Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
وإنى لأهواها وأهوى لقايها ... كما يشتهى الظامى الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ فى زمن الصّبى ... فأبلى وما يزداد إلاّ تجدّدا
وقوله <من الطويل>:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
وقوله <من البسيط>:
كم من دنىّ قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها صار لى تبعا
لا أستطيع نزوعا عن محبّتها ... أو يصنع الحبّ بى فوق الذى صنعا
أدعوا إلى هجرها قلبى فيتبعنى ... حتى إذا قلت: هذا صادقا، نزعا
(٣٣٠) وزاده رغبة فى الحبّ إذ منعت ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
(١) الظامى: فى شعر الأحوص الأنصارى (تحقيق عادل جمال) رقم ٦٢: «الصّادى»
(٤ - ٥) أدور. . . سيزور: ورد البيتان فى الأغانى ٦/ ٢٥٥،١٢/ ١١٥؛ شعر الأحوص الأنصارى (تحقيق عادل جمال) رقم ٦٢
(٧ - ١٠) كم. . . منعا: وردت الأبيات فى الأغانى ٤/ ٢٩٩؛ شعر الأحوص الأنصارى (تحقيق عادل جمال) رقم ١٠١
(٧) كم. . . تبعا: ورد البيت فى الحماسة الشجرية ١/رقم /٤٤٩/صحا: فى الأغانى ٤/ ٢٩٩: «سلا»
(٩) أدعوا (أدعو). . . نزعا: ورد البيت فى الحماسة الشجرية ١/رقم ٤٤٩
(١٠) وزاده. . . منعت: فى الأغانى ٤/ ٢٩٩؛ شعر الأحوص الأنصارى (تحقيق عادل جمال) رقم ١٠١: «وزادنى كلفا فى الحبّ أن منعت» //أشهى. . . منعا: فى الأغانى ٤/ ٢٩٩؛ شعر الأحوص الأنصارى (تحقيق عادل جمال) رقم ١٠١: «وحبّ شئ إلى الإنسان ما منعا»
стр. 1962
كثيّر عزّة
وقد تقدم، وله فى المرقص <من الطويل>:
ولمّا قضينا من منّى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
وقوله فى المطرب <من الطويل>:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لى ليلى بكلّ طريق
وقوله <من الكامل>:
الله يعلم لو أردت زيادة ... فى حبّ عزّة ما وجدت مزيدا
رهبان مدين والذين رأيتهم ... يبكون من خوف العذاب هجودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا
وقوله <من الطويل>:
سيهلك فى الدّنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الموت غايله
стр. 1963
ويخفى لكم حبّا شديدا ورهبة ... وللنّاس أشغال وحبّك شاغله
كريم يميت السّرّ حتى كأنّه ... إذا استخبروه عن حديثك جاهله
يودّ بأن يمسى سقيما لعلّها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتزّ للمعروف فى طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمايله
وقوله <من الطويل>:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكّف تلين
تمتّع بها ما ساعفتك ولا يكن ... عليك شجى فى الصدر حين تبين
وإن حلفت لا ينقض النّأى عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
وقوله <من الطويل>:
وأدنيتنى حتى إذا ما سبيتنى ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تجافيت عنّى حين لا لى حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح
стр. 1964
ابن صخر الهذلى
له فى المرقص <من الطويل>:
وإنى لتعرونى لذكراك نفضة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
تكاد يدى تندى إذا ما لمستها ... وينبت فى أعضايها الورق الحظر
(٣٣١) لقد تركتنى أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
وقد كنت آتيها وفى النّفس هجرها ... بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدىّ ولا نكر
وأنسى الذى قد كنت فيه هجرتها ... كما قد تنسّى لبّ شاربها الخمر
الصّمّة بن عبد الله
له فى المطرب <من الطويل>:
قفا ودّعا نجدا ومن حلّ بالحمى ... وقلّ لنجد عندنا أن يودّعا
(٣ - ٥) وإنى. . . الذعر: وردت الأبيات فى الأغانى ٢٤/ ١٢٣ - ١٢٤
(٣) نفضة: فى الأغانى ٢٤/ ١٢٣: «فترة»
(٤ - ٥) تكاد. . . الذعر: ورد البيتان فى شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٧ وأيضا الذعر: فى الأغانى ٢٤/ ١٢٣؛ شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٧: «الزّجر»
(٤) أعضايها: فى الأغانى ٢٤/ ١٢٤: «أطرافها»
(٦ - ٨) وقد. . . الخمر: وردت الأبيات فى نقد الشعر ١٢٧
(٧ - ٨) فما. . . الخمر: ورد البيتان فى شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٨
(٨) كنت فيه هجرتها: فى شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٨: «جئت كيما أقوله» //تنسّى:
فى شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٨: «تتناسى»
стр. 1965
ولمّا رأيت البين قد حال دوننا ... وجالت بنات الشوق يحننّ نزّعا
تلفّتّ نحو الحىّ حتى وجدتنى ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
ابن أبى فروة
له فى المرقص <من الطويل>:
ولما نزلنا منزلا طله الندا ... أنيفا وبستانا من النور حاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منّى فتمنينا فكنت الأمانيا
مالك بن أسماء بن خارجة
فى المطرب <من الخفيف>:
إنّ لى عند كلّ لفحة بستا ... ن من الورد أو من الياسمين
نظرا أو التفاتة أترجّى ... أن تكونى حللت فيما يلينى
وقوله <من الخفيف>:
(١ - ٢) ولمّا. . . أخدعا: ورد البيتان فى الأغانى ٦/ ٥
(١) البين. . . دوننا: فى الأغانى ٦/ ٥: «البشر قد حال بيننا» //يحننّ: فى الأغانى ٦/ ٥: «فى الصدر»
(٣) ابن أبى فروة: لم أتحقق من شخصية ابن أبى فروة
(٩ - ١٠) إنّ. . . يلينى: ورد البيتان فى الأغانى ١٧/ ٢٣٤
(٩) لفحة: فى الأغانى ١٧/ ٢٣٤: «نفحة» //الياسمين: فى الأغانى ١٧/ ٢٣٤:
«الياسمينا»
(١٠) يلينى: فى الأغانى ١٧/ ٢٣٤: «يلينا»
стр. 1966
حبّذا ليلنا بدير بونّا ... إذ نسقّى شرابنا ونغنّى
من كميت كأنها دم ظبى ... تدع الشّيخ كالفتى مرجحنّا
حيثما دارت الزّجاجة درنا ... يحسب الجاهلون أنّا جننّا
نصيب
وقد تقدم، وله فى المرقص قوله فى سليمان بن عبد الملك <من الطويل>:
فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقايب
وقوله <من الطويل>:
أتصبر عن سعدى وأنت صبور ... وأنت بسفر الصبر منك جدير
فكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير
(٣٣٢) الفرزدق
وقد تقدم، وله فى المرقص فى علىّ بن الحسين ﵇ لما سأله
стр. 1967
عنه عبد الملك بن مروان <من البسيط>:
هذا ابن فاطمة إن كنت تنكره ... بجده أنبياء الله قد ختموا
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقوله فى المطرب <من الطويل>:
قوارص تأتينى فتحتقرونها ... وقد يملأ القطر النداء فيفعم
وقوله فى المرقص <من الطويل>:
ونحن إذا عدّت معدّ قديمها ... مكان النّواصى من وجوه السّوابق
وقوله <من الكامل>:
والشّيب ينهض فى السّواد كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
جرير
وقد تقدم، وله فى المطرب <من الوافر>:
متى كان الخيام بذى طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام
(٢ - ٣) هذا. . . يستلم: ورد البيتان فى وفيات الأعيان ٦/ ٩٥ - ٩٦
(٢) تنكره: فى وفيات الأعيان ٦/ ٩٦: «جاهله»
(٥) قوارص. . . فيفعم: ورد البيت فى شرح ديوان الفرزدق /٢/ ٧٥٦/فتحتقرونها: فى شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٧٥٦: «فيحتقرونها» //النداء (الأصح: الإناء): فى شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٧٥٦: «الأتىّ»
(٧) ونحن. . . السّوابق: ورد البيت فى شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٥٨٨ وأيضا نحن: فى شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٥٨٨: «تجدنى»
(٩) والشّيب. . . نهار: ورد البيت فى شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٤٦٧
(١٢) متى. . . الخيام: ورد البيت فى شرح ديوان جرير ٥١٢
стр. 1968
وقوله <من البسيط>:
وابن اللبون إذا ما كنّ فى قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
الأخطل
وقد تقدم، وله فى المرقص وهو أهجى شعر قيل <من البسيط>:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم: بولى على النار
قامت بأحمرها تندى مشافره ... كأنّه رية فى عود جزّار
شمعلة
له فى المطرب <من الطويل>:
وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدّهر لا عار بما فعل الدهر
الراعى
له فى المرقص قوله فى أسود <من الكامل>:
وكأن فروة فعله فى رأسه ... زرعت فأنبت جانباها فلفلا
стр. 1969
الطّرمّاح
له فى المرقص فى البرق <من الكامل>:
يبدوا، وتضمره البلاد، كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وقوله فى السحاب <من البسيط>:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح
الكميت
له فى المرقص قوله <من الطويل>:
(٣٣٣) فيا موقدا نارا لغيرك ضوءها ... ويا حاطبا فى حبل غيرك تحطب
عدىّ بن الرّقاع
له فى المرقص قوله الذى حسده جرير عليه <من الكامل>:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها
وقوله <من البسيط>:
يخرجن من فرجات النقع دامية ... كأنّ آذانها أطراف أقلام
وقوله <من الكامل>:
(٣) يبدوا (يبدو). . . يغمد: ورد البيت فى الأغانى ١٢/ ٤٢؛ ديوان الطرماح ١٤٦
(٨) فيا. . . تحطب: ورد البيت فى هاشميّات الكميت /٥٤/حبل غيرك: فى هاشميّات الكميت ٥٤: «غير حبلك»
(١١) تزجى. . . مدادها: ورد البيت فى الأغانى ٩/ ٣١٣ - /٣١٤/روقه: انظر الأغانى ٩/ ٣١٣ حاشية ١
(١٣) يخرجن. . . أقلام: ورد البيت فى ديوان عدى بن الرقاع ص ٢٦٧
стр. 1970
وكأنّها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآاذر جاسم
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت ... فى عينه سنة وليس بنايم
ليلى الأخيلية
لها فى المرقص <من الطويل>:
كريم يغضّ الطرف فرط حيايه ... ويدنوا، وأطراف الرماح دوانى
وكالسّيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه، إن خاشنته، خشنان
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
فى المطرب <من البسيط>:
واللّيل أطول شئ حين أفقدها ... واللّيل أقصر شئ حين ألقاها
انتهى القول فى ذكر الشعراء المذكورين، وبتمامهم تمّ الجزء الثالث من التاريخ المسمى بكنز الدرر وجامع الغرر بخط يد واضعه ومالفه وجامعه ومصنفه أضعف عباد الله وأفقرهم إلى الله أبو بكر بن عبد الله بن أيبك صاحب صرخد، كان عرف والده بالدواهدارى، غفر الله له ولوالديه
(١ - ٢) وكأنّها. . . بنايم: ورد البيتان فى الأغانى ٩/ ٣١١
(٥ - ٦) كريم. . . خشنان: ورد البيتان فى ديوان ليلى الأخيلية ص ١١٩ (رقم ٤٤)
(٥) فرط: فى ليلى الأخيلية ص ١١٩ (رقم ٤٤): «فضل»
(٩) واللّيل. . . ألقاها: ورد البيت فى ديوان الوليد بن يزيد ص ٢٠
(١٠) الثالث: يعنى الرابع، انظر هنا ص ٥٠٤، الهامش الموضوعى، حاشية سطر ١٥
стр. 1971
ولكافة المسلمين أجمعين، ولمن قرأه وتجاوز عن كل خطأ يراه.
نجز ولله الحمد والمنّة
بتاريخ آخر النهار المبارك من يوم الثلثاء سابع عشر شهر الله المحرم سنة أربع وثلثين وسبع ماية، أحسن الله نقضها بخير، على عوايده الجميلة.
(٣٣٤) يتلوا ذلك
فى أول الجزء الرابع منه إنشاء الله تعالى ما مثاله: ذكر أول ابتداء الدولة العباسية بخلافة السفّاح عبد الله ابن محمد بن عبد الله ابن عباس رضى الله عنه موفقا لذلك بحول الله وقوته.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلامه، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.
(٧) الرابع: مذكور بالهامش: الخامس، والأصح: الخامس، انظر هنا ص ٥٠٤، الهامش الموضوعى، حاشية سطر ١٥
стр. 1972
الجزء الخامس
[تمهيد]
ابن الدواداري والجزء الخامس من تاريخه
يشكّل هذا القسم الجزء الخامس من العمل التاريخي العام ذي الأجزاء التسعة المسمّى «كنز الدرر وجامع الغرر» لسيف الدين أبي بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري (حوالي ٦٨٥ حتى حوالي ٧٣٧ هـ).وقد خصّص المؤلّف هذا الجزء ضمن تاريخه لمعالجة تاريخ الدولة العباسية.
وعلى الرغم من ضخامة «كنز الدرر» وتفرّده؛ فإنّ المؤلف ابن الدواداري ظلّ غير معروف في الأدب التاريخي العربي. أمّا ما عرفه البحث التاريخي عنه في السنوات الثلاثين الأخيرة؛ فندين به للأجزاء التي نشرت من كتابه «كنز الدرر» والتي تبلغ-مع هذا الجزء-الثمانية. ذلك أنّ ابن الدواداري ينثر في مؤلّفه هذا معلومات وأخبارا عن نفسه وأسرته. فهو يتحدّث عن تحدّره النسبي ذاكرا جده، ومركّزا على والده، ومارا ببعض أفراد أسرته. كما أنه يتحدّث عن سيرته العلمية، وأعماله السياسية والاجتماعية والكتابية والثقافية، وآرائه وقناعاته الدينية. وهذه الأمور في مجموعها ترسم صورة حية ومؤثّرة لمثقّف مسلم في العهد الأول للدولة المملوكية. بيد أنّ أجزاء هذه الصورة لم يجر لأمها وضمّها حتى الآن. فكلما نشر جزء من أجزاء «كنز الدرر» تبيّنت تفاصيل جديدة عن حياة ابن الدواداري وأعماله العلمية. ثم إنّ ناشري أجزاء التاريخ يحرص كلّ منهم على الكتابة عن المؤلّف والكتاب في التقديم أو في كتابات منفصلة.
وقد ظهرت مادّة عن ابن الدواداري في النشرة الجديدة لدائرة المعارف
стр. 1973
الإسلامية. ويجري تصويره في الكتابات الأخيرة باعتباره ممثّلا مبكّرا لشكل جديد من أشكال الكتابة التاريخية، وباعتباره أحد مثقّفي وكتّاب العربية من الفئة التركية الحاكمة بمصر. وهذا ما ذكره أولريك هارمان U.Haarmann في كتاباته المتعددة عنه، مضيفا لذلك تميّزه بالاهتمام بثقافة مصر قبل الإسلام. كما أنّ هارمان U.Haarmann ودونالد ليتل D.Little عنيا بابن الدواداري في سياق دراساتهما المقارنة للمصادر التاريخية في العصر المملوكي. أمّا هذا الجزء من «كنز الدرر»؛فإنه باستثناء بعض الفقرات التي تورد تفاصيل أكثر عن مضامين مؤلّفاته الأدبية، لا يقدّم جديدا فيما يتّصل بالمؤلّف. ولم أجد من المناسب أن أعمد من جديد لتكرار ما كتبه الزملاء الذين حقّقوا أجزاء من الكتاب عن المؤلّف والمؤلّف. على أنني رأيت أنه من المهم ضمّ شتات المعلومات عن ابن الدواداري في صعيد واحد إعدادا لدراسة عنه. وقد قمت بذلك فعلا لكنّ الدراسة أتت واسعة بحيث لا يستحسن إثقال المقدّمة لهذا الجزء بها. لذا أكتفي هنا بالنسبة لشخصه بذكر تحدره النسبي.
تبدأ شجرة نسبه بجده وأبيه الذي كان مملوكا مجلوبا من جانب بعض أمراء الأيوبيين، وانتهى به الأمر بأن أعطي إقطاعا قلعة صرخد:
-عز الدين أيبك (المعظمي) (-٦٤٥ هـ) وزوجته كمش خاتون.
-عبد الله ابن أيبك الدواداري.
-أبو بكر بن الدواداري (من حوالي ٦٧٥ حتى حوالي ٧٣٧ هـ).
إنني أودّ في هذه العجالة أن أشكر للأستاذ الدكتور هـ.ر. رومر H.R.Roemer مؤسّس هذه السلسلة أن عهد إليّ بتحقيق هذا الجزء من «كنز الدرر».فلقد كان العمل في هذا المشروع مبعث غبطة وتحدّ لي. ولا أنسى
стр. 1974
للأستاذ الدكتور رومر مساعدته المستمرة لي في كل ما طرأ من مصاعب وعقبات، بحيث أمكن لي أن أنجز هذا العمل على خير وجه ممكن.
I
الجزء الخامس من «كنز الدرر وجامع الغرر»
الذي يتضمّن تاريخ الدولة العبّاسيّة
١ - مضامين الجزء الخامس: عندما خطرت لابن الدواداري فكرة تأليف كتاب في التاريخ؛ كان قد بلغ مرحلة الكهولة لأنه يقول إنّ البياض انتشر في رأسه. وكان منذ سن الفتوة محبا للشعر، والأخبار الأدبية، ومسائل السمر؛ ولذا لم يتردد منذ فتوته في الاتجاه لدراسة الأدب. لقد أراد أن يبلغ المجد-ليس في ساحة المعركة كأقرانه من المماليك-بل عن طريق العلم، وإحياء الآداب والكتب المندثرة. وهكذا بدأ بالكتابة بتشجيع من حلقة من الأصدقاء والرفاق كانوا يجتمعون للحديث والمطارحات الشعرية والأسمار.
كتب ابن الدواداري في «الهزليات» -وهو أمر ندم عليه في شيخوخته -كما جمع مختارات شعرية، وكتبا في الأسمار والأخبار والآداب والمواعظ. وهو يذكر أعماله في أجزاء مختلفة من «كنز الدرر» ملخّصا مضامينها أحيانا، أو مكتفيا بالإشارة إليها أحيانا أخرى. والكتب الكثيرة التي يذكرها لنفسه ضاعت ولا أثر لها حتى اليوم. وحده السيوطي ينقل عن مؤلّف له أشعارا في فصول السنة، وأخرى في الأزهار والورود.
وكان غرامه بالأدب باعثا له طوال عمره على زيارة المكتبات والورّاقين واقتناء الكتاب النادرة أو استنساخها. وقد اجتمعت عنده في النهاية مكتبة خاصة ضخمة استحسن من أجلها إيراد النادرة المنسوبة لوزير البويهيين المشهور
стр. 1975
الصاحب بن عبّاد (-٣٨٥ هـ) حول اعتزازه بكتاب الأغاني. فعنه أنه قال: إنه كان يحمل معه في رحلاته من الكتب ما بلغ حمل ثلاثين جملا أو ١١٧ ألف كتاب؛ حتى إذا وصل إليه كتاب الأغاني أغناه عن ذلك كله.
تعرّف ابن الدواداري على الأدبيات التاريخية العربية، التي لم تكن ضمن دراسات فتوّته، أثناء عمله في جمع موادّ لأعماله الأدبية، وقد اهتمّ بشكل. خاصّ بالتاريخ المصري. بل إنّ بعض الأعمال التاريخية عن مصر هي التي دفعته للتفكير بكتابة عمل تاريخيّ شامل يخلّد ذكره بين المؤرخين المسلمين. وتحتلّ مصر وتاريخها مكانا بارزا في عمل ابن الدواداري التاريخي الكبير: «كنز الدرر وجامع الغرر».بدأ ابن الدواداري كتابه فيما يعرف بالجزء الثاني منه اليوم، بتاريخ الشعوب قبل الإسلام-مع اهتمام خاصّ بتاريخ مصر القديم-ليؤرّخ بعد ذلك لظهور الإسلام والخلافة الراشدة فالأمويين والعباسيين وصولا إلى المملكة التي عاصرها، نعني السلطنة المملوكية. ويبدو أنه بعد أن أنهى «الجزء الثامن» الخاص بالعصر المملوكي فكرّ بإضافة جزء تقديميّ في شكل الأرض والأفلاك، مما يعطي تاريخه طابعا عالميا كما كان متعارفا عليه آنذاك لدى المؤرخين. هكذا أضاف جزءا تقديميا استمد أكثر موادّه من «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي (-٦٥٤ هـ).وكان قد استخدم «مرآة الزمان» في تاريخه قبل كتابة الجزء التمهيدي في الأخبار المتعلقة بغرائب البلدان والزمان، والأنباء عن الزلازل والانقلابات والنوائب الطبيعية. وربط ابن الدواداري التركيب الجديد لتاريخه ذي الأجزاء التسعة، بالأفلاك التسعة
стр. 1976
المعروفة كلاسيكيا، وغيّر ترقيمها، ووضع لكلّ منها عنوانا فرعيا ينظم ذلك الجزء تحت الفلك المناسب. فكان الفلك الأخير الذي يسود الكون (الأطلس) من نصيب الدولة المملوكية، والناصر محمد بن قلاون (٦٩٣ - ٧٤١ هـ) السلطان المعاصر له.
وبسبب من اهتمام المؤلّف الخاصّ بمصر، فإنّ التأريخ لها على السنين في أجزاء التاريخ كلّه ظلّ بمثابة الخيط الناظم لتلك الأجزاء. وقد عنى ذلك بالنسبة للجزء الخامس الذي نقدّم له هنا أنه ينتهي بدخول الفاطميين إلى مصر؛ بحيث يصبح ما قبل ذلك تأريخا مستقلا للدولة العباسية، وينفرد الجزء السادس، بالتأريخ للفاطميين. لكنّ الاهتمام بمصر لا يقتصر على هذا. ففي كلّ عام من تاريخه المبني على مبدأ التأريخ على السنين يطلعنا ابن الدواداري على منسوب ارتفاع المياه في النيل بمصر، ووالي مصر وقاضيها وصاحب خراجها لذلك العام. بينما لا يلقى الوزراء وأصحاب الخراج الاهتمام نفسه خارج مصر حتّى في الجزء المخصّص للدولة العباسية؛ بل يكتفي ابن الدواداري بوضع قائمة بالوزراء والكتاب والحجّاب العاملين لدى الخليفة ببغداد في آخر سني خلافته، فيظل القارئ على وعي بأنّ المؤلّف مصري، وأنّ الأوضاع بمصر تظلّ نصب عينيه على مدى الزمان من ظهور الإسلام وحتى عصره. بيد أنّ هذه النزعة عند ابن الدواداري لا تعني «محلية» ضيقة أو عصبية متشدّدة لمصر. بل على العكس من ذلك؛ فإنّ ابن الدواداري بتاريخه العام يعرض لمصر باعتبارها في العصر المملوكي على الخصوص مركز دار الإسلام من الناحيتين السياسية والثقافية مثلما كانت بغداد في العصور العباسية الأولى.
وقد ثبتت هذه الأيديولوجيا وسادت، من خلال ما قام به سلاطين المماليك من أعمال جليلة على المستوى الإسلامي؛ من مثل نقل الخلافة العباسية إلى مصر، وردّهم لعادية المغول عن مصر والشام، وإخراجهم للصليبيين من المدن الساحلية الشامية-وأخيرا وليس آخرا من خلال حمايتهم للحرمين الشريفين،
стр. 1977
ومدّ سيطرتهم عليهما. هذا الطابع العالمي للسلطنة المملوكية، كان الدافع وراء تلك الأعمال العلمية الشاملة انطلاقا من مصر وموقعها من مثل «كنز الدرر» لابن الدواداري، و «مسالك الأبصار» لمعاصره ابن فضل الله العمري (-٧٤٩ هـ).وقد اختار ابن الدواداري للسلطان الناصر محمد بن قلاوون رمز فلك الأفلاك (الأطلس) الذي يسود العالم. إنّ هذا الدور الذي قامت عليه مصر من قيام على الإسلام، ورعاية للأمة؛ قوّى لدى المصريين إحساسهم بأهمية بلادهم، ووعيهم بالمسار التاريخي الذي أدّى إلى هذا الموقع العالمي لتلك البلاد، «كنانة الله في أرضه».بحيث صار التاريخ السابق كلّه بمثابة تمهيد يجدر ذكره وتتبّعه باتّجاه الموقع المستجدّ الذي تسنّمته مصر في العصر الذي شهد ابن الدواداري أزهى فتراته.
وما اكتفى ابن الدواداري في الجزء الخامس من تاريخه، بل وفي تاريخه كله بإيراد التاريخ السياسي للدولة والخلافة الإسلامية. فقد رأى أنّ الاقتصار على إيراد الأحداث السياسية متعب للقارئ ومثير للملل. وأراد أن يكون كتابه مقروءا ومفيدا في الأخبار والأسمار والآداب. ولذا لم يضع كتابه هذا للمختصين فقط. صحيح أنه استخدم الهيكلية التي استخدمها الطبري (-٣١٠ هـ) بالتأريخ على السنين لكنه بعد ايجاز الأحداث السياسية في كل عام، كان يعمد لإيراد أخبار وأشعار وأسمار ليست ذات طابع سياسي، بل تنتمي إلى مجالات علمية وأدبية أخرى غير السياسة والتاريخ. وما ظهر في النهاية هو أدنى إلى أن يكون تاريخا ثقافيا يتضمّن قطبين رئيسيين: التاريخ السياسي، والتاريخ الثقافي. لقد رأى أنه يتمتع بالكفاية العلمية لذلك بعد أن كان قد نشر عدة أعمال تتضمن مختارات أدبية في مجال الشعر والنثر. وهكذا كان في طليعة أولئك الذين كتبوا التاريخ بهذا الأسلوب.
وقد اعتبر ابن الدواداري، الذي كان يكتب في العصر المملوكي،
стр. 1978
تاريخه تاريخا للأمة الإسلامية. وهذا ما يبدو في جزئه هذا عن الخلافة العباسية. إذ يتضمن التاريخ السياسي للخلافة، وتوزّع الدويلات التي ظهرت في قلب الخلافة، مثل دويلة بني دلف، والصفّاريين، والسامانيين، وأوائل الزيدية بطبرستان، والطولونيين والإخشيديين، والحمدانيين. كما أورد تقارير عن بدايات الغارات الفاطمية على مصر انطلاقا من المغرب الإسلامي وحتى الاستيلاء عليها عام ٣٥٩ هـ.كما يورد ابن الدواداري في جزئه هذا عن بني العباس تراجم للوزراء، وأسر الكتّاب المشاهير، والعلماء؛ وبخاصة علماء الفلك، والشعراء مع نماذج من أشعارهم ومختارات من أخبارهم. وله اهتمام خاص بالغرائب، وأخبار الكوارث الطبيعية. وهو يقيم ارتباطا بين التراجم وخلافة خليفة معيّن وسياساته-مما يدل على منهج معين في الاختيار والتنظيم يمتّ بسبب وثيق إلى الأصول الأيديولوجية التي كان يعتنقها. كما يدل على نوعية الأفكار والرؤى التي كانت معروفة في الطبقة التي كان ينتمي إليها عن خلافة بغداد، والطابع الذي تميّزت به خلافة كلّ من خلفائها الأوائل. فابن الدواداري ليس جمّاعا عشوائيا للأخبار والأسمار، بل يملك رؤية شاملة بدت في طرائقه للإثبات والإسقاط والتصوير.
ويطرب ابن الدواداري للطرائف والنوادر التاريخية التي يكثر من إيرادها.
ويجعل ذلك من عمله مشوقا وذا أثر باق. أمّا بالنسبة للمصادر، فإنه يعتمد منها ما يوافق غرضه في الإفادة والقصّ.
II
مصادر الجزء الخامس
المصادر التاريخية: يرجع ابن الدواداري في الغالب إلى ثلاثة أنواع من المصادر: المصادر التاريخية، والمصادر الأدبية، تلك التي تتضمن مجموعات شعرية أو نثرية أو طرائف ونوادر-وأخيرا كتب الطبقات، ومجموعات التراجم.
أما المصادر التاريخية فيستخدمها المؤلّف للتأريخ للدولة العباسية، والدويلات المحلية والإقليمية التي ظهرت في قلبها، وتعاقبت إحداها تلو
стр. 1979
الأخرى؛ في مشرق العالم الإسلامي ومغربه. يتحدث ابن الدواداري من بين هذه الدويلات عن آل دلف، والصفاريين، والسامانيين، والسلطات الزيدية الأولى بطبرستان، والإخشيديين، والطولونيين، والحمدانيين، والبويهيين، وبخاصة ما اتّصل من تاريخ الدويلات الأخيرة بتاريخ العباسيين، وعلاقاتها معهم.
ويسمّي ابن الدواداري مصدرين رئيسيين، كانا النموذج له في أسلوب التأريخ للعباسيين، والدويلات الإقليمية: كتاب القضاعي (-٤٥٤ هـ) الذي يسميه ابن الدواداري: تاريخ القضاعي، والذي يتضمن عرضا موجزا تاريخيا منذ بدء الخليقة وحتى العام ٤١٧ هـ.والمصدر الثاني كتاب ابن ظافر الأزدي (-٦١٣ هـ) الذي يقتبس منه تحت عنوان: «الدول المنقطعة».
أمّا تاريخ القضاعي فليس تاريخا على السنين مثل تاريخ الطبري، بل هو عبارة عن تراجم قصيرة متعاقبة للأنبياء والخلفاء وفعاليتهم السياسية في التاريخ. ومن القضاعي يستمد ابن الدواداري طريقته في الترجمة للخلفاء. وهي طريقة ثابتة في الكتاب كله. إذ تبدأ الترجمة بذكر لقب الخليفة ثم تحدّره النسبي، ثم اسم أمّه وأصولها. ويتبع ذلك ذكر تواريخ حياة الخليفة نفسه: متّى تولّى الخلافة، وكم كانت سنّه، وتاريخ وفاته أو عزله أو مقتله، فسنّي وشهور وأيام خلافته. ويتلو ذلك ذكر صفته، أي كيف كانت هيئته، وما كان نقش خاتمه. وبعدها ترد معلومات موجزة عن الأحداث السياسية في خلافته. وفي
стр. 1980
النهاية يذكر أعقابه من الذكور، ووزراءه، وقضاته، وحجابه. يتبع ابن الدواداري خطة القضاعي هذه في الترجمة للخلفاء، لكن لأنّ تاريخه حوليّ؛ فإنه يقسم الترجمة إلى قسمين. في القسم الأول يذكر التواريخ كلها حتى وفاته أو عزله. وفي القسم الثاني يذكر بقية أجزاء الترجمة كما فعل القضاعي؛ بما في ذلك قوائم العاملين مع الخليفة وموظّفي الإدارة. لكنه يكتفي من تلك القوائم بقائمتي الوزراء والحجاب. أما قوائم القضاة وأعقاب الخليفة فيتجاهلهما إلاّ نادرا. وبين هذه القسمين المتباعدين يورد ابن الدواداري كل مضامين تاريخه: الأخبار السياسية، وأخبار الشعراء ومختارات من شعرهم، وأخبار الدويلات، وأخبار من عوالم العلم والمعمار، وطرائف، وغرائب، والأنباء عن النوائب الطبيعية.
وكان بين يدي ابن الدواداري مصدران آخران يوردان قوائم للموظفين، وتراجم للخلفاء، قارن بهما ما لديه، وأفاد منهما في مواطن عدة: العقد الفريد لابن عبد ربه (-٣٢٨ هـ)،ومروج الذهب للمسعودي (-٣٤٥ هـ).وليس من السهل التعرف على المصادر التاريخية الأخرى التي عرفها ابن الدواداري وأفاد منها. ففي الدول المنقطعة لابن ظافر الأزدي-وفي القسم الخاص بالدولة العباسية بالذات-أخبار سياسية، لكنها ضئيلة إذا قورنت بالأخبار في المصادر التي ذكرناها سابقا.
ويقطع ابن الدواداري حديثه عن الدولة العباسية وخلفائها مع بدء سيطرة المعزّ الفاطمي على مصر (-٣٥٩ هـ).وهو يقلّد في ذلك القضاعي، ويضع نفسه ضمن التقليد المصري في التأريخ. ومن حسن الطالع أن تاريخ القضاعي وصل إلينا، وإن يكن ما يزال مخطوطا. ويتميز القضاعي بالإيراد الدائم لكل التواريخ المتعلقة بخليفة معين. ورغم قصر المعلومات السياسية التي يوردها القضاعي فقد أخذ عنه ابن الدواداري منها أيضا. أمّا التراجم القصيرة للخلفاء فقد نقلها عنه أحيانا بكاملها. وكانت كتاب «أخبار الدول المنقطعة» أو
стр. 1981
«الدول المنقطعة» لابن ظافر الأزدي (-٦١٣ هـ) المصدر الثاني لابن الدواداري. وهو مصدر لم يصل إلينا كاملا بل ضاعت أقسام معتبرة منه.
وهو يؤرخ للدويلات التي ظهرت في قلب الخلافة العباسية، وانقضت أو سقطت. ومن الطريف أنّ الأزدي عقد بابا في كتابه للدولة العباسية، رغم أنها لم تكن قد انقضت أو انقطعت من بغداد في عصره. وقد طبعت من الأجزاء الباقية من الكتاب حتى الآن ثلاثة أقسام تعالج مصائر ثلاث دول: القسم الخاص بالدولة العباسية، والقسم المتعلق بالدولة الفاطمية، والقسم المتعلق بالدولة الحمدانية. وقد استخدم ماديلونغ Madelung القسم المتعلق بالإمامة الزيدية في أقاليم بحر الخرز، في النصوص التي نشرها عن الإمامة الزيدية بطبرستان، والديلم، وجيلان، أمّا النص الذي رجع من أجله ماديلونغ إلى هذا القسم من كتاب الأزدي، فمصدره كتاب ضائع لهلال الصابي (-٤٤٨ هـ).ولأنّ ابن الدواداري ينقل عن ابن ظافر؛ فإنّ كتاب التاجي للصابي يعتبر مصدرا غير مباشر لابن الدواداري. وقد دلّت المقارنة بين نصّي الصابي وابن الدواداري على تشابه كبير يبلغ حدّ التطابق فيما عدا أنّ ابن الدواداري يختصر في نقوله أحيانا. ويعني هذا من ضمن ما يعينه أنّ ابن الدواداري كان أمينا ودقيقا في نقوله الأخرى عن الأجزاء الضائعة من «أخبار الدول المنقطعة» للأزدي، وهي تمثّل أخباره عن آل دلف والصفّاريين والسامانيين، كما يعني ذلك أننا نملك لدى ابن الدواداري جزءا من النصوص الضائعة من تاريخ الصابي؛ التي تمثّل مصدرا من المصادر غير المباشرة لصاحب «كنز الدرر».
стр. 1982
على أننا لا نعرف يقينا مصادر ابن الدواداري الأخرى لأحداث التاريخ السياسي وبخاصة ما تعلّق منها بمصر. وترد لدى ابن الدواداري عناوين كتب في نصّه تدلّ أسماؤها على أنها كتب في التاريخ أو في التراجم وهي:
١ - «تاريخ إصبهان» لحمزة بن الحسن الإصفهاني (بعد ٣٥٠ هـ).
٢ - «أخبار خراسان» لأبي القاسم علي بن الحسين الوزير المغربي (-٤١٨ هـ).
٣ - «عيون التواريخ» لغرس النعمة (-٤٨٠ هـ).
٤ - «تاريخ حلب» لابن العديم (-٦٦٠ هـ).
وتذكر هذه الكتب في نصّ ابن الدواداري في سياق الحديث عن الزلازل وغرائب النوائب الطبيعية، وفي الحديث عن زيدية بحر الخزر والسامانيين.
ويمكن إدراج هذه الكتب ضمن المصادر الثانوية أو غير المباشرة لكنز الدرر؛ إذ إنّ الراجح أنّ ما ذكر منها في سياق أخبار تاريخية مأخوذ من «الدول المنقطعة» لابن ظافر، وما ذكر في الحديث عن أحداث الطبيعة مأخوذ عن «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي.
ويرد عند ابن الدواداري في تقاريره عن مصر عنوان كتاب ومؤلفين. أما الكتاب فعنوانه: «البرق الشامي» مثل عنوان كتاب عماد الدين الكاتب الأصفهاني مؤلّف السيرة الصلاحية لكن لا علاقة له به. ذلك أنّ ابن الدواداري يأخذ عن الكتاب المذكور في تقريره عن زلزال العام ٤٣٠ هـ بمصر. أمّا المؤلفان فهما القضاعي الذي عرضنا له سابقا، وآخر يسميه ابن عسكر، لم نستطع التعرف عليه بين المؤرخين المصريين. ومما يعجب له أنّ ابن الدواداري لا يذكر-باستثناء القضاعي-أحدا من المؤرّخين المصريين المشهورين. لكنّ هناك عملا تاريخيا عنوانه: «تاريخ القيروان» ما رجع إليه ابن الدواداري في أجزاء تاريخه الأخرى، لكنه رجع إليه في الجزء الخامس مرتين
стр. 1983
في أخبار عن كافور الإخشيدي والمعزّ الفاطمي.
ويذكر ابن الدواداري الطبريّ دون أن يقتبس منه بشكل مباشر. كما يذكر الفرغاني الذي كتب تكملة للطبري مرتين. ومع أنّ الطبري يشكل المصدر الرئيسي للأخبار عن العباسيين في العادة؛ فإنّ ما يذكره مؤلّف الكنز يختلف كثيرا عن تقارير الطبري باستثناءات قليلة. أمّا «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي (-٦٥٤ هـ) فإنّ المؤلّف لا يأخذ عنه في الجزء الخامس إلاّ ما اتّصل بالغرائب ونوائب الطبيعة.
أمّا الأنباء التي يوردها ابن الدواداري عن مقياس النيل كلّ عام، فلم نستطع معرفة مصدرها. وترد الأنباء نفسها عند ابن تغري بردي (-٨٧٤ هـ) في «النجوم الزاهرة»؛لكنّ ابن تغري بردي لا يذكر مصدره أيضا. ومع أنّ أنباء المؤرّخين تتفق أحيانا لعدّة سنوات متتالية؛ لكنها تختلف أحيانا اختلافا كبيرا بحيث لا يمكن القول إنّ لهما مصدرا مشتركا.
وهناك صعوبة أخرى لم يمكن الوصول إلى تعليل مقنع لها. فابن الدواداري يورد أسماء ولاة مصر وقضاتها وعمّال خراجها كلّ عام؛ وهو ما لم يفعله المؤرّخون الآخرون بهذا الثبات. ويكتفي ابن الدواداري أحيانا بذكر الاسم الأول، أو اللقب لصاحب الخراج بحيث لا يمكن في كثير من الأحيان التعرّف عليه من مصادر أخرى. أمّا بالنسبة للولاة والقضاة فقد كان المتوقّع أن يعتمد ابن الدواداري على الكندي (-٣٥٠ هـ) في مؤلّفه المعروف «الولاة والقضاة».بيد أنّ المقارنة تشير إلى أنّ الكندي لم يكن المصدر المباشر لهذه
стр. 1984
الأنباء. ذلك أنّ التوافق بين الكتابين يبلغ أحيانا حدّ التطابق اللفظي؛ لكنّ الكتابين يختلفان أحيانا أيضا اختلافا كبيرا فيما يتعلّق بمدّة ولاية الوالي أو القاضي.
وترد عند ابن الدواداري في الجزء الخامس أخبار عن أقباط مصر لا نجدها في غير كتاب سعيد بن البطريق (-٣٢٨ هـ) وصلته ليحيى بن سعيد (-٤٥٨ هـ).فربّما رجع ابن الدواداري في ذلك إلى هذين المؤلّفين.
المصادر الأدبية: يستعمل ابن الدواداري كتب الأدب والسمر استعمالا واسعا. وهو يقصد من وراء ذلك التقليل من جفاف المادة التاريخية ذات المرمى السياسي، كما أنّ القصص والأشعار عنده تلقي أضواء على الشخصيات التي يتعرض لها في الجزء السياسي من التاريخ، وتكشف جوانب من الحياة الثقافية في عصر الخلفاء العباسيين. ولابن الدواداري اهتمام خاصّ بالطرائف الأدبية والتاريخية، التي لا تغيب لدى المؤرخين المسلمين في العادة. فالطبري (-٣١٠ هـ) مثلا يقدّم في عمله التاريخي المشهور أخبارا واستطرادات كثيرة من هذا النوع. بيد أنّ «الطرفة» تحتل لدى ابن الدواداري مكانة خاصة تفوق المتعارف عليه لدى المؤرخين. ومرجع ذلك إلى شخصية ابن الدواداري نفسه. فهو في الأصل أديب، سبق له قبل كتابته لكنز الدرر، أن جمع عدة كتب في أدب السمر والطرائف. وهو يحيل في جزء تاريخه الخامس هذا على ثلاثة من تلك المؤلفات أولها: «أمثال الأعيان، وأعيان الأمثال».وقد اقتبس فكرة الكتاب من «كليلة ودمنة» وقسمه إلى عشر محاضرات، بطلاها تنّين يلقّبه «ناطق الظنين»،وثعلب يلقّبه «حاذق الأمين».ويبدأ الكتاب المجموع هذا بأشعار عن الفصول الأربعة، ثم يتلو ذلك فصل في «الأوائل» رجع إليه ابن الدواداري مرارا في جزئه الخامس هذا. وقد رجع ابن الدواداري أيضا في هذا الجزء إلى أقسام أخرى من كتابه «أمثال الأعيان»؛من مثل تقريره الطويل عن البرامكة. أمّا الكتاب الثاني الذي يذكره في الجزء الخامس من كتب
стр. 1985
الطرائف والنوادر التي جمعها فاسمه: «حدائق الأحداق ودقائق الحذّاق».
وقد أهدى هذا الكتاب إلى صديقه القاضي علاء الدين ابن الأثير (-٧٣٠ هـ).ورجع إليه في الجزء الخامس في خبر «الوليمة» التي أقامها المأمون بمناسبة زواجه من بوران بنت وزيره الحسن بن سهل. كما رجع في الجزء الخامس إلى كتاب ثالث له من كتب الطرائف والنوادر سمّاه: «ذخائر الأخائر»،ويتّصل نقله عنه بخبر محنة المأمون لأحمد بن حنبل (-٢٤١ هـ) وزملائه. وكان قد أهدى الكتاب للقاضي فخر الدين (-٧٣٢ هـ) الذي تولى منصب «ناظر الجيش» أيّام السلطان الناصر محمّد بن قلاوون. وكان ابن الدواداري قد ذكر في الجزء الأول من كنز الدرر كتابا آخر له سمّاه: «تبر المطالب وكفاية الطالب» جمع مادّته من اثني عشر كتابا.
ومن المصادر الأدبية التي يرجع إليها ابن الدواداري كثيرا كتاب «أنباء نجباء الأبناء» لابن ظفر الصقلّي (-٥٦٥ هـ) الذي يحتوي في قسمه الأول على طرائف ونوادر عن أبناء خلفاء الدولتين الأموية والعبّاسيّة. ويحتوي في
стр. 1986
قسمه الثاني على طرائف من أخبار الزهّاد والصوفية. ويرجع ابن الدواداري أيضا إلى كتاب الكامل للمبرّد (-٢٨٥ هـ)،وإلى مروج الذهب للمسعودي (-٣٤٥ هـ)،ولطائف المعارف للثعالبي (-٤٢٩ هـ)،والعقد الفريد لابن عبد ربّه (-٣٢٨ هـ)،ووفيات الأعيان لابن خلّكان (-٦٨١ هـ).وهو يستخدم مروج الذهب، ووفيات الأعيان في إيراد الطرائف والنوادر، كما يستخدمهما في أخبار التاريخ السياسي، والتراجم.
أمّا أهمّ مصادره الأدبية فكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (-٣٥٦ هـ) الذي يرجع إليه دائما في تراجم الشعراء وأخبارهم وأشعارهم.
ولابن الدواداري غرام خاصّ بإيراد الأشعار وبخاصة لكبار الشعراء، الذين لا يورد أخبارهم ومقتبسات من شعرهم تحت سنة واحدة؛ بل يقسم ما ورد في الأغاني أو ما اختاره منه على عدة سنوات أحيانا فيورد تحت كلّ سنة أشعارا وأخبارا عن الشاعر نفسه مثلما فعل بالنسبة لبشار بن برد (-١٦٨ هـ) الذي وزّع أخباره وأشعاره المنقولة عن الأغاني على عشر سنوات (١٥٩ - ١٦٨ هـ).ولا يرجع ابن الدواداري إلى دواوين الشعراء لأنه يرمي إلى ربط الشعر بالخبر؛ ولذا رجع إلى مجموعات أدبية وشعرية من مثل أشعار أولاد الخلفاء للصولي (-٣٣٥ هـ)،ويتيمة الدهر للثعالبي (-٤٢٩ هـ)،وربما أيضا إلى كتاب الورقة لابن الجرّاح (-٢٩٦ هـ).وقد يقتبس أشعارا من كتاب آخر له مثلما فعل في الجزء الخامس عندما اقتبس شيئا من تشبيهات ابن المعتزّ (-٢٩٦ هـ) من كتاب له اسمه: «المذاكرة والمفاخرة وآداب المعاشرة».
مصادره من كتب التراجم: رجع ابن الدواداري إلى كتب التراجم في تراجمه لرجالات الأدب والثقافة والسياسة في ثنايا تاريخه السياسي على السنين. وكتب التراجم التي رجع إليها نوعان: كتب التراجم العامة، وكتب التراجم التي تهتم بشخصيات فرع ثقافيّ أو سياسيّ معيّن. وتأتي تحت النوع الأول كتب تواريخ المدن من مثل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (-٤٦٣ هـ)،
стр. 1987
وتاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (-٥٧١ هـ)؛اللذين قلّ ما رجع إليهما ابن الدواداري مباشرة في الجزء الخامس باستثناء مرة واحدة ربما اقتبس فيها عن «تاريخ بغداد» بشكل مباشر. وربما عاد ذلك إلى أنّ طرائق الخطيب وابن عساكر في التراجم هي طرائق المحدّثين التي لا يستسيغها ابن الدواداري ذو المزاج الأدبي الباحث عن النادرة والطرفة، وعن الترجمة المسبوكة المصوغة.
ومن هنا كان لجوؤه إلى ذلك النوع من كتب التراجم الذي يرضي ميوله الأدبية من مثل «وفيات الأعيان» لابن خلكان (-٦٧١ هـ)،والتاريخ المظفّري للقاضي ابن أبي الدم (-٦٤٢ هـ).ومع أنه لا يذكر «وفيات الأعيان» غير مرتين في الجزء الخامس؛ فقد اتضح لي بالمقارنة أنه كثيرا ما يقتبس منه دونما ذكر له.
وهو يذكر ابن أبي الدم في مناسبتين: الترجمة لصاحب الزنج، وذكر التحدّر النسبي لأحمد بن طولون والي مصر (٢٥٤ - ٢٧٠ هـ).ولم نستطع معرفة ما إذا كان قد استعمل تاريخ ابن أبي الدم في مواطن أخرى لأنّ عمله لم يصل إلينا، وأخبار المصادر عنه أنه عمل ضخم كان يقع في ستة مجلّدات.
أمّا في أخباره عن الوزراء فيرجع ابن الدواداري إلى «كتاب الوزراء» للصولي (-٣٣٥ هـ)؛وهو كتاب ضائع. ويرجع في أخباره عن الفلكيين إلى كتاب القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد (-٤٦٢ هـ): «طبقات الأمم».لكنه يذكر لصاعد كتابا آخر، لا تذكره المصادر، باسم «الملل والنحل» ينقل عنه أخبارا عن ابن عبد ربّه (-٣٢٨ هـ).وكثيرا ما يلجأ في المعلومات عن الأشخاص إلى كتب الأدب والشعر كما فعل بالنسبة لكتابي الأغاني ويتيمة الدهر؛ مما سبق ذكره.
وابن الدواداري أمين تجاه مصادره. لكنّه يختصر النصّ أحيانا، ويزيد فيه بضع كلمات أحيانا أخرى. وتأتي استطراداته متكلّفة أحيانا في استهلالاتها
стр. 1988
التسويغية. كما أنه ينقل أحيانا عن غيره بضمير المتكلم.
كتب الخطط: يذكر ابن الدواداري أنه أثناء إعداده المادة لكتابه كنز الدرر، وقع على كتاب في الخطط لابن عبد الظاهر (٦٢٠ - ٦٩٢ هـ) الأديب وكاتب الديوان الشهير في عهد بيبرس (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ)،وقلاوون (٦٧٨ - ٦٨٩ هـ)،والأشرف خليل (٦٨٩ - ٦٩٣ هـ).واسم الكتاب: «الروضة البهية في خطط القاهرة المعزّيّة»،وكان ابن عبد الظاهر قد وضع كتابه في الخطط عام ٦٤٧ هـ،واستند فيه إلى خطط القضاعي (-٤٥٤ هـ) الذي شكل تاريخه بالنسبة لابن الدواداري المصدر الأساسي لهيكل تراجم الخلفاء في الجزء الخامس. ويبدو أنّ كلّ من كتبوا بعد القضاعي في الخطط المصرية استندوا إليه؛ فقد رجع إليه المقريزي (-٨٤٥ هـ) في خططه، كما اقتبس منه ابن خلكان (-٦٨١ هـ) في «وفيات الأعيان»،ولم يكتف ابن الدواداري بالإفادة من خطط القضاعي وابن عبد الظاهر في كنز الدرر، بل خطر له أن يؤلّف هو نفسه في ذلك أيضا. وكان وقتها يكتب الجزء السادس من كنز الدرر، وعنّ له أن يكون عنوان خططه: «الروضة الزاهرة في خطط القاهرة».ثم عاد في الجزء السابع من الكنز فأخبرنا أنه كتب في خطط القاهرة فعلا لكنّه سمّى الكتاب: «اللقط الباهرة في خطط القاهرة».
III
المخطوطة ومنهج التحقيق
اعتمدنا في نشر الجزء الخامس من كنز الدرر لابن الدواداري على مخطوطة فريدة، ورد في خاتمتها أنها بخطّ المؤلّف. وقد ذكر تاريخا لانتهائه
стр. 1989
من الكتابة هو الخامس من ربيع الآخر سنة ٧٣٤ هـ.وهناك عبارة في الهامش من على يمين الخاتمة أنّ المؤلف أعاد النظر في الجزء وحرّره. ويبدو أنه إلى هذه القراءة الثانية تعود الهوامش الكثيرة على أوراق الجزء، والشروح، والتصحيحات. لكن على الرغم من ذلك فإنّ النص يبقى كثير الأخطاء والأوهام.
كان ابن الدواداري قد بدأ جمع المادّة لعمله التاريخي عام ٧٠٩ هـ.وقد رجع في تكوين بطاقات الجمع والإعداد إلى المصادر التاريخية المهمة، والكتب النادرة، كما يقول. ويبدو أنه عند كتابة كل جزء كان يعمد إلى استكشاف مجموعة بطاقاته وتنظيمها، وترتيبها على السنين، وحشو المادة المتنوّعة الواردة تحت كل سنة. وإلى هذه الطريقة ترجع أخطاء السهو والنقل التي نلحظها في الجزء الذي بين أيدينا. فابن الدواداري ما كان يرجع إلى المصدر المقتبس منه بل إلى مجموعة بطاقاته واقتباساتها. وهذا يعلّل لماذا يرد اسم بعض الأشخاص صحيحا في موطن، وخطأ في موطن آخر، وربما سقطت بطاقة في غير موضعها فأخّرت وفاة شخص ما سنين أو قدّمتها. وربما نقل الخطأ من مصدره إلى مجموعة بطاقاته فإلى كتابه. وليس من المؤكد أنه كان دائما يضع اسم المصدر المقتبس في ذيل البطاقة بحيث يملك أن يراجع النصّ في مصدره إذا اقتضى الأمر. يدلّ على ذلك ما يقوله أحيانا من أنه وجد هذا أو ذاك «في بعض المجاميع».وهناك حالة وجدت فيها الاقتباس الغفل عند ابن خلكان في «وفيات الأعيان».
ولأنّ ابن الدواداري يستمدّ مادّته للجزء الخامس من مصادر قديمة، فإنّ لغة هذا الجزء ذات طابع كلاسيكي يعكس لغة المصادر. بيد أنّ بعض الخصوصيّات العامية والدارجة تسلّلت إلى ريشة المؤلف رغم الأصل القديم.
стр. 1990
وقد عمدت لتصحيح ذلك في النص، وذكر ما ورد في المخطوطة في الحواشي.
ولأننا لا نملك من الجزء الخامس من «كنز الدرر» غير مخطوطة وحيدة؛ فإنّ تقسيم الحواشي إلى قسمين أحدهما لفروق النسخ، والآخر لمصادر النصّ وشواهده ما عاد ضروريا.
ولأنّ الأخطاء الموضوعية والكتابية والإملائية كثيرة في النص، فلم أجد من المناسب أن أدع التصحيح للحواشي، بل عمدت إلى ذكر الصحيح في النص وأشرت في الحاشية إلى ما ورد في الأصل، تسهيلا لقراءة النص من جهة، ولأنني لو ذكرت الصحيح في الحاشية لاضطررت للعودة للحواشي كثيرا في فهارس العمل.
أمّا الهوامش الكثيرة على جانب ورقات المخطوطات فقد عمدت إلى وضعها في النصّ بين حاصرتين إذا كانت إكمالا لما ورد على الصفحة أو إضافة جديدة على النصّ. أمّا عندما كانت الهوامش مجرّد ملاحظات فقد اكتفيت بوضعها في حواشي النصّ.
لقد اضطررت لتحقيق العمل ونشره في مدة قياسية؛ ومن هنا فقد كان لمساعدات زوجي الأستاذ الدكتور رضوان السيد المتنوّعة أثر كبير في إنجاز العمل وطبعه. كما أنه قام بترجمة هذا التمهيد إلى العربية. فله جزيل الشكر.
стр. 1991
فهرست
لما في هذا الجزء من
حدائق الأحداث ودقائق الحذّاق
الصفحة
<مقدّمة المؤلّف> ٢ - ٤
ذكر ابتداء الدولة العبّاسيّة ٤ - ٦
ذكر خلافة السفّاح وما لخّص من سيرته ٦ - ١٥
ذكر خلافة المنصور وما لخّص من سيرته ١٦ - ٥٩
ذكر خلافة المهدي وما لخّص من سيرته ٥٩ - ١٠٣
ذكر بشّار بن برد ونبذ من أخباره وأشعاره ٦٣ - ١٠١
ذكر خلافة الهادي وما لخّص من سيرته ١٠٣ - ١٠٦
ذكر خلافة الرشيد وما لخّص من سيرته ١٠٦ - ١٥٣
ذكر أبو العتاهية وعتبة وطرف من أخبارهما ١١٠ - ١١٨
ذكر الأصمعي ونسبه ولمعا من أخباره ١٢٠ - ١٢٩
ذكر نكبة آل برمك ولمعا من أخبارهم ١٢٩ - ١٥٢
ذكر خلافة الأمين وما لخّص من سيرته ١٥٤ - ١٧٠
ذكر أبو نواس ونبذ من أخباره وأشعاره ١٥٧ - ١٦٤
ذكر خلافة المأمون وما لخّص من سيرته ١٧٠ - ٢٠٦
ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي وقصّته ١٧٨ - ١٨١
стр. 1992
ذكر جحظة وشيء من خبره وشعره ١٨٢ - ١٨٣
ذكر نبذ من أخبار إبراهيم بن المهدي ١٩٠ - ٢٠٢
ذكر خلافة المعتصم وما لخّص من سيرته ٢٠٦ - ٢٢٢
ذكر محمّد بن عبد الملك الزيّات وبدء شأنه ٢١١ - ٢١٢
ذكر ابن الرومي الشاعر وشيء من خبره وشعره ٢١٦ - ٢١٧
ذكر خلافة الواثق وما لخّص من سيرته ٢٢٢ - ٢٢٩
ذكر أحمد بن أبي دؤاد وبدء اتّصاله بالخلفاء ٢٢٥ - ٢٢٨
ذكر خلافة المتوكّل وما لخّص من سيرته ٢٣٠ - ٢٤٥
ذكر بنو وهب وبدء شأنهم ٢٤٠ - ٢٤١
ذكر خلافة المنتصر وما لخّص من خبره ٢٤٦ - ٢٤٨
ذكر خلافة المستعين وما لخّص من سيرته ٢٤٨ - ٢٥٥
ذكر ابتداء الدولة العلويّة بطبرستان ٢٥٠ - ٢٥٣
ذكر خلافة المعتزّ وما لخّص من سيرته ٢٥٥ - ٢٦١
ذكر ابتداء دولة آل أبي دلف العجلي ٢٥٦ - ٢٥٨
ذكر ابتداء الدولة الصفّاريّة ٢٥٩
ذكر خلافة المهتدي ٢٦١ - ٢٦٥
ذكر خلافة المعتمد ٢٦٥ - ٢٩٣
ذكر ابتداء خروج صاحب الزنج ٢٦٥ - ٢٦٧
ذكر أحمد بن طولون ٢٦٩ - ٢٧٢
ذكر خلافة المعتضد وما لخّص من سيرته ٢٩٤ - ٣١٣
ذكر الدولة السامانيّة ومبتدأ أمرها ٣٠٦ - ٣٠٧
ذكر إسماعيل بن أحمد أول ملوك السامانيّة ٣٠٧ - ٣٠٨
ذكر خلافة المكتفي وما لخّص من سيرته ٣١٣ - ٣٢٤
стр. 1993
ذكر سبب انتقاض ملك الطولونيّة ٣١٨ - ٣٢١
ذكر خلافة المقتدر وما لخّص من سيرته ٣٢٤ - ٣٦٣
ذكر قصّة عبد الله بن المعتزّ ونبذ من نثره وشعره ٣٢٥ - ٣٣٠
ذكر بنو حمدان وما لخّص من أخبارهم ٣٥٦ - ٣٥٩
ذكر خلافة القاهر وما لخّص من سيرته ٣٦٣ - ٣٦٧
ذكر خلافة الراضي وما لخّص من سيرته ٣٦٨ - ٣٧٧
ذكر دولة الإخشيديّة وخبرهم ٣٧٠
ذكر خلافة المتّقي وما لخّص من سيرته ٣٧٧ - ٣٨٦
ذكر سيف الدولة بن حمدان ونبذ من أخباره ٣٨١ - ٣٨٥
ذكر خلافة المستكفي وما لخّص من سيرته ٣٨٦ - ٣٩١
ذكر خلافة المطيع وما لخّص من سيرته ٣٩١ - ٤١٦
ذكر كافور الإخشيدي وما لخّص من سيرته ٣٩٤ - ٣٩٨
فصل
يتضمّن ذكر الشعراء المختصّين بهذا الجزء وما ذكر من أشعارهم في طبقتي المرقص والمطرب.
المخضرمون من صدر الدولتين الأمويّة والعبّاسيّة ٤١٦ - ٤٢١
ذكر شعراء المائة الثالثة ٤٢١ - ٤٣٢
ذكر شعراء المائة الرابعة ٤٣٢ - ٤٤١
وهذا آخر ما تضمّنه هذا الجزء ولله الحمد والمنّة
стр. 1994
الجزء الخامس من تاريخ كنز الدرر وجامع الغرر
تأليف أضعف عباد الله وأفقرهم إلى الله أبو بكر بن عبد الله بن أيبك صاحب صرخد، كان عرف والده ﵀ بالدواداري انتسابا لخدمة الأمير المرحوم سيف الدين بلبان الرومي الدوادار الظاهري، تغمّده الله برحمته وأسكنهم فسيح جنّته بمحمّد وآله.
وهو الدرّة السّنية في أخبار الدّولة العباسيّة
стр. 1995
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
ربّ اختم بخير
الحمد لله مسبغ النعمة، وراحم الأمّة؛ بالخلفاء الأئمّة، الذين كشف الله بولائهم الغمّة، وأزال بإرشادهم ظلم الشبه المدلهمّة. والصلاة على سيّدنا محمّد نبيّه المصطفى، الذي اشتمل على بعض معجزاته كتاب الشفا، وعلى آله الشرفا، إخوان الصفاء وأبناء الصفا، وعلى أصحابه أهل الجود والإحسان والوفا، الذين منحهم فضلا باهرا وشرفا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد؛ فإنّ أولى ما تيقّنه المرء أشرف مطلب ومراد، وسرح بفكره منه في أخصب مرتع وواد، وساوى في اعتقاده بين مقاله وسريرته، ودلّ باجتهاده على علانيته ونيّته؛ ما أوضحته الشريعة الهادية علما لذوي الاستبصار، وقادت العقول الوافية إليه بخزائم القهر والاضطرار؛ لاتّباع السنّة، وترك النزاع في الخلاف، والتنحّي عن الدخول فيما شجر بين السادة الأشراف؛ لأنّه قاض باستنقاذ النفوس من المخاوف وبقائها، وكافل بسموّها إلى عالمها العلويّ وارتقائها.
والإخلاص في محبّة خلفائه في أرضه اتّباعا لما أتى به الصادق المصدّق من سنّته وفرضه؛ أوّلهم وآخرهم، بدوهم وحاضرهم، لا نفرّق بين أحد منهم رضوان الله
стр. 1996
عليهم وعفا عنهم، لا غلّ بذاك نجاتنا، ولنعلي منازلنا بصحبتهم في الآخرة ودرجاتنا. ونبرأ إلى الله من أقاويل مزخرفة، وآراء منحرفة، صادرة عن عقول خرفة. ونؤمن بما أنزل في أوّل سورة البقرة، ونحبّ آل بيت رسول الله ﷺ البررة، ونترضّى عن أصحابه العشرة. اللهم هذا ضميري واعتمادي، وخالص نيّتي واعتقادي؛ عليها أحيا وعليها أموت وعليها أبعث إن شاء الله تعالى.
ثم إنّ هذا هو الجزء الخامس، المشنّف بما حوى من درره الآذان بألفاظه النفائس. وهو واسطة هذا العقد الجامع إذ يتلوه سادس وسابع وثامن وتاسع؛ فعادت منزلته <كمنزلة> الشمس بين الأفلاك السبع، ومحلّه كمحلّ أبي الحارث بين الوحوش السبع. ولمّا تقدّم من العبد القول في الأربعة أجزاء الذين من قبله، وما اشتمل كلّ جزء عليه من نبله وفضله؛ ممّا فاقت بما احتوت على زهر الآداب، وراقت للناظر ولا رقّة تباشير الشراب، وجمعت من المعاني ما يغني متأمّلهم عن الأغاني. وإذا أنصف الفاضل الحرّ قال هذا نثر الدرّ. وإذا تأمّل كتاب خراج أو حيوان ولمح هذا الكتاب على أنّ لكلّ حيّ أوان. ولعلّ السيّد الفاضل إذا تمعناه تحقّق أنّه الكتاب الكامل. على أنّني لمشايخ أرباب هذه الكتب
стр. 1997
تلميذ، وللسادة الكتّاب من أهل الأدب من جملة العبيد؛ إذ ليس نقتبس إلاّ من أنوارهم، ولا نغترف إلاّ من بحارهم رضوان الله عليهم، وزاد من برّه وإحسانه في جنانه إليهم. ثم إنّي أعوذ بربّ الناس، من شرّ الوسواس الخنّاس؛ وأبتدئ بذكر أوّل دولة الخلفاء من بني العبّاس. والمرجوّ من الله التوفيق والإرشاد إلى سلوك هذه الطريق الجادّ.
(٤) ذكر ابتداء الدولة العباسيّة
أدام الله أيام سلطانها
قال القاضي ابن خلّكان رحمه الله تعالى في تاريخه إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه افتقد عبد الله بن عبّاس ﵁ في وقت صلاة الظهر فلم يجده؛ فقال لأصحابه: ما بال أبي العبّاس لم يحضر؟ فقالوا: ولد له مولود.
فلمّا صلّى <عليّ> ﵇ قال: امضوا بنا إليه. فأتاه فهنّأه فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سمّيته؟ قال: أيجوز أن أسمّيه حتى تسمّيه أنت؟! فأمر به فأخرج إليه فأخذه وحنّكه ودعا له وردّه إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، سمّيته عليّا وكنّيته أبا الحسن. فلمّا قام معاوية ﵁ خليفة قال لابن عبّاس: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنّيته أبا محمد، فجرت عليه. هذا ما ذكره القاضي ابن خلّكان عن المبرّد في كتابه المسمى بالكامل.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء إنّ عليّا لّما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غيّر اسمك أو كنيتك! قال: أمّا الاسم فلا وأمّا
стр. 1998
الكنية فكنيتي بأبي محمّد فغيّر كنيته. انتهى كلام أبي نعيم.
قلت: وقد ذكر الطبريّ ﵀ في تاريخه أنّ عليّ بن عبد الله بن عبّاس دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله هل له من ولد-وكان قد ولد له يومئذ محمد بن عليّ بن عبّاس-فأخبره فكنّاه أبا محمد.
انتهى كلام الطبريّ هاهنا.
ورأيت في مسوّداتي عن الواقديّ أنّ عليّ بن عبد الله بن عبّاس ولد في الليلة التي قتل فيها الإمام عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، والله أعلم بالصواب في ذلك.
وإنّ عليّا هذا ضرب بالسياط مرّتين كلتا هما ضربه الوليد بن عبد الملك أحدهما في تزويجه لبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ وكانت تحت عبد الملك بن مروان أولا فعضّ ذات يوم تفّاحة ثم رمى بها إليها فتناولت سكّينا فقال: وما تصنعين بها؟ قالت: أميط عنها الأذى! فطلّقها. وكان عبد الملك شديد البخر كما تقدّم من الكلام. وقيل إنّ الذباب كان إذا وصل إلى فيه تساقط ميتا لشدّة بخره، فتزوّجها عليّ بن عبد الله بن عبّاس في خلافة الوليد فقبض عليه الوليد وضربه وقال: إنما تتزّوج بأمّهات الخلفاء لتضع منهم! لأنّ مروان بن الحكم إنّما تزوّج بأمّ خالد بن <يزيد> بن معاوية ليضع منه. فقال عليّ بن عبد الله:
إنما تزوجتها لما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمّها لأكون لها محرما!
وأمّا ضربه إياه ثاني مرّة ما روي عن أبي عبد الله محمد بن شجاع بإسناد
стр. 1999
متّصل قال: رأيت عليّا بن عبد الله بن عبّاس مضروبا بالسياط يدار به على بعير ووجهه ممّا يلي ذنب البعير، وصائح يصح عليه: هذا عليّ بن عبد الله بن عبّاس الكذّاب! فأتيته وقلت: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب؟! قال: بلغهم عني أنّ هذا الأمر سيكون في ولدي والله ليكوننّ فيهم حتى تملكه عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه؛ الذين كأنّ في وجوههم المجانّ أي الدرق.
ورأيت في مسوّداتي أنّ عليا هذا دخل على هشام بن عبد الملك-وهو الصحيح؛ فمن قال إنّه دخل على سليمان بن عبد الملك فقد غلط-ومعه ابناه الخليفتان السفّاح والمنصور ولدي محمد ابنه. فأوسع هشام له عن سريره وبرّه وسأله عن حاجته فقال له: علىّ ثلاثون ألف درهم! فأمر بقضائها. ثم قال:
استوص بابنيّ خيرا! فقال: أفعل! فشكره وقال: وصلتك رحم! فلمّا نهض وولّى قال هشام لأصحابه: إنّ هذا الشيخ قد أسنّ واختلّ وخلط فصار يقول إنّ هذا الأمر سينتقل في ولده فسمعه عليّ فالتفت إليه وقال: والله ليكوننّ، وليملكنّ هذان! وأشار إلى ولديه-وخرج وهشام يضحك من قوله.
وذكر المبرّد في كتابه الكامل أنّ عليا هذا كان مفرطا في الطول والجسامة إذا طاف كان كأنما الناس حوله يمشون وهو راكب. وكان يكون إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العبّاس، وكذلك العبّاس إلى منكب أبيه عبد المطّلب وقد تقدّم هذا الكلام عند ذكر من أفرط به الطول في الجزء الذي قبله. وقال المبرّد أيضا إنّ العباس كان عظيم الصوت جهوريّة؛ وجاءتهم مرة غارة وقت الصباح فصاح بأعلى صوته: واصباحاه! فلم تسمعه حامل إلاّ وضعت!
стр. 2000
وذكر أبو بكر الحازمي في كتاب ما اتّفق لفظه وافترق مسمّاه في أول حرف العين في باب عانة وغانة؛ قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب يقف على سلع- وهو جبل عند المدينة-فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعونه؛ وذلك آخر الليل؛ وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال!
وقد تقدّم الكلام في بعض مناقب العباس وولده عبد الله في الجزء الثاني من هذا التاريخ حدّ الطاقة وجهد الاستطاعة.
ذكر خلافة السفّاح
أوّل خلفاء بني العبّاس ومبتدؤه وما لخّص
من سيرته
هو أبو العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف يلقى رسول الله ﷺ وجميع بني العبّاس في عبد المطّلب، يلقّب بالسفّاح والقائم والثائر والمبيح. ولد مستهلّ رجب سنة أربع
следующие страницы →