← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ثم جئ بسعد بن أبى وقّاص، فقيل له: بايع! فقال: يا أبا الحسن، إذا لم يبق غيرى بايعتك، فقال: خلّوا سبيل أبى إسحاق! وبعث إلى محمّد بن مسلمة الأنصارى، فقال: إنّ رسول الله ﷺ أمرنى إذا اختلف النّاس أن أخرج بسيفى، فأضرب به عرض أحد، حتى ينقطع، فإذا انقطع أتيت بيتى فقعدت فيه لا أبرح، حتّى تأتينى يد خاطفة، أو منيّة قاضية، قال فانطلق إذا. وكان عمّار بن ياسر قال لعلىّ ﵇ يوم قتل عثمان: لتنصبنّ لنا نفسك، أو لنبد أنّ بك. وتخلّف عن بيعة علىّ ﵇ أهل الشام، وأشار المغيرة بن شعبة على علىّ أن يقرّ معاوية بالشام، وأن يولّى طلحة والزبير حتى يستقيم له الأمر، فأشار ابن عبّاس بأن لا يفعل، ثم كان من طلحة والزبير ما يأتى ذكره فى وقعة الجمل مع عائشة، رضى الله عنهم أجمعين. ذكر سنة ست وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعا، تبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعين. ما لخّص من الحوادث الإمام علىّ كرّم الله وجهه أمير المؤمنين بالمدينة إلى حين خروجه إلى العراق، فيها فرّق عمّاله إلى الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف إلى البصرة، وعمارة بن شهاب إلى الكوفة، وعبيد الله بن عبّاس اليمن، وقيس بن سعد مصر، وسهل بن حنيف

стр. 1332

الشام، فلمّا مضى لقيه رجال من الشام فقالوا: من أنت؟ قال: أمير على الشام، قالوا: إن كان عثمان بن عفّان بعثك فأهلا بك، وإن كان غيره فارجع من حيث جئت، فرجع، وأمّا قيس بن سعد لمّا وصل إيلة فلقيه خيل، قالوا: من أنت؟ قال: من [فالة] (١) عثمان، فأنا أطلب من أوى إليه فأنتصر به، فمضى حتى (٢٥٦) دخل مصر، فافترق الناس فرقا، حتى قتل محمّد بن أبى حذيفة، واستقرّ قيس بن سعد بمصر. وفيها كانت وقعة الجمل بين علىّ وعائشة رضى الله عنهما. ذكر نبذ ممّا جرى فى وقعة الجمل كانت وقعة الجمل بين علىّ وطلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، وذلك أنّ طلحة والزبير وعائشة لما قدموا تلقاهم الناس، وكان عثمان بن حنيف عامل علىّ ﵇ على البصرة، فخرج إليهم فى جمع فتواقعوا، حتى زالت الشمس، ثم اصطلحوا، وكتبوا بينهم كتابا أن يكفّوا عن الحرب حتى يقدم علىّ ﵇ وعلى أن يكون لعثمان بن حنيف الإمارة والصلاة وبيت المال. فلمّا قدم علىّ ﵇ وصحبته عمّار بن ياسر، ومعهما أهل الكوفة، وكان علىّ ﵇ قبل خروجه من المدينة دخل بيت المال فوجد فيه مالا، فقسّمه بين النّاس، وساوى بينهم، وكنسه ونام فيه، وعزم على التوجّه إلى العراق لمّا بلغه خبر طلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم، فأشار عليه عبد الله بن سلاّم بلزوم المدينة، وقال له: أين تريد؟ قال: العراق، قال: عليك بمنبر رسول الله ﷺ ،

стр. 1333

فالزمه، ولا أراه يحرّرك، والذى نفسى بيده لئن خرجت إلى العراق لا ترجع إلى منبر رسول الله فيما بقى، فكان كذلك، وأقام علىّ بالمدينة بعد المبايعة بالخلافة أربعة أشهر، ثم توجّه للعراق، والله أعلم. فلمّا قدم علىّ ﵇ ومعه عمّار بن ياسر، وكان قد أتى عليّا فى سبعة آلاف من أهل الكوفة، وكان علىّ فى أربعة آلاف من أهل المدينة، فقال عمّار: والله إنّى لأعلم أنّ عائشة زوجته فى الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بهذا لتتّبعوه أو لتتّبعوها، وكان عمّار يوم الجمل على الخيل، والراية مع محمّد بن الحنفيّة، وعلى الميمنة الحسن، (٢٥٧) وعلى الميسرة الحسين، وكان على الرجّالة محمّد بن أبى بكر الصدّيق. ولمّا قدم علىّ ﵇ البصرة، قال لعبد الله بن عبّاس: ائت الزبير، ولا تأت طلحة، فإن الزّبير ألين، وطلحة كالثور عاقص بقرنه، يركب الصّعوبة، ويقول هى أسهل (١)، فأقرئه منّى السّلام، وقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتنى بالحجاز، وأنكرتنى بالعراق؟ فما عدا [ممّا] بدا (٢)، فلمّا أبلغه ابن عبّاس مقالة علىّ قال له الزّبير: قل له: بيننا وبينك عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، نحلّ ما أحلّت، ونحرّم ما حرّمت، قال علىّ كرّم الله وجهه: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى أدرك ولده عبد الله، فلفته عنّا.

стр. 1334

وخطبت عائشة رضى الله عنها يوم الجمل، وكان فى عسكرها لغط، فقالت: صه صه، فكأنّما قطعت الألسن فى الأفواه، فقالت: أيّها الناس، إن لى عليكم حقّ الأمومة، وحرمة الموعظة، مات رسول الله ﷺ بين سحرى ونحرى، وأنا إحدى نسائه فى الجنّة، ذخرنى له ربّى، وبى ميّز بين منافقكم ومؤمنكم، وإنّ أبى ثالث ثلاثة من المؤمنين، فهو ثالث الإسلام، وثانى اثنين فى الغار، وأوّل من سمّى صدّيقا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنه راض، طوقّه طوق الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبى بطرفيه، ورتق فتقه، وأغاض نبع الرّدة، وأطفأ ما أو قدت يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون الغدوة وتستمعون الصّيحة، رأب الثأى (١)، وأودم (٢) الغلطة، وانتأش (٣) من المهواة، واحتجن دفين الدواء، حتى أعطن (٤) الوارد، وأورد الصادر، وعلّ الناهل، فقبضه الله (٢٥٨) واطئا على هامات النفاق، مذكيا نار الحرب للمشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله، ثم ولّى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين، يقظان اللّيل فى نصرة الإسلام، فسلك مسلك السابق، وفرّق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن، وأنا نصب المسألة عن مسيرى هذا، لم ألتمس فيه إثما، ولم أوطئكم فتنة، أقول قولى هذا، وأستغفر الله لى ولكم، وأسأله أن يصلّى على محمّد، وأن يخلفه فيكم بأفضل الخلافة، خلافة المرسلين.

стр. 1335

وكتبت عائشة إلى أمّ سلمة رضى الله عنها كتابا تقول فيه: ولنعم المطلع مطلع فرّقت فيه بين فئتين متشاجرتين، فإن أقعد فعن غير حرج، وإن أمض فإلى ما لا غنى لى عن الازدياد منه. وخطب علىّ ﵇ يوم الجمل، فقال فى خطبته، بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ : أمّا بعد، فإنّ الله بعث محمّدا ﷺ إلى الثقلين كافّة، والناس فى اختلاف، والعرب بشرّ المنازل، فرأب الله به الثأى، ولأم به الصدع، ورتق به الفتق، وأمّن به السّبل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الواغرة للقلوب، والضغائن المخشّنة للصدور، ثم قبضه الله إليه مشكورا سعيه، مرضيّا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند الله نزله، فيالها مصيبة عمّت المسلمين، وخصّت الأقربين، وولى أبو بكر رضى الله عنه فسار بسيرة رضيها المسلمون، ثم ولى عمر فسار بسيرة أبى بكر رضى الله عنهما ثم ولى عثمان، فنال منكم ونلتم منه، حتّى إذا كان من أمره ما كان، أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتمونى فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، وقبضت يدى، فبسطتموها، ونازعتكم بكفّى، فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلاّ بك، ولا نجتمع إلاّ عليك، (٢٥٩) وتداككتم علىّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى ظننت أنّكم قاتلىّ، أو بعضكم قاتل بعضا، فبايعتمونى على الأمر، وبايعنى طلحة والزبير، فما لبثا أن استأذنانى إلى العمرة، فصارا إلى البصرة، ففعلا بها الأفاعيل، وهما يعلمان والله أنّى لست بدون واحد ممّن مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت: الّلهمّ إنّهما قطعا قرابتى، ونكثا بيعتى، وألّبا علىّ عدوّى، الّلهمّ فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المسألة فيما عملا وأمّلا.

стр. 1336

قال الحارث بن سويد، وكان يوم الجمل فى عسكر طلحة: والله ما رأيت مثل يوم الجمل، لقد أشرعوا رماحهم فى صدورنا، وأشرعنا رماحنا فى صدورهم، فلو شاءت الرجال أن تمشى عليها لمشت، يقول هؤلاء: لا إله إلاّ الله والله أكبر، ويقول الآخرون كذلك، فو الله لوددت أنّى لم أشهد الجمل، وأنّى أعمى مقطوع اليدين والرجلين. وقال عبد الله بن سلمة: ما يسرّنى أن غبت عن ذلك اليوم، ولا عن مشهد شهده علىّ رضى الله عنه بحمر النعم. وكان اسم جمل عائشة عسكرا، وكان يعلى بن منية وهبه لها، وجعل لها هودجا من حديد، وجهّز من ماله خمس مائة فارس بأسلحتهم وأزوادهم، وكان يعلى بن منية أكثر أهل البصرة مالا. وكان علىّ يقول: بليت بأنضّ النّاس، وأنطق النّاس، وأطوع النّاس فى الناس (١)، يريد بأنضّ النّاس يعلى بن منية كان أكثرهم ناضا (٢)، ويريد بأنطق الناس طلحة بن عبيد الله، وبأطوع النّاس فى النّاس عائشة رضى الله عنها، وروى أنّ عليّا كان يقول: بليت بأشجع النّاس، يعنى الزبير، وأسخى الناس، يعنى طلحة. وكان كعب بن سور ممسكا زمام الجمل، فأتاه (٢٦٠) سهم فقتله، فتعاقد النّاس الزّمام، كلّما أخذه واحد قتل، حتّى عدّ من قتل الزّمام سبعون رجلا، وقيل

стр. 1337

قطعت عليه سبعون يدا، وشكّت السهام الجمل حتى صار كأنّه جناح نسر، وأخذ بزمامه رجل من بنى ضبّة وهو يقول: نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل ... ردّوا علينا شيخنا ثم بجل ولمّا عقر الجمل، احتمل الهودج حتى وضع بين يدى علىّ، فأمر به فأدخل فى منزل عبد الله بن بديل، وكان الذى احتمله محمّد بن أبى بكر، أخا عائشة، وعمّار ابن ياسر، وكان علىّ قد دنا من الهودج، ولمّا سار إليه، فكلّم عائشة، فقالت له: ملكت فأسجح، فجّهزها وأحسن جهازها، وبعث معها أربعين امرأة، ويقال: جهّز معها سبعين امرأة، أكثرهم من نساء همدان، فلم يزالوا معها حتّى قدمت المدينة. قال الشاعر ممّن شهد الجمل: شهدت الحروب فشيبننى ... فلم ترعينى كيوم الجمل (١) أشدّ على مؤمن فتنة ... وأقتل منه لخرق بطل (٢) فليت الظعينة فى بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل كنى بعسكر عن الجمل إذ كان اسمه. قال قتادة: قتل يوم الجمل مع عائشة رضى الله عنها عشرون ألفا، منهم ثمانمائة من بنى ضبّة، وقتل من أصحاب علىّ خمسمائة.

стр. 1338

قال ابن عبّاس: ولما انقضى أمر الجمل دعا علىّ ﵇ بآجرّتين، فعلاهما، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا أنصار المرأة، وأصحاب البهيمة، رغا فحننتم، وعقر فانهزمتم، نزلتم شرّ (٢٦١) بلاد، أبعدها من السماء، وبها مغيض الماء، ولها شرّ أسماء، هى البصرة، والبصيرة، والمؤتفكة، وتدمر. وقتل فى ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله، رضى الله عنه. ذكر طلحة بن عبيد الله وأخباره ومقتله طلحة بن عبيد الله من بنى تميم بن مرة، وكان سبب إسلامه رضى الله عنه أنّه حضر سوق بصرى من الشام، فإذا راهب فى صومعته يقول: سلوا هؤلاء القوم أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: فقلت: نعم، فقال لى. ظهر أحمد؟ قلت: من أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطّلب، هذا زمانه وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل، قال طلحة: فوقع قوله فى قلبى، فلمّا أتيت مكّة قلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب الأمين، تنبّأ وتبعه ابن أبى قحافة، قال: فدخلت على أبى بكر فسألته، فقال: نعم وقد اتّبعته، فإنّه يدعو إلى الحقّ، فأخبره طلحة بقول الراهب، ثم أتيا رسول الله ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر النبى ﷺ بقول الراهب، وسمّى رسول الله ﷺ طلحة الفيّاض لكرمه، وسمّى أيضا طلحة الخير. وكان طلحة من أجمل الناس، رأته امرأة يوم دخل البصرة، فقالت: من هذا الذى كأن وجهه دينار هرقلى، وكان لا يغيّر شيبه، سأله رجل شيئا، فقال: إنّ حائطى بمكان كذا، قد أعطيت فيه ستّمائة ألف، فإن شئت فخذ المال، وإن شئت فخذ الحائط.

стр. 1339

سمع علىّ كرّم الله وجهه رجلا ينشد: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر فقال: ذلك طلحة رضى الله عنه. وثبت طلحة مع رسول الله ﷺ (٢٦٢) يوم أحد، وبايعه على الموت، فرمى مالك بن زهير الجشمى رسول الله ﷺ بسهم، فاتّقاه طلحة، فأصاب السهم خنصره، فقال: حس، فقال النبى ﷺ : لو قال: بسم الله، لدخل الجنّة والناس ينظرون إليه (١)، وهذه الكلمة: حس ممّا تقولها العرب للشئ المؤلم، وجرح طلحة بضعة وثلاثين جرحا، وقال ﵇: «من أراد أن ينظر إلى رجل يمشى على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة». وكان طلحة يلبس المصبغات، وهو الذى قال له عمر رضى الله عنه: إنّكم أيّها الرهط يقتدى بكم، فلو رآك جاهل لقال: على طلحة ثياب مصبغات، وإنّما كانا مصبوغين بمدر. وكانت غلّة طلحة فى كلّ يوم ألف واف، وزن كل درهم درهم وثلث (٢)، وقيل كانت غلته بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، وغلّته بالشراة عشرة آلاف دينار، وكان لا يدع عائلا من بنى تيم إلاّ أغناه وكفاه مئونة عياله ويزوّج أيا ما هم، ويخدم من لا خادم له، وكان يبعث لعائشة إذا جاءته غلّته عشرة آلاف

стр. 1340

وترك ألفى ألف درهم ومائتى ألف دينار، وكان ماله قد اغتيل، وكانت قيمة ما ترك من العقار والأموال ثلاثين ألف ألف درهم، ومن الناضّ ألفى ألف درهم ومائتى ألف دينار، والباقى عروض. ولمّا حضر يوم الجمل قال طلحة: إنّا كنّا داهنّا فى أمر عثمان، فلا أقلّ من أن نبذل فيه دماءنا، الّلهمّ خذ لعثمان منّى حتى ترضى، فلمّا أصابه السهم اعتنق فرسه، وركضه حتى مات فى بنى تيم، ودفن طلحة عند قنطرة قرّة بالبصرة، ﵀، وأرضى عنه. دخل ولد طلحة على علىّ كرّم الله وجهه، فرحّب به (٢٦٣) علىّ ﵇ فقال: أترحّب بى يا أمير المؤمنين، وقد قاتلت أبى، وأخذت ماله؟ فقال: أمّا مالك فهو معزول فى بيت المال، فاذهب فخذه، وأمّا قتالى أباك فإنّى أرجو أن أكون أنا وأبوك ممّن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ»﴾ الآية (١)، وكان الذى قبض من طلحة أرضا له فردّها علىّ رضى الله عنه وردّ غلّتها للسنين الماضية. وكان لطلحة أولاد، منهم محمّد السجّاد، وقتل يوم الجمل مع أبيه، ولمّا ولد محمّد هذا جاءت به أمّه حمنة بنت جحش رسول الله ﷺ فسمّاه محمّدا وكنّاه أبا إسحاق، وقال: «لا أجمع له بين اسمى وكنيتى»، وكان علىّ رضى الله عنه قد نهى الناس عن قتل محمد هذا، قال: إيّاكم وصاحب البرنس، فقتله شريح ابن أوفى العبسىّ، فلمّا رآه علىّ مقتولا استرجع، وقال: السجّاد؟ وربّ الكعبة هذا الذى قتله برّه بأبيه، وكان أبوه قد أمره بالتقدّم، فتقدّم، ونثل درعه بين

стр. 1341

رجليه، ووقف عليها، وكان كلّما حمل عليه رجل قال: نشدتك [بحاميم] (١)، فقتله شريح، وقال: وأشعث قوّام بآيات ربّه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم ضممت إليه بالقناة قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفم على غير ذنب غير أن ليس تابعا ... عليّا ومن لا يتبع الحقّ يندم يناشدنى حاميم والرّمح شاجر ... فهلاّ تلا حاميم قبل التقدّم وقيل: قتله الأشتر، ولمّا رأى الحسن صلوات الله عليه جزع أبيه علىّ كرّم الله وجهه على محمّد بن طلحة قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أنهاك عن سيرك هذا، فغلبنى عليك فلان وفلان، فقال يا بنىّ، كان ذلك فى الكتاب مسطورا، وددت لو متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. (٢٦٤) خرج علىّ ﵇ فى ليلة يوم الجمل، ومعه قنبر مولاه، وبيده شمعة يتصفّح وجوه القتلى، فوقف على طلحة فى بطن واد فمسح الغبار عن وجهه، وقال: أعزز علىّ أبا محمّد أن أراك معفّرا فى التراب، تحت نجوم السماء، وبطون الأودية، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثمّ بكى وقال: شفيت نفسى وقتلت معشرى ... [إليك] (٢) أشكو عجرى وبجرى ومن أولاد طلحة: عائشة بنت طلحة، كانت من أنبل نساء قريش، وأجملهنّ، تزوّجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق، ثم خلف عليها مصعب

стр. 1342

ابن الزبير، ثم خلف عليها عمر بن عبد الله بن معمر المثنّى، وهى إحدى عقيلتى قريش، قال مصعب بن الزبير لحبىّ المدنيّة: ابغنى أيّما أتزوّجها، قالت: عائشة بنت طلحة، على عظم فى أذنيها وقدميها، فقال: أمّا الأذنان فيغطّيهما الخمار، وأما القدمان فيغطّيهما الخفّان، فتزوّجها، وأصدقها خمس مائة ألف درهم، فقال يونس بن أبى إياس الديلى، ويقال ابن همّام السلولى: أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... من ناصح ما إن يريد متاعا بضع الفتاة بألف ألف كامل ... وتبيت سادات الجيوش جياعا فلو اننى الفاروق أخبر بالّذى ... شاهدته ورأيته لارتاعا وكانت عائشة هذه سيّئة الخلق، تشارّ أزواجها، غضبت يوما على عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبى بكر، وكان أبا عذرتها، فخرجت إلى المسجد، فرآها أبو هريرة رضى الله عنه، فقال: سبحان الله، سبحان الله، ما أحسن ما غذّاك أهلك، أحسن وجها منك. وقيل لعمر بن عبيد الله بن معمر، وهو آخر أزواجها، لو طلّقتها لاسترحت من سوء خلقها، فقال: يقولون طلّقها وتصبح ثاويا ... مقيما عليك الهمّ أضغاث حالم فإنّ فراقى أهل بيت أودّهم ... لهم زلفة عندى لإحدى العظائم وجرت لعائشة هذه مع الحارث بن خالد المخزومى قصّة كانت سبب عزله عن ولاية [مكة] (١)؛ وذلك أنّ الحارث المخزومىّ قدم على عبد الملك بن مروان أيّام خلافته، فأقام ببابه ستّة أشهر لا يؤذن له، فانصرف وقال:

стр. 1343

تبعتك إذ عينى عليها غشاوة ... فلما انجلت قطّعت نفسى ألومها فما بى إن أقصيتنى من ضراعة ... ولا افتقرت نفسى إلى من يلومها عطفت عليك النّفس حتّى كأنّما ... بكفيّك يجرى بؤسها ونعيمها ورحل، فأرسل إليه عبد الملك فردّه، وقال: يا حارث، أترى على نفسك غضاضة فى وقوفك على بابى؟ فقال: لا، ولكن طالت غيبتى، وانتشرت ضيعتى، ووجدت فضلا من قول، فقلت، فقال: كم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: فاختر إمّا قضاءها عنك، أو توليتك مكّة، فاختار الولاية، فقدم مكّة، وبها عائشة بنت طلحة، فأرسلت إليه وقد أقيمت الصلاة، أنّى لم أقض طوافى، فاصبر، حتى أفرغ، وألحق بالجماعة، فقام بالناس ينتظر فراغها من الطواف، فكتب بذلك لعبد الملك، فعزله. وناحت عائشة بنت طلحة على زوجها عمر قائمة، فقيل لها: لم تفعلى ذلك بأحد من أزواجك، فقالت: فعلته لثلاث خلال: كان أقربهم بى رحما، وكان سيّد بنى تيم، وعزمت ألاّ أتزوّج بعده. ولعائشة هذه أخبار دقيقة تشتمل على معان رقيقة، مع عمر بن أبى ربيعة المخزومى الشاعر، نأتى منها طرفا عند ذكر عمر المذكور، إن شاء الله تعالى. وقتل يوم الجمل الزّبير، ﵀. ذكر الزّبير وأخباره ومقتله (٢٦٦) الزّبير يكنى أبا عبد الله بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى ابن قصىّ، يلقى رسول الله ﷺ فى قصىّ بن كلاب، وأمّه صفيّة بنت عبد المطّلب، عمّة النبىّ ﷺ وهو حوارىّ (١) رسول الله ﷺ .

стр. 1344

وكان الزّبير رابع الإسلام، أو خامسه، أسلم رابعا أو خامسا، دخل على رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمّى، إلى ماذا تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّى رسول الله، قال: فإنّى أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله، صلّى الله عليك. ثم قال: يا رسول الله، إن شئت لنباديهم بالإسلام ولا نستسرّ به، فإننّا على حقّ وهم على باطل، فقال ﵇: إنّا لم نؤمر بالقتال بعد. قال (١): وشهد الزبير بدرا وهو ابن تسع عشرة سنة، وقيل: ابن ستّ عشرة سنة، ولم يتخلّف عن غزاة غزاها رسول الله ﷺ ، وكانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، قد اعتجر بها، وكانت يومئذ على الملائكة عمائم صفر، فقال رسول الله ﷺ : «نزلت الملائكة اليوم على سيما الزبير، وهو أسد الله وأسد رسوله». رخّص رسول الله ﷺ للزبير فى قميص حرير. قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «من يأتينى بخبر القوم»؟ قال الزبير: أنا، فقال ﷺ : «إنّ لكلّ نبىّ حواريّا، وإن حواريى الزبير. ولما قتل عمر بن الخطّاب رضى الله عنه محا الزبير نفسه من الديوان. وفداه رسول الله ﷺ يوم الأحزاب بأبويه (٢).

стр. 1345

قال عبد الله بن الزبير: لمّا كان يوم الجمل دعانى أبى الزبير، فقال: يا بنىّ، إنّه لا يقتل اليوم إلاّ ظالم أو مظلوم، وإنّى لا أرانى إلاّ سأقتل مظلوما، وإنّ أكبر همّى دينى، وما أرى ديننا (٢٦٧) يبقى من أموالنا شيئا، ثم يا بنىّ بع مالى، واقض دينى، فإن فضل بعد قضائه شئ فثلثه لولدك، وإن عجزت عن شئ من دينى، فاستعن بمولاى، قلت: ومن مولاك يا أبه؟ قال: الله ﵎، قال عبد الله: فما وقعت من دينه فى كربة إلاّ قلت: يا مولاى، اقض عنه، فيقضيه الله . ولم يدع الزبير إلاّ أرضين، منها الغابة (١)، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر، ودارين بالبصرة، ولم يتولّ الزبير إمارة قطّ، ولا جباية، ولا خراجا، إلا أن يكون فى غزوة مع رسول الله ﷺ ، أو مع أبى بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم. قال عبد الله: فحسبت ما عليه من الدين، فبلغ ألفى ألف ومائتى ألف درهم، وإنّما كان الرجل يستودعه المال، فيقول الزبير: هو سلف علىّ، إنّى أخشى عليه الضيعة، قال عبد الله: فلقينى حكيم بن حزام، فقال: يا ابن أخى، كم على أخى من الدين؟ قلت: مائة ألف، قال: والله ما أرى أموالكم تتّسع لهذا، قلت: أرأيت إن كان ألفى ألف ومائتى ألف؟ قال: ما أراكم تطيقونها، فإن عجزتم عن ذلك فاستعينوا بى. وكان الزبير اشترى الغابة بمائة ألف وسبعين ألفا، فبيعت بألف ألف وستّمائة

стр. 1346

ألف. ثم قلت: من كان له على الزبير دين فليأتنا [بالغابة] (١)، قال: فأتانى عبد الله بن جعفر، وكان له عليه مائة ألف، فقال: إن شئتم تركتها لكم، فقلت: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها ممّا يؤخّر إن أخّرتم شيئا، قلت: لا، قال: فاقطعوا لى قطعة! فقلت: لك من هاهنا إلى هاهنا، فباع منه بدينه، وبقيت منه أربعة أسهم، فبعناها بأربع مائة ألف وخمسين ألفا. قال: فلما قضيت دينه أتانى ولد الزبير (٢٦٨) وكانوا تسعة ذكور، وذلك أنّه لمّا ولد الزبير ولده عبد الله، وهو أكبر ولده، قال: إنّى رأيت طلحة سمّى ولده بأسماء الأنبياء، وإنّما أسمّى ابنى بأسماء الشهداء، فسمّاه عبد الله، باسم عبد الله ابن جحش (٢)، فلعلّه يستشهد، وسمّى ولده الآخر المنذر، باسم المنذر بن عمرو ابن [خنيس] (٣)، وسمّى الآخر عروة، باسم عروة بن مسعود الثقفى (٤)، وسمّى الآخر حمزة، باسم حمزة بن عبد المطّلب (٥)، وسمى الآخر جعفر، باسم جعفر ابن أبى طالب (٦)، وسمّى الآخر مصعبا، باسم مصعب بن عمير (٧) الليثى، وسمّى الآخر عبيدة بن الحارث (٨)، وسمّى الآخر خالدا، باسم خالد بن سعيد (٩)، وسمّى

стр. 1347

الآخر عمرا، باسم عمرو بن سعيد بن العاص، قتل يوم اليرموك. قال عبد الله بن الزبير: فأتونى وقالوا: اقسم ميراثنا! فقلت: لا والله حتى أنادى بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا نقضه، فنادى المنادى أربع سنين، ثم قسمت ميراثه، وكان الزبير أربع نسوة، فصار لكلّ امرأة منهنّ من ثمن عقاراته ألف ألف ومائة ألف وكان ثمن ماله أربعة ألف ألف وأربع مائة ألف، وكان الثلثان الّذى اقتسمه الورثة خمسة وثلاثين ألف ألف درهم ومائتى ألف درهم، هذا القول ساقه صاحب كتاب التذكرة الحمدونيّة (١) فى تذكرته، وعليه العهدة فى ذلك. وأقطع رسول الله ﷺ الزبير أرضا من أراضى بنى النضير، ذات نخل وشجر، وأقطعه أبو بكر رضى الله عنه ما بين الجرف إلى قباء، وأقطعه عمر العقيق (٢)، وكان قد أقطعه رسول الله ﷺ حضر (٣) فرسه، فركض الزبير حتى أعيا، ثم رمى السوط، فأقطعه ذلك. قالت أسماء ابنة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه: لقد تزوّجنى الزبير وما له فى الأرض مال، ولا مملوك، ولا له شئ يملك، إلاّ (٢٦٩) فرسه، وكنت أعلفه وأكفيه مئونته، وأسوسه، وأدقّ النوى [لناضحه] (٤)، وأعلفه وأستقى الماء، وأخرز غربه، تعنى دلوه، وما كنت أحسن الخبز، فيخبزن لى جاراتى، قالت

стр. 1348

أسماء: وكنت أحمل النوى على رأسى من المدينة، فلقيت رسول الله ﷺ يوما، والنوى على رأسى، ومعه ﷺ نفر من أصحابه، فدعانى، ثم قال: «أخ أخ»، ليحملنى، فاستحييت من الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان الزبير أغير الناس، فعرف ﷺ أنّى استحييته، فتركنى ومضى، وذكرت ذلك للزبير، فقال: أعلى رسول الله ﷺ أغار؟ والله لحملك النوى أشدّ علىّ من ركوبك خلفه، ثم أنفذ لى أبو بكر بعد ذلك خادما، فكفانى مئونة سياسة الفرس، وكأنّما أعتقنى. قال قتادة: كنت مع الزبير يوم الجمل، فجاءه فارس فسلّم عليه، وقال: أيّها الأمير، وكانوا لا يسلّمون عليه إلاّ بالإمرة، إنّ القوم قد أتوا موضع كذا، فنظرت إليهم، فلم أر قوما أرثّ سلاحا، ولا أقلّ عددا، ولا أرعب قلوبا منهم، ثم جاءه فارس آخر، فقال: أيّها الأمير، إنّ القوم قد وصلوا مكان كذا، فسمعوا بما جمع الله سبحانه لك (١) من العدّة والعدد، فقذف الله فى قلوبهم الرعب، فولّوا مدبرين، فقال الزبير: إيها عنك، فو الله لو لم يجد ابن أبى طالب إلاّ العرفج (٢) لدبّ إلينا فيه، ثم جاء آخر، وقد كادت الخيل تخرج من الرهج، فقال: أيّها الأمير، هؤلاء القوم والله قد أتوك وفيهم عمّار بن ياسر، فقال الزبير: والله؟ ما جعله الله فيهم! فقيل: بلى، قد جعله الله فيهم، (٢٧٠) فبعث الزبير رجلا من ثقاته ينظر إن كان عمّار فيهم، فأتاه فقال: قد صدقك من أخبرك، فقال الزبير:

стр. 1349

واقطع ظهراه، ثم أخذه أفكل (١) حتى انتفض السلاح عليه، فقال الناس: أهذا الذى نقاتل معه؟ أليس هذا فارس رسول الله ﷺ ؟ فلمّا تشاغل الناس انصرف فجلس على دابّته عائدا، ثم جاء فارسان إلى الأحنف بن قيس فأكبّا عليه، فقال الأحنف: يا عمرو بن جرموز يا فلان، فأتياه فناجياه، ثم انصرفا، ثم أتى عمرو ابن جرموز، فقال: لقيته بوادى السباع فقتلته، وكان قرّة بن شريك يقول: والذى نفسى بيده، إن صاحب الزبير إلاّ الأحنف. ويقال إنّ عليّا ﵇ دعا الزبير أن يبرز إليه وهو آمن حتى يكلّمه، ففعل، واجتمعا حتى التقت أعناق خيلهما، فقال: يا زبير أنشدك الله، الذى لا إله إلاّ هو، أخرج نبى الله ﷺ يمشى وخرجت معه أنا وأنت، فقال: «يا زبير لتقاتلنّه ظالما»، وضرب كتفك، فقال الزبير: الّلهم نعم! قال: أفجئت تقاتلنى؟ فرجع عن قتاله، وسار عن البصرة راجعا ليله، فنزل بماء لبنى مجاشع، فلحقه رجل من بنى تميم يقال له ابن جرموز، فقتله، وجاء بسيفه إلى على كرّم الله وجهه، فقال علىّ: «بشّر قاتل ابن صفيّة بالنّار»، أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. وأتى ابن جرموز برأسه إلى علىّ، فدفنه مع بدنه بوادى السباع. وقال علىّ: إنّى لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير، من الذين قال الله

стр. 1350

سبحانه فى حقّهم: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْااناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ»﴾ (١). ويقال: إنّ الأحنف هو الذى طعنه، وكان لمّا حمل على الأحنف قال الأحنف: الله الله يا زبير (٢٧١) فأمسك الزبير عنه، فحمل ابن جرموز ورجل آخر معه على الزبير، فقال الزبير: قاتلك الله، تذكّرنا بالله وتنساه. فغافصاه حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وأخذ ابن جرموز سيفه، وأتى عليّا ﵇ فلمّا رآه علىّ قال: سيف طالما جلّى به الكرب عن رسول الله ﷺ ، ولكنّه الحين ومصارع السوء. قال جرير للفرزدق: قتل الزبير وأنتم جيرانه ... غيّا لمن قتل الزّبير طويلا ويقال: إنّ الزبير لمّا انصرف لقيه رجل من بنى مجاشع، فقال: يا زبير أنت فى جوارى، فقال الأحنف: يا عجبا للزبير! ألّب بين النّاس ثم نجا بنفسه، فسمعه ابن جرموز، فتبعه حتى قتله. وكان الأحنف قد أتى طلحة والزبير، فدعواه إلى بيعتهما، والطلب بدم عثمان، ومخالفة علىّ، فقال لهما: أمرتمانى ببيعته، ثم تأمراننى بقتاله، فقالا: أفّ لك، إنّما أنت فريسة آكل، وتابع غالب. وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، امرأة الزبير ترثيه:

стр. 1351

غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللّقاء وكان غير معرّد (١) يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش البنان ولا اليد شلّت يمينك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتبلّد ثكلتك أمّك هل ظفرت بمثله ... فيمن مضى [ممن] (٢) يروح ويغتدى كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا بن فقع [القردد] (٣) وعاتكة هذه هى التى كان أهل المدينة يقولون: من أراد الشهادة فليتزوّج عاتكة، كانت زوجة لعبد الله بن أبى بكر، ثم زوجة عمر بن الخطّاب، ثم زوجة الزّبير. وغزا الزبير مصر، فصعد السور وحده (٢٧٢) وقاتل عليه، وكان فتحها بصعوده. والزبير أحد من شهد له النبى ﷺ بالجنّة، وقتل رضى الله عنه وهو ابن ستّين سنة. وقال عمرو بن جرموز فى قتله للزبير: أتيت عليّا برأس الزّبي ... ر أرجو لديه به الزلفة فبشّر بالنّار إذ جئته ... فبئس بشارة ذى التحفة وسيّان عندى قتل الزّبير ... وضرطة عير بذى الجحفة

стр. 1352

ويقال: إنّ الزبير أوّل من سلّ سيفا فى الله ، وذلك أنّه نفخت نفخة من الشيطان: أخذ رسول الله ﷺ ، فأقبل الزبير سوق الناس بسيفه، وكان ﵇ قد ذهب إلى أعلى مكّة، فرآه رسول الله ﷺ فقال: «ما لك يا زبير»، فقال: أخبرت أنك أخذت، فصلّى عليه رسول الله ﷺ ، ودعا له ولسيفه. وقال جرير ينعى على بنى مجاشع قتل الزّبير: قالت قريش ما أذلّ مجاشعا ... دارا وأكرم ذا القتيل قتيلا لو كنت حرّا يا بن قين مجاشع ... شيعت ضيفك فرسخا أو ميلا أفبعد قتلكم خليل محمّد ... ترجو القيون مع الرّسول سبيلا وقيل: إنّ هذه الأبيات أيضا من قوله: إنى تذكّرنى الزبير حمامة ... تدعو ببطن الواديين هديلا (١) قال محمّد بن جرير الطبرى فى تاريخه (٢): ولمّا استقر علىّ بالبصرة بعث عبد الله بن عبّاس إلى عائشة رضى الله عنها، يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها ابن عبّاس، بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا بن عبّاس، أخطأت السّنة المأمور بها، (٢٧٣) دخلت علينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا، فقال لها: لو كنت فى البيت الذى خلّفك فيه رسول الله ﷺ لما كنّا دخلناه إلاّ بأمرك، ولا جلسنا على رحلك إلاّ بإذنك، إنّ أمير المؤمنين

стр. 1353

يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهّب للخروج إلى المدينة، قالت: أبيت ما قلت وخالفت ما وصفت، قال: فمضى فأعاد ذلك على علىّ ﵇، فردّه إليها، وقال: قل لها إن أنت أبيت تعلمين (١)، فلمّا أخبرها أنعمت، وأجابت إلى الخروج. قال: وأتاها علىّ ﵇ فى اليوم الثانى، وبصحبته الحسن والحسين، صلوات الله عليهما، مع بقيّة أولاده وأولاد إخوته، وفتيان من بنى هاشم وغيرهم من شيعته، فلمّا أبصرته النساء صحن فى وجهه، وقلن له: يا قاتل الأحبّة! فقال: لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت من فى هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، فضرب من معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا بمن فى البيوت مخافة أن يخرجوا عليه فيقتلوه. فقالت له عائشة، بعد كلام كثير جدّا بينهما، أضربت عنه: أحبّ أن أقيم معكم، فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك، فقال لها: بل ترجعى إلى البيت الذى أمرك بلزومه رسول الله ﷺ ، فسألته أن يؤمّن عبد الله بن الزّبير (٢)، قال: قد أمّنته، ثم أمّن الوليد بن عقبة، وجميع ولد عثمان، وغيرهم من بنى أميّة، ثم أمّن الناس جميعا، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، [ومن دخل داره فهو آمن] (٣).

стр. 1354

قال الطبرى: وخرجت عائشة من البصرة يوم السبت لعشر من رجب (١)، سنة ستّ وثلاثين هجريّة، وشيّعها علىّ بنفسه أميالا. (٢٧٤) قال الطبرى (٢): ولما فرغ علىّ ﵇ من بيعة أهل البصرة أمّر عليها عبد الله بن عبّاس، ثم سار إلى الكوفة، فدخلها لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب، ودخل إلى بيت المال فى جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق، فجعل يقول: يا صفراء غرّى غيرى، يا بيضاء غرّى غيرى، وأدام النظر إلى المال مفكّرا، ثم قال: اقسموه بين أصحابى، ومن معى، خمس مائة خمس مائة، ففعلوا فما نقص درهم ولا زاد درهم، وكان عدد من قسم عليهم اثنى عشر ألفا. وكان قد بعث إلى مصر قيس بن سعد أميرا، حسبما ذكرنا. قال الطبرى (٣): وكان معاوية وعمرو بن العاص رضى الله عنهما جاهدين على إخراج قيس بن سعد من مصر، ليغلبا عليها، وكان قيس شديد النكاية، حسن التدبير، صاحب دهاء، ومكايدة للأعداء، فلم يقدرا عليه بحيلة من الحيل، حتى كاد معاوية قيسا من جهة علىّ ﵇. وذلك أنّ معاوية كان يجد رجالا من ذوى الرأى من قريش، فيقول: ما ابتدعت مكايدة تطّ كانت أعجب عندى من مكايدة كدت بها قيس بن سعد من قبل علىّ بن أبى طالب، وذلك أنّى كنت أقول لأهل الشّام: لا تسبّوا قيسا،

стр. 1355

فإنّه لنا شيعة، وقد أتتنا كتبه بذلك، ونصحه لنا، ألا ترون إلى ما يفعله بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا (١)، يجرى عليهم عطاياهم وأرزاقهم، ويحسن إلى كلّ راكب قدم عليه منكم، فلا تستنكرونه (٢) فى شئ. وكتبت بذلك إلى شيعتى والنواب بالشام، قال: فبلغ ذلك جواسيس علىّ، فأبلغوه عليّا، ونماه إليه محمّد بن أبى بكر، وعبد الله بن جعفر، فاتّهم قيسا، وكتب إليه علىّ ﵇ يأمره بقتال أهل خربتا، وهم يومئذ نحو من عشرة آلاف، فأبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى علىّ ﵇ أنّهم (٢٧٥) وجوه أهل مصر وأشرافهم، وقد رضوا منّى أن أؤمّن سربهم، وأن أجرى عليهم عطاياهم، وأدرّ عليهم أرزاقهم، وقد علمت أنّ هواهم مع معاوية، فلست مكايدهم بأمر أهون علىّ وعليك من الذى أفعل بهم، فذرنى، فأنا أعلم بما [أدارى] (٣) منهم. فأبى عليه إلاّ قتالهم، وأبى قيس أن يقاتلهم، ثم كتب قيس إلى علىّ رضى الله عنه يقول: إن كنت قد اتّهمتنى فأرسل إلى عملك غيرى! فبعث إلى علىّ ﵇ محمّد بن أبى بكر الصّديق رضى الله عنه أميرا إلى مصر (٤)، فلمّا قدم على قيس تلقاه وأنزله وخلا به، وقال: ليس عزلكم إيّاى بمانعى أن أنصح لكم،

стр. 1356

وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإنّى أدلّك على الذى كنت أكايد به معاوية وعمرا وأهل خربتا، فكايدهم أنت كذلك، ولا يحدث عليك أمر تخشاه! وأظهره على ما كان يعتمده. فأغشّه محمّد بن أبى بكر إلى معاوية كتابا يقول فيه ما رواه المسعودىّ (١): من محمّد بن أبى بكر إلى الغاوى معاوية بن صخر، أمّا بعد، فإنّ الله تعالى بعظمته وسلطانه خلق خلقه من غير عىّ منه (٢)، ولا ضعف فى قوّته، خلقهم عبيدا، وجعل منهم غويّا ورشيدا، وشقيّا وسعيدا، اختار على علمه واصطفى، واستحبّ (٣) منهم محمّدا المصطفى ﷺ فانتخبه (٤) بعلمه، واصطفاه برسالته، وأمنه على وحيه، وجعله رسولا ومبشّرا ونذيرا، فكان أوّل من أجاب، وآمن وأناب، وصدّق وأسلم وسلّم، أخوه وابن عمّه علىّ بن أبى طالب، صدّقه بالغيب المكتوم، [وآثره] (٥) على كلّ حميم، ووقاه بنفسه كلّ هول، وحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يزل مبتذلا لنفسه فى ساعات الليل والنهار، والخوف (٢٧٦) والجوع والخضوع، حتى برز سابقا لا نظير له فيمن اتّبعه، ولا مقاربا له فى فعله. وقد رأيتك تساميه، وأنت أنت، وهو هو: أصدق النّاس نيّة، وأحسنهم سرّا وعلانية، وأفضلهم قربة، وخيرهم زوجة وولدا، أخوه وابن عمّه، ووارث

стр. 1357

علمه، عمّه سيد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذابّ عن رسول الله ﷺ ، وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لرسول الله ﷺ الغوائل، وتجتهدان فى إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلّبان عليه القبائل، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون، على ذلك مات أبوك، وعليه خلفته، والشهيد عليك من تدنى، ويلجأ إليك من تعتدّه للنفاق ورءوس الأحزاب، والشاهد لعلىّ فضله القديم المبين أنصار الله ورسوله الذين معه، أكرمهم الله بفضله، وأثنى عليهم فى كتابه من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب، يرون الحقّ فى اتّباعه. فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلىّ، وهو وارث رسول الله، ووصيّه، وأبو ولده، أوّل الناس له اتّباعا، وأقربهم به عهدا، يخبره بسرّه، ويطلعه على أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه، فتمتّع فى دنياك ما استطعت بباطلك. وليمددك ابن العاص فى غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، ثم يتبيّن لك أنّ العاقبة لعلىّ المرتضى، واعلم أنّك تكايد ربّك الذى قد أمنت مكره، فهو لك بالمرصاد، وأنت منه فى غرور، والسلام على من اتّبع الهدى. فكتب معاوية رضى الله عنه جوابه يقول: من معاوية إلى الزارى على أبيه محمّد بن أبى بكر، أمّا بعد، فقد أتانى كتابك تذكر فيه ما الله [أهله] (١) فى قدرته وعظمته وسلطانه، وما اصطفى به رسوله (٢٧٧) ﷺ ، مع كلام فيه لك

стр. 1358

تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف، وذكرت فضل ابن أبى طالب، وقديم سوابقه، وقرابته من رسول الله ﷺ ومواساته إيّاه فى كلّ هول وخوف، فكان احتجاجك علىّ، وعيبك لى، بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمده ربّا صرف هذا الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كنّا وأبوك معنا (١) نعرف فضل ابن أبى طالب، فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده، وأتمّ له ما وعده، وأظهر دعوته، وأبلغ حجّته، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه، وخالفه على أمره، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما، فأبطأ عنهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم، ثم إنّه بايعهما وسلّم لهما، فأقاما لا يشركانه فى أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما، حتى قبضهما الله إليه. ثم قام ثالثهما عثمان، فهدى بهديهما، وسار بسيرهما، فعبته أنت وصاحبك، حتى طمع فيه الأقاصى، من أهل المعاصى، فطلبتما له الغوائل، وأظهرتما عداوتكما حتّى بلغتما فيه منا كما، فخذ حذرك يا ابن أبى قحافة (٢)، وقس شبرك بفترك، يقصر عن أن توازى الجبال حلمه، لا تلين على قسر قناته، ولا يدرك ذو مقال [أناته] (٣)، أبوك مهّد مهاده، [وبنى] (٤) لملكه وساده، فإن يك ما نحن فيه صوابا، فأبوك أسّسه (٥)، ونحن شركاؤه فيه، ولولا فعل ذلك أبوك [من قبل،

стр. 1359

ما خالفنا ابن أبى طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنّا رأينا أباك] (١) فعل ذلك به من قبلنا، فأخذنا بمثله، فعقّ أباك ما بدا لك، والسلام. قال المسعودى (٢): وخرج قيس بن سعد من مصر لمّا عزل حتى أتى المدينة، فأخافه مروان بن الحكم، والأسود، وجاءه حسّان بن ثابت، وكان حسّان عثمانيّا وقال له: نزعك ابن أبى طالب وقد قتلت عثمان؟ فبقى عليك (٢٧٨) الإثم، ولم يوف إليك بالشّكر، فقال له قيس: والله يا أعمى القلب والبصيرة، لولا أنّ الذى منّى وبين رهطك، وأجنى بذلك بين قومى وقومك حربا، لعلوت رأسك بهذا السيف فى ساعتى هذه، انزع عنّى، نزعك الله عافيتك، ثم إنّ قيسا خرج، هو وسهل بن حنيف، حتى قدما على علىّ ﵇ الكوفة، فخبّره قيس بن سعد الخبر، فصدّقه، وعلم أن الذى أشار عليه بعزله لم ينصحه. قال: وكتب معاوية إلى مروان والأسود يقول لهما: أمددتما عليّا بقيس ابن سعد، ورأيه، ونكايته فو الله لو أنّكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لى من إخراجكما قيس بن سعد إلى علىّ بن أبى طالب. قال (٣): وكان جرير بن عبد الله البجلى بهمدان، عاملا عليها لعثمان، فلمّا انصرف علىّ رضى الله عنه من البصرة إلى الكوفة كتب إليه أن يأخذ له البيعة على من قبله، ويقدم عليه، ففعل ذلك، وانصرف إليه معزولا، فلمّا أراد علىّ ﵇ إنفاذ رسول إلى معاوية، قال جرير بن عبد الله: ابعثنى إليه، فأوهيه فى واد لا يسعه غير الدخول فى طاعتك.

стр. 1360

فقال الأشتر النخعى: لا تبعثه، فو الله إنّى لأظنّ هواه مع معاوية، فقال علىّ رضى الله عنه: دعنا حتّى ننظر ما الذى يرجع به إلينا، ووجّهه إلى معاوية، يدعوه إلى طاعة علىّ ﵇، وقدم جرير على معاوية، فكلّمه، فأبطأ جوابه عليه، فقال جرير: إنّى رأيتك توقّفت بين الحقّ والباطل وقوف رجل ينتظر رأى غيره، وكذلك فعل معاوية، فإنّه انتظر شرحبيل بن السمط (١) الكندى، فلمّا قال جرير لمعاوية ما قال، قال معاوية لشرحبيل: هذا جرير يدعو إلى بيعة علىّ، فقال شرحبيل: إنما أنت عامل لأمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه وابن عمّه (٢٧٩) وأنت أولى الناس بدمه. فلمّا سمع ذلك جرير انصرف إلى علىّ رضى الله عنه، وأخبره الخبر، فقال مالك الأشتر: يا جرير، أما أعرف غشّك وغدرك، وكونك بعت دينك لعثمان بولاية همدان؟ فغضب جرير، ولم يحضر صفّين. فأتى علىّ كرّم الله وجهه دار جرير فشعّثها، وأحرق مجلسه، فقال له أبو زرعة بن عمرو بن جرير: أصلحك الله، إنّ فى الدار أنصباء لغير جرير، فأمسك علىّ رضى الله عنه. وقام أبو مسلم الخولانىّ واسمه عبد الرحمن فقال لمعاوية: لم تقاتل عليّا، وأنت تعلم سابقته وفضله؟ فقال له معاوية: كف، ليدفع إلينا قتلة عثمان، ولا قتال بيننا وبينه، فإنّ عثمان قتل مظلوما محرما، فقال له: اكتب له كتابا!

стр. 1361

فكتب معاوية لعلىّ رضى الله عنهما يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية إلى علىّ، أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمّدا بعلمه ووحيه، وجعله الأمين على وحيه، ثم اجتبى له من المسلمين أعوانا، أيّده بهم، فكانوا فى المنازل عنده على قدر فضائلهم فى الإسلام، فكان أنصحهم لله ولرسوله خليفته ثم خليفته، ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما عثمان رضى الله عنه، فكلّهم حسدت، وعلى كلّهم بغيت، عرفنا ذلك فى نظرك الشزر، وقولك الهجر، وتنفّسك الصعداء وإبطائك عن بيعة الخلفاء، ولم تكن لأحد منهم أشدّ حسدا [منك] لابن عمّتك، وكان أحقّهم ألاّ تفعل ذلك به، لقرابته وفضله، فقطعت رحمه، وقبّحت حسنه، وأظهرت له العداوة، وبطنت له بالغشّ، وألّبت عليه الناس، حتى ضربت إليه آباط الإبل من كلّ وجه، وقيدت إليه الخيل من كل أفق، وشهر عليه السلاح فى حرم رسول الله ﷺ ، فقتل معك فى المحلّة، وأنت تسمع الهائعة، لا تدرأ عنه بقول ولا عمل (٢٨٠) ولعمرى يا ابن أبى طالب، لو قمت فى أمره مقاما ينهى الناس عنه، وتقبح لهم ما انتهكوا، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحا ذلك عنهم ما كانوا يعرفون منك من المجانبة له والبغى عليه وأخرى أنت بها عند أولياء عثمان ظنين: إيواؤك قتلة عثمان، فهم عضدك ويدك وأنصارك. وقد بلغنى أنّك تتبرأ من دم عثمان رضى الله عنه، فإن كان كذلك فادفع إلينا قتلته لنقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس لحاقا بك، وإلاّ فليس بيننا وبينك إلاّ السيوف، فو الّذى لا إله غيره لنطلبنّ قتلة عثمان فى الجبال والرمال والبرّ والبحر، حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله .

стр. 1362

ودفعه إلى أبى مسلم الخولانى، فلمّا وصل إلى علىّ كرّم الله وجهه جمع الناس فى المسجد، وقرأه عليهم. وكتب جوابه: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، إلى معاوية ابن أبى سفيان، أمّا بعد: فإنّ أخا خولان قدم بكتاب منك تذكر فيه محمّدا ﷺ وما أكرمه الله به من الهدى والوحى، فالحمد لله الّذى صدقه الوعد، ومكّن له فى البلاد، وأظهره على الدين كلّه، ولو كره المشركون، وقمع به أهل العداوة والشنآن من قومه، الذين شنفوا له، وكذّبوه، وظاهروا عليه، وعلى إخراج أصحابه، وقلبوا له الأمور، حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، فكان أشدّ عليه الأدنى فالأدنى من قومه، إلاّ من عصمه الله تعالى. وذكرت أنّ الله جلّ ثناؤه، وتباركت أسماؤه اختار له من المؤمنين أعوانا أيّده بهم، فكانوا فى منازلهم عنده على قدر فضائلهم فى الإسلام، فكان أفضلهم خليفته، ثم خليفته من بعده، ولعمرى إنّ مكانهما من الإسلام لعظيم، (٢٨١) وإنّ المصاب بهما لرزء جليل، وذكرت ابن عفّان كان فى الفضل ثالثا، فإن يكن عثمان محسنا، فسيلقى ربّا شكورا، يضاعف له الحسنات، ويجزى بها، وإن كان مسيئا فسيلقى ربّا غفورا، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، وإنّى لأرجو، إذا أعطى الله المؤمنين على قدر أعمالهم أن يكون قسمنا أوفر قسم أهل بيت من المسلمين. وإنّ الله سبحانه بعث محمّدا ﷺ فدعا للإيمان بالله، والتوحيد له، فكنّا

стр. 1363

أهل بيت أوّل من آمن وأناب، فبغى لنا قومنا الغوائل، وهمّوا بنا الهموم، وألحقوا بنا الوشائط، واضطرّونا إلى شعب ضيّق، وضعوا علينا فيه المراصد، ومنعونا من الطعام والشراب، وكتبوا بيننا وبينهم كتابا، ألاّ يؤاكلونا، ولا يشاربونا، ولا يناكحونا، ولا يكلّمونا، أو ندفع إليهم نبيّنا، فيقتلوه أو يمثّلوا به. فعزم الله سبحانه لنا على منعه، والذبّ عنه، وسائر من أسلم من قريش، أخلياء ممّا نحن فيه، من هو من حليف ممنوع وذى عشيرة لا يبغى عليه كما بغى علينا فهم من التلف بمكان نجوة وأمن، فمكّننا بذلك ما شاء الله سبحانه. ثم أذن الله تعالى لرسوله ﷺ فى الهجرة، وأمره بقتال المشركين، فكان إذا حضرت الناس ودعيت نزال، قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة وحمزة يوم أحد وجعفر يوم مؤتة، وتعرّض من لو شئت أن أسمّيه لمثل ما تعرّضوا له من الشهادة، ولكن آجالهم حضرت ومنيّتهم أخّرت. وذكرت إبطائى عن الخلفاء، وحسدى لهم، فأمّا الحسد فمعاذ الله أن أكون أسررته أو أعلنته، وأما الإبطاء فما أعتذر فى الناس منه، ولقد أتانى أبوك وقد قبض رسول الله ﷺ (٢٨٢) وبايع الناس الصدّيق رضى الله عنه، فقال أبوك: أنت أحقّ بهذا الأمر، ابسط يدك أبايعك، وعلمت ذلك من قول أبيك، فكنت الذى أبيت ذلك مخافة الفرقة، وقرب عهد الناس بالكفر والجاهليّة، فإن تعرف من حقّى ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك، وإلاّ تفعل فسيغنينى الله عنك.

стр. 1364

وذكرت عثمان رضى الله عنه، وتأليبى النّاس عليه، وإنّ عثمان صنع ما رأيت فركب الناس منه ما علمت، وأنا عن ذلك بمعزل، إلاّ أن تتجنّى فتجنّ ما بدا لك. وذكرت قتلة عثمان بزعمك، وسألتنى دفعهم إليك، وما أعرف له قاتلا بعينه إلاّ ضربت أنفه وعينه، ولا يسعنى دفع من قبلى ممّن اتّهمته وأظننته إليك، ولئن لم تنزع عن غيّك وشقائك، لتعرفنّ الذين تزعم أنّهم قتلوه طالبين، لا يكلفونك طلبهم فى سهل ولا جبل، والسلام. ونفذ الكتاب مع أبى مسلم وأبى هريرة، فكان ذلك بدء صفّين. ذكر حرب صفّين بين علىّ ومعاوية رضى الله عنهما قال المسعودى (١) ﵀: إنّ معاوية رضى الله عنه طلب عمرو بن العاص، واستشاره فيما كتبه علىّ ﵇، فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام، ويلزم عليّا بدم عثمان، ففعل ذلك معاوية. وقد كان الشيطان بن بشير (٢) لمّا قدم على معاوية بقميص عثمان الذى قتل فيه رضى الله عنه وهو بدمائه غريقا، وأصابع زوجته نائلة بنت الفرافصة، فوضع معاوية القميص على المنبر، وكتب إلى سائر وجوه أهل الشام فجمعهم عليه، وثاب الناس إليه، ومكث القميص على المنبر والأصابع معلقة فيه حولا كاملا، وآلى رجال من أهل الشام على أنفسهم ألاّ يأتوا النساء، ولا يمسّهم الماء [للغسل] (٣) (٢٨٣) إلاّ من أحلام، ولا يناموا على

стр. 1365

فرش حتى يأخذوا بدم عثمان، ويقتلوا قتلته، أو يقتلوا دون ذلك. ومن رواية المسعودى (١): لمّا قدم جرير بن عبد الله عائدا من عند معاوية إلى علىّ ﵇ أخبره أنّ أهل الشام مجتمعون على معاوية وعلى بيعته، وعلى قتال علىّ، وأنّهم يبكون على عثمان، ويقولون: علىّ قاتله، وآوى قتلته، وأنّهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه. فقال الأشتر لعلىّ: قد كنت نهيتك أن تبعث هذا (٢) الأعور، وأخبرتك عداوته وغشّه، ولو كنت بعثتنى كان خيرا من هذا الذى أقام عنده، حتى لم يدع بابا نرجو فتحه إلاّ أغلته، ولا بابا نرجو علقه إلاّ فتحه، فقال له جرير: لو كنت ثمّ لقتلوك، لقد ذكروا أنّك من قتلة عثمان، فقال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يعينى جوابهم، ولكنت حملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر، ولو أطاعنى فيك أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك، حتّى يستقيم هذا الأمر، قال: فخرج جرير إلى قرقيسياء، وكتب إلى معاوية، فكتب إليه معاوية يستقدمه، فكان ذلك. ذكر سبب قدوم عمرو بن العاص على معاوية قال الطبرى فى تأريخه (٣)، وغيره من أهل التّاريخ: إنّ معاوية رضى الله عنه لما استشار قومه وعشيرته فى قتال علىّ كرم الله وجهه، فقال له أخوه عتبة

стр. 1366

ابن أبى سفيان: هذا أمر لا يتمّ لك إلاّ بعمرو بن العاص، فإنّه فريع زمانه فى تدبّر الأمور وإحكامها، وهو يخدع ولا يخدع، وقلوب أهل الشام مائلة إليه، فقال معاوية: صدقت، ولكنّ ميله إلى علىّ بن أبى طالب أكثر، ومحبّته له أثرّ، وأخشى أنه لا يجيبنى إلى ما أريد، فقال: اخدعه بالأموال، وولاية مصر! فكتب إليه معاوية يقول: من معاوية بن أبى سفيان (٢٨٤) خليفة عثمان ابن عفّان إمام المسلمين، وخليفة رسول ربّ العالمين، ذى النورين، وصاحب جيش العسرة، وبئر رومة، المعدوم الناصر، الكبير الخادل، المحصور فى منزله، المقتول عطشا وظلما فى محرابه، المعذّب بأسياف الفسقة، إلى عمرو بن العاص، صاحب رسول الله ﷺ وثقته، وأمير عساكره، المعظّم رأيه، المجرّب تدبيره، أما بعد: لم يخف عليك احتراق قلوب المؤمنين بما أصيبوا من الفجعة بقتلة عثمان، وما ارتكب فيه جاره حسدا وبغيا، بامتناعه عن نصرته، وخذلانه إيّاه، وإشلاء (١) الغارة عليه، حتّى قتلوه فى محرابه، فيالها من مصيبة عمّت جميع المسلمين، وفرضت عليهم طلب دمه ممّن قتله، وأنا أدعوك اليوم إلى الحظّ الأجزل من الثواب، والنصيب الأوفر من حسن المآب، بقتال من آوى قتلة عثمان بن عفّان. فكتب إليه عمرو بن العاص يقول: من عمرو بن العاص صاحب رسول الله ﷺ إلى معاوية بن أبى سفيان، أمّا بعد: فقد وصل كتابك وقرأته وفهمته، فأمّا ما دعوتنى إليه من خلع ربقة الإسلام من عنقى، والتهوّر فى الضلالة معك، وإعانتى إيّاك على الباطل، واختراط السيف فى وجه علىّ رضى الله عنه

стр. 1367

أخى رسول الله ﷺ ، ووصيّه، ووارثه، وقاضى دينه، ومنجز وعده، وزوج ابنته سيدة نساء أهل الجنّة، وأمّ السبطين الحسن والحسين، سيّدى شباب أهل الجنّة، فكيف لى بذلك؟ وقولك إنّك خليفة فقد صدقت، ولكن تبيّن اليوم عزلك، ببيعة غير من استخلفك، فزالت خلافتك بزوال خلافته، وأمّا ما عظّمتنى به ونسبتنى إليه من صحبة رسول الله ﷺ ، مع جميع ما ذكرت فلا أغترّ بالتزكية ولا أميل بها عن الله، وأمّا ما نسبت (٢٨٥) أبا الحسن أخا رسول الله ﷺ إليه من الحسد والبغى على عثمان رضى الله عنه وسمّيت الصحابة فسقة، وزعمت أنّه أشلاهم على قتله، فهذا كذب محض، وهو أنّه ليس كذلك. ويحك يا معاوية، أما علمت أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدى رسول الله ﷺ وبات على فراشه، وهو صاحب السبق إلى الإسلام، وقد قال فيه رسول الله ﷺ : «هو منّى كهارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبىّ بعدى»، وقد قال فيه يوم غدير خم: «ألا من كنت مولاه فعلىّ مولاه، الّلهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيف ما دار»، وهو الّذى قال فيه ﵇ يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»، فكان هو، وهو الذى قال فيه يوم الطير: «الّلهمّ ائتنى بأحبّ خلقك إليك» فلمّا دخل علىّ قال ﵇: «وال وال». وقد علمت يا معاوية ما أنزل الله تعالى فى كتابه العزيز من الآيات المتلوّات فى فضيلته، التى لم يشرك فيها أحدا غيره وهو قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾

стр. 1368

﴿وَيَخافُونَ يَوْماً»﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»﴾ (٢) الآية، وقوله تعالى: لرسوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً»﴾ (٣)، وقد قال رسول الله ﷺ : «أما ترضى أن يكون سلمك سلمى، وحربك حربى، وتكون أخى ووليّى فى الدنيا والآخرة يا أبا الحسن؟ من أحبّك فقد أحبّنى، ومن أبغضك فقد أبغضنى، ومن أحبّك أدخله الله الجنّة، ومن أبغضك أدخله الله النار»، وكتابك يا معاوية إنّما يخدع من لا له عقل ولا دين، والسلام. وكتب فى آخره يقول: جهلت ولم تعلم محلّك عندنا ... فأرسلت شيئا من خطاب ولم تدر (٢٨٦) فثق بالّذى عندى لك اليوم آنفا ... من الخير والإحسان والجاه والقدر وإن كنت فى ريب بما قد ذكرته ... فاكتب بمنشور كريم على مصر أليس صغيرا ملك مصر ببيعة ... هى العار فى الدنيا إلى آخر العمر فإن كنت ما تدرى فتلك مصيبة ... وأعظم حسراتى إذا لم تكن تدرى قال: فكتب له معاوية منشورا على مصر، وأنفذه إليه، فلمّا وصل إليه بقى عمرو مفكرا لا يدرى ما يفعل، حتى ذهب عنه النوم، وتمثّل يقول:

стр. 1369

تطاول ليلى بالهموم الطوارق ... وصادفت من دهرى وجوه البوائق أأخدعه والخدع فيه سجيّة ... أم أعطيه من نفسى نصيحة صادق أأقعد فى بيتى وفى ذاك راحة ... لشيخ يخاف الموت فى كلّ بارق فلمّا أصبح دعا وردان مولاه، وكان وردان رجلا عاقلا لبيبا، فشاوره فى ذلك، فقال له وردان: إنّ مع علىّ آخرة ولا دنيا معه، وهى التى تبقى لك، وإنّ مع معاوية دنيا ولا آخرة معه، وهى الّتى لا تبقى عليك، فاختر لنفسك أيّهما أحببت، قال: فتبسّم عمرو، وتمثل يقول: لا قاتل الله وردانا وفطمته ... لقد أصاب الذى فى القلب وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها ... بحرص نفس وفى الأطماع حرمان نفس تعفّ وأخرى الحرص يمنعها ... والمرء يأكل تينا وهو عريان (١) أما علىّ فدين ليس يشركه ... دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعى دنيا على بصرى ... وما معى بالّذى أختار برهان إنى لأعرف ما فيها وأبصره ... وفىّ أيضا لما أهواه ألوان لكنّ نفسى تحبّ العيش فى شرف ... وليس يرضى بذلّ النّفس إنسان قلت: لست أظنّ هذه الأشعار من كلام عمرو بن العاص رضى الله عنه،

стр. 1370

(٢٨٧) ولا هذا الكلام السخيف، لما فيه من القصور عن بلاغة تلك الأقوام، رضى الله عنهم، ولعلّه مفتعل عليهم من بعض المتوالين، والله أعلم. ثم إنّ عمرا رحل طالبا معاوية، فمنعه عبد الله ولده، ومولاه وردان فلم يمتنع حتّى إذا كان بمفرق الطريقين: طريق العراق وطريق الشام، فقال له وردان: طريق العراق طريق الآخرة، وطريق الشام طريق الدنيا، وإن نحن منقلبون عنها، فأيّهما تسلك وفّقك الله؟ فقال: طريق الشام يا وردان، والربّ مسامح وغفور، فقم! حتى لحق بمعاوية رضى الله عنهما. ولنعد إلى أخبار حرب صفّين، بحول الله وقوّته وبركة إلهامه، قال الطبرى (١) ﵀: وخرج علىّ ﵇ حتى خيّم بالنخيلة، وقدم عليه عبد الله بن عبّاس بأهل البصرة، فسار علىّ كرّم الله وجهه حتى عبر آخذا على طريق الجزيرة، وعبر الفرات، وكان (٢) مسيره من الكوفة لخمس خلون من شوال سنة ستّ وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن [عامر] (٣) الأنصارى، واجتاز فى طريقه بالمدائن إلى الأنبار، حتى نزل الرقّة، فعقد له هناك جسر، فعبر إلى جانب الفرات من ناحية الشام، وقد تنوزع فى عدّة من كان معه، فمكثّر ومقلل، والمتّفق عليه أنّ جميع جمعه سبعون (٤) ألفا، وقيل تسعون ألفا.
следующие страницы →