، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ»﴾ الآية (١) ولم يعذرهم الله، وتخلّف رجال من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق، وعسكر رسول الله ﷺ على ثنيّة الوداع، وعسكر عبد الله بن أبىّ عسكره، أسفل منه، وكان عسكره ليس بأقلّ العسكرين، ثم تخلّف عنه عبد الله ابن أبىّ فيمن تخلّف من المنافقين.
стр. 1265
وخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب كرّم الله وجهه على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فقال المنافقون: ما خلّفه إلاّ استثقالا له، وفى هذه الغزاة قال رسول الله ﷺ : «ألا ترضى يا علىّ أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبىّ بعدى»، وذلك أنّ عليّا ﵇ لمّا بلغه أنّ المنافقين قالوا فى شأنه أنّ ما خلّفه رسول الله ﷺ فى المدينة إلاّ استثقالا له، أخذ سلاحه ثم خرج إليه وهو نازل بالجرف (١)، فقال: يا نبىّ الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتنى استثقالا لى، فقال: «كذبوا، ولكنّى خلفتك لما تركت ورائى، فاخلفنى فى أهلى وأهلك»، ثم قال له ما قال.
وتخلّف عن رسول الله ﷺ ناس، فيقول أصحابه: يا رسول الله تخلّف فلان، فيقول ﵇: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.
وتأخّر أبو ذرّ على بعير له، فلمّا أبطأ به أخذ متاعه فحعله على ظهره، ولحق برسول الله ﷺ ماشيا، فنظر رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشى على الطريق، فقال النبى ﷺ : «كن أبا ذرّ»، فلمّا تأمله القوم قالوا:
هو والله أبو ذرّ، فقال ﵇: «رحم الله أبا ذرّ، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».
وفى هذه الغزاة تخلّف ثلاثة من المسلمين، ولم يكونوا أهل نفاق، وهم:
كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أميّة، قال كعب بن مالك:
следующие страницы →