← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومنها نهر آتل يأتى من المشرق فيصبّ فى بحز الخزر ويقال إنّه يتشعّب منه نيف وسبعون نهرا وهو أكبر من جيحون، ومنها الهند مند ومخرجه من جبال خراسان ويصبّ فى البحر الشرقى. وذكر فى جغرافيا أنّ العيون الكبار التى تنبع فى الأرض مائتى عين وثلاثين عينا دون الصغار، وعدد الأنهار الكبار الجارية فى الأقاليم السبعة على الدوام مائتان وتسعون نهرا، وقال ابن المنادى: فى الإقاليم الأوّل من الأنهار والعيون ثلاثة وعشرون، وفى الإقاليم الثانى تسعة وعشرون، وفى الإقاليم الثالث أربعة وعشرون منها النيل فى أكثره، وفى الإقليم الرابع ستّون منها دجلة والفرات، وفى الإقليم الخامس عشرون، وفى الإقليم السادس ستّة وعشرون، وفى الإقليم السابع البقيّة من العدّة المذكورة، وجميع ما ذكرناه من الأنهار والعيون داخل فى الأقاليم السبعة إلاّ العيون التى فى جبل القمر فإنّها خارجة عن ذلك لأنّها ليست فى خطّ الاستواء، وقيل إنّها فى أطراف الهند وهو الأوّل. وذكر صاحب المسالك والممالك (١) أنّ ببلاد المشرق تلاّ له ألف عين نجرى إلى المشرق، قال: ويسمّى بركوب، معناه الماء المقلوب، وصيده دراريج (٢) سود، قلت: هذا النهر ذكره صاحب كتاب أصول الترك واسم الكتاب باللغة التركية: ألوأطابتك، معناه: كتاب الأب الكبير، وسنذكره (١٧٨) عند ذكرنا لبدء خروج التتار، وأصل مخرج هذا النهر من سفح جبل عظيم لم يذكروه فى الجبال إمّا لبعد مسافته أو لكون اتّصاله بالمحيط، وهذا الجبل يسمّى باللغة التركيّة قرا طاغ، معناه الجبل الأسود، وسيأتى ذكره وسمت علوّه فى الجوّ وارتفاعه فى الهواء وعظمه بين الجبال حسبما ذكره جبريل بن بختيشوع لما حلّه من اللغة الفارسيّة إلى العربيّة إن شاء الله تعالى.

стр. 212

قال ابن الجوزى ﵀: وقد روى أبو بكر الخطيب ﵀ فى تأريخه (١) حديثا يأتى على سيحون وجيحون والفرات والنيل، فقال: حدّثنا أبو القسم الحسن ابن الحسين بن على بن المنذر القاضى وأبو القسم على بن محمّد بن يعقوب الأيادى وأبو على الحسين بن أحمد بن شاذان البزّاز بإسنادهم عن مقاتل بن حيّان عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجله والفرات وهما نهران بالعراق، والنيل نهر بمصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنّة من أسفل درجاتها على جناحى جبرائيل ﵇ واستودعها الجبال وأجراها فى الأرض وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً <بِقَدَرٍ> فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ»﴾ (٢)، فإذا حان خروج ياجوج وماجوج أرسل جبرائيل فرفع من الأرض هذه الأنهار الخمسة والقرآن والعلم والحجر والركن والمقام وتابوت موسى ﵇ بما فيه يرفع الكلّ إلى السماء فذاك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ»﴾ (٣)، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد خير الدين والدنيا، قال ابن الجوزى: إلاّ أنّ هذا الحديث غريب والأصحّ أنّه موقوف على ابن عبّاس.

стр. 213

ذكر سيحان وجيحان وهما نهران أيضا (١) (١٧٩) قال النوبختى ﵀: هذان نهران فى بلد الروم، فأمّا سيحان فتخرج من عيون بينها وبين ملطية ثلاثة أيّام ثم يمتدّ إلى ناحية الغرب وعليه من المدن أدنة فيصبّ فى البحر الرومى، وأمّا جيحان فيخرج من عيون بينها وبين مرعش ثلاثة أيّام وعليه المصيصة، ويصبّ أيضا فى البحر الرومى، والنهر الأسود الذى غرق فيه ملك الألمان قريب من بلد الروم. وأمّا البحيرات (٢) فكثيرة جدّا منها بحيرة ساوة وسنذكرها، وبحيرة أرمينية وبحيرة الروم، وأمّا الشام فبحيرة قدس بحمص معروفة وبحيرة فامية أيضا معروفة، وبحيرة دمشق، وبحيرة طبريّة ودورها ثلاثة وثلاثون ميلا ويصبّ الماء إليها من حوله بانياس ويخرج منها النهر المعروف بالأردنّ ويمرّ فى الغور إلى بحيرة زغر من أرض الكرك، وقال الجوهرى ﵀: (٣) الأردنّ اسم نهر وكورة بأعلى الشام، وقال ابن الجوزى: قال جدّى ﵀ فى المنتظم إنّ بحيرة طبريّة تصبّ فى نهر أنطاكية والظاهر أنّه قلّد من لا يعرف، وأين بحيرة طبريّة فى الشام الأعلى وأنطاكية فى الشام الأسفل؟ وإنّما الذى يصبّ فى نهر أنطاكية بحيرة فامية، ومنها بحيرة تنّيس بالديار المصريّة وكانت قبل ذلك قرى ومزارع لم يكن بمصر مثلها فغلب عليها الماء وقد تقدّم ذكرها.

стр. 214

ذكر أنهار الشام (١) أمّا أنهار دمشق فأصل مياهها بردا وعين الفيجة، يجتمع بردا عند عين الفيجة ثم تنحدر إلى قرية يقال لها الهامة فينفصل منها نهر يزيد ويمتدّ إلى قاسيون وينتهى إلى دوما وقد كان يمتدّ فى الزمان القديم إلى الماطرون ودنبة والقناطر فى لحف الجبل باقية إلى الآن، وكذا الآثار، وهو منسوب إلى يزيد الرومى، فأمّا يزيد بن معاوية فإنّه وسّعه وعمّقه فنسب إليه، (١٨٠) وأمّا نورا فيأخذ من فوق الربوة ويمتدّ إلى قريب القصير ويقال إنّ كان عليه ثلاثمائة وستّين ماصية، وأمّا باناس وهو نهر الجامع الأموى، وكذلك القنوات ونهر المزّة ويتفرّع من هذه الأنهار عدّة أخر معاومة. وأمّا العاصى: فهو نهر حماة وأصله من جبل لبنان من قرية يقال لها اللبوة ثم ينزل إلى بحيرة قدس ويخرج العاصى منها فيمرّ بأرض حمص وشيزر وفامية إلى قريب من أنطاكية، ثم يصبّ إلى البحر الرومى، وقيل إنّما سمّى العاصى لأنّه يجرى إلى غير القبلة، ومسافة جريانه ثلاثة أيّام، وأمّا قويق فهو نهر حلب يخرج من قرية يقال لها سنياب على سبعة أميال من حلب ثم يمرّ على حلب وقنّسرين وينتهى إلى المرج الأحمر وماؤه موصوف بالرقّة والخفّة وقيل إنّ أوّله وخم فإذا امتدّ طاب. وأمّا أنهار الجزيرة (٢) منها البلخ بين حرّان والرقّة، ويقال إنّ الخليل ﵇ نزل بذلك المكان وقال له ابلخ فيتفجّر وعنده مقام إبراهيم ﵇، وكانت عليه منازل الوليد بن عقبة ابن أبى معيط الآتى ذكره فى تأريخه، ومنها الحلات:

стр. 215

وهو نهر حرّان وماؤه خفيف ويقال إنّ أوّله رخم ثم يصحّ وأوّله من عين ببلد الرها، ومنها الهرماس وهو نهر نصيبين ويقال إنّه يسقى ثلاثين ألف بستان ومبدأه من جبل نصيبين، ومنها الخابور، وهما خابوران: خابور رأس العين ويمتدّ منها إلى الفرات فيصبّ فيها تحت قرقيسيا وعليه المجدل وغيره من القرى، وأمّا الخابور الثانى ففى ديار بكر عند قردى ومارندى (١) وهى ديار بنى حمدان الذين ملكوا الموصل والجزيرة والشام بحلب الآتى ذكرهم فى تأريخهم إن شاء الله تعالى، ومخرج هذا النهر من بلاد أرمينية ويصبّ فى دجلة وماؤه عذب وفيه قال الشاعر (من الطويل): (١٨١) بقردى ومارندى مصيف ومربع ... وعذب يحاكى السلسبيل برود وبغداد ما بغداد أمّا ترابها ... فحم وأمّا حرّها فشديد ذكر أنهار العراق (٢) حكى الخطيب ﵀ فى تأريخه عن الأوائل أنّ ملوك الأردوان وهم النبط الأول كانوا فى السواد قبل فارس وهم الذين استنبطوا المياه وحفروا الأنهار العظام بالعراق وصرّفوا دجلة والفرات بالسكور وقسموا المياه، يقال لهم ملوك الطوائف وإنّما سمّوا بذلك (٣) نبطا لأنّهم استنبطوا المياه أى استخرجوها. وذكرهم الجوهرى (٤) فقال: النبط والنبيط قوم ينزلوا البطائح بين العراقين، وقال ابن قتيبة ﵀: هم قوم ملكوا العراق ألف سنة، وقال ابن المنادى:

стр. 216

كان ملكهم من عانات وكور دجلة والبصرة وكانوا يصرّفون الفرات ودجلة كيف شاءوا وما فضل يصرّفونه إلى البحر الشرقى فلهذا سمّوا نبطا. قلت: ولعلّ من آثارهم وغرسهم التفّاح المعروف بالنبطى موجودا بالشام إلى الآن وهو أكثر ما يكون. وحكى الخطيب أيضا عن الهيثم بن عدى عن عبد الله بن عيّاش المنتوف قال: كان حدّ ملك النبط الأنهار إلى عانات كسكر إلى ما والاها من كور دجلة إلى كوجا (١) والسواد، وكان فى أيدى النبط سرّة الدنيا وكانت الفرات ودجلة لا ينتفع بهما حتى يليان بلادهم فيحفّونها ويفجّرونها فى كلّ موضع ويسوقونها إلى البحر الشرقى وحفروا الصراة العظمى ونهر سورا، وقيل إنّما جفر الصراة ملوك فارس ثم وليت الفرس فحفروا الأنهار (١٨٢) مثل نهر الملك، والخالص، ودبالى، وفم الصلح، وقيل إنّما حفر نهر الملك أفقورشه آخر ملوك النبط ويقال إنّه ملك مائتى سنة، وقيل إنّما حفره سليمان بن داود ﵇، وقيل إنّما حفر فم الصلح خالد بن عبد الله القسرى لمّا كان متولى العراق، وفم الصلح كان قد أقطعه المأمون للحسن بن سهل لما تجوّز ابنته بوران لما نذكر من ذلك فى آخر جزء هذا التأريخ وهو الجزء المسمّى بالدرّ الفاخر فى سيرة الملك الناصر أخّرناه لمكان لائق به فأثبتناه إذ كان القصد من ذكره عظم أمر الوليمة التى كانت فى ذلك الوقت لما يقف عليه من تطلبه. قال: وأمّا النيل الذى بأرض العراق فيقال إنّ الحجّاج بن يوسف حفره وهو قريب من واسط.

стр. 217

واختلفوا فى الذى حفر نهر عيسى وهذا النهر الذى يأخذ من الفرات ويصبّ ببغداد وعليه المحول وغيرها على أقوال: أحدها أنّه سليمان بن داود ﵉، الثانى: أنّه أفقورشه آخر ملوك النبط، الثالث: أنّهم ملوك الفرس، وقيل عيسى ابن على بن عبد الله بن عبّاس، وبه عرف، وليس كذلك فإنّه قديم وإنّما عيسى ابن على المذكور ابتنا عليه قصرا فعرف به، وأمّا الصراة فقديمة أيضا، قال الجوهرى (١) وذكرها: الصراة بالفتح نهر بالعراق وهى الصراة العظمى والصغرى وصرا الماء (٢) إذا طال مكثه وتغيّر. وأمّا دجيل فهو الذى غرق فيه شبيب الخارجى لما يأتى من خبره، واختلفوا أيضا فيه، فقال الهيثم بن عدى إنّ سليمان ﵇ أمر الشياطين فحفرته وألقت ترابه بين قصر (١٨٣) شيرين وخانقين وقيل إنّ بعض ملوك الفرس حفره. انتهى القول فيما اشترطناه من ذكر الأقاليم السبع والبحار السبع وما فى ضمن ذلك من الجزائر والبحيرات والأنهار والبلدان، مع ما مضى من ذكر الجبال والتلاع والقلاع والرمال وغير ذلك ممّا لخصناه من عدّة تواريخ وكتب الحديث النبوىّ من الصحيحين وما اشتمل عليه هذا الجزء المبارك من الأخبار وتبعها من الآثار، وجميع ذلك بحول الله وقوّته وحسن عنايته وبركة توفيقه وإلهامه وهدايته، ولنبتدئ الآن بذكر عجائب المخلوقات وبدائع المصنوعات فى كلّ إقليم وما اختصّ به واجتمع فيه موفّقا لذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 218

ذكر ما فى الدنيا من العجائب وفنون الغرائب ذكر عجائب المشرق (١) ذكر العلماء بأخبار العالم أنّ بالهند عجائب كثيرة، منها: هيكل عظيم من أعظم الهياكل يقال له بلاذرى مستدير الشكل له سبعة أبواب وفيه قبّة عظيمة شاهقة فى الهواء قائمة على سبعة أعمدة، وفى رأسها جوهرة بمقدار رأس الفحل يضئ بها جميع أقطار ذلك الهيكل، وإنّ جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما استطاعوا وهلكوا دون قصدهم، وكلّ من دنا منها خرّميّتا، وفيه صنم ذهب وزنه مائة ألف مثقال تزعم الهند أنّه نزل من السماء، يقصدونه من الآفاق، قلت: هذا ما ذكره ابن الجوزى فى تأريخه مراآة الزمان، وبالله العجب كيف يقول مثل هذا الكلام المناقض بعضه لبعض (٢) قد ذكر أنّ أحدا لا يستطيع الدنوّ من هذا المكان ومن قرب منه هلك فمن حرّر زنة هذا الصنم حتى إنّه <وجده> مائة ألف مثقال لا يزيد ولا ينقص.

стр. 219

(١٨٤) قال: وأساس هذا الهيكل من حجارة المغناطيس وبنى على سير الكواكب السبعة بالحركات السماويّة، وفيه بئر عليها طوق من الحديد الصينى مكتوب عليه بالقلم المسند: هذا البئر فيه علوم السموات والأرض وما مضى وما يأتى، وفيها خزائن الأرض لا يصل إليها من العالم إلاّ من وازن قدرته قدرتنا واتّصل عليه بعلمنا وساوت حكمته حكمتنا، وكلّ من نظر فيه خاف وارتعد وقع هاويا على أمّ رأسه ميّتا لا يختلج، وكذلك كلّ من نظر إلى هذا الهيكل خاف وارتعد وضعف قلبه فى أوّل وهلة، وعلى هذا الهيكل عدّة أوقاف منها مدينة برستاقها، وحول هذا الهيكل ألف مقصورة فيها جوارى حسان لمن تقدّم زائرا لهذا الهيكل يتمتّع بما شاء منهنّ. ومنها غدير عظيم فى مملكة المهراج وعليه قصر شاهق فى الهواء ويتّصل بخليج إلى البحر من خلجان الزابج، والغدير مملوءا لبنا من ذهب، وكلّ ملك يلى أمر المهراج يضرب كلّ عام لبنة منه ويلقيه فى ذلك الغدير، وهذا الخليج يمدّ ويجزر كلّ يوم فإذا جزر ظهر ذلك اللبن وتقابله عين الشمس بشعاعها فيلع ذلك الغدير بما فيه من اللبن الذهب لمعانا يأخذ بالأبصار، فإذا مات الملك وقام بعده آخر أخرج ما فى الغدير من ذلك اللبن وجمعه إليه وفرّقه على أهل المملكة من الخواصّ أوّلا ثم فى العوامّ فإن فضل شئ فرّقه فى المساكين، ثم يكتب عدد اللبن ووزنه فى لوح من الذهب منقوشا: وإنّ فلانا عاش فى الملك كذا كذا سنة وخلّف فى غدير الذهب كذا كذا لبنة، وكانوا يتوارثون ذلك ويفتخرون بمن تطول أيّامه وتكثر لبنه. ومنها أطمة بساحل الهند بين مملكة سروان والمهراج يخرج (١٨٥) منها نفط أبيض وليس فى العالم نفط أبيض سواه، وعندها نار لا تخمد نيلا ولا نهارا،

стр. 220

وليس فى إطام الأرض أعظم منها ويضئ فى الليل منها نار ترى فى البحر الشرقى من مائة فرسخ وتقذف بجمر كالجبال وقطع الصخور تتراءى فى الهواء ثم ينعكس سفلا فيهوى فى قعرها وهى سود لما نالها من الحرارة، قال الجوهرى: (١) والأطم مثل الأجم جمع أجمة تخفّف وتثقّل والجمع آطام والآطام حصون أهل المدينة. قلت: أجمع أهل التأريخ على وجود هذه الأطمة بهذه الديار ومنهم من أطنب وأطال فى ذكرها مثل المسعودى وغيره فدلّ ذلك على صحّة وجودها. ومنها بطّة نحاس على عمود نحاس بين الهند والصين فى أرض يقال لها كمار، (٢) حكى ابن الجوزى ﵀ بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا كان يوم عاشوراء مدّت تلك البطّة عنقها إلى نهر تحتها فتشرب منه ثم ترتفع إلى مكانها وتفتح منقارها فيفيض منه من الماء ما يكفى لكّان تلك البلاد وزروعهم ومواشيهم إلى مثل يوم عاشوراء من السنة الأخرى. قلت: وهذا أيضا فيه نظر من جهة العقل، وذلك أنّه لو قال: يوم فى السنة، لأمكن وإنّما قال: يوم عاشوراء، ويوم عاشوراء لا يكون إلاّ فى السنة العربيّة والسنة العربيّة تدور ويجئ يوم عاشوراء فى سائر فصول السنة الأربع والزرع لا يكون إلاّ فى فصل مخصوص فى سائر الأقاليم السبعة كلّ إقليم وما يوافق فيه فى أوانه ويكون فى فصل استقبال الشتاء ليتربّا الزرع فى رطوبة الوقت ويدرك الحبّ فى استقبال الصيف فيحسن حصاده، ويوم عاشوراء تدور فى الفصول الأربع، فلا يصحّ ذلك، والله أعلم إلاّ أن يكون فى يوم من الشهور (١٨٦) الروميّة والقبطيّة، وهذا ظاهر.

стр. 221

ومنها قنطرة بين السوس وبين جندى سابور ذكرها صاحب المسالك والممالك (١) وقال: هى على واد عظيم منه أنهار جندى سابور والسوس، وطول هذه القنطرة أربعمائة ذراع بناها سابور وأساسها فى الأرض ثلاثون ذراعا وارتفاعها فى الهواء مائة ذراع، وبين صخورها الرصاص مصبوب، وفيها نيف وعشرون طاقا كلّ طاق عشرة أذرع، يخرج من تحت القناطر نيف وثلاثون نهرا تسقى رستاق السوس وجندى سابور ولا ينقص الماء شيئا. قلت: وهذه القنطرة أيضا مذكورة، وقال المسعودى: إنّها من بناية الفرس الأول، وإنّ الإسكندر لمّا ظهر أخربها، وكذلك كانت قنطرة على سيحون بناها الضحاك فأخرجها أيضا الإسكندر، هكذا قال المسعودى، والله أعلم. ومنها ما ذكره ابن حوقل فى كتاب الأقاليم فى صفة الدنيا، قال: (٢) الخزر اسم إقليم وقصبته تسمّى آتل، وآتل أيضا اسم النهر الذى يجرى إليها من بلاد الروس وبلغار ويصبّ فى بحر الخزر وقد ذكرناه، وكذلك اسم أى من تملّكهم من ملوكهم أيضا آتل وقصره مبنىّ بالجص والآجرّ، ولا يسمح لأحد من رعيّته فى البناء بهما، وهو يهودى وعسكره اثنا عشر ألفا كلّهم يهود، (٣) وحاشيته أربعة آلاف، وفى بلادهم مسلمون ونصارى ومجوس ومن يعبد الأوثان ومن يعبد الكواكب ومن يعبد الشمس والقمر، وعنده سبعة من الحكّام لهذه الأديان المتفرّقة يقضون بين الناس، وقال المسعودى فى ذكر ذلك: (٤) وإنّ هؤلاء الحكّام السبعة متى اختلفوا فى شئ ولم يجدون عندهم لذلك قياس رجعوا فيه لحاكم المسلمين، قال ابن حوقل: ولا يصل أحدا (١٨٧) إلى الملك إلاّ فى النادر.

стр. 222

وذكر ابن حوقل (١) حكاية طويلة ملخّصها أنّ رجلا ولد له ولد وكان له غلام يتّجر بماله، فمات الرجل بعد ما كبر الولد الغلام وبلغ حدود الرجال ووصل غلام أبيه فنازع الولد فى المال وقال: إنّه أبى دونك وإنّك ليس بولده، والمال لى أستحقّه دون استحقاقك! وأقاما يتحاكمان عند الحكّام سنة وأقام كلّ منهما البيّنة، ومن عاداتهم إذا امتدّت الحكومة سنة ولم تنفصل تولّى الملك الأمر بنفسه، قال: فأحضرهما بين يديه وأعيدت عليه الدعاوى وأحضر كلّ منهما بيّنته فلم يترجّح عند الملك لأحد منهما حقّ على الآخر فلم يجد ما يقضى به الترجيح بين البيّنتين فأفكر ساعة وقال للولد: أتعرف قبر أبيك؟ فقال: كنت غائبا لمّا مات، ولما قدمت قالوا هذا قبر أبيك، فقال للغلام المدّعى النبوّة: أتعرف قبر أبيك؟ قال: نعم أنا قدمت من سفرى قبل وفاته وتولّيت دفنه، فقال الملك: علىّ برمّته! فأحضرت، فقال: افصدوا الغلام الذى تولّى دفنه على هذه الرمّة ففصدوه فكان الدم يحيد عنها يمينا وشمالا لا يعلق منها بشئ، ثم أمر أن يفصد الولد ففصدوه عليها فعاد الدم يتعلّق بالرمّة وشربته شربا، فسلم الولد مال والده وعوقب المدّعى وقرّر فقرانه (٢) مدّعى فأدّب وشهّد وكذلك بيّنته. ذكر عجائب العراق (٣) قال ابن الجوزى ﵀: قال جدّى عن حميد الدهقان الفلّوجة السفلى قال: (٤) كان ببابل سبع مدائن فى كلّ مدينة أعجوبة ليست فى الأخرى، فكان فى المدينة الأوّلة هيئة مثال الأرض كلّها، وفيها صورة أنهار فإذا التوى أهلها

стр. 223

خرق أنهارها المصوّرة فيتفجّر عليهم الماء حتى (١٨٨) يغرقهم فلا يستطيعون سدّه حتى يطيعونه وينقادون إليه. وكان فى المدينة الثانية حوض من رخام فإذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه يأتى منهم من أراد بما أحبّ من أنواع الأشربة فيصبّه فى ذلك الحوض الرخام فيختلط الجميع ثم تقوم السقاة فيصبّونه فى الأوانى فمن صبّ فى إنائه شراب كان شرابه بعينه لا يختلط بشئ. وكان فى المدينة الثالثة طبل محكوم من خاصّيّته إذا غاب أحد من أهل تلك المدينة غيبة منقطعة وأرادوا أهله يعلموا أحىّ هو أو ميّت أتوا الطبل وضربوه فإن صوّت فهو حىّ وإن لم يصوّت فهو ميّت. وكان فى المدينة الرابعة مرآة محكومة من الحديد الصينى ذات أخلاط مركّبة إذا غاب من أهل تلك المدينة غائب وأرادوا أهله يعلموا على أىّ حالة هو يأتوا إلى تلك المرآة فينظرونه على الحالة التى هو عليها. وكان فى المدينة الخامسة إوزّة محكومة من نحاس على باب المدينة، فإذا دخلها غريب صوّتت تلك الإوزّة صوتا يسمعه أهل البلد فيعلمون أنّ غريبا طرقهم. وكان فى المدينة السادسة صورة فاضيان جالسان على الماء فإذا تقدّم إليهما الخصمان ليتحاكمان يمشى المحقّ على الماء ولا تبتل قدماه ويغوص المبطل. وكان فى المدينة السابعة شجرة عظيمة إذا جلس تحتها ألف رجل أظلّتهم وإن زادوا واحدا عادوا الجميع فى الشمس، ومن عجائب العراق إيوان كسرى.

стр. 224

وأمّا عجائب بلاد الموصل (١) قال ابن الجوزى ﵀: بأرض الموصل جبل قريب منها من ناحية الشرق عليه دير يقال له دير الخنافس للنصارى فيه عيد فى السنة له ليلة فى السنة يجتمع إليه جميع الخنافس التى فى الدنيا حتى تعود أرضه مسوّدة (١٨٩) من كثرتهم حتى لا يعودون الناس يرون الأرض ولا يدوسون إلاّ عليهم طول تلك الليلة فإذا كان الصباح لم يوجد من تلك الخنافس شيئا، وقيل إنّ بأرض المعرض آخر مثله، والله أعلم. وأمّا عجائب بلاد اليمن (٢) قال النوبختى فى كتابه: (٣) إنّ ما بين الشحر وحضر موت شخص من نحاس على عمود من نحاس مادّا يده إلى خلفه كأنّه يشير أنّه ليس وراءه مسلك، قال: وهى أرض رجراجة لا تستقيم عليها الأقدام، يقال إنّ ذو القرنين وصل إليها فخرج عليه نمل كالبخاتى فكانت النملة تصرع الفارس فرجع وصنع ذلك الشخص ليعلم أنّه ليس وراءه مذهب. ومنها وادى برهوت بحضرموت فيه جبّ يقال إنّ فيه أرواح الفجّار، وفى هذا الوادى اطمة عظيمة تقذف بالجمر والنار كالتى بالهند المقدّم ذكرها. قال ابن الجوزى ﵀: حكى جدّى ﵀ فى مجالس وعظه وأنا أسمعه وقد ذكر وادى برهوت فقال: قدم بغداد رجل من خراسان حاجّا وكان معه مال فأودع بعضه عند بعض الزهّاد ومضى إلى الحجّ فلمّا عاد وجد الزاهد قد مات

стр. 225

فاغتمّ فسأل بعض العلماء عن الطريق فى أمره وكشف الحال، فقال له: ما تمّ إلاّ أن ترجع إلى مكّة وتقف على زمزم وتنادى باسمه: يا فلان! فإن أجابك فاسئله عن وديعتك وإلاّ فاذهب إلى برهوت ففيه بئر فيها أرواح الفجّار وفى زمزم أرواح المؤمنين، فرجع الرجل إلى مكّة ووقف على زمزم ونادى: يا فلان! فلم يجبه فخرج إلى اليمن ووقف على البئر بوادى برهوت وإذا هو جبّ عميق مظلم يطلع منه الدخان وحمو النار واللهب فناداه: يا فلان! (١٩٠) فأجابه بانكسار وقال: لبّيك! فقال: وأين مالى؟ قال: تحت الدرجة الفلانيّة، اذهب إلى أهلى وأولادى وعرّفهم فإنّهم يعطوك مالك، فقال: ألست الزاهد العابد؟ فما الذى أوقعك هاهنا؟ فقال: كانت أعمالى لغير الله تعالى، قال: وعاد الرجل إلى بغداد وعرّف أهله وأولاده فحفروا المكان وأعطوه ماله. وأمّا عجائب الشآم ومصر والمغرب (١) قلت: نذكرها هنا من عجائب مصر نتفا لطيفة، وذلك ما ذكره الشيخ جمال الدين ابن الجوزى وغيره وتأخّر الجملة من عجائب مصر فى الجزء الثانى المختصّ بذكرها وعجائبها ومدنها وغرائب ما فيها من الحكم والأبنية والطلسمات والأسماء ليكون ذلك مذكورا مع من ملكها من ملوكها وكلّ ملك وما بنا وما صنع فى أيّامه من العجائب الغريبة والصنائع المحكمة، وبالله أستعين فإنّه خير معين. قال ابن الجوزى ﵀: (٢) حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه قال: عجائب الدنيا حمّام طبريّة، ومنارة إسكندريّة، وقال آخر: نهر الذهب،

стр. 226

وجبّ الكلب، وقلعة حلب، فأمّا جبّ الكلب فيقال: إنّه فى الروم وماؤه يبرى من الكلب، وأمّا نهر الذهب فيقال نهر بزاعة فإنّه يسقى البساتين والأراضى وما يفضل عنه يصير فى البريّة ملحا، قلت: الأولى بتسمية نهر الذهب على هذا الحكم نيل مصر فإنّه يسقى من الأراضى أضعاف ما يسقيه نهر بزاعة وماؤه يحمل ويباع بالذهب. وكانت قلعة حلب تعدّ من العجائب حتى هدموها التتار لما نذكر. ويقال أيضا مع حمّام طبريّة ومنارة إسكندريّة: وجامع بنى أميّة وإن كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه ما ذكره فإنّه لم يدركه وسنذكره عند ما بناه الوليد بن عبد الملك فى تأريخه إن شاء الله تعالى. (١٩١) ومنها بمصر بئر البلسم التى تسقى حشيشة البلسم لا توجد فى غير هذه البقعة ويستخرج من هذه الحشيشة دهن عجيب يدخل فى كثير من المنافع ويعمل منه النفط الذى لا يوجد له نظير، ومن خاصّيّة هذا الدهن أنّه يقيم المقعد ولا يكون إلاّ فى خزائن الملوك وله عدّة منافع عجيبة. ومنها على ما قال ابن الجوزى الهرمين، قال: وسمك كلّ واحد منهما خمس مائة ذراع فى ارتفاع مثلها وكلّما ارتفع البناء دقّ علوّه حتى يصير أعلاه فى مقدار مفرش حصير، قال: وهما من المرمر وعليهما جميع الأقلام القديمة المعجمة من اليونانيّة والعبرانيّة والسريانيّة والمسندة والحميريّة وكذلك الروميّة والفارسيّة القديمان. قلت: أمّا قوله إنّهما من المرمر فلا وليس فيهما شئ منه وإنّما هما حجرا أصمّ مانع ولا تعمل فيه المعاول إلاّ بالجهد، وقوله سائر الأقلام، وذكرهم، فليس كذلك أيضا فإنّ الأقلام الذى ذكرهم يوجد من يحلّهم وهذا القلم الذى منقوش

стр. 227

فيهما قلم غريب قديم قد انقطع من يفهمه ولا يعلمه، ولعلّ أنّ العبد واضع هذا التأريخ يفهم شئ من حلّ بعض الأقلام الذى ذكرهم، ولقد نظرت ما على هذين الهرمين من الرقم فلم أفهم منه حرف واحد، ورأيت أيضا القلم الذى كان على تربات إخميم فهو هذا القلم الذى على الأهرام بعينه، والذى ظهر لى أنّ هذه الكتابة رموز زبروا فيها القوم علومهم بخلا منهم على ما ضمنوه وكان أولئك القوم يدينون بالرجعة فرمزوا علومهم على أن تكون لهم رجعة فخابت آمالهم وغابت أموالهم. وحكى أيضا ابن الجوزى ﵀ قال: حكى عن بعض علماء مصر قال: إنّهم حلّوا بعض الأقلام فوجدوه: إنّى بنيتهما بملكى فمن ادّعى قوّة فليهدمهما فإنّ الهدم أيسر من البناء. (١٩٢) وقال ابن الجوزى أيضا: حكى جدّى فى المنتظم عن ابن <المنادى> ﵀ أنّه قال: فحسبوا خراج الدنيا مرار فلم يف بهدمهما، قلت: (١) وهذا أيضا وهم فإنّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب ﵀ أمر أن يؤخذ من حجارتهما وتبنى قنطرة فهدموا منها شئ كثير وبنى بذلك جسرا تمشى عليه الناس أيّام زيادة النيل بالديار المصريّة، وتولّى هدمها وعمارة الجسر والقنطرة بهاء الدين قراقوش الآتى ذكره عند ذكر دولة بنى أيّوب إن شاء الله تعالى، وفى هذا العصر أيضا قد هدم منهما شئ كثير، وإنّما فى هدمهما صعوبة وكلفة لصلابة الحجارة وكونها متداخلة ذكر فى أنثى، وقد شاهدتهما مرارا ولا أشكّ أنّهما نواويس الملوك الذين كانوا من قبل، يدلّ على قوّة سلطانهم وكثرة أعوانهم وطول آمالهم وسعة آجالهم وأموالهم، وسأذكر من أمر الأهرام ما وجدته فى تأريخ عتيق

стр. 228

قبطى بالدير الأبيض قبالة سوهاى بصعيد مصر وأذكر سبب وقوعى على هذا التأريخ المذكور فى الجزء الثانى منه إن شاء الله تعالى. وقال ابن الجوزى أيضا: واختلفوا فى من بنى الأهرام، فقال بعضهم: يوسف ﵇، وقال آخرون: نمرود بن كنعان، وقال قوم: دلوكة الملكة الساحرة، وقال آخرون: إنّما بناها القبط من قبل الطوفان فإنّهم كانوا يروا أنّه سيكون كائن سماوى فبنوها ونقلوا إليها ذخائرهم ورمزوا فيها علومهم وجاء الطوفان فما أغنى عنهم شيئا. قلت: هذا قريب ممّا وجدته فى ذلك التأريخ: وإنّ الذى بناها هو سوريد ابن سلهوق بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، هذا قول ابن الجوزى. (١٩٣) وأمّا ما وجدته فى التأريخ القبطى فسأذكره مفصّلا حسبما اشترطناه، ولعلّه الصحيح من أمرهم، ورأيت المسعودى وافق على كثير منه ولعلّه وقف على هذا التأريخ المذكور، وقد ذكرت ما استنسخته من الكتاب القبطى وقابلت عليه من تأريخ المسعودى يظهر صحّة ذلك لكلّ واقف عليه. وحكى ابن الجوزى أيضا: أنّ بعض شيوخ مصر ممّن كان يعرف لسان اليونان حلّ بعض الأقلام بالأهرام ونقلها إلى العربيّة فإذا هى: بنا هذان الهرمان والنسر الواقع فى السرطان، قال: فحسبوا من ذلك الوقت إلى زمان نبيّنا محمّد ﷺ فإذا هو ستّة وثلاثون ألف سنة وقيل اثنان وسبعون ألفا، وقيل إنّ القلم الذى عليها تأريخه قبل بناء مصر بأربعة آلاف سنة لا يعرفه أحد. وقال: إنّه قيس عرض الهرم الشرقى فكان خمس مائة ذراع ونيف وسطحه

стр. 229

تسعة أذرع وطوله فى الهواء مائة وثمانون صفّا من الحجارة كلّ حجر عرضه ثلاثة أذرع، قال: وعرض الهرم الغربى أربعمائة وستّون ذراعا وطوله كذلك. وبالقرب منها صخرة عظيمة قد صوّروا منها رأس شخص صفة صنم يسمّونه أبو الهول. قلت: ومن غريب ما حكى لى رجل شيخ من أهل الفيّوم عدل رافقنى فى وقت فى سفر فى مركب إلى نحو صعيد مصر قال: كان لى ابن أخت بمدينة الفيّوم وكان صعلوك يكرى على جمل له من الفيّوم إلى مصر ومن مصر إلى الفيّوم، قال: فهو ذات ليلة نائم بمدينة الفيّوم إذا أتاه آت وقال له: قم خذ رزقك من أذن أبو الهول! قال: فانتبه وتعوّذ ونام، فأتاه الآت يقول له كذلك ثلاث مرار، قال: فنهض ولم يذكر لزوجته (١٩٤) وأوصاها على الجمل وقال: لى أجرة عند فلان بالبلد الفلانيّة فإنّى أغيب اليوم والغد، قال: وخرج فلم يزل إلى أن وصل إلى الأهرام من طريق يعرف بطريق العبيد الآتى ذكرها، قال: ثم وصل إلى تحت أبى الهول وعاد يدور حوله ويقف وينظر إليه ولا يدرى ما يصنع وحار فى أمره، فبينا هو كذلك إذ وقف عليه جندىّ راكب فرس بعدّة حسنة، فقال له: أيش أنت؟ فقال: يا خوند عابر سبيل، فقال: أتالى زمان أنظر إليك وأنت دائر حول هذا الصنم وتنظر إليه فقل لى أيش أنت وإلاّ قتلتك، فإمّا تكون قاطع طريق أو مطالبى! ثم هوّل عليه بالدبّوس، فلم يقدر على الخلاص منه فقال له: والله يا خوند قصّتى كيت وكيت، قال: فترجّل الجندىّ وقال له: امسك فرسى أنا أطلع آخذ ما فى أذنه وأعطيك منه شئ! قال: فما هو إلاّ أن تسلّق ومدّ يده إلى أذن الشخص فضربته منه حيّة رمليّة جعلت ذلك الأذن وكرها، قال: فسقط ميّتا وقد صار كالفحمة السوداء، قال: فلمّا عرفه قد فرط فيه دوره

стр. 230

فوجد على وصطه كيس دراهم ألف درهم وأخذ حياصته وقلع فضّة سرجه وعدّته وسيّب فرسه وتوجّه عائدا إلى أهله، فكان ذاك سبب سعادته وعاد له دنيا كثيرة. وحكى لى ذلك العدل أيضا، قال: كان الجبّاس المشهور بالسعادة العظيمة التى كانت تحيّر العقول حتى من جملة ما كان له فى كلّ يوم بدينار ذهب فاكهة مشموم كلّ أوان بما فيه من الشموم يرمى من ليله ويجدّد غيره، وكان له أربعين حضيّة من سائر الأجناس، كلّ واحدة فى دار لا تعرف بها الأخرى، وحكى عنه أنّه ولد له ولد من بعض حضاياه وكانت أعزّهم عليه وأحضاهم عنده، فقال لها: أيش تشتهى يكون متبوعك؟ قالت: (١٩٥) أشتهى كلّ امرأة أمير فى الدولة تكون فى فرحى، فقال لها: حبّا وكرامة! فلمّا كان يوم الفرح سيّر سائر حضاياه فى أفخر الملابس من سائر ما ينبغى أن يلبسنه نساء الأمراء وأوصاهنّ أن تقول كلّ واحدة منهنّ: أنا امرأة الأمير الفلانى! فى ذلك الوقت، ومضى لهنّ يوم ما شهد مثله فلمّا انقضى واجتمع بتلك الحضيّة صاحبة الفرح سألها كيف كان يومها، فشرعت تحكى له على عادة ما تحكى النساء لأزواجهنّ: كانت امرأة الأمير الفلانى صفتها كيت وكيت وكان عليها من القماش والزركش والمصاغ ما من صفته كذا وكذا، حتّى ذكرت الجميع وهى تطنب فى حسنهنّ وملبوسهنّ، قال: فتبسّم وقال لها: جميع من نظرتى خشدا شيّتك وأنتى ستّهم. قلت: إنّما ذكرت هذه الواقعة قبل حكاية الشيخ عنه فى سبب سعادته ليعلم سعة سعادة هذا الرجل، ولقد أدركته بالمولد ورأيته وسأذكر ما سمعته عنه وعاينته منه بعد ما أذكر ما حكاه العدل عن سبب سعادته. قال: كان هذا ابن الجبّاس أبوه صاحب جبّاسة بمصر وتوفّى وخلف هذا

стр. 231

شابّا فودّر جميع ما تركه له أبوه فى مدّة يسيرة وركبه دين كثير فاختشى وخاف من الاعتقال، قال: فتزوّد رغيفين خبز وقليل جبن وعدا إلى برّ الجيزة على عزم التسحّب من الدين، قال: فهو عند قناطر الجيزة وجد ورقة عتيقة مرميّة فقرأها فإذا فيها يقول: باب الدينار: وهو أن تأخذ من البخور كيت وكيت وتأتى إلى عند أبى الهول فتبخر بذلك البخور وتتلوا هذه الأسماء سبع مرات والبخور عمّال فإنّه يخرج لك لسانه وعليه دينار فتناوله منه ولا يهولك ذلك فإذا صار فى يدك بخرّه بكيت وكيت وضعه فى كفّة الميزان تجد قبالته مثله فخذه واجعله معه تجد قبالتهما (١٩٦) مثلهما كذا حتى لا نهاية له، قال: فرجع إلى سوق الجيزة واشترى البخور وتوصّل إلى عند أبى الهول وفعل جميع ما أمر به فخرج له الدينار فكان سبب سعادته. قلت: هذا ما حكاه ذلك الشيخ العدل الفيّومى ولعلّه كان كذلك فإن سعادة ذلك الرجل كانت ممّا تحيّر العقول. ويقال إنّ سبب سعادته أنّه كان يخدم عند الطواشى فاخر الخزندار فى أيّام مولانا السلطان الملك المنصور فى دولة مولانا السلطان الشهيد الملك الأشرف، وكانت الخزانة فى ذلك الوقت فى تصرّف الطواشى المذكور، وكان هذا ابن الجبّاس الغالب على عقل الطواشى فحصل ما حصل، وعلى الجملة: إنّ العبد سمع من القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة وكان فى ذلك الوقت فى كتابة المماليك السلطانيّة وصحابة الديوان برفقة القاضى بهاء الدين بن الحلّى يقول لوالدى وأنا أسمع: لنا اليوم ثمان ليال نقصد نخلى الحمّام ما نقدر، فقال الوالد: ولم ذاك؟ قال: لأنّها مخلية مع هذا الرجل السعيد النصبة ابن الجبّاس منذ ثمان ليال كلّ ليلة يدخل مع جوار له غير الذين دخلوا البارحة، وآخر أمره أنّه توفّى فى سعادته

стр. 232

ولم يعلم حقيقة حاله، ورأيت بعد ذلك ولده يخدم فى الفرع المعروف بالعطّارين من فروع دار الوكالة بمصر المحروسة من جملة القباض بدرهم كلّ يوم وأحكيت حكاية الفرع الذى تقدّم ذكره لوالده مع بعض حضاياه، فقال: يا سيّدى والله الفرح كان فى ولادة المملوك، يعنى عن نفسه، وهذه والدتى تعيش وأحكت لى هذه الحكاية بعينها، فقلت: فكيف حالها؟ قال: والله تنتظرنى بغير أكل حتّى أعود إليها آخر النهار بهذا الدرهم فتتبلّغ به، ثم بكا وقال: هذا بذاك ولا عتب على الزمن. رجع ما انقطع (١٩٧) قال ابن الجوزى ﵀: (١) وحول الهرمين الكبار أهرام صغار عدّة، ويقال إنّ ملك اليونان عمرها، ولمّا ملك أحمد بن طولون الآتى ذكره فى تأريخه الديار المصريّة حدّثته نفسه بالوصول إلى الأهرام من أبوابها فحفر عدّة حفائر حولها فلم يقع عليها ووجدوا فى بعض الحفائر قطعة مرجان منقوش عليها سطور باليونانى فأحضر من يعرف ذلك القلم وإذا هى أبيات شعر فترجمت فإذا هى (من الطويل): أنا بانى الأهرام فى مصر كلّها ... ومالكها قدما بها والمقدّم تركت بها آثار علمى وحكمتى ... على الدهر لا تبلى ولا تتثلّم وفيها كنوز جمّة وعجائب ... وللدهر لين مرّة وتهجّم وفيها علومى كلّها غير أنّنى ... أرى قبل هذا أن أموت فتعلم ستفتح أقفالى وتبدو عجائبى ... وفى ليلة فى آخر الدهر تنجم

стр. 233

ثمان وتسع واثنتان وأربع ... وسبعون من بعد المبين تسلّم ومن بعد هذا آخر تسعين برهة ... وتلقى البرابى تسحر وتهدم تدبّر فعالى فى صخور قطعتها ... ستبقى وأفنى قبلها ثم تعدم قال: فجمع ابن طولون الحكماء والحسّاب وفضلاء الناس وأمرهم بحساب هذه المدّة فلم يقدروا على تحقيق ذلك فيئس وزال الطمع. ومن عجائب مصر المطالب، قال ابن الجوزى ﵀: (١) والمطالب بمصر كثيرة إلاّ أنّ الغالب عليها لها طلسمات تمنع من الوصول إليها، قال: وحكى الهيثم بن عدى وغيره أنّ رجلا جاء إلى عبد العزيز بن مروان وهو يومئذ أمير مصر من قبل أبيه مروان بن الحكم، فقال له: أيّها الأمير! إنّى قد وجدت كتابا قديما يشير إلى بعض الأماكن أنّ فيه كنزا به أموال جمة، (١٩٨) فخرج معه إلى ظاهر مصر على أميال وجاء به إلى تلّ عظيم فقال: تحت هذا! فقال: فمن أين لك؟ فقال: علامة ذلك إذا كشفنا هذا التلّ ظهر لنا بلاط مختلف الألوان ثمّ نحفر فيظهر لنا باب من صفر ففيه المطلب، قال: فأمر بحفر ذلك التلّ فأزالوا بعض التلّ فظهر البلاط ثم ظهر الباب وإذا عليه أقفال عجيبة فعالجوها حتى فتحوها، وإذا بدرج إلى بهوّ عظيم فيه قناطر ومجالس عليها أبواب الذهب المرصّعة بالجواهر التى تشعل كالسرج، وذلك الدرج من نحاس مسبّك، وفى أوّل درجة عمود من ذهب فى أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان خراج الدنيا وجناحاه من زمرّد أخضر، فضرب ذلك الرجل رأس الديك فلمع شئ منه كالبرق الخاطف وذلك بما فى عينى الديك من الياقوتتان فظهرت الدرج بأسرها والبهوّ فبادر واحد من الرجال فوضع قدمه على أوّل درجة فلمّا استقرّت قدماه عليها

стр. 234

ظهرت سيفان عظيمان غاديان عن يمين الدرجة وشمالها فالتقيا على ذلك الرجل فقطعاه نصفين فأهوى جسده إلى الدرج، فلمّا استقرّ على بعضها اهتزّ العامود وصفر ذلك الديك صفرة عظيمة رجفت لها القلوب ثم حرّك جناحيه وظهرت بعد ذلك أصوات مزعجة وصرخات هائلة نكرة قد عملت على الكواكب السبع بالحركات الفلكية ينزعج لها السامع ولا يكاد يثبت، قال: فشجّع الناس بعضهم بعضا، وتقدّم آخر فجرى عليه كذلك وقطع نصفين، وجرت تلك الأحوال النكرة وتلك الأهوال المزعجة، قال: وآخر وآخر حتى قتل نيف وألف رجل، فقال عند ذلك عبد العزيز: حسبنا الله هذا أمر لا يدرك ولا يوصل إليه، ثم أمر بردّ التراب بعد غلق الباب على تلك القتلى فكانت تلك الحفرة (١٩٩) قبورهم وموضع ترابهم. قلت: وقد يأتى فى الجزء الثانى منه ذكر عدّة من هذه الحفائر التى أودعوها ملوك القبط أموالهم وذخائرهم وأمتعتهم وجعلوها نواويسهم ومقابرهم، وذلك ما تضمّنه ذلك التأريخ القبطى المختصّ بذكر ملوك مصر، وكذلك قد ذكرت فى الجزء المختصّ بالعبيدين (١) خلفاء مصر قطعة جيّدة من كتاب حلّ الرموز فى علم الكنوز ومن اتّصل إلى بعضها من ملوك مصر وخلفائها ما فيه بلغة المتأمّل. قال ابن الجوزى ﵀: ومن عجائب مصر جبل الطير بصعيدها وهو جبل فيه مغار وفى ذلك المغار شقّ فإذا كان يوما معيّنا فى السنة اجتمع إليه طيور سودانيّة من جميع الأقطار فيأتى كلّ منهم إلى ذلك الشقّ ويضع منقاره فيه ثم يخرجه ويطير ويأتى آخر فيفعل كذلك، ولا يزالون يفعلون كذلك حتى يطبق ذلك الشقّ على

стр. 235

منقار أحدهم فإذا تعلّق بمنقاره فى ذلك الشقّ طاروا الجميع بعد ذلك وتركوه معلّق بمنقاره إلى السنة الأخرى مثل ذلك اليوم فينفتح ذلك الشقّ ويسقط الميّت ويتعلّق غيره. قلت: هذا صحيح، وقد فحصت عنه وحكى لى جماعة لا أشكّ فى قولهم بصحّة ذلك، ولقد حكى للعبد إنسان كان متولّى منية بنى خصيب الذى هذا الجبل مقابلها يسمّى شمس الدين سنقر من مماليك كدت أنّه شاهد ذلك بعينه وأنّ الطير لا يبرح معلّق فى ذلك الشقّ وسألنى أن أتوجّه وأنظره فلم يتهيّأ ذلك لشغل الوقت، فقلت: قد اكتفيت <بقولك> عن المعاينة، وحكى أيضا أنّ فى سنة من السنين التى كان بها واليا تعلّق طائر منهم على العادة وطاروا البقيّة وتركوه فلم يبعدوا حتى لحق بهم ذلك الطائر وقد تخلّص، فعادوا على بدء إلى (٢٠٠) ذلك المغار وأعرضوا أرواحهم فى ذلك الشقّ حتى طبق على واحد منهم فتركوه ومضوا لحالهم، وهذه من العجائب التى لا تكيّف. ومن عجائب مصر عمود بثغر الإسكندريّة يعرف بعمود الصوارى ليس يوجد له نظير فى الطول والجفاء وهو من حجر أسود أصمّ لا يوجد له معدن بالديار المصريّة حتى قيل إنّه معجون من أخلاط عدّة وكذلك جميع الأعمدة التى التى بالبرابى المصريّة من معدنه، لكن ليس فيهم مثله، وقيل إنّ أخاه بآخر أعمال أسوان وهى آخر حدود الديار المصريّة. قلت: ولعلّهما جعلا حدودا لأعمال الديار المصريّة أحدهما هذا المذكور وهو حدّ ديار مصر إلى البحر الرومى من هذه الجهة والآخر حدّ ديار مصر من بلاد النوبة، فهذا ما ظهر للعبد من أمرهما، والدليل على ذلك أنّى رأيت هذا العامود بثغر الإسكندرية على تلّ عال ليس إلى جانبه عمارة ولا منه شئ غامض فى ذلك التلّ، فيقال: قد كان عليه عمارة وزالت وأقام وإنّما إقامته إشارة لشئ مخصوص به، ولعلّه كما خطر للعبد، والله أعلم.

стр. 236

ذكر عجائب المغرب (١) قال ابن الجوزى ﵀: (٢) منها نار فى جزيرة صقّليّة تشعل فيها الحجارة ولا يمكن أحد الوقود منها، قالوا: وليس بصقّليّة نملة ترى حتى قيل إنّ بها طلسما بسبب ذلك، ومنها حجارة أيضا بأرض القيروان تقد فيها النيران ترى فى الليل من مسافة بعيدة وفى النهار دخانا صاعدا وذلك لغلبة شعاع الشمس، وهى فى جبل يقال له جبل البركان. ومنها بيتان بالأندلس يعرفان بالملوك، (٣) ولمّا فتحت الأندلس فى زمان الوليد ابن عبد الملك حسبما نذكر ذلك فى تأريخه وجدوا هذين البيتين مختوم عليهما ففتحوا (٢٠١) إحداهما فإذا فيه أربعة وعشرون تاجا على كلّ تاج اسم صاحبه مكتوب عليه ومبلغ سنه ومدّة ملكه، ووجدوا فيه مائدة سليمان بن داود ﵉ وهى من الذهب، وقيل من الياقوت، وعليها أطواق الذهب مرصّع بالجوهر النفيس، فحملت إلى الوليد بن عبد الملك. قال: ووجدوا على باب البيت الآخر أربعة وعشرون قفلا، كان كلّ ملك يملك منهم تلك البلاد يزيد على ذلك الباب قفلا، ولا يعلمون ما فى ذلك البيت فسألوا عن ذلك فقال لهم بعض الرهبان: إنّ آخر ملوك الأندلس لمّا ملك قال: لا بدّ أن أفتح هذه الأقفال وأنظر ما فى هذا البيت، فنهاه الحكماء والوزراء والكبراء عن ذلك وقالوا: ما وضعت هذه الأنفال إلاّ لحكمة فخالفهم وفتحه وإذا فيه صفة رجال العرب قد صوّروا على خيولهم وعليهم العمائم والأسلحة، فدخلتم أنتم الجزيرة فى السنة التى فتح فيها ذلك البيت على صفة الصور التى كانت فى ذلك البيت.

стр. 237

قلت: هذا ما حكاه ابن الجوزى فى تأريخه مرآة الزمان فى أوّل جزء منه، وسنذكر من أخبار الأندلس ما هو أكثر من هذا وأوضح وأشفى للطالب فى الجزء المختصّ بذكر بنى أميّة وكيف كان دخول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وتملّكه إيّاها مع من تلاه من ولده إلى آخر ما انقطع عنهم الملك بالجزيرة المذكورة إن شاء الله تعالى. ومن عجائب الدنيا أيضا ما ذكره ابن الجوزى ﵀ قال: (١) إنّ برومية صفة طائر سودانى مصنوع من نحاس على عمود من نحاس على الباب الشرقى فإذا كان أوان الزيتون صفر ذلك السودانى فلا يبقى سودانيّة من الطيور إلاّ جاءت بثلاث زيتونات فى منقارها (٢٠٢) زيتونة وزيتونتان فى رجليها فتلقى ذلك على تلك السودانية المصنوعة النحاس فيأخذه أهل رومية فيعصرونه لما يكفيهم لأدمهم ووقيدهم وضروراتهم إلى العام القابل فإنّ بلاد رومية ليست ببلاد زيتون ولا يفلح فى أراضيها. قلت: قد مضى القول فيما تقدّم من الفنون، المشنّف للمسامع، المنزّه للعيون، حسب الطاقة وجهد الاستطاعة بحكم التلخيص، وترك الإطالة والتفحيص، وإنّما أتبعنا من كلّ قول أحسنه، ومن كلّ فنّ أجمله، ولنردف القول الآن بذكر طبائع الأزمان، ونتلو ذلك بالمخلوقات من الأمم الفانيات، والرمم الباليات، ممّن أكل الدهر عليهم وشرب، ليعتبر بذلك الفاضل اللبيب الأرب، ونجمع إلى الأخبار نكت الآثار وما قيل عن زعم الفلاسفة الكبار، وما خلق بزعمهم قبل آدم ﵇، من الأمم الذين طحنتهم الأيّام، وأكلتهم السنون من الأعوام، وليكون قولنا فيما زعموا للتعجّب لا للتصديق، وبالله التوفيق.

стр. 238

ذكر الطبائع (١) قال علماء الأوائل: العالم وما فيه أربعة أجزاء: فالربع الأوّل المشرق، وجميع ما فيه حارّ رطب، وله الهواء والدم، وله ريح الجنوب، وزمانه <الربيع>، ويختصّ من الكواكب بالقمر والزهرة، وله من البروج الحمل والثور والجوزاء. والربع الثانى: المغرب، وجميع ما فيه رطب، وله الماء وله البلغم، وله من الريح الديور، وزمانه الشتاء، وله من الكواكب عطارد والمشترى، ومن البروج الجدى والدلو والحوت. والربع الثالث: اليمن، وجميع ما فيه حارّ يابس، وله النار وله المرّة الصفراء وله من الريح الصبا وزمانه الصيف، وله من الكواكب الشمس، ومن البروج الأسد (٢٠٣) والسرطان والسنبلة. والربع الرابع: شمالى: وجميع ما فيه يابس، وله التراب وله المرّة السوداء، وله من الريح الشمال وزمانه الخريف، وله من الكواكب زحل، وله من البروج الميزان والعقرب والقوس. قلت: (٢) هذا تفسير الأوائل، والأصح أنّ الشمس تختصّ بالمشرق وكذا المرّيخ يختصّ بالترك والعقرب يختصّ بالحجاز. وقالوا فى القول الآخر: إنّ الطبائع أربعة، فالأولى طبيعة النار وهى حارّة يابسة مسكنها الرأس، والثانية: طبيعة الهواء وهى حارّة رطبة مسكنها الصدر، والثالثة: طبيعة الماء وهى باردة رطبة مسكنها الوسط، والرابعة: طبيعة التراب وهى باردة يابسة مسكنها السفل، فاثنتان منها يذهبان الصعداء وهما النار والهواء، واثنتان يرسبان سفلا وهما الماء والتراب.

стр. 239

ذكر سكّان الأرض من أوّل زمان (١) روى مجاهد عن ابن عبّاس قال: كان فى الأرض أمم قبل الجنّ والبنّ فانقرضوا، وقبل آدم أيضا. وقال الجوهرى: (٢) الحنّ بالكسر حىّ من الجنّ، قال: ويقال: الحنّ خلق بين الجنّ والإنس، وروى مقاتل عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أوّل من سكن الأرض أمّة يقال لهم: الحنّ والبنّ، ثم سكنها الجنّ، وأقاموا يعبدون الله زمانا طويلا فطال عليهم الأمر فأفسدوا فأرسل الله إليهم نبيّا منهم يقال له يوسف فلم يطيعوه وقاتلوه فأرسل الله تعالى الملائكة فأجلتهم إلى البحار، وكان مدّة إقامتهم فى الأرض ألف سنة، قال ابن الجوزى: قد ضعّف العلماء رواية مقاتل فإنّ الله تعالى لم يبعث نبيّا قبل آدم ﵇، وإنّما قيل إنّ يوسف كان ملكا لهم، وسأذكر من أمر ما ذكر عن الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ فى تأريخ عتيق غريب الاسم والحديث لشخص يسمّى جدع بن سنان (٢٠٤) الحميرى بإسناده إلى عامر بن شراحيل الشعبى ﵀ بعد ذكرنا ما هو أهمّ وأصحّ ممّا وردت به الأخبار وتداولت به الآثار. قال ابن الجوزى ﵀: حدّثنا عبد القادر الرهاوى بإسناده إلى سعيد ابن المسيّب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ بالمغرب أرضا بيضاء تسير الشمس فيها أربعين سنة بها أمّة من الناس لم يعصوا الله طرفة عين، قالوا: يا رسول الله فأين الشياطين عنهم؟ قال: لا يدرون خلق الشيطان أم لا، قالوا: فمن بنى آدم هم؟ قال: ما يدرون خلق آدم أم لا، قال ابن الجوزى: والأصحّ أنّه موقوف على بريدة عن أبيه.

стр. 240

ذكر من ملكها وقطع سبلها وسلكها (١) قال ابن الجوزى ﵀: (٢) حدّثنا عبد العزيز بن محمود البزّاز بإسناده عن سعيد بن المسيّب عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، والكافران نمرود وبختنصر وسيملكها خامس من أهل بيتى. وقيل إنّ هذا الحديث موقوف على ابن عبّاس، والمراد به العمران من الأرض فإنّ الخراب مفاوز ومهالك وقفار وبحار. وقال ابن المنادى ﵀: ملك الأرض من الجنّ والإنس ثمانية: ثلاثة من الجنّ والإنس ثمانية: ثلاثة من الجنّ، وخمسة من الإنس، فأمّا الذين من الجنّ: فطهمورث وكيمورث وأوشنج، ومن الإنس: جمشاد من ولد قابيل كان يقطع الدنيا فى يوم واحد كما تقطعها الشمس، ونمرود، وبيسو راسب وهو السفّاك المعروف بالضحّاك، والإسكندر وسليمان. قلت: (٣) هذا وهم منه ﵀ فإنّ أجمعت (٢٠٥) أرباب التواريخ متقدّمهم ومتأخّرهم رحمة الله عليهم وعفى عنهم أنّ كيمورث وطهمورث وأوشنج من ولد يافث بن نوح، ومنهم من ادّعى أنّهم من ولد قابيل ابن آدم، وعلى القولين فليس هم بجنّ ولم يوافق <ابن> المنادى أحد من الناس أنّ هؤلاء الثلاثة من الجنّ، وسأذكرهم فى عداد ملوك الفرس من الطبقة الأولى وهم المسمّيون الفيشداديّة، وأمّا ما ذكره عن جمشاد ففى غاية البعد أيضا والعقول السليمة تأباه، ولا خلاف بين علماء السير أنّ الله تعالى طرد أولاد قابيل إلى جبال الهند ولعنهم، وقالوا إنّ لم

стр. 241

يكن فى نسل قابيل ملك ولا رئيس على إحدى القولين، والاعتماد فى الباب على ما رويناه عن ابن عبّاس رضى الله عنه وإن ذكرنا غير ذلك، فنذكر ما قالوه الجمع من الناس وخلفهم فيه على عدّة وجوه لئلاّ نكن قد أخلينا بشئ من أقوالهم كون هذا التأريخ ملخّصا من عدّة تواريخ، الوارد أسمائهم فى الجدول الذى ضمنّاه فاتحة هذا الجزء المبارك، والله الموفّق لذلك. ذكر الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ قال جدع بن سنان الحميرى وهو أحد أبناء أقيال اليمن: أجمع أهل التاريخ أن الله خلق قبل آدم ﵇ أمما: منهم الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ، وأنّهم أفسدوا فى الأرض فأرسل الله تعالى إليهم ملكا فقاتلهم حتى بلغ الدم إلى لبب الخيل، ولم يذكروا صفة خلقهم غير أنّ هذا كلام يدلّ على أنّهم ليسوا بأرواح عرية عن أجسام كالملائكة والجنّ بل أجسام مركّبة فإنّ الدم لا يكون إلاّ فى جسد مركّب. وقد أوردنا فى هذا التأريخ عن عامر بن شراحيل الشعبى ﵀ فصلا ذكره عند عودته من عند ملك الروم (٢٠٦) لمّا كان توجّه رسولا من قبل عبد الملك بن مروان وهو: قال الشعبى ﵀، وقد تقدّم القول فى اسمه ونسبه: بعثنى عبد الملك بن مروان رسولا إلى ملك الروم فلمّا وصلت إليه وأقمت عنده جعل لا يسألنى عن شئ إلاّ أجبته، وكانت الرسل من قبل لا تطيل الإقامة عنده، قال: فحبسنى عنده أيّاما كثيرة حتى استحنت خروجى وسألته فى ذلك مرارا وهو لا يكاد بنعم لى بذلك، فلمّا أذن لى بالانصراف قال لى: أمن أهل بيت الملك أنت؟ قلت: لا! ولكنّى من العرب فى الجملة، قال: فهمس بشئ فدفعت إلىّ رقعة مختومة وقال لى: إذا أدّيت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه

стр. 242

هذه الرقعة، قال: وجهّزنى بأحسن جهاز وأنعم علىّ بشئ كثير وتوجّهت من عنده مكرّما، فلمّا وصلت إلى عبد الملك بن مروان وأدّيته الرسائل وأنسيت (١) الرقعة فى طىّ عمامتى وخرجت من عنده فلمّا صرت فى بعض الدهليز أريد الخروج تذكّرتها فرجعت إليه وأوصلتها له، فلمّا قرأها قال لى: يا شعبى أقال لك قبل أن يدفعها إليك شيئا؟ قلت: نعم! قال لى: أمن أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا! ولكنّى من العرب فى الجملة، ونسبنى فانتسبت إلى قومى حمير، فقال: ملوك قد انقرضوا، ثم دفع لى هذه الرقعة بختمها كما رآها أمير المؤمنين، قال: أتدرى ما فيها؟ قلت: لا وحياة أمير المؤمنين! قال، فدفعها إلىّ فإذا فيها مكتوب: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره، فقلت: والله لو علمت ما حملتها وإنّما قال ذلك ولم يرك ولا أحد من أهل بيتك! قال: أفتدرى لم كتبها؟ قلت: لا! قال: حسدنى عليك وأغرانى بقتلك، قال، فبلغ ذلك ملك الروم (٢٠٧) فقال: والله ما أردت إلاّ ما قال! قال الشعبى ﵀: ثم إنّ عبد الملك سأل منّى بعد ذلك المجلس ما كان سبب احتباسى عند ملك الروم وعمّا كان يتحدّث به معى فى مدّة إقامتى عنده، فقلت: كان يخوض معى فى كلّ بحر غويص من كلّ فنّ ويدقّق علىّ المسائل فأخرج له منها بمعونة الله تعالى وبركة أمير المؤمنين، وسألنى عن قومى، فانتسب إلى حمير، فقال: ملوك من ولد سام بن نوح ونحن معاشر الروم من ولد يافث ابن نوح، ثم قال: هل تعلمون معاشر المسلمين أنّ الله تعالى خلق خلقا قبل آدم أبى البشر؟ فقلت: يورد أنّه خلق خلقا عديدا لا يحصيهم غيره منهم: الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ والجنّ، وذكرت له ما ورد فى ذلك من الأخبار والآثار،

стр. 243

قال: فهمس بشئ لا أفهمه فأحضر كتاب عتيق بخطّ لا أفقهه وأحضر شيخا مبجّلا عنده فأمره بقراءته علىّ فأجده تأريخا يتضمّن بدء الأشياء كلّها بكلام غريب لم أسمع بمثله فى الإسلام، وذكر قصّة الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ، فقال عبد الملك: فكيف سمعت؟ قال، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين: قال: إنّ الله خلق قبل آدم ﵇ أبى البشر وصاحب الذريّة الوارثون الأرض من الأمم المخلوقة بعظمة الخالق: الحنّ فكان شخصا ذكرا بديع الخلق من عنصر ليس كالعناصر الأربع فكان أصغر ما فى خلقه قدمه التى يسعى بها فكان مسيرة أثرها سبعة أيّام للراكب المجدّ ليلا ونهارا، وكان ظلّه فى عين الشمس إذا ساوت سمت رأسه مسيرة شهر كامل للراكب المجدّ فى سيره ليلا ونهارا، (٢٠٨) وكان خلقه جسد شفاف دموى بين البياض والحمرة يصيف بالمشرق ويشتى بالمغرب، وكانت البنّ على خلقه من صفته وعظمه أنثى وركّب فيهما حبّ الشهوة فتزاوجا فكان من نسلهما عنق وعنقاء وولد عنق بالمشرق وعنقاء بالمغرب وهى عنقاء مغرب المذكورة، ثم كان من نسل عنق وعنقاء عوج ابن عنق، قال: وكثر فسادهم فى الأرض وطالت أزمنتهم ودهورهم ما شاء الله تعالى من ذلك. وكانت الملائكة تنزل إلى الأرض ويرونهم ويكلّمونهم فسطوا بشرّهم على الملائكة فشكوهم إلى الله فخلق الله تعالى الطمّ والرمّ من عنصر ضدّا لذلك العنصر الذى خلق منه الحنّ والبنّ وذلك ما اقتضته الحكمة الإلهيّة ذات الاختراع، فكانا كصفتى طائر بن عظيمين إذا نشرا جناحيهما سدّا المشرق والمغرب، وخلق مخاليبهما من نار السموم، وسلّطهما على الحنّ والبنّ فقتلاهما وذريّتهما ولم يبق فى الأرض منهم غير عنقاء مغرب وولدها عوج، وذلك لمّا عاينا

стр. 244

ما نزل بقومهما تابا إلى الله وكفّا عن الفساد، وكانت العنقاء لها عشرة أوجه كوجوه بنى آدم من أحسن الخلق وكان لها أربعين جناحا مكلّلة بأنواع الجواهر واليواقيت، وإذا حلقت فى فلك الهوى (١) يسمع لها دويّا كأعظم ما يكون ومن اللذّ (٢) سماع يكون وكان لها فهما وعقلا تدرك بهما الأشياء، فلمّا سمعت تسبيح الملائكة فى فلك القمر تعلّمته فكانت تسبّح الله تعالى كتسبيح الملائكة بألذّ نغمة وأطيب حسّا وأطرب صوتا، قال: فمكثت فى الأرض إلى عهد سليمان بن داود ﵇. (٢٠٩) وأمّا عوج فاستقرّ فى الأرض وكان من نسله الجبّارين، وكان فى عظم جدّه الحنّ بغير أجنحة، ولمّا كان الطوفان عاد يمشى فيه ويخوضه وهو إلى حقويه ويحاذى السفينة ويقول لنوح ﵇: يا عمّ أترانى أغرق قصيعتك هذه. قلت: هذا ما ذكره جدع بن سنان فى تأريخه بإسناده إلى الشعبى لما ذكرناه، وهو حديث غريب لم أرى أحد من المؤرّخين ذكره على هذا الوجه، وإنّما المذكور من قصّة عوج أنّه ابن عناق وأجمعوا أنّ عناق ولدتها حواء من آدم ﵇ فوضعتها مشوّهة الخلق لها رأسان وفى كلّ يد عشرة أصابع وأنّها ولدتها بمفردها بغير توأم معها، وقد روى عن الإمام علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أنّه قال: هى أوّل من بغا وعمل بالفجور وجاهر بالمعاصى، واستخدمت الشياطين وصرّفتهم فى وجوه السحر، وقد كان الله تعالى أنزل على آدم ﵇ عوده وأسماء تطيعه بها الشياطين والمردة وأمره أن يدفعها لحواء تعلّقها عليها ويكون ذلك حرزا لها، ففعلت ذلك حواء فاعتقلتها عناق وهى نائمة

стр. 245

فأخذتها منها واستجلبت بها الشياطين والعتاة من المردة، وصرّفت ذلك فى أنواع السحر وأضلّت كثيرا من ولد آدم ﵇، قال: فدعى عليها آدم ﵇ فأرسل الله تعالى عليها أسدا عظيما فأهلكها. وأجمع جماعة من المؤرّخين أنّ عوج ولدها وأنّ الطوفان بلغ بعض جسده وأنّه عمر إلى زمان موسى بن عمران ﵇ وأنّه قطع صخرة قدر عسكر موسى ﵇ وكانوا (٢١٠) فى أكثر من مائتى ألف وأراد أن يطرحها عليهم، فأرسل الله تعالى طائرا فنقر تلك الصخرة فنزلت فى عنقه ولم يفارق حتى أتاه موسى ﵇ فضربه بعصاه فى بزّ كعبه، وقيل: كانت العصاة سبعة أذرع وطول موسى ﵇ سبعة أذرع وطاح فى الهواء سبعة أذرع حتى لحق بزّ كعبه فضربه فقتله. قال جدع بن سنان ﵀ لما أسنده إلى الشعبى ﵀ فى تتمّة قصّة الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ والجنّ وما أضاف إلى ذلك من ذكر الزهرة وإبليس وهاروت وماروت: ولمّا كثر فساد الحنّ والبنّ فى الأرض وأرسل الله عليهما الطمّ والرمّ وأمرهم بقتل الحنّ والبنّ فقتلوهم قتلا ذريعا عامّا حتى إنّ الأرض اسودّت من دمائهم وكانت من قبل أشدّ بياضا من الكافور وأطيب رائحة من المسك إذا كانت بكرا لم يعصى الله تعالى عليها قطّ قبل الحنّ والبنّ ولمّا أهلكهم الله بفسادهم وشرورهم استقرّ فى الطمّ والرمّ وتوالدوا وكثر نسلهم وأقاموا فى الأرض ما شاء الله تعالى من الأزمنة والدهور، فأفسدوا وكثر شرّهم وعصوا وفعلوا كأقبح من فعل الحنّ والبنّ، فشكاهم الملائكة إلى خالقهم فخلق تعالى الجنّ من مارج من نار وأمرهم بهلاك الطمّ والرمّ ففعلوا، واستقرّت الجنّ فى الأرض

стр. 246

مع عدّة مخلوقين لا تدرك فأفسدت الجنّ أيضا فى الأرض وبغا بعضهم على بعض وغارت القبائل منهم عليهم وكانت بينهم حروب وقتال وقتل وزاد الأمر فأهبط الله تعالى إليهم إبليس وجعله ملكا فى الأرض وأمره بقتال الجنّ وقتلهم (٢١١) فقاتلهم وقتلهم قتلا ذريعا وأخلى منهم العامر من الأرض وأسكنهم خرابها لما نذكر من ذلك إن شاء الله تعالى. ذكر إبليس والزهرة وهاروت وماروت من تأريخ جدع بن سنان قال جدع بن سنان: إنّ إبليس من خلق الجنّ من مارج من نار، وكان عظيم الخلق حسنه وكان يسكن الأرض، وسبب اتّصاله بمحلّ الملائكة أنّه كان خادما للزهرة، وكانت الزهرة خلقا حسنا فى الأرض من جملة مخلوقات الله ، وكانت أنثى ذات جمال فائق ونور ساطع وبهاء وافر، وكانت الحروب يومئذ بين قبائل الجنّ متّصلة، فلمّا قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»﴾ (١)، وقرئت: «خليقة» قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ»﴾ (٢)، بناء لما فعله الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ والجنّ. قلت: هذا ما ذكر فى هذا التأريخ الغريب إذ قصدنا نورد هاهنا ما تضمّنه من القول وإنّما سأذكر من ذلك ما استخرجته من الصحيحين، وما ورد من تفسير هذه الآية من الوجوه الحسنة وذلك فى أوّل الجزء الثانى منه عند ذكرنا لخلق آدم ﵇، ومنها ورد هاهنا فهو جمع لما قالوه جماعة من المؤرّخين.

стр. 247

قال جدع بن سنان ﵀: فقال الله تعالى وهو أعلم بما يكون وبما كان وما هو كائن: فاختاروا أيّتها الملائكة من بينكم من ينزل إلى الأرض فيحكم بين مخلوقاتى ويأخذ القصاص ممّن بغا من بغى عليه فإنّى لا أحبّ الظلم وأنا القوى العزيز! قال: فاختاروا من بينهم الملكين هاروت وماروت، وكانا أشدّاء أهل السموات السبع عبادة وأكثرهم (٢١٢) تسبيحا وتقديسا. فكانا ينزلان إلى الأرض فيحكمان فيها بين مخلوقات الله على اختلاف أنواعهم وتغاير أجناسهم وتباين خلقهم من عدّة أمم لا تحصى وخلائق لا تدرك فى البرّ والبحر، الجميع يفدون على هاروت وماروت ويحتكمون إليهما من خلق البرّ والبحر حتى إنّ الذرّة لتأتى إليهما وتقول: إن الذرّة مثلى غدت على قوت لى كنت قد ادّخرته لمشتاى فيحكمان بينهما بما ألهمها الله تعالى من فصل الخطاب، حتى إنّ السمكة الصغيرة تستغيث بهما من أذاء الكبيرة فيغيثاها ويمنعاها من أذاءها. ولا يزالا كذلك طول نهارها إلى آخره فإذا جنحت الشمس للغروب نهضا وقالا: سبحانك اللهم وبحمدك، فيكون ذلك منتهى حكمهما ذلك اليوم، ثم يتليان أسماء الصعود فيصعدان إلى محلّ عبادتهما. قال: فركّب الله تعالى فيهما حبّ الشهوة وأتت الزهرة تستغيثهما من حادث حدث عليها فامتحنا بها لمّا عايناها وعادا يردّدانها فى حكومتها ذلك اليوم أجمع وقد اشتغلا بها عن سائر الحكم بين الخلائق ولم يحكمان ذلك اليوم بين أحد من خلق الله حتى نصراها على غريمها ومالا على غريمها وحكما عليه بغير الحقّ. قال جدع بن سنان: فلمّا كان وقت صعودهما قالت لهما الزهرة وقد تحقّقت

стр. 248

ميلهما إليها: لو علّمتمانى الأسماء حتى كنت أصعد معكما ولا أفارقكما، قال: فإنّى قد علمت مراد كما، قال: فعلّماها الأسماء، وكان إبليس قائما معها فاسترق الأسماء وسبقها صعودا ثم تبعته، فمسخت كوكبا فى السماء الثالثة وذلك كان مكان محلّ عبادة هاروت، وصعد إبليس إلى محلّ عبادة ماروت فى السماء الدنيا وتقرّب بالعبادة والتسبيح والتقديس حتى تعجّبت منه ملائكة (٢١٣) السماء الدنيا فاشتاق إليه أهل السماء الثانية فطلع وصعد إليهم وفعل من الاجتهاد فى العبادة فوق ما فعله فى السماء الدنيا، فاشتاق إليه أهل السماء الثالثة فصعد إليهم وفعل كذلك، ولم يزل يتقرّب بالعبادة وكثرة التسبيح والتقديس حتى سمّى طاؤوس الملائكة وعاد قريب القدرة ونديم الحضرة وعلم بإرادة الله وبما سبق له فى غامض علمه الذى لا يعلمه سواه جميع المخلوقات فى السموات السبع والأرضين السبع. قال جدع بن سنان: (١) فلمّا كثر فساد الجنّ فى الأرض لما تقدّم فى ذلك من القول وقد ذكرت الهند والفرس واليونان فى كتبهم-من رواية المسعودى ﵀-قال: إنّ الجنّ كانوا أحد وعشرين قبيلة وإنّ بعد خمسة آلاف سنة من خلقهم ملكوا عليهم سبعة ملوك وجعلوا لكلّ يوم وليلة من أيّام الجمعة لملك من السبعة يحكم فيه عليهم بما شاء كحكم الملوك. قال الإمام فخر الدين الرازى المعروف بابن خطيب الرىّ ﵀: هؤلاء الملوك السبعة حكّام الأيّام السبعة خدّام الكواكب السبعة وهم من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فيوم الأحد الحاكم فيه شمهورش، ويوم الاثنين الحاكم فيه برقان الأعظم، ويوم الثلاثاء الحاكم فيه زوبعة، ويوم الأربعاء الحاكم فيه ميمون

стр. 249

السحابى، ويوم الخميس الحاكم فيه الأبيض، ويوم الجمعة الحاكم فيه الأحمر، ويوم السبت الحاكم فيه المذهب. وقيل غير ذلك فى تنقّل الأيّام بين هؤلاء الملوك السبعة، والمتفّق عليه أنّ أسماءهم هذه، ومنهم من قال إنّهم جميعهم من أولاد إبليس ومنهم من قال إنّهم ملوك الجنّ من قبل هبوط إبليس إليهم وإنّ إبليس قاتلهم وأجلاهم (٢١٤) عن العامر من الأرض وأسكنهم خرابها. وأمّا الزهرة فمسخت كوكبا حسبما ذكرنا، وأمّا هاروت وماروت فإنّهما لمّا علّما الزهرة وإبليس الأسماء سلباها وعلما أنّهما قد عصيا فسألا الله عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة فهما يعذّبان بأرض بابل، ويعلّمان الناس السحر كما قال الله تعالى فى كتابه العزيز: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ»﴾ (١)، الآية. وقد عنوهما الشعراء وذكروهما فى أشعارهم ونسبوا إليهما السحر ولذلك عرفت بابل بالسحر، ومن جملة من ذكرهما فى شعره من شعراء الدولة الأيّوبيّة كمال الدين ابن النبيه عفى الله عنه، فقال من قصيدة (من البسيط): (٢) فلو رآ مقلتاه (٣) ... هاروت آيته الكبرى لآمن بعد الكفر ساحره وهذه القصيدة من قصائده الطنّانات التى أوّلها يقول (من البسيط): باكر صبوحك أهنى العيش باكره ... فقد ترمّم فوق الأيك طائره والليل تجرى الذرارى فى مجرّته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره وكوكب الصبح نجّاب على يده ... مخلّق تملأ الدنيا بشائره

стр. 250

فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب ... تنوب عن ثغر من تهوى جواهره حمراء فى وجنة الساقى لها شبه ... فهل جناها مع العنقود عاصره ساق تكوّن من صبح ومن غسق ... فابيضّ خداه واسودّت غدائره سود سوالفه لعس مراشفه ... نعس نواظره خرس أسواره (١) تعلّمت بانة الوادى شمائله ... وزوّرت سحر عينيه جآذره منها: قامت أدلّة صدغيه لعاشقه ... على عذول أتا فيه يناظره بنىّ حسن أظلته ذوائبه ... وقام فى فترة الأجفان ناظره منها: فلو رأى مقلتاه (٢) ... هاروت آيته ال كبرى لآمن بعد الكفر ساحره (٢١٥) خذ من زمانك ما أعطاك مغتنما ... وأنت ناه لهذا العمر آمره فالعمر كالكأس تستحلا أوائله ... لكنه ربما مجّت أواخره واجسر على فرص اللذّات محتقرا ... عظيم ذنبك أن الله غافره وفى هذه القصيدة امتدح الملك الأشرف مظفّر الدين موسى بن العادل بن أيّوب لما نذكره فى تأريخه إن شاء الله تعالى، وأضربنا عن كثير من شعر ابن النبيه المذكور فى جميع أجزاء هذا التأريخ للعلّة التى يأتى ذكرها فى الموضع اللائق بها. ولبعض المصريّين من قصيدة امتدح بها القاضى المرحوم علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشاء الشريف فى أوّل الدولة الناصريّة بالمملكة الثالثة أعزّها الله بالنصر والقهر، وأدام أيّام مولانا مالكها إلى آخر الدهر، تضمّن
следующие страницы →