← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ذكر مقتل عثمان بن عفّان رضى الله عنه اجتمع أهل الأمصار الثلاثة؛ وهم أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل مصر، قبل عثمان بسنة فى المسجد الحرام، ورئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدى (١) ورئيس أهل البصرة المثنّى بن مخرمة العبدى، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر السكونى ثم التجيبى، فتذاكروا أمر عثمان، وقالوا: لا يسعنا الرضا بهذا، وأجمعوا أنّهم إذا رجع كلّ واحد إلى مصره أن يكون رسول من شهد مكّة- من أهل الخلاف على عثمان-إلى من هو على مثل رأيهم من أهل بلدهم، وأن يوافوا عثمان فى العام المقبل، فيستعتبوه، فإن أعتبهم، وإلا رأوا فيه رأيهم. فلمّا حضر الموقف خرج الأشتر النخعى إلى المدينة فى مائتين، وخرج حكيم ابن جبلة العبدى فى مائة، وجاء أهل مصر (٢٢٦) فى أربعمائة، وقيل فى خمسمائة، وقيل بل أكثر من ذلك، وعليهم أبو عمرو، وبديل بن ورقاء الخزاعى، وعبد الرحمن بن عديس البلوى، وكنانة بن بشر النجيبى، وعروة بن شتم (٢). فلمّا قدموا المدينة أتوا دار عثمان، ووثب معهم من أهل المدينة رجال؛ منهم عمّار بن ياسر، ورفاعة بن رافع (٣) والحجاج بن غزّية (٤)، وعامر بن بكر، فحصروه الحصار الأوّل، ودفع عن عثمان جماعة منهم: زيد بن ثابت،

стр. 1297

وأبو أسيد الساعدى [وكعب بن مالك] (١) بن أبى كعب من بنى سلمة من الأنصار، وحسّان بن ثابت. واجتمع الناس إلى علىّ كرّم الله وجهه وسألوه أن يكلّم عثمان، فأتاه فقال: إنّ الناس قد كلّمونى فى أمرك، وو الله ما أدرى ما أقول، وما أعرّفك شيئا تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، وإنّك لتعلم ما أعلم، وما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، لقد صحبت رسول الله ﷺ ، ورأيت وسمعت [منه] (٢) ما رأينا وما سمعنا، وليس ابن أبى قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى منك إلاّ الحق (٣)، ولأنت أقرب إلى رسول الله ﷺ رحما، وقد نلت [من] (٤) صهره ما لم ينالاه، فالله الله فى نفسك، فإنّك لا تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل! فقال له عثمان: لو كنت مكانى ما عنّفتك ولا أسلمتك، ولا عتبت عليك أن وصلت، نشدتك الله، ألم يولّ عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك؟ قال: نعم! قال: أفلم يولّ معاوية؟ قال علىّ: إنّ معاوية كان أشدّ خوفا وطاعة لعمر من يرفأ (٥)، وهو الآن يدبّر الأمور دونك، ويقطعها بغير علمك، ويقول للناس: هذا بأمر عثمان ويبلغك فلا تنكر. ثمّ خرج (٢٢٧) فصعد عثمان المنبر، فقال بعد حمد الله سبحانه والصلاة على

стр. 1298

نبيّه-ثم قال ذلك الكلام المقدّم ذكره الذى أوله: إنّ لكلّ شئ آفة، ولكلّ أمر عاهة (١). وروى أنّ عثمان أتى عليّا فقال له: يا بن عمّ، إنّ قرابتى قريبة، وحقّى عظيم، وإنّ القوم فيما بلغنى أجمعوا على قتلى، وأنا أعلم أن لك عند الناس قدرا وهم يسمعون منك، وأحبّ أن تردّهم، وأنا أصير إلى ما تشير به وتراه، ولا أخرج عن أمرك ولا أخالفك، فركب علىّ ﵇ ومعه سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل، وأبو الجهم حذيفة العدوى، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد [وأبو أسيد] (٢) الساعدى، وزيد بن ثابت، وحسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومحمّد بن مسلمة، فكلّموهم فرجعوا إلى مصرهم. ثم لم ينشبوا حتى رجعوا وادّعوا أمورا أقسم عثمان أنّه لم يعلمها. وكان مروان يأتى عثمان فيقول: إنّ عليّا يؤلّب عليك الناس، فإذا سمع عثمان ما يقوله مروان يقول: اللهمّ إنّ عليّا أبى إلاّ حبّ الإمارة، فلا تبارك له فيها. ولمّا نزل المصرّيون بذى خشب، بعث عثمان إليهم محمّد بن سلمة، وجابر ابن عبد الله فى خمسين من الأنصار، ولم يزالوا بهم حتى ردّهم، فرأوا بعيرا وعليه ميسم (٣) الصدقة، وعليه غلام لعثمان، معه كتاب فيه: أن اقتل فلانا وفلانا،

стр. 1299

فرجعوا إلى عثمان فحصروه، ولمّا أحاطوا بداره فى المرّة الأولى أشرف عليهم عثمان رضى الله عنه فقال: ما الّذى نقمتم علىّ؟ فإنّى معتبكم، ونازل عند محبّتكم. فقالوا: زدت فى الحمى لإبل الصدقة على حمى عمر. قال: لأنّ ذلك زاد فى ولايتى، فزدت لها. قالوا: فإنّك لم تشهد بدرا. قال (٢٢٨): لأنّ رسول الله ﷺ خلفنى على ابنته. قالوا: لم تشهد بيعة الرضوان. قال: إنّما كانت من أجلى، بعثنى رسول الله ﷺ وصفّق بيده، وشماله خير من يمينى. قالوا: فررت يوم الزحف. قال: إنّ الله سبحانه عفا عن ذلك. قالوا: ضربت أبشارنا، ووليت علينا سفهائنا، وسيّرت خيارنا. قال: إنّما سيّرت من سيّرت مخافة الفتنة، فمن مات منهم فودوه، واقتصّوا منّى لمن ضربته، وأمّا عمّالى فمن شئتم عزله عزلتموه، ومن شئتم إقراره فأقرّوه. قالوا: فمال الله الذى أعطيته قرابتك؟ قال: اكتبوا به علىّ للمسلمين صكّا، لأعجّل ما قدرت على تعجيله، وأسعى فى باقيه، إنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو أن يقتل نفسا بغير حقّ فيقتل به»،

стр. 1300

والله ما زنيت فى جاهليّة ولا إسلام، ولا قتلت نفسا بغير حقّها، ولا ابتغيت بدينى بدلا منذ هدانى الله للإسلام، ولا والله ما وضعت يدى على عورتى مذ بايعت بها رسول الله ﷺ ، إكراما ليده. فلمّا قال لهم ذلك رجع حلماؤهم على سفهائهم، ولم يقلع بعضهم، فنفذ عثمان إليهم المغيرة، فقالوا: ارجع يا فاسق، ارجع يا أعور! فنفذ عثمان عمرو بن العاص، فقالوا: ارجع يا عدوّ الله، لا سلم الله عليك، ارجع يا بن النابغة، فلست عندنا بأمين ولا مؤتمن! فقال لهم ابن عمر: ليس لهم إلاّ علىّ، فبعث إليه، فأتاه فقال: يا أبا الحسن، ائت القوم، فادعهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، قال: نعم، إن أعطيتنى عهد الله وميثاقه على أن تفى لهم بما أضمنه عنك، ففعل. فلمّا أتاهم قالوا له: وراءك وراءك، قال على: بل أمامى، تعطون ما تحبّون: كتاب الله، والعتبى (٢٢٩) من كلّ ما سخطتم، فرضوا، وأتى معه أشرافهم حتّى دخلوا على عثمان، وكتب بينهم كتاب، وشهد فيه عبد الله بن عمر، والزبير، وطلحة، وغيرهم، وذلك فى ذى القعدة سنة خمس وثلاثين. وأشار علىّ ﵇ على عثمان رضى الله عنه أن يصعد المنبر ويعتذر، فصعد فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من زلّ فليتب، ومن أخطأ فليتب» وأنا أوّل من اتّعظ، فإذا نزلت فليأتنى أشرافكم، فو الله لو ردّنى إلى الحق عبد أو أمة لا تبعته، وما عن الله مذهب إلاّ إليه.

стр. 1301

فسرّ الناس بقوله، ثم جاء مروان [فزجر] (١) النّاس، وردّهم عن بابه، ولم يزل بعثمان يفتله فى الذروة والغارب، حتى لفته عن رأيه. فلمّا كانوا بإيلة وجدوا الكتاب (٢)، وكان مروان كتبه على لسان عثمان، وهو كان كاتبه، فرجعوا عودهم على بدئهم، وأروه الكتاب، فدخل به على عثمان، فقال: أمّا الخطّ فخطّ كاتبى، وأما الخاتم فعلى خاتمى، فقال علىّ: فمن تتّهم؟ قال: أتّهم كاتبى وأتّهمك، فخرج علىّ ﵇ مغضبا، وهو يقول: هو أمرك، ثم جاء المصريّون، فحلف أنّه لم يكتب ولم يأمر، فقالوا: هذا أشرّ يكتب عنك بما لا تعلم؟ ما مثلك يلى أمور المسلمين، فاخلع نفسك من الخلافة. قال: ما أنزع قميصا قمّصنيه الله سبحانه، فحصر عند ذلك الحصار الثانى، وأجلب عليه محمّد بن أبى بكر الصّدّيق ببنى تيم. ولمّا حلف عثمان صدّقوه، وعلموا أنّه لا يحلف بباطل، إلاّ أنّهم قالوا: لن تبرأ حتى تدفع إليها مروان، ولمّا حاصروه، ومنعوه الماء، أشرف عليهم فقال: أفيكم علىّ؟ قالوا: لا، فقال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت، ثمّ قال: ألا أحد يسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليّا، فبعث إليه بثلاث قرب (٢٣٠) مملوءة ماء، جرح بسببها عدّة من موالى بنى هاشم وبنى أمية حتّى وصلت إليه، وما كادت تصل إليه.

стр. 1302

ثم أشرف عثمان رضى الله عنه يوما على النّاس من داره وهو محصور، فقال: ائتونى بصاحبيكم الّلذين ألّباكم علىّ، فجئ بهما كأنّهما حماران، فقال: أنشد كما الله، هل تعلمان أنّ رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء مستعذب إلاّ بئر رومة، فقال: «من يشترى بئر رومة، فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها الجنة؟»، فاشتريتها من صلب مالى، قالا: اللهم نعم، قال: فعلام تمنعوننى أن أشرب من مائها، وأفطر على الماء الملح؟ ثم قال: أنشد كما الله هل تعلمان أنّ المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : «من يشترى بقعة آل فلان ليزاد فى المسجد بخير منها الجنة؟»، فاشتريتها من صلب مالى، قالا: الّلهمّ نعم، قال: أنشد كما الله، هل تعلمان أنّ رسول الله ﷺ كان على [أحد (١)]، أو على حراء، فتحرّك الجبل حتى تساقطت حجارته إلى الحضيض، فركضه برجله وقال: «اسكن، فما عليك إلاّ نبىّ أو صدّيق أو شهيد»، وفى رواية أنه قال ذلك فى المسجد، وفيه علىّ والزبير وطلحة وسعيد، وقال فيه (٢): هل تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع مربد آل فلان؟» فابتعته بعشرين ألفا، فهل علمتم أنّ أحدا منع أن يصلّى فيه غيرى؟ وقال فيه: هل تعلمون أنّ رسول الله ﷺ نظر فى وجوه القوم فقال: «من جهز هؤلاء؟» يعنى جيش العسرة-فجهّزتهم حتى لم يفتقدوا عقالا ولا خطاما، فقالوا: الّلهمّ نعم. وتمّ الحديث.

стр. 1303

ولمّا اشتدّ حصار عثمان قال له سعيد بن العاص: أنا أشير عليك أن تحرم وتلبى، وتخرج فتأتى مكّة، فلا يعرض لك ولا يقدم عليك، فبلغهم (٢٣١) ذلك فقالوا: والله لئن خرج لا فارقناه، حتى يحكم الله بيننا وبينه. ثم كتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز ومعاوية، وأعلمهما أنّ أهل البغى والعدوان عدوا عليه وأحاطوا به، وهم يطلبون قتله أو خلعه، وأمرهما أن ينجداه برجال ذوى بأس ونجدة ورأى، فوجّه إليه ابن عامر مجاشع بن مسعود السلمى فى خمسمائة، ووجّه إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى فى ألف فارس، وبلغ أهل مصر ومن معهم من أهل العراق المحاصرين له فعاجلوه. ويقال: إنّ معاوية أمدّه بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كريز البجلى، فتلقاه الناس بمقتل عثمان، فرجع وقال: لو دخلت المدينة وعثمان حىّ ما تركت بها محتلما إلاّ قتلته، لأنّ الخادل والقاتل سواء. وكان أشار المغيرة على عثمان أن يأمر مواليه ومن معه بالدخول فى السلاح فقعل، ثم أمر مواليه بإلقاء السلاح والانصراف عنه. فقال الوليد بن عقبة بن أبى معيط: وكفّ يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أنّ الله ليس بغافل وقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله ألقى عليهم ال ... عداوة والبغضاء بعد التّواصل وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن النّاس إدبار المخاض الحوامل وانتدب لنصرة عثمان قطن بن عبد الله بن الحصين الحارثى، فقال له عثمان رضى الله عنه: انصرف محمودا راشدا، وأنا أكلهم إلى الله ، ولا

стр. 1304

أقاتلهم، فإنّ ذلك أعظم لحجّتى عليهم، فكان يقول: وددت والله لو قتلت مع عثمان. وقال أبو هريرة لعثمان رضى الله عنه: أنفرجهم عنك بالضرب؟ فقال: لا، إنّك إن قتلت رجلا واحدا فكأنّما قتلت الناس جميعا. ودخل زيد بن ثابت على عثمان، فقال: إنّ الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنّا أنصار الله مرّتين، فقال عثمان: أمّا القتل فلا. وقال عثمان لأصحابه: أعظمكم عنّى غناء من كفّ يده وسلاحه. وقال عثمان: من رأى لنا سمعا وطاعة فليلق سلاحه، فألقى الناس أسلحتهم إلاّ مروان بن الحكم، فإنّه قال: وأنا أعزم على نفسى ألاّ ألقى سلاحى، قال أبو هريرة: كنت فيمن أقسم عليه عثمان، فألقيت سلاحى فما أدرى من أخذ سيفى. وجاء عبد الله بن الزبير لينصر عثمان، فقال له أنشد الله رجلا أراق فىّ دما، وكان فى الدار مع عثمان سبعمائة رجل، منهم الحسن، والحسين، وعبد الله ابن الزبير. وأمّر عثمان ابن الزبير على الدار، وقال: من كانت لى عليه طاعة فليطع ابن الزبير، وجاءت أمّ حبيبة بنت أبى سفيان زوج النبى ﷺ بإداوة (١) فيها ماء إلى عثمان وهو محصور، فمنعت منه، فقالت: إنّه كان المتولّى لوصايانا وأمر أيتامنا، وإنّى أريد مناظرته، فأذنوا لها، فأعطته الإداوة (٢).

стр. 1305

وقال أسامة بن زيد لعلىّ بن أبى طالب كرمّ اللهّ وجه: أنت واللهّ أعزّ علىّ من سمعى وبصرى، فأطعنى، واخرج إلى أرضك بينبع، فإنّ عثمان إن قتل وأنت بالمدينة رميت بدمه، وإن أنت لم تشهد أمره لم يعدل الناس عنك، فقال ابن عباس لأسامة: يا أبا محمدّ، أيطلب أثر بعد عين؟ أبعد ثلاثة من قريش ينبغى لعلى أن يعتزل؟ وصلى علىّ ﵇ بالناس يوم النحر وعثمان محصور، فكتب إليه عثمان ببيت الممزّق: (٢٣٣) فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلاّ فأدركنى ولما أمزّق وهذا البيت للممزّق الشّاعر وبه سّمّى ممزّقا، وإنما اسمه شأس. ولمّا اجتمعت طوائف الأنصار فى المدينة، خرج عثمان يوم جمعة، فلمّا صعد المنبر قام رجل مصرى فشتمه وعابه، فالتفت عثمان يمينا وشمالا، ينظر هل ينكر عليه أحد، فلم يتكلّم أحد، وقام جهجاه بن سعيد الغفارى، فقال مثل ذلك، وانتزع من عثمان عصا كانت فى يده، فكسرها على ركبتيه، وكانت عصا رسول اللهّ ﷺ ، فوقعت بعد ذلك الأكلة فى ركبتيه، فما منعه أحد، فقام عثمان فتكلّم كلمات يسيرة على دهش شديد، وصلّى صلاة خفيفة، ثم حفّ به بنو أميّة ومواليه، حتى دخل داره، فحصروه. واجتمعت الأنصار إلى زيد بن ثابت، فقالوا: ما ترى؟ قال: إنّكم نصرتم رسول الله ﷺ مرّة، فانصروا خليفته تكونوا أنصار الله مرّتين، فرّد عليه رجل قوله، فقال عبد الله بن سلاّم: الله الله فى دم هذا الرجل، فو الله ما بقى من

стр. 1306

أجله إلاّ اليسير، فدعوه يمت على فراشه، فإنكم إن قتلتموه سلّ عليكم سيف الله المغمود، فلن يغتمد حتى يقتل منكم خمسة وثلاثون ألفا. ولمّا بلغ عليّا ﵇ أنّهم يريدن قتل عثمان رضى الله عنه قال: إنّما أردنا قتل مروان، فأمّا عثمان فلا والله، وبعث بابنيه الحسن والحسين ﵉ وقال: اذهبا بسيفيكما، فقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحدا يصل إليه! وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث عدّة من المهاجرين والأنصار أبناءهم، فمنعوهم من الدخول إلى عثمان، فأصاب الحسين سهم فاختضب بدمه، فلمّا رأى النّاس ما بالحسين (٢٣٤) من الدم، وشجّ من أبناء المهاجرين محمّد بن طلحة، وشجّ قنبر وأصاب مروان سهم، قالوا: والله لئن رأت بنو هاشم الدماء على وجه الحسين لتعصبنّ له، ولتكشفّن عن عثمان، ولتبطلنّ ما نريد، ولكن مرّوا بنا حتى نتسّور عليه الدار فنقتله، من غير أن يشعر بنا أحد، فتسوّر عليه ثلاثة: سودان ورومان اليمانى ومحمّد بن أبى بكر الصدّيق، فقيل: لم يكن محمّد بن أبى بكر، وإنّما رجل من بنى أسد بن خزيمة، وقيل: رجل من أهل مصر، يقال له: جبلة ابن الأيهم، وجاء رافع بن مالك الأنصارى، ثم الزرقى، لباب عثمان، فأرسل فيه نارا، فأشعلها فى أحد الجانبين فاحترق ووقع، ودفع الناس الباب الآخر، ثم اقتحموا الدار، وقال عدىّ بن حاتم: اقتلوه، فإنّه لا يحيق (١) فيه عتاب، وتهيأ مروان للقتال فى جماعة، فنهاهم عثمان، فقتله كنانة بن بشر بن غياث التّجيبىّ وقتل عمرو بن الحمق الخزاعى. وأوّل من أدماه نيّار بن عياض الأسلمىّ، وكان بالمدينة نيّاران؛ أحدهما

стр. 1307

نيّار الخير، والآخر نيّار الشرّ، وهو هذا الذى أدمى عثمان رضى الله عنه أوّلا. وقال عبد الله بن سلاّم: أتيت عثمان وهو محصور، فقال: مرحبا يا أخى، رأيت رسول الله ﷺ فى هذه الليلة، فقال لى: يا عثمان، حصروك؟ قلت: نعم! قال: فأدلى دلوا فشربت حتى رويت، وإنّى لأجد برد الماء بين ثديىّ وكتفىّ، ثم قال: إن شئت أفطرت عندنا، وإن شئت دعوت الله فنصرت عليهم، فاخترت أن أفطر عندهم، فقتل ذلك اليوم وكان صائما. ويقال إنّه رأى رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وروى أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، (٢٣٥) فقال: أنت شاهد فينا الجمعة، فقتل يوم الجمعة قبل الصلاة، فى ذلك اليوم الذى رأى فيه رسول الله ﷺ ، وقام عثمان من ساعته، فلبس سراويله، وما لبسها فى جاهليّة ولا إسلام قبل ذلك اليوم، ودعا بمصحفه فنشره بين يده، فتحرّم به من الفتنة، فقتل رضى الله عنه وهو بين يده. وروى عقبة بن عامر، قال: رأى النبى ﷺ لما عرج به إلى السماء أنّه دخل جنّة عدن، قال رسول الله ﷺ : «فأعطيته تفّاحة، فلمّا وقعت فى يدى انفلقت عن حوراء مرضيّة، كأنّ أشفار (١) عينيها مقادم أجنحة النسور. فقلت: لمن أنت؟ فقالت للخليفة المقتول ظلما، عثمان بن عفان».

стр. 1308

لو يقال إن عثمان رضى الله عنه أخذ يوم الدار الحربة ليقاتل بها، فنودى من السماء: مهلا يا عثمان. فرماها من يده، ورفع كنانة بن بشر التجيبى عمودا من حديد، فضربه على جبهته فخرّ إلى الأرض، وضربه سودان المرادى بالسّيف، فكانت أوّل قطرة قطرت من دمه على المصحف، على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»﴾ (١)، ودخل رومان عليه وفى يده خنجر، فقال له: على أىّ دين أنت يا نعثل؟ فقال: لست بنعثل، ولكنّى عثمان، فقال: على أىّ دين أنت؟ فقال: على ملّة إبراهيم حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، وقعد عمرو ابن الحمق على صدره فوجأه (٢) تسع وجآت بمشاقص كانت معه، وجاء علىّ ﵇ مستعجلا، حتى دخل على امرأة عثمان فقال لها: من قتله؟ قالت: لا أدرى دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلاّ إذا أريتهما، وكان محمّد بن أبى بكر معهما. (٢٣٦) قال: ولمّا رآه عثمان قال: لو رآك أبوك لساءه مكانك منّى، فتراخت يده عنه، فخرج تائبا، وكان يقول: والله ما قتلته ولا أمسكته، وقتله الرجلان، وصرخت امرأته، فلم يسمع صراخها لما كان فى البيت من الجلبة والغوير (٣)، فصعدت سطح الدار وقالت: قتل أمير المؤمنين! فدخل الحسن والحسين ﵉ فوجداه مذبوحا. وروى أنّه لمّا دخلوا على عثمان قامت امرأته فأدخلته بينها وبين ثيابها، وكانت جسيمة، فأدخل رجل من أهل مصر سيفا مصلتا بينها وبين ثيابها،

стр. 1309

وكشفت عورتها، فقبضت على السيف، فقطع أصابعها، فقالت لغلام لعثمان: أعنّى على هذا الفاسق، فضربه الغلام، فقتله. وبلغ عليّا الخبر فجاء وطلحة وسعد، وجاء أهل المدينة وقد ذهبت عقولهم لتلك المصيبة، فاسترجع الناس ولطم علىّ الحسن، ودفع فى صدر الحسين، وشتم محمّد بن طلحة، ولعن ابن الزبير. وقاتل دون عثمان فى ذلك اليوم ثلاثة نفر، فقتلوا معه، وهم: عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود، وعبد الله بن عوف، وعبد الله بن عبد الرحمن ابن العوّام بن خويلد. ولمّا عاد علىّ ﵇ إلى منزله وهو غضبان، جاءه الناس يهرعون إليه ويقولون: أنت أمير المؤمنين! فقال: ليس هذا إليكم، إنّما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضوا به فهو الخليفة، فأتاه أهل بدر، فقالوا: ما نرى أحدا أحقّ بها منك، وسيأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى. قال أبو قلابة: دخلت فندقا بالشام فإذا رجل مقطوع اليدين والرجلين، أعمى، ملقى على وجهه، ينادى: يا ويله، النار! فأتيته، فسألته عن حاله، قال: كنت فيمن دخل (٢٣٧) على عثمان يوم الدار، وكنت فى سرعان من وصل إليه، فلمّا دنوت منه صرخت امرأته، فرفعت يدى فلطمتها، فنظر إلىّ عثمان وتغرغرت عيناه، وقال: سلبك الله يديك ورجليك، وأعمى بصرك، وأصابك بنار جهنّم! فخرجت هاربا حتى أتيت مكانى، فأتانى آت ففعل [بى] (١) ما ترى، فو الله ما أدرى إنسيّا كان أو جنّيّا؟ وقد استجاب الله فى يديه ورجليه وبصره،

стр. 1310

فو الله ما بقى إلاّ النار، قال أبو قلابة: فهممت أن أطأه برجلى، ثم قلت: بعدا لك وسحقا. ولمّا وقعت ضربة على يد عثمان رضى الله عنه فقطعتها، قال عثمان: أما والله إنّها لأوّل يد خطت المفصل. ودعت عائشة رضى الله عنها على أخيها محمّد بن أبى بكر بما ارتكب من عثمان، فقالت: الّلهمّ اقتل مذّمما قصاصا لعثمان، وارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، وكان الأشتر ممّن ألبّ على عثمان، وأجلب عليه، وأرد عمّارا بحفرته فى عثمان، فأجاب الله دعاءها فى جميعهم. وبقى عثمان فى بيته مقتولا يومين أو ثلاثة، وقيل بل يوما وليلة، حتى حمله أربعة رجال، منهم جبير بن مطعم، وامرأة، ولمّا جاءوا ليصلّوا عليه منعوهم، فقال أبو الجهم: إن لا تدعونا نصلّى عليه فقد صلّت عليه الملائكة، ثم صلّى بهم جبير بن مطعم، وحملت أمّ البنين بنت عيينة امرأة عثمان السراج بين أيديهم، وحمل عثمان على باب من جريد، ولقيهم قوم فقاتلوهم حتى طرحوه، فجاء عمير ابن ضابئ البرجمى، فتوطّأ بطنه وهو يقول: ما رأيت كافرا ألين بطنا منه، وكان أبوه ضابئ اندسّ ليتوجّأ عثمان، ويفتك به، ففطن به، فحبسه عثمان فقال وهو محبوس: (٢٣٨) هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله وما الفتك إلاّ لا مرئ ذى حفيظة ... إذا ريع لم ترعد لجبن مفاصله

стр. 1311

وكان عمير بن ضابئ ممّن شهد الدار، وقرّعه الحجّاج بذلك حين قتله. ودفن عثمان ﵀ وأرضى عنه فى حش كوكب، وهو نخل لرجل يقال له كوكب، والحشّ: البستان، وكان عثمان كثيرا ما يمر بحش كوكب فيقول: سيدفن فى هذا المكان رجل صالح، وكان عثمان قد اشتراه وزاده فى البقيع، وهو أوّل من دفن فيه، وهى مقبرة بنى أميّة إلى آخر وقت، وصلّى عليه المسوّر ابن مخرمة. ولمّا منع من دفن عثمان قالت أمّ حبيبة-زوج النبى ﷺ -وهى واقفة بباب المسجد: ليخلّنّ بيننا وبين عثمان، أو لأكشفنّ ستر رسول الله ﷺ . وقتل رضى الله عنه يوم الجمعة، لثمانى عشرة ليلة خلت من ذى الحجّة، سنة خمس وثلاثين هجرّية، ودفن ليلا بين المغرب والعشاء، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة. وكانت خلافته اثنتى عشرة سنة، غير اثنى عشر يوما، وهو الصّحيح، وكان مقتله-على رأى-إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرا، وثمانية عشر يوما من مقتل عمر بن الخطّاب رضى الله عنهما، وقبل صلاة العصر فى رواية، وفى أخرى قبل صلاة الجمعة، والله أعلم. ولمّا جاء الصارخ بقتله قال علىّ ﵇ ومدّ يده: الّلهمّ إنّى أبرأ إليك من دم عثمان! قال إسحاق بن علىّ: أعيذ عليّا بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ عثمان بالله أن يكون علىّ قتله. وهذا ينظر إلى قول النبى ﷺ : «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من قتل

стр. 1312

نبيّا، أو قتله نبىّ، وهو بعينه قول الآخر: (٢٣٩) كان عثمان أتقى لله أن يقتله علىّ، وكان علىّ أتقى لله أن يقتل عثمان. وانتهبوا داره، وقالوا: كيف يحلّ لنا دمه، ولم يحلّ لنا ماله؟ فقالت امرأته: لصوص والله، ما الله أردتم بقتله، ولقد قتلتموه صوّاما قوّاما، يقرأ القرآن فى ركعة، قال الشاعر: لعمر أبيك فلا تكذبنّ ... لقد ذهب الخير إلاّ قليلا لقد فتن الناس فى دينهم ... وأبقى ابن عفّان شرّا طويلا حسّان بن ثابت يرثى عثمان، فقال: أبكى أبا عمرو لحسن بلائه ... أمسى رهينا فى بقيع الغرقد وكأنّ أصحاب النّبىّ عشيّة ... بدن تنحّر عند باب المسجد الوليد بن عقبة يرثى عثمان، ويهدّد، ويقول: بنى هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ... ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه فهم قتلوه كى يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مراذبه بنى هاشم كيف العداوة بيننا ... وعند علىّ سيفه وجنائبه وقال حسّان: صبرا جميلا بنى الأحرار لا تهنوا ... قد ينفع الصّبر فى المكروه أحيانا يا ليت شعرى وليت الطير تخبرنى ... ما كان شأن علىّ وابن عفّانا (١)

стр. 1313

لتسمعنّ وشيكا فى ديارهم ... الله أكبر، واثأرات عثمانا قلت: وهذا البيت الثّالث ليس لحسّان، وإنّما استشهد به، وقد قيل قبل الإسلام بزمن طويل، ذكر ذلك عبد الملك بن هشام فى كتاب التيجان: ملوك التبابعة من حمير (١)، والله أعلم. ومن الأبيات: من سرّه الموت صرفا لا مزاج له ... فليأت مأدبة فى دار عثمانا (٢) ضحّوا بأشمط عنوان السجود له ... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا ويقال إنّ البيت الأخير لعمران بن حطّان السدوسى، والله أعلم. وقال حسّان: قتلتم ولىّ الله فى وسط داره ... وجئتم بأمر جائر غير مهتد فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا ... على قتل عثمان الرشيد المسدّد القاسم بن أمية بن أبى الصلت يقول: لعمرى لبئس الذّبح ضحيتم به ... وخنتم رسول الله فى صاحبه ليلى الأخيلّية تعزى معاوية وتقول: قتل ابن عفّان الإما ... م وضاع أمر المسلمينا وتشتتت سبل الرشا ... د لصادرين وواردينا فانهض معاوى نهضة ... تشفى بها الداء الدفينا أنت الذى من بعده ... تدعى أمير المؤمنينا

стр. 1314

وقال حسّان، وقيل: أيمن بن خزيم (١): ضّحوا بعثمان فى الشّهر الحرام ضحى ... فأىّ ذبح حرام [ويلهم (٢) ] ذبحوا وأى سنّة [كفر (٣) ...] سنّ أولههم وباب شرّ على سلطانهم فتحوا ... ماذا أرادوا أضل الله سعيهم بسفك ذاك الدم الزاكى الذى سفحوا قال سعيد بن المسيّب: قال لى علىّ بن زيد: انظر إلى وجه هذا الرجل، فنظرت، فإذا هو مسودّ الوجه، فقال لى: سله عن أمره. فقلت: حسبى حديثك، فقال: الّلهمّ إنّ هذا يسبّ عثمان وعليّا جميعا، وكنت أنهاه، فلا ينتهى، فقلت: اللهمّ إنّ هذا يسب رجلين قد سبق لهما ما تعلم، فاللهمّ إن كان ما يقول سخطا فأرنى فيه آية، فاسودّ وجهه كما ترى. ولمّا قتل أقبل من البصرة مجاشع بن مسعود السلمى فيمن وجّهه عبد الله ابن عامر لنصرة عثمان، فلمّا كان ببعض الطريق بلغه مقتل عثمان، ويقال (٢٤١) إنّ الذى أخبره زفر بن الحارث الكلابى لما قال له مجاشع وقد لقيه: ما وراءك؟ قال: قتل نعثل، قال: ويحك، ما تقول؟ قال: أخبرك بالحقّ، وهذه طاقات من شعره معى، قال مجاشع: لعنك الله، ولعن ما أقبل منك وما أدبر، ثم شدّ عليه فقتله، وهو أوّل من قتل بدم عثمان.

стр. 1315

ولمّا قفل ابن عبّاس من الحجّ، وكان عثمان أمّره على الحجّ بالناس، فرجع وقد قتل عثمان، فقال لعلىّ: إنّك إن قمت بهذا الأمر ألزمك الناس دم عثمان إلى يوم القيامة. وقال عبد الله بن عمر: والله ما علمت أنّ عليّا شرك فى دم عثمان فى سرّ ولا علانية، ولكنّه كان رأسا يفزع إليه، فأضيف إليه ما حدث. وقال أبو موسى الأشعرىّ لمّا قتل عثمان: هذه حيضة من حيضات الفتن، وبقيت المثقلة الرداج (١)، التى من هاج فيها هاجت إليه، ومن أشرف لها أشرفت له. وكان سعيد بن المسيب يسمّى العام الذى قتل فيه عثمان رضى الله عنه عام الحزن، وقال أبو حميد الساعدى، وكان بدريّا (٢): والله ما كنّا نظنّ أنّ عثمان يقتل، الّلهمّ إنّ لك علىّ ألاّ أضحك حتى ألقاك. وقال ابن عبّاس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمى قوم لوط. وكانت عائشة رضى الله عنها تقول: ليتنى كنت نسيا منسيّا قبل أمر عثمان، والله ما أحببت له شيئا إلاّ منيت بمثله، حتى لو أحببت قتله لقتلت. وجاء الأشتر إلى عائشة فقال: يا أمّ المؤمنين، ما ترين هذا الرجل يعنى عثمان، فقالت: معاذ الله أن آمر بسفك دماء المسلمين، وقتل إمامهم، واستحلال حرمتهم، لعن الله

стр. 1316

قتلة عثمان المقتول ظلما، أفاد (١) الله من محمد بن أبى بكر، وأهدى (٢٤٢) إلى الأشتر سهما من سهامه، وهراق دم ابن بديل فو الله ما [من] القوم أحد إلاّ أصيب بدعوتها. نبذ من أخبار بنى عثمان رضى الله عنه ومن أولاده عمرو بن عثمان، وهو أكبر ولده وأشرفهم، وأمّه رقيّة بنت رسول الله ﷺ (٢)، دعاه مروان إلى الشخوص معه إلى الشام ليبايع له بالخلافة فأبى، ولعمرو هذا مع مسلم بن عقيل فى وقعة الحرّة خبر يذكر فى موضعه إن شاء الله تعالى، وكان عمرو بن عثمان هذا تزوّج امرأة من ولد السائب، فلمّا نصّت عليه طلّقها على المنصّة، فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزبير فأخبره خبره، وقال: أخشى أن يظنّ الناس أنّ طلاقها عن عاهة بها، فقم فادخل عليها لتنظرها، فقال ابن الزبير: أو خير من ذلك، جيئونى بالمصعب، فجاء، فزوّجها عبد الله من أخيه المصعب، فما يعرف امرأة نصّت على زوجين فى ليلة غيرها. ومن أولاد عمرو بن عثمان: عبد الله، كان يدعى المطرف لجماله وحسنه، كانت تحت الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب فاطمة بنت الحسين بن علىّ ابن أبى طالب وكانت جميلة يرغب فيها، فلمّا حضرت الحسن الوفاة، قال لفاطمة زوجته: كأنّى بك إذا متّ نظرت إلى عبد الله بن عمرو بن عثمان المطرف مرجّلا

стр. 1317

جمّته (١)، لا بسا حلّته، متعرّضا لخطبتك، فانكحى من شئت غيره! فحلفت بعتق عبيدها وصدقة مالها أنّها لا تتزوّجه، ثم مات الحسن وخرج بجنازته، وحضرها المطرف عبد الله بن عمرو بن عثمان، فنظر إلى فاطمة حاسرا تلطم وجهها، فأرسل إليها أنّ لنا فى وجهك حاجة، فارفقى به، فعرف فيها الاسترخاء، وخمّرت وجهها، فلمّا حلّت (٢٤٣) خطبها، فقالت: كيف أصنع بيمينى؟ قال: لك مكان كلّ شئ شيئان، فقبلت، وتزوّجها، وأبرّ يمينها، فولدت له محمّدا الذى يقال له الديباج. وكان جميل بثينة يقول لبثينة: ما رأيت عبد الله بن عمرو بن عثمان يخطر على البلاط إلاّ دخلتنى الغيرة عليك، خوفا أن تريه أو ترى مثله وإن بعدت دارك، وكان عبد الله بن عمرو كثير التزويج والطلاق، قالت له امرأة من نسائه: مثلك مثل الدنيا، لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، وأخذه المنصور مع الطالبيّين أيام محمّد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن حسن (٢)، فضرب عنقه صبرا. ومن ولد عثمان رضى الله عنه سعيد بن عثمان، ولى خراسان من قبل معاوية، وفتح سمرقند، وكان أعور بخيلا، وكان عند سعيد بن عثمان غلمان من أبناء الملوك من السغد، دفعوا إليه رهائن، فقدم بهم سعيد حين عزله معاوية لمّا خاف أن يطلب الخلافة لنفسه، فلمّا صار بهم إلى المدينة أخذ كسوتهم ومناطقهم،

стр. 1318

ودفعها لغلمانه، وكساهم الصوف، وألزمهم أعمالا صعبة، فدخلوا عليه فى مجلسه، فقتلوه، ثم قتلوا أنفسهم. فقال الوليد بن عقبة: ألا إنّ خير النّاس نفسا ووالدا ... سعيد بن عثمان قتيل الأعاجم ولمّا بايع معاوية لولده يزيد قال صبيان المدينة فى أقوالهم: والله لا مبايعا يزيد ... حتّى ينال رأسه الحديد إنّ الأمير بعده سعيد فلمّا قدم سعيد بن عثمان على معاوية قال له: يا بن أخى، ما شئ بلغنى عنك من ترشيحك للخلافة؟ قال: وما ينكر من ذلك يا معاوية؟ والله إنّ أبى لخير من أبى يزيد، وإنّ أمّى لخير من أمّه، ولأنا خير منه، ولقد استعملناك (٢٤٤) فما عزلناك، ووصلناك فما قطعناك، وصار أمرنا فى يديك، فخلأتنا عنه أجمع، فقال معاوية: صدقت فى أنّ اباك خير منّى، وأنّ أمّك خير من أمّه، لأنّ أمّك من قريش وأمّه من كلب، وبحسب امرأة أن تكون من صالحى نسائها، وأمّا قولك أنّك خير منه، فو الله ما يسرّنى أنّ بينى وبين العراق حبلا نظم لى فيه أمثالك، الحق بالعراق عمل زياد، فقد أمرته أن يولّيك خراسان، ثم عزله بعد ذلك خوفا منه. ومن ولد عثمان رضى الله عنه أبان بن عثمان، شهد أبان الجمل مع عائشة، وولى المدينة فى أيّام عبد الملك بن مروان، فقال عروة بن الزبير: الله أكبر، جاء فى الحديث أنّ: «هلاك بنى أميّة عند ولاية رجل أحول»، وكان أبان

стр. 1319

أحول أبرص، وكانوا يظنّونه الأحول الذى هلاك بنى أميّة عند ولايته، وكان ذلك الأحول هشام بن عبد الملك، وكان أبان صاحب رشوة وجور، وأصابه فالج، فمات فى خلافة يزيد بن عبد الملك. ومن ولد أبان عبد الرحمن، كان يصلّى فى كلّ يوم ألف ركعة، ويكثر الحجّ والعمرة، وله خطر، ومروءة، وصلاح، وصدقة، كان إذا تصدّق قال: اللهمّ هذا لوجهك الكريم، فخفّف عنّى الموت، فصلّى الغداة فى خروجه إلى الحجّ، ثم نام، فأيقظوه فوجدوه ميتا. وكان محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يسمّى الديباج لحسنه، وأمّه فاطمة بنت الحسين صلوات الله عليه، فقدم الرمّاح بن ميّادة المدينة، وأميرها عبد الواحد ابن سليمان، فسمع عبد الواحد يقول: إنّى لأهمّ بالتزويج فابغونى أيّما! فقال ابن ميّادة: أنا أدلّك، قال: على من؟ وفّقك الله؟ فقال: دخلت مسجدكم هذا فإذا أشبه شئ به وبمن فيه الجنّة وأهلها، فبينا أنا أمشى (٢٤٥) إذ قادتنى رائحة عطر من رجل، فوقعت عينى عليه، واستلهانى حسنه، وتكلّم فكأنّما قرأ قرآنا، وتلا زبورا، حتى سكت، فلولا علمى بالأمير لقلت إنّه هو، فسألته عنه، فأخبرت أنّه من الحيّين للخليفتين عثمان وعلىّ: وأنّه قد نالته ولادة من رسول الله ﷺ ، فلها نور ساطع فى غرّته، فإن اجتمعت أنت وهو على ولد، بأن تتزوّج ابنته ساد العباد، وجاب ذكره البلاد، فقال: ذاك محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، ولد [فاطمة] (١) بنت الحسين، فقال ابن ميّادة: لهم بهجة لم يعطها الله غيرهم ... وكلّ عطاء الله فضل مقسّم

стр. 1320

صفة الإمام عثمان رضى الله عنه كان ربعة، أبيض مشربا صفرة، حسن الوجه، رقيق البشرة، كأنّه فضّة وذهب، سبط الشعر، عبل (١) الساقين، كثيف شعرهما، عظيم اللحية يصفّرها، مضبّب الأسنان بالذهب. كاتبه رضى الله عنه مروان بن الحكم. حاجبه رضى الله عنه حمران بن أبان، مولاه. وكان رضى الله عنه أوّل من اتّخذ صاحب شرطة، فكان صاحب شرطته عبد الله بن قنفد التميمى، ذكر ذلك البلاذرى، والله أعلم. نقش خاتمه رضى الله عنه آمنت بالله مخلصا، ويقال: لتنصرنّ أو لتندمنّ، وقال ابن عبّاس: أحينى سعيدا وأمتنى شهيدا.

стр. 1321

ذكر خلافة الإمام الأنزع والبطل السميدع علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه ونسبه وما لخّص من أخباره أما نسبه، رضى الله عنه، فهو أبو الحسن علىّ بن أبى طالب، واسم أبى طالب عبد مناف بن عبد المطّلب، واسمه شيبة الحمد بن هاشم، واسمه عمرو، جامع رسول الله ﷺ من عبد المطّلب إلى آدم وحوّاء، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم ابن عبد مناف، تلقى أباه فى هاشم، وتلقى رسول الله ﷺ بأمّه فى هاشم أيضا. وهو أوّل خليفة كان أبواه هاشميّين، ولم يل بعده ممّن كان أبواه هاشميّين غير محمّد الأمين بن هارون الرّشيد، وهو أبو السبطين، وأبو الريحانتين، وأبو الحسنين-وكنّاه رسول الله ﷺ أبا تراب، وسبب ذلك: مرّ رسول الله ﷺ فى غزاة ودّان وهو وعمّار بن ياسر رضى الله عنهما نائمان على الأرض، فأيقظهما، فوجد عليّا قد تمرّغ فى البوغاء، فقال: اجلس يا أبا تراب. وقيل: بل غاضب فاطمة ﵍، فخرج مغتاظا، فنام على التراب. وقيل: كان إذا غاضب فاطمة أكرمها عن أن يسبّها فيضع التراب على رأسه، فقال له ذلك. حدّث هشام الكلبى، قال: كنت يوما عند ابن القطامى، فقال: من منكم يعرف علىّ بن عبد مناف بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن زيد، وهو أشرف الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال القوم: لا نعرفه، فقال: هو علىّ بن أبى طالب،

стр. 1322

وأبو طالب اسمه عبد مناف، وعبد المطّلب اسمه شيبة، وهاشم اسمه عمرو، وعبد مناف اسمه المغيرة، وقصىّ اسمه زيد. وأسلمت أمّه، وماتت قبل أن تهاجر، (٢٤٧) وقيل: بل هاجرت، وفى ذلك خلاف. وعلىّ كرّم الله وجهه أصغر أولاد أبى طالب، هو أصغر من جعفر بعشر سنين، وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين. وروى أنّ عليّا ﵇ أوّل من أسلم، وروى ذلك سلمان الفارسى، وأبو الدرداء (١)، والمقداد، وخبّاب، وجابر بن شهاب، أنّ عليّا أوّل من أسلم من الرجال بعد خديجة، وهو الذى عليه أكثر العلماء، ومن يرى أنّ إسلامه كان قبل إسلام أبى بكر يقول: خفى إسلام علىّ لأنّه أخفى إسلامه، وظهر إسلام أبى بكر لأنّه أظهره، قال رسول الله ﷺ : «أوّلكم ورودا على الحوض وأوّلكم إسلاما علىّ» (٢)، أسلم علىّ وهو ابن ثمان سنين، وفى مثل هذا السنّ أسلم الزبير وطلحة وسعد، أسنانهم متقاربة. وقيل: أسلم علىّ وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة. روى أنّ أبا طالب بن عبد المطّلب قال لفاطمة: يا بنت أسد، وهى زوجته وأمّ أولاده: ما لى لا أرى عليّا يحضر طعامنا؟ فقالت: إنّ خديجة بنت خويلد قد تألّفته، فقال أبو طالب: لا أحضر طعاما غاب عنه علىّ، فأرسلت فاطمة أمّه إلى خديجة زوج النبى ﷺ ولدها جعفر يعلمها ما كان من أبى طالب،

стр. 1323

وتسألها إيفاد علىّ إليها، فانطلق جعفر، ففعل ذلك، وجاء بعلىّ رضى الله عنه وقد حضر عند أبى طالب، فلما رآه بشّ به، وأجلسه على فخذه، وجعل كفّه على رأسه، ووضع فى فيه لقمة، فلاكها علىّ رضى الله عنه ثم لفظها، وبكى، فقال أبو طالب: يا فاطمة، خذى إليك هذا الطفل، وانظرى ما شأنه! فأخذته أمّه، ولا طفته، وسكّتته، وسألته، فقال: أتكتمين علىّ؟ فقالت: نعم (٢٤٨) قال: يا أمّاه، إنّى لأجد لكفّ محمد بردا، ولطعامه قداوة، وإنّى وجدت لكفّ أبى حرّا، ولطعامه وخامة ونغلا، فقالت له: لا تفه بهذا، وإن سألك أبوك فقل: إنّى مغست، ولمّا فرغ أبو طالب من غدائه قال: يا فاطمة ما بال ابنى؟ فقالت: إنّه كان مغس، ثم قد عوفى، فقال: كلاّ وهبل، ما به إلاّ إيثار محمّد علينا، فألحقيه به، ولا تعرضى له بعد، فيوشك أن يهصر به أصلاب قريش. تفسير كلمات من هذا الخبر قوله: فلاكها ثم لفظها: الّلوك المضغ، واللفظ: إلقاء الشئ من الفم، وقوله: أجد لطعامه قداوة، أى طيبة وطيب رائحة، وقد قدى اللحم قديا، وقدوا، وقداوة، وقوله: ونغل: النغل: تغيّر الرائحة وفسادها، وقوله: يوشك: معناه يسرع، والوشيك السريع، وقوله: يهصر، أى يعطف، ويثنى ليكسر، والله أعلم. وروى عن ابن عبّاس رضى الله عنه (١) أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه

стр. 1324

قال: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»﴾ (١)، قال لى رسول الله ﷺ : إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعلمت أنّى متى أبادههم بهذا الأمر أرمنهم ما أكره، فصمت عليه حتّى أتانى جبريل، فقال لى: يا محمّد إن لا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك، فأمر عليّا أن يصنع [صاعا من طعام] (٢)، وأن يجعل عليه رجل شاة (٣)، واملأ لنا عسّا من لبن، ثم اجمع إلىّ بنى عبد المطّلب، حتّى أكلّمهم وأبلّغهم ما أمرت به. قال علىّ: فصنعت ذلك ما أمرنى به، ثم دعوتهم إليه، وهم يومئذ أربعون رجلا، (٢٤٩) يزيدون رجلا، أو ينقصون رجلا، فيهم أعمامه: أبو طالب، والعبّاس، وحمزة وأبو لهب، فلمّا اجتمعوا إليه، دعانى بالطعام الذى صنعت لهم، فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول الله ﷺ حذية من اللحم، فشقّها بأسنانه، ثم ألقاها فى نواحى الصحفة (٤)، ثم قال: كلوا بسم الله، قال فأكل القوم حتى ما لهم بشئ حاجة، وما أرى إلاّ مواضع أيديهم، وأيم الذى نفسى على بيده، إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل الذى قدّمته لجميعهم. ثم قال: اسق القوم يا على، فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا منه حتى رووا جميعا، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول الله ﷺ أن يكلّمهم بدّد أبو لهب الكلام (٥)، فقال: شدّ ما (٦) سحركم

стр. 1325

صاحبكم فتفرّق القوم، ولم يكلمهم النبى ﷺ . فقال: الغد يا علىّ، إنّ هذا الرجل قد سبقنى إلى ما سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم، فعد لنا، يا علىّ، بمثل ذلك الذى صنعت، واجمعهم لى، قال: ففعلت، ثم دعانى بالطعام، فقرّبته إليه، وفعل كما فعل بالأمس، وأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة، ثم قال: اسقهم فشربوا حتى رووا منه جميعا. ثم تكلّم النبى ﷺ فقال: يا بنى عبد المطّلب، إنّى والله ما أعلم شابّا فى العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم، فأيّكم يؤازرنى على هذا الأمر، على أن يكون أخى، ووصيّى، وخليفتى فيكم؟ قال: فأحجم القوم جميعا، وقلت: وإنّى لأحدثهم سنّا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا: أنا يا نبىّ الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتى (٢٥٠) وقال: إنّ هذا أخى ووصيّى وخليفتى فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا! فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبى طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (١). تفسير ألفاظ من هذا الخبر قوله: أبادههم، هو مثل أباديهم، يقولون: بدأت وبدهت على البدل، وإذا بدأت الكلام من غير أن تتهيّأ له فقد ابتدهته، وهى [البده] (٢)، أصلها بديهة، وقوله: حذية من اللحم، هى القطعة المستطيلة منه، وقوله: عسّ من اللبن، العسّ إناء من أوانى اللبن، ليس بالكبير، وقوله: شدّ ما سحركم، أى ما أشدّ سحره لكم، وقوله أحجم القوم: الإحجام هو النكوص، والتأخّر عن الشّئ،

стр. 1326

وقوله: أحدثهم سنّا، أى أصغرهم، وكان علىّ ﵇ إذ ذاك لم يبلغ عشر سنين، وهذا أوّل ما بعث النبى ﷺ ، وقوله: أخمشهم ساقا، الخمش دقّة الساقين، والله أعلم. نشأ علىّ ﵇ فى حجر سيّدنا رسول الله ﷺ لأنّ أبا طالب كان قد أقتر وأخلّ (١)، وجلس علىّ بمكّة، بعد أن هاجر رسول الله ﷺ ثلاثا يؤدّى الودائع التى كانت عنده، وآخى بينه وبين نفسه ﷺ وبين سهل بن حنيف الأنصارى رضى الله عنه. وكان ابن عبّاس يقول: اجتمع لعلىّ رضى الله عنه أربع خصال ليست لغيره: هو أوّل عربىّ [وعجمىّ] (٢) صلّى مع رسول الله ﷺ ، وهو صاحب رسول الله ﷺ فى كلّ زحف، وصبر معه يوم فرّ غيره، وغسّل رسول الله ﷺ ، وأدخله قبره. ولمّا قتل مصعب بن عمير يوم أحد، وكان اللواء معه، أخذ رسول الله ﷺ اللّواء (٢٥١) بيده، وقال: «لأعطينّ اللواء اليوم لرجل يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»، فتشوّف الناس من يكون ذاك؟ فأعطاه عليّا، وكان عمره يومئذ عشرين سنة، لم يتخلّف عنه ﷺ إلاّ فى غزاة تبوك، تخلّف عنه بأمره، وقال ﷺ وهو على حراء: «اسكن حراء، فما عليك إلاّ نبى أو صدّيق أو شهيد»، وكان عليه العشرة المشهود لهم بالجنّة. وبعثه ﷺ قاضيا، قال: إنّك بعثتنى إلى قوم ذوى أسنان، وأنا حديث السّن لا علم لى بالقضاء، فقال ﵇: «إنّ الله سيهدى قلبك ويثبّتك،

стр. 1327

إذا جاءك الخصمان فلا تقضينّ على الأوّل حتّى تسمع من الثانى، فإنّه يتبيّن لك القضاء»، ثم ضرب فى صدره بيده، وقال: «اللهمّ اهد قلبه، وسدّد لسانه»، قال علىّ: فما شككت بعدها فى قضاء بين اثنين. وقال علىّ ﵇: ما تقدّمت على الخلافة إلاّ خوفا أن ينزو (١) على الأمر تيس من تيوس بنى أميّة يلعب بكتاب الله. زوّجه رسول الله ﷺ لفاطمة، وقال لها: «زوّجتك أوّل أصحابى إسلاما، وأكثرهم علما وحكما»، وقال من ذكر قول رسول الله ﷺ : «لأعطينّ غدا الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار، يفتح الله على يديه» إنّما ذلك كان فى غزاة خيبر. ولمّا نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ»﴾ (٢)، دعا ﷺ عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا فى بيت أمّ معبد، أو أمّ سلمة، وقال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتى، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا»، وقيل: إنّ هذه (٢٥٢) الآية نزلت فى نساء النبى ﷺ ، وسياق الآية دليل على ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ»﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ»﴾، إلى قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ»﴾، إلى أن قال تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ»﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ»﴾ (٣).

стр. 1328

وقال علىّ كرّم الله وجهه: والله إنّه لعهد النبى الأمّى ﷺ إلىّ أنّه لا يحبّنى إلاّ مؤمن، ولا يبغضنى إلاّ منافق. وقال رسول الله ﷺ لعلىّ ﵇: «ألا أعلّمك كلمات إذا قلتهنّ غفر الله لك مع أنّك مغفور لك»! قال: بلى، «لا إله إلاّ الله الحكيم العليم، لا إله إلاّ الله العلىّ العظيم، لا إله إلاّ الله ربّ السموات وربّ العرش الكريم»، وقال ﷺ : «يا علىّ يهلك فيك رجلان: محبّ مطر، وكذّاب مفتر»، وقال له: «تفترق فيك أمّتى كما افترقت بنو إسرائيل فى عيسى بن مريم». بويع ﵇ بالخلافة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجّة سنة خمس وثلاثين، بعد صلاة العصر، وقيل لثمانى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجّة، وهو يوم قتلة عثمان رضى الله عنه، وكان أوّل من بايعه طلحة بلسانه، وسعد بيده ثم صعد المنبر، وكان أوّل من صعد إليه المنبر طلحة، فبايعه بيده، وكانت إصبع طلحة شلاء، فتطير علىّ ﵇ منها، وقال: ما أخلقه إن مكث، ثم بايعه سعد، والزبير، وأصحاب النبى ﷺ على طبقاتهم. ذكر أول خطبة خطبها كرّم الله وجهه ولمّا انتهى أمر المبايعة واستقرّ الأمر، قال (١) بعد [أن] حمد الله سبحانه، وصلّى على نبيّه ﷺ : أمّا بعد، فلا يرعين مرع إلاّ على نفسه، شغل من الجنّة والنار أمامه، ساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصّر فى النّار ثلاثة واثنان: ملك

стр. 1329

طار بجناحه، ونبىّ أخذ الله بيده، لا سادس هلك من ادعى، وردى من اقتحم، اليمين والشمال مضلّة، والوسطى الجادة، منهج عليه أنوار الكتاب والسنة وآثار النبوّة، إنّ الله سبحانه داوى هذه الأمّة بدواءين: السيف والسوط، لا هوادة عند الإمام فيهما، استتروا بييوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحقّ هلك، قد كانت أمور لم تكونوا عندى فيها محمودين، أما إنّى لو أشاء أن أقول لقلت: عفا الله عمّا سلف، سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب الأبقع، همّه بطنه، انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فأدّوا، حقّ وباطل، ولكلّ أهل، ولئن أمر الباطل لقديما ما فعل، ولئن قلّ الحق لربّما ولعلّ، ولقلّ ما أدبر شئ فأقبل، ولئن رجعت إليكم أموركم إنكم لسعداء، وإنّى لأخشى أن تكونوا فى فترة، وما علينا إلاّ الاجتهاد، ألا إنّ أبرار عترتى وأطايب أرومتى أحلم الناس صغارا، وأعلم النّاس كبارا، ألا وإنّا أهل البيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلكهم الله بأيدينا، معنا راية الحقّ، من تبعها لحق، ومن تأخّر عنها غرق، ألا وبنا تدرك ترة كلّ مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذلّ من أعناقكم. ومن خطبه ﵇ (٢٥٤) قال بعد حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ : أيّها المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهن الصمّ الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوّكم،

стр. 1330

تقولون فى المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدى حياد (١)، ما عزّت والله دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، سألتمونى التأخير، دفاع ذى الدين المطول، لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك الحقّ إلاّ بالجدّ، أىّ دار بعد داركم تمنعون، أم مع أىّ إمام بعدى تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، من فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب، أصبحت والله لا أصدّق قولكم ولا أطمع فى خيركم (٢)، فرّق الله بينى وبينكم، وأعقبنى من هو خير لى منكم، والله لوددت أنّ لى بكلّ عشرة منكم رجلا من بنى فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم. ولمّا بويع واجتمعت عليه المهاجرون والأنصار، تخلّف عن بيعته قوم فلم يكرههم، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحقّ، ولم يقوموا مع الباطل، وروى أنّه قال فيهم: أولئك قوم خذلوا الحقّ، ولم ينصروا الباطل، وكان ممّن تخلّف عن بيعته عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فأتى به إليه ملبّبا (٣)، فقال له علىّ ﵇: بايع! فامتنع، وقال: حتّى يحتمل عليك الناس. قال: فأعطنى حميلا (٤)؛ قال: لا! وكان الأشتر قد شهر عليه السيف، وقال لعلىّ: إنّ ابن عمر قد أمن سيفك وسوطك، فأمكنّى منه! فقال له علىّ: دعه! فو الله ما علمته إلاّ سيّئ الخلق صغيرا وكبيرا، وأنا حميله.

стр. 1331

ثم جئ بسعد بن أبى وقّاص، فقيل له: بايع! فقال: يا أبا الحسن، إذا لم يبق غيرى بايعتك، فقال: خلّوا سبيل أبى إسحاق! وبعث إلى محمّد بن مسلمة الأنصارى، فقال: إنّ رسول الله ﷺ أمرنى إذا اختلف النّاس أن أخرج بسيفى، فأضرب به عرض أحد، حتى ينقطع، فإذا انقطع أتيت بيتى فقعدت فيه لا أبرح، حتّى تأتينى يد خاطفة، أو منيّة قاضية، قال فانطلق إذا. وكان عمّار بن ياسر قال لعلىّ ﵇ يوم قتل عثمان: لتنصبنّ لنا نفسك، أو لنبد أنّ بك. وتخلّف عن بيعة علىّ ﵇ أهل الشام، وأشار المغيرة بن شعبة على علىّ أن يقرّ معاوية بالشام، وأن يولّى طلحة والزبير حتى يستقيم له الأمر، فأشار ابن عبّاس بأن لا يفعل، ثم كان من طلحة والزبير ما يأتى ذكره فى وقعة الجمل مع عائشة، رضى الله عنهم أجمعين. ذكر سنة ست وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعا، تبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعين. ما لخّص من الحوادث الإمام علىّ كرّم الله وجهه أمير المؤمنين بالمدينة إلى حين خروجه إلى العراق، فيها فرّق عمّاله إلى الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف إلى البصرة، وعمارة بن شهاب إلى الكوفة، وعبيد الله بن عبّاس اليمن، وقيس بن سعد مصر، وسهل بن حنيف

стр. 1332

الشام، فلمّا مضى لقيه رجال من الشام فقالوا: من أنت؟ قال: أمير على الشام، قالوا: إن كان عثمان بن عفّان بعثك فأهلا بك، وإن كان غيره فارجع من حيث جئت، فرجع، وأمّا قيس بن سعد لمّا وصل إيلة فلقيه خيل، قالوا: من أنت؟ قال: من [فالة] (١) عثمان، فأنا أطلب من أوى إليه فأنتصر به، فمضى حتى (٢٥٦) دخل مصر، فافترق الناس فرقا، حتى قتل محمّد بن أبى حذيفة، واستقرّ قيس بن سعد بمصر. وفيها كانت وقعة الجمل بين علىّ وعائشة رضى الله عنهما. ذكر نبذ ممّا جرى فى وقعة الجمل كانت وقعة الجمل بين علىّ وطلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، وذلك أنّ طلحة والزبير وعائشة لما قدموا تلقاهم الناس، وكان عثمان بن حنيف عامل علىّ ﵇ على البصرة، فخرج إليهم فى جمع فتواقعوا، حتى زالت الشمس، ثم اصطلحوا، وكتبوا بينهم كتابا أن يكفّوا عن الحرب حتى يقدم علىّ ﵇ وعلى أن يكون لعثمان بن حنيف الإمارة والصلاة وبيت المال. فلمّا قدم علىّ ﵇ وصحبته عمّار بن ياسر، ومعهما أهل الكوفة، وكان علىّ ﵇ قبل خروجه من المدينة دخل بيت المال فوجد فيه مالا، فقسّمه بين النّاس، وساوى بينهم، وكنسه ونام فيه، وعزم على التوجّه إلى العراق لمّا بلغه خبر طلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم، فأشار عليه عبد الله بن سلاّم بلزوم المدينة، وقال له: أين تريد؟ قال: العراق، قال: عليك بمنبر رسول الله ﷺ ،

стр. 1333

فالزمه، ولا أراه يحرّرك، والذى نفسى بيده لئن خرجت إلى العراق لا ترجع إلى منبر رسول الله فيما بقى، فكان كذلك، وأقام علىّ بالمدينة بعد المبايعة بالخلافة أربعة أشهر، ثم توجّه للعراق، والله أعلم. فلمّا قدم علىّ ﵇ ومعه عمّار بن ياسر، وكان قد أتى عليّا فى سبعة آلاف من أهل الكوفة، وكان علىّ فى أربعة آلاف من أهل المدينة، فقال عمّار: والله إنّى لأعلم أنّ عائشة زوجته فى الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بهذا لتتّبعوه أو لتتّبعوها، وكان عمّار يوم الجمل على الخيل، والراية مع محمّد بن الحنفيّة، وعلى الميمنة الحسن، (٢٥٧) وعلى الميسرة الحسين، وكان على الرجّالة محمّد بن أبى بكر الصدّيق. ولمّا قدم علىّ ﵇ البصرة، قال لعبد الله بن عبّاس: ائت الزبير، ولا تأت طلحة، فإن الزّبير ألين، وطلحة كالثور عاقص بقرنه، يركب الصّعوبة، ويقول هى أسهل (١)، فأقرئه منّى السّلام، وقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتنى بالحجاز، وأنكرتنى بالعراق؟ فما عدا [ممّا] بدا (٢)، فلمّا أبلغه ابن عبّاس مقالة علىّ قال له الزّبير: قل له: بيننا وبينك عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، نحلّ ما أحلّت، ونحرّم ما حرّمت، قال علىّ كرّم الله وجهه: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى أدرك ولده عبد الله، فلفته عنّا.

стр. 1334

وخطبت عائشة رضى الله عنها يوم الجمل، وكان فى عسكرها لغط، فقالت: صه صه، فكأنّما قطعت الألسن فى الأفواه، فقالت: أيّها الناس، إن لى عليكم حقّ الأمومة، وحرمة الموعظة، مات رسول الله ﷺ بين سحرى ونحرى، وأنا إحدى نسائه فى الجنّة، ذخرنى له ربّى، وبى ميّز بين منافقكم ومؤمنكم، وإنّ أبى ثالث ثلاثة من المؤمنين، فهو ثالث الإسلام، وثانى اثنين فى الغار، وأوّل من سمّى صدّيقا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنه راض، طوقّه طوق الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبى بطرفيه، ورتق فتقه، وأغاض نبع الرّدة، وأطفأ ما أو قدت يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون الغدوة وتستمعون الصّيحة، رأب الثأى (١)، وأودم (٢) الغلطة، وانتأش (٣) من المهواة، واحتجن دفين الدواء، حتى أعطن (٤) الوارد، وأورد الصادر، وعلّ الناهل، فقبضه الله (٢٥٨) واطئا على هامات النفاق، مذكيا نار الحرب للمشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله، ثم ولّى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين، يقظان اللّيل فى نصرة الإسلام، فسلك مسلك السابق، وفرّق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن، وأنا نصب المسألة عن مسيرى هذا، لم ألتمس فيه إثما، ولم أوطئكم فتنة، أقول قولى هذا، وأستغفر الله لى ولكم، وأسأله أن يصلّى على محمّد، وأن يخلفه فيكم بأفضل الخلافة، خلافة المرسلين.

стр. 1335

وكتبت عائشة إلى أمّ سلمة رضى الله عنها كتابا تقول فيه: ولنعم المطلع مطلع فرّقت فيه بين فئتين متشاجرتين، فإن أقعد فعن غير حرج، وإن أمض فإلى ما لا غنى لى عن الازدياد منه. وخطب علىّ ﵇ يوم الجمل، فقال فى خطبته، بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ : أمّا بعد، فإنّ الله بعث محمّدا ﷺ إلى الثقلين كافّة، والناس فى اختلاف، والعرب بشرّ المنازل، فرأب الله به الثأى، ولأم به الصدع، ورتق به الفتق، وأمّن به السّبل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الواغرة للقلوب، والضغائن المخشّنة للصدور، ثم قبضه الله إليه مشكورا سعيه، مرضيّا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند الله نزله، فيالها مصيبة عمّت المسلمين، وخصّت الأقربين، وولى أبو بكر رضى الله عنه فسار بسيرة رضيها المسلمون، ثم ولى عمر فسار بسيرة أبى بكر رضى الله عنهما ثم ولى عثمان، فنال منكم ونلتم منه، حتّى إذا كان من أمره ما كان، أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتمونى فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، وقبضت يدى، فبسطتموها، ونازعتكم بكفّى، فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلاّ بك، ولا نجتمع إلاّ عليك، (٢٥٩) وتداككتم علىّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى ظننت أنّكم قاتلىّ، أو بعضكم قاتل بعضا، فبايعتمونى على الأمر، وبايعنى طلحة والزبير، فما لبثا أن استأذنانى إلى العمرة، فصارا إلى البصرة، ففعلا بها الأفاعيل، وهما يعلمان والله أنّى لست بدون واحد ممّن مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت: الّلهمّ إنّهما قطعا قرابتى، ونكثا بيعتى، وألّبا علىّ عدوّى، الّلهمّ فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المسألة فيما عملا وأمّلا.
следующие страницы →