← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

(١٩٨) ذكر سنة أربع وعشرين النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستّة أصابع. ذكر خلافة الإمام ذى النورين عثمان رضى الله عنه ونسبه وبعض سيرته أمّا نسبه رضى الله عنه فهو: أبو عمرو، وأبو عبد الله، وأبو ليلى، عثمان ابن عفّان بن أبى العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، يلقى النبى ﷺ فى عبد مناف. أمّه رضى الله عنه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطّلب، يلقى رسول الله ﷺ هو والزبير ابن العوّام بأمّيهما فى عبد المطّلب؛ لأنّ أمّ الزبير صفيّة بنت عبد المطلب، وهما عمّتا رسول الله ﷺ . وكانت أمّ حكيم البيضاء ترقّص عثمان فى صغره، وتقول: ظنّى به صدق وبر ... فأمره فيأتمر من فئة بيض صبر ... يحمون عورات الدّبر قال عثمان رضى الله عنه: قدمت من الشام، فلمّا كنت بموضع كذا إذا أنا بمناد ينادى: أيّها النوام هبّوا، إنّ أحمد قد خرج بمكّة، فلم يتمالك دون أن قدم حتى أتى النبى ﷺ ، فأسلم. ولما أسلم أخذه الحكم بن العاص بن أميّة عمّه

стр. 1262

فأوثقه رباطا، وقال: أترغب عن ملّة آبائك إلى دين محمّد، والله لا أحلّك حتى تدع ما أنت عليه، قال: والله لا أدعه أبدا، فلمّا رأى صلابته فى دينه تركه. وحلفت أمّه أروى ألاّ تأكل له طعاما، ولا تلبس له ثوبا، ولا تشرب له شرابا حتى يدع دين محمّد، وتحوّلت إلى بنت أختها فأقامت حولا، فلمّا يئست منه عادت إلى منزلها. وهاجر عثمان رضى الله عنه (١٩٩) الهجرتين إلى أرض الحبشة، فرارا من قريش، وكانت معه فى الهجرة الثانية زوجته رقيّة بنت النبى ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : «إنهما لأول من هاجر إلى الله سبحانه بعد إبراهيم ولوط» (١) يريد قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»﴾ (٢). وكان عثمان رضى الله عنه تاجرا فى الجاهليّة والإسلام، يدفع ماله قراضا، ولم يشهد عثمان بدرا بسبب مرض رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وقد تقدّم ذكر ذلك (٣)، وتخلّف عثمان عن بيعة الرضوان، وكانت من أجله، وذلك أنّ رسول الله ﷺ وجّهه إلى مكّة فى أمر لا يقوم فيه غيره مقامه من صلح قريش، فأتاه ﷺ خبر كاذب بأنّ عثمان قتل، فجمع ﵇ أصحابه، وبايعهم على قتال أهل مكّة، وبايع عن عثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: «هذه لعثمان»، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من يد عثمان لنفسه.

стр. 1263

قال رسول الله ﷺ : «سألت ربّى ألاّ يدخل النار أحدا صاهرته أو صاهر إلىّ». نظر رسول الله ﷺ إلى عثمان فقال: «هذا المؤمن التّقى الشهيد شبيه إبراهيم ﵇». وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة. وكان علىّ كرّم الله وجهه يقول: كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا واتقّوا وأحسنوا، والله يحبّ المحسنين. وكان عثمان رضى الله عنه يتختّم فى يساره، ويشدّ أسنانه بالذهب، وكان به سلس البول، وكان يتوضّأ لكلّ صلاة، وكان بالليل يلى وضوءه بنفسه. وقال ﷺ : «أصدق أمّتى حياء عثمان» وقال ﷺ : (٢٠٠) «أرحمكم أبو بكر، وأشدّكم فى الدين عمر، وأقرؤكم أبىّ، وأصدقكم حياء عثمان، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علىّ، وأفرضكم زيد، ألا وإنّ لكلّ أمة أمينا، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح». تمارى عثمان والزبير فى شئ، فقال الزبير: يا ابن صفيّة، فقال عثمان: هى أدنتك من الظلّ، ولولاها كنت ضاحيا. واشترى عثمان بئر دومة، وكانت ركيّة (١) ليهودىّ، فاشترى نصفها باثنى عشر ألفا فجعلها للمسلمين، فاشتكى اليهودىّ، فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبك قربتين، وعلى نصيبك قربتين، وإن شئت فلى يوم ولك يوم، فقال اليهودى: لى يوم ولك يوم، فإذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم

стр. 1264

ليومين، فلمّا رأى اليهودىّ قال: أفسدت علىّ ركيّتى، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف وجعلها للمسلمين. وقال النبى ﷺ : «من يزيد فى المسجد؟» فاشترى عثمان موضع خمس سوار، فزاده فى المسجد، وجهّز جيش العسرة فى غزاة تبوك. وروى أنّ عثمان رضى الله عنه حمل فى جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا، وأنفق فى جيش العسرة ألف دينار، فقال النبى ﷺ : «اللهمّ لا تنس هذا اليوم لعثمان، اللهمّ إنّى راض عن عثمان فارض عنه»، وكانت هذه الغزاة -وهى غزوة تبوك-فى رجب سنة تسع للجرة. ذكر نبذ مما جرى فى هذه الغزاة كان ﵇ قلمّا يخرج فى غزوة إلاّ كنى عنها، وأخبر أنّه يريد غيرها، إلاّ فى هذه الغزوة-وهى غزوة تبوك-فإنّه بيّنها لبعد المسافة، وشدّة الزّمان، وكثرة الروم، وأخبرهم أنّه يريد الروم (٢٠١) ليتأهّب الناس، وحضّ أهل الغنى واليسار على النفقة، فلم ينفق أحد من المسلمين ما أنفق عثمان رضى الله عنه، واعتذر إليه ناس من الأعراب، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ»﴾ الآية (١) ولم يعذرهم الله، وتخلّف رجال من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق، وعسكر رسول الله ﷺ على ثنيّة الوداع، وعسكر عبد الله بن أبىّ عسكره، أسفل منه، وكان عسكره ليس بأقلّ العسكرين، ثم تخلّف عنه عبد الله ابن أبىّ فيمن تخلّف من المنافقين.

стр. 1265

وخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب كرّم الله وجهه على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فقال المنافقون: ما خلّفه إلاّ استثقالا له، وفى هذه الغزاة قال رسول الله ﷺ : «ألا ترضى يا علىّ أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبىّ بعدى»، وذلك أنّ عليّا ﵇ لمّا بلغه أنّ المنافقين قالوا فى شأنه أنّ ما خلّفه رسول الله ﷺ فى المدينة إلاّ استثقالا له، أخذ سلاحه ثم خرج إليه وهو نازل بالجرف (١)، فقال: يا نبىّ الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتنى استثقالا لى، فقال: «كذبوا، ولكنّى خلفتك لما تركت ورائى، فاخلفنى فى أهلى وأهلك»، ثم قال له ما قال. وتخلّف عن رسول الله ﷺ ناس، فيقول أصحابه: يا رسول الله تخلّف فلان، فيقول ﵇: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه. وتأخّر أبو ذرّ على بعير له، فلمّا أبطأ به أخذ متاعه فحعله على ظهره، ولحق برسول الله ﷺ ماشيا، فنظر رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشى على الطريق، فقال النبى ﷺ : «كن أبا ذرّ»، فلمّا تأمله القوم قالوا: هو والله أبو ذرّ، فقال ﵇: «رحم الله أبا ذرّ، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده». وفى هذه الغزاة تخلّف ثلاثة من المسلمين، ولم يكونوا أهل نفاق، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أميّة، قال كعب بن مالك:

стр. 1266

لما تجهّز المسلمون جعلت أغدو وأروح ولا أتجهّز معهم وأقول: أنا قادر على الجهاد أىّ وقت شئت، ولمّا سار المسلمون غدوت لأتجهّز، وألحق برسول الله ﷺ . قال: فلم يزل ذلك دأبى حتى فرط الغزو، وكنت إذا مشيت فى النّاس بعد خروج رسول الله ﷺ لا أرى إلاّ رجلا مغموصا عليه فى النّفاق، أو معذورا بضعف أو زمانة، قال كعب: فلمّا بلغ رسول الله ﷺ تبوك قال: «ما فعل كعب؟» فقال رجل: حبسه برداه، والنظر فى عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلاّ خيرا، فسكت النبى ﷺ قال: فلمّا قفل ﵇ حضرنى شئ، فبقيت أتذكّر الكذب، وأقول ماذا يخرجنى من سخط رسول الله ﷺ إذا قدم، فلمّا أطلّ قادما راح عنّى الباطل، وعرفت أنّه لا ينجينى إلاّ الصدق، فلمّا دخل المسجد، وصلّى ركعتين جلس للناس، وجاء المخلّفون يعتذرون إليه، فقبل عذرهم وعلانيتهم وأيمانهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، واستغفر لهم. قال كعب: فجئت فسلّمت عليه، فتبسّم تبسّم المغضب، ثم قال: «ما خلّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟» فقلت: يا رسول الله، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنّى سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكنّى إن حدّثتك كذبا لترضينّ عنّى، وليوشكنّ الله أن يسخطك علىّ، ولئن حدّثتك الصدق لتجدنّ (١) علىّ، وإنّى [لأرجونّ [(٢) الله وعقباى منه

стр. 1267

(٢٠٣) رضاك علىّ، لا والله، ما لى من عذر، وما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّى حين تخلّفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : «أمّا هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يحكم الله فيك»، فقمت، وسار معى رجال من قومى، فقالوا لى: لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إليه بما اعتذر المخلّفون، قال: فأردت أن أرجع فأكذّب نفسى، ثم قيل لى: إنّه قد قال رجلان من خيار المسلمين مثل مقالتك، وهما مرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، فتأسّيت بهما لصلاحهما، ثم نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيّها الثلاثة دون غيرنا، فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، فأقمنا خمسين ليلة. قال كعب: فكنت أصلّى الصلوات مع المسلمين، وأطوف الأسواق، ولا يكلّمنى أحد، وأسلّم على رسول الله ﷺ ، فأقول فى نفسى: هل حرّك شفتيه بردّ السلام أم لا؟ وأسارقه النظر، فينظر إلىّ إذا صلّيت، وإذا نظرت إليه أعرض عنّى، قال: فلمّا طال ذلك علىّ من جفوة المسلمين، كنت أغدو إلى السوق، فبينا أنا أمشى بالسوق إذا نبطىّ يسأل عنّى من نبط الشام، ممّن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب، فأشاروا إلىّ، فأتانى، فأعطانى كتابا من ملك غسّان، وكتبه فى سرقة حرير، يقول فيه: إنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت: هذا والله أشدّ طمع فىّ رجل مشرك، فعمدت إلى تنّور فسجرته. فلمّا مضت علىّ أربعون ليلة، أتانى أمر رسول الله ﷺ أن أعتزل امرأتى، قال: فقلت: أطلّقها، قال: لا، بل لا يقربها، وأرسل إلى صاحبىّ بمثل ذلك، فقلت لا مرأتى: الحقى بأهلك، واستأذنت امرأة (٢٠٤) هلال رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 1268

فى هلال، وقالت: إنّه شيخ كبير ضائع، لا خادم له، أفأخدمه؟ فأذن لها، قال: فقيل لى: لو استأذنت أيضا فى امرأتك، فقلت: إنّ هلالا شيخ كبير، وأنا شابّ، فلمّا مضت خمسون ليلة صلّيت الصبح على ظهر بيت من بيوتنا، على الحال التى ذكر الله منّا، وهو قوله تعالى: ﴿ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ»﴾ (١) إذ سمعت صوتا يقول: يا كعب، أبشر! قال: فخررت ساجدا، وآذن رسول الله ﷺ النّاس بتوبة الله علينا حين صلّى الفجر، فذهب النّاس يبشروننا، وركض رجل إلى فرسه، وسعى آخر حتى أوفى على الخيل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فنزعت ثوبىّ، وكسوتهما لمن بشّرنى، وو الله لا أملك غيرهما، واستعرت غيرهما، فأتيت رسول الله، وتلقّانى الناس يبشّروننى بالتوبة، قال: فدخلت المسجد، ورسول الله ﷺ جالس، وحوله النّاس، فقام لى طلحة بن عبيد الله، فهنّأنى، فو الله ما قام إلىّ من المهاجرين رجل غيره. قال كعب: فقال لى رسول الله ووجهه يبرق من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك»، قال، فقلت: يا رسول الله، أمن عندك، أم من عند الله؟ فقال: «بل من عند الله»! قال كعب: فلمّا جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إنّ من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، قلت: إنّى ممسك سهمى

стр. 1269

الذى بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إنّ الله نجّانى بالصدق، وإنّ من توبتى ألاّ أحدّث إلاّ صدقا ما حييت. والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله ﷺ أفضل (٢٠٥) ممّا (١) أبلانى، والله ما تعمّدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا، وإنّى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى، وأنزل الله : ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ»﴾ (٢) الآية. ثم قال: «وعلى الثلاثة الذين خلّنوا»، إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ»﴾ (٣). وأنزل الله سبحانه فى الذين كذبوا: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْااهُمْ جَهَنَّمُ، جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ»﴾ (٤). ومن مناقب عثمان رضى الله عنه قال ابن عمر رضى الله عنه: كنّا جلوسا أنا وأبو سعيد الخدرى ورافع بن خديج، فجاءنا غلام لعثمان بن عفّان، فقال: قوموا معى إلى أمير المؤمنين عثمان، فسلوه أن يكاتبنى، ففعلنا، فقال: إنّى شريته بخمسين ومائة، فإذا جاءنى بها

стр. 1270

فهو حرّ، فأحضر المال، فقال له عثمان: أتذكر يوم عركت أذنك؟ قال: بلى يا سيّدى، قال: ألم أنهك أن تقول سيّدى، قم فخذ أذنى، فأبى، فلم يزل به حتى أخذ أذنه فعركها، وهو يقول شدّ، حتى إذا رأى أنّه قد بلغ منه قال: حسبك، أنت حرّ، والمال الذى أتيت به لك، والقصاص فى الدنيا أهون من القصاص فى الآخرة. وكان الحسن يقول، إذا ذكر قتل عثمان: عجبا، لهم أرزاق دارّة، وخير كثير، وذات بين حسن، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا إلاّ يودّ نصره وينصره ويألفه، فلو صبروا على الأثرة لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والأرزاق (٢٠٦)، ولكن لم يصبروا، فسلّوا السيوف مع من سلّ، فصار عن الكفّار مغمدا وعلى المسلمين مسلولا إلى يوم القيامة. وذلك أنّ عثمان كان يقول: أيّها الناس، اغدوا على أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافية، ثم يقول: أيّها الناس، اغدوا على أرزاقكم، فيأخذون السمن والعسل. وكان عثمان هيّنا ليّنا، إذا قام من اللّيل يتوضّأ لا يوقظ أحدا من أهله. قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله ﷺ لرجل: «ادع لى بعض أصحابى، فقلت: هو أبو بكر؟ قال: لا! فقلت: فعمر؟ قال: لا! قلت: هو ابن عمّك؟ قال: لا! فقلت: عثمان؟ قال: نعم»! فأتاه فسارّه فى أذنه، ولون عثمان يتغيّر، فلمّا كان يوم الدار وحصر قيل له: ألا تقاتل؟ قال: لا! إنّ رسول الله ﷺ عهد إلىّ عهدا وأنا صابر نفسى عليه.

стр. 1271

وحفظ عثمان القرآن على عهد رسول الله ﷺ . أتى عثمان رضى الله عنه منزل عائشة، فسأل عن رسول الله ﷺ ، فقالت: ذهب يبتغى لأهله قوتا، وإنّه ما أوقد فى أبياته نارا منذ سبعة أيّام، فقال: رحمك الله، أفلا أعلمتنى؟ فلمّا رجع بعث بطعام وشاة إلى بيت كلّ واحدة من نسائه، فلمّا رجع رسول الله ﷺ قال: «ما هذا يا عائشة؟»، قالت: بعث به عثمان قال: «ابعثى منه للنسوة»! قالت: ما منهنّ امرأة إلاّ أتاها مثل هذا. فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال: «اللهم لا تنسها لعثمان». وكان عثمان رضى الله عنه تاركا لكلّ ما يعاب عليه، كان له جليس يأنس به فحدّ فى الشراب، فقال له عثمان: لا تعد إلى مجلسى والخلوة معى، ما لم يكن معنا ثالث. وقال علىّ ﵇ وذكر عثمان: أما والله لقد سبقت له سوابق من الله لا يعذّبه الله بعدها أبدا. دخل عثمان على رسول الله ﷺ وهو (٢٠٧) مضجع، فجلس رسول الله ﷺ ، فقالت عائشة رضى الله عنها: لم تفعل هذا بأبى بكر حين دخل، ولا بعمر، فقال: «إنّ عثمان شديد الحياء، ولو رآنى على تلك الحالة التى رآنى عليها أبو بكر وعمر لانقبض عن حاجته وقصّر عنها». ولما حجّ عمر رضى الله عنه فكان الحادى يحدو به ويقول: إنّ الأمير بعده ابن عفّان

стр. 1272

فلمّا ولى عثمان وحجّ كان الحادى يحدو به ويقول: إنّ الأمير بعده علىّ ... وفى الزبير خلف [رضىّ] (١) لمّا تزوّج عثمان نائلة بنت الفرافصة قال لها أبوها: إنّك تقدمين على نساء من قريش هنّ أقدر منك على العطر، فلا تغلبى عن الكحل والماء وتطهّرى، وأتت المدينة مع أخيها ضبّ بن الفرافصة، فقالت: [ألست ترى] (٢) ... يا ضبّ بالله أنّنى مصاحبة نحو المدينة أركبا نؤمّ أمير المؤمنين أخا التقى ... وخير قريش منصبا ومراكبا ومهرها عثمان عشرة آلاف درهم، وأعطاها غلاما اسمه وكيسان (٣) وامرأته فأعتقتهما نائلة. ولما أهديت نائلة إلى عثمان رضى الله عنه جلست على سرير، وجلس عثمان على سرير، فلمّا وضع عثمان قلنسوته بدت صلعته، قال لها: لا تكرهى ما ترين من الصلع، فإنّ وراءه ما تحبّين، فقالت: إنّى من نسوة أحبّ بعولتهنّ إليهنّ الشيخ السّيد (٤)، فقال: إمّا أن تقومى إلىّ وإمّا أن أقوم إليك، فقالت: ما تجشّمته من مسافة السماوة أبعد من عرض هذا البيت، فلمّا جلست إليه مسح رأسها، ثم قال: اطرحى ملحفتك، ففعلت، ثم قال: اطرحى خمارك، ففعلت، ثم قال: اطرحى درعك، ففعلت، ثم قال: وإزارك، فقالت: أنت وذاك (٢٠٨) فلم تزل عنده حتى قتل.

стр. 1273

ولمّا دخل أهل مصر لقتل عثمان رضى الله عنه، ضرب رجل منهم عجيزتها، فقالت: أشهد أنّك لفاسق، وأنّك لم تأت غضبا لله تعالى، ولا محاماة عن الدين، وضربه رجل بالسيف، فاتقته بيدها، فأصاب السيف إصبعين من أصابعها، كما يأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى. وولدت نائلة لعثمان مريم، يزوّجها عمرو بن الوليد بن عقبة، وكانت سيّئة الخلق، وكانت تقول لزوجها: جئتك بردا وسلاما، فيقول: أفسد بردك وسلامك سوء خلقك. ولمّا خطب معاوية نائلة بنت الفرافصة بعد قتلة عثمان وألحّ عليها قالت: ما الذى قال يعجبه منّى؟ قالوا: ثغرك، فأخذت المرآة، ونظرت إلى ثغرها فرأته حسنا، فتناولت الفهر، وكسرت ثناياتهما، وقالت: لا يحتلبنكن أحد بعد عثمان، فلمّا بلغ معاوية ذلك أمسك عنها. ورثت فائلة عثمان، فقالت: وما لى لا أبكى وتبكى قرابتى ... وقد نزعت عنا فضول أبا عمرو إذا جئته يوما ترجّى نواله ... بدا لك من سيماه أبيض كالبدر ذكر أمر الشورى وبيعة عثمان رضى الله عنه لما طعن عمر رضى الله عنه استدعى عليّا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقّاص فلمّا دخلوا لم يكلّم أحدا إلاّ عليّا وعثمان، فقال: يا علىّ، لعلّ هؤلاء سيعرفون قرابتك من رسول الله ﷺ ،

стр. 1274

وصهرك، وما آتاك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتّق الله، ثم قال لعثمان: لعل هؤلاء يعرفون لك صهرك من رسول الله ﷺ ، فإن وليت هذا الأمر فاتّق الله، ولا تحملنّ بنى معيط على رقاب الناس، ثم دعا صهيبا فقال (٢٠٩) له: صلّ بالناس إلى أن يتّفقوا على إمام، فلمّا خرجوا قال عمر: إن وليها الأجلح (١) سلك بهم الطريق، فقال له ابنه: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحمّلها حيّا وميّتا. قال ابن عبّاس رضى الله عنه: قال لى عمر قبل أن يطعن: ما أدرى كيف أصنع بأمّة محمّد ﷺ ؟ قال: فقلت: استخلف عليهم! فقال: صاحبكم؟ قلت: نعم، لقرابته من رسول الله ﷺ وسابقته وبلائه، فقال: إنّ فيه فكاهة، قلت: فأين أنت عن طلحة؟ قال: أين الزهو والنخوة؟ أنف فى السماء واست فى الماء، قلت: فعبد الرحمن بن عوف؟ قال: صالح على ضعف فيه، قلت: فسعد؟ قال: ذاك صاحب مقنب ومال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها، قلت: فالزبير؟ قال: مؤمن الرضا، كافر الغضب، شحيح، قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بنى معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه. وكان طلحة غائبا فى أيّام الشورى، فبعثوا إليه من يستحثّه، فلم يحضر إلاّ بعد المبايعة لعثمان، فجلس فى بيته، وقال: أعلى مثلى يفتأت؟ فجاءه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت الأمر تردّه؟ قال عثمان: نعم! قال: فأنا أمضيه، وبايعه.

стр. 1275

ولمّا دفن عمر رضى الله عنه أمسك أصحاب الشورى، ولم يحدّثوا شيئا، ودفن عمر ﵀ يوم الأحد، مستهلّ المحرّم من سنة أربع وعشرين، وهو اليوم الرابع من طعنه، وعمره يومئذ ثلاث وستّون سنة، وفيه خلاف. ولمّا اجتمعوا فى بيت المال أو فى دار المسوّر بن مخرمة، وحكموا عبد الرحمن ابن عوف على أن يخرج نفسه من الخلافة، أخذ بيد علىّ ﵇ وقال: عليك عهد الله وميثاقه إن بايعتك ألاّ تحمل بنى عبد المطّلب على رقاب الناس، ولتسيرنّ بسيرة رسول الله ﷺ ، لا تحول عنها (٢١٠) ولا تغضى ولا تقصّر فى شئ منها! فقال علىّ ﵇: لا آخذ عهد الله وميثاقه على ما لا أدركه ولا يدركه غيرى، من ذا يطيق سيرة رسول الله ﷺ ؟ ولكن أسير من سيرة رسول الله بما يبلغه الاجتهاد منّى، وبقدر علمى، فأرسل عبد الرحمن يده، ثم أخذ بيد عثمان، ثم استخلفه بالعهود والمواثيق ألاّ يحمل بنى أميّة على رقاب الناس وأن يسير بسيرة رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر، ولا يخالف شيئا من ذلك، فحلف له، فقال علىّ ﵇ لعبد الرحمن: قد أعطاك أبو عبد الله الرضا، فشأنك فبايعه، فعاد وأخذ بيد علىّ ﵇، وعرض عليه ما كان عرضه، فقال على: الاجتهاد، فبويع لعثمان رضى الله عنه ليلة السبت ثالث المحرّم، وقيل: مستهلّ المحرّم وهو الصحيح، والله أعلم. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان، ثم حجّ عثمان فى خلافته كلّها عشر سنين، خلا السنة التى حوصر فيها، وهى سنة خمس وثلاثين وجّه عثمان عبد الله بن عبّاس فحجّ بالناس.

стр. 1276

أوّل خطبة خطبها عثمان رضى الله عنه لمّا بويع رضى الله عنه صعد المنبر فقال بعد أن حمد الله وصلّى على النبى ﷺ : أيّها الناس، إنّ أوّل كلّ مركب صعب، وإنّ بعد اليوم أيّاما، وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها، فما كنّا خطباء، وسيعلّمنا الله، وكان من قضاء الله تعالى أنّ عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان من المسلمين، ولا وارث له إلاّ المسلمون عامّة، وأنا إمامكم، وقد عفوت عنه، فتعفون؟ قالوا: نعم، فقال علىّ: لقد فسق، فإنّه أتى عظيما، قتل مسلما بلا ذنب. وقال لعبيد الله: يا فاسق، لئن ظفرت بك يوما لأقتلنّك بالهرمزان، (٢١١) وروى أنه لما أعطى عثمان رضى الله عنه من العهد لعبد الرحمن ما أعطى، وبايعه عبد الرحمن، قال الزبير: نفعت الختونة يا ابن عوف، لأنّ محمّد بن عبد الرحمن بن عوف تزوّج ابنة عثمان، فقال عبد الرحمن: كلاّ، ولكنّى وجدته أرضى فى أصحاب رسول الله ﷺ منك. وكان سبب قتله (١) الهرمزان أنّ عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه قال: مررت على قاتل عمر أبى لؤلؤة، ومعه الهرمزان وجفينة، وهم نجّى، فلمّا بغتّهم ثاروا، فسقط من بينهم خنجر له رأسان، ونصابه فى وسطه، فانظروا الخنجر الذى قتل به عمر، فنظروه على النعت الذى نعته عبد الرحمن، فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك، ومعه السيف، فدعا الهرمزان، فلمّا خرج إليه

стр. 1277

قال له: انطلق معى حتى أنظر إلى فرس، وتأخّر عنه، فلمّا تقدّمه علاه بالسّيف، ووجد حرّ السيف، قال: لا والله! وقيل إنّه قال: لا إله إلاّ الله. ثم أتى جفينة فدعاه، فلمّا جاءه علاه بالسيف، وكان جفينة نصرانيّا من نجران، وكان ظئرا لسعد بن أبى وقّاص، فأقدمه المدينة، فعلاه عبيد الله بالسيف فصلّب بين عينيه، ثم انطلق عبيد الله فقتل ابنة لأبى لؤلؤة، وأراد عبيد الله يومئذ لا يترك سبيّا بالمدينة إلا قتله، فاجتمع المهاجرون وتوعدوه، فقال: والله لأقتلنّهم وغيرهم، وعرض ببعض المهاجرين، فلم يزل عمرو بن العاص به حتى أخذ السيف منه، فلمّا أخذ منه السيف جاءه سعد بن أبى وقّاص، فأخذ كلّ واحد منهما برأس صاحبه، حتى حجز الناس بينهما، وجاء إليه عثمان بن عفّان، وذلك قبل أن يبايع له فى أيّام الشورى، فكلّمه، وأخذ كلّ واحد منهما برأس صاحبه، حتى حجز الناس بينها. ولما تقابل عثمان رضى الله عنه وعبيد الله بن عمر قال عثمان له: لعمرى لقد أصبحت تهذر دائبا ... وغالت أسود الأرض عنك الغوائل فقال عبيد الله: وما أنا باللحم الغريض تسوغه ... فكل من خشاش الأرض إن كنت آكلا فلما بويع عثمان قال: أشيروا علىّ فى قتل هذا الذى فتق (٢١٢) فى الدين فتقا، فأشار المهاجرون بقتله، وشجّعوا عثمان على ذلك، وقال آخرون: أبعد الله الهرمزان وجفينة، أتريدون أن تتبعوا عبيد الله أباه، ليس بالجزاء منكم، وكثر القول، وكادت تكون فتنة، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إنّ هذا

стр. 1278

الأمر كان فى فترة ولم يكن فى سلطانك، فأعرض عنه، ففرّق الناس كلمة عمرو ابن العاص، وودى (١) عثمان الرجلين والجارية، وكانت حفصة ممّن شجّع عثمان على قتل أخيها عبيد الله، وكان أشدّ الناس فى أمر عبيد الله علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، قال: اقتلوه به، فإنّ الهرمزان قد كان أسلم وحجّ، وليس للولىّ أن يعفو عن القاتل، وإنّما يدعو الولى إذا رفع إليه، فإن شاء عفا. وكان عمر قد أوصى إلى حفصة زوج النبى ﷺ ، فإن ماتت فإلى الأكبر من ولد عمر وآله. وكانت وصيّته بالربع، وقال لولده عبد الله: اضمن للمسلمين ما استسلفته من بيت مالهم، فلم يدفن عمر حتى أشهد بها عبد الله على نفسه أصحاب الشورى وغيرهم، ولم تمض جمعة من موت عمر حتى جعل عبد الله على المال الذى ضمنه عن عمر أبيه فى بيت المال، وأشهد على براءته منه، وسمع عمر رضى الله عنه حفصة تندبه وتقول: يا صاحب رسول الله، يا أمير المؤمنين، فقال: أى بنيّة، إنّى أجرح عليك بمالى عليك من الحقّ أن لا تندبينى بعد مجلسك هذا، فأمّا عيناك فلن تملكيهما، قالت عائشة رضى الله عنها: لمّا دفن عمر فى بيتى لم أضع خمارى عن رأسى، ولم أزل متحفّظة حتى بنيت بينى وبينه جدارا، وأوصى عمر رضى الله عنه عند موته أبا طلحة، وقال له: كن فى خمسين من أصحابك من الأنصار، مع هؤلاء النفر أهل الشورى، وقم على باب البيت الذى يجتمعون (٢١٣) فيه، ولا تترك أحدا يدخل معهم فيه، ولا يمض عليهم اليوم الثالث حتى يؤمّروا عليهم أحدهم، الّلهمّ أنت خليفتى عليهم.

стр. 1279

وكانت خلافة عمر رضى الله عنه عشر سنين، وخمسة أشهر، وإحدى عشرة (١) ليلة من ولاية أبى بكر رضى الله عنه، واستقبل عثمان رضى الله عنه ولايته غرّة المحرّم، سنة أربع وعشر بن للهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام. ولمّا وضع نعش عمر ليصلّى عليه، أقبل علىّ وعثمان رضى الله عنهما ويد كلّ واحد منهما فى يد صاحبه، فقال عبد الرحمن بن عوف: أيريد كلّ منكما أن يصلّى إماما إنّ هذا لحرص على الإمارة، قد أمّر غيركما، قم يا صهيب، فقام فكبّر عليه أربعا وصلّى عليه فى المسجد (١). ولمّا سقط الحائط على قبر النبى ﷺ زمن الوليد بن عبد الملك، وأخذ فى بنائه، بدت لهم قدم ففزعوا، وظنّوا أنّها قدم النبى ﷺ ، فقال عروة بن الزبير: والله ما هى قدم النبى ﷺ ، وإنّما هى قدم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه. ذكر خطبة عثمان بعد تلك الأولى الحمد لله الذى هدانا للإسلام، وأكرمنا بمحمّد ﵇، أمّا بعد، أيّها الناس، فاتّقوا الله فى سرّ أمركم وعلانيته، وكونوا أعوانا على البر والصّلة، ولا يكن إخوان العلانية أعداء السرّ، فإنّا قد كنّا نحذر أولئك، من رأى منكم منكرا فليغيّره، وإن لم تكن له قوّة فليرفعه إلىّ، وكفّوا سفهاءكم، فإنّ السفيه إذا قمع انقمع، وإذا ترك تتابع. إنّى وليت أمركم، فأستعين بالله، ولو كنت بمعزل عن الأمر لكان خيرا لى وأسلم، مضى صاحباى وهما لى سلف وقدوة، (٢١٤) وإنّما أنا متّبع.

стр. 1280

وكان عثمان رضى الله عنه أحبّ إلى قريش من عمر، لشدّة عمر رضى الله عنه ولين عثمان ورفقه بهم. قال الفرزدق: صلّى صهيب ثلاثا ثم أنزلها ... على ابن عفّان ملكا غير مقسور وصيّة من أبى حفص لسنّتهم ... كانوا أخلاّء مهدىّ ومأمور وفى هذه السّنة، وهى سنة أربع وعشرين، فتحت نيسابور على يد عثمان ابن أبى العاص الثقفى. وفيها ماتت أم أيمن رضى الله عنها حاضنة رسول الله ﷺ ، وهى التى أمست دون الروحاء لمّا هاجرت، فاشتدّ بها العطش، فدلّى عليها من السماء دلو برشاء أبيض، فشربته فكانت تقول: ما عطشت بعدها مع صومى فى الهواجر. ذكر سنة خمس وعشرين النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم تسعة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، وقد استقرّ بعمّال عمر رضى الله عنه على أعمالهم، بوصيّة من عمر أن يستقرّ بعمّاله سنة بعده، ثم له الخيار فيمن يعزله وفيمن يستأمره، وأن يولّى سعد بن أبى وقّاص الكوفة، وأن يقرّ أبا موسى الأشعرى على البصرة.

стр. 1281

فلمّا ولى عثمان عزل المغيرة، وولّى سعدا الكوفة سنة ثم عزله، وولّى أخاه لأمّه الوليد بن عقبة بن أبى معيط، كما يأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى. وفيها عزل عمرو بن العاص عن مصر، وولاّها عبد الله بن أبى سرح. وفيها ضمّ حمص وقنسرين وفلسطين إلى معاوية بن أبى سفيان. وفيها ولد يزيد بن معاوية بن أبى سفيان. وفيها نقض أهل الإسكندرية عهدهم، فغزاهم عمرو بن العاص قبل عزله، وقتلهم قتلا ذريعا. وفيها (٢١٥) غزا الوليد بن عقبة آذربيجان، وبعث سليمان بن ربيعة إلى أرمينية، فغنم وسلم. وفيها غزا معاوية الروم، فبلغ عموريّة ووجد الحصون بين أنطاكية وطرسوس خالية، فجعل فيها جماعة من أهل الشام والجزيرة. وفيها سيّر عبد الله بن أبى سرح عمرو بن العاص إلى بلاد إفريقية. وفيها أرسل عثمان رضى الله عنه عبد الله بن عامر إلى كابل، وهى عمالة سجستان. وفيها توفّى ابن أم مكتوم، وهو أوّل من هاجر إلى المدينة المنوّرة وكان يؤذّن مع بلال، وفيه نزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى»﴾ (١)، ولما نزلت: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ»﴾، قال: ربّ إنّا أولو ضرر، فأنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»﴾ (٢)،

стр. 1282

وكان يغزو ويقول: ادفعوا إلىّ اللواء فإنّى لا أقرّ، وشهد القادسيّة ومعه راية سوداء. ذكر سنة ستّ وعشرين النّيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، وعبد الله بن أبى سرح بمصر، والقاضى بها عثمان بن قيس بحاله. وفيها فتحت إفريقية وما معها، وكان مروان بن الحكم فى فتحها، فابتاع خمس المغانم بمائتى ألف دينار، أو بمائة ألف دينار، وكلّم عثمان فوهبها له، وأعطى سعيد بن العاص مائة ألف، فدخل عليه علىّ، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، رضوان الله عليهم، وكلّموه فى ذلك، وأن أبا بكر وعمر لم يفعلاه، فقال عثمان رضى الله عنه: إنّ أبا بكر وعمر كانا يتأوّلان فى (٢١٦) هذا المال، كلّفا أنفسهما وذوى أرحامهما، وإنّى تأوّلت فيه صلة رحمى، فقالوا: أما كان لأبى بكر وعمر قرابة وذوو رحم؟ فقال: بلى، ولكن كانا يحتسبان فى منع قرابتهما، وأنا أحتسب فى إعطاء قرابتى! قالوا: فهديهما كان أحبّ إلينا من هديك، فقال عثمان: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، فكان ذلك أوّل التغيّر عليه.

стр. 1283

وفيها تزوّج عثمان بنت خالد بن أسد، وزاد فى المسجد ووسّعه. وفيها توفّيت حفصة بنت عمر، زوج النبى ﷺ ، مع خلاف فيه. ذكر سنة سبع وعشرين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه، أمير المؤمنين بالمدينة، والعمّال بحالهم، وعبد الله ابن أبى سرح على مصر، وكذلك [قيس بن العاص] (١) بحاله. وقيل فى هذه السّنة كان فتح الأندلس، فتحها عثمان بن عبد الله بن الحصين من قبل عبد الله بن أبى سرح، واجتمع أهل إفريقية إلى عبد الله بن أبى سرح، وسألوه أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا، على أن يكفّ عنهم، ففعل، وقبل منهم. وكان المسلمون عشرين ألفا، وبلغ الفارس منهم ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار، واشترى مروان الخمس، حسبما تقدّم من الكلام.

стр. 1284

وفيها كانت غزاة معاوية بن أبى سفيان قبرص فى البحر، ومعه فاضة زوجته، وكان معه أمّ حرام الأنصاريّة، التى أخبر رسول الله ﷺ أنّها أوّل من يغزو فى البحر، كانت مع زوجها عبادة بن الصامت، وتوفّيت (٢١٧) هناك، وقبرها تستسقى به أهل قبرص فيسقوا. وقيل إنّ عثمان رضى الله عنه أوى الحكم بن [أبى] (١) العاص بن أميّة، وردّه إلى المدينة فى هذه السنة، وكان ممّن يؤذى سيّدنا رسول الله ﷺ ، ويحكى مشيته، فاطّلع رسول الله ﷺ وهو فى بعض حجر نسائه، فخرج إليه رسول الله ﷺ بعنزة، وقال: عذيرى من هذا الوزغة اللعين، ثم قال له: لا تساكنّى أنت ولا ولدك، فغرّبهم رسول الله ﷺ إلى الطائف، فهو الطريد (٢)، فيقال: إنّ عثمان كان استأذن رسول الله ﷺ فى ردّهم، فلمّا ردّهم أنكر الناس ذلك من فعل عثمان، وهو ممّا نقموا عليه. وفيها أيضا ولّى الوليد بن عقبة بن أبى معيط الكوفة، فلمّا قدم قال له سعد (٣): يا أبا وهب، أمير أنت أم مأمور؟ قال: أمير! فقال سعد: ما أدرى أحمقت بعدك أم كست بعدى؟ قال: ما حمقت ولا كست، ولكنّ القوم ملكوا فاستأثروا، فقال سعد: ما أراك إلاّ صادقا، فأنكر الناس أيضا ذلك على عثمان، حتى قال بعضهم، وهو يزيد بن قيس الأحبى ومعقل بن قيس [الرّياحىّ] (٤): لقد أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمّة محمّد.

стр. 1285

ولمّا فعل الوليد فى الصلاة ما فعل جاء رجال إلى عثمان فأخبروه، فاستقدمه فقدم. وكانا الذى شهد عليه بما صنع زهير بن عوف الأزدى، ورجل من بنى أسد، وكان قد قصدا غرّته، فتفقّداه فى صلاة العصر فلم يرياه، فانطلقا إلى بابه ليدخلا عليه فمنعهما البوّاب، فأعطياه دينارا، ودخلا عليه، فإذا هو سكران لا يعقل، فحملاه ووضعاه فى سريره، فقاء خمرا، وانتزع زهير خاتمه من يده، ومضيا إلى عثمان (٢١٨) فأخبراه، فاستشار عثمان عليّا، فقال: أرى أن تشخصه إليك، فإذا شهد عليه وجهه [و] (١) حدّده (٢)، فلمّا قدم أمر عثمان بجلده، فلم يقم أحد، فقام علىّ كرّم الله وجهه فجلده بدرّة يقال لها السبتية، لها رأسان، فضربه أربعين، فذلك ثمانون، ويقال إنّه لم يكن بسيرة الوليد بأس، ولكنّه كان مسرفا على نفسه. وفى الوليد قال الحطيئة: شهد الحطيئة حين يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت (٣) ... صلاتهم لأزيدكم ثملا وما يدرى ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... منه لزادهم على عشر فأبوا أبا وهب ولو فعلوا ... لقرنت بين الشّفع والوتر حبسوا عنانك إذ جريت ولو ... حلّوا عنانك لم تزل تجرى وذلك أنه كان صلّى بالناس صلاة فزاد فيها، ثم التفت إليهم وقال:

стр. 1286

أتحبّون أن أزيدكم؟ وكان ثملا، وولّى عثمان بعد الوليد سعيد بن العاص، فغسل المنبر ودار الإمارة. ذكر سنة ثمان وعشرين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، والأمراء العمّال كذلك، وعبد الله بن أبى سرح بمصر والقاضى ابن قيس بحالهما. وفيها قدم عبد الله بن الزبير على عثمان بفتح إفريقية وما يليها. وفيها تزوّج عثمان نائلة بنت الفرافصة، وكانت نصرانيّة وأسلمت، وقد تقدّم خبرها. (٢١٩) وفيها حمى عثمان رضى الله عنه الحمى، وهو البقيع، لخيل المسلمين، وكان يحمل كلّ سنة على خمسمائة فرس وألف بعير، فأنكر الناس عليه الحمى، وأنكروا عليه ما أعطاه زيد بن ثابت مائة ألف درهم من ألف ألف حملها أبو موسى الأشعرى، قال أسلم بن أوس الساعدى، ويقال بل قالها عبد الرحمن ابن حنبل، أخو كلدة، فى عثمان رضى الله عنه: أقسم بالله جهد اليمين ... ما ترك الله خلقا سدى

стр. 1287

دعوت الّلعين (١) ... فأدنيته خلافا لسنّة من قد مضى وأعطيت مروان خمس العبا ... د ظلما لهم وحميت الحمى وما أتاك به الأشعرى ... من الفئ أنهبته من ترى فأما الأمينان إذ بينا ... منار الطّريق عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة ... ولم يصرفا درهما فى هوى وهذا القول مردود عليه لأنّ للإمام أن يتصرّف فى مال الله تعالى بالاجتهاد، ولو أخطأ-والعياذ بالله-لم يجز فى شرع الدين الخروج عليه ولا عناده، وأمّا حمى عثمان رضى الله عنه فإنّما فعل ذلك بخيل المسلمين التى يجاهدون عليها، وإبلهم، وهو حمى رسول الله ﷺ ، وقال أكثر أهل العلم إنّه يجوز ذلك، والله أعلم. ذكر سنة تسع وعشرين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعا، مبلغ الزّيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، وفيها تغيرت (٢٢٠) أناس من ولاة الأنصار، عزل أبا موسى الأشعرى عن البصرة، وولّى عبد الله بن عامر ابن [كريز (٢)]، وجمع له جند عثمان بن [أبى] (٣) العاص الثقفى وعمان والبحرين،

стр. 1288

واستعمل على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، وعلى سجستان عبد الله بن [عمير] (١) الليثى، وألحق بكل واحد من هؤلاء عدّة أعمال. وبعث إلى الأهواز وفارس عند ما نكثوا [عبيد الله] (٢) بن معمر، فسار إليهم، والتقوا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله وانهزم المسلمون، فسار عبد الله ابن عامر بن كريز من البصرة، فاقتتلوا، وانهزم الفرس، وفتحت خوزستان (٣). وفيها رجم عثمان رضى الله عنه امرأة من حنيفة أدخلت على زوجها فولدت لستّة أشهر، فقال علىّ ﵇: إنّ الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً»﴾ (٤) وقال فى الرضاع: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ»﴾ (٥)، فالرضاع أربعة وعشرون، والحمل ستّة أشهر، فبعث بردّها، وجدها رجمت. وفى هذه السنة ظهر الطعن على عثمان رضى الله عنه وتكاتب الناس فيه، وبلغ عثمان ذلك فخرج متوكّئا على مروان وهو يقول: إنّ لكلّ شئ آفة، ولكلّ نعمة عاهة، وإنّ آفة هذه الأمّة، وعاهة هذه النعمة، عيّابون طعّانون، يظهرون ما تحبّون، ويسترون ما تكرهون، طغام مثل النعام، ينعقون أوّل ناعق وأحبّ مواردهم إليهم الكذب، أما والله لقد نقموا على ابن الخطّاب فقمعهم ومنعهم، ونعم الله أنا أعزّ ناصرا، وأكثر عددا، فما لى لا أفعل فى الحق ما أشاء، فقال مروان: إنّه لا يحكم بينك وبينهم إلاّ السيف، فقال عثمان: اسكت فلست من أهله.

стр. 1289

ذكر سنة ثلاثين للهجرة النبويّة النيل المبارك فى هذه السّنة: (٢٢١) الماء القديم أربعة أذرع وستّة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا، وواحد وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، والولاة بالأمصار حسبما تقدّم من ذكرهم فى السنة الخالية. فيها سقط خاتم النبى ﷺ من يد عثمان فى بئر أريس، وكانت قليلة الماء، فنزحت فلم يوجد. وفيها [أخذ] (١) عثمان رضى الله عنه من حفصة الصحف التى كتبت أيّام عمر، وأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث أن ينسخوها فى المصاحف، وقال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوا بلسان قريش (٢)، فلمّا كتبوا ردّ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ مصر بمصحف وحرق ما سواه.

стр. 1290

وفيها ذكر عن أبى ذرّ ما ذكر، فأشخصه معاوية من الشام، وخرج أبو ذرّ وسكن الربذة. وفيها مات أبىّ بن كعب ﵀ وكان أمر رسول الله ﷺ أن يقرأ القرآن عليه. وفيها دخل علىّ كرم الله وجهه على عثمان رضى الله عنه فخلا به، وجعل عثمان يعاتبه، وعلىّ ﵇ مطرق، فقال: ما لك لا تقول؟ فقال: إن قلت لم أقل إلاّ ما تكره، وليس لك عندى إلاّ ما تحبّ. ذكر سنة إحدى وثلاثين النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا، واثنا عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، والولاة بالأمصار حسبما تقدّم. فيها كانت غزاة [الأساودة] (١)، وقتل يزدجرد، وسار ابن [عامر] (٢) (٢٢٢) إلى خراسان وفتحها ثانية.

стр. 1291

وفيها خرج قسطنطين بن هرقل فى خمسمائة مركب فقهره المسلمون، فمضى فى مركب واحد إلى صقلّيّة، فسأله أهلها عن حالهم، فأخبرهم، فقالوا: هلكت النصرانيّة، ثم أدخلوه الحمام فقتلوه بها. وفيها مات أبو الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما، وأبو سفيان ابن حرب، وقد ذهب بصره، وعبد الله بن زيد، وهو الذى رأى الأدان (١)، رحمة الله عليهم أجمعين. ذكر سنة اثنتين وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، وولاة الأمصار بحالهم. فيها كانت غزاة معاوية بن أبى سفيان [مضيق] (٢) القسطنطينيّة، وبصحبته زوجته عاتكة. وفيها مات العبّاس رضى الله عنه، وكان قد كفّ بصره، ودفن بالبقيع،

стр. 1292

وله ثمان وثمانون سنة، وكان إذا مرّ بعمر أو بعثمان وهما راكبان ترجّلا إجلالا له. وفيها مات كعب الأحبار ﵀. وفيها مات سلمان الفارسىّ رضى الله عنه، ولمّا اشتدّ مرضه قال لزوجته: آتينى بالصرّة المسك، التى وجدتها يوم جلولاء، غرستها فى ماء ونضحتها حوله، وقال: ألا يأتينى زوّار، فيجدون الريح طيّبا ولا يأكلون (١)، ومات وهو ابن مائتى سنة وخمسين سنة (٢)، رحمه الله تعالى. وفيها مات أبو ذرّ الغفارىّ رضى الله عنه، وكان أمر ابنته أن تذبح شاة وتطبخها، وقال: إذا جاء الذين يدفنوننى فإنّهم قوم صالحون، [فقولى (٣)] لهم: أبى يقسم عليكم-وهو أبو ذرّ-أن لا (٢٢٣) تركبوا حتى تأكلوا، فلمّا نضجت قدرها قال: انظرى هل ترين أحدا؟ قالت: ركب، قال: استقبلينى (٤) الكعبة، ففعلت، فقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله، ثم مات، رضى الله عنه، فخرجت ابنته فتلقّتهم، وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر! فقالوا: نعم، وكرامة! وكان فيهم ابن مسعود، فبكى، وقال: صدق

стр. 1293

رسول الله ﷺ : «يموت وحده ويبعث وحده». فغسلوه وكفّنوه، وصلّوا عليه ودفنوه، وحملوا أهله معهم إلى المدينة (١)، ودفن بالربذة، ولا عقب له. ذكر سنة ثلاث وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط. ما لخص من الحوادث الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة، وولاة الأمصار بحالهم حسبما تقدّم. فيها غزا ابن أبى سرح الحبشة، وغزا عبد الله بن سعد إفريقية ثانية حين نقض أهلها، وغزا معاوية حصن المرأة (٢). وفيها حضر أهل مصر يتظلّمون من ابن أبى سرح، فكتب إليه عثمان رضى الله عنه ينهاه ويتهدّده، فلم ينزع، وضرب بعض من شكاه حتى قتله، فقدم المدينة على عثمان سبعمائة، فنزلوا المسجد، وشكوا ما صنع بهم ابن أبى سرح إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فكلّمه طلحة فيهم، وأرسلت إليه عائشة أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه علىّ بن أبى طلب كرّم الله وجهه فى جماعة فقال: إنّما يسألك القوم رجلا مكان رجل، وقد ادّعوا دما، فاعزله

стр. 1294

واقتصّ لهم منه (٢٢٤) إن وجب لهم عليه حقّا بما يقتضيه القضاء، فقال لهم: اختاروا رجلا أولّه عليكم، فاختاروا محمّد بن أبى بكر الصدّيق، فكتب عهده على مصر، ووجّه معهم عدّة من المهاجرين والأنصار، ينظرون فيما بين ابن أبى سرج وأهل مصر. ذكر سنة أربع وثلاثون النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستّة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. الإمام عثمان رضى الله عنه أمير المؤمنين بالمدينة. فيها خاض الناس فى أمر عثمان رضى الله عنه فأكثروا، وكاتب المنحرفين عنه للاجتماع فى أمره ومناظرته فيما نقموا عليه، فشاور فى أمرهم، فقال عبد الله بن عامر: اشغلهم بالجهاد! وقال ابن سعد: أعطهم المال! وقال معاوية: مر عمّالك يكفى كلّ منهم من قبله! وقال عمرو: اعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما، فردّهم إلى أعمالهم، وأمرهم بتجهيز البعوث. وفيها خرج عثمان رضى الله عنه وجلس على المنبر، وقال: لقد عبتم علىّ ما أقررتم لابن الخطّاب بمثله، لكن وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، وكنت حمى لكم (١)، وأوطأتكم كتفى، وكففت يدى ولسانى عنكم، فاجترأتم على أمر الله، والله لأنا أعزّ نفرا، وأقرب

стр. 1295

ناصرا، وأكثر عددا، [وأحرى (١)] إن قلت هلمّ أتى إلىّ، ولقد أعددت لكم أقرانا، وأفضلت عليكم فضولا، وكشّرت لكم عن نابى، وأخرجت منّى ما لم أكن أحبّه (٢)، ومنطقا (٢٢٥) لم أنطق به، فكفّوا عنّى ألسنتكم وطعنكم على ولاتكم، فإنّى قد كففت عنكم من لو كان [هو الذى (٣)] يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقى هذا، ألا ما (٤) تفقدون من حقّكم؟ والله ما قصّرت عن بلوغ ما بلغه من كان قبلى، ولم تكونوا تختلفون عليه. فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم حكّمنا والله بيننا وبينكم السيف، نحن والله وأنتم كما قيل: فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... [معارسكم (٥)] تبنون فى دمن الشوك (٦) فقال له عثمان: اسكت لا سكّت. ذكر سنة خمس وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان.

стр. 1296

ذكر مقتل عثمان بن عفّان رضى الله عنه اجتمع أهل الأمصار الثلاثة؛ وهم أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل مصر، قبل عثمان بسنة فى المسجد الحرام، ورئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدى (١) ورئيس أهل البصرة المثنّى بن مخرمة العبدى، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر السكونى ثم التجيبى، فتذاكروا أمر عثمان، وقالوا: لا يسعنا الرضا بهذا، وأجمعوا أنّهم إذا رجع كلّ واحد إلى مصره أن يكون رسول من شهد مكّة- من أهل الخلاف على عثمان-إلى من هو على مثل رأيهم من أهل بلدهم، وأن يوافوا عثمان فى العام المقبل، فيستعتبوه، فإن أعتبهم، وإلا رأوا فيه رأيهم. فلمّا حضر الموقف خرج الأشتر النخعى إلى المدينة فى مائتين، وخرج حكيم ابن جبلة العبدى فى مائة، وجاء أهل مصر (٢٢٦) فى أربعمائة، وقيل فى خمسمائة، وقيل بل أكثر من ذلك، وعليهم أبو عمرو، وبديل بن ورقاء الخزاعى، وعبد الرحمن بن عديس البلوى، وكنانة بن بشر النجيبى، وعروة بن شتم (٢). فلمّا قدموا المدينة أتوا دار عثمان، ووثب معهم من أهل المدينة رجال؛ منهم عمّار بن ياسر، ورفاعة بن رافع (٣) والحجاج بن غزّية (٤)، وعامر بن بكر، فحصروه الحصار الأوّل، ودفع عن عثمان جماعة منهم: زيد بن ثابت،

стр. 1297

وأبو أسيد الساعدى [وكعب بن مالك] (١) بن أبى كعب من بنى سلمة من الأنصار، وحسّان بن ثابت. واجتمع الناس إلى علىّ كرّم الله وجهه وسألوه أن يكلّم عثمان، فأتاه فقال: إنّ الناس قد كلّمونى فى أمرك، وو الله ما أدرى ما أقول، وما أعرّفك شيئا تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، وإنّك لتعلم ما أعلم، وما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، لقد صحبت رسول الله ﷺ ، ورأيت وسمعت [منه] (٢) ما رأينا وما سمعنا، وليس ابن أبى قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى منك إلاّ الحق (٣)، ولأنت أقرب إلى رسول الله ﷺ رحما، وقد نلت [من] (٤) صهره ما لم ينالاه، فالله الله فى نفسك، فإنّك لا تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل! فقال له عثمان: لو كنت مكانى ما عنّفتك ولا أسلمتك، ولا عتبت عليك أن وصلت، نشدتك الله، ألم يولّ عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك؟ قال: نعم! قال: أفلم يولّ معاوية؟ قال علىّ: إنّ معاوية كان أشدّ خوفا وطاعة لعمر من يرفأ (٥)، وهو الآن يدبّر الأمور دونك، ويقطعها بغير علمك، ويقول للناس: هذا بأمر عثمان ويبلغك فلا تنكر. ثمّ خرج (٢٢٧) فصعد عثمان المنبر، فقال بعد حمد الله سبحانه والصلاة على

стр. 1298

نبيّه-ثم قال ذلك الكلام المقدّم ذكره الذى أوله: إنّ لكلّ شئ آفة، ولكلّ أمر عاهة (١). وروى أنّ عثمان أتى عليّا فقال له: يا بن عمّ، إنّ قرابتى قريبة، وحقّى عظيم، وإنّ القوم فيما بلغنى أجمعوا على قتلى، وأنا أعلم أن لك عند الناس قدرا وهم يسمعون منك، وأحبّ أن تردّهم، وأنا أصير إلى ما تشير به وتراه، ولا أخرج عن أمرك ولا أخالفك، فركب علىّ ﵇ ومعه سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل، وأبو الجهم حذيفة العدوى، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد [وأبو أسيد] (٢) الساعدى، وزيد بن ثابت، وحسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومحمّد بن مسلمة، فكلّموهم فرجعوا إلى مصرهم. ثم لم ينشبوا حتى رجعوا وادّعوا أمورا أقسم عثمان أنّه لم يعلمها. وكان مروان يأتى عثمان فيقول: إنّ عليّا يؤلّب عليك الناس، فإذا سمع عثمان ما يقوله مروان يقول: اللهمّ إنّ عليّا أبى إلاّ حبّ الإمارة، فلا تبارك له فيها. ولمّا نزل المصرّيون بذى خشب، بعث عثمان إليهم محمّد بن سلمة، وجابر ابن عبد الله فى خمسين من الأنصار، ولم يزالوا بهم حتى ردّهم، فرأوا بعيرا وعليه ميسم (٣) الصدقة، وعليه غلام لعثمان، معه كتاب فيه: أن اقتل فلانا وفلانا،

стр. 1299

فرجعوا إلى عثمان فحصروه، ولمّا أحاطوا بداره فى المرّة الأولى أشرف عليهم عثمان رضى الله عنه فقال: ما الّذى نقمتم علىّ؟ فإنّى معتبكم، ونازل عند محبّتكم. فقالوا: زدت فى الحمى لإبل الصدقة على حمى عمر. قال: لأنّ ذلك زاد فى ولايتى، فزدت لها. قالوا: فإنّك لم تشهد بدرا. قال (٢٢٨): لأنّ رسول الله ﷺ خلفنى على ابنته. قالوا: لم تشهد بيعة الرضوان. قال: إنّما كانت من أجلى، بعثنى رسول الله ﷺ وصفّق بيده، وشماله خير من يمينى. قالوا: فررت يوم الزحف. قال: إنّ الله سبحانه عفا عن ذلك. قالوا: ضربت أبشارنا، ووليت علينا سفهائنا، وسيّرت خيارنا. قال: إنّما سيّرت من سيّرت مخافة الفتنة، فمن مات منهم فودوه، واقتصّوا منّى لمن ضربته، وأمّا عمّالى فمن شئتم عزله عزلتموه، ومن شئتم إقراره فأقرّوه. قالوا: فمال الله الذى أعطيته قرابتك؟ قال: اكتبوا به علىّ للمسلمين صكّا، لأعجّل ما قدرت على تعجيله، وأسعى فى باقيه، إنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو أن يقتل نفسا بغير حقّ فيقتل به»،

стр. 1300

والله ما زنيت فى جاهليّة ولا إسلام، ولا قتلت نفسا بغير حقّها، ولا ابتغيت بدينى بدلا منذ هدانى الله للإسلام، ولا والله ما وضعت يدى على عورتى مذ بايعت بها رسول الله ﷺ ، إكراما ليده. فلمّا قال لهم ذلك رجع حلماؤهم على سفهائهم، ولم يقلع بعضهم، فنفذ عثمان إليهم المغيرة، فقالوا: ارجع يا فاسق، ارجع يا أعور! فنفذ عثمان عمرو بن العاص، فقالوا: ارجع يا عدوّ الله، لا سلم الله عليك، ارجع يا بن النابغة، فلست عندنا بأمين ولا مؤتمن! فقال لهم ابن عمر: ليس لهم إلاّ علىّ، فبعث إليه، فأتاه فقال: يا أبا الحسن، ائت القوم، فادعهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، قال: نعم، إن أعطيتنى عهد الله وميثاقه على أن تفى لهم بما أضمنه عنك، ففعل. فلمّا أتاهم قالوا له: وراءك وراءك، قال على: بل أمامى، تعطون ما تحبّون: كتاب الله، والعتبى (٢٢٩) من كلّ ما سخطتم، فرضوا، وأتى معه أشرافهم حتّى دخلوا على عثمان، وكتب بينهم كتاب، وشهد فيه عبد الله بن عمر، والزبير، وطلحة، وغيرهم، وذلك فى ذى القعدة سنة خمس وثلاثين. وأشار علىّ ﵇ على عثمان رضى الله عنه أن يصعد المنبر ويعتذر، فصعد فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من زلّ فليتب، ومن أخطأ فليتب» وأنا أوّل من اتّعظ، فإذا نزلت فليأتنى أشرافكم، فو الله لو ردّنى إلى الحق عبد أو أمة لا تبعته، وما عن الله مذهب إلاّ إليه.
следующие страницы →