Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فقال: حسبك، أنت والله شاعر! احضر الباب فإنى أذكرك، قال:
فجلست على الباب ودخل، فما ظننت أنه أمكنه أن يذكرنى حتى دعا بى فدخلت فسلّمت على عبد العزيز فصعّد فىّ بصره وصوّب. ثم قال:
أشاعر؟ ويلك! قلت: نعم، أصلح الله الأمير. قال: فأنشدنى، فنشدته فأعجبه شعرى. وجاء الحاجب وقال: أيها الأمير، هذا أيمن بن خريم الأسدى بالباب. فقال: ايذن له. فدخل واطمأنّ. فقال له عبد العزيز: يا أيمن كم ترى ثمن هذا العبد؟ فنظر إلىّ وقال: لنعم الغادى فى أثر المخاض، هذا أيها الأمير أرى ثمنه ما [ية] دينار. قال: فإنه له شعرا وفصاحة. قال أيمن: أتقول الشعر ويلك؟ قلت: نعم. قال: قيمته ثلثون دينارا. قال: يا أيمن، أرفعه وتخفضه! قال: نعم، أيها الأمير، خفضته حماقته! ما لهذا وللشّعر! ومثل هذا يقول إنى أقول الشعر! أو يحسنه! فقال: أنشده، يا نصيب. فأنشدته. فقال له عبد العزيز: كيف تسمع، يا أيمن؟ قال: شعر أسود هو أشعر أهل جلدته. فقال عبد العزيز: هو والله أشعر منك. قال: أمنّى، أيها الأمير! قال: إى والله منك. قال: والله أيها الأمير، إنك لملطرف. قال: كذبت! ولو كنت كذلك ما صبرت عليك! تنازعنى، التحيّة وتؤاكلنى الطّعام، وتتّكئ على وسادتى وفرشى، وبك
(٤) أشاعر؟: فى الأغانى ١/ ٣٢٨: «أنت شاعر!»
(٨) المخاض: انظر الأغانى ١/ ٣٢٨ حاشية ٣
(١٥) لملطرف: فى الأغانى ١/ ٣٢٨: «لملول طرف»
стр. 1647
الذى بك! يعنى وضحا، وكان أيمن كذلك. فقال: أتأذن لى أن أخرج إلى بشر بالعراق واحملنى على البريد. قال: قد أذنت لك. وأمر به فحمل على البريد إلى بشر بالعراق. فقال أيمن فى ذلك <من الوافر>:
(١٣٦) ركبت من المقطّم فى جمادى ... إلى بشر بن مروان البريدا
ولو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا
أمير المؤمنين أقم ببشر ... عمود الدين إنّ له عمودا
ودع بشرا يقوّمهم ويحدث ... لأهل الزّيغ إسلاما جديدا
كأنّ التاج تاج بنى هرقل ... جلوه لأعظم الأيام عيدا
على ديباج خدّى وجه بشر ... إذا الألوان خالفت الخدودا
قال أيوب: يعنى بقوله «إذا الألوان خالفت الخدود» أنه عرّض بكلف كان فى وجه عبد العزيز.
قال: فأعطاه بشر ماية ألف درهم.
ولما جاز أيمن بعبد الملك قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاك بشرا، يا أمير المؤمنين. قال: أتجوزنى! قال: إى والله، أجوزك إلى من قدم إلىّ وطلبنى. قال: فلم فارقت صاحبك؟ قال: رأيتكم، يا بنى أمية، تتّخذون للفتى من فتيانكم مؤدبا، وشيخكم والله يحتاج إلى ماية مؤدب.
فسرّ بذلك عبد الملك فى عبد العزيز، وكان عازما على أن يخلعه ويعقد لابنه الوليد.
وروى أن المديح الذى امتدح به نصيب لعبد العزيز-وهو أول ما دخل عليه-قوله <من المتقارب>:
стр. 1648
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم نعم غامره
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بالابنة الزايره
وكفّك حين ترى السايلي ... ن أندى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنّى الثناء ... بكلّ محبّرة سايره
فقال: اعطوه اعطوه. قال: إنى مملوك. فدعا الحاجب وقال: بالغ (١٣٧) فى قيمته. فدعا المقوّمين فقال: قوّموا غلاما أسودا ليس به عيب.
فقالوا: ماية دينار. قال: إنه راعى الإبل يبصرها ويحسن القيام بها.
قالوا: مايتى دينار. قال: إنه يبرى القسىّ ويعقبها ويبرى السهام ويريشها.
قالوا: أربع ماية دينار. قال: إنه راوية للشّعر بصير به. قال: ستماية دينار. قال: إنه شاعر لا يلحق. قالوا: ألف دينار. قال عبد العزيز:
ادفعوها إليه. قال: أصلح الله الأمير! ثمن بعيرى الذى أضللت، وكان فى حديثه أنه خرج فى طلب بعير ظل فورد على عبد العزيز قال: وكم ثمنه؟ قال: خمسة وعشرون دينارا. قال: ادفعوها له. قال: أصلح الله الأمير! جايزتى لنفسى عن مديحى. قال: اشتر نفسك ثم عد إلينا. فأتى الكوفة وبها بشر بن مروان، فاستأذن فلم يسهل. وخرج بشر يوما متنزّها فعارضه فلما نكبه، أى صار حذاء منكبه، ناداه <من الكامل>:
(٦) بالغ: فى الأغانى ١/ ٣٣٣: «فأبلغ»
(١١) يلحق: فى الأغانى ١/ ٣٣٤: «يلحق حذقا»
стр. 1649
يا بشر يابن الجعفريّة ما
قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، الجعفريّة التى ذكرها هى أم بشر ابن مروان، واسمها قاطبة بنت بشر بن عامر بن ملاعب الأسنّة بن مالك ابن جعفر بن كلاب. روى أن مروان بن الحكم مر ببادية بنى جعفر فرأى قاطبة بنت بشر تنزع بدلو على إبل لها، وتقول <من الرجز>:
ليس بنا فقر إلا التّشكّى ... جرية مثل الأبك
لا ضرع فيها ولا مدرك
ثم تقول <من الرجز>:
(١٣٨) عامان ترقيق وعام تمّما ... لم يتّرك لحما ولم يترك دما
ولم تدع فى رأس عظم مكدما ... إلا رذايا ورجالا رزّما
(٢) مقابلة: انظر الأغانى ١/ ٣٣٤ حاشية /٣/جرم: انظر الأغانى ١/ ٣٣٤ حاشية ٤
(٧) جرية (جربّة) مثل الأبكّ: فى الأغانى ١/ ٣٣٥: «جربّة كحمر الأبكّ»
(٨) مدرك: فى الأغانى ١/ ٣٣٥: «مذكّى»؛ فى الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية ٤: «المسنّ من كل شئ. . .»
(١٠) ترقيق: انظر الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية /٥/تمّما: انظر الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية /٦/ يتّرك: انظر الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية ٧
(١١) مكدما: انظر الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية /٨/رذايا: انظر الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية /٩/ رزّما: انظر الأغانى ١/ ٣٣٥ حاشية ١٠
стр. 1650
خطبها مروان وتزوجها فولدت بشر بن مروان.
قال إسحق: ولما قدم النصيب على عبد العزيز آيبا أبطأت جايزته فقال <من الوافر>:
إن وراء ظهرى يابن ليلى ... أناسا ينظرون متى ااوب
أمامة منهم ولمأقتيها ... غداة البين فى أثرى غروب
تركت بلادها وتأيت عنها ... فأشبه ما رأيت بها السّلوب
فاتبع بعضنا بعضا فلسنا ... نثيبك لكن الله المثيب
فعجّل جايزته وسرّحه.
وعن الزهرى قال: حدّثنى نصيب قال: دخلت على عبد العزيز فقال: أنشدنى قولك <من الطويل>:
إذا لم يكن بين الخليلين ردّة ... سوى ذكر شئ قد مضى درس الذّكر
فقلت: هذا ليس لى، هذا لأبى صخر الهذلىّ ولكننى الذى أقول <من الطويل>:
وقفت بذى ودّان أنشد ناقتى ... وما إن بها لى من قلوص ولا بكر
(٥) لمأقتيها: انظر الأغانى ١/ ٣٤٠ حاشية /٢/غروب: انظر الأغانى ١/ ٣٤٠ حاشية ٤
(٦) السّلوب: انظر الأغانى ١/ ٣٤٠ حاشية ٤
(١١) ردّة: انظر الأغانى ١/ ٣٤٢ حاشية ٢
(١٤) بذى وذان: انظر الأغانى ١/ ٣٤٢ حاشية ٣
стр. 1651
فقال لى عبد العزيز: جايزة لك على صدق حديثك، وجايزة على شعرك. فرحت بألفى دينار.
وعن عثمن بن حفص عن أبيه قال: رأيت نصيبا وكان أسود خفيف العارضين ناتئ الحنجرة.
وعن عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمه قال: كان النصيب يكنا أبو الحجناء، فهجاه شاعر من أهل الحجاز فقال <من الطويل>:
رأيت أبا الحجناء فى الناس حايزا ... ولون أبى الحجناء لون البهايم
تراه على ما لاحه من سواده ... وإن كان مظلوما له وجه ظالم
فقيل لنصيب: ألا تجيبه! فقال: لا ولو كنت هاجيا أحدا لأجبته، (١٣٩) ولكن الله أوصلنى بهذا الشعر إلى خير، فجعلت على نفسى أن لا أقوله فى شرّ، وما وصفنى إلا بالسواد وقد صدق، أفلا أنشدكم؟ قالوا:
بلى ويا حبذا. فأنشدهم قوله <من الكامل>:
ليس السواد بناقصى ما دام لى ... هذا اللسان إلى فؤادى نابت
من كان يرفعه منابت أصله ... فبيوت أشعارى جعلن منابت
كم بين أسود ناطق ببيانه ... ماض الجنان وبين أبيض صامت
إنى ليحسدنى الرفيع بنايه ... من فضل ذاك وليس بى من شامت
(١٤) منابت: فى الأغانى ١/ ٣٥٢: «منابتى»
стр. 1652
ويروى «بناه فضل البيان».
وعن الأصمعى إنه كان إذا أنشد هذه الأبيات يقول: قاتل الله نصيبا ما أشعره! وهى <من الطويل>:
إن يكن من لونى السواد فإنّنى ... لكالمسك لا يروى من المسك ذايقه
إذا المرء لم يبذل من الودّ مثل ما ... بذلت له فاعلم بأنّى مفارقه
وما ضرّ أثوابى سوادى وتحته ... لباس من العلياء بيض بنايقه
وعن أسمعيل بن المختار مولى آل طلحة، وكان شيخا كبيرا قال:
حدّثنى النصيب أنه خرج هو وكثيّر والأحوص غبّ يوم مطرت فيه السماء. فقال: هل لكم فى أن نركب حميرا فنسير حتى نأتى العقيق فنبقى على أبصارنا؟ قالوا: نعم. فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدواب، ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وتنكّروا وساروا حتى أتوا العقيق. فجعلوا يتصفحون ويرون بعض ما يشتهون، حتى رفع لهم سواد عظيم فأمّوه حتى أتوه. فإذا وصايف ورجال من الموالى ونساء بارزات. فسألوهم أن ينزلوا فنزلوا، ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم. فلم تلبث أن جاءت. فقالت: ادخلوا. فدخلوا على امرأة برزة
(١) ويروى. . . البيان: فى الأغانى ١/ ٣٥٢: «ويروى مكان من فضل ذاك، فضل البيان وهو أجود»
(٦) بنايقه: انظر الأغانى ١/ ٣٥٤ حاشية ٥
(٩) حميرا: فى الأغانى ١/ ٣٥٦: «جميعا»
(١٤) فسألوهم: فى الأغانى ١/ ٣٥٦: «فسألنهم»
стр. 1653
(١٤٠) على فرش لها. فرحّبت وحيّت، فإذا كراسىّ موضوعة فجلسن جميعا فى صفّ واحد كلّ إنسان على كرسىّ. فقالت: إن أحببتم أن ندعوا بصبىّ فنصيّحه ونعرك أذنيه فعلن، وإن شيتم بدأنا بالغداء. فقلن:
أبتديى بالصبىّ؟ فلن يفوتنا الغداء. فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلا كلا ولا، حتى جاات جارية جميلة قد سترت بمطرف فأمسكوه عليها حتى ذهب بهرها. ثم كشفوه عنها فقالت لها مولاتها: ويحك! من قول نصيب عافا الله أبا محجن فقالت <من الطويل>:
ألا هل من البين المفرّق من بدّ ... وهل مثل أيام بمنقطع السعدى
تمنّيت أيّامى أوليك والمنى ... على عهد عاد ما تعيد ولا تبدى
فغنّته فجاات به كأحس ما سمعت بأحلا لفظ وأشجا صوت. ثم
(٣) نعرك: انظر الأغانى ١/ ٣٥٧ حاشية ١
(٤) ابتديى (ابتدئى): فى الأغانى ١/ ٣٥٧: «بلى تدعين»
(٥) كلا: انظر الأغانى ١/ ٣٥٧ حاشية ٣
(٦) بهرها: انظر الأغانى ١/ ٣٥٧ حاشية ٥
(٨) بمنقطع السعدى (السّعد): انظر الأغانى ١/ ٣٥٧ حاشية ٧
(٩) تعيد ولا تبدى: انظر الأغانى ١/ ٣٥٧ حاشية ٨
стр. 1654
قالت لها: خذى أيضا من قول أبى محجن عافا الله أبا محجن. فقالت <من الكامل>:
أرق المحبّ وعاده سهده ... لطوارق الهمّ التى ترده
وذكرت من رقّت له كبدى ... وأبا وليس ترقّ لى كبده
لا قومه قومى ولا بلدى ... -فنكون حينا جيرة-بلده
ووجدت وجدا لم يكن أحد ... قبلى من اجل صبابة يجده
قال: فجاات به أحسن من الأوّل، فكدت أطير سرورا. ثم قالت لها: ويحك! خذى من قول أبى محجن عافا الله أبا محجن. فقالت <من الطويل>:
فيا لك من ليل تمتّعت طوله ... وهل طايف من نايم متمتّع
نعم إن ذا شجو متى يلق شجوه ... ولو نايم مستعتب أو مودّع
له حاجة قد طال ما قد أسرّها ... من الناس فى صدر له يتصدّع
تحمّلها طول الزمان لعلّها ... يكون لها يوم من الدهر منزع
(١٤١) وقد قرعت إلى أمّ عمرو ولك العصا ... قديما كما كانت لذى الحكم تقرع
(١٢) صدر له: فى الأغانى ١/ ٣٥٨؛ شعر نصيب بن رباص ص ١٠١: «صدر بها»
(١٤) الحكم: فى الأغانى ١/ ٣٥٩؛ شعر نصيب بن رباح ص ١٠١: «الحلم»
стр. 1655
قال: فجاات به شئ حيرنى وأذهلنى طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها الغناء فى شعرى. ثم قالت: خذى عافاك الله فى قول أبى محجن عافا الله أبا محجن. فقالت <من البسيط>:
يأيّها الرّكب إنّى غير تابعكم ... حتى تلمّوا وأنتم بى ملمّونا
فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم ... يدعوهم ذو هوا لا يعودونا
أو خبّرونى عن دايى بعلمكم ... وأعلم الناس بالداء الأطبّونا
قال نصيب: فو الله لقد زهوت لما سمعت زهوا خيّل لى أنى من قريش وأن الخلافة لى. ثم قالت: حسبك يا بنيّة، هات الطعام، يا غلام! فوثب الأحوص وكثيّر وقالا: والله لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك فى مجلس فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا، وقدمت شعر هذا على أشعارنا، واستمعت الغناء فيه، وإن فى أشعارنا لما يفضل شعره، وفيه من الغناء ما هو أحسن من هذا. فقالت: على معرفة والله كل ما كان منّى من غير جهل بكم، ولا أذنت لكم إلا بعد معرفتى بكم، وأىّ شعركما أفضل من شعره؟ أقولك يا أحوص <من الطويل>:
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأحسن شئ ما به العين قرّت
(١) شئ: فى الأغانى ١/ ٣٥٩: «فجاءت والله بشئ»، انظر أيضا الأغانى ١/ ٣٥٩ حاشية ٣
(٥) يعودونا: فى الأغانى ١/ ٣٥٩؛ شعر نصيب بن رباح ص ١٣٨: «يعوجونا»
(٦) الأطبّونا: انظر الأغانى ١/ ٣٥٩ حاشية ٥
стр. 1656
أم قولك يا كثيّر فى عزّة <من الطويل>:
وما حسبت ضمريّة عدوية ... سوى التّيس ذى القرنين أنّ لها بعلا
أم قولك أيضا <من الوافر>:
إذا ضمريّة عطست فنكها ... فإنّ عطاسها طرف السفات
قال: فخرجا مغضبين وحبستنى، ففغدت عندها، وأمرت لى بثلثماية (١٤٢) دينار وحلّتين وطيب. ثم دفعت إلىّ مايتى دينار وقالت: ادفعهما لصاحبيك، فإن قبلاها وإلا فهى لك. فأتيتهما إلى منازلهما وأخبرتهما بالقصة. فأما الأحوص فقبلها، وأما كثيّر فلم يقبلها وقال: لعن الله صاحبتك وجايزتها ولعنك معها. فأخذتها وانصرفت. قال الراوى:
وسألت النّصيب عن المرأة من بنى أمية فقال: من بنى أمية ولا أذكرها أبدا.
وعن أبى عبيدة قال: أتى النّصيب مكة شرفها الله تعالى فقصد المسجد الحرام ليلا، فبينا هو كذلك إذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريبا منه وجعلن يتحادثن ويتذاكرن الشعر والشعراء. وإذا هنّ من أفصح النساء وآدبهن. قالت إحداهن: قاتل الله جميلا حيث يقول <من الطويل>:
وبين الصّفا والمروتين ذكرتكم ... بمختلف من بين سامح ومرجف
وعند طوافى قد ذكرتك ذكرة ... هى الموت بل كادت على الموت تضعف
(٢) ضمريّة: انظر الأغانى ١/ ٣٦٠ حاشية /١/عدوية: فى الأغانى ١/ ٣٦٠: «جدويّة»
(٦) ادفعهما: فى الأغانى ١/ ٣٦٠: «ادفعها»
(١٠) عن المرأة من بنى أمية: فى الأغانى ١/ ٣٦٠: «ممن المرأة؟»
стр. 1657
فقالت الأخرى: بل قاتل [الله] كثير عزّة حيث يقول <من الطويل>:
طلعن علينا بين مروة والصّفا ... يمرن على البطحاء مور السحايب
وكدن لعمر الله يحدثن فتنة ... بمختشع من خشية الله تايب
فقالت الثالثة: بل قاتل الله بن الزانية نصيبا حيث يقول <من الطويل>:
ألام على ليلى ولو أستطيعها ... وحرمة ما بين البنيّة والسّتر
لملت على ليلى بنفسى ميلة ... ولو كان فى يوم التّحالق والنّحر
قال: فقام نصيب إليهن وسلّم عليهم فرددن ﵇، وقال لهنّ: إنى رأيتكنّ تتجاذبن شيا عندى منه علم. فقلن: من أنت؟ قال:
اسمعن أوّلا. قلن: هات، فأنشدهنّ قصيدته التى أوّلها <من البسيط>:
(١٤٣) ويوم ذى سلّم شاقت ناحيه ... ورقاء فى فنن والريح تضطرب
فقلن له: نسألك الله وبحقّ هذا البيت، من أنت؟ فقال: أنا ابن المظلومة المقذوفة من غير جرم، أنا نصيب. فقمن له وسلّمن عليه ورحّبن به، واعتذرت القايلة إليه وقالت: والله ما أردت سوءا، وإنما
(٣) يمرن: انظر الأغانى ١/ ٣٧٧ حاشية ٢
стр. 1658
حملنى الاستحسان لقولك على ما سمعت. فضحك وجلس إليهنّ يحادثهنّ إلى أن انصرفن.
قلت: قد خرج بنا محاسن الحديث عن شرط سياقة التاريخ وله [ذا] الكلام شجون، والقصد أن يكون هذا التاريخ محشوا من كل فن لطيف ليسوغ كل ذى شرب مشروبه، ويصل كل ذو طلب إلى مطلوبه. ولنعود إلى سياقة التاريخ بمعونة الله .
ذكر سنة ست وسبعين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ذراعان وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة عبد الملك بن مروان، وعبد العزيز بمصر، وبشر بن مروان بالعراقين، والحجاج بالحرمين، وكان بمصر فى هذه السنة والتى قبلها غلاء مفرط، واشتد الأمر بالناس فى هذه السنة.
كان عبد الملك مغرا بالشعر والشعراء، وكان ذلك نافقا فى أيامه، والناس مشتغلون به ويتغالون فى كل شعر جيد وفى كل شاعر محسن.
وكان عبد الملك يقول: يا بنى أمية أحسابكم أعراضكم لا تعرضوها على الجهال، فإن الدم باقى ما بقى الدهر، والله ما يسرنى (١٤٤) أنى
стр. 1659
هجيت ببيت الأعشى وأن لى طلاع الأرض ذهبا، وهو قوله فى علقمة ابن علاثة <من الطويل>:
تبتون فى المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمايصا
وو الله ما يبالى من مدح بهذين البيتين إلا يمدح بغيرهما قول زهير من الطويل>:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل
وروى الأصمعى، قال: وفد رجل من بنى ضبة على عبد الملك فأنشده <من الكامل>:
والله ما ندرى إذا ما فاتنا ... طلب إليك فمن الذى نتطلّب
ولقد ضربنا فى البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتنا التى عوّدتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بصلة. ثم قدم عليه فى العام الثانى فأنشده <من الطويل>:
(٣) تبيتون. . . خمايصا: ورد البيت فى الأغانى ٩/ ١٢١؛ ديوان الأعشى ١٠٠
(٦ - ٧) هنالك. . . البذل: ورد البيتان فى شرح ديوان زهير بن أبى سلمى ٤٣
(٧) على. . . البذل: ورد البيت فى الأغانى /١٠/ ٣٠٦/حقّ: فى الأغانى ١٠/ ٣٠٦:
«رزق»
(٨ - ١٢) الأصمعى. . . نذهب: ورد النص فى العقد الفريد ١/ ٣٠٥، انظر أيضا العقد ١/ ٣٠٥ حاشية ١
(٨ - ٥،٢١٥) وفد. . . بدى (بدء): ورد النص فى الأمالى ٢/ ٢٨٣
стр. 1660
يودّ الذى بنا المكارم أنه ... إذا فعل المعروف زاد وتممّا
وليس كبان حين تمّ بناؤه ... تتبّعه بالنّقص حتى تهدّما
فأمر له بصلة مثلها. ثم قدم عليه فى العام الثالث فأنشده <من الطويل>:
إذا استعروا كانوا مقادير للنّدى ... يكرّون بالمعروف عودا على بدى
وإن بذلوا فى اليوم جودا لطالب ... كما قد رجاه أضعفوا الجود فى غد
فأضعف صلته وسرحه مكرما.
ذكر سنة سبع وسبعين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ثلثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثلثة عشر ذرعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخص من الحوادث
(١٤٥) الخليفة عبد الملك بن مروان بدمشق دار ملكه، وعبد العزيز بمصر.
(١ - ٢) يودّ. . . تهدّما: ورد البيتان فى الأمالى ٢/ ٢٨٣
(١) يودّ. . . المكارم: فى الأمالى ٢/ ٢٨٣: «يربّ الذى يأتى من الخير»
(٥) إذا. . . بدى (بدء): ورد البيت فى الأمالى /٢/ ٢٨٣/استعروا (كذا فى الأصل): فى الأمالى ٢/ ٢٨٣: «استمطروا» //يكرّون: فى الأمالى ٢/ ٢٨٣: «يجودون»
стр. 1661
وفيها استسقى الناس بمصر، وزاد الغلاء، وأجلوا أهل مصر عنها وتوجهوا بعضهم إلى الشام. فتحركت الأسعار أيضا بمصر والشام، وهلكت الناس جوعا. وفتح عبد العزيز مخازن غلاله ولم يترك عنده إلا ما يمونه وأهله وحاشيته عام واحد. وأمر بذلك لساير مياسير مصر.
فكثرت الغلال ووجدت بعد العدم، وتحايت الناس بعد الموت.
وفيها مات بشر بن مروان، وولى الحجاج العراقين.
وروى أن الحجاج لما ورد عليه كتاب عبد الملك بولايته العراقين خرج من المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقال: الحمد لله الذى أخرجنى من أمّ نتن، أهلها أخبث أهل، غششة لأمير المؤمنين، حسدة له، ولولا والله كتب كانت تأتينى من أمير المؤمنين فيهم، لجعلتها جوف حمار أعواد يعودون بها ورمّة بليت، يقولون منبر رسول الله ﷺ وقبره. فبلغ ذلك جابر بن عبد الله فقال: قدامه ما يسوءه.
(٦) وفيها. . . مروان: انظر مقالة «بشر بن مروان» لفيتشا فالييرى ١٢٤٢: لا تجمع المراجع على تاريخ وفاته
(٨ - ١٢) الحمد. . . يسوءه: ورد النص فى الكامل ٤/ ٣٥٩ باختلاف بسيط
(٩ - ١١) أهلها. . . يقولون: فى الكامل ٤/ ٣٥٩: «أهلها أخبث بلد وأغشّه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة الله، والله لو ما. . . لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا. . .
يغولون»، انظر الكامل ٤/ ٣٥٩ حاشية ٢
(١٢) قدامه: فى الكامل ٤/ ٣٥٩: «وراءه»
стр. 1662
ذكر سنة ثمان وسبعين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
[ما لخص من الحوادث]
الخليفة عبد الملك بن مروان، وعبد العزيز بمصر. وولى القضاء بمصر عبد الرحمن الخولانىّ وهو صاحب المسجد المعروف به، وجمع له بين القضاء وبين المال والشرط، وأجرى له فى كل سنة عن كل عمل من هؤلاء مايتى دينار، وكان عبد الرحمن الخولانىّ من الجود (١٤٦) والعطا بالمكان الوافر، حتى كان ينفذ جميع عطاه ويستدين على قابل.
وفيها انكسر شبيب الخارجى وهرب فغرق فى دجيل.
ذكر شبيب ولمعا من أخباره
هو شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو الصلت الشيبانىّ،
(٧) عبد الرحمن الخولانىّ: قارن هنا ص ١٤٧، الهامش الموضوعى، حاشية سطر ١١
(١١) وفيها. . . دجيل: فى تاريخ الطبرى ٢/ ٩٧٢ (حوادث ٧٧): «وفى هذه السنة هلك شبيب»، كذا فى الكامل ٤/ ٤٣١ - ٤٣٣؛ فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٥: «وغرق بدجيل كما تقدم سنة سبع وسبعين للهجرة»؛ وفقا لزيترستين، مقالة «شبيب» ٢٦٢، ربما توفى فى أواخر سنة ٧٧ هـ
(١٣) شبيب. . . الشيبانى: انظر نسبه فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٤
стр. 1663
كان خروجه فى أول أيام عبد الملك بالموصل. وجرت له حروب ووقايع مع النواب بالعراق يطول شرحها. وكان سبب ولاية الحجاج العراقين شبيب. وبعث إليه الحجاج فى مدة هذه السنين من ولايته خمس قوّاد فقتلهم واحد بعد واحد. ثم خرج من الم [وصل] يريد الكوفة، وخرج الحجاج من البصرة يريد الكوفة. وبلغ ذلك شبيبا فطمع فى لقايه قبل أن يصل الكوفة، فأقحم الحجاج خيله فدخلها قبله فى سنة سبع وسبعين، وتحصن الحجاج فى قصر الإمارة. ودخل إليها شبيب وأمه جهيزة وزوجته غزالة عند الصباح، وكانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة وتصلى ركعتين تقرأ فى الواحدة سورة البقرة والأخرى آل عمران. فأتت الجامع فى سبعين رجلا فصلّت فيه الغداة وخرجت من نذرها.
وكانت غزالة من الشجاعة بالموضع العظيم، وكانت تقاتل فى الحروب بنفسها. وقد كان الحجاج هرب فى بعض الوقايع منها فعيّره بذلك عمران بن حطّان السدوسى فقال <من الكامل>:
أسد علىّ وفى الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصّافر
هلاّ برزت إلى غزالة فى الوغى ... بل كان قلبك فى جناحى طاير
صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت فوارسه كأمس الدابر
(٣ - ٢،٢٢٢) وبعث. . . الزاى: ورد النص فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٧، قارن أيضا مروح الذهب ٣/رقم ٢٠٧٩ - ٢٠٨٠
(٩) فأتت: فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٤: «فأتوا»
(١٦) صدعت. . . الدابر: البيت ناقص فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٤ ولكن ورد فى شعر الخوارج /٢٥/فوارسه: فى شعر الخوارج ٢٥: «منابره»
стр. 1664
(١٤٧) وكانت أم شبيب جهيزة أيضا شجاعة تشهد الحروب وتتنادرهما الفرسان فى حومة الطعان. وقيل إن شبيبا أقام عشرين سنة يدعى أمير المؤمنين، ولما عجز عنه الحجاج، بعث عبد الملك إليه عساكر كثيفة من الشام عليها سفيان بن الأبرد الكلبى، فوصل إلى الكوفة، وخرج الحجاج أيضا، وتكاثروا على شبيب، فانهزم وقتلت غزالة وجهيزة، ونجا شبيب فى فوارس من أصحابه، واتبعه سفيان فى أهل الشام فلحقه بالأهواز. فولّى شبيب فلما حصل على جسر دجيل قفز به فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيره فألقاه فى الماء. فقال له بعض أصحابه: أغرقا يا أمير المؤمنين؟ فقال: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ثم ألقاه دجيل على ساحله ميتا. فحمل على البريد إلى الحجاج فأمر بشق بطنه. فشقّ واستخرج قلبه فإذا هو كالحجر، إذا ضرب به الأرض نبا عنها. فشقّ أيضا فكان فى داخله قلب صغير كالكرة. فشقّ فأصيب علقة الدم فى داخله.
وكان شبيب إذا صاح فى جنبات الجيش لا يلوى أحد على أحد من هيبته وفروسيته، وفى ذلك يقول الشاعر <من البسيط>:
إذا صاح يوما حسبت الصخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج يلتطم
وقال بعضهم: رأيت شبيبا وقد دخل المسجد، وعليه جبّة طيالسة وعليها نقط من أثر المطر، وهو طويل أشمط جعد آدم. فجعل المسجد يرتج له. وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين هجرية، وغرق بدجيل سنة سبع وسبعين.
(٧) قفز: فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٥ «نفر»
(١٤ - ١٦) وكان. . . يلتطم: النص ناقص فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٨
стр. 1665
وكان أبوه من مهاجرة الكوفة، فغزا سليمن بن ربيعة الباهلى فى سنة خمس وعشرين للهجرة (١٤٨) فأتوا الشام وأغاروا على بلاد وأصابوا سبيا وغنموا، وأبو شبيب فى ذلك الجيش، فاشترى جارية من السبى حمراء طويلة جميلة. فقال لها: أسلمى. فأبت فضربها فازدادت تنمّرا ولم تسلم، فواقعها فحملت، فتحرك الولد فى بطنها فقالت: فى بطنى شئ ينقز.
فقيل: أحمق من جهيزة، وضرب المثل بحمقها وهى التى عنا بها الحريرى فى مقاماته. ثم لاطفها فأسلمت فولدت شبيبا سنة ست وعشرين يوم النحر. فقالت لمولاها: إنى رأيت قبل أن ألد كأنى ولدت غلاما فخرج منى شهاب من نار فسطع بين السماء والأرض ثم سقط فى ماء فخفى، وقد ولدته فى يوم أريق فيه الدماء. وقد زجرت أن ابنى هذا يعلوا أمره ويكون صاحب دماء يريقها. هذا آخر كلام ابن السكين.
ولما زال أمر شبيب أحضر إلى عبد الملك بن مروان رجل يرى برأى الخوارج وهو عتبان الحرورى ابن أصيلة، ويقال وصيلة، وهى أمه من بنى محلّم، وهو من بنى شيبان من الشراة بالجزيرة، وكان قد قال أبياتا عديدة ذكرها المرزبانى فى المعجم. فقال له عبد الملك: ألست القايل يا عدوّ الله فى قصيدتك <من الطويل>:
(٧) الحريرى فى مقاماته: لم يذكر هذا المرجع فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٧
(١٥) المرزبانى فى المعجم: انظر معجم الشعراء ١٠٨ - ١٠٩
стр. 1666
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنّا حصين والبطين وقعنب ... ومنّا أمير المؤمنين شبيب
فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين، وإنّما قلت: ومنّا أمير المؤمنين شبيب.
فاستحسن ذلك من قوله وأمر بتخلية سبيله.
وهذا الجواب فى نهاية الحسن فإنه إذا كان قول «أمير» مرفوعا، كان مبتدأ فيكون شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان أمير منصوبا فقد (١٤٩) حذف منه حرف النداء ومعناه يا أمير المؤمنين منا شبيب. فلا يكون شبيب أمير المؤمنين، بل يكون منهم.
قلت وقد رأيت فى مسوداتى أنه أحضر إلى عبد الملك بن مروان أبو المنهال الخارجى شاعرا جيدا مستأمنا بعد ما كان قال لعبد الملك هذه الأبيات <من الطويل>:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح لو يدعى إليه قريب
فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب
وإنك لا ترض بكر بن وايل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وبعد هذه الأبيات الثلثة البيتان المذكوران، وأبو المنهال هو عتبان ابن وصيلة المذكور، وقوله من ثقيف، يريد الحجاج بن يوسف الثقفى.
(١٠) قلت. . . مسوداتى: فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٦: «وذكر. . . المعروف بابن عساكر الدمشقى فى تاريخ دمشق. . .»
стр. 1667
وجهيزة بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاى. ذكر ذلك يعقوب بن السكيت فى كتاب إصلاح المنطق.
ذكر سنة تسع وسبعين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة عبد الملك بن مروان، وعبد العزيز بمصر، والحجاج بالعراق، ومسلم بن قتيبة بخراسان.
فيها خطب الحجاج أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبى طالب رضى الله عنهما. وكان لعبد الله بن جعفر جماعة من الولد لزينب بنت علىّ ولغيرها، فشق ذلك على عبد الله بن جعفر وأعظمه بنو هاشم ولم يستطع عبد الله أن يرد الحجاج وخافه على نفسه (١٥٠) فخلا بنفسه للفكرة فى ذلك فلم يتجه له رأى يرضاه، وبينا هو فى مجلس يفكر فى أمره، إذ دخل عليه ابنه معوية، وكان عبد الله لم يزل يتفرس فيه النجابة وهو إذ ذاك صغيرا. فقال: يا به، ما لى أراك مهموما؟ فقال: يا بنى حدث عظيم، هذا الحجاج بن يوسف يخطب أختك أم كلثوم. فقال: يا به أجبه إلى ما
(٢) يعقوب. . . المنطق: انظر إصلاح المنطق ٣٢٤
(١٠ - ٨،٢٢٧) خطب. . . أعلاها: ورد النص فى أنباء نجباء الأبناء ٨٩ - ٩٥ باختلاف بسيط
стр. 1668
سأل واستنظره ثم اسأل، فإن كان خطبته عن إذن عبد الملك، أمضيت النكاح واحتسبت المصيبة بها عند الله. فو الله إنّ فعل الحجاج لا يرضى عبد الملك، فلن يتعدا الحجاج طوره. فسر بذلك عبد الله بن جعفر سرورا شديدا. ثم أجاب الحجاج واستنظره إلى أن كان من أمره ما هو مشهور.
وها نحن نذكره لأمرين، أحدهما الرغبة فى إكمال الفا [يدة]، والثانى أنّا نجمع ها هنا ما لا يكاد يرى مجموعا من هذا الخبر.
روى أن عبد الله بن جعفر لما أنكح الحجاج بن يوسف ابنته أم كلثوم، بعث إليه الحجاج بمال عظيم. فقضى منه عبد الله دينا كان عليه، وتجهز للوفادة على عبد الملك بن مروان بدمشق وأ [عدّ] له طرفا من طرف الحجاز، وقدم بين يديه كتابا إلى أبى هاشم خ [الد] بن يزيد بن معوية بن أبى سفيان يقول فيه <من الطويل>:
ما أنس من الأشياء لا أنس نسوة ... هتفن بليل يآل عبد مناف
متى طمعت فينا قسىّ ابن ثعلب ... سقين من الضيم كأس ذعاف
فقلت: بناتى حسبكن فخالدا ... أبو هاشم جار لكنّ وكاف
(١٣) متى. . . ذعاف: فى أنباء نجباء الأبناء ٩١:
«متى طمعت فينا قسى تعلنا ... من الضيم بعد الضيم كاس ذعاف»
стр. 1669
تفسير ذلك
قوله: متى طمعت فينا قسىّ يعنى ثقيفا، فثقيف هو قسىّ لقب له.
(١٥١) وقوله: كأس ذعاف: هو السم القاتل بسرعة.
وكتب إليه فى آخر الكتاب ليدركك أبا هاشم حمية قرشية. فلما انتهى الكتاب إلى خالد بن يزيد، أمهل حتى ذهب جنح من الليل، قصد باب عبد الملك واستأذن عليه فقال له حاجبه: ليس هذا وقت استيذان لك فانصرف. ثم أغد على أمير المؤمنين. فقال خالد: إنى جيت فى أمر مهم ولتستأذننّ علىّ وإلا أخبرته أغدا بما كان منك. فاستأذن له فأمره بإدخاله.
فلما دخل عليه قال له: يا خالد، أى وقت هذا؟ فقال: يا مير المؤمنين، أمر فكرت فيه فبت به أرقا، ورأيت من حق بيعتك ووجوب النصيحة لك أن لا أوخره. قال: هات ما هو؟ قال خالد: بلغنى أن الحجاج تزوج إلى عبد الله بن جعفر بنته أم كلثوم. فغضب عبد الملك وقال: كان ماذا ولم لا يكون الحجاج كفؤا لها؟ فقال خالد: إنى لم أر هذا، لكنك تعلم أنه لم يكن بين أهل بيتين من بيوت قريش ما كان بيننا وبين آل الزبير. فلما
(٢) قسىّ. . . له: انظر وفيات الأعيان ٢/ ٢٩
(٤ - ٨،٢٢٥) فلما. . . أطاع: وردت هذه القصّة فى العقد الفريد ٦/ ١٢٢
стр. 1670
تزوجت إليهم انقلبت البغض حبا حتى ما أهل بيت أحب إلىّ منهم، وحملنى على ذلك على أن قلت ما بلّغت. وإنك أحللت الحجاج من سلطانك المحل الذى لا مزيد. فلا أمن إذا نكح إلى آل أبى طالب أن يميل إليهم فيسعى لهم فى الأمر. فقال عبد الملك: وصلتك رحم، يا با هاشم، فلقد قضيت الحق وأديت الأمانة ومحضت النصيحة.
ثم إنّ عبد الملك أحضر كاتبه، وأمره أن يكتب إلى الحجاج بأن يطلق له أم كلثوم قبل أن يضع الكتاب من يده. فلما انتهى الكتاب إلى الحجاج أطاع. وقدم عبد الله بن جعفر دمشق فنزل فى أخبيته بظاهرها، ولا علم له بما صنع (١٥٢) خالد، وعلم عبد الملك بمقدمه. فأمر ابنه الوليد بن عبد الملك أن يخرج إلى عبد الله بن جعفر فلا يكلمه كلمة حتى يأمر بإلقاء الخباء عليه. وبينما عبد الله جالس فى الخباء، فأمر الوليد فقلعوا أطناب الخباء فسقط عليه، فخرج من تحته، فإذا الوليد قايم فسلم عليه عبد الله فلم يرد عليه الوليد. ثم قال له: يا شيخ، عمدت إلى عقيلة من عقايل قريش من أهل بيت عبد مناف تنكحها رجلا من ثقيف. فقال له عبد الله:
يا با العباس، إن كان الناس لا يعلمون عذر عمك أفما تعلمه أنت؟ فقال له: وما هو عذرك؟ فقال له: إن الخلفاء لم تزل تصل رحمى وتعيننى على أمرى حتى كان أبوك، فجفانى حتى ركبنى من الدّين ما لا أرجوا له
(٨ - ١،٢٢٦) وقدم. . . لأنكحته: وردت هذه القصّة فى أعلام النساء ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣؛ العقد الفريد ٢/ ٧١ - ٧٢
стр. 1671
وفاء. وإن الحجاج أعطانى بابنتى ما لو أعطانيه فيها عبد لأنكحته. فعذره الوليد وأحسن السفارة بينه وبين أبيه، فأكرمه وفضله وقضى حوايجه.
قلت: ومما يتعلق بهذا الخبر الإبانة عن قول خالد لعبد الملك:
وحملنى ذلك أن قلت ما بلغك، إنما عنى قوله فى زوجته رملة حيث قال <من الطويل>:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
أحبّ بنى العوّام طرا لحبّها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وروى أن عبد الملك بن مروان قال لخالد يوما بمحضر من أهل الشام: أنت القايل، وأنشده الأبيات المذكورة ثم زاد فيها <من الطويل>:
فإن تسلمى أسلم وإن تتنصّرى ... تخطّ رجالا بين أعينهم صلبا
فقال خالد: لعن الله قايل هذا البيت يا أمير المؤمنين. فيقال أن عبد الملك هو الذى صنعه على لسان خالد ليغضّ منه وتسئ سمعته (١٥٣) لما كان يتخوفه من طلب الخلافة.
وروى أن عبد الله بن جعفر رضى الله عنه لما حضرته الوفاة، دعا ابنه
(٤) رملة: انظر أيضا أعلام النساء ١/ ٤٦١ - ٤٦٣؛ الأغانى ١٧/ ٣٤٠ حاشية ١
(٦ - ٧) تجول. . . كلبا: ورد البيتان أيضا فى أعلام النساء ١/ ٤٦٢ - ٤٦٣؛ الأغانى ١٧/ ٣٤٠؛ وفيات الأعيان ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥
(١١) فإن. . . صلبا: ورد البيت أيضا فى الأغانى ١٧/ ٣٤٠،٣٤٤
стр. 1672
معوية وهو حديث السن غلام فى أذنه شنف، وهو القرط من رواية. فنزع الشنف من أذنه. ثم أسند وصيته إليه دون ساير ولده. وقال له: يا بنى، لم أزل أرجوك لها منذ ولدت. فنهض معوية بوصية أبيه، وقضى دينه، وقسم تركته، ولم ينقم أحد من ورثة أبيه عليه أمرا.
قلت: هكذ، رأيت الرواية، أنه نزع من أذنه الشنف. وقال صاحب هذه الرواية وهو ابن ظفر أن الشنف عند العرب ما يجعل فى أعلا الأذن، والقرط ما يجعل فى شحمة الأذن. ومن رواية أخرى أن الشنف ما كان فى شحمة الأذن والقرط ما كان فى أعلاها، وقد قيل <من الطويل>:
أغار من القرطين خيفة حبّها ... ألم ترهم مثل قلبى يعذّب
وأنكر من تلك الغداير أنها ... متى أرسلت ضلّت مع الحجل تلعب
وما لاح فى الغرب الهلال وإنما ... هو البدر إجلالا لها يتنقب
والعادة أن الغلمان الذكران لا يكون فى أعلا آذانهم قرطا، وخص بذلك النساء. فالصحيح أن الذى فى شحمة الأذن يسمى شنفا، والذى فى أعلاها قرطا. وإذ قد ساق الكلام ذكر عبد الله بن جعفر رضى الله عنه فلنذكر شئ من مآثره ومبدأه رضى الله عنه.
(٦) ابن ظفر: انظر أنباء نجباء الأبناء ٩٥
(٩ - ١١) أغار. . . يتنقب: وردت الأبيات فى درر التيجان ٢١٠ ب:٨ - ١٠ (حوادث ٦٢٨)
стр. 1673
ذكر عبد الله بن جعفر ولمعا من خبره
روى أن أبا سفيان بن حرب دخل على أم حبيبة زوج النبى ﷺ فوجد عندها عبد الله بن جعفر رضى الله عنه، وهو إذ ذاك طفل، فقال لها: يا بنية، من هذا الغلام الذى يتضوّع (١٥٤) كرما، ويتألق شرفا، ويتميّع حيا. فقالت: من تظنه، يا به؟ فقال: أمّا الشمايل فهاشمية.
فقالت: نعم هو هاشمى، فمن تظنه من بنى هاشم؟ فتأمله فقال: إن لم يكن ولده جعفر فلست بسداد البطحاء. فقالت أم حبيبة: فهو والله بن جعفر. فقال أبو سفيان: أما إنه لم يمت من خلف هذا.
قوله: يتضوع كرما يفوح، يقال تضوّع الطيب إذا انتشرت رايحته.
وقوله: يتألق شرقا، أى يستبرق ويضئ والتألق الإضاءة واللمعان، وأصل التضوّع والتألق الحركة. وقوله: يتميّع حيا، أى يذوب، وكل ذايب مايع.
وقوله: سداد البطحاء، سداد الشئ ما ملأه فسده، والبطحاء هى بطحاء مكة، وهى أرض ذات رمل وحصبا مستوية، يقول: أنا أملأها فخرا أو كرما أو نحو ذلك.
وروى أن أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه قسم مالا فى أبناء
(١) عبد الله بن جعفر: انظر سير أعلام النبلاء ٣/ص ٤٥٦ - ٤٦٢
(٢ - ١٣،٢٢٩) روى. . . السخاء: ورد النص فى أنباء نجباء الأبناء ٨٢ - ٨٤
стр. 1674
المهاجرين والأنصار وبدأ بأهل البيت. فأراد أعرابى أن يدخل معهم إلى أبى بكر فمنع، وجاء عبد الله بن جعفر وهو صبى. فلما رآه الصديق بالباب قال: مرحبا بابن الطيار ادخل. وسمعهما الأعرابى فقبض على يد عبد الله بن جعفر وهو لا يعرفه. فأنشأ يقول <من الطويل>:
ألا هل أتى الطيار أنّى مجلأّ ... عن الورد والصدّيق يرا ويسمع
وما ضرّ أن لم يأته ذاك فابنه ... نهوض بعبء الجار ندب سميدع
فقال له ابن جعفر رضى الله عنه: كن بمكانك يا أخا العرب، ودخل فأعطاه الصديق رضى الله عنه ألف درهم، فخرج فأعطاها الأعرابى. قول الأعرابى فى شعره: مجلأّ أى مطرود. وقوله: نهوض بعبء الجار، العبء الثقيل الذى لا مزيد عليه لحامله. وقوله: ندب: هو الذى ينتدب (١٥٥) فى الأمور ويسارع إليها. وقوله سميدع: هو السيد الشريف.
ثم ترقت حال عبد الله رضى الله عنه فى السخاء إلى أن سمى معلّم الكرم. وعوتب فى السخاء. فقال: إن الله عوّدنى أن يفضل علىّ وعوّدتّ عباده أن أفضل عليهم، فأخاف أن أقطع العادة عنهم فيقطع العادة عنى. وقال عندما كبر وأنفذ ماله فى المسجد بعقب صلاة الجمعة: رب إنك عوّدتنى عادة وعوّدتّ عبادك عادة فإن قطعتها عنّى فلا تبقنى. فمات قبل عود يوم الجمعة الأخرى.
(١٤ - ١٨) فقال. . . الأخرى: انظر العقد الفريد ١/ ٢٢٥؛ مروج الذهب ٣/رقم ٢١٣٩
(١٦) رب: فى مروج الذهب ٣/رقم ٢١٣٩: «اللهم»
стр. 1675
ذكر ثمانين هجرية
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة عبد الملك بن مروان بحاله، وعبد العزيز أخوه بمصر بحاله، والحجاج بالعراقين، ومسلم بن قتيبة بخراسان من قبل الحجاج.
وصف لعبد الملك بن مروان جارية لرجل من الأنصار ذات جمال باهر وأدب وافر، فسامه ابتياعها فامتنع وامتنعت وقال: لا لى حاجة بمال فيها، وقالت: ولا لى رغبة فى مفارقة مولاى ولا حاجة لى فى الخليفة، والذى أنا فيه أحب إلىّ من الأرض ذهبا وإن تكون لى ملكا، فبلغ ذلك عبد الملك، فأغراه ذلك أن أضعف لسيدها فى الثمن، وأخذها قسرا.
فلم يعجب بشئ إعجابه بها، لما رزقت من الجمال والأدب. فأمرها بلزوم مجلسه والقيام على رأسه تذبّ عنه.
فبينا هو ذات يوم، ومعه ولداه الوليد وسليمان وقد أخلاهما للمذاكرة، فأقبل (١٥٦) عليهما وقال: أىّ بيت قالت العرب أمدح؟ فابتدر الوليد فقال: قول جرير فيك، يا أمير المؤمنين حيث يقول <من الوافر>:
(٣) خمسة: فى النجوم الزاهرة ١/ ٢٠٢: «ثمانية»
стр. 1676
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندا العالمين بطون راح
فقال سليمان: بل قول الأخطل حيث يقول <من البسيط>:
شمّ العداوة حتى تستقاد لهم ... وأكثر الناس أحلاما إذا قدروا
فقالت الجارية: بل بيت نرويه لحسان حيث يقول <من الكامل>:
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبلى
فأطرق عبد الملك ثم رفع رأسه فقال: أىّ بيت قالت العرب أغزل؟ فقال الوليد: قول جرير، يا أمير المؤمنين حيث يقول <من البسيط>:
إنّ العيون التى فى طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فقال سليمان: بل قول عمر بن أبى ربيعة المخزومى حيث يقول <من الخفيف>:
حبّذا رجعها إليها يديها ... فى يدى درعها تحلّ الإزارا
(١) ألستم. . . راح: ورد البيت فى الأغانى ٨/ ٦،٤١،٦٧،٣٠٥ ديوان جرير ١/ ٣٦
(٣) شمّ. . . قدروا: ورد البيت فى الأغانى ٨/ ٣٠١،٣٠٥،٣٠٧؛ شعر الأخطل ١٠٤ وأيضا شمّ: فى الأغانى ج ٨، شعر الأخطل ١٠٤: «شمس»
(٤) لحسان: يعنى لحسان بن ثابت
(٦) يغشون. . . المقبلى (المقبل): ورد البيت فى الأغانى ٢/ ١٩٦؛ ديوان حسان بن ثابت ١٨٠، انظر أيضا حاشية ١
(٩) إنّ. . . قتلانا: ورد البيت فى الأغانى ٨/ ٦،٣٩،٤٢؛ ديوان جرير ٤٩٢
(١٢) حبّذا. . . الإزارا: ورد البيت فى ديوان عمر بن أبى ربيعة ١٦٣
стр. 1677
فقالت الجارية: بل بيت نرويه لحسان بن ثابت حيث يقول <من الخفيف>:
لو يدبّ الحولىّ من ولد الذّ ... رّ عليها، لأندبتها منه الكلوم
فأطرق عبد الملك ثم رفع رأسه فقال: أىّ بيت قالت العرب أشجع؟ فقال الوليد: قول عنترة العبسى، يامير المؤمنين حيث يقول <من الكامل>:
إذ تتّقون بى الأسنّة لم أحم ... عنها ولكنى تضايق مقدم
فقال سليمان: بل قول عنترة العبسى أيضا حيث يقول <من الكامل>:
وأنا المنيّة فى المواطن كلّها ... والطّعن منّى سابق الآجال
فقالت الجارية: بل بيت نرويه ب؟؟؟ بن مالك حيث يقول <من الكامل>:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
(٣) لو. . . الكلوم: ورد البيت فى ديوان حسان بن ثابت /٢٢٥/منه الكلوم: فى ديوان حسان بن ثابت ٢٢٥: «الكلوم»
(٧) إذ. . . مقدم (مقدمى): ورد البيت فى العقد الثمين ص /٤٨/تتّقون: فى العقد الثمين ص ٤٨: «يتّقون»
(١٠) وأنا. . . الآجال: ورد البيت فى ديوان عنترة بن شداد /٧٧/فى. . . كلّها: فى ديوان عنترة بن شداد ٧٧: «حين تشتجر القنا»
(١٣) نصل. . . تلحق: ورد البيت فى الأغانى ١٦/ ٢٣٤
стр. 1678
(١٥٧) فأطرق عبد الملك ثم رفع رأسه فقال: أى بيت قالت العرب أهجا؟ فقال الوليد: قول الأعشى، يا أمير المؤمنين حيث يقول <من الطويل>:
تبيتون فى المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمايصا
فقال سليمان: بل قول الفرزدق حيث يقول <من الوافر>:
وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بذلّة وتركت عارا
فقالت الجارية: بل بيت نرويه لحسان حيث يقول <من البسيط>:
قوم إذا نبّح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولى على النار
قال: فأراد عبد الملك إفحام الجارية وكسرها فقال: يا جارية أىّ بيت قالت العرب أصدق؟ فقالت: قول لبيد بن ربيعة، يامير المؤمنين حيث يقول <من الطويل>:
ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زايل
فقال: يا جارية، هل تروين بيتا ليس لطاعن فيه مطعن؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، أرويه ولا أروى قايله وهو <من الطويل>:
(٤) تبيتون. . . خمايصا: ورد البيت فى الأغانى ٩/ ١٢١؛ ديوان الأعشى ١٠٠
(٦) وكنت. . . عارا: ورد البيت فى الأغانى ١٦/ ١٦٨
(٧) لحسان: يروى للأخطل، انظر شعر الأخطل ٢٢٥، انظر أيضا الأغانى ٨/ ٣١٨
(٩) نبّح: فى الأغانى ٨/ ٣١٨؛ شعر الأخطل ٢٢٥: «استنبح»
(١٣) ألا. . . زايل: ورد البيت فى الأغانى ١٥/ ٣٧٥؛ ديوان لبيد ص ١٣٢
стр. 1679
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمد
فقال عبد الملك: أحسنت والله يا جارية، وما أرى شيا أبلغ فى الإحسان إليك من رجوعك إلى أهلك مكرمة. فأجمل صلتها وأنعم على مولاها بثمنها وأعادها مكرمة.
ذكر سنة إحدى وثمانين
الخليفة عبد الملك بن مروان، وعبد العزيز بمصر، والحجاج بالعراق.
والنيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع وثلثة عشر ذراعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
الحوادث
[وفى هذه السنة توفى القاضى شريح ﵀، وعمره ماية وعشرون سنة].
(١٥٨) ما لخص من الحوادث
الخليفة عبد الملك بن مروان بحاله، وعبد العزيز بمصر، والقاضى
(٩) ستة: فى درر التيجان ٧٨ آ:١١: «ثمانية»؛ فى النجوم الزاهرة ١/ ٢٠٣: «سبعة»
(١٠) ثمانية عشر: فى النجوم الزاهرة ١/ ٢٠٣: «ثمانية»
стр. 1680
بها عبد الرحمن على حاله، والحجاج بالعراقين، ومسلم بن قتيبة بخراسان.
روى صاحب كتاب الأغانى عن إسحق عن أبى عبد الله قال: كان عبد الملك بن مروان أشد الناس حبا لعاتكة بنت يزيد بن معوية زوجته. وأمّها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وعاتكة هى أم يزيد من عبد الملك، فغضبت مرة على عبد الملك، وكان بينهما باب فحجبته وأغلقته. فشقّ غضبها على عبد الملك، وشكاه إلى رجل من خاصّته يقال له عمر بن بلال الأسدى. فقال له: ما لى عندك إن رضيت؟ قال: حكمك. فأتى عمر بابها، فجعل يتباكا، فأرسل إليها بالسلام. فخرجت إليه حاضّنتها ومواليها وجوا [ريها] فقلن: ما لك، أبا حفص؟ قال: فزعت إلى عاتكة ورجوتها فقد علمت مكانى من أمير المؤمنين معوية وأمير المؤمنين يزيد رحمهما الله. قلن له: وما لك؟ قال: ابناى لم يكن لى غيرهما، عدى أحدهما على الآخر فقتله، فقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به، فقلت: أنا الولىّ وقد عفوت. قال:
لا أعوّد الناس هذه العادة. فرجوت أن ينجى الله ابنى هذا على يديها. فدخلن عليها فذكرن ذلك إليها. فقالت: كيف أصنع مع غضبى عليه وما أظهرت له؟ قلن: إذا والله يقتل ولده. فلم يزلن بها حتى دعت بثيابها. فأجمرتها. ثم خرجت نحو الباب، وأقبل خديج الخادم
(٢ - ٨،٢٣٧) صاحب. . . سنيّة: ورد النص فى الأغانى ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٥
(١٧ - ١،٢٣٦) خديج. . . الخصىّ: فى الأغانى ٢/ ٣٨٤: «حديج الخصىّ»
стр. 1681
الخصىّ فقال: هذه، يا أمير المؤمنين، عاتكة قد أقبلت. قال ويحك! ما تقول؟ قال: والله ها هى طلعت! فأقبلت وسلّمت فلم يرد ﵍، فقالت: أما والله لولا بن بلال ما جيت، الله الله يامير المؤمنين تعدّى ابنيه الواحد (١٥٩) قتل الآخر فأردت قتل الآخر، وهو الولىّ. وقد عفا، فاعف عنه عفا الله عنك. قال: إنى أكره أن أعوّد الناس هذه العادة. فقالت: أنشدك الله يامير المؤمنين، فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معوية ومن أمير المؤمنين يزيد، وهو ببابى. فلم تزل به حتى أخذت رجله فقبّلتها. فقال: هو لك، ولم يبرحا حتى اصطلحا.
ثم راح عمر بن بلال إلى عبد الملك فقال: يامير المؤمنين، كيف رأيت؟ قال: رينا أثرك فحمد. . .، فهات حاجتك. قال: مزرعة بعيرتها وما فيها، وألف دينار وفرايض لول [دى] القاتل. قال: فضحك عبد الملك وأمر له بذلك. ثم اندفع يتمثل شعرا <من الطويل>:
وإنّى لأرعى قومها من جلالها ... وإن أظهروا غثا نصحت لهم جهدى
(١٠) بعيرتها: فى الأغانى ٢/ ٣٨٤: «بعدّتها»
(١٢) شعرا: البيت لكثيّر، انظر الأغانى ٢/ ٣٨٥
стр. 1682
ولو حاربوا قومى لكنت لقومها ... صديقا ولم أحمل على قومها حقدى
وغنى بهذين البيتين بحضرة يزيد بن عبد الملك، غنا بهما الغريض، فأشير إلى الغريض أن اسكت، وفطن يزيد. فقال: دعوا با يزيد حتى يغنّينا بما يريد. فأعاد عليه الصوت مرارا. ثم قال: زدنى مما عندك.
فغنّاه بشعر عمر بن شأس الأسدى <من الطويل>:
فواندمى على الشباب وواندم ... ندمت وبأن اليوم منّى بغير ذمّ
أرادت عزازا بالهوان ومن يرد ... عزازا لعمرى بالهوان فقد ظلم
قال: فطرب يزيد وأمر له بجايزة سنيّة.
ذكر سنة اثنين وثمانين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخص من الحوادث
(١٦٠) الخليفة عبد الملك بن مروان بحاله، وعبد العزيز أخوه بمصر بحاله، والحجاج بالعراقين.
(٥) عمر (عمرو). . . الأسدى: انظر الأغانى ٢/ ٣٨٢ حاشية ٤
(٧) عزازا (عرارا) بالهوان: انظر الأغانى ٢/ ٣٨٢ حاشية ٥
стр. 1683
فيها خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندى.
ودعا لنفسه فى شعبان من هذه السنة. فقال: أنا القحطانى. وبايع الناس.
وكانت له مع الحجاج حروب ووقايع تشيب الأطفال فى المهود. وانحصر لذلك عبد الملك انحصارا شديدا. وبذل الأموال الجمة وجهز الجيوش، واستمر عبد الرحمن يدعى أمير المؤمنين سنة اثنين إلى آخر سنة ثلاث كما يأتى ذكره فى سنة ثلاث وثمانين إنشاء الله تعالى.
ذكر سنة ثلث وثمانين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم سبعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة عبد الملك بن مروان بحاله، وعبد العزيز بمصر. فيها توفى القاضى عبد الرحمن. فولى عبد العزيز مالك بن شراحيل الخولانىّ القضاء بمصر، وهو صاحب المسجد المعروف بمسجد الخولانى بمصر.
وكان تولى قبل عبد الله بن الزبير مع الحجاج، وكان الحجاج يرسل إليه كل سنة ثلثة آلاف دينار وحلة.
ولم يزل الحجاج طول هذه السنة فى أشد الأمر مع عبد الرحمن بن
стр. 1684
الأشعث، إلى أن تكاثرت عليه الجيوش من قبل عبد الملك. فهزموا جموع عبد الرحمن فلما رأى عبد الرحمن انهزام جموعه وأنه موخوذ اتكى على سيفه. فقتل نفسه فإنه لشدة بأسه وشجاعته لم يجسر أحدا على قتله حتى قتل نفسه، وكان ذلك فى شهر ذى القعدة من هذه السنة ووجد فى معمعة الحرب طريحا وسيفه مصلبا فيه.
(١٦١) وبعث الحجاج برأس عبد الرحمن بن الأشعث إلى عبد الملك مع عزاز بن عمرو بن شأس. فلما ورد به وأوصل الكتاب، جعل عبد الملك يقرؤه، فكلما شكّ فى شئ سأل عزاز عنه فأخبره به، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، فقال متمثلا <من الطويل>:
وإنّ عزازا إن يكن غير واضح ... فإنّى أحبّ الجون ذا المنكب العمم
وهذا البيت تتمة البيتان المقدم ذكرهما، فلما تمثل عبد الملك بهذا البيت ضحك عزازا من قوله ضحكا غاظ عبد الملك فقال له: ممّ [ضحكت] ويلك! قال: أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين الذى قيل فيه هذا
(٤) فى. . . السنة: فى تاريخ الطبرى ٢/ ١١٣٢ (حوادث ٨٥): «ففيها كان هلاك عبد الرحمان بن محمّد بن الأشعث»، قارن فيتشا فالييرى، مقالة «ابن الأشعث» ٧١٧
(٦ - ٢،٢٤٠) وبعث. . . سرّحه: ورد النص فى الأغانى ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥
(١٠) المنكب العمم: انظر الأغانى ٢/ ٣٨٤ حاشية ٤
(١١) ذكرهما: انظر هنا ص ٢٣٧ سطرين ٦ - ٧
стр. 1685
الشعر؟ قال: لا. قال: فأنا والله هو. فضحك عبد الملك حتى بانت سنه سوداء كان يخفيها وقال: حظّ وافق كلمة وأحسن جايزته وسرّحه.
ذكر سنة أربع وثمانين
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستة أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة عبد الملك بن مروان، وعبد العزيز بمصر، والحجاج بالعراقين.
وفيها جدد البيعة عبد الملك لولده الوليد وخلع عبد العزيز [ولى] العهد، وأشاع ذلك بعد أن كان خفية. وبلغ عبد العزيز، فقطع اسم أخ [يه] عبد الملك من الخطبة بمصر وأعمالها، وكان ذلك فى آخر هذه السنة، ولم يعش عبد العزيز بعد ذلك إلا سنة وأربعة أشهر، وتوفى ليلة الاثنين لستة عشرة ليلة خلت من جمادى الأول سنة ست وثمانين، وعاش
(١٠ - ١٣) وفيها. . . السنة: انظر كتاب الولاة ٥٤؛ فى تاريخ الطبرى ٢/ ١١٧٠ (حوادث ٨٥):
«وفى هذه السنة بايع عبد الملك لابنيه الوليد ثم من بعده لسليمان. . .»، انظر أيضا الكامل ٤/ ٥١٣ - ٥١٥
(١٣ - ١٤) ليلة. . . ثمانين: التاريخ المعطى هنا لا يتوافق مع لوائح فيستنفلد-مالير؛ فى كتاب الولاة ٥٥: «توفى ليلة الاثنين لثلاث عشر ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين»، قارن حكام مصر لفيستنفلد ٣٦ حاشية ١
следующие страницы →