← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فشدّت [عينىّ]. ثم أخرجتنى حتى انتهيت إلى مضربى، وانصرفت وتركتنى، [فحللت عين] ىّ وقد داخلنى من الكاابة والحزن ما الله أعلم به، وبتّ ليل [تى، فلما] أصبحت إذا أنا بالمرأة، فقالت: هل لك فى العود؟ فقلت: شأنك. ففعلت بى كفعلها بالأمس، حتى انتهيت إلى الموضع، فإذا أنا بتلك الفتاة على كرسى. فقالت: إيه يا فضّاح الحراير! قلت: بماذا يا بنتاه؟ جعلنى الله فداءك! قالت: بقولك <من الطويل>: وناهدة الثّديين قلت لها اتّكى ... على الرمل فى ديمومة لم توسّد فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد فلمّا دنا الإصباح قالت: فضحتنى ... فقم غير مطرود وإن شيت فازدد قم فاخرج عنّى. فقمت لأخرج، ثم رددت فقالت: لولا وشك الرّحيل، وخوف الفوت، ومحبّتى لمناجاتك والاستكثار من محادثك لأقصيتك. هات الآن كلّمنى وحدّثنى وأنشدنى. قال عمر: فكلّمت اادب الناس وأعلمهم بكل شئ. ثم نهظت عن مجلسها وأبطأت العجوز وخلا (٥) إيه: انظر الأغانى ١/ ١٩٢ حاشية ١ (٧) فى. . . توسّد: فى الأغانى ١/ ١٩٢ حاشية ٢: «. . . من ديمومة لم تمهد» (١٠) قم: فى الأغانى ١/ ١٩٢: «ثم قالت: قم. . .»

стр. 1752

لى البيت. وأخذت أنظر. فإذا أنا بثور فيه خلوق، فأدخلت يدى فيه. ثم خبأتها فى ردنى حتى إذا صرت على باب المضرب، أخرجت يدى فضربت بها على باب المضرب. ثم صرت إلى مضربى. فدعوت غلمانى فقلت: أيّكم يقفنى على باب مضرب عليه كفّ خلوق فهو حرّ، وله خمس ما [ية درهم]. فما لبثت أن جاء بعضهم فقال: قم. فنهضت معه، فإذا أنا بالكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، (٢٠٤) وقد أزمعت الرحيل. فلما نفرت نفر معها. فبصرت فى طريقها بقباب ومضرب وهية جميلة. فسألت عن ذاك، فقيل لها: هذا عمر بن أبى ربيعة. فساءها ذلك وقالت العجوز التى كانت أرسلتها إليه: قولى له نشدتك الله والرّحم أن تصحبنى، ويحك! ما شأنك وما الذى تريد؟ انصرف ولا تفضحنى وتشيط دمك. فصارت العجوز إليه وأدّت ما قالت. فقال: لست بمنصرف أو توجّه إلىّ بقميصها الذى يلى جلدها. فأخبرتها ففعلت، ووجّهت بقميص من ثيابها. فزاده شغفا، ولم يزل يتبعهم ولا يخالطهم، حتى إذا صاروا على أميال من دمشق، انصرف وقال <من الكامل>: ضاق الغداة بحاجتى صدرى ... وأيست بعد تقارب الأمر (١) خلوق: انظر الأغانى ١/ ١٩٣ حاشية ٢ (٧) نفر: فى الأغانى ١/ ١٩٣: «نفرت» (١١) تشيط دمك: انظر الأغانى ١/ ١٩٣ حاشيتين ٧ - ٨

стр. 1753

وذكرت فاطمة التى علّقتها ... عرضا فيا لحوادث الدهر ممكورة ردع العبير بها ... جمّ العظام لطيفة الخصر وكأنّ فاها بعد ما رقدت ... تجرى عليه سلافة الخمر منها <من الكامل>: لما رأيت مطيّها حرقا ... خفق الفؤاد وكنت ذا صبر وتبادرت عيناى بعدهم ... وانهلّ مدمعها على الصّدر ولقد عصيت ذوى أقاربها ... طرّا وأهل الودّ والصّهر حتى لقد قالوا وما كذبوا ... أجننت أم بك داخل السّحر وعن أبى معاذ القرشىّ قال: لما قدمت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مكة جعل عمر بن أبى ربيعة يدور حولها ويقول فيها الشعر ولا يذكرها باسمها فرقا من عبد الملك ومن الحجاج، لأنه كان كتب إليه يتوعّده إن ذكرها أو عرّض باسمها. فلما قضت (٢٠٥) حجّتها وارتحلت، أنشأ يقول من قصيدة <من الخفيف>: كدت يوم الرّحيل أقضى حياتى ... ليتنى متّ قبل يوم الرّحيل لا أطيق الكلام من شدّة الخو ... ف ودمعى يسيل كلّ مسيل منها <من الخفيف>: (١) فيا لحوادث: انظر الأغانى ١/ ١٩٤ حاشية ٤ (٢) ممكورة. . . العبير: انظر الأغانى ١/ ١٩٤ حاشيتين ٥ - /٦/جمّ العظام: انظر الأغانى ١/ ١٩٤ حاشية ٧ (٦) تبادرت عيناى: انظر الأغانى ١/ ١٩٥ حاشية /٦/مدمعها: فى الأغانى ١/ ١٩٥: «دمعهما» (٧) ذوى أقاربها: انظر الأغانى ١/ ١٩٥ حاشية ٧

стр. 1754

لو خلت خلّتى أصبت نوالا ... وحديثا يشفى من التّنويل ولقد قالت الحبيبة لولا ... كثرة الناس جدت بالتقبيل وعن محمد بن حبيب أن عمر بن أبى ربيعة قال فى فاطمة بنت عبد الملك بن مروان <من المديد> يا خليلى شفّنى الذّكر ... وحمول الحىّ إذ صدروا ضربوا حمر القباب لها ... وأديرت حولها الحجر سلكوا شعب النّقاب بها ... زمرا تحتثّها زمر وطرقت الحىّ مكتتما ... ومعى عضب به أثر وأخ لم أخش نبوته ... بنواحى أمرهم خبر فإذا ريم على فرش ... فى حجال الخزّ تختدر حوله الأحراس ترقبه ... نوّم من طول ما سهروا شبه القتلى وما قتلوا ... ذاك إلاّ أنهم سمروا فدعت بالويل، ثم دعت ... حرّة من شأنها الخفر ثم قالت للتى معها ... ويح نفسى قد أتى عمر [ما له قد جاء يطرقنا ... ويرى الأعداء قد حضروا لشقايى كان علّقنا ... ولحينى ساقه القدر قلت عرضى دون عرضكم ... ولمن ناواكم الحجر] (٧) النّقاب: انظر الأغانى ١/ ١٩٧ حاشية ١ (٨) عضب: انظر الأغانى ١/ ١٩٧ حاشية /٤/أثر: انظر الأغانى ١/ ١٩٧ حاشية ٥ (١٠) تختدر: فى الأغانى ١/ ١٩٧: «مختدر» (١٧) عرضكم: انظر الأغانى ١/ ١٩٨ حاشية ١

стр. 1755

وعن عبد الملك بن عبد العزيز قال: بيننا عمر بن أبى ربيعة يطوف بالبيت، إذ رأى عايشة بنت طلحة بن عبيد الله المقدّم ذكرها. . . مصعب ابن الزبير. . . ترطنا أن نذكر من حديثها لمعا ها هنا. وقد تقدم الكلام أنها كانت من أجمل النساء. فرآها عمر، وهى تريد الرّكن تستلمه. فبهت لما نظرها، ورأته وعلمت أنها وقعت فى نفسه. (٢٠٦) فبعتث إليه بجارية لها تقول له: اتّق الله ولا تقل هجرا، فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت. وقال للجارية: أقريها السلام وقولى لها: ابن عمك لا يقول إلا حسنا، وقال <من الوافر>: لعايشة ابنة التّيمىّ عندى ... حمّى فى القلب، ما يرعى حماها تذكرنى ابنة التّيمى ظبى ... يرود بروضة سهل رباها وهى طويلة جدا، وقال فيها أشعار كثيرة. فبلغ ذلك فتيان بنى تيم، أبلغهم فتى منهم وقال لهم: يا بنى تيم بن مرّة، ها الله ليقذفنّ بنو مخزوم بناتنا بالعظايم وتغفلون! فمشى ولد أبى بكر وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبى ربيعة. فعنّفوه فى ذلك فقال لهم: والله لا عدت أذكرها فى شعر أبدا. ثم قال بعد ذلك فيها-وكنى عن اسمها-فى قصيدته التى أولها <من البسيط>: يا أمّ طلحة إنّ البين قد أفدا ... قلّ الثّواء لين كان الرّحيل غدا (١٧) أفدا: انظر الأغانى ١/ ٢٠٠ حاشية ٥

стр. 1756

أمسى العراقىّ لا يدرى إذا برزت ... من ذا تطوّف بالأركان أو سجدا قال: ولم يزل عمر ينسب بها أيام الحج ويطوف حولها ويتعرّض لها، وهى تكره أن يرى وجهها حتى وافقها يوما ترمى بالجمار سافرة، فنظر إليها فقالت: أم والله لقد كنت كارهة منك يا فاسق! فقال <من الكامل>: إنّى وأوّل ما كلفت بذكرها ... عجبا وهل فى الدّهر من متعجّب نعت النساء فقلن لست بمبصر ... شبها لها أبدا ولا بمقرّب فمكثن حينا ثم قلن: توجّهت ... للحجّ، موعدها لقاء الأخشب أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لى ... والقلب بين مصدّق ومكذّب (٢٠٧) فلقيتها تمشى تهادى موهنا ... ترمى الجمار عشيّة فى موكب غرّاء يعشى الناظرين بياضها ... حوراء فى غلواء عيش معجب إنّ التى من أرضها وسمايها ... جلبت لحينك ليتها لم تجلب قال: ولم تزل عايشة ترفق به وتداريه خوفا أن يتعرّض لها حتى قضت حجّها وانصرفت إلى المدينة. فقال <من الرمل>: إنّ من تهوى مع الفجر ظعن ... للهوى والقلب متباع الوطن منها <من الرمل>: نظرت عينى إليها نظرة ... تركت قلبى لديها مرتهن (٧) فقلن: فى الأغانى ١/ ٢٠١: «فقلت» (٨) الأخشب: انظر الأغانى ١/ ٢٠١ حاشية ٣ (١١) غلواء عيش: انظر الأغانى ١/ ٢٠١ حاشية ٥

стр. 1757

ليس حبّ فوق ما أحببتها ... غير أن أقتل نفسى أو أجنّ ذكر سنة خمس وتسعين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الوليد بن عبد الملك، وقرّة بن شريك بحاله. وفيها توفى الحجاج فى تاريخ ما تقدم، وفيها ولد مالك بن أنس رضى الله عنه. تتمة أخبار بن أبى ربيعة عن أيّوب بن مسلمة أن عمر كان مسهبا بالثّريّا بنت علىّ بن عبد الله بن الحرث بن أمية الأصغر. وكانت من الجمال الفايق بمكان لا يدرك غايته. وكانت تصيف بالطايف، وكان عمر يغد كلّ غداة إذا كانت بالطايف على فرسه، فيسل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطايف عن الأخبار قبلهم. فلقى يوما بعضهم، فسألهم عن (٨) فيها. . . أنس: تعطى تواريخ مختلفة لمولده، انظر مقالة «مالك بن أنس» لشاخت ٢٦٣ (٩ - ١٤،٣٢٠) عن. . . أربعين: ورد النص فى الأغانى ١/ ٧٦ - ٧٧،٢١١ - ٢١٤ (٩) مسهبا: انظر الأغانى ١/ ٢١٢ حاشية ١

стр. 1758

أخبارهم. فقالوا: ما استطرفنا خبرا. فقال أحدهم: غير أنى سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا (٢٠٨) عاليا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم فى السماء وقد سقط [علىّ] اسمه. فقال عمر: الثريا؟ قال: نعم. وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة. فكاد يسقط عن فرسه ووجّه فرسه على وجهه إلى الطايف يركضه ملء فروجه، وسلك طريق من أخشن الطّرق لقربها حتى انتها إلى الثريا، وقد توقّعته، وهى تشرف له و [تتشوّف]. فوجدها سليمة عميمة، ومعها أختاها رضيّا وأمّ عثمان. فأخبرها الخبر فضحكت وقالت: أنا والله أمرتهم لأختبر مالى عندك. فقال عمر فى ذلك <من الطويل>: تشكّى الكميت الجرى لمّا جهدته ... وبيّن لو يسطيع أن يتكلّما فقلت له إن ألق للعين قرّة ... فهان علينا أن تكلّ وتسأما لذلك أدنى دون خيلى رباطه ... وأوصى به ألاّ يهان ويكرما عدمت إذا وفرى وفارقت مهجتى ... لين لم أقل قرنا إن الله سلّما قال مسلمة: قلت لأيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر؟ (٥) يركضه. . . فروجه: انظر الأغانى ١/ ٢١٢ حاشية ٧ (٧) عميمة: انظر الأغانى ١/ ٢١٢ حاشية /١٠/رضيّا: انظر الأغانى ١/ ٢١٢ حاشية ١١ (١٠ - ١٣) تشكّى. . . سلّما: وردت الأبيات فى ديوان عمر بن أبى ربيعة ٣٤١ (١٣) قرنا: انظر الأغانى ١/ ٢١٣ حاشية ٢ (١٤) قال مسلمة: فى الأغانى ١/ ٢١٣: «قال مسلمة بن إبراهيم»

стр. 1759

قال: وفوق الصفة، كانت والله كما قال عبد الله بن قيس فيها <من الخفيف>: حبّذا الحجّ والثّريّا ومن بال ... خيف من أجلها وملقى الرّحال يا سليمن إن تلاق الثريّا ... تلق عيش الخلود قبل الهلال درّة من عقايل البحر بكر ... لم يشنها مثاقب اللّأل تعقد الميزر السّواد من الخ ... زّ على حقو بادن مكسال وعن بلال مولى ابن أبى عتيق بن الحارث بن عبد الله بن عيّاش، قدم من الحج. فأتاه ابن أبى عتيق فسلّم عليه وقال: كيف تركت أبا الخطّاب عمر بن أبى ربيعة؟ فقال: تركته فى بلهنة من العيش، قال: و[أنّى ذلك؟]. (٢٠٩) قال: حجّت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعيّة. فقال فيها <من الخفيف>: (٣ - ٦) حبّذا. . . مكسال: وردت الأبيات فى ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات ص ٢٠٦ - ٢٠٧ (٤) يا. . . الهلال: انظر الأغانى ١/ ٢١٣ حاشية ٣ (٥) اللّأل: انظر الأغانى ١/ ٢١٣ حاشية ٦ (٦) السّواد: فى الأغانى ١/ ٢١٤: «السّخام»، انظر هناك حاشية ١ (٩) بلهنة (بلهنية): انظر الأغانى ١/ ٢١٤ حاشية ٦

стр. 1760

أصبح القلب فى الحبال رهينا ... مقصدا حين فارق الظّاعنينا قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا نحن من سكان العراق وكنّا ... قبله قاطنين مكة حينا قد صدقناك إذ سألت فمن أن ... ت عسى أن يجرّ شأن شؤونا وترى أننا عرفناك بالنّع ... ت بظنّ وما قتلنا يقينا بسواد الثّنيّتين ونعت ... قد نراه لناظر مستبينا قال: فبلغ ذلك الثريا، بلّغتها إياه أم نوفل، وكانت غضبا عليه، وقد كان انستر خبره عن الثريا حتى بلغها من جهة أم نوفل، وأنشدتها قوله <من الخفيف>: أصبح القلب فى الحبال رهينا ... مقصدا يوم فارق الظاعنينا فقالت الثريا: إنه لوقاح صنع بلسانه. ولين سلمت [له] لأردّنّ من شأوه ولأثنينّ من عنانه ولأعرّفنّه نفسه. فلما بلغت إلى قوله <من الخفيف>: قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا قالت إنه لسأل متيح ولقد أجابته إن وفت. فلما بلغت إلى قوله <من الخفيف>: (١ - ٦) أصبح. . . مستبينا: وردت الأبيات فى عمر بن أبى ربيعة ٤٢٥ - ٤٢٦ (٢) أمبدّ: انظر الأغانى ١/ ٢١٥ حاشية ١ (٥) ترى: فى الأغانى ١/ ٢١٥: «نرى» (٨) انستر: فى الأغانى ١/ ٢١٥: «انتشر» (١١) صنع: انظر الأغانى ١/ ٢١٦ حاشية ٢ (١٢) شأوه: انظر الأغانى ١/ ٢١٦ حاشية ٣ (١٥) متيح: انظر الأغانى ١/ ٢١٦ حاشية ٤

стр. 1761

نحن من ساكنى العراق وكنّا ... قبله قاطنين مكة حينا قالت: غمزته الجهمة ورب الكعبة. فلما بلغت إلى قوله <من الخفيف>: قد صدقناك إذ سألت فمن أن ... ت عسى أن يجرّ شأن شؤونا قالت: رمته الورهاء بآخر ما عندها فى مقام واحد. وهجرته الثريا. فلما هجرته قال فى ذلك <من الخفيف>: من رسولى إلى الثّريّا بأنّى ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب (٢١٠) فبلغ ابن أبى عتيق قوله، فمضى حتى أصلح بينهما فى خبر طويل، هذا ملخصه. قال مصعب بن عبد الله فى خبره: وكانت رملة هذه جهمة الوجه، عظيمة الأنف، حسنة الجسم والأطراف، وتزوّجها عمر بن عبيد الله بن معمر، وتزوج عايشة بنت طلحة وجمع بينهما. فقال يوما لعايشة: فعلت فى محاربتى الخوارج مع أبى فديك كذا، وصنعت كذا ويذكر شجاعته وإقدامه وأكثر من ذلك. فقالت له عايشة: أنا أعلم لك يوما هو أعظم من جميع ما ذكرت، وعرفت فيه أنك أشجع الناس. قال: وما هو؟ قالت: يوم اجتليت رملة فأقدمت على وجهها وأنفها.

стр. 1762

وعن إسحق قال: لما بلغ الثريا قول عمر فى رملة <من الخفيف>: وجلا بردها وقد حسرته ... نور بدر يضئ للناظرينا قالت: أفّ له ما أكذبه! لن ترتفع حسناء بصفته بعد رملة! وعن سعيد مولى قايد قال: تزوج سهيل بن عبد العزيز بن مروان الثريا. فقال عمر بن أبى ربيعة فى ذلك <من الخفيف>: أيّها المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى وعن أبى صالح السّعدىّ قال: لما تزوج ابن عبد العزيز الثريا ونقلها وأزمع الرحيل، بلغ عمر الخبر فأتى المنزل الذى كانت به الثريا، فوجدها قد رحلت يوميذ. فخرج من أثرها فلحقها على مرحلتين. وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه. فلما أدركهم نزل على فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكّرا حتى مرّ بالخيمة فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته فقالت لحاضنتها: (٢١١) كلّميه. فسلّمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه. فاعتذر وبكى، وبكت الثريا وقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل. فحادثها إلى وقت طلوع الفجر. ثم ودّعها وبكيا بكاء طويلا. وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم، وهم يرحلون. ثم أتبعهم بصره حتى غابوا، وأنشأ يقول <من البسيط>:

стр. 1763

يا صاحبىّ قفا نستخبر الطللا ... عن حال من حلّه بالأمس ما فعلا فقال لى الرّبع لما أن وقفت به ... إنّ الخليط أجدّ البين فاحتملا صدّت بعادا وقالت للتى معها ... بالله لوميه فى بعض الذى فعلا وحدّثيه بما حدّثت واستمعى ... ماذا يقول ولا تعيى به خللا فإنّ عهدى به والله يحفظه ... وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا قلت اسمعى فلقد أبلغت فى لطف ... وليس يخفى على ذى اللبّ من هزلا ما سمّى القلب إلاّ من تقلّبه ... ولا الفؤاد فؤادا غير أن عقلا ما إن أطعت بها بالغيب قد علمت ... مقالة الكاشح الواشى إذ محلا وهذه من قصايده الطنّانات، وهى طويلة وهذا حدا الاختصار. وعن عكرمة بن خالد المخزومى قال: كان عمر بن أبى ربيعة قد ألحّ على الثريا بالهوى، فشقّ ذلك على أهلها. ثم [إنّ] مسعدة بن عمرو أخرج عمر إلى اليمن فى أمر علق به عليه، وزوّجت الثريا، وهو غايب. فبلغه تزويجها وخروجها إلى مصر. فقال تلك القصيدة التى أولها أو منها <من الخفيف>: (٢) فاحتملا: انظر الأغانى ١/ ٢٤٤ حاشية ٧ (٤) خللا: فى الأغانى ١/ ٢٤٥: «جدلا» (٦) لطف: انظر الأغانى ١/ ٢٤٥ حاشية ٦ (٧) ولا. . . عقلا: انظر الأغانى ١/ ٢٤٥ حاشية ٦ (٨) محلا: انظر الأغانى ١/ ٢٤٦ حاشية ٤ (١٠) عكرمة: فى الأغانى ١/ ٢٣٥: «هشام بن سليمان بن عكرمة. . .»

стр. 1764

أيها المنكح الثريّا سهيلا ثم حمله الشوق على أن صار إلى المدينة وكتب إليها <من مجزوء الوافر>: كتبت إليك من بلدى ... كتاب مولّه كمد (٢١٢) كييب واكف العيني ... ن بالحسرات منفرد يؤرّقه لهيب الشو ... ق بين السّحر والكبد فيمسك قلبه بيد ... ويمسح عينه بيد وكتبه فى قوهيّة وشنفه وحسّنه وطيبه وبعث به إليها إلى مصر. فلما قرأته بكت بكاء شديدا وتمثّلت <من الطويل>: بنفسى من لا يستقلّ بنفسه ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضايع وكتبت جوابه <من الطويل>: أتانى كتاب لم ير الناس مثله ... أمدّ بكافور ومسك وعنبر وقرطاسه قوهيّة ورباطه ... بعقد من الياقوت صاف وجوهر وفى صدره منّى إليك تحيّة ... لقد طال تهيامى بكم وتذكر وعنوانه من مستهام فؤاده ... إلى هايم صبّ من الحزن مسعر وعن ثعلبة بن عبد الله بن صغير أن عمر بن أبى ربيعة نظر فى (٨) قوهيّة: انظر الأغانى ١/ ٢٣٦ حاشية /١/شنفه: انظر الأغانى ١/ ٢٣٦ حاشية ٢ (١٢) أمدّ: انظر الأغانى ١/ ٢٣٦ حاشية ٤ (١٦) صغير (صعير): انظر الأغانى ١/ ٢٤٧ حاشية ١

стр. 1765

الطواف إلى امرأة شريفة فرأى أحسن خلق الله صورة. فذهب عقله عليها، وكلّمها فلم تجيبه فقال فيها قصيدة هذا أوّلها <من البسيط>: الرّيح تسحب أذيالا وتنشرها ... يا ليتنى كنت مما تسحب الريحا فبلغها شعره فجزعت منه فقيل لها: اذكريه لأهلك فإنه يرتدع. فقالت: كلاّ والله لا أشكوه إلا إلى الله. ثم قالت: اللهم إن كان نوّه باسمى ظالما فاجعله طعاما للريح. فضرب الدهر من ضربه. ثم غدا على فرس يوما، فهبّت ريح فنزل واستذرى بقفلة فعصفت الريح وقويت فخدشه عنصر منها فدمى وورم فكان سبب موته عفا الله عنه. [و] عن ابن عيّاش قال: أشرف عمر بن أبى ربيعة على أبى قبيس، وبنو أخيه (٢١٣) معه وهم محرمون. فقال لبعضهم: خذ بيدى فأخذ بيده. فقال: وربّ هذه الكعبة ما قلت لامرأة قط ما لم تقله لى، ولا كشفت ثوبى على حرام قط! وعن محمد بن الضحاك قال: عاش عمر بن أبى ربيعة ثمانين سنة. فتك أربعين ونسك أربعين والله أعلم. (٣) مما: فى الأغانى ١/ ٢٤٧: «ممّن» (٧) بقفلة: انظر الأغانى ١/ ٢٤٨ حاشية ٢ (٨) عنصر: فى الأغانى ١/ ٢٤٨: «غصن» (٩) ابن عيّاش: فى الأغانى ١/ ٧٦: «عبد العزيز بن عبد الله بن عياش بن أبى ربيعة»

стр. 1766

ذكر سنة ست وتسعين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلثة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلثة وعشرون إصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى أن توفى فى هذه السنة فى تاريخ ما يأتى. وقرّة بن شريك إلى أن توفى. فولى الوليد قبل وفاته عبد الملك ابن رفاعة الفهمىّ على حرب مصر، وولى أسامة بن زيد على خراجها. وتوفى الوليد فى شهر جمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر تسع وأربعين سنة مع خلاف فيه. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر، وقيل سبعة أشهر وعشرين يوما. وصلى عليه سليمان أخوه، وقيل بل صلى عليه عمر بن عبد العزيز بدير مرّان من أرض دمشق والله أعلم. (٦ - ٧) توفى. . . يأتى: انظر هنا سطر ٩ (٧) قرّة. . . توفى: فى كتاب الولاة ٦٥: «ثم توفى قرّة بن شريك بها وهو وال عليها ليلة الخميس لستّ بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين» (٧ - ٨) فولى. . . مصر: فى كتاب الولاة ٦٥ - ٦٦: «واستخلف على الجند والخراج عبد الملك بن رفاعة بن خالد الفهمىّ»، انظر أيضا النجوم الزاهرة ١/ ٢٣١ (٨) وولى. . . خراجها: انظر النجوم الزاهرة ١/ ٢٣١؛ حكام مصر لفيستنفلد ٤١ (١٠) تسع. . . فيه: فى تاريخ القضاعى، ص ١٣٩: «ثمان وأربعون سنة وأشهر» (١٠ - ١١) تسعة. . . يوما: فى تاريخ القضاعى، ص ١٣٩: «ثمانية أشهر»

стр. 1767

صفته رحمه الله تعالى كان أبيض، أفطس، به أثر جدرى، ربعة، عريض المناكب، كث اللحية. وقال إسحق: كان طويلا جميلا بأنفه خنس. ذكر كتّابه القعقاع بن خليد العبسىّ، ويقال هو ابن جبلة. ويقال إن الدواوين نقلت من الفارسية إلى العربية فى أيامه، نقلها سليمان بن سعيد (٢١٤) الخشينى وصالح بن عبد الرحمن مولا بنى مرة ابن عبد. وفى تاريخ القضاعى: كتابه قرة بن شريك حتى ولاه مصر، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحاك بن زمل، ثم يزيد بن أبى كبشة، ثم عبد الله ابن بلال. ذكر حجّابه (٢) كان أبيض: فى تاريخ القضاعى، ص ١٣٩: «كان أسمر»، كذا فى نهاية الأرب ٢١/ ٣٣٦ (٧) سليمان. . . الخشينى (لعل الأصح: الخشنىّ): انظر الأعلام ٣/ ١٨٨؛ تاريخ الطبرى ٢/ ٨٣٧ (٧ - ٨) صالح. . . عبد (لعل الأصح: عبيد): انظر الأعلام ٣/ ٢٧٧ (٩) تاريخ القضاعى: انظر تاريخ القضاعى، ص ١٤١، كذا فى نهاية الأرب ٢١/ ٣٣٦، قارن مقالات لبيوركمان ٥٧

стр. 1768

خالد وسعد مولياه نقش خاتمه يا وليد أنت ميت، والله أعلم. ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان ولمعا من خبره هو أبو أيوب سليمن بن عبد الملك بن مروان وباقى نسبه قد تقدم مع أبيه وأخيه، ويلقب مفتاح الخير. كان فصيحا لسنا أديبا معجبا بنفسه متوقفا عن سفك الدماء، وكان أكولا شرها نكّاحا، يأكل كل يوم نحو من ماية رطل وأكثر. وأغزى أخاه مسلمة الصايفة حتى بلغ القسطنطينية، وبدأ ببناء الرملة سنة ثمان وتسعين. بويع له بدمشق وهو بالرملة فى النصف من جمادى الأخرى سنة ست وتسعين، وله أربعون سنة وأربعة أشهر، وكانت أيامه سنتين وسبعة أشهر وستة وعشرين يوما. (١) خالد. . . مولياه: فى تاريخ القضاعى، ص ١٤١: «خلد [كذا] مولاه، وسعيد مولاه»، كذا فى نهاية الأرب ٢١/ ٣٣٦ (٣) يا. . . ميت: كذا فى نهاية الأرب ٢١/ ٣٣٦ (٤) سليمن. . . مروان: انظر سير أعلام النبلاء ٥/ص ١١١ - ١١٣ (٩) ببناء الرملة: فى المنجد (فى الأعلام) ص ٣١٠ مادة «الرّملة»: «اتخذها سليمان. . . مقرا له ٧١٦» (١١) أربعون. . . أشهر: قارن هنا ص ٣٣٩:١٥؛٣٤٠:١؛ وفقا لزيترستين، مقالة «سليمان ابن عبد الملك»،٥٦٠، ولد سنة ٦٠ وكان عمره عندما تولى الخلافة ٣٦ سنة (١١ - ١٢) سبعة. . . يوما: فى تاريخ القضاعى، ص ١٤٢: «ثمانية أشهر إلا خمسة أيام»

стр. 1769

أمه ولاّدة بنت العباس، وهى أم أخيه الوليد، وهى إحدى ثلث ولدت كل واحدة منهن خليفتين، وهن فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ وهذه والخيزران الجرشيّة يأتى خبرها فى موضعه إنشاء الله تعالى. وكانت الناس فى أيامه منهمكون على المآكل من ساير الأنواع، يتغالون فى شراء الطباخات الماهرات، ويلقى الرجل صديقه. . . يكون له معه خطاب إلا ما أكلت اليوم وما تعشيت البارحة. . . م تطيق بأكل وما أشبه ذلك. فمن نكث التاريخ فى ذلك (٢١٥) ما رواه المسعودى ﵀ أن سليمان بن عبد الملك قصد التنزه فى بستان لعمر بن عبد العزيز بالغوطة حين انتهت فوكهه. فأمر عمر أن توفر فاكهة البستان ولا تجنى عشرة أيام، ونزل سليمان وصحبته ندماء حضرته. فمشى فى البستان بين حفدته فى أول النهار، وعاد يتناول كل فاكهة على شجرها بيده معما يتخيرون له رفقاؤه من كل ثمرة قد انتهت وبلغت، وهو يلقم جميع ذلك إلى أن تعالى النهار وسخنت الفاكهة. فقال لوكيل عمر بن عبد العزيز: إننى جايع يا شمردل فما عندك على سبيل التعجيل قبل الغداء؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، عندى جدى حنيذ كان يغدوا على بقرة ويروح على أخرى. فقال: (١ - ٣) أمه. . . الجرشيّة: قارن بلطائف المعارف ٨٠ - ٨١ (٣) يأتى. . . موضعه: انظر كنز الدرر ٥/ ١٠٤،٤٥٨ (٧) المسعودى: لم أقف على هذا النص فى مروج الذهب

стр. 1770

عجّل به. فأحضره كأنما حشى حشوا، فأكله عن آخره ولم يشارك فيه. ثم قال: ما عندك أيضا؟ فقال: أربع دجاجات من أولاد الهنود قد سمنوا حتى عادوا كفراخ النعم. فأتا بهن فأكلهن ولم يرم منهن سوى العظم ممشمشا. ثم قال: هيه شمردل ما عندك أيضا؟ فقال: عكّة من سويق السمد قد لتت بسمن طرى وسكر طبرزد. وأحضرها فاستوفاها. ثم حضر الطباخ يستأذن على حضور الطعام. فقال: أحضره بقدوره. فأحضرت ثمانين قدرا من أنواع الأطعمة. فشرع يأكل من كل قدر اللقمة واللقمتين، وغرفت القدور، وجلس على السماط وأكل فلم تنكر من أكله العادة شيا. ثم استدعى بكيزان الفقّاع، فشرب ما شاء الله أن يشرب. ثم تجشأ فكان كفيل زعق فى جب. وروى الأصمعى قال: كنت بحضرة الرشيد فذكر سليمان وشرهه (٢١٦) فأرويت هذه الواقعة، فهمس بشى لبعض الخدم الوقوف فأحضر قمطر يحمله خادمان فوضعوه بين يديه. وأمر بفتحه وأخرج منه ثيابا ملونة من الديباج الملكى المذهب الذى لا يصلح إلا للخلفاء والملوك وأكمام جميعها من جهة اليمين غارقة بالدهن. فقال: أتدرون ما هؤلاء؟ فقلنا: لا والله. فقال: هؤلاء ملابس سليمان بن عبد الملك، كان إذا حضرت الحملان المشوا بين يديه تعجبه الكلا ولا يمهل عليها، فيلف يده بكم ملبوسه ويتناول الكلا من جوف الحمل ليدفع عن يده حرارتها. فتعجبنا من قوة شرهه.

стр. 1771

ذكر سنة سبع وتسعين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان، وعبد الملك بن رفاعة الفهمىّ على حرب مصر، وأسامة بن زيد على الخراج بها، والقاضى يوميذ بمصر عبد الأعلا بن خالد الفهمى. فيها ورد كتابا من ابن هبيرة يذكر أن ببخارا وقت السحر سمعوا الناس قعقعة عظيمة من السماء ودوى كأعظم ما يكون من الرعد القاصف، فنظروا فوجدوا، وقد انفرج من السماء فرجة عظيمة، ونزل منها أشخاصا عظاما رؤوسهم فى السماء وأرجلهم فى الأرض وقايلا [ي] قول: يا أهل الأرض اعتبروا بأهل السماء. هذا صفواييل [م] لك عصى فعذب. فلما تضاحى النهار أتت الناس إلى ذلك (٢١٧) المكان الذى تحت (٣) ستة: فى النجوم الزاهرة ١/ ٢٣٥: «سبعة» (٨) عبد الأعلا (الأعلى). . . الفهمى: لم أقف على هذا الاسم فى كتاب الولاة (٩) ابن هبيرة: انظر تاريخ الطبرى (كتاب الفهارس)

стр. 1772

تلك الفرجة فوجدوا خسفة عظيمة دورها يوما كاملا لا يدرك لها قرارا، يطلع منها دخان أسود أحرّ من النار. من تقرب منه هوى فيه كلمح البصر فهوى فيه جماعة من الناس، ووضعت عدة حوامل من أهل بخارا أو ضواحيها لهول ما سمعوا من تلك القعقعة فى ذلك الوقت، ورجعت الناس عن ما كانوا عليه من لهوهم وأكثروا من الصلاة والصيام وذكر الله تعالى لما عاينوا من هذه الآية العظيمة. وحضر طىّ كتاب بن هبيرة محضرا مثبوتا على قاضى بخارا بصحة ذلك يشتمل على خطوط أربعين عدل ممن سعوا ذلك وعاينوه. وقرئ الكتاب والمحضر بجامع دمشق يوم الجمعة فى شهر رمضان من هذه السنة. قلت: ذكر ذلك جبريل بن بختيشوع المتطبب فى كتابه الآتى ذكره آخر هذا التاريخ عند ذكر التتار وخروجهم أولا. وذكر فيه عدة غرايب تأتى فى أماكنها إنشاء الله تعالى. ذكر سنة ثمان وتسعين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلثة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان، وعبد الملك بن رفاعة مستقرا على ولايته، وكذلك أسامة بن زيد والقاضى كذلك.

стр. 1773

روى أن سليمان بن عبد الملك لما صار الأمر إليه، أحضر يزيد بن أبى مسلم كاتب الحجاج بن يوسف وأخيه من الرضاع، وذلك كان (٢١٨) فى نفس سليمان من الحجاج فى أيام أبيه عبد الملك وأخيه الوليد. فلما مثل بين يديه اقتحمته عينه فقال: تسمع بالمعيدى لا أن تراه، لعن الله امرءا أجرّك رسنه. فقال يزيد: مه يامير المؤمنين، إنما نظرت إلىّ والأمر عنى مدبر وعليك مقبل. فلو نظرت إلىّ والأمر علىّ مقبل وعنك مدبر لاستسمنت ما استهزلت، واستعظمت ما استصغرت، واستهولت ما استحقرت. فقال سليمان: عزمت عليك يابن أبى مسلم، أاستقر الحجاج فى قاع جهنم أم بعد هاويا على أم رأسه؟ فقال: لا تقل ذلك يامير المؤمنين فى الحجاج، فإنه مهد لكم الأرض، ووطد لكم الأمر، وبذل لكم النصيحة، وإنه ليأتى عن يمين أبيك ويسار أخيك، فضعه حيث شيت. فقال سليمن: وقد ازورّ حنقا، اغرب إلى لعنة الله. وأطرق ساعة. ثم قال: اخلوا عنه وأطلقوا سبيله لا أم له، فلقد أثمرت فيه الصنيعة. وأحسن المكافأة عليها حيا وميتا. وكان يزيد هذا كاتبا للحجاج بن يوسف وكان أخاه من الرضاعة. وكان الحجاج يجرى له فى كل شهر ثلثماية درهم. فكان يعطى منها (٨ - ٩) أاستقر. . . رأسه: فى وفيات الأعيان ٦/ ٣١٠: «أترى صاحبك الحجاج يهوى بعد فى نار جهنم أم قد استقر فى قعرها؟» (١١) فضعه: فى وفيات الأعيان ٦/ ٣١٠: «فضعهما»

стр. 1774

زوجته خمسين درهما وينفق فى ثمن اللحم خمسة وأربعين، وينفق باقيها فى ثمن الدقيق وباقى نفقاته. فإن فضل منها شئ ابتاع به ماء وسقاه المساكين، وربما فرقها قطعا. وكان مع ذلك يقتل الخلق مع الحجاج. ويروى أن الحجاج عاده فى علة اعتلها. فوجد بين يديه كانونا من طين ومنارة من خزف. فقال له: أيا با العلاء، ما أرى أرزاقك تكفيك. فقال: أيها الأمير. . . كانت ثلثماية لا تكفينى، فثلثون ألفا لا تكفينى. وأبا أن يقبل زيادة. (٢١٩) وكان يزيد بن أبى مسلم قصيرا ضييلا حقيرا فى العين. قلت: ولنذكر ها هنا من أفرط به القصر من السلف، وكذلك من أفرط به الطول. ذكر من أفرط به القصر كان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه شديد القصر، تكاد الجلوس يوازونه من قصره. وكان إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما قصيرا دحداحا، تزوج سكينة بنت الحسين بن علىّ ﵈ فلم ترضه لقصره فخلعت منه. وعن الحسن البصرى رضى الله عنه أنه قال: ما كان طول فرعون (١٢ - ٩،٢٣٠) كان. . . التقليد: ورد النص فى لطائف المعارف ٢٩،١١٢ - ١١٤؛ الترجمة الإنكليزية لبوسورث ٩٥ - ٩٦

стр. 1775

إلا ذراعا. وذكر ثابت بن سنان فى تاريخه أنه احتيج بسبب قصر الوزير أبى جعفر محمد بن القسم إلى أن يقصر من ارتفاع سرير الخلافة. فنقص أربع أصابع مفتوحة. وكان العباس بن الحسن الوزير قصيرا جدا معما كان عليه من حسن السياسة، وفيه قيل <من البسيط>: لا تنظرنّ إلى العباس عن قصر ... وانظر إلى الفضل والمجد الذى شادا إنّ النجوم نجوم الليل أصغرها ... فى العين أبعدها فى الجوّ إصعادا وأما من الشعراء المعروفين فكان ذى الرمّة قصيرا دحداحا واسمه غيلان بن عقبة، لقب بذى الرمة لقوله <من الرجز>: أشعث باقى رمّة التقليد وكذلك الحطية وكثيّر عزّة كانا قصيرين غاية، وذلك قول كثيّر <من الطويل>: فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم بالقوم وارن ودخل كثير على عبد الملك بن مروان فى أول خلافته فقال له: أنت كثيّر؟ قال: نعم. فاقتحمته عينه وقال: تسمع بالمعيدى لا أن تراه. (٢٢٠) فقال: يامير المؤمنين كل عبد محله رحب الفناء، شامخ البناء، (١) ثابت. . . تاريخه: انظر لطائف المعارف ١١٣ حاشية ٥ (٨ - ٩) لقب. . . التقليد: ورد النص فى وفيات الأعيان ٤/ ١٦ (١٢) فإن. . . وازن: ورد البيت فى كثير عزة للربيعى ١٤٦ (١٤) لا أن: فى كثير عزة للربيعى ٥٢: «خير من أن»

стр. 1776

عالى السناء، وأنشأ يقول <من الوافر>: ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفى أثوابه أسد هصور ويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير بغاث الطير أطولها رقابا ... ولم تطل البزاة ولا الصقور خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الصّقر مقلاة نزور ضعاف الأسد أكثرها زييرا ... وأصرمها اللواتى لا تزير وقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير ينوّخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرف لديه ولا نكير وقال عبد الملك: إنى لأظنه كما قال. قلت: وإذ قد جرّ الحديث ذكر كثيّر، فلا بد ما نذكر لمعا من خبره من عزّة بعد ذكر الطوال من الناس. ذكر من أفرط به الطول كان الإمام عمر بن الخطاب رضى الله عنه كأنه راكب والناس يمشون لطوله. وكان عدىّ بن حاتم الطايى إذا ركب كادت رجلاه تخطّ (٢ - ٨) ترى. . . نكير: وردت الأبيات فى ديوان كثير عزة ص ٥٢٩ - ٥٣٠، انظر أيضا كثير عزة للربيعى ٥٢ (٣) إذا تراه: فى ديوان كثير عزة ص ٥٢٩: «فتبتليه» (١٣ - ٧،٣٣٢) كان. . . شبرا: ورد النص فى لطائف المعارف ١١١ - ١١٢؛ الترجمة الإنكليزية لبوسورث ٩٥ - ٩٦

стр. 1777

الأرض. وكان جرير بن عبد الله البجلى كذلك. وكان قيس بن سعيد بن عبادة فى نهاية الطول والجسامة. وكان عبيد الله بن زياد لا يرى ماشيا إلا ظنّ أنه راكبا لطوله. وكان علىّ بن عبد الله بن عباس طويلا جميلا، وعجب قوما من طوله. فقال شيخ كبير: سبحان الله! كيف نقص الناس! لقد رأيت العباس يطوف بالبيت كأنه فسطاط أبيض. فحدّث بذلك علىّ فقال: كنت إلى منكب جدّى. وكان جبلة بن الأيهم الغسّانى طوله اثنى عشر شبرا. روى هذا جميعه الثعالبى. (٢٢١) ذكر طرفا من خبر كثيّر وعزّة قيل لكثيّر عزّة: ما أعجب ما مرّ بك فى حب عزة؟ قال: حججت فى ركب، وهى فيه، وأنا لا أعلم أنها فيه. فأرسلها زوجها تبتاع أدما تصلح به طعاما لهما. فوقفت علىّ، وأنا أبرى سهاما. فلما نظرتها بهتّ وجعلت أبرى ساعدى، وأنا لا أدرى ما أصنع. فلما رأت الدم دخلت (٦) كنت. . . جدّى: فى لطائف المعارف ١١٢: «كنت إلى منكب أبى، وكان أبى إلى منكب جدّى»

стр. 1778

علىّ وجعلت تمسح الدم بردنها، فسألتها عن شأنها، فقالت لى خبرها، فقمت إلى أداة من سمن فجعلت أحدثها وأصبّ فى الإناء الذى معها حتى امتلأ وفاض بين أرجلنا ولا ندرى، فانصرفت عنى وقد استبطأها زوجها ورأى الدم فى ردنها فأنكره، فعزم عليها إلا أخبرته فأخبرته، فحلف لتقفنّ علىّ وتشتمنّى فى وجهى. فأخذها ووقف بها علىّ وهى تبكى فقالت: يابن الزانية، فذلك قولى <من الطويل>: يكلّفها الخزير شتمى وما بها ... هوانى ولكن للمليك استذلّت هنيا مريا غير ذاء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت وهذه القصيدة فمن أجلّ شعره وأحسنه وهى <من الطويل>: خليلىّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت وما كنت أدرى قبل عزّة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتّى تولّت وكانت لقطع الحبل بينى وبينها ... كناذرة نذرا وفت وأحلّت فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت فإن سأل الواشون فيما صرمتها ... فقل نفس حرّ سلّيت فتسلّت (٧ - ٨) يكلّفها. . . استحلّت: ورد البيتان أيضا فى ديوان كثير عزة ص ١٠٠؛ كتاب الشعر ٣٢٨ (١٠ - ٣،٣٣٥) خليلىّ. . . استهلّت: وردت الأبيات فى كثير عزة ص ٩٥،٩٧ - ١٠٣؛ بعض الأبيات موجودة أيضا فى الأغانى ٩/ ٢٩ - ٣٠؛ كتاب الشعر ٣٢٧ - ٣٢٨؛ كثير عزة للربيعى ٦٨،١٤٢،١٥٢ (١٠) انزلا: فى كثير عزة ص ٩٥: «ابكيا»، انظر أيضا الأغانى ٩/ ٢٩؛ كتاب الشعر ٣٢٧

стр. 1779

سفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمومل منها ذلك الوصل ملّت أباحت حما لم يرعه النّاس قبلها ... وحلّت تلاعا لم يكن قبل حلّت (٢٢٢) وكنت كذى رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت وبى زفرات لو تدمن قتلننى ... توالى التى تأتى التى قد تولّت فإن تكن العتبا فأهلا ومرحبا ... وحفت لها الغبنا لدينا وقلّت وإن تكن الأخرى فإنّ وراءنا ... بلادا إذا كلفتها العيس كلّت أسيى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقلولة إن تقلّت فما أنا كالداعى لعزّة بالردى ... ولا شامتا إن نعل عزّة زلّت فلا تحسب الواشون أن صبابتى ... بعزّة كانت غمرة فتجلّت فو الله ثمّ الله لا حلّ قبلها ... ولا بعدها من خلّة حيث حلّت وما مرّ من يوم علىّ كيومها ... وإن عظمت أيّام أخرى وجلّت (٤) بى: فى كثير عزة ص ١٠٠: «لى» //التى: فى كثير عزة ص ١٠٠: «المنى» (٧) تقلّت: انظر الأغانى ٩/ ٣٠ حاشية ٢ (٨) كالداعى: فى كثير عزة ص ١٠٢: «بالداعى» (١٠) قبلها ولا بعدها: فى كثير عزة ص ١٠٢: «بعدها ولا قبلها»

стр. 1780

وإنّى وتهيامى بعزّة بعدما ... تخلّيت من أسبابها وتخلّت لكالمرتجى ظلّ الغمامة بعد ما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت كأنى وإياها سحابة ممطر ... رجاها فلما جاوزته استهلّت [قرأت فى كتاب الأغانى فى أخبار إسحق الموصلى لأعرابىّ هو <من الطويل>: ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيّجت حين غنّت تغنّت بصوت أعجمىّ فهيّجت ... من الوجد ما كانت ضلوعى أجنّت فلو قطرت عين امرئ من صبابة ... دما لبكت عينى دما أو أبلّت فما سكتت حتى لويت لصوتها ... وقلت أرى هذى الحمامة جنّت ولى زفرات لو يدمن قتلننى ... تشوق التى تأتى التى قد تولّت إذا قلت هذى زفرة اليوم قد مضت ... فمن لى بأخرى من غد قد أظلّت فيا محيى الموتى أعنّى على التى ... بها نهلت نفسى سقاما وعلّت فقلت ارحلا يا صاحبىّ فليتنى ... أرى كل نفسى أعطيت ما تمنّت وما وجد أعرابيّة قذفت بها ... صروف النّوى من حيث لم تك ظنّت (١) من أسبابها: فى كتاب الشعر ٣٢٨؛ كثير عزة ص ١٠٣: «ممّا بيننا» (٢) بعدما: فى كتاب الشعر ٣٢٨؛ كثير عزة ص ١٠٣: «كلّما» (٣) ممطر: فى كثير عزة ص ١٠٣: «ممحل» (٤ - ٦،٣٣٦) لأعرابىّ. . . منّت: وردت الأبيات فى الأغانى ٥/ ٣٥٧ - ٣٦٠ (٨) لبكت: فى الأغانى ٥/ ٣٥٩: «قطرت» //أو أبلّت: فى الأغانى ٥/ ٣٥٩: «فألمّت» (٩) لويت: فى الأغانى ٥/ ٣٥٩: «أويت» //أرى: فى الأغانى ٥/ ٣٥٩: «ترى» (١٠) تشوق. . . تأتى: فى الأغانى ٥/ ٣٥٩: «بشوق إلى نأى» (١٢) أعنّى على: فى الأغانى ٥/ ٣٥٩: «أقدنى من»

стр. 1781

بأكثر منّى لوعة غير أننى ... أجمجم أحشايى على ما أجنّت لقد بخلت حتى لو أنّى سألتها ... قذى العين من سافى التراب لضنّت حلفت لها بالله ما أمّ واحد ... إذا ذكرته آخر الليل أنّت إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وبرد الحصى من بطن خبت أرنّت ومنه يقول <من الطويل>: فإن بخلت فالبخل منها سجيّة ... وإن بذلت أعطت قليلا ومنّت] وحكى أن عزّة دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها: يا عزة أتروين قول كثيّر حيث قال <من الطويل>: قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها فقالت: لا أعرف هذا يامير المؤمنين، وإنما أروى قوله <من الطويل>: كأنّى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمومل منها ذلك الوصل ملّت (١) أجمجم: انظر الأغانى ٥/ ٣٦٠ حاشية ٤ (٤) الحصى: فى الأغانى ٥/ ٣٦٠: «الحمى» //خبت: انظر الأغانى ٥/ ٣٦٠ حاشية ٣ (٦) منّت: فى الأغانى ٥/ ٣٦٠: «أكدت»، انظر أيضا الأغانى ٥/ ٣٦٠ حاشية ٥ (٧ - ٨) حكى. . . قال: قارن الأغانى ٩/ ٢٧ - ٢٨ (٩) قضى. . . غريمها: ورد البيت فى الأغانى ٩/ ٢٦،٢٨؛ كثير عزة ص ١٤٣ (١٢ - ١٣) كأنّى. . . ملّت: ورد البيتان فى الأغانى ٩/ ٢٧ - ٢٨؛ كثير عزة ص ٩٧ (١٣) صفوحا: انظر الأغانى ٩/ ٢٧ حاشية ٣

стр. 1782

قال: فضحك عبد الملك من حسن جوابها وفصاحتها وإدراكها وأجزل صلتها. ويحكى أنها دخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت: يا عزّة، عزمت عليك لتخبرينى ما قول كثيّر فيك <من الطويل>: (٢٢٣) قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها فاستعفتها فأبت إلا إخبارها. فقالت: كنت وعدته قبلة. ثم تحرّجت من ذلك. فقالت لها: أنجزيها له وعلىّ إثمها. ويقال: إن أم البنين أعتقت لأجل هذه الكلمة أربعين رقبة. وقيل: مر كثيّر ببثينة جميل، وعزة جالسة معها، وهو لا يعلم. فقالت بثينة: يا كثيّر، ما تركت فيك عزّة مستمتعا لأحد. قال: لو أن عزّة إليّ لوهبتها لك. قالت: فكيف بما قلت فيها من الشعر. قال: أحوله جميعه إليك. فقالت له: فقل شيا فىّ على البديه فقال <من الطويل>: رمتنى على عمد بثينة بعد ما ... تولّى شبابى وارجحنّ شبابها بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنوء الثريّا لاستهلّ سحابها (٣ - ٩) ويحكى. . . رقبة: وردت هذه القصة فى وفيات الأعيان ٤/ ١٠٨ (٣ - ٦) ويحكى. . . غريمها: قارن الأغانى ٩/ ٢٧ - ٢٨، انظر هنا ص ٣٣٦، الهامش الموضوعى، حاشية سطر ٩ (١٤) رمتنى. . . شبابها: ورد البيت فى الأغانى ٩/ ٣٦؛ كثير عزة ص /٤٤٧/ارجحنّ: انظر الأغانى ٩/ ٣٦ حاشية ٢ (١٥) بعينين. . . سحابها: هذا البيت ناقص فى الأغانى ٩/ ٣٦ لكنه ورد فى شرح ديوان كثير عزة ١/ص ١٠١؛ كثير عزة ص ٤٤٧

стр. 1783

قال: فخرجت عزّة، فلما رآها قال على حاله <من الطويل>: ولكنّما ترمى نفسا مريضة ... لعزّة منها صفوها ولبابها فقالت: أولى لك تخلّصت. ولهذه الحكاية أخّر كثيّر عن رتبة غيره من المتيّمين وطعن فى صحة عشقه. قال بعض الحكماء-وقيل إنه أفلاطون-فى العشق والمحبة وسببهما: العين رايدة القلب، فإن أهدت إليه صورة حسنة قبلها قبول الراغب، وكفلتها المشاركة بترداد النظرة، واستخدما ساير الأعضاء فى مشقة المحبة، وهى عدوة الجسد ومورثة الكمد. وفى المعنى قيل <من المجتث>: لا أظلم القلب عينى ... تهدى الغرام إليه دلت حتّى إذا ما ... أطاع دلّت عليه وللعبد مؤلف هذا التاريخ مقامة من جملة مقاماته فى هذا المعنى وسمتها بنوار البستان فى مشاجرة القلب والعين واللسان، (٢٢٤) وهى المقامة من غريب ما اتفق عليه معانيها وأسست قواعدها ومبانيها. وما أحسن قول ابن وكيع فى هذا المعنى <من مخلع البسيط>: (٢ - ٣) ولكنّما. . . تخلّصت: ورد النص فى الأغانى ٩/ ٣٦

стр. 1784

عدت إلى الغىّ بعد نسكى ... ولذّ لى فيك طعم محك أضحك للشامتين زورا ... ولى ضمير عليك يبكى يمنعنى أن أبوح نفس ... تأنف من ذلة التشكى عينى التى أوقعت فؤادى ... يا عين ماذا لقيت منك خرج بنا الحديث ولذة شجونه مع تنقية نبذه وعيونه عن ما نحن بصدده من ذكر التاريخ وفنونه فلنعود إلى ذلك. ذكر سنة تسع وتسعين النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى أن توفى فى هذه السنة فى تاريخ ما يذكر. وعبد الملك بن رفاعة بمصر، وأسامة بن زيد كذلك. توفى سليمان ﵀ فى شهر صفر من هذه السنة بدابق من أرض قنّسرين. وله من العمر ثلث وأربعين سنة، وقيل خمس وأربعين، (١ - ٤) عدت. . . منك: وردت الأبيات فى يتيمة الدهر ١/ ٣٩٨ (٢) للشامتين زورا: فى يتيمة الدهر ١/ ٣٩٨: «للكاشحين جهرا» (١٣) عبد الملك بن رفاعة: فى كتاب الولاة ٦٧: «وتوفى أمير المؤمنين سليمان فى صفر سنة تسع وتسعين وبويع. . . فعزل عبد الملك بن رفاعة عنها»؛ فى كتاب الولاة ٦٨: «ثم وليها أيوب بن شرحبيل من قبل. . . على صلاتها فى ربيع الأول سنة تسع وتسعين»، انظر أيضا كتاب الأنساب لزامبور ٢٥؛ حكام مصر لفيستنفلد ٤١،٥١ (١٤) شهر. . . السنة: انظر الكامل ٥/ ٣٧؛ مروج الذهب ٤/رقم ٢١٥١؛ وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٠ (١٥ - ١،٣٤٠) وله. . . سنة: فى مروج الذهب ٤/رقم ٢١٥١: «وهو ابن تسع وثلاثين سنة»؛ -

стр. 1785

وقيل لم يبلغ أربعين سنة. وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وقيل إنه أحضر إليه تينا وبيضا، وأكل من ذلك العظايم، فلحقه هيظة قاتلة فمات بالبطنة. قلت: ولنورد هنا حكاية طريفة تناسب الوقت. حكى أنه كان بالمدينة فتى من بنى مخزوم وكان أكولا، وكان يتعشق لجارية ذات أدب وجمال، كتب إليها ذات يوم: جعلت فداك، ابعثى لى بشئ من الخبيص (٢٢٥) والسكباج، فإن عندى قوما من القرى. فبعتث إليه، ثم كتب إليها بعد ذلك: جعلت فداك، ابعثى لى بشئ من النبيذ وما يصلح أن يشرب عليه من المقالى والمشاوى وما أشبه ذلك، فإن عندى جماعة من الفتيان. فكتبت إليه: أبقاك الله وحفضك. رينا الحب يكون فى القلب فإذا فشا دبّ فى المفاصل، وحبك أنت ما يزول من المعدة. صفة سليمان ﵀ كان طويل أبيض نحيف، مدور الوجه، كث اللحية، وقيل: كان ربعة و. . . أعلم. فى وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٠: «وله خمس وأربعين سنة»، كذا فى تاريخ القضاعى، ص ١٤٢، قارن هنا ص ٣٢٣، الهامش الموضوعى، حاشية سطر ١١

стр. 1786

ذكر كتّابه ليث بن أبى رقيّة، وسليمن بن نعيم بن سلامة الحميرى، وابن بطريق النصرانى، وهو الذى أشار عليه ببناء الرملة. وكان على خاتمه: رجاء بن حيوة الكندى. وفى تاريخ القضاعى كتّابه: يزيد بن المهلب، ثم الفضل أخوه، ثم عبد العزيز بن الحرث بن الحكم، والله أعلم. ذكر حجّابه أبو عبيدة حازم مولاه، ويقال ابن بطريق. نقش خاتمه قنى السيات يا عزيز، وقيل: آمنت بالله مخلصا، والله أعلم. (٤) تاريخ القضاعى: انظر تاريخ القضاعى، ص ١٤٣، قارن مقالات لبيوركمان ٥٨ (٥ - ٦) يزيد. . . الحكم: فى نهاية الأرب ٢١/ ٣٥٤: «يزيد بن المهلب، ثم المفضل بن المهلب عم عبد العزيز بن الحارث بن الحكم»، انظر تاريخ الطبرى (كتاب الفهارس) (٨) أبو. . . بطريق: فى تاريخ القضاعى، ص ١٤٣: «أبو عبيدة مولاه»، كذا فى تاريخ اليعقوبى ٢/ ٣٥٩؛ نهاية الأرب ٢١/ ٣٥٤؛ فى تهذيب التهذيب ٣/ ٦٧: «أبو عبيد» (١٠) قنى. . . مخلصا: فى تاريخ القضاعى، ص ١٤٣: «آمنت بالله مخلصا»، كذا فى نهاية الارب ٢١/ ٣٥٤

стр. 1787

ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان رضى الله عنه ولمعا من خبره هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان وباقى نسبه قد علم فيما تقدم وهو أشجّ بنى أمية. وفى تاريخ القضاعى عن الإمام عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان يقول: إن من ولدى رجلا شيف يملأ الأرض عدلا. أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه. (٢٢٦) بويع له بدابق فى شهر صفر سنة تسع وتسعين وله ست وثلثون سنة. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما. ولى الأمر بعهد من سليمان بن عبد الملك له، وذلك [أنّه] لما توفى سليمان وصاح النساء عليه، تحير الناس. فخرج إليهم رجاء بن حيوة ومعه ابن معبد. فقال رجاء: إن سليمان قد مات، وقد أعلمتكم فى حياته أنه قد عهد عندى عهدا وها هو، ففضّ فإذا فيه: (١) عمر. . . مروان: انظر سير أعلام النبلاء ٥/ص ١١٤ - ١٤٨ (٥) تاريخ القضاعى: انظر تاريخ القضاعى، ص ١٤٤؛ فى الكامل ٥/ ٥٩: «وقيل: كان ابن عمر يقول: يا ليت شعرى من هذا الذى من ولد عمر فى وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟» (٦) شيف: فى تاريخ القضاعى، ص ١٤٤: «بوجهه شئف»

стр. 1788

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان أمير المؤمنين إلى أمة محمد ﷺ ، سلام عليكم، فإنى أحمد الله الذى لا إله إلا هو، وأصلى على محمد ﷺ . وقد استخلفت عليكم عمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك من بعده. فاسمعوا لهما وأطيعوا وأحسنوا مؤازرتهما. فإننى لم آلكم ونفسى نصحا، والسلام عليكم. قال: فأقر عمر بن عبد العزيز عبد الملك بن رفاعة على حرب مصر، وأسامة بن زيد على خراجها، على ما كانا عليه، وولى القضاء بمصر عبد الله بن عبد الرحمن ثم عزله وولى عياض. وكان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه على ما شهر وذكر من الخير والصلاح والزهد والقيام وتلاوة القرآن حتى نسب إلى عمر بن الخطاب فى حسن السيرة. فقيل العمرين، وكان الناس فى أيامه ليس لهم اشتغال إلا مثل ما هو عليه من الصلاح، ويلقى الرجل صاحبه فيقول له: أنت صايم وإلا مفطر. وكم تصوم فى الجمعة: يوم. وكم وردك فى كل ليلة: ركعة. وماد تحفظ من القرآن، وأشباه ذلك من أفعال الخير. وما أحسن كلام بن العميد! ها هنا قوله: المرء أشبه شئ بزمانه، وصيغة كل زمان منتخبة من شجايا سلطانه، وكان (٢٢٧) يسمى راهب بنى أمية. (١ - ٥) بسم. . . عليكم: قارن الكامل ٥/ ٣٩ (٧ - ٨) وولى. . . عبد الرحمن: انظر كتاب الولاة ٣٣٢ (٨) عياض: انظر كتاب الولاة ٣٣٢ (٩ - ١٤) وكان. . . الخير: انظر لطائف المعارف ١١٧

стр. 1789

وقيل لما تولى عمر، سمع الصراخ فى بيته، فجاء الناس يسألون ما الخبر. فقيل إنه خيّر نسايه وأهله وقال: من شاءت أن تقيم. ومن شاءت أن تنطلق. فقد جاء أمر شغلنى عن محادثة النساء، لا ينتفع أهل عمر بعدها بمحادثة النساء. وكان يرى أثر المنى فى ثيابه ويقول: شغلنا أمر الناس وصلاحهم عن إصلاح أجسامنا. وروى أن السدّى دخل عليه فى أول خلافته. فقال له عمر: أسرك ما رأيت أم أساءك؟ فقال: سرنى للناس وساءنى لك. فقال عمر: إنى أخاف أن أكون أوثقت نفسى. فقال له: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، ولكنى أخاف عليك أن لا تخاف. فقال: عظنى. فقال: إن أبانا آدم خرج من الجنة بخطية واحدة. ذكر سنة ماية هجرية النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ثمانية أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، وابن رفاعة بحاله حتى عزله وولى مكانه حيّان بن شريح على حرب مصر، وعزل أسامة وولى (٩) ولكنى. . . تخاف: ورد النص فى البيان ٣/ ٨٥ (١٤) خمسة عشر: فى النجوم الزاهرة ١/ ٢٤٣: «عشرون» (١٧) حيّان بن شريح: انظر حكام مصر لفيستنفلد ٤٢

стр. 1790

مكانه أيوب بن شرحبيل، وأمر أن يوقف خراج مصر لأهلها سنة، وولى القضاء عبد الله بن حذام الحضرمى. روى الشيخ الإمام ناصح الإسلام أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذانى ﵀ عليه عن رواة ثقاة آخرهم الهيثم بن عدى عن عوانة ابن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد الشعراء إليه كعادة من تقدمة من الخلفاء فأق [اموا] (٢٢٨) ببابه أياما لا يؤذن، فبينا هم كذلك يوما وقد أزمعوا على الرحيل إذ مرّ بهم رجاء بن حيوة، وكان من خطباء الشام وفصحايهم، فلما رآه جرير داخلا أنشأه يقول <من البسيط>: يأيها الرجل المرخى عمامته ... هذا زمانك إنّى مضى زمن قال: فدخل ولم يذكر من أمرهم شئ. ثم مرّ بهم عدىّ بن أرطاة، وكان من الخصيصين بعمر بن عبد العزيز وله به قديم صحبة فقام إليه جرير وقال <من البسيط>: (١) أيوب بن شرحبيل: انظر كتاب الولاة ٦٧ - ٦٩؛ النجوم الزاهرة ١/ ٢٣٧، قارن هنا ص ٣٣٩، الهامش الموضوعى، حاشية سطر ١٣ (٢) عبد الله. . . الحضرمى: فى كتاب الولاة ٣٣٧ - ٣٣٨: «عبد الله بن يزيد بن خذام»، انظر أيضا هناك ص ٣٣٧ حاشية ١ (٤ - ١١،٣٥٠) الهيثم. . . راقيا: ورد النص فى وفيات الأعيان ١/ ٤٣٠ - ٤٣٤ (١٠) يأيها (يا أيّها). . . زمن (زمنى): ورد هذا البيت فى الأغانى ٨/ ٤٧؛ وفيات الأعيان /١/ ٤٣١/عمامته: فى وفيات الأعيان ١/ ٤٣١: «مطيّته»
следующие страницы →