← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ابن أبى سفيان: هذا أمر لا يتمّ لك إلاّ بعمرو بن العاص، فإنّه فريع زمانه فى تدبّر الأمور وإحكامها، وهو يخدع ولا يخدع، وقلوب أهل الشام مائلة إليه، فقال معاوية: صدقت، ولكنّ ميله إلى علىّ بن أبى طالب أكثر، ومحبّته له أثرّ، وأخشى أنه لا يجيبنى إلى ما أريد، فقال: اخدعه بالأموال، وولاية مصر! فكتب إليه معاوية يقول: من معاوية بن أبى سفيان (٢٨٤) خليفة عثمان ابن عفّان إمام المسلمين، وخليفة رسول ربّ العالمين، ذى النورين، وصاحب جيش العسرة، وبئر رومة، المعدوم الناصر، الكبير الخادل، المحصور فى منزله، المقتول عطشا وظلما فى محرابه، المعذّب بأسياف الفسقة، إلى عمرو بن العاص، صاحب رسول الله ﷺ وثقته، وأمير عساكره، المعظّم رأيه، المجرّب تدبيره، أما بعد: لم يخف عليك احتراق قلوب المؤمنين بما أصيبوا من الفجعة بقتلة عثمان، وما ارتكب فيه جاره حسدا وبغيا، بامتناعه عن نصرته، وخذلانه إيّاه، وإشلاء (١) الغارة عليه، حتّى قتلوه فى محرابه، فيالها من مصيبة عمّت جميع المسلمين، وفرضت عليهم طلب دمه ممّن قتله، وأنا أدعوك اليوم إلى الحظّ الأجزل من الثواب، والنصيب الأوفر من حسن المآب، بقتال من آوى قتلة عثمان بن عفّان. فكتب إليه عمرو بن العاص يقول: من عمرو بن العاص صاحب رسول الله ﷺ إلى معاوية بن أبى سفيان، أمّا بعد: فقد وصل كتابك وقرأته وفهمته، فأمّا ما دعوتنى إليه من خلع ربقة الإسلام من عنقى، والتهوّر فى الضلالة معك، وإعانتى إيّاك على الباطل، واختراط السيف فى وجه علىّ رضى الله عنه

стр. 1367

أخى رسول الله ﷺ ، ووصيّه، ووارثه، وقاضى دينه، ومنجز وعده، وزوج ابنته سيدة نساء أهل الجنّة، وأمّ السبطين الحسن والحسين، سيّدى شباب أهل الجنّة، فكيف لى بذلك؟ وقولك إنّك خليفة فقد صدقت، ولكن تبيّن اليوم عزلك، ببيعة غير من استخلفك، فزالت خلافتك بزوال خلافته، وأمّا ما عظّمتنى به ونسبتنى إليه من صحبة رسول الله ﷺ ، مع جميع ما ذكرت فلا أغترّ بالتزكية ولا أميل بها عن الله، وأمّا ما نسبت (٢٨٥) أبا الحسن أخا رسول الله ﷺ إليه من الحسد والبغى على عثمان رضى الله عنه وسمّيت الصحابة فسقة، وزعمت أنّه أشلاهم على قتله، فهذا كذب محض، وهو أنّه ليس كذلك. ويحك يا معاوية، أما علمت أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدى رسول الله ﷺ وبات على فراشه، وهو صاحب السبق إلى الإسلام، وقد قال فيه رسول الله ﷺ : «هو منّى كهارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبىّ بعدى»، وقد قال فيه يوم غدير خم: «ألا من كنت مولاه فعلىّ مولاه، الّلهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيف ما دار»، وهو الّذى قال فيه ﵇ يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»، فكان هو، وهو الذى قال فيه يوم الطير: «الّلهمّ ائتنى بأحبّ خلقك إليك» فلمّا دخل علىّ قال ﵇: «وال وال». وقد علمت يا معاوية ما أنزل الله تعالى فى كتابه العزيز من الآيات المتلوّات فى فضيلته، التى لم يشرك فيها أحدا غيره وهو قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾

стр. 1368

﴿وَيَخافُونَ يَوْماً»﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»﴾ (٢) الآية، وقوله تعالى: لرسوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً»﴾ (٣)، وقد قال رسول الله ﷺ : «أما ترضى أن يكون سلمك سلمى، وحربك حربى، وتكون أخى ووليّى فى الدنيا والآخرة يا أبا الحسن؟ من أحبّك فقد أحبّنى، ومن أبغضك فقد أبغضنى، ومن أحبّك أدخله الله الجنّة، ومن أبغضك أدخله الله النار»، وكتابك يا معاوية إنّما يخدع من لا له عقل ولا دين، والسلام. وكتب فى آخره يقول: جهلت ولم تعلم محلّك عندنا ... فأرسلت شيئا من خطاب ولم تدر (٢٨٦) فثق بالّذى عندى لك اليوم آنفا ... من الخير والإحسان والجاه والقدر وإن كنت فى ريب بما قد ذكرته ... فاكتب بمنشور كريم على مصر أليس صغيرا ملك مصر ببيعة ... هى العار فى الدنيا إلى آخر العمر فإن كنت ما تدرى فتلك مصيبة ... وأعظم حسراتى إذا لم تكن تدرى قال: فكتب له معاوية منشورا على مصر، وأنفذه إليه، فلمّا وصل إليه بقى عمرو مفكرا لا يدرى ما يفعل، حتى ذهب عنه النوم، وتمثّل يقول:

стр. 1369

تطاول ليلى بالهموم الطوارق ... وصادفت من دهرى وجوه البوائق أأخدعه والخدع فيه سجيّة ... أم أعطيه من نفسى نصيحة صادق أأقعد فى بيتى وفى ذاك راحة ... لشيخ يخاف الموت فى كلّ بارق فلمّا أصبح دعا وردان مولاه، وكان وردان رجلا عاقلا لبيبا، فشاوره فى ذلك، فقال له وردان: إنّ مع علىّ آخرة ولا دنيا معه، وهى التى تبقى لك، وإنّ مع معاوية دنيا ولا آخرة معه، وهى الّتى لا تبقى عليك، فاختر لنفسك أيّهما أحببت، قال: فتبسّم عمرو، وتمثل يقول: لا قاتل الله وردانا وفطمته ... لقد أصاب الذى فى القلب وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها ... بحرص نفس وفى الأطماع حرمان نفس تعفّ وأخرى الحرص يمنعها ... والمرء يأكل تينا وهو عريان (١) أما علىّ فدين ليس يشركه ... دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعى دنيا على بصرى ... وما معى بالّذى أختار برهان إنى لأعرف ما فيها وأبصره ... وفىّ أيضا لما أهواه ألوان لكنّ نفسى تحبّ العيش فى شرف ... وليس يرضى بذلّ النّفس إنسان قلت: لست أظنّ هذه الأشعار من كلام عمرو بن العاص رضى الله عنه،

стр. 1370

(٢٨٧) ولا هذا الكلام السخيف، لما فيه من القصور عن بلاغة تلك الأقوام، رضى الله عنهم، ولعلّه مفتعل عليهم من بعض المتوالين، والله أعلم. ثم إنّ عمرا رحل طالبا معاوية، فمنعه عبد الله ولده، ومولاه وردان فلم يمتنع حتّى إذا كان بمفرق الطريقين: طريق العراق وطريق الشام، فقال له وردان: طريق العراق طريق الآخرة، وطريق الشام طريق الدنيا، وإن نحن منقلبون عنها، فأيّهما تسلك وفّقك الله؟ فقال: طريق الشام يا وردان، والربّ مسامح وغفور، فقم! حتى لحق بمعاوية رضى الله عنهما. ولنعد إلى أخبار حرب صفّين، بحول الله وقوّته وبركة إلهامه، قال الطبرى (١) ﵀: وخرج علىّ ﵇ حتى خيّم بالنخيلة، وقدم عليه عبد الله بن عبّاس بأهل البصرة، فسار علىّ كرّم الله وجهه حتى عبر آخذا على طريق الجزيرة، وعبر الفرات، وكان (٢) مسيره من الكوفة لخمس خلون من شوال سنة ستّ وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن [عامر] (٣) الأنصارى، واجتاز فى طريقه بالمدائن إلى الأنبار، حتى نزل الرقّة، فعقد له هناك جسر، فعبر إلى جانب الفرات من ناحية الشام، وقد تنوزع فى عدّة من كان معه، فمكثّر ومقلل، والمتّفق عليه أنّ جميع جمعه سبعون (٤) ألفا، وقيل تسعون ألفا.

стр. 1371

فلمّا بلغ معاوية سير علىّ ﵇ استشار عمرا، فقال له: إنّه سار إليك بنفسه، فسر إليه بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك، فقال: إذا جهّز الناس، فصار عمرو يحرض الناس على قتال علىّ كرّم الله وجهه ويضعّفه عندهم، ويقلّل أمر أصحابه وأتباعه. وأقبل معاوية فى جيوش الشّام، واختلف أيضا فى جموع معاوية، فمقلّل ومكثّر، والمتّفق عليه (٢٨٨) من جموعه خمسة وثمانون ألفا، فلمّا تراءى الجمعان، نزل معاوية وأصحابه منزلا اختاروه، فكانت الشريعة بأيديهم، وكان على خيل معاوية أبو الأعور السلمى، وأجمعوا رأيهم أن يمنعوا أصحاب علىّ ﵇ الماء، قال: ففزع النّاس إلى أمير المؤمنين علىّ كرّم الله وجهه فأخبروه بذلك، فقال ﵇: ادعوا لى صعصعة بن صوحان، فلمّا حضر، قال: امض إلى معاوية وقل له: إنّا سرنا [مسيرنا] (١) هذا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنّك قد قدمت علينا بخيلك ورجلك، تقاتلنا (٢) قبل أن نقاتلك، ونحن ما رأينا إلاّ الكفّ عنك، حتّى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها: قد حلتم بين الناس وبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين الماء، وليكفّوا حتى ننظر فيما يعود صلاحه على الفئتين، وإن أعجبك أن تترك الناس يقتتلون على الماء حتّى يكون الغالب هو الشّارب فعلنا.

стр. 1372

فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفّان، فقال عمرو بن العاص: خلّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يعطشوا وأنت ريّان، ولكن [بغير] (١) الماء انظر فيما بينك وبينهم، فأعاد الوليد مقالته، وقال عبد الله بن أبى سرح: امنعهم الماء إلى الليل، فإنّهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وإن رجعوا كانت ذلّة لهم وكسرة عليهم، امنعهم الماء، منعهم الله يوم القيامة من حوض الكوثر، فقال صعصعة: إنّما يمنعه الله يوم القيامة الفجرة المكرة أولى الفجور، وشربة الخمر، ضربك وضرب أمثالك مثل هذا الفاسق، وأشار إلى الوليد بن عقبة. قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويهددونه، (٢٨٩) فقال معاوية: كفّوا عن الرجل فإنّه رسول، فلما رجع صعصعة إلى علىّ ﵇ وأصحابه حدّثهم بما قال معاوية، وما ردّ به عليهم، قال: فما الّذى رد عليك معاوية؟ قال: قلت له: ماذا ترد به علىّ؟ فقال: سيأتيكم رأى، قال: فو الله ما راعنا إلاّ [تسريته] (٢) الخيل [إلى] (٣) أبى الأعور السلمى أن كفّهم عن الماء، قال: فأبرزنا علىّ إليهم فارتمينا، ثم اطّعنّا، ثم اضطربنا بالسيوف ساعة، فنصرنا الله عليهم، وصار الماء فى أيدينا دونهم، فقلنا: لا والله لا نسقيكم القطرة، فارجعوا بخيبتكم إلى عسكركم فأرسل إلينا علىّ ﵇ يقول: خذوا من الماء حاجتكم وخلّوا عنهم، فإنّ الله تعالى قد نصركم عليهم.

стр. 1373

وذكر المسعودى فى تأريخه (١) أنّ الماء صار فى حوز أصحاب علىّ ﵇، قال معاوية لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله، ما ظنّك بالرجل، أتراه يمنعنا الماء كما منعناه إيّاه؟ فقال له عمرو: لا يفعل، إنّه الرجل جاء إلى غير هذا، وإنّه لا يرضى، أو تدخل فى طاعته، أو يقطع حبل عاتقك، قال (٢): فأرسل إليه معاوية يستأذنه فى وروده الماء، فأذن له، وأباحه [على] (٣) ذلك. قال الطبرى (٤): ومكث علىّ رضى الله عنه يومين لا يرسل إلى معاوية أحدا، وكذلك معاوية أيضا، ثم إنّ عليّا ﵇ دعا بشير بن عمرو الأنصارى، وسعيد بن قيس الهمدانى، وشبيب النميرى، وقال لهم: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة والجماعة، فقال شبيب (٥) بن ربعى: يا أمير المؤمنين ألا تطمعه فى سلطان [توليه] (٦) إيّاه، فيكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال علىّ ﵇: ائتوه واحتجّوا عليه، وانظروا ما رأيه! وهذا فى أول ذى القعدة (٧). قال: فأتوه، ودخلوا عليه، قال: فتكلّم أبو عمرة بشير بن عمرو، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ (٢٩٠) وقال: يا معاوية إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنّك راجع إلى الآخرة، وأن لا بدّ أن يحاسبك الله عزّ وجلّ

стр. 1374

بعملك، ويجازيك بما قدّمت يداك، وإنّى أشدك الله، لا تفرّق جماعة اجتمعوا فى الله، وأن تحقن دماء هذه الأمّة. قال: فقطع عليه معاوية الكلام وقال: فهلاّ أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرة: إنّ صاحبى ليس مثلك، وإنّه أحقّ بهذا الأمر منك لفضله وسابقته، وقرابته، وتفدّمه فى الإسلام، قال: فماذا تقول؟ قال: آمرك بتقوى الله تعالى، وإجابة ابن عمّك إلى ما يدعو إليه من الحقّ، فإنّه أسلم لك فى دنياك، وخير لك فى آخرتك. قال معاوية رضى الله عنه: وبطل (١) دم عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا، قال: فذهب سعد بن قيس يتكلّم فبادره شبيب بن ربعى، فتكلّم، وحمد الله تعالى وصلّى على نبيّه ﷺ وقال: يا معاوية، إنّى قد فهمت ما رددت على ابن محصن، على أنّه ما يخفى علينا ما تعزو وما تطلب، إنّك لن تجد شيئا تستهوى (٢) به الناس، وتستميل به قلوبهم وأهواءهم، وتستخلص به طاعتهم إلاّ قولك: قتل إمامكم مظلوما، فنحن نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء [طغام] (٣)، وقد علمنا أنّك أبطأت عنه بالنصرة، وأحببت أن تكون بهذه المنزلة التى أصبحت تطلب أمرا، وطالبه، يحول الله دونه (٤)، وربّما أوتى المتمنّى أمنيته، وو الله ما لك فى واحدة [منهما] (٥) خير، والله لئن أخطأك ما ترجو لأنّك شرّ العرب حالا فى ذلك،

стр. 1375

ولئن أصبت ما تتمنّى لا تصبه حتّى تستحقّ من ربّك صلىّ النار، فاتّق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله. قال: فتكلّم معاوية وحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ ثم قال: أما بعد، فإنّ أوّل ما عرفت به سفهك وقلّة حلمك قطعك على (٢٩١) هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقه، ثم عتبت فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولوّ مت أيّها الأعرابى الجلف الجافى فى كلّ ما ذكرت ووصفت، انصرفوا فليس بينى وبينكم إلاّ السيف! وغضب وحرّج، وخرجوا من عنده، وشبيب بن ربعى يقول: أفعلينا تهوّل بالسّيف؟ فلنعجلنّ به إليك، وأتوا عليّا، وأخبروه بالذى كان من قوله. ثم كانت الحروب بينهم، وأخذ علىّ ﵇ يأمر الرجل ذا الشرف ليخرج ويخرج معه جماعة، ويخرج إليهم من أصحاب معاوية آخر، ومعه جماعة فيقتتلان فى خيلهما ورجلهما، ثم ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يلقوا جميع أهل العراق بجميع أهل الشام (١)، لما يتوخون من أن يكون ذلك سببا لا ستئصال جميعهم وهلاكهم. وكان علىّ رضى الله عنه يخرج لهم مرّة مالك الأشتر، ومرّة حجر بن عدى الكندى، ومرّة شبيب بن ربعى النميرى، ومرّة خالد بن النعمان (٢)، ومرّة زياد ابن [النضر [(٣) الحارثىّ، ومرّة زياد بن [خصفة التيمى] (٤)، ومرّة [سعيد] (٥)

стр. 1376

ابن قيس الهمدانى، ومرّة معقل بن قيس الرياحى، ومرّة [قيس بن سعد] (١) الأنصارى، وكان أكثر القوم خروجا الأشتر النخعى. وكان معاوية رضى الله عنه أيضا يخرج إليهم عبد الرحمن المخزومى، ومرّة أبا الأعور السلمى، ومرّة حبيب بن [مسلمة] (٢) الفهرى، ومرّة ابن ذى الكلاع الحميرى، ومرّة عبيد الله بن عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، ومرّة شرحبيل ابن السمط الكندى، ومرّة حمزة بن مالك الهمدانى، فاقتتلوا ذا القعدة (٣) بأسره، وربّما اقتتلوا فى اليوم مرّتين أوّله وآخره. قال الطبرى (٤): وذكر من حضر وشهد حرب صفّين، قال: خرج الأشتر يوما يقاتل (٢٩٢) بصفّين فى رجال من القرّاء، ورجال من فرسان العرب، فاشتدّ قتالهم، قال: فخرج علينا رجل لم أر والله رجلا قطّ مثله فى هول القامة والمنظر، ولا أعظم منه. فدعا المبارزة، فلم يخرج إليه إلاّ الأشتر، فتجاولا واختلفا ضربتين، فضربه الأشتر فقتله، فأيم الله لقد كنّا أشفقنا على الأشتر منه، [وسألناه ألاّ] (٥) يخرج إليه، فلمّا قتله الأشتر خرج آخر، فقال: أقسم بالله لأقتلنّ قاتلك أو ليقتلنّى، فعطف عليه الأشتر فضربه، فإذا هو بين يدى فرسه، وحمله أصحابه، فاستنقذوه جريحا.

стр. 1377

قال الطبرى: فلما انقضى ذو القعدة (١) تداعى الناس إلى أن يكفّ بعضهم عن بعض. وحجّ فى هذه السنة بالناس عبيد الله بن عبّاس (٢) بأمر علىّ ﵇، وكان عامله على اليمن، والله أعلم ذكر سنة سبع وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أمير المؤمنين، وعلى مكّة شرّفها الله تعالى أميرا قثم بن العبّاس، والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام سهل بن حنيف، من قبل الإمام علىّ ﵇، والبصرة عبد الله بن عبّاس، والكوفة أبو مسعود الأنصارى، ومصر محمّد بن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه، وخراسان خليد (٣) بن قرّة اليربوعى، من قبل الإمام علىّ ﵇، والشّام معاوية رضى الله عنه من قبل نفسه، وهو فى حرب صفّين مع الإمام علىّ صلوات الله عليه. وكان شهر المحرّم من هذه السنة جميعه (٢٩٣) موادعة بينهما، جرت طمعا

стр. 1378

فى الصلح، واتّفاق الكلمة، واجتماع الأمر، ثم اختلفوا ولم يتّفق لهما حال، ولا انتظم لهم سلك. فلمّا دنا سلخ المحرّم أمر علىّ ﵇ مرثد بن الحارث الجشمى، فنادى على الناس من أهل الشّام عند غروب الشمس: ألا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّى قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ، وتثيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، فلم [تناهوا] (١) عن الطغيان، ولم تجيبوا إلى الحقّ، وإنّى قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين. قال (٢): ففزع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو ابن العاص فى الناس يكتبان الكتائب، ويعبئان الناس، وأوقدوا النيران، وبات علىّ ﵇ طول ليلته يعبّئ الناس، ويكتّب الكتائب، ويحرّض الناس على القتال، ويقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم بالقتال، فأنتم بحمد الله على حجّة، وترككم إيّاهم حتّى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم وهزمتموهم، فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم، فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا بيتا، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم، إلاّ ما وجدتموه فى عسكرهم، ولا [نهيّجوا] (٣) امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، فإنّهن ضعاف القوى والأنفس. وأصبح من الغد، فبعث إلى الميمنة والميسرة، وكان ذلك فى أوّل يوم

стр. 1379

من شهر صفر سنة سبع وثلاثين هجريّة، وهو يوم الأربعاء، وعبّأ الجيش، وأخرج الأشتر أمام النّاس، وأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرىّ، فكان بينهما قتال شديد، والناس قد تصافّوا: أهل العراق وأهل الشّام سائر يومهم، وأسفرت (٢٩٤) عن قتلى من الفريقين جميعا، وانصرفوا. فلمّا كان فى اليوم الثانى، وهو يوم الخميس، أخرج علىّ ﵇ هاشم ابن عتبة بن أبى وقّاص الزهرى، وهو ابن أخى سعد بن أبى وقّاص، وسمّى المرقال، لأنّه كان يرقل من تقدّمه فى الحرب، وكان أعور، ذهبت عينه يوم اليرموك، وكان من شيعة علىّ رضى الله عنه، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السلمى، وهو سفيان بن عوف، وكان من شيعة معاوية، والمنحرفين عن علىّ، فكان ذلك اليوم بينهم سجال، وانصرفوا فى آخر النهار. وأخرج فى اليوم الثالث، وهو يوم الجمعة، علىّ رضى الله عنه أبا اليقظان، عمّار بن ياسر، رضى الله عنه، فى عدّة من البدريّين، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فيمن أسرع معهم من الناس، فأخرج إليه معاوية رضى الله عنه عمرو ابن العاص فى نفر من الشام، فكان بينهم سجال إلى الظهر، ثم حمل عمّار فيمن ذكرنا من الناس فأزال عمرا عن موضعه، وألحقه بعسكر معاوية، وأسفرت عن قتلى كثيرة من أهل الشام دون أهل العراق (١). وأخرج علىّ رضى الله عنه فى اليوم الرابع، يوم السبت، ابنه محمّد بن الحنفيّة

стр. 1380

فى همدان، ومن خفّ معه من شيعته، فأخرج معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فكان بينهما قتال وقتلى. وأخرج علىّ فى اليوم الخامس عبد الله بن عبّاس، فأخرج إليه معاوية الوليد بن عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وأكثر الوليد من سبّ بنى عبد المطّلب، فناداه عبد الله بن عبّاس: ابرز إلىّ يا صفوان، فأبى، وكان يوما صعبا (١). وأخرج علىّ فى اليوم السّادس سعيد بن قيس الهمدانىّ، وهو يومئذ سيّد همدان، فأخرج له معاوية ابن ذى الكلاع الحميرى، فكان بينهما حرب شديد إلى آخر النهار، وأسفرت عن قتلى كثيرة من الفريقين. وأخرج علىّ (٢٩٥) ﵇ فى اليوم السابع الأشتر النخعى فى قومه، وفيمن خفّ معه، وأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرىّ، فتكافأوا، وأبوا إلاّ الموت، وأسفرت عن كثير من القتلى، وكان فى أهل الشّام أعم وأكثر. وخرج فى اليوم الثامن، وهو يوم الأربعاء، علىّ ﵇ بنفسه وأصحابه البدريّين، رضوان الله عليهم، وجماعة من المهاجرين والأنصار، ومن ربيعة وهمدان. قال الطبرى ﵀: قال ابن عبّاس رضى الله عنه (٢): رأيت ذلك اليوم عليّا ﵇ وعليه عمامة بيضاء، وكأنّ عينيه سراجان، وهو يقف على

стр. 1381

طوائف الناس فى مراتبهم [فيحثّهم] (١)، ويحرّضهم على القتال والحرب، وهو على بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، وخرج معاوية فى رؤساء أهل الشام، فكان بينهما قتال شديد إلى آخر النهار، وانصرفوا عند المساء، وكلّ غير ظافر. وكذلك خرج فى اليوم التاسع، وهو يوم الخميس، علىّ ﵇ ومعاوية رضى الله عنه فاقتتلوا إلى ضحوة نهار، وبرز أمام الناس عبيد الله بن عمر ابن الخطّاب، فى أربعة آلاف من [الخضريّة] (٢)، وابن عمر يتقدّمهم، فناداه علىّ ﵇: ويحك يا ابن عمر، على ماذا تقاتلنى؟ فو الله لو كان أبوك حيّا ما فعله، قال: أطلب بدم عثمان، فقال: أنت تطلب بدم عثمان من غير قاتله، والله يطلبك بدم الهرمزان، إذ أنت قاتله بيدك ظلما وعدوانا، وأمر علىّ الأشتر بالخروج إليه، فانصرف عنه عبيد الله ولم يقاتله، وكثرت القتلى يوم ذاك، فقال عمّار بن ياسر: إنّى أرى وجوها لا يزالون يضاربون حتى يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شعبات (٣) هجر لكنّا على الحقّ، وكانوا على الباطل، ثم تقدّم عمّار بن ياسر رضى الله عنه فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع إلى (٢٩٦) موضعه، فاستسقى فأتته امرأة من نساء بنى شيبان من مصافّهم، بعسّ فيه لبن، فدفعته إليه، فقال: الله أكبر، اليوم التقى الأحبّة تحت الأسنّة، صدق الصادق، وبذلك أخبرنى الناطق، هذا اليوم الذى وعدت فيه.

стр. 1382

ثم قال (١): يا أيّها النّاس، والذى نفسى بيده لنقاتلنّكم على تأويله، كما قاتلناكم على تنزيله، ثم توسّط القوم، واشتكت عليه الأستّة، فقتل رضى الله عنه قتله أبو العادم العاملىّ، وابن جوين السكسكى، واختلفا فى سلبه، فاحتكما إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال لهما: اخرجا عنّى، فإنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول، أو قال رسول الله ﷺ : «ولعت قريش بعمّار، ما لهم ولعمّار، يدعوهم إلى الجنّة، ويدعونه إلى النّار». وكان قتل عمّار رضى الله عنه عند المساء، وعمره يومئذ ثلاث وتسعون سنة وصلى عليه علىّ ﵇ ولم يغسّله، ودفن بصفّين رحمة الله عليه، وقد تنوزع فى نسبه، فمن الناس من ألحقه ببنى مخزوم ومنهم من رأى أنّه من حلفائهم، والله أعلم. قال الطبرى (٢): إنّ عمّارا لمّا قتل، خرج فى تلك الليلة رجل من عسكر علىّ ﵇ إلى عسكر معاوية رضى الله عنه على فرسه، ليسمع ما يقولون فى قتل عمّار، فإذا أربعة يتسايرون، وهم معاوية بن أبى سفيان، وأبو الأعور السّلمى وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، وهو خير الأربعة، قال: فأدخل فرسه بينهم،

стр. 1383

فقال عبد الله بن عمرو لأبيه: يا أبت، قتلتم هذا الرجل فى يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله ﷺ ما قال، قال: وما قال يا بنىّ؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبنى المسجد، والناس ينقلون حجرا حجرا، ولبنة لبنة، وعمّار ينقل حجرين حجرين، ولبنتين لبنتين (٢٩٧) فغشى عليه، فأتاه رسول الله ﷺ فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: «ويحك [يا ابن سميّة] (١)، النّاس ينقلون حجرا حجرا، ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين، ولبنتين لبنتين، رغبة فى الآخرة، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الفئة الباغية»؟ قال: فدفع عمرو صدر فرسه، وجذب معاوية إليه، فقال: يا معاوية، ألا تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنّك لشيخ أخرق، ولا تزال تحدّث بالحديث، وأن تدحض فى شيبك (٢)، أونحن قتلناه؟ إنّما قتله من جاء به. قال (٣): ولمّا صرع عمّار، تقدّم سعد بن قيس فى همدان، وقيس بن سعد فى الأنصار وربيعة، وعدىّ بن حاتم فى طيئ، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتدّ القتال، وحطمت همدان أهل الشام، حتى زووهم إلى قبّة معاوية، قال: وأمر علىّ ﵇ الأشتر أن يتقدّم باللواء إلى أهل حمص، وعزلهم عن أهل قنّسرين (٤)، وأكثروا القتل فيهم، وأبلى المرقال فيهم يومئذ بمن معه، فلا يقوم معه أحد، وكان صاحب لواء علىّ ﵇ وجعل يرقل كما يرقل الفحل فى قيده،

стр. 1384

وعلىّ وراءه يقول: يا أعور، لا تكن جبانا، ثم إنّ المرقال صدر (١) لابن ذى الكلاع، واختلفا الطعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلا، ثم حلف مع جماعة أن لا يرجعوا، أو لينتهوا، أو ليقتلوا، واجتلد الناس، فقتل المرقال فى معمعة الحرب، فتناول ابنه اللواء حين قتل أبوه، وكثر العجاج، ووقف على مصرع أبيه ومن صرع معه من الأسلميّين وغيرهم، فدعا لهم، وترحّم عليهم (٢). قال (٣): وحمل حريث بن جابر الجحفى على عبيد الله بن عمر بن الخطّاب فقتله، وقيل إنّ الذى قتل عبيد الله بن عمر هو ابن الأشتر (٤) (٢٩٨)، وقيل إنّ عليّا ﵇ ضربه ضربة قطع ما عليه من الحديد، حتى خالط السيف حشو جوفه، وقد ذكرنا قتلة عبيد الله بن عمر فيما تقدّم من الكلام من رواية أخرى (٥)، والله أعلم. وعاد علىّ ﵇ يحرّض النّاس على القتال، وهو على البغلة الشهباء أمام القوم، وحمل معه جماعة، فلم يبق لأهل الشام صفّ إلاّ انتقض كلّما أتوا عليه، حتى انتهوا إلى قبّة معاوية وعلىّ رضى الله عنه لا يمرّ بفارس إلا قدّه، ثم نادى علىّ ﵇: يا معاوية على ماذا [يقتل] (٦) الناس بينى وبينك؟

стр. 1385

هلمّ أحاكمك إلى الله، فأيّنا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال عمرو بن العاص: قد أنصفك الرجل، فقال معاوية: ما أنصفت أنت، فإنّك لتعلم أنّه ما بارزه أحد قطّ إلاّ قتله أو أسره، فقال عمرو: ما يجمل بك أن يناديك فتتخلّف عن مبارزته، فقال معاوية: أظنّك قد طمعت بها بعدى. وقيل إنّ معاوية ألزم عمرا بخروجه إلى علىّ ﵇ فبرز إليه على رغم منه، فلمّا رآه عرفه، فرفع السيف وهمّ أن يضربه، فكشف عمرو عن عورته، وقال: أخوك يا أبا الحسن (١)! فحوّل وجهه عنه، وقال: قبّحت قبّحك الله، فرجع عمرو إلى مصافّه سالما. واقتتل الناس تلك الليلة كلّها إلى الصباح، وهى ليلة [الهرير] (٢)، حتى تقصّفت الرماح، وفقد النبل وصار الناس إلى السيوف، وأخذ علىّ رضى الله عنه يسير من الميمنة إلى الميسرة، ويأمر كلّ كتيبة أن تتقدّم على [التى تليها] (٣)، ولم يزل يفعل ذلك حتّى أصبحوا، وقد صارت المعركة خلف ظهور أصحاب علىّ ﵇ والأشتر فى ميمنة الناس، وعبد الله بن عبّاس فى الميسرة، وعلىّ ﵇ فى القلب تارة، وتارة فى الميمنة، وتارة فى الميسرة، والناس (٢٩٩) [يقتتلون] (٤) من كلّ جانب، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة، وكسفت فيه الشمس، وارتفع القتام، وتقطّعت الألوية والرايات، ولم يعرفوا مواقيت الصلاة.

стр. 1386

قال المسعودى (١) رحمة الله: إنّ جملة من قتله علىّ رضى الله عنه بيده وسيفه فى يوم واحد وليلة واحدة خمسمائة وثلاثة وعشرون رجلا أكثرهم فى اليوم، علم ذلك لأنّه كان كلّما ضرب رجلا كبّر، وكان إذا ضرب قتل، ذكر ذلك عنه من كان يليه فى حربه لا يفارقه من ولده، وغيرهم. وكان الأشتر ذلك اليوم فى ميمنة الجيش، وقد أشرف على الفتح، قال (٢): فنادت مشيخة الشام: يا معشر العرب، الله الله فى الحرمات والنساء والبنات، فعندها قال معاوية لعمرو بن العاص، وقد عاين انكشافه، وانكشاف جيوشه: ما عندك يا أبا عبد الله، فما خبأتك إلاّ لها، فقال عمرو: مر من كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، قال: فكثر فى الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجّات، ونادوا: كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور المسلمين؟ من لحفظ الشام بعد أهله؟ من لجهاد الروم؟ من لجهاد الترك من الكفّار؟ ورفع من عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف. قال: فلمّا رأى أهل العراق ذلك، قالوا: نجيب إلى كتاب الله، فقال علىّ: ويحكم امضوا على حقّكم وصدقكم، القتال لعدوّكم، فإنّ معاوية، وابن العاص وابن أبى معيط، وعدّد جماعة، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، فأنا أعرف بهم منكم، صحبتهم طويلا أطفالا ورجالا، فكانوا أشرّ أطفال وشرّ رجال (٣)، وإنّما هذا منهم مكر وخديعة، وهى خديعة ابن العاص.

стр. 1387

وجرى له مع القوم خطب طويل، حتّى هدّدوه أن يصنعوا به ما صنعوا بعثمان، وقال له الأشعث بن قيس: إن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد، قال: (٣٠٠) ذلك إليك، قال: فأتاه الأشعث بن قيس، فقال له الأشعث: ما مرامك يا معاوية؟ قال: نرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به فى كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضون به وتختارونه، ونبعث نحن كذلك، ونأخذ عليهما عهد الله وميثاقه أن يعملا بما فى كتاب الله تعالى، وننقاد جميعا إلى ما اتّفقا عليه من حكم الكتاب، فقال (١): نعم، وصوّب الأشعث قوله، ورجع إلى علىّ ﵇ فأخبره بذلك، فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا، وغلبوا رأى علىّ فيما أراده. واختار أهل الشام عمرو بن العاص للتحكيم، وقال الأشعث ومن ارتدّ بعد ذلك إلى رأى الخوارج: ونحن رضينا بأبى موسى الأشعرى، فقال علىّ ﵇: ويحكم قد عصيتمونى فى الأولى فلا تعصونى الآن، إنّى لا أرى أن أولّى أبا موسى الأشعرى هذا الأمر، فإنّه غير ثقة، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلاّ أبا موسى الأشعرىّ، فقال علىّ: ويحكم، إنّه فارقنى، وخذّل عنّى الناس (٢)، وفعل كذا وكذا، وعدّد له أشياء فعلها أبو موسى، ثمّ إنّه هرب شهورا حتى أمّنته، ألا هذا عبد الله بن عبّاس، أولّيه ذلك، فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فيها مضريّان، قال: فالأشتر؟ قالوا: وهل أشعل هذه النار التى نحن نتوقّدها

стр. 1388

إلاّ الأشتر، قال: فاصنعوا الآن ما شئتم أن تصنعوا، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه. قال (١): فبعثوا إلى أبى موسى الأشعرىّ، فأحضروه، وكتبوا بينهم صحيفة تتضمّن أنّ كلاّ من الجيشين عند حكم الله وكتابه، وأنّ الحكمين يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أماته القرآن، ولا يتّبعان الهوى، ولا يداهنان فى شئ من ذلك، فإن فعلا فلا حكم لهما، وصيّروا ذلك لأجل إلى رمضان، وكان كتب الصحيفة لأيّام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين هجريّة. ثم مرّ (٣٠١) الأشعث بن قيس بالصّحيفة، حتى انتهى إلى مجلس بنى تميم فيه جماعة من زعمائهم، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، ثم قال عروة (٢) للأشعث: أتحكّمون فى دين الله وأمره ونهيه [الرجال] (٣)؟، لا حكم إلاّ الله، فكان أوّل من قالها. ولمّا وقع أمر التحكيم، أمر علىّ ﵇ بالرحيل لعلمه باختلاف الكلمة، وتفاوت الرأى، وعدم انتظام أمورهم، وما لحقه منهم من الاختلاف، وكثر قول التحكيم فى جيش العراق، وتضارب القوم بالمخاصر، واجتذبوا السيوف (٤)، وتسابّوا، ولام كل فريق منهم الآخر فى رأيه، وسار علىّ رضى الله عنه يريد الكوفة، ولحق معاوية بدمشق.

стр. 1389

قال الروحى فى تأريخه المسمّى بتحفة الخلفاء: كان عدّة القتلى بصفّين سبعين ألفا: من أهل الشام خمسة وأربعين ألفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفا، منهم خمسة وعشرون بدريّا، فيهم عمّار بن ياسر، وكانت أذنه قطعت يوم اليمامة، قلت: وعمّار رضى الله عنه أوّل من بنى مسجدا يصلّى فيه، وفيه أنزلت: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ»﴾ (١)، وكانت مدّة الحرب بصفّين مائة يوم وعشرة أيّام. وفيها استعمل علىّ رضى الله عنه على الرى يزيد بن ححيمة التيمى، فكسر من الخراج ثلاثين ألفا، فطلبه بذلك، وخفقه عدّة خفقات بالدّرة وحبسه، ووكل به سعدا مولاه، فهرب منه يزيد ولحق بمعاوية، فأعاده إلى الرىّ واليا، وكان يزيد هذا شهد مع علىّ ﵇ حرب الجمل، وصفّين، والنهروان، ثم ولاّه الرىّ، فكان من أمره ما كان. ذكر سنة ثمان وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أمير المؤمنين بالكوفة، وباقى الأمراء ولاة الأعمال بحالهم، إلاّ محمّد بن أبى بكر، فإنّه قتل فى هذه السّنة،

стр. 1390

وسيأتى ذكر ذلك فى موضعه، وبعث علىّ ﵇ مالك الأشتر النخعى واليا إلى مصر، فسمّ فى الطريق، ومات قبل دخوله إلى مصر، وسيأتى ذكر ذلك أيضا فى مكانه اللائق به إن شاء الله تعالى. ولمّا دخل علىّ الكوفة انحاز عنه اثنا عشر ألفا من القرّاء وغيرهم، وجعلوا عليهم شبيب بن ربعى، وعلى صلاتهم عبد الله بن الكوّاء اليشكرى، وكان اجتماعهم بقرية يقال لها حرورة فلذلك سمّوا بذلك الحرورية، وخرج إليهم علىّ، وكان له معهم مناظرات يأتى ذكر شئ من ذلك فى موضعه، إن شاء الله تعالى. ذكر الحكمين وأمر التّحكيم قال (١) المسعودى ﵀: وفى سنة ثمان وثلاثين، كان اجتماع الحكمين بدومة الجندل، فبعث على كرّم الله وجهه عبد الله بن عبّاس، وشريح بن هانئ الهمدانىّ فى أربعمائة رجل، فلمّا وصل القوم المكان الذى كان فيه الاجتماع قال ابن عبّاس لأبى موسى: إنّ عليّا لم يرض بك حكما، لفضل غيرك والمقدّمين عليك، وإن النّاس أبوا إلاّ أنت، وأظنّ ذلك لشرّ يراد بهم، وقد رموك

стр. 1391

بداهية العرب، فمهما نسيت فلا تنس أنّ عليّا بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وليست فيه خصلة تباعده من الخلافة، وأن ليس فى معاوية خصلة تقرّبه من الخلافة. قال (١): ووصّى معاوية عمرا حين فارقه، فقال: يا أبا عبد الله، إنّ أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبى موسى الأشعرىّ، وإنّ أهل الشام راضون بك، وقد ضمّ (٣٠٣) إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأى، فلا تلقه برأيك كلّه. فلمّا التقى أبو موسى وعمرو بن العاص بدومة الجندل، قال عمرو لأبى موسى: خبّرنى ما رأيك (٢)؟ فقال: أرى أن نخلع هذين الرجلين، وأجعل الأمر شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من يختارون، فقال عمرو الرأى ما رأيته! فأقبلا على الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو لأبى موسى: تكلّم بما وقع الاتّفاق عليه، فإنّ رأينا جميعا قد اجتمع، وأنت أقدم وأسبق. قال: فتكلّم أبو موسى، فقال: رأيى ورأى عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمّة نبيه ﷺ ، فقال عمرو: صدق أبو موسى، تقدّم فتكلّم! قال: فتقدّم أبو موسى ليتكلّم، فدعاه ابن عبّاس، فقال: ويحك إنّى لأظنّه قد خدعك، إن كنتما اتّفقتما على أمر فقدّمه فى الكلام قبلك، ثم تكلّم أنت بعده، فإنّ عمرا رجل غدّار، ولا آمن أن يكون أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت فى الناس خالفك.

стр. 1392

وكان أبو موسى متغفّلا (١)، فقال: لا أرضاه أن يكون المقدّم علىّ فى القول، ثم تقدّم، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه ﷺ ، ثم قال: أيّها الناس، إنّا قد نظرنا فى أمر هذه الأمّة، فلم نر أصلح لها، ولا ألمّ لشعثها من أمر قد اجتمع عليه رأيى ورأى عمرو بن العاص، وهو: أن نخلع عليّا ومعاوية جميعا، واستلقوا أمركم، وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا، ثمّ تنحى. وأقبل عمرو بن العاص، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ ثمّ قال: هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أيضا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبتّ صاحبى معاوية، فإنّه ولىّ ابن عفّان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه، فقال أبو موسى: ما لك (٣٠٤) لا وفّقك الله، غدرت وفجرت، إنّما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، فقال عمرو. إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. قال (٢): وحمل شريح على عمرو فضربه بالسوط، وحمل ولد لعمرو فضرب شريحا بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهما، فكان شريح بن هانئ بعد ذلك يقول: ما ندمت على شئ كندامتى على ضرب عمرو بالسوط، ألاّ أكون قد ضربته بالسيف، ثم إنّ الناس التمسوا أبا موسى الأشعرى، فركب راحلته وأتى مكّة شرّفها الله تعالى وقال لابن عبّاس: غدرنى الفاسق، ولكنّى [اطمأننت] (٣) إليه، ولا ظننت أنّه يؤثر شيئا على نصيحة المسلمين، ثم انصرف عمرو وأهل

стр. 1393

الشام إلى معاوية، فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع ابن هانئ وابن عبّاس إلى علىّ ﵇ فأخبروه بذلك، هذا من رواية المسعودىّ (١)، ﵀. وقال الطّبرىّ ﵀: إنّ أبا موسى الأشعرى وعمرو بن العاص لمّا اجتمعا بدومة الجندل، لم يزل عمرو بأبى موسى إلى أن أجابه بأنّ عثمان قتل مظلوما، وأنّ أولى الناس بالأمر وليّه [الطالب بدمه] (٢)، وكتب بذلك بينهما صحيفة، وقال الطبرى (٣): إنّ عمرا لمّا رجع إلى معاوية، لم يأته، ولا عبأ به، وأتى منزله وقال: قد كنت آتيه وأحتفل بأمره إذ كانت لى إليه حاجة، فأمّا إذا كان الأمر قد صار بيدى، أولّى فيه من شئت. فلمّا بلغ معاوية ذلك عمل الحيلة على عمرو، وأمر بطعام فصنع، ثم دعا بخاصّته وأهله ومواليه، وقال: دعوا قوم عمرو، فليجلسوا قبلكم، فكلّما قام رجل منهم فليجلس رجل منكم مكانه، فإذا خرجوا ولم يبق فى الدار منهم أحد، فامنعوهم من الدخول إلى الدار، وأغلقوا الباب (٣٠٥) دونهم، ثم غدا معاوية إلى عمرو ابن العاص، فدخل عليه وعمرو جالس على فرشه، فلم يقم عنها، فجاءه معاوية فجلس دون الفرش، واتّكأ على جنبه، وكان عمرو قد أعدّ فى نفسه أنّ الأمر قد صار فى يده، يندب إليه من يشاء، ويضعها فيمن يريد، قال: فحادثه معاوية

стр. 1394

ساعة، وضاحكه، ثمّ قال: يا أبا عبد الله، ثمّ غداء قد راح (١)، هل لك فيه؟ فقال عمرو: نعم. فدعا معاوية بالطّعام المستعدّ، فوضع، فقيل لأصحاب معاوية: هلموا إلى الغداء، فقال معاوية: أصحابك يا أبا عبد الله الأولى بالتقدّم على أصحابى، فأعجب بذلك عمرو، فعاد كلّما قام رجل من أصحاب عمرو، جلس رجل من أصحاب معاوية، وقام الموكّلون بالباب، فمنعوا أصحاب عمرو من العود، وغلقوا الباب دونهم، فلمّا عاين عمرو أن لا ثمّ عنده أحد من أصحابه، علم قصد معاوية، فقال عمرو: فعلتها أبا يزيد؟ فقال: نعم، فإنّما بينى وبينك أمران، اختر أيّهما شئت: البيعة لى، أو القتل لك، فليس والله غيرهما، فحينئذ بايعه على رغم منه، فى محضر من مشايخ الشام، ثم انصرف معاوية إلى منزله. ولما بلغ عليّا ﵇ ما كان من أمر أبى موسى وعمرو، قال: إنّى كنت تقدّمت إليكم فى هذه الحكومة، ونهيتكم عنها فأبيتم إلاّ عصيانى، فكيف رأيتم عاقبة أمركم؟ والله إنّى لأعلم من جهلكم على خلافى والترك لأمرى ما يوهيكم، ولو أشاء أخذه لفعلت، لكنّ الله يفعل ما يريد. قال الطبرى ﵀ (٢): ثم إنّ الخوارج اجتمعوا فى أربعة آلاف رجل، فبايعوا عبد الله بن وهب الراسبى، ولحقوا بالمدائن فقتلوا عبد الله بن [حبّاب] (٣)

стр. 1395

وكان عاملا لعلىّ ﵇ على المدائن، ذبحوه (٣٠٦) ذبحا، وشقّوا بطن امرأته وكانت حاملا، وقتلوا خلقا من الناس. ذكر وقعة الخوارج بالنّهروان قال الطبرى (١): فلمّا بلغ عليّا ﵇ ما فعلوه، خرج من الكوفة فى خمسة [وثلاثين ألفا] (٢) من أهلها، وأتاه من البصرة من قبل عبد الله بن عبّاس ثلاثة آلاف (٣)، منهم الأحنف بن قيس، ثم نزل علىّ ﵇ الأنبار، والتحقت به العساكر، فخطب الناس وحرّضهم على القتال، وسار حتى أتى النهروان وبعث للخوارج الحارث بن مرّة العبدى رسولا، يدعوهم إلى الرجوع، فقتلوه ومثّلوا به، وبعثوا إلى علىّ ﵇ يقولون: إن تبت عن حكومتك، وشهدت على نفسك بالكفر، ثم تعود فتسلم، ثم نبايعك بعدها. وإن أبيت فاعتزل عنّا، حتّى نختار لأنفسنا إماما، فإنّا منك [براء] (٤). قال: فبعث إليهم يقول: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا فنقتلهم بهم، أو نتركهم حتى أفرغ من قتال أهل المغرب، ولعلّ الله يقلّب قلوبكم، فقالوا: كلّنا قتلة أصحابك، وكلّنا نستحلّ دماءهم ودماءكم، فقال علىّ ﵇ لأصحابه: سيروا الآن على بركة الله، فو الله لا يفلت منهم إلاّ عشرة، ولا يقتل منكم إلاّ عشرة.

стр. 1396

وسار حتى أشرف عليهم، فقال: الله أكبر، صدق الله ورسوله ﷺ وتصافّ القوم، فوقف عليهم بنفسه، ودعاهم إلى التوبة، فأبوا ورموا أصحابه بالنبل، فقيل له: قد رمونا، فقال لهم: كفّوا عنهم، وكرّر القول عليهم ثلاثا، حتى أتى رجل [متشحّط] (١) بدمه، فقال علىّ ﵇: الله أكبر، الآن حلّ قتالهم، احملوا عليهم، وحمل رجل من الخوارج، وهو يقول: أضربهم ولو أرى عليّا ... ألبسته أبيض مشرفيّا قال: فخرج إليه، وأجابه (٣٠٧) يقول: يا أيّهذا المبتغى عليّا ... [إنّى] (٢) أراك جاهلا شقيّا قد كنت عن لقائه غنيّا ... هلم فابرز [هاهنا] (٣) إليّا وشدّ عليه فقتله، ثم أتوا عليهم جميعا، فلم يفلت منهم إلاّ عشرة، ولم يقتل من أصحاب علىّ ﵇ غير عشرة، ومرّ عليهم علىّ وهم صرعى، فقال: لقد صرعكم من غرّكم، قالوا: ومن غرّهم يا إمام؟ قال: الشيطان، وأنفس السوء، فقال أصحابه: قطع دابرهم إلى يوم القيامة، فقال علىّ ﵇: والذى نفسى بيده، إنّهم لفى أصلاب الرجال وأرحام النساء، لا تخرج خارجة إلاّ خرجت بعدها مثلها، حتى تخرج خارجة من الفرات ودجلة، مع رجل يقال له [الأشمط] (٤)، فيخرج إليهم رجل من أهل البيت، فيستأصلهم، ولا تخرج بعدها خارجة إلى يوم القيامة.

стр. 1397

ثم جمع ما كان فى عسكر الخوارج، فقسم السلاح والدوابّ بين المسلمين، وردّ المتاع والعبيد والإماء على أهاليهم، ثم خطب الناس، فقال: إنّ الله قد أحسن إليكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا إلى عدوّكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين قد كلّت سيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنّة رماحنا، فدعنا نستعدّ بأحسن عدّة، ونخرج لأمرك طائعين، وكان الذى كلّمه بهذا الأشعث بن قيس، ثم دخل الكوفة. وفيها قتل محمّد بن أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه. ذكر قتلة محمّد بن أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه وذلك أنّ محمّد بن أبى بكر كان عاملا على مصر من قبل علىّ ﵇ حسبما تقدّم من الكلام فى ذلك، وكان قد سيّر ابن [مضاهم] (١) الكلبى فى جيش إلى أهل خربتا، فأفشلوا، فهزم أهل خربتا ابن مضاهم، وقتلوه، وهزموا (٣٠٨) جيشه، وفسدت مصر على محمّد بن أبى بكر، فبلغ ذلك عليّا، فقال: ما لمصر إلاّ أحد الرجلين: صاحبنا الذى عزلناه عنها، يعنى قيسا، أو مالك ابن الحارث، يعنى الأشتر. وكان علىّ لمّا انصرف من صفّين ردّ الأشتر إلى عمله بالجزيرة، فكتب إليه وهو يومئذ بعمله أن أقدم علىّ، فقدم عليه، فعقد له على مصر، فبلغ معاوية الخبر

стр. 1398

فعظم عليه، وقد كان طمع فى مصر، قال: فبعث إلى [الجايستار] (١)، وهو رجل من أهل الخراج، فقال له: إنّ الأشتر سيقدم عليك طالبا مصر، فإن أنت كفيته لم آخذ منك خراجا ما بقيت، فاحتل عليه بما قدرت، قال: فخرج [الجايستار] (١) حتى أتى القلزم، فأقام به حتى قدم الأشتر من العراق طالبا مصر، فلمّا انتهى إلى القلزم تلقاه [الجايستار] (١)، فقال: أيّها الأمير، هذا منزل وطعام وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج، فنزل عنده، فقدّم له طعاما، حتى إذا أكل، أتاه بشربة من عسل، قد برّد بماء، وكان الأشتر يحبّ ذلك، وجعل فيه سمّا قاتلا، فكان سبب موته، وأقبل معاوية يقول للناس من أهل الشام: أيّها النّاس، إنّ عليّا قد وجّه الأشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه، فكانوا كلّ يوم يدعون على الأشتر، وقدم [الجايستار] (١) على معاوية، وعرّفه بموت الأشتر، فقال: إنّ لله جندا منهم العسل، فصارت مثلا. ثم قام خطيبا، وقال: أمّا بعد، فإنّه قد كان لعلىّ بن أبى طالب يداز، فقطعت إحداهما يوم صفّين، يعنى عمّار بن ياسر، وقطعت الأخرى اليوم، يعنى الأشتر، ثم وجّه [عمرو بن العاص إلى مصر] (٢) فى أربعة آلاف (٣)، ووجّه معه ابن حديج، وأبا الأعور السلمى. ولمّا قارب عمرو مصر، قام محمّد بن أبى بكر فى أهل مصر خطيبا، وانتدب (٣٠٩) النّاس لحرب عمرو بن العاص، فانتدب معه نحوا من ألفى رجل،

стр. 1399

واستقبل عمرو بن العاص كنانة بن بشر، وهو على مقدّمة محمّد بن أبى بكر، فلمّا دنا عمرو من كنانة سرّح الكتائب، فجعل كنانة لا يأتيه من كتائب أهل الشام كتيبة إلا شدّ عليها بمن معه، فيردّهم إلى عمرو، ففعل ذلك بهم مرارا، فلمّا رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج فأتاه فى مثل الدهم، فأحاطوا بكنانة، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فلمّا رأى كنانة ذلك نزل عن فرسه، ونزل معه أصحابه وكنانة يقرأ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً»﴾ (١) الآية، ولم يزل يضاربهم بسيفه حتّى استشهد. وأقبل عمرو بن العاص نحو محمّد بن أبى بكر وقد تفرّق عنه أصحابه، فلمّا رأى محمّد ذلك، خرج يمشى فى الطريق حتى انتهى به إلى خربة فى ناحية الطريق، فآوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية ابن حديج فى خيله فى طلب محمّد بن أبى بكر، حتّى انتهى إلى قارعة الطريق، فسأل من الناس هل مرّ بكم أحد تستنكرونه، فقال أحدهم: لا والله، إلاّ أنى دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل جالس [فيها، فقال ابن حديج:] (٢) هو وربّ الكعبة، قال (٣): فانطلقوا يركضون، حتّى دخلوا عليه فاستخرجوه، وقد كاد يموت عطشا، فأقبلوا نحو الفسطاط. قال: ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص، وكان معه فى الجند، فقال: أيقتل أخى صبرا؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه، فبعث عمرو

стр. 1400

ابن العاص إلى ابن حديج، يأمره أن يبعث بمحمّد إليه، فقال معاوية بن حديج: قتلتم كنانة بن بشر، وأخلّى أنا محمّد بن أبى بكر؟ هيهات هيهات، ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ»﴾ (١)، فقال لهم محمّد بن أبى بكر (٣١٠): اسقونى شربة من الماء، فقال له ابن حديج: لا سقى الله من يسقيك قطرة من الماء، أنتم منعتم عثمان أن يشرب الماء، وقتلتموه صائما محرّما، فتلقّاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا ابن أبى بكر، حتّى يسقيك الله الحميم والغسّاق، فقال له محمّد بن أبى بكر: يابن اليهوديّة النسّاجة، ليس ذلك إليك، ولا إلى من ذكرت، إنّما ذلك إلى الله ، أما والله لو كان سيفى فى يدى ما بلغتم بى هذا! فقال له ابن حديج: أتدرى ما أصنع بك؟ أدخلك فى جوف حمل، ثم أحرقه بالنار، فقال له محمّد بن أبى بكر: إن فعلتم بى ذلك فطالما فعلتم (٢) ذلك بأولياء الله تعالى، وإنّى لأرجو أن تكون هذه النار التى تحرقنى بها [أن] (٣) يجعلها الله [علىّ] (٣) بردا وسلاما، كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه، وأن الله ليحرقك ومن ذكرته، يعنى معاوية بن أبى سفيان، وهذا، وأشار إلى عمرو بن العاص، بنار تلظّى عليكم كلما خمدت (٤) زادها الله سعيرا.

стр. 1401

فقال له ابن حديج: إنّما أقتلك بعثمان، فقال له محمّد: وما أنت وعثمان، إنّ عثمان عمل بالجور، ونبذ حكم القرآن، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ»﴾ (١)، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ»﴾ (٢)، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»﴾ (٣)، فنقمنا ذلك عليه، فقتلناه، [وحسّنت] (٤) أنت له ذلك [ونظراؤك] (٥)، فقد برّ أنا الله إن شاء الله من دمه، وأنت شريكه فى إثمه وعظم ذنبه. قال: فغضب ابن حديج، وقتله، ثم ألقاه فى جوف حمار ميّت، ثم أحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة رضى الله عنها جزعت جزعا شديدا، وأقامت شهرا تدعو على معاوية، وعمرو بن العاص دبر كلّ صلاة، وأخذت عيال محمّد (٣١١) إليها، فكان القاسم بن محمّد بن أبى بكر فى عيالها. وقد كان محمّد بن أبى بكر قد نفّذ إلى علىّ-﵇-يستنجده، فمدّه بمالك بن كعب فى ألفين، فسار خمسا، ثم إنّ الحجّاج بن غزيّة الأنصارى قدم على علىّ ﵇ من مصر، وكان حاضرا بما جرى، وعاين هلاك محمّد ابن أبى بكر رضى الله عنه، ثم قدم عبد الرحمن شبيب الفزارى، وكان عينه بالشام، فعرّفه أن البشر أقدمت على معاوية بن أبى سفيان بقتل محمّد بن أبى بكر ﵀، وقال: يا أمير المؤمنين: لم أر قوما قط أشدّ سرورا من أهل الشام، حين أتاهم قتل محمّد بن أبى بكر، فقال على ﵇: إنّ حزننا عليه بقدر سرورهم لا بل يزيد أضعافا، ثم استرجع.

стр. 1402

قال جماعة المؤرّخين (١): ولم يكن بين علىّ رضى الله عنه وبين معاوية رضى الله عنه من الحرب إلاّ ما ذكر بصفّين، غير أنّ معاوية كان يسرّح سراياه، فيغير على أطراف العراق، فيسرح علىّ ﵇ من يحفظها منهم، والله أعلم. ذكر سنة تسع وثلاثين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أمير المؤمنين بالكوفة، وفيها خطب الناس، فقال (٢): يا عجبا من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقّكم، إذا قلت لكم: اغزوهم فى الصيف، قلتم: هذه حمّارة القيظ، انظر ينصرم الحرّ، وإذا قلت لكم: اغزوهم فى الشتاء، قلتم: هذا صرّ وقرّ، فإذا كنتم تفرّون من الحرّ والبرد فأنتم والله من السيف (٣١٢) أفرّ، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا عقول ربّاب الحجال، أفسدتم علىّ رأيى بالعصيان، حتّى قالت قريش: ابن أبى طالب شجاع، ولكن لا رأى له فى

стр. 1403

الحرب، لله درّهم: من أعلم بها منّى، والله لقد نهضت فيها وأنا ابن العشرين، ولقد نيّفت اليوم على الستّين، ولكن لا أرى لمن لا يطاع. وكان علىّ كرّم الله وجهه إذا ورد عليه مال من الفئ، لم يترك منه شيئا فى يومه ذلك، إلاّ ما عجز عن قسمه، وكان رضى الله عنه لا يخصّ بالفئ حميما ولا قريبا، ولا يخصّ بالولايات إلاّ أهل العلوم والديانات، وذوى الأمانات، وإذا بلغته عن أحد خيانة كتب إليه: ﴿قَدْ [جاءَتْكُمْ] مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ»﴾ (١)، ﴿وَيا قَوْمِ [أَوْفُوا الْمِكْيالَ] وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ»﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ»﴾ (٢)، إذا أتاك كتابى هذا فاحتفظ بما فى يديك من عملنا، حتى نبعث إليك من يتسلّمه. ثم يرفع طرفه إلى السماء، ويقول: اللهمّ إنّك تعلم أنّى لم آمرهم بظلم عبادك، ولا بترك حقّك. وكان يقول فى دعائه: اللهمّ إنّ ذنوبى لا تضرّك، وإنّ رحمتك إيّاى لا تفقصك، اللهمّ أعطنى ما لا ينقصك، وأعطنى ما لا ينفعك، وكان يقول: أنا أخو رسول الله، وابن عمّه، لا يقولها بعدى إلا كذّاب.

стр. 1404

ذكر سنة أربعين هجريّة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستّة أصابع. ما لخّص من الحوادث الإمام علىّ كرّم الله وجهه أمير المؤمنين بالكوفة إلى حين قتل رضى الله عنه. (٣١٣) ذكر مقتل الإمام علىّ كرّم الله وجهه أجمع أهل التاريخ (١) أنّ عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميمى، اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس، وعابوا أمر ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان، فترّحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا أنفسنا قاتلنا أئمّة الضلالة، وأرحنا المسلمين منهم جميعا، فقال ابن ملجم لعنه الله: أنا أكفيكم علىّ بن أبى طالب، وكان من أهل مصر، وقال البرك ابن عبد الله: وأنا أكفيكم معاوية بن أبى سفيان، وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا على ذلك وتحالفوا، وأكّدوا الأيمان بالله تعالى، لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذى وجّه إليه [حتى يقتله، أو يموت دونه]، (٢) وأقبل كلّ واحد إلى المصر الذى فيه صاحبه.

стр. 1405

قال: فخرج ابن ملجم لعنه الله إلى الكوفة، فلقى امرأة من تيم [الرّباب] (١)، يقال لها قطام ابنة [الشجنة] (٢)، وقد قتل أبوها وأخوها وبعلها يوم النهروان، وكانت فاتنة الحسن، فلمّا رآها ابن ملجم افتتن بها، ونسى حاجته، فخطبها من نفسها، قالت: لا أتزوّجك إلاّ بإحدى شيئين، قال: وما هما؟ قالت: ألف ناقة، وألف عبد وقينة، أو قتل ابن أبى طالب، قاتل الأحبّة، فقال: وا عجبا إنّما مأتاى والله لذلك، فقالت: أطلب لك من يشدّ ظهرك، ويساعدك على أمرك. ثم بعثت إلى رجل من قومها من تيم [الرّباب] (١)، يقال له وردان، فكلّمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع، يقال له شبيب بن نجزة (٣)، فدعاه إلى قتل على بن أبى طالب، فقال: ويحك لو كان على غير علىّ كان أهون، قد عرفت قدمه فى الإسلام، وسابقته، وقرابته من النبى ﷺ ، وما أجدنى لذلك منشرحا، فلم يزل به حتى أجابه. قال (٤): فجاءوا إلى قطام، وهى معتكفة (٣١٤) فى المسجد الأعظم، السّابع والعشرين من شهر رمضان، فقال ابن ملجم: هذه الليلة التى واعدت فيها أصحابى أن يقتل كلّ واحد صاحبه، فدعت لهم بالحرير، فعصبتهم، وأخذوا أسيافهم وخرجوا، وجلسوا مقابل السدّة التى يخرج منها علىّ ﵇، فلمّا خرج لصلاة الصبح ضربه شبيب، فوقع السيف فى عضادة الباب، وضربه اللعين ابن ملجم
следующие страницы →