← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ذكر البحر الرومى وعجائبه (١) ذكر ابن حوقل فى كتاب الأقاليم قال: وأمّا بحر الروم (٢) فإنّه يأخذ (١٤٦) من المحيط من المغرب فى الخليج الذى بين المغرب والأندلس حتى ينتهى إلى الثغور الشاميّة، ومقداره فى المسافة نحو من أربعة شهور وهو أحسن استقامة واستواء من بحر فارس، وذلك لأنّه إذا أخذت من فم هذا الخليج أدّتك ريح واحدة إلى أكثر هذا البحر، قال: وبين القلزم الذى هو لسان بحر فارس وبين بحر الروم على سمت الفرما اربع مراحل. قلت: قصده عرض المسافة من الإسكندريّة إلى القلزم فهو أكثر من ذلك، وإن قصد من دمياط فأيضا أكثر ممّا ذكر، والنهار يقطع فى مرحلتين، والمسافة بينهما خمسة أيّام بعشرة مراحل، قال ابن الجوزى: ويزعم بعض المفسّرين فى قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ»﴾ (٣) أنّه هذا الموضع القاطع بين البحرين. وقال أبو معشر ﵀: بحر الرومى (٤) يأخذ من خليج يخرج من البحر المحيط ويسمّى ذلك البحر نيطس، قال: وأضيق مكان فى ذلك الخليج من ساحل مدينة طنجة بالمغرب ويعرف بالزقاق عند مدينة سبتة، قال: ويبدأ البحر الرومى من مكان يقال له أصنام النحاس، ليس وراءه شئ، وعرض الزقاق ستّة أميال، وقيل إنّ هذا البحر مثل البركة، ولهذا إنّ ما بين الأندلس وبين القسطنطينيّة مائة ميل، وهذا البحر يمتدّ إلى أقصى بلاد المغرب وبلاد الفرنج، وعليه مدينة طرابلس الغرب، ثم يمتدّ إلى الإسكندريّة ودمياط والفرماء وغزّة وعسقلان ويافا

стр. 177

وقيساريّة وحيفا وعكّة وصور وصيدا وبيروت وجبيل واطرابلس الشام، وانطرسوس وأدنة، والمصيصة وجبلة واللاذقيّة وبلد أنطاكية، ثم يمرّ على بلاد الأرمن تسيس إلى الروم إلى خليج القسطنطينيّة، وقيل طوله ستّة آلاف ميل وعرضه من المائة (١٤٧) إلى الستّمائة بحسب اختلاف الأماكن فى السعة والضيق. وفيه جزائر يأتى ذكرها، وقيل إن ذو القرنين هو الذى فتح هذا الزقاق عند مدينة سبتة لأنّ مكان البحر كان واديا عظيما فيه أمم كثيرة ومدن وحصون ومزارع وقرى وآثارها باقية فيه، وكان أهلها عصاة على الإسكندر فأقام ينذرهم أربعين سنة فلم يطيعوه فأرسل عليهم الماء من الزقاق فغرقوا. قلت: هذه رواية ضعيفة، إن كان قصدهم ذو القرنين الإسكندر اليونانى فإنّه لم تطول مدّته إلى أربعين سنة، وإن أعنوا ذو القرنين الأوّل فلعلّه. قال: ويتشعّب منه خليج طوله خمس مائة ميل ويتّصل بمدينة رومية ويسمّى أروس، وقد زعم قوم: أنّ البحر الرومى متّصل بالبحر الحبشى واحتجّوا بأنّه وصل فى الزمان القديم قوم إلى جزيرة الأندلس فى مراكب فأغاروا عليهم ووجدوا فى مراكبهم النارنجيل وهو شجر لا يكون إلاّ فى للبحر الشرقى وهو شجر يشبه المقل وليفه يعمل به مراكب البحر الشرقى لأنّ مراكب البحر الرومى مسمرة بالمسامير والبحر الشرقى كثير الحجارة <و> المغناطيس فتشدّ المراكب بليف النارنجيل، قلت: وهذا القول بعيد لما بين البحر الشرقى والغربى من المسافات والبحار والجبال. وأمّا خليج القسطنطينيّة: (١) فقد توهّم قوم أنّ الخليج المذكور إنّما يأخذ من البحر الرومى ويصبّ فى بحر باب الأبواب والأمر بالعكس لأنّ علماء الهيئة

стр. 178

ذكروا أنّ فى ناحية الشمال بحر يقال له نيطس طوله ألف ميل وعرضه ثلاثمائة ميل وهو أحد البحور السبعة ومصبّه من ناحية الشمال من بحر آخر أكبر منه، وعلى سواحله خلق عظيم من ولد يافث (١٤٨) بن نوح ﵇، يمتدّ إلى خليج القسطنطينيّة، وطول هذا الخليج ثلاثمائة ميل وعرضه عشرة أميال، والقسطنطينيّة إلى جانبه من ناحية الشمال، وهو خليج عسر كثير العطب عظيم الأمواج، وقال ابن المنادى: البحر المعروف بنيطس من وراء القسطنطينيّة يجئ من بحر الخزر وعرض فوهته ستّة أميال، يمرّ على القسطنطينيّة ثم يصبّ فى بحر الروم ويمرّ ببلاد الأندلس فإذا انتهى إليها صار بين جبلين ويضيق حتى يصير عرضه مقدار السهم. وأمّا بحر باب الأبواب، (١) قال علماء الهيئة: هذا البحر مستدير الشكل إلاّ أنّه إلى الطول أقرب، وطوله ثمان مائة ميل وعرضه ستّمائة ميل، وعليه الخزر والديلم وجرجان وطبرستان والترك وأمم كثيرة، وفيه التنّين، واختلفوا فيه على قولين: أحدهما: إنّه دابّة تكون فى البحر فتعظم فتؤذّى دوابّ البحر فيبعث الله تعالى عليها ريحا فيخرجها إلى وجه الماء فيتعلّق بها السحاب فيلقيها فى الأرض، والثانى: إنّها ريح سوداء تكون فى قعر البحر فتظهر إلى ظاهره ثم ترتفع إلى الجوّ وتلتحق بالسحب كالزوبعة إذا ثارت من الأرض واستدارت وثار معها الغبار فيتوهّم الناس أنّها حيّة عظيمة سوداء خرجت من البحر، والأوّل أقرب إلى الصحيح.

стр. 179

ذكر مبادئ البحار (١) اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: إنّها من الأستقصّات الأربع خلقها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض كما خلق فى جميع الكائنات. الثانى: إنّها بقيّة طوفان قوم نوح ﵇، وهذا ضعيف لوجهين: الأوّل: أنّ قد كان من قبل الطوفان البحار فى المخلوقات الأرضيّة حسبما ذكرنا (١٤٩) الثانى: أنّه أجمع العلماء رضى الله عنهم على أنّ طوفان قوم نوح كان ماء أسود منتن وهذه البحار بخلاف ذلك، وزعم قوم أنّ الطوفان لم يصل الصين ولا الهند بزعم من زعم، وهذه البحار فأصولها من ثمّ، والبحر المحيط فليس فى وجوده شكّ ولا اختلف فيه اثنان. والثالث: أنّ البحار من عرق الأرض لما ينالها من حرارة الشمس. وفيه أيضا. (٢) والرابع: أنّها من مياه الأرض فالملح ينحدر إلى الأماكن المنخفضة فينعقد غليظا كدرا وتختلط به الأجزاء الناريّة، فأمّا الأمياه (٣) العذبة فترفع فى أيّام الشتاء إلى الجوّ فيحدث منه المطر بإذن الله فلا تزال العين قائمة دائما، وهذا قول علماء الهيئة، وسيأتى أيضا فى آخر جزء من هذا التأريخ من بيان ذلك فصلا ذكرناه فى موضعه اللائق به. وأمّا ما ورد عن ابن عبّاس رضى الله عنه. فقد روى عكرمة عنه أنّه قال: البحر المظلم من ورائه بحر آخر يقال له الباكى، ماؤه عذب، وإنّما سمّى الباكى لأنّه يبكى من خشية الله وليس بعده شئ، وقال علماء الهيئة: وهذه

стр. 180

البحار كلّها داخلة فى الفلك لأنّه محيط بالأرض كلّها. وقال علماء الهيئة أيضا: ثم إنّ هذه البحار تنتقل بعضها على بعض وتنتقل من مكان إلى مكان على مرّ السنين والدهور فيصير موضع البحر برّا وموضع البرّ بحرا، قالوا: وعلّة ذلك جريان الماء فإنّ لموضع جريانه شبابا ولموضع انتقاله هرما وحياة وموتا ونشأة كما تكون فى الحيوان والنبات، واستشهدوا بقول أبى العلاء المعرّى (من الربع): أجبلت الأبحر فى عصرنا ... وعن قليل تبحر الأجبل وسيأتى أيضا من بيان ذلك فى المكان الذى قدمنا ذكره إن شاء الله تعالى. (١٥٠) قال ابن الجوزى: وقد شاهدنا ذلك عيانا فى الأنهار العظام كالنيل والفرات ودجلة والنجف بالكوفة، فإنّه كان بحرا تأتى فيه السفن من الهند وغيرها فاستحال الماء إلى موضع آخر، قال: وكذا ببغداد فى دجلة الغور فإنّها استحالت فراسخ وأخربت قرى كثيرة وهى اليوم قد استحالت أيضا. قلت: وكذلك جرى بنيل مصر فى أماكن كثيرة بسواحله، أكل البحر عدّة ضياع وغمر غيرها، وانتقل من ذلك الجانب الغربى إلى الجانب الشرقى، والذى شاهدته أنّ كان لنا ملكا بمكان يسمّى خور ابن الصعبى وكان بينه وبين البحر نيف وخمسين دارا فأكل البحر الجميع مع عدّة بساتين وصاروا الجميع فى البرّ الغربى برّا متّصلا. وأمّا المالح بالديار المصريّة فإنّه غلب على إقليم يسمّى تنّيس كان من أكبر أقاليم الديار المصريّة، يقال: إنّ كانت عدّة قراه أربع مائة قرية وكانت مدينتها تنّيس تضاهى الإسكندريّة، وكان يضرب بحسن صناعة ما يعمل فيها من القماش المثل، فيقال كأنّه من دقّ تنّيس، فغلب عليها المالح من جهة نواحى الإسكندريّة، وهى اليوم بحيرة عظيمة يصاد منها السمك الذى

стр. 181

يسمّى البورى بالديار المصريّة ويحفظ من الأموال جمل كبيرة وهو فى هذا العصر جاريا فى الخاصّ الشريف السلطانى. ذكر الجزائر وما فيها من العجائب والجواهر (١) البحر الشرقى: جزائره أبلغ من أن تحصى فنذكر ما اتّصل بنا من جزائره المشهورة ممّا ذكروه الجماعة المعنيين بحفظ أخبار العالم رحمة الله عليهم. قال علماء الأخبار من الأوائل فى كتبهم: إنّ جزائر الوقواق ستّة آلاف جزيرة. (١٥١) منها جزيرة يستوى فيها الليل والنهار وجزيرة يقال لها جزيرة الراهب تخصى بها الخدم وملكها لا تكون إلاّ امرأة تجلس على سرير ذهب وعلى رأسها تاج ذهب مرصّع بالجواهر النفيسة وهى عريانة الجسد وعلى رأسها أربعة آلاف وصيفة كلّهنّ عراة، وقد شاهدهنّ التجّار الذين يسلكون تلك الديار. ومنها جزيرة فيتلو يركب الناس منها إلى صحار وصحار قصبة عمان، قال الجوهرى: (٢) وصحار بالضمّ قصبة عمان ممّا يلى الجبل وتؤام قصبتها ممّا يلى الساحل قال: وصحار مصروف اسم رجل من عبد القيس. ومنها جزيرة سرنديب وهى ثمانون فرسخا فى ثمانين إذا مات لهم أحدا أحرقوه بالنار وإن كان ملكا تهافت خواصّه وأهله حتى يحرقون أنفسهم معه، وفى هذه الجزيرة عدّة اللوان (٣) الياقوت والبلور مع سائر أنواع الطيب، ومنها جزيرة أهلها سود الألوان عراة حفاة ومأواهم رؤوس الشجر لا يفهم كلامهم يهربون من الناس.

стр. 182

وجزيرة فيها أشجار تسيل منها الكافور مثل الصمغ تظلّ الشجرة منها مائة فارس وأكثر، ومنها جزيرة لهم ليات كليات الغنم وهو سود يأكلون الرجال من بنى آدم دون النساء، وجزيرة يأكلون النساء دون الرجال، ومنها جزيرة الرامى وبها البقم وعرقه ينفع من سمّ ساعة، وجزيرة فيها معدن الرصاص القلعى، وجزيرة فيها القرود كأمثال الجواميس وسنانير لها أجنحة. وفى هذه الجزيرة الكركدنّ وهو دابّة دون الفيل وفوق الجاموس عشبى يأكل الحشيش وله قرن واحد فى جبهته طوله ذراع وغلظه قبضتان فيه صورة بيضاء فى سواد كالسبح فإذا نشر القرن عرضا ظهرت الصورة إمّا (١٥٢) صورة إنسان أو دابّة أو طائر أو سمكة ونحو ذلك، وقد تقدّم القول فى ذلك. قلت: قد شاهدت هذا الدابّ بالديار المصريّة فى أيّام مولانا السلطان الشهيد الملك الأشرف صلاح الدنيا والذين خليل ابن مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون بعثه صاحب اليمن فى جملة المقرّر عليه للأبواب العالية وهو على هذه الصفة المذكورة لكن لم أرى ما فى قرنه كونه كان حىّ يساق بين الحيوانداريّة بالسلاسل، قلت: كان ذلك فى عشر التسعين والستمائة من الهجرة النبويّة-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-، وكنت حينئذ طفلا أوّل ركوبى الفرس واستقلالى به فلم استوعب جميع صفته لصغر السن. قال ابن الجوزى ﵀: وفى هذه الجزيرة تكون ملوكها مخرّمين الآذان، وقال فى جغرافيا: وحصا هذه الجزيرة الياقوت والمرجان وأصناف الجواهر، وبين هذه الجزيرة والجزيرة التى يكون فيها الملك ميل وأقلّ من ميل، وكذلك بينهما وبين جزائر الوقواق، وعندهم النارنجيل لا تفقد من النخل غير الثمر وقيل هو المقل، قالوا: والنارنجيل فيه خاصّيّة وذلك أنّ بيوت الأموال التى

стр. 183

لتلك الملكة إنّما هو الودع فإذا قلّ قطعوا من سعف النارنجيل بخوصه فيطرحونه على وجه الماء فيخرج من الماء حيوان فيتراكب فيتولّد منه الودع فيطرحونه على ساحل البحر ويلقون عليه الرمل فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان ويبقى الودع وحده فيملأون منه بيوت الأموال وهو معاملتهم فيما بينهم. وقال النوبختى ﵀: وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب وبين هذه الجزيرة وبينها خليج فيه حيّات (١٥٣) تبلع المراكب، قال: وبعد سرنديب ممّا يلى المشرق ألف جزيرة فى ألف فرسخ فيها ممالك ومعادن، ثم تليها جزائر فنصورة وهى مملكة المهراج ولا تضبط جنوده لسعة مملكته، وفى مملكته خمسون ألف فيل يقاتل عليها، ومعنى المهراج ملك الملوك، وعنده الكافور الفنصورى، وقيل هو عيون فى الجزيرة. وفيها جزيرة يسمع منها صوت الطبول والملاهى والرقص دائما والتصفيق، واسم هذه الجزيرة برطايل، (١) يقال إنّ الدجّال بها. وفى مملكة المهراج جزيرة دورها أربعمائة فرسخ عمائر متّصلة، وفيها البزاة والصقور والشواهين، وفيها جزيرة فيها عين يقال لها ولمائها ماء العقل، من شرب منه ازداد عقله وفهمه، وجزيرة يقال لها سقطرة لا يوجد الصبر السقطرى إلاّ بها. وذكر صاحب المسالك والممالك: (٢) أنّه ليس وراء الصين مسلك إلاّ رمال تجرى فيها السفن وبعدها مدينة قوم موسى ﵇ يقضون بالحقّ وبه يعدلون. وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبى ﵀ عن السدّى ﵀ قال: هم قوم بينكم وبينهم نهر من شهد، وحكى أيضا عن ابن جريج قال: لما قتل بنو إسرائيل

стр. 184

أبناءهم وكفروا وكانوا اثنى عشر سبطا تبرّأ منهم سبط ممّا صنعوا واعتذروا إلى الله وسألوه أن يفرق بينهم ففتح لهم نفقا فى الأرض فساروا فيه سنة ونصف حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا، وحكى أيضا عن الربيع والضحاك وعطاء رحمة الله عليهم ممّا رواه عنهم الكلبى ﵀، قال: هم قوم خلف الصين على نهر يجرى الرمل فيه يسمّى نهر أوداف، وليس لأحد منهم مال (١٥٤) دون صاحبه يمطرون بالليل ويصبحون بالنهار ويزرعون لا يصل منّا إليهم أحد ولا منهم إلينا أحد وهم قوم على الحقّ ليس بينهم محارم. قال الكلبى: وذكر أنّ جبرائيل ﵇ مرّ بالنبىّ ﷺ عليهم ليلة الإسراء فسلّم عليهم فقال جبرائيل: هل تعرفون من تكلّمون؟ قالوا: اللهم لا! قال: هذا محمّد ﷺ النبىّ الأمىّ فآمنوا به! قالوا: يا رسول الله إنّ موسى أوصانا وقال: من أدرك منكم أحمد فليقره منّى السلام، ثم أمرهم بالصلاة والزكاة وكانوا يسبتون فأمرهم بترك ذلك وإقامة الجمعة ففعلوا. ومن رواية المسعودى قال: (١) إنّ بهذا البحر الشرقى جزائر الواق (٢) وهى حمل شجر عظام معلّقة بشعورها لها ثدى وفروج شبه فروج النساء لا يزال يصحن واق واق فإن قطعت إحداهن سقطت ميتة لا تنطق. وقال: إنّ من جاوزهن وقع إلى ما هو أعظم من خلقهن وأحسن إعجازا وبطونا وفروجا ووجوعا فإن قطعت أقامت حيية اليوم واليومين وربّما جامعها من يقطعها وهى كأحسن ما تكون النساء وأطيب رائحة وألذّ مباضعة، وهذه الأرض أطيب أرض تكون وهى منبت الطيب، ويوجد فيها ثمار لا تعرف

стр. 185

أحلا من العسل وألذّ رائحة من الكافور وليس بهذه الأرض إنس، وإنّما حكى ذلك عن من يتوه فى البحار من التجّار وتسوقهم الأقدار إلى تلك الديار. وقال: إنّ بتلك الديار خلق على صورة النساء يقال لها بنات الماء كالنساء الحسان ذوات شعور سبطة لها فروج عظام الخلق وثدى كالنهود وبطون حسان لا يغادر الإنسان أنّها كالنساء البديعات فى الحسن الفائقات فى الجمال وأحسن منظرا وأرطب جسما وأرقّ بشرة وأنعم لمسا كلامها قهقهة وضحكا كأعذب ما يكون من يسمعه لذّة. قال المسعودى: (١٥٥) (١) حكى لى بعض ربانين المراكب ممّن لا أشكّ فى قوله لدينه وسمته، قال: إنّ الريح ألقهم فى بعض السنين إلى جزيرة فيها شجر وأنهار عذبة فسمعوا ضوضاه (٢) وضحكا لذيذا فكمنوا حتى صادوا من تلك البنات اثنتين وأوثقوهما ربطا وأقامتا مع أولئك الذين صاداهما برهة وعادا يقعان عليهما فى كلّ وقت ويجدان لهما لذة عجيبة، وإنّ أحدهما وثق بصاحبته ورقّ لها فحلّ وثاقها فجرت نفسها فى البحر وتركته ولم يرها بعد ذلك وبقيت الأخرى عند صاحبها مستوثقا منها بالشدّ ووصل بها إلى بلده، ثم أقامت عنده مدّة طويلد وفهمت الكلام وعادت تتكلّم كالكلام المفهوم وأحبّها صاحبها حبّا شديدا حتى لا عاد يطيق الصبر عنها وعلقت منه وولدت له مولود لم ينظر أحسن منه ولا اللطف (٣) شكلا وصار له من العمر حولا فعاود الرجل السفر فى البحر واستصحبها معه وهو قد وثق بها لطول مكثها عنده ولأجل ولدها، فلمّا كان بالمكان الذى يقرب من المكان الذى أخذها منه لم يشعر بها إلاّ وقد استنشقت نسيم ذلك المكان وضربت بعينها نحو البحر واضطربت واعتقلت ولدها ونهظت (٤) كالبرق الخاطف

стр. 186

ثم جرت بنفسها فى البحر وتركته وتركت ولدها معها على كتفها محتطنته (١) وغابت فى الماء فلمّا رآها صاحبها وقد فعلت ما فعلت كادت نفسه تخرج فرقا وأراد أن يرمى بنفسه خلفها فى البحر لولا تعلّق أصحابه التجّار به ورفقته ولاموه وعنفوه، وأقام ثلاثة أيّام لا يستطعم بطعام، فلمّا كان ثالث يوم ظهرت له وألقت إليه صدفا فيه درّ نفيس وأشارت إليه بالسلام فصرخ وبكا فلم تلتفت لذلك وغابت فى الماء فلم يرها بعده. قلت: وقرأت فى بعض المجاميع هذه الحكاية مسندة، وفيها أنّها تركت ولدها ولم تستصحبه معها (١٥٦) وأنّ ذلك الولد عاش حتى توفّى والده وورثه وعاد تاجرا كبيرا يعرف بين الناس بمحمّد البحرى وله عقب بقشمير الهند والله أعلم. وأمّا جزائر بحر باب الأبواب (٢) ففيه جزائر كثيرة فيها بزاة بيض وهى أفخر البزاة، وهذه الجزيرة قريبة من جرجان، والبزاة الشهب هناك كبيرة لكثرة الثلج بها، وأوّل من لعب بالبزاة والشواهين والصقور من العرب الحارث بن معاوية الكندى، ومن ملوك قسطنطينيّة الملك قسطنطين بن مهلائى، (٣) ومن ملوك الفرس يزدجرد بن بهرام، والله أعلم. وأمّا جزائر البحر الرومى، (٤) قال النوبختى: هى جزائر كثيرة أعظمها جزيرة الأندلس، وسيأتى ذكرها وحدودها ومساحتها وملوكها من أوّل وقت إلى آخره إن شاء الله تعالى فى الجزء المختصّ بذكر الأمويّين المسمّى «بالدرّة السميّة فى أخبار ملوك بنى أميّة» وهو الجزء الرابع من هذا التاريخ.

стр. 187

قال النوبختى: وجزيرة الأندلس مجاورة لأمم كثيرة من الفرنج والجلالقة وغيرهم، وقد ذكرها الحكيم بن زهر المغربى، وقال: فيها معادن الذهب والفضّة والزئبق والنحاس والصفر وجميع ما يكون من المعادن، وفيها الكافور والمسك والعنبر وكذلك معادن الياقوت والجوهر، وفى أرضها أيضا غابه تنبت الذهب، وفيها جميع ما يوجد فى بلاد الهند والصين من الطيب ونحوه، وذكرها ابن حوقل (١) فى كتاب الأقاليم وقال: وأمّا الأندلس فهى جزيرة كبيرة فيها عبير وغامر وطولها دون الشهر وعرضها نيف وعشرون يوما-أو قال مرحلة-فيها المياه الجارية والأشجار المثمرة، وتنتهى إلى الجلالقة ومدينتهم يقال لها سمورة ومنها الفرو والسمور، وتنتهى إلى البحر المحيط، وذكر ما فيها وما-حولها من الأمم، قال: ومن أعظم مدائنها قرطبة، وكانت مقرّ الخلائف (١٥٧) من بنى أميّة، وبها جامع بنى على مثال جامع بنى أميّة الذى بدمشق، وهى بمثل بغداد ودمشق ومصر فى اجتماع العلماء بها، وسيأتى من خبرها ما يكون شافيا كافيا إن شاء الله تعالى. ومن البحر الرومى جزيرة صقلّيّة وكانت محلّ مملكة ابن عباد الآتى ذكره فى تأريخه، وبهذه الجزيرة حصون وقلاع وآثار الإسلام باقية الى الآن، وهى الآن فى أيدى الفرنج أعادها <الله> إلى أيدى الإسلام موائده الجميلة، وكان ملكها الإنبرور وحاشيّته كلّهم مسلمين، وبين الإسكندريّة وبينها إذا طابت الريح ثمانية عشرة ليلة، وقد ذكرها ابن حوقل فقال: (٢) وأمّا جزيرة صقلّيّة فطولها سبعة أيّام وعرضها أربعة أيّام والغالب عليها الجبال ولقلاع والحصون ومدينتها تسمّى بلوم، وكان بها المسجد الأكبر، وكان بيعة للروم قديما فلمّا

стр. 188

فتحها الله تعالى على المسلمين فى ذلك الحين الآتى ذكره جعلوا هذه البيعة مسجدا عظيما، وفيها هيكل عظيم يزعم أرباب المنطق أنّ أرسطاطاليس حكيم اليونان معلّق فى خشبة فى هذا الهيكل، وكانت النصارى تعظّمه وتستسقى به لما رأوا عليه من (١) اليونان. ومن البحر الرومى جزيرة قبرص ويقال قبرس، ودورها عشرة أيّام فى مثلها وفيها المعادن المنوعة مثل اللادن والزاج وغيرهما، وبين اللاذقيّة وبينها فى الريح الطيّب يوم وليلة، وبينها وبين الإسكندريّة ثلاثة أيّام. وفى البحر الرومى من الجزائر عدّة كثيرة مثل جنوا وفيها الزعفران الجنوى، وإقريطس وفيها الببنج الإفريطسى مع شئ كثير أضربت عنها للاختصار، وفى هذه الجزائر الصقور والسناقر والشواهين والعقبان، وحكى النوبختى، قال: أهدى ملك الروم إلى كسرى عقابا وقال: إنّه يصيد أكثر من البازى فاستشار وزراءه فى قبوله فقالوا: لا حاجة لك به فإنّ خيره لا يقوم بشرّه (١٥٨) فخالفهم وأرسله على غزال فأخذه فأعجب به وسفّه آراء وزرائه، ثم جوّعه أيّاما ليصيد به فوثب على ولد صغير لكسرى فقتله، فقال كسرى: وترنا قيصر لأنّه كان قد غزا بلاده فقتل وسبا وكتم كسرى أمر العقاب ثم أهدى لقيصر نمرا وقال له إنّه ليصيد السبع فوثب يوما على ولد لقيصر فقتله فقال قيصر: قد صدنا كسرى قبل أن يصيدنا. قلت: وهذان الاسمان كسرى وقيصر لقبان، وسنذكر السبب فى تلقيبهما هذان اللقبان موضع ذكرهما إن شاء الله، وذلك: الجزء الثانى التالى لهذا الجزء، وقد ذكرنا أنّ بهذا البحر الرومى عدّة جزائر كثيرة أضربنا عن تعدادها

стр. 189

طلبا للإيجاز، وفيها أمم كثيرة من الفرنج بنى الأصفر الآتى ذكره فى تأريخه بحول الله وقوّته وبركة إلهامه. (١) ذكر الجزر والمدّ وما قيل فى ذلك (٢) قال الجوهرى: (٣) المدّ جرى الماء والجزر رجوعه، وقال علماء الهيئة: البحار ثلاثة أصناف، منها ما يكون فيه المدّ والجزر ويظهر فيه ظهورا بيّنا كالبحر الحبشى عند البصرة، وهذا مشاهد محسوس، والثانى يظهر فيه فى وقت دون وقت كما فى البحر الأعظم فإنّه يمدّ ستّة أشهر ويجزر ستّة أشهر فيقلّ الماء فى موضع ويكثر فى موضع، والثالث: لا يظهر فيه المدّ أصلا كغير الحبشى. واختلفوا فى علّة المدّ والجزر، أمّا علماء الهيئة فقد اختلفوا أيضا فقال بعضهم: علّته القمر لأنّه مجانس لعلّة الماء وهو بسخنه فينبسط، ثم مثلوه بقمر فيه ماء مقدار نصفها فإذا غلى على النار ارتفع الغليان حتى يفور ويصعد وإذا برد الماء نقص لأنّ من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام ومن شرط البرودة أن تنقصها فإذا امتلأ القمر حميت أرض البحر فانبسط الماء وارتفع، وإذا نقص القمر نقص الماء. قلت: لو كان الأمر كما زعموا لكان المدّ لا يكون (١٥٩) إلاّ فى أيّام زيادة القمر والجزر فى أيّام نقصانه، وهذا الجزر والمدّ متّصل بالبصرة وغيرها فى طول أيّام الشهر نسبة واحدة على ما ذكر، والله أعلم. وقال بعضهم: علّته الأبخرة المتولّدة فى باطن الأرض فإنّها لا تزال تتولّد حتّى تكثر وتكثف فيرد ماء البحر بكثافتها فإذا انقطعت المودّ بقلّة الكثافة

стр. 190

عاد ماء البحر إلى قعره، وهذا أيضا فيه <نظر> فإنّه لو كان كما ذكر كان يكون فى وقت دون وقت. والمختار عندى (١) أنّ الجزر والمدّ من آيات الله وأنّه من آثار قدرته فى العالم لأنّ كلّما لا يوجد له قياس فى الوجود فهو فعل إلاهى يستدلّ به على عظمة البارئ ، وليس للمدّ والجزر قياس فى العالم. وأمّا ما قال أهل الأثر رضى الله عنهم فى ذلك فروى عن الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ قال: (٢) حدّثنا معتمر بن سليمان عن صباح بن أشرين، قال: سئل ابن عبّاس عن المدّ والجزر فقال: قد وكّل الله بقاموس البحر ملكا فإذا وضع رجله فيه فاص الماء وإذا رفعها غاض، وقد ذكره الجوهرى فقال: (٣) وقاموس البحر وسطه ومعظمه، قال: وفى حديث المدّ والجزر قال: ملك موكّل بقاموس البحر كلّما وضع رجله فيه فاض وإذا رفعها غاض، وروى مجاهد عن ابن عبّاس قال: الملك موكّل بالبحار يضع عقبه فى بحر الصين فيكون منه المدّ ثم يرفع قدمه فيكون الجزر، قال مجاهد ﵀: وهذا ظاهر محسوس فإنّ الإنسان لو وضع قدمه فى إناء فيه ماء فإنّ الماء يرتفع إلى رأس الإناء فإذا رفعها رجع الماء إلى حدّه، فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون المدّ والجزر فى جميع البحار، قلنا: قد ذهب قوم إلى هذا وإنّما لم يظهر فى غير بحر البصرة لوجهين: أحدهما: لبعد المسافة واتساع البحار ومن لجّج من المسافرين فى البحار يذكر (١٦٠) أنّه شاهده، والوجه الثانى: فلأنّ مكان المدّ والجزر فى البصرة تحت خطّ الاستواء واعتدال الليل والنهار وعليه الكواكب الثابتة على ما ذكر الشيخ جمال الدين

стр. 191

ابن الجوزى ﵀ من ذلك، قال: وهذا المعنى لا يوجد فى غيره، وقد رأيت أيضا الشيخ جمال الدين ذكر ما ذكره العبد من الردّ على من قال وعلّل بزيادة القمر ونقصانه أنّه غير صحيح لأنّه لو كان كذلك لتعلّق بزمان مخصوص بالمعنى الذى ذكرناه. وكذلك قال: وأمّا من قال إنّه من الأبخرة فباطل أيضا لأنّه يحتاج إلى زمان طويل يجتمع فيه، وهذا يوجد فى كلّ يوم وليلة، فرأيت من قول العبد ما وقع على موافقة قول الشيخ ﵀ كما قال الحريرى ﵀: (١) فتواردت الخواطر كما يقع الحافر على الحافر. قلت: (٢) وطالعت فى تأريخه ﵀ فصلا يتضمّن ذكر المسك والعنبر بمثل ما ذكرناه وزاد عليه: قال: قال أحمد بن حنبل: حدّثنا سفيان عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عبّاس عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : المسك أطيب الطيب، انفرد بإخراجه مسلم، (٣) وثبت عن النبىّ ﷺ أنّه كان يحبّ الطيب. وذكرت العلماء بأخبار الهند والصين: أنّ المسك من غزلان الصين وأن التبّتى أذكى المسك للمراعى، وعلامة غزلان التبّت أنّ لها أنياب بارزة كأنياب الفيل من الفكّين نحو شبر فينصب لها الأشراك وترمى بالسهام فيوجد فى صراره (٤) المسك وهو دم مجتمع فى نافجتها فإذا أخذت قبل أن تنضحه الطبيعة وقطع منها وجد فيه زهوكة فتبقى زمانا حتى تذهب عنه تلك الزهوكة، وأمّا المسك الخالص فإنّ الغزال يأتى وقد استحكم فى سرّته المسك ودفعته الطبيعة إلى نافجته وهى

стр. 192

سرّته وقد قلق منها فيحتكّ بالصخر فتفتح وتسيل على رؤس الأحجار المحدّدة كما يسيل الدمّل وينفجر إذا نضج فيفرع ما فى نافجته، (١٦١) والنافجة بالفارسيّة السرّة، فلمّا يخرج الصيّادون وقد أعدّوا له الأوعية الصينى فيأخذونه من على الصخور ويجمعونه ويودعونه الأوعية وذاك أفضل المسك وأطيبه ولا يكون له شهوكة (١) ويهدونه للملوك. قال: وأمّا لعنبر فقد اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنّه عين فى البحر الحبشى، قاله مجاهد، الثانى: أنّه خثا دابّة من دوابّ البحر، قاله الهيثم بن عدى، الثالث: أنّه حشيش ينبت فى جزائر البحر عند الوقواق فتبلعه دوابّ البحر ثم تلقيه، قاله وهب، الرابع: أنّ البحر يهيج فيقذف بالعنبر من قعره كأمثال الجبال فيبلعه الحيوان المعروف بالأوال فإذا حصل فى جوفه مات فيطفو على وجه الماء فيجذبونه بالكلاليب ويأخذونه، فما وجد فى ظهر الحوت من العنبر كان أجود ممّا يوجد فى بطنه وأقلّ شهوكة، قاله مقاتل. واختلفوا الفقهاء فى وجوب الخمس فى العنبر، فقال علىّ ﵇ وابن عبّاس رضى الله عنه وابن مسعود: لا خمس فيه، وبه أخذ أبو يوسف ومالك والشافعى وأحمد لما روى أنّ عمر رضى الله عنه سأل عنه فقال: فيه الخمس وفى كلّ ما يستخرج من البحر. ولنا إجماع من سمّينا من الصحابة ولو سلم كان محمولا على ما وجد فى خزائن الكفّار وبه نقول. وقيل إنّ أسود العنبر ما وقع ببحر فارس قريبا من رأس الجمجمة عند بلاد الشحر باليمن، وكذلك يسمّى عنبر شحرى لخاصّيّة تلك البقعة فإنّ هناك قوم من قضاعة يجعلون الشين المعجمة كافا فيقولون: (٢) قلت لش، أىّ قلت لك، ولهم

стр. 193

بحب سوابق معدّة على ساحل البحر لهذا، فإذا قذف البحر العنبر أخذوه. وقيل إنّما سمّى العنبر باسم الدابّة التى توجد فيه. قال: وأمّا العود، قال الجوهرى: (١) عود قمارى بكسر القاف منسوب إلى موضع ببلاد الهند، قال ابن الجوزى: قال جدّى فى المنتظم: قمارى بفتح القاف منسوب (١٦٢) إلى قمارا مدينة باليمن، وأمّا الندّ، قال الجوهرى: (٢) الندّ من الطيب ليس بعربى، قلت: والطيب وأصنافه فيه كتاب مختصّا بذكره يجمع سائر أنواعه. ذكر العيون والأنهار وما ورد فيها من الأخبار (٣) ذكر الجوهرى قال: أمّا النهر فسمّى نهرا لاتّساعه وفيه لغتان: نهر ونهر بفتح الهاء، واختلفوا فى بدء الأنهار، فروى عطاء عن ابن عبّاس رضى الله عنه أنّ جميع المياه من تحت صخرة بيت المقدّس ومن هناك تتفرّق فى الدنيا، وقد ذكر ابن الجوزى ﵀ (٤) حديثا مرفوعا فى هذا المعنى فى فضائل القدس فقال: أنبأنا أبو المعمر الأنصارى إلى أبى هريرة عن النبىّ ﷺ أنّه قال: الأنهار كلّها والسحاب والبحار والرياح من تحت صخرة بيت المقدّس، روى هذا الحديث الشيخ جمال الدين بن الجوزى عن جدّه، ثم قال: والموقوف فى هذا على ابن عبّاس أصحّ. وروى مجاهد عن ابن عبّاس: أنّ جميع الأنهار من البحر الذى خلف البحر المحيط المسمّى بالباكى وماؤه عذب وقد تقدّم ذكره، وروى العوفى عن ابن عبّاس:

стр. 194

أنّ العيون فى الأرض كالعروق فى البدن، وذكر مقاتل أنّ العيون تتولّد من الأبخرة فتجتمع فى الأماكن المنخفضة فإذا انتثرت فى أعماق الأرض طلبت التنفّس فتنشقّ الأرض فتنفجر العيون، قال: والأرض على الماء مثل السباك فإذا أراد الله أن يفجر بعض العيون فى أماكن مخصوصة نظرا لعباده تنفّست الأرض فانفجرت. ومذهب الأوائل: أنّ الماء من الأستقصّات الأربع، فنبتدئ الآن بذكر الأنهار الكبار التى جائز عليها لفظ البحار كالنيل والفرات ودجلة وسيحون وجيحون ونحوها ومطارحها ومقدار جريانها على الأرض، وقد ذكر النيل والفرات فى الصحيح، فقال أحمد بن حنبل (١) بإسناده إلى أنس بن مالك رضى الله عنه عن مالك بن صعصعة حدّثه عن رسول الله ﷺ قال: رفعت لى (١٦٣) سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أمّا الباطنان فنهران فى الجنّة وأمّا الظاهران فالنيل والفرات، أخرجاه فى الصحيحين، وقد ذكر سيحان وجيحان فى الصحيح أيضا، فقال أحمد بن حنبل: (٢) حدّثنا عبد الرزّاق عن همام بن منبّه عن أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : سيحان وجيحان والنيل والفرات كلّ من أنهار الجنّة، وفى رواية: فجرت أربعة أنهار، فجرت من الجنّة: الفرات والنيل وسيحان وجيحان، انفرد بإخراجه مسلم.

стр. 195

ذكر ما ورد من الأثر من كلام علىّ ﵇ من ذلك ما أجاب به الأسقف عن ما سأله عنه من جملة مسائل فقال: يابن عمّ محمّد! فأخبرنى عن أفضل الجبال، وعن أفضل الأنهار، وعن أفضل العيون فقال: أفضل الجبال الجودى، وعرفات، ولبنان، وحراء، والطور، وصخرة بيت المقدس، وأفضل الأنهار أربعة: سيحون، وجيحون، والفرات. والنيل، وأفضل العيون أربعة: عين الفلوس وهى بيسان، وعين سلوان وهى بيت المقدّس، وعين البقرة وهى بعكة، وعين زمزم وهى ببيت الله الحرام مكّة، فقال له: صدقت! فبقى لى ثلاثون مسألة فإن أجبتنى عنها كسرت هذا الصليب وقطعت هذا الزنار وتركت دينى واتبعت دينك وشهدت بما تشهد به، فقال له: قل ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلى العظيم! قال: أسألك عن طشت دائرة ومائدة منصوبة وعليها جواهر كبار وصغار وقد وكل بها طائر يلتقطها إلى يوم القيامة، وأخبرنى عن أربعة مياه مختلفة عنصرها واحد، وأخبرنى عن شئ خلقه الله تعالى وسأل عنه، وشئ خلقه واشتراه، وشئ خلقه واستعظمه، وعن شئ خلقه واستنكره، وأخبرنى عن خمسة أغصان ثلاثة منها فى (١٦٤) الظلّ واثنان فى الشمس، وأخبرنى عن شئ لم تطلع الشمس عليه إلّى (١) مرّة واحدة ولا تعود تطلع عليه، وأخبرنى عن شئ تنفّس وما له روح، وعن قبر مشى بصاحبه، وعن خمسة خرجوا من الجنّة، وعن شئ أوحى الله إليه لا هو من الإنس ولا هو من الجنّ، وعن شئ أقصى (٢) من الحجر وأضعف من الهشيم، وأخبرنى ما الطمّ، وما الرمّ، وما النقير، وما الفتيل، وما القطير، وأخبرنى أين يكون مستقرّ الليل إذا أقبل النهار، وأين يكون مستقرّ النهار

стр. 196

إذا أقبل الليل، وأخبرنى عن خمسة فيهن روح ولم يركضوا فى رحم، وعن شئ عرج إلى السماء ولم ينزل منها، وعن شئ نزل من السماء ولم يعرج إليها، وعن شئ مات وما بلى، وشئ بلى وما مات، وأخبرنى عن شئ خلق من الماء، وشئ حفظ فى الماء، وشئ هلك من الماء، وعن شئ خلق من الريح، وشئ حفظ فى الريح، وشئ هلك من الريح، وعن شئ خلق من الحجر، وشئ حفظ فى الحجر، وشئ هلك من الحجر، وعن شئ خلق من النار، وشئ حفظ فى النار، وشئ هلك فى النار، وعن شئ خلق من الخشب، وشئ حفظ فى الخشب، وشئ هلك فى الخشب، وأخبرنى عن ربّك ما سلطانه وما قدرته وما عظمته وأين مسكنه، وأخبرنى ما العاصفات، وما الجاريات، وما الحاملات، وما الفارقات، وما المدبرات؟ الجواب قال: فتبسّم الإمام ﵇ وقال: الطشت الدائرة: فهو جبل قاف المحيط بالدنيا، والمائدة المنصوبة: الدنيا، والجواهر التى عليها كبار وصغار: الخلائق، والطائر: ملك الموت فلا الخلائق تفنى ولا ملك الموت يشبع إلى يوم القيامة، والأربعة مياه التى من عنصر واحد وهى مختلفة: فماء الفم عذب، وماء الأذن (١٦٥) ستن وماء العين مالح، وماء الألف مرّ. وأمّا الشئ الذى خلقه وسأل عنه فعصا موسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى»﴾ (١)، والشئ الذى خلقه واشتراه فأنفس المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْاالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ»﴾ (٢)، والشئ الذى خلقه واستعظمه كيد مكر النساء لقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ»﴾ (٣)

стр. 197

والشئ الذى خلقه واستنكره صوت الحمير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْااتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ»﴾ (١)، والخمسة أغصان ثلاثة فى الظلّ واثنان فى الشمس: أوقات الصلوات الخمس، والشئ الذى لم تطلع عليه الشمس غير مرّة واحدة ثم لم تعود تطلع عليه مرضع انفراق البحر لموسى ﵇ مع بنى إسرائيل، والشئ الذى تنفّس بلا روح: الصبح لقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ»﴾ (٢)، والقبر الذى مشى بصاحبه حوت يونس ﵇ لما أبلعه ومشى به فكان بمنزلة القبر له، والخمسة الذين خرجوا من الجنّة فآدم وحواء وإبليس والطاؤوس والحيّة، والذى أوحى إليه لا من الإنس ولا من الجنّ فالنحل لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ»﴾ (٣)، والشئ الذى أقسى من الحجر وأضعف من الهشيم فقلوب اليهود لقوله تعالى: ﴿لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ»﴾ (٤)، الآية، وأمّا الطمّ فالتراب، والرمّ فهو مجرى السيل، والنقير فهو فشر فى باطن التمرة، والفتيل شقّ النوى، والقطمير قمع التمرة. وأمّا مستقرّ الليل إذا أقبل النهار ففى سمير والنهار إذا أقبل الليل ففى سامر، ولا الليل يعلم مستقرّ النهار ولا النهار يعلم مستقرّ الليل، والخمسة الذين لم يركضون فى رحم وفيهم الروح: فآدم وحواء وعصاة موسى، وكبش إسماعيل، وناقة صالح ﵈، وأمّا الشئ الذى عرج إلى السماء ولم ينزل فإدريس ﵇، والذى نزل من السماء ولم يعرج إليها فإبليس. وأمّا الشئ الذى مات وما بلى (١٦٦) فالأنبياء صلوات الله عليهم، وأمّا الشئ الذى خلق من الماء فهو الخلق، وأمّا الشئ الذى حفظ فى الماء فيونس ﵇، والذى هلك من الماء فقوم نوح ﵇.

стр. 198

وأمّا الشئ الذى خلق من الريح فعيسى ﵇، والشى الذى حفظ فى الريح فسليمان ﵇، والذى هلك من الريح فقوم عاد، وأمّا الشئ الذى خلق من الحجر فناقة صالح ﵇، والشئ الذى حفظ فى الحجر فالنبى ﷺ ، والذى هلك من الحجر فأصحاب الفيل. وأمّا الشئ الذى خلق من النار فإبليس والجانّ، والشئ الذى حفظ فى النار فإبراهيم ﵇، والذى هلك فى النار فقربان هابيل ابن آدم ﵇. وأمّا الشئ الذى خلق من الخشب فعصاة موسى ﵇، والشئ الذى حفظ فى الخشب فنوح والذين آمنوا معه فى السفينة، والذى هلك فى الخشب فزكريّا ﵇. وأمّا سلطان ربّى فهو الكبير الأعلى وقدرته الملكوت، وعظمته الجبروت، وأمّا العاصفات فهى الرياح الأربع، والجاريات فهى السفن، والحاملات فالسحب، والفارقات فهى الكتب الأربع: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، والمدبّرات فهم الملائكة الأربع جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، فجبرائيل أمين الله على وحيه، وميكائيل فهو موكّل بالسحب، وإسرافيل فهو موكّل بالنفخة فى الصور، وعزرائيل موكّل بأرواح الخلق. قال، فقال الأسقف: صدقت يابن عمّ محمّد! فمن أعظم الملائكة خلقا؟ قال: إسرافيل، قال: وما خلق إسرافيل؟ قال: هو ملك فى السماء السابعة تحت قائمة من قوائم العرش واللوح بين عينيه والقلم وراء شحمة أذنه وسعة ما بين منكبيه مسيرة خمس مائة عام ورأسه تحت العرش ورجلاه فى تخوم الأرضين السابعة (١) نصفه من نار

стр. 199

ونصفه من ثلج فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو يقول: اللهم كما ألّفت بين بارد وحارّ ألّف (١٦٧) بين قلوب عبادك المؤمنين. قال: فآمن الأسقف وأسلم وحسن إسلامه، قلت: إنّما ذكرت هذا الأثر هاهنا لما فيه من إكمال الفائدة وتتمّة ما ورد من كلام الإمام علىّ ﵇ فى أفضل الأنهار، فلنعود إلى ما كنّا فيه. ذكر النيل وما ورد فيه من الأقوال (١) قال الجوهرى ﵀: (٢) النيل فيض مصر، وأجمعوا على أن مبتدأه من جبل القمر، وذكره فى جغرافيا وصوّره وأنّه ينبع من اثنى عشر عينا وأنّ العيون تصبّ فى بحيرة مثل البطائح خلف خطّ الاستواء يجتمع فيه الماء ويجرى على رمال هناك وبين جبال ثم يخرق أرض السودان ثم يصبّ فى بحر الزنج وفى هذا البحر جزيرة قنبلوا وهى جزيرة عامرة وفيها قوم مسلمون لغتهم زنجيّة غلبوا على أهل هذه الجزيرة عند انقراض ملك بنى أميّة وابتداء الدولة العبّاسيّة لما نذكر من ذلك، ومن ذلك البحر الذى فيه قنبلوا يصبّ فى بحر عمان ومن جبل القمر إلى هذه الجزيرة مسيرة خمس مائة فرسخ ويقوى جريان مصبّه فى هذا البحر أيّام زيادة النيل فيجرى جرانيا (٣) عظيما ويتكدّر موضع العيون حتى قيل إنّ الماء يؤثر لونه فى لون أحلا من العسل. وقال كعب الأحبار: وجدت فى التوراة أنّ النيل نهر من العسل من الجنّة وأنّه يجرى على بلاد الحبشة فى قفار ومفاوز ومهامه وليس فيه مسلك، وذكر أحمد بن بختيار وقال: العين التى هى أصل النيل هى أوّل العيون من جبل القمر

стр. 200

ثم تنبعت منها عشرة أنهار نيل مصر أحدها، قال: والنيل يقطع الإقليم الأوّل ثم يحاوزه إلى الثانى ومن ابتدائه من جبل القمر إلى انتهائه ومصبّه فى البحر الرومى ثلاثة ألف فرسخ يجرى فى عامر وغامر فإذا تعدّا (١٦٨) الفسطاط انقسم قسمين: قسم يمرّ على دمياط وقسم إلى رشيد فيصبّان فى البحر الرومى، وقيل: إنّه لا يعلم مسافة جريانه إلّى (١) الله وهو الصحيح، ويبتدئ بالزيادة من نصف حزيران من الأشهر الروميّة وينتهى فى أيلول ويكون ابتداء زيادته فى الأشهر القبطيّة فى شهر باونه وينتهى فى بابه. واختلفوا فى سبب زيادته ونقصانه، فقال قوم: سبب زيادته عيونه وزيادتها ونقصانها من نقصانها، وقال آخرون: إنّ زيادته من الأمطار والسيول تمطر ببلاد الحبشة والنوبة أيّام الشتاء فيزيد، وإنّما يتأخّر وصوله إلى الصيف لبعد المسافة، وقد ورد قوم هذا (٢) وقالوا بأنّ عيونه التى تحت جبل القمر تتكدر فى أيّام زيادته فدلّ على أنّ ذلك من قدرة الله تعالى من غير زيادة مطر، وهو الصحيح، إنّ هذه الزيادة والنقصان تدبير من العزيز الحكيم، الذى فى كلّ شئ له آية تدلّ على أنّه واحد. وجميع المياه والأنهار تجرى إلى القبلة إلاّ النيل لأنّه خارج عن خطّ الاستواء فيجرى إلى ناحية الشمال، وكذا العاصى بالشام يجرى إلى غير القبلة لما نذكر من ذلك. قال ابن الجوزى ﵀: وقالوا متى بلغ النيل ستّة عشرة ذراع استحقّ السلطان الخراج، وإذا بلغ عشرون ذراع مات ملك مصر، وإذا بلغ ثمانية عشر ذراع يحدث بمصر وأعمالها وباء عظيم، قلت هذا ذكره الشيخ جمال الدين

стр. 201

ابن الجوزى ﵀ نقلا عن سماع من غير مشاهدة لذلك، وإنّما الصحيح فى ذلك أنّ عمارة ديار مصر وتعليق أراضيها بالزراعة وريّها بالكامل إذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراع وثبت إلى طلوع نجم السماك فيكون ذلك نهاية رىّ البلاد وأقلّ من ذلك يشرق فيها وأكثر من ذلك يبحر منها، فالقانون المستقيم فى ذلك ثمانية عشر ذراع، وأمّا قوله عشرين ذراع فلم يعهد ذلك من أوّل عام الهجرة وإلى آخر سنة خمس وثلاثين (١٦٩) وسبع مائة، وهو آخر ما وقف بنا القول فى هذا التأريخ المبارك إنّه وصل إلى عشرين ذراع قطّ، اللهم إلاّ يقال فى سنة من السنين فى أيّام الحاكم بأمر الله العبيدى من الخلفاء المصريّين، ولم يثبت هذا القول فإنّى فحصت عنه فلم أجد أحدا من المؤرّخين الثقاة (١) ذكر ذلك فى تأريخه وإنّما ذلك مستفاض على ألسنة العوام من الناس. وأمّا قوله فى الوباء فإنّه لم يكن قطّ بمصر الوباء العظيم إلاّ مع الغلاء العظيم نعوذ بالله من شرّهما، والغلاء فلا يكون بمصر إلاّ لقلّة طلوع النيل وعدم وفاه (٢) دون الستّة عشر ذراع، وربّما يقع فى بعض السنين وباء يسير لما يريده الله تعالى من فروع آجال متقاربة، وقد اعتنيت بذكر هذا النيل فى هذا التأريخ بما لم يعتنى به أحد من المؤرّخين، وذكرت فيه فصول فيها الكفاية فى الجزء التالى لهذا الجزء وذكرت من أحواله ما فيه بلغة للمتأمّل ممّا استخرجته من تأريخ قبطى عتيق يأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وقال ابن الجوزى ﵀: وبمصر ترع كثيرة منها: ترعة سنباط، وترعة ذنب التمساح، وترع عدّة بالصعيد، وخليج السردوس، وخليج أبى المنجا، وخليج الإسكندريّة، وخليج القاهرة، وخليج القيّوم المعرف بالمنهى.

стр. 202

قلت: وهو أقدم الجميع فإنّه من حكمة يوسف ﵇، وبعد السردوس من حفر هامان فى أيّام فرعون، وبعده خليج الإسكندريّة من حفر ياتى الإسكندرية ثم جدّد حسبما نذكر من خبره فى تأريخه، ثم خليج القاهرة حفره الحاكم العبيدى، وسيأتى من ذكر هذه الخلج فصلا فى مكانه إن شاء الله تعالى. وقال ابن الجوزى إنّما سمّى الفيّوم لأنّه أصله ألف يوم، وكانت كلّ قرية منه تقوم بأهل مصر يوما، قلت: وفى تسميته الفيّوم عدّة أقوال يأتى ذكرها أيضا عند ذكرنا لعمارته فى زمن يوسف ﵇ وقصّته إن شاء الله تعالى. حكى (١) لى شيخنا العلامة نادر الزمان الشيخ علاء الدين البخارى أعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاته وناهيك به ثقة عالما عارفا محقّقا أنّه شاهد فى بلاد لهند وقوّة المطر من نصف الجوزاء إلى نصف الميزان مدّة أربع شهور لا يفتر فيها لحظة غير أنّه فى بعض الأوقات يقع المطر كثيرا متراكما وفى بعضها قليلا وأنّه لا يقع عندهم المطر فى غير هذه الأيّام نادرا حتى أنّه لا يرى عندهم فى أيّام الشتاء غيم البتة وأنّ هذه الأيّام تسمّى عندهم البيكار أو ما يشبه ذلك وإذا أيّام زيادة النيل وجدتها فى هذه الأيّام سواء ولا يقال إنّ هذا فى الهند من أين يصل إلى مصر، فإنّا نقول: المطر ليس بخاصّ بالهند فقط بل هو مختصّ بأحد الأقاليم السبعة التى الهند فى بعضه والإقليم كما علمت ما له من الشرق إلى الغرب فإذا أمطرت الجبال التى ليس بيننا وبينها بحرا أعنى الجبال التى من هذا الإقاليم سالت به الأدوية إلى جبال القمر وصبّ فى النيل زيادة على منبعه الأصلى ولا يخرج بذلك عن لونه تدبير العزيز الحكيم ﷻ ولا إله غيره.

стр. 203

وذكره الجوهرى (١) فقال: الفيّوم من أرض مصر، قتل بها مروان بن محمد آخر ملوك بنى أميّة، قلت: (٢) قتل مروان بقرية بوصير من عمل غير الفيّوم بل من عمل البهنسا من طرف صعيد مصر، قال ابن الجوزى: وفى نيل مصر عجائب كثيرة منها التمساح ولا يكون إلىّ (٣) فى نيل مصر بخلاف سائر الأنهار الكبار والصغار، قال: وله أسامى: يسمّى فى مصر: التمساح، وفى بلاد النوبة: الورل وما وراء النوبة يسمّى: السوسمار. قال الجوهرى: (٤) التمساح دابّة من دوابّ الماء معروف بمصر، وقال الجاحظ ﵀ فى كتاب عجائب البلدان (٥) إنّ مهران السند من نيل مصر ويوجد فيه التمساح، قال ابن الجوزى: قد وهم الجاحظ لأنّ مهران السند يخرج من جبال المولتان وهى فى المشرق وداخله تحت خطّ الاستواء والاعتدال والنيل يخرج من جبل القمر من ناحية الجنوب وهو خارج عن خطّ الاستواء والاعتدال، وبين مهران السند وبين الحبشة والنوبة البحر الشرقى، فكيف يكون منه فإن وجد التمساح فى مهران السند فقد يوجد فيه كما وجد فى النيل. قالوا: (٦) والتمساح لا دبر له وما يأكله يتصوّر فى بطنه دودا فإذا أذاه ذلك خرج إلى البرّ وفتح فاه فينقض عليه طائر الماء كالطيطورى ونحوها من أنواع طيور الماء فيدخل فى فيه ويلقط ذلك الدود، فربّما يطبق عليه فيه فى بعض الأوقات فيبلعه، فضربت العرب المثل به فقالوا: مكافأة التمساح، قلت: أمّا قوله إنّ التمساح ليس له دبر فنعم والطائر الذى يدخل فى فيه ويلتقط منه الدود يعرف

стр. 204

بالقطقاط وله فى منكبيه شوكتين كبائر حدّة فإذا طبق عليه التمساح ضربه بتلك الشوكتين فى حلقه فيفتح فاه له فيخرج. قال: وآفة التمساح دوبيّة تكون فى (١٧١) سواحل النيل وجزائره تكمن له فى الرمل فإذا فتح فاه وثبت فدخلت فمه ونزلت جوفه فيضرب الأرض بنفسه ويغوص فى الماء فتخرق تلك الدويبّة جوفه وترعى كبده فيموت ويهلك ويطفو على وجه الماء وتخرج تلك الدويبّة منه، قال: وهذه الدويبّة على طول الذراع ونحوه على صورة ابن عرس ولها قوائم عدّة ومخاليب. قلت: هذه لم تشهد بمصر قطّ ولو كانت ثمّ لكانت تعرف ولعلّها تكون ببلاد النوبة والحبشة. وقد ذكر ابن حوقل ﵀ أنّ بمصر أماكن لا يضرّ بها التمساح كعدوة أبو صير والفسطاط، قلت: (١) وهذا صحيح، ما عهد أنّه ضرّ أحد من أهل الفسطاط مع الوجه البحرى إلى حدود دمياط ورشيد وهو منتهى مصبّه فى لمالح وإنّما مؤذيته بصعيد مصر كلّما على كان أشدّ مؤذية. قال: وفى نيل مصر السمك المسمّى بالسقنقور ويصلح للجماع، قلت: وهذا أيضا لم يكن بالنيل وإنّما ترد به الفرنج من جزائر البحر الرومى قديدا، قال: وفى مصر أعنى نيلها السمك الرعّاد إذا وقعت السمكة فى شبكة الصيّاد لا تزال بده ترعد مع جميع أعضائه حتّى يلقيها أو تموت السمكة، وهذه السمكة نحو الذراع، قلت: هذه موجودة كثير فى النيل، والخاصّيّة فيه ما دام حيّا لا يطيق أحدا يقبض عليه فإنّه يحصل له من الرعدة والتخدّر ما لا يطيق يملك نفسه فيه حتّى مطلقه أو تموت السمكة تبطل تلك الخاصّيّة، وهذه من الخواصّ التى لا تعلّل، وهى

стр. 205

توجد دون نصف ذراع وطول الشبر وأكثر وأقلّ، ومن خاصّيّتها إذا خطّت على من به صداع سكن عنه بحكم أنّه حييه، (١) ومن خاصّيّتها إذا أخذت مرارتها وأذيقت بعسل الزنجبيل المربّى ولطخ بها الرجل إحليله بشئ منها (١٧٢) وجامع تجد المرأة لذّة عظيمة ولا تملك نفسها دون إلاّ تزال وتعلق المرأة من ساعتها، وهى تصلح لمن يريد الولد، وقيل إنّ مرارة الدجاجة السوداء تقوم ببعض ذلك. قال: وفى النيل دابّة على صورة الفرس والمكان الذى تكون فيه لا يقربه التمساح، وتخرج من الماء ليلا فترعى شئ كثير من الزرع وتفسده، قال: فيطرحون لها الترمس فتأكله وكذلك الحلبا وتشرب عليه الماء فيورّم جوفها فتموت. قلت: قد طلع هذا الدابّ فى سنة إحدى عشرة وسبع مائة وسنذكرها فى تأريخها إن شاء الله تعالى، قال: وفى النيل الدابّة التى تعرف بالدرفيل شبه الزقّ المنفوخ، ومن خاصّيّتها تخلّص الغريق، قلت: هذا أيضا موجود عند فم دمياط وفم رشيد، قال: وفيه شيخ البحر وهو على صورة الآدمى وله لحية طويلة، والغالب أنّه يكون بنواحى دمياط وهو مشؤم فإذا رؤى فى سنة من السنين دلّ على الغلاء والقحط والموت والفتن، ويقال إنّه ظهر فى دمياط سنة أخذوها الفرنج، قلت: هذا يقال قولا لم أعلم صحّته من سقمه كما يقال عن الغول والقطرب لما نذكر من خبرهما أيضا. قال: (٢) وبنيل مصر المقياس وهو من الأبنية العجيبة يعرف به الزيادة والنقصان، قال: وأوّل من حكمه وبناه يوسف ﵇ بمنف وبنت دلوكة الملكة مقياس بإخميم.

стр. 206

قال: وفى أيّامها عملت الطلسمات بمصر، قلت: سنذكر من هذا فصولا جيّدة تدلّ على لتقصّى وجودة الاستخراج من تواريخ قبطيّة عتيقة وقعنا عليها ووفّقنا الله تعالى لما أثبتناه فى هذا التأريخ من عجائبها وحكمها وكهنتها وسحرتها وعمارة أهرامها وبرابيها مع معظّم آثار الديار المصريّة ومدنها القديمة بالواحات ومن بناها من ملوك مصر القديمة مفصّلا مبرهنا، (١٧٣) وذلك كلّه يكون بمعونة الله فى الجزء الثانى منه إن شاء الله تعالى. قال ابن الجوزى أيضا: وأمّا المقابيس التى بنيت بالديار المصريّة فى الإسلام فأوّل من بنى مقياسا بها عبد العزيز بن مروان لمّا كان بمصر بناه بناحية حلوان، قال: وهذا المقياس بناه المأمون، وقيل إنّما بناه أسامة بن زيد التنّوخى ودثر فجدّده المأمون، وكان أسامة بناه فى أيّام سليمان بن عبد الملك، قال: وبنا أحمد ابن طولون مقياسا بالجيزة والآخر بقوص، قال: وهو إلى الآن. قلت: أمّا هذا المقياس القائم الآن يقاس فيه الماء بالجزيرة المعروفة بالروضة فعنى بعمارته المتوكّل جعفر بن الواثق، وكان المتولّى أمر بنائه الفرغانى لما نذكر من ذلك، وهذا هو المعروف عند المؤرّخين والمتّفق عليه وما عدا ذاك فلم يكن له يومئذ أثر والله أعلم. ذكر الفرات ومبدأها ومنتهاها (١) قال علماء اللغة: الفرات أصلها من الفرت وهو الشقّ، قال الجوهرى: (٢) والفرات اسم نهر بالكوفة والفرات الماء العذب، قال الله تعالى: ﴿ماءً فُراتاً»﴾ (٣). واختلفوا فى مخرجها على قولين: أحدهما: أنّها من جبل ببلد الروم يقال له

стр. 207

أفرد حس بينه وبين قاليقا (١) سيرة يوم، والثانى: أنّها تخرج من أطراف أرمينية ثم تجرى إلى بلاد الروم ويجتمع إليها أعين كثيرة ويصبّ إليها خليج من بحيرة المارزبون وليس ببلاد الروم بحيرة أكبر منها دورها أكثر من شهر، ثم تمرّ الفرات بأرض ملطية على مسيرة ميلين منها، ثم تمرّ على شميصات (٢) وتجوز من تحت قلعة الروم والبيرة وجسر منبج وبالس وقلعة جعبر والرقّة والرحبة وقرقيسيا وعانة والحديثة وهيت والأنبار، ومن تحت الأنبار يأخذ منها نهر عيسى ونهر الملك فصبّان فى دجلة ثم تمرّ الفرات بالطوف (١٧٤) (٣) ثم بالحلّة ثم بالكوفة وتنتهى إلى البطائح وتصبّ فى البحر الشرقى. قالوا: ومقدار جريانها على وجه الأرض أربعمائة فرسخ وقد كانت تمرّ ببلاد الحيرة ونهرها بيّن إلى الآن ويعرف بالعتيق، وعنده كانت وقعة القادسيّة الآتى ذكرها، وكان البحر المعروف بالنجف فى ذلك العهد جاريا، وكان مرسى السفن من بلاد الهند والصين ذلك المكان تحمل فيه الأمتعة إلى ملوك الحيرة لمّا كانت عامرة لما نذكر من ذلك، ولمّا استحال الماء وانقطع عن الحيرة وعن مصبّه فى البحر صار ذلك البحر برّا وصار بين الحيرة والبحر مسافة، والنجف بالتحريك المكان الذى لا يعلوه الماء، قال الجوهرى: (٤) وكذا النجفة بالتحريك مكان لا يعلوه الماء مستطيلا، ويقال إنّ اسم هذا المكان فى الأصل نج وكان أهل الحيرة يستقون منه الماء فأصبحت امرأة على العادة لتستقى فرأته يابسا فقالت نج جف ثم خفّفوه. وقد روى فى فضل الفرات حديث، قال ابن الجوزى ﵀: حدّثنا جدّى ﵀ بإسناده إلى الأعمش عن أبى وائل عن ابن مسعود عن النبىّ ﷺ

стр. 208

أنّه قال: ما من يوم إلاّ وتنزل مثاقيل من بركات الجنّة فى الفرات، قال: حدّثنى هذا الحديث فى الأحاديث الواهية لا يصحّ، فى إسناده الربيع بن بدر تركوا حديثه، وقال ابن حبّان: تروى عن الثقات الأحاديث المعلومات وعن الضعفاء الموضوعات، قلت: (١) وقد ذكر الزهرى ما يدلّ على صحّته لأنّه قال: ومصداق هذا الحديث أنّ الفرات مدّت فى بعض السنين فجاءت برمّان كل رمّانة مثل البعير فكانوا يرون أنّه من الجنّة، هذا قول ابن الجوزى، وقال: وقد أخرج الخطيب هذا (١٧٥) الحديث فى تأريخه، (٢) وذكر أنّ فى إسناده الربيع ابن بدر عن الأعمش عن أبى وائل شقيق عن ابن مسعود رفعه، وقال البخارى (٣) بإسناده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شئ، وفى رواية: عن جبل من ذهب، أخرجاه فى الصحيحين، ولمسلم (٤) عن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتّى يحسر الفرات عن جبل من ذهب تقتل (٥) الناس عليه فيقتل من كلّ مائة تسعة وتسعون ويقول كلّ رجل منهم: لعلّى أنا الذى أنجو، وروى أنّ دانيال ﵇ حفرها. ذكر دجلة ومبتدأها ومنتهاها (٦) قال الجوهرى ﵀: (٧) دجلة نهر بغداد، وذكر أبو بكر الخطيب ﵀ (٨) أنّ دانيال حفرها والفرات، فقال: حدّثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد

стр. 209

مولى بنى هاشم بإسناده عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال: أن احفر لى سيبين بالعراق فقال: يا ربّ بأىّ مكاتل وبأى مساحى وبأىّ رجال؟ فأوحى الله إليه أن اتّخذ سكّة حديد وعرّضها واجعلها فى خشبة وألقها خلف ظهرك فإنّى باعث إليك ملائكة يعينونك على حفرها فكان إذا انتهى إلى أرض لأرملة أو يتيم حاد عنها حتى حفر دجلة والفرات. وقال الخطيب أيضا بإسناده عن ابن عبّاس قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال أن فجّر لعبادى نهرين عظيمين واجعل مغيضهما إلى البحر فقد أمرت الأرض أن تطيعك فأخذ قناة فجعل يخدّ فى الأرض والماء ينبع ويتبعه، وفى رواية: فأخذ قصبة وكان إذا وصل إلى أرض شيخ كبير أو يتيم ناشده الله فيحيد عن أرضه (١٧٦) فعواقيل دجلة والفرات من ذلك، قال الجوهرى: (١) العاقول من النهر والوادى ما اعوج منه. وقال أرباب العلم بهذا الشأن: مبدأ دجلة من بلاد آمد وديار بكر وميافارقين وأرمينية تجتمع عيون ثم تمرّ ببلاد حصن كيفا والجزيرة والموصل وتستمدّ من الزابين الأعلا والأسفل وهما من عيون ببلاد أرمينية ثم تمرّ بتكريت وبغداد ثم بواسط، وتنقسم عدّة أودية ثم تصبّ فى البطائح وتختلط بالفرات ويصبّان فى البحر الشرقى، قالوا: ومقدار جريانها على وجه الأرض ثلاثمائة فرسخ، وقيل: إن الذى حفرهما أفريدون الملك، وليس بصحيح، والله أعلم.

стр. 210

ذكر سيحون وهو نهر الهند (١) ويقال: مهران السند، وقال الجوهرى ﵀: (٢) وسيحون نهر بالهند، وسيحان نهر بالشام، وساحين نهر بالبصرة، وانساح أى اتّسع، ومخرج سيحون من جبال ماسبدان وينتهى إلى بلاد المولتان، وتفسيره مرج الذهب، ثم ينتهى إلى إلى الفنصورة ثم يصبّ فى البحر الشرقى، ويقال: مقدار جريانه على وجه الأرض ستّمائة فرسخ، والتماسيح فى خلجانه على ما ذكر الجاحظ ولا يوجد سوى فيه وفى نيل مصر، وقد ذكرنا ذلك والله أعلم. ذكر جيحون وهو نهر بلخ (٣) قالوا: إنّ أصل منبعه من عيون ببلاد التبّت المقدّم ذكرها ولا يزال حتى يمرّ ببلاد بلخ والترمذ (٤) وإسفرابين وخوارزم ويمضى حتى يصبّ فى بحر جرجان ثم يمرّ على بلاد الترك. قالوا: ومقدار جريانه على وجه الأرض ثلاثمائة فرسخ تقدير جريان الفرات أو قال تقدير جريان دجلة، وقيل إنّه يصبّ فى مهران السند وليس كذلك وبينهما مسافة بعيدة، وقد سمّاه فى (١٧٧) الحديث عن النبى ﷺ جيحون. قلت: (٥) وقد ذكروا فى العالم أنهار كثيرة، قال أحمد بن بختيار إنّ بالبصرة جزيرة يقال لها جزيرة الفضّة يخرج منها ثلاثة أنهار مثل جيحون والنيل والفرات، وهذا غلط أن يشبه فى الدنيا نهر مثل النيل وهو لا يعرف له مبتدأ فلو قال: مثل جيحون ودجلة والفرات لأمكنه المثل.

стр. 211

ومنها نهر آتل يأتى من المشرق فيصبّ فى بحز الخزر ويقال إنّه يتشعّب منه نيف وسبعون نهرا وهو أكبر من جيحون، ومنها الهند مند ومخرجه من جبال خراسان ويصبّ فى البحر الشرقى. وذكر فى جغرافيا أنّ العيون الكبار التى تنبع فى الأرض مائتى عين وثلاثين عينا دون الصغار، وعدد الأنهار الكبار الجارية فى الأقاليم السبعة على الدوام مائتان وتسعون نهرا، وقال ابن المنادى: فى الإقاليم الأوّل من الأنهار والعيون ثلاثة وعشرون، وفى الإقاليم الثانى تسعة وعشرون، وفى الإقاليم الثالث أربعة وعشرون منها النيل فى أكثره، وفى الإقليم الرابع ستّون منها دجلة والفرات، وفى الإقليم الخامس عشرون، وفى الإقليم السادس ستّة وعشرون، وفى الإقليم السابع البقيّة من العدّة المذكورة، وجميع ما ذكرناه من الأنهار والعيون داخل فى الأقاليم السبعة إلاّ العيون التى فى جبل القمر فإنّها خارجة عن ذلك لأنّها ليست فى خطّ الاستواء، وقيل إنّها فى أطراف الهند وهو الأوّل. وذكر صاحب المسالك والممالك (١) أنّ ببلاد المشرق تلاّ له ألف عين نجرى إلى المشرق، قال: ويسمّى بركوب، معناه الماء المقلوب، وصيده دراريج (٢) سود، قلت: هذا النهر ذكره صاحب كتاب أصول الترك واسم الكتاب باللغة التركية: ألوأطابتك، معناه: كتاب الأب الكبير، وسنذكره (١٧٨) عند ذكرنا لبدء خروج التتار، وأصل مخرج هذا النهر من سفح جبل عظيم لم يذكروه فى الجبال إمّا لبعد مسافته أو لكون اتّصاله بالمحيط، وهذا الجبل يسمّى باللغة التركيّة قرا طاغ، معناه الجبل الأسود، وسيأتى ذكره وسمت علوّه فى الجوّ وارتفاعه فى الهواء وعظمه بين الجبال حسبما ذكره جبريل بن بختيشوع لما حلّه من اللغة الفارسيّة إلى العربيّة إن شاء الله تعالى.

стр. 212

قال ابن الجوزى ﵀: وقد روى أبو بكر الخطيب ﵀ فى تأريخه (١) حديثا يأتى على سيحون وجيحون والفرات والنيل، فقال: حدّثنا أبو القسم الحسن ابن الحسين بن على بن المنذر القاضى وأبو القسم على بن محمّد بن يعقوب الأيادى وأبو على الحسين بن أحمد بن شاذان البزّاز بإسنادهم عن مقاتل بن حيّان عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجله والفرات وهما نهران بالعراق، والنيل نهر بمصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنّة من أسفل درجاتها على جناحى جبرائيل ﵇ واستودعها الجبال وأجراها فى الأرض وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً <بِقَدَرٍ> فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ»﴾ (٢)، فإذا حان خروج ياجوج وماجوج أرسل جبرائيل فرفع من الأرض هذه الأنهار الخمسة والقرآن والعلم والحجر والركن والمقام وتابوت موسى ﵇ بما فيه يرفع الكلّ إلى السماء فذاك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ»﴾ (٣)، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد خير الدين والدنيا، قال ابن الجوزى: إلاّ أنّ هذا الحديث غريب والأصحّ أنّه موقوف على ابن عبّاس.

стр. 213

ذكر سيحان وجيحان وهما نهران أيضا (١) (١٧٩) قال النوبختى ﵀: هذان نهران فى بلد الروم، فأمّا سيحان فتخرج من عيون بينها وبين ملطية ثلاثة أيّام ثم يمتدّ إلى ناحية الغرب وعليه من المدن أدنة فيصبّ فى البحر الرومى، وأمّا جيحان فيخرج من عيون بينها وبين مرعش ثلاثة أيّام وعليه المصيصة، ويصبّ أيضا فى البحر الرومى، والنهر الأسود الذى غرق فيه ملك الألمان قريب من بلد الروم. وأمّا البحيرات (٢) فكثيرة جدّا منها بحيرة ساوة وسنذكرها، وبحيرة أرمينية وبحيرة الروم، وأمّا الشام فبحيرة قدس بحمص معروفة وبحيرة فامية أيضا معروفة، وبحيرة دمشق، وبحيرة طبريّة ودورها ثلاثة وثلاثون ميلا ويصبّ الماء إليها من حوله بانياس ويخرج منها النهر المعروف بالأردنّ ويمرّ فى الغور إلى بحيرة زغر من أرض الكرك، وقال الجوهرى ﵀: (٣) الأردنّ اسم نهر وكورة بأعلى الشام، وقال ابن الجوزى: قال جدّى ﵀ فى المنتظم إنّ بحيرة طبريّة تصبّ فى نهر أنطاكية والظاهر أنّه قلّد من لا يعرف، وأين بحيرة طبريّة فى الشام الأعلى وأنطاكية فى الشام الأسفل؟ وإنّما الذى يصبّ فى نهر أنطاكية بحيرة فامية، ومنها بحيرة تنّيس بالديار المصريّة وكانت قبل ذلك قرى ومزارع لم يكن بمصر مثلها فغلب عليها الماء وقد تقدّم ذكرها.

стр. 214

ذكر أنهار الشام (١) أمّا أنهار دمشق فأصل مياهها بردا وعين الفيجة، يجتمع بردا عند عين الفيجة ثم تنحدر إلى قرية يقال لها الهامة فينفصل منها نهر يزيد ويمتدّ إلى قاسيون وينتهى إلى دوما وقد كان يمتدّ فى الزمان القديم إلى الماطرون ودنبة والقناطر فى لحف الجبل باقية إلى الآن، وكذا الآثار، وهو منسوب إلى يزيد الرومى، فأمّا يزيد بن معاوية فإنّه وسّعه وعمّقه فنسب إليه، (١٨٠) وأمّا نورا فيأخذ من فوق الربوة ويمتدّ إلى قريب القصير ويقال إنّ كان عليه ثلاثمائة وستّين ماصية، وأمّا باناس وهو نهر الجامع الأموى، وكذلك القنوات ونهر المزّة ويتفرّع من هذه الأنهار عدّة أخر معاومة. وأمّا العاصى: فهو نهر حماة وأصله من جبل لبنان من قرية يقال لها اللبوة ثم ينزل إلى بحيرة قدس ويخرج العاصى منها فيمرّ بأرض حمص وشيزر وفامية إلى قريب من أنطاكية، ثم يصبّ إلى البحر الرومى، وقيل إنّما سمّى العاصى لأنّه يجرى إلى غير القبلة، ومسافة جريانه ثلاثة أيّام، وأمّا قويق فهو نهر حلب يخرج من قرية يقال لها سنياب على سبعة أميال من حلب ثم يمرّ على حلب وقنّسرين وينتهى إلى المرج الأحمر وماؤه موصوف بالرقّة والخفّة وقيل إنّ أوّله وخم فإذا امتدّ طاب. وأمّا أنهار الجزيرة (٢) منها البلخ بين حرّان والرقّة، ويقال إنّ الخليل ﵇ نزل بذلك المكان وقال له ابلخ فيتفجّر وعنده مقام إبراهيم ﵇، وكانت عليه منازل الوليد بن عقبة ابن أبى معيط الآتى ذكره فى تأريخه، ومنها الحلات:

стр. 215

وهو نهر حرّان وماؤه خفيف ويقال إنّ أوّله رخم ثم يصحّ وأوّله من عين ببلد الرها، ومنها الهرماس وهو نهر نصيبين ويقال إنّه يسقى ثلاثين ألف بستان ومبدأه من جبل نصيبين، ومنها الخابور، وهما خابوران: خابور رأس العين ويمتدّ منها إلى الفرات فيصبّ فيها تحت قرقيسيا وعليه المجدل وغيره من القرى، وأمّا الخابور الثانى ففى ديار بكر عند قردى ومارندى (١) وهى ديار بنى حمدان الذين ملكوا الموصل والجزيرة والشام بحلب الآتى ذكرهم فى تأريخهم إن شاء الله تعالى، ومخرج هذا النهر من بلاد أرمينية ويصبّ فى دجلة وماؤه عذب وفيه قال الشاعر (من الطويل): (١٨١) بقردى ومارندى مصيف ومربع ... وعذب يحاكى السلسبيل برود وبغداد ما بغداد أمّا ترابها ... فحم وأمّا حرّها فشديد ذكر أنهار العراق (٢) حكى الخطيب ﵀ فى تأريخه عن الأوائل أنّ ملوك الأردوان وهم النبط الأول كانوا فى السواد قبل فارس وهم الذين استنبطوا المياه وحفروا الأنهار العظام بالعراق وصرّفوا دجلة والفرات بالسكور وقسموا المياه، يقال لهم ملوك الطوائف وإنّما سمّوا بذلك (٣) نبطا لأنّهم استنبطوا المياه أى استخرجوها. وذكرهم الجوهرى (٤) فقال: النبط والنبيط قوم ينزلوا البطائح بين العراقين، وقال ابن قتيبة ﵀: هم قوم ملكوا العراق ألف سنة، وقال ابن المنادى:
следующие страницы →