Полный текст (4 323 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
عليهم وعفا عنهم، لا غلّ بذاك نجاتنا، ولنعلي منازلنا بصحبتهم في الآخرة ودرجاتنا. ونبرأ إلى الله من أقاويل مزخرفة، وآراء منحرفة، صادرة عن عقول خرفة. ونؤمن بما أنزل في أوّل سورة البقرة، ونحبّ آل بيت رسول الله ﷺ البررة، ونترضّى عن أصحابه العشرة. اللهم هذا ضميري واعتمادي، وخالص نيّتي واعتقادي؛ عليها أحيا وعليها أموت وعليها أبعث إن شاء الله تعالى.
ثم إنّ هذا هو الجزء الخامس، المشنّف بما حوى من درره الآذان بألفاظه النفائس. وهو واسطة هذا العقد الجامع إذ يتلوه سادس وسابع وثامن وتاسع؛ فعادت منزلته <كمنزلة> الشمس بين الأفلاك السبع، ومحلّه كمحلّ أبي الحارث بين الوحوش السبع. ولمّا تقدّم من العبد القول في الأربعة أجزاء الذين من قبله، وما اشتمل كلّ جزء عليه من نبله وفضله؛ ممّا فاقت بما احتوت على زهر الآداب، وراقت للناظر ولا رقّة تباشير الشراب، وجمعت من المعاني ما يغني متأمّلهم عن الأغاني. وإذا أنصف الفاضل الحرّ قال هذا نثر الدرّ. وإذا تأمّل كتاب خراج أو حيوان ولمح هذا الكتاب على أنّ لكلّ حيّ أوان. ولعلّ السيّد الفاضل إذا تمعناه تحقّق أنّه الكتاب الكامل. على أنّني لمشايخ أرباب هذه الكتب
стр. 1997
تلميذ، وللسادة الكتّاب من أهل الأدب من جملة العبيد؛ إذ ليس نقتبس إلاّ من أنوارهم، ولا نغترف إلاّ من بحارهم رضوان الله عليهم، وزاد من برّه وإحسانه في جنانه إليهم. ثم إنّي أعوذ بربّ الناس، من شرّ الوسواس الخنّاس؛ وأبتدئ بذكر أوّل دولة الخلفاء من بني العبّاس. والمرجوّ من الله التوفيق والإرشاد إلى سلوك هذه الطريق الجادّ.
(٤) ذكر ابتداء الدولة العباسيّة
أدام الله أيام سلطانها
قال القاضي ابن خلّكان رحمه الله تعالى في تاريخه إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه افتقد عبد الله بن عبّاس ﵁ في وقت صلاة الظهر فلم يجده؛ فقال لأصحابه: ما بال أبي العبّاس لم يحضر؟ فقالوا: ولد له مولود.
فلمّا صلّى <عليّ> ﵇ قال: امضوا بنا إليه. فأتاه فهنّأه فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سمّيته؟ قال: أيجوز أن أسمّيه حتى تسمّيه أنت؟! فأمر به فأخرج إليه فأخذه وحنّكه ودعا له وردّه إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، سمّيته عليّا وكنّيته أبا الحسن. فلمّا قام معاوية ﵁ خليفة قال لابن عبّاس: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنّيته أبا محمد، فجرت عليه. هذا ما ذكره القاضي ابن خلّكان عن المبرّد في كتابه المسمى بالكامل.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء إنّ عليّا لّما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غيّر اسمك أو كنيتك! قال: أمّا الاسم فلا وأمّا
стр. 1998
الكنية فكنيتي بأبي محمّد فغيّر كنيته. انتهى كلام أبي نعيم.
قلت: وقد ذكر الطبريّ ﵀ في تاريخه أنّ عليّ بن عبد الله بن عبّاس دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله هل له من ولد-وكان قد ولد له يومئذ محمد بن عليّ بن عبّاس-فأخبره فكنّاه أبا محمد.
انتهى كلام الطبريّ هاهنا.
ورأيت في مسوّداتي عن الواقديّ أنّ عليّ بن عبد الله بن عبّاس ولد في الليلة التي قتل فيها الإمام عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، والله أعلم بالصواب في ذلك.
وإنّ عليّا هذا ضرب بالسياط مرّتين كلتا هما ضربه الوليد بن عبد الملك أحدهما في تزويجه لبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ وكانت تحت عبد الملك بن مروان أولا فعضّ ذات يوم تفّاحة ثم رمى بها إليها فتناولت سكّينا فقال: وما تصنعين بها؟ قالت: أميط عنها الأذى! فطلّقها. وكان عبد الملك شديد البخر كما تقدّم من الكلام. وقيل إنّ الذباب كان إذا وصل إلى فيه تساقط ميتا لشدّة بخره، فتزوّجها عليّ بن عبد الله بن عبّاس في خلافة الوليد فقبض عليه الوليد وضربه وقال: إنما تتزّوج بأمّهات الخلفاء لتضع منهم! لأنّ مروان بن الحكم إنّما تزوّج بأمّ خالد بن <يزيد> بن معاوية ليضع منه. فقال عليّ بن عبد الله:
إنما تزوجتها لما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمّها لأكون لها محرما!
وأمّا ضربه إياه ثاني مرّة ما روي عن أبي عبد الله محمد بن شجاع بإسناد
стр. 1999
متّصل قال: رأيت عليّا بن عبد الله بن عبّاس مضروبا بالسياط يدار به على بعير ووجهه ممّا يلي ذنب البعير، وصائح يصح عليه: هذا عليّ بن عبد الله بن عبّاس الكذّاب! فأتيته وقلت: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب؟! قال: بلغهم عني أنّ هذا الأمر سيكون في ولدي والله ليكوننّ فيهم حتى تملكه عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه؛ الذين كأنّ في وجوههم المجانّ أي الدرق.
ورأيت في مسوّداتي أنّ عليا هذا دخل على هشام بن عبد الملك-وهو الصحيح؛ فمن قال إنّه دخل على سليمان بن عبد الملك فقد غلط-ومعه ابناه الخليفتان السفّاح والمنصور ولدي محمد ابنه. فأوسع هشام له عن سريره وبرّه وسأله عن حاجته فقال له: علىّ ثلاثون ألف درهم! فأمر بقضائها. ثم قال:
استوص بابنيّ خيرا! فقال: أفعل! فشكره وقال: وصلتك رحم! فلمّا نهض وولّى قال هشام لأصحابه: إنّ هذا الشيخ قد أسنّ واختلّ وخلط فصار يقول إنّ هذا الأمر سينتقل في ولده فسمعه عليّ فالتفت إليه وقال: والله ليكوننّ، وليملكنّ هذان! وأشار إلى ولديه-وخرج وهشام يضحك من قوله.
وذكر المبرّد في كتابه الكامل أنّ عليا هذا كان مفرطا في الطول والجسامة إذا طاف كان كأنما الناس حوله يمشون وهو راكب. وكان يكون إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العبّاس، وكذلك العبّاس إلى منكب أبيه عبد المطّلب وقد تقدّم هذا الكلام عند ذكر من أفرط به الطول في الجزء الذي قبله. وقال المبرّد أيضا إنّ العباس كان عظيم الصوت جهوريّة؛ وجاءتهم مرة غارة وقت الصباح فصاح بأعلى صوته: واصباحاه! فلم تسمعه حامل إلاّ وضعت!
стр. 2000
وذكر أبو بكر الحازمي في كتاب ما اتّفق لفظه وافترق مسمّاه في أول حرف العين في باب عانة وغانة؛ قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب يقف على سلع- وهو جبل عند المدينة-فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعونه؛ وذلك آخر الليل؛ وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال!
وقد تقدّم الكلام في بعض مناقب العباس وولده عبد الله في الجزء الثاني من هذا التاريخ حدّ الطاقة وجهد الاستطاعة.
ذكر خلافة السفّاح
أوّل خلفاء بني العبّاس ومبتدؤه وما لخّص
من سيرته
هو أبو العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف يلقى رسول الله ﷺ وجميع بني العبّاس في عبد المطّلب، يلقّب بالسفّاح والقائم والثائر والمبيح. ولد مستهلّ رجب سنة أربع
стр. 2001
ومائة. وفي تاريخ القضاعي ﵀ (٧) قال: كان مولده وأخوه المنصور بالشراة. وقيل ولد بالحميمة من الشام سنة ثلاث ومائة. أمّه ريطة بنت عبيد الله بن عبد المدان بن الريّان بن الحارث بن كعب. بويع له بالكوفة في المسجد الجامع يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وله ثمان وعشرون سنة، وقتل مروان في ذي الحجة منها. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
روى أنّ أبا سلمة حفص بن سليمان وسليمان بن كثير وهذان سيّدا دعاة الدولة العبّاسيّة كانا يفدان في كلّ عام على إبراهيم المدعوّ بالإمام ابن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس فيأتيانه بهدايا أهل الدعوة وبكتبهم ويستأمرانه ولم يكن أحد من أهل بيت إبراهيم يعرفهما ولا يعرف الأمر الذي يأتيان فيه، فقدما سنة من السنين فرأيا أبا العبّاس وأبا جعفر أخوي إبراهيم الإمام وهما إذا ذاك غلامان فأعجباهما فقال سليمان بن كثير لأبي سلمة: إنّي مسرّ إليك أمرا مهمّا من أمور الدين فاحلف لي على كتمانه! فحلف له أبو سلمة فقال: هما والله أولى بالأمر من صاحبنا-يعني إبراهيم الإمام! فقال له سليمان: ما منعني من ذكر هذا لك إلاّ التقيّة والستر! وبيناهما يتفاوضان في هذا إذ مرّ أبو العبّاس وأبو جعفر وهما يضربان كرة، فدعاهما أبو سلمة فأتياه فقال لهما: إنّي أنشدت صاحبي هذا شعرا بأنّه معجب به فلم يرضه وقد رضينا بحكمكما فيه، فقالا: أنشده! فأنشدهما (من الطويل):
стр. 2002
أمسلم يا من ساد كلّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض
(٨) شكرتك إنّ الشكر حبل من التقى ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضي
ونوّهت من ذكري وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
فقال له أبو جعفر: من يقول هذا؟ قال: يقوله أبو نخيلة. فعضّ أبو جعفر على إصبعه وقال: أأمن هذا العبد أن تدول لبني هاشم دولة فيولغوا الكلاب دمه؟! فقال له أبو العبّاس: مه يا أخي! فإنّه كان يقال: من ظهر غضبه ضعف كيده. ثمّ أقبل أبو العبّاس على أبي سلمة فقال: هذا شعر أحمق في أحمق كيف يقول لرجل في سلطان غيره وتابع له: يا جبل الأرض وجبل الأرض هو مرسيها وممسكها فلا يصلح أن يقال هذا لمن هو في سلطان غيره وتابع له وأين يقع تعظيمه وتفخيمه من نقص اسمه؟ وانطلق أبو العبّاس فقال له أبو جعفر: هلمّ يا أخي نلعب! فقال له أبو العبّاس: هل أولغت الكلاب دم أبي نخيلة؟ قال: لا! ولكنّك أدّبتني فتأدّبت! وذهبا. فقال أبو سلمة لسليمان: بمثل هذين يطلب الملك ويدرك الثأر. وما زالا بإبراهيم الإمام حتّى عهد إلى أبي العبّاس، ويقال إنّه وعدهما أن يعهد إليه ولم يفعل حتّى قبض عليه مروان فأفضى العهد إلى أبي العبّاس.
تفسير كلمات من هذا الخبر
قوله في الشعر: «أمسلم» يريد «أمسلمة» فرخّم الاسم فحذف الهاء منه ولهذا قول أبو العبّاس إنّه نقص اسمه وهو بمعنى مسلمة بن عبد الملك، وقوله:
«حبل من التقى» أي عهد منه وسبب، فالحبل العهد؛ قال الله : ﴿إِلاّ﴾
стр. 2003
﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ.﴾ وأما قول أبي العبّاس هل أولغت الكلاب دم أبي نخيلة؟ فإنّه تعجّب من سرعة زوال غضبه على أبي نخيلة فكأنّه يقول: هل شفيت غيظك من أبي نخيلة حتّى تعود للعب؟ (٩) وقول أبي جعفر: «لا ولكنّك أدّبتني» أراد: أنت أمرتني أن لا أظهر غضبي فأمسكت. وإنّما قصد أبو سلمة بإنشادهما الأبيات المذكورة ليرى همّتهما وما عندهما إذا سمعا مدح بني أميّة. وكان بنو أميّة إذ ذاك ملوكا ودعاة بني العبّاس يدعون الناس إلى خلع بني أميّة والخروج عليهم وأبو سلمة وسليمان بن كثير سيّدا دعاة بني العبّاس.
وروي أنّ أبا نخيلة الشاعر المقدّم ذكره وفد على أبي العبّاس السفّاح عندما أفضت إليه الخلافة فلمّا مثل بين يديه استأذنه في الإنشاد فقال له: من أنت؟ فقال: عبدك وشاعرك أبو نخيلة يا أمير المؤمنين! فقال أبو العبّاس: لا قرّب الله الأبعد! ألست القائل: «أمسلم يا من ساد كلّ خليفة؟!» وأنشده الأبيات المذكورة، فقال أبو نخيلة: نعم يا أمير المؤمنين وأنا الذي أقول (من الرجز):
لّما رأينا استمسكت يداكا ... كنّا أناسا نرهب الأملاكا
ونركب الأعجاز والأوراكا ... من كلّ شئ ما خلا الإشراكا
وكلّ ما قد قلت في سواكا ... زور فقد كفّر هذا ذاكا
إنّا انتظرنا زمنا أباكا ... ثم انتظرنا بعده أخاكا
ثم انتظرناك لها إيّاكا ... فكنت أنت للرجاء ذاكا
قال: فعفى عنه أبو العبّاس ووصله.
стр. 2004
ذكر سنة ثلاث وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وتسعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة السفّاح عبد الله بن محمّد المنعوت بالكامل ابن عليّ المنعوت (١٠) بالسجّاد بن عبد الله بن عبّاس. وفيها وزر له أبو سلمة حفص بن سليمان الخلاّل وهو أحد الدعاة المذكورين، وكان يقال له وزير آل محمّد. وفيها ولي مصر خليفة بن عون والقاضي خير بن نعيم بحاله.
روي أنّ سديف بن ميمون الشاعر دخل على أبي العبّاس السفّاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان فأنشده (من الخفيف):
لا يغرّنك ما ترى من أناس ... إنّ بين الضلوع داء دويّا
فضع السيف وارفع السوط حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا
وهي قصيدة طويلة هذا زبدة مخضها، فقال له سليمان: قتلتني أيّها الشيخ قتلك الله! ونهض أبو العبّاس فوضع المنديل في عنق سليمان وقتل من ساعته.
стр. 2005
ذكر سنة أربع وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وستة وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع.
الخليفة السفّاح عبد الله وقيل إنّما سمّي السفّاح لكثرة إهراقه الدماء < ... >.وفيها ولي مصر صالح بن عون حربا وخراجا وخير بن نعيم قاضيها بحاله.
روي أنّ شبل بن سليمان بن عبد الله الشاعر دخل على أبي العبّاس السفّاح وعنده ثمانون رجلا من بني أميّة جلوسا مكرّمين فأنشده (من الخفيف):
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العبّاس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ رقلة وغراس
ذلّها أظهر التودّد منها ... وبها منكم كحزّ المواسي
ولقد غاظني وغاظ سواي ... قربها من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها اللّ ... هـ بدار الهوان والإتعاس
(١١) واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحرّان أضحى ... ثاويا بين غربة وتناسي
стр. 2006
نعم شبل الهراش مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس
فلمّا سمع تنكّر وأمر بهم فقتلوا، وألقى البسط عليهم وجلس للغداء وإنّ أحدهم يسمع أنينه لم يمت بعد! وقال: لم أتغدّ قطّ أطيب من هذه. ثم قال لشبل: لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على سائر موالي بني هاشم.
ذكر سنة خمس وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة السفّاح عبد الله بن محمّد بن علي العبّاسي. وصالح بن عون على مصر حربها وخراجها. وخير بن نعيم إلى حين استعفى فقيل له: أشر علينا برجل نولّيه القضاء! فقال: كاتبي غوث بن سليمان؛ فولي غوث القضاء.
قال العبدي الشاعر: دخلت على عبد الله بن علي بن عبد الله وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلا والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على مصلاّه؛ فاستنشدني فأنشدته قصيدتي الرائيّة التي أوّلها (من الكامل):
стр. 2007
وقف المتيّم في رسوم ديار وهو مطرق كالأفعوان حتى انتهيت إلى قولي (من الكامل):
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أميّة من دعاة النار
أأميّ مالك من قرار فالحقي ... بالجنّ صاغرة بأرض وبار
(١٢) ولئن رحلت لترحلنّ ذميمة ... وكذا المقام بذلّة وصغار
قال: فرفع رأسه الغمر إليّ وقال: يا ابن الفاعلة! ما حملك ودعاك إلى هذا؟ فضرب عبد الله بقلنسوته الأرض؛ وكانت العلامة بينه وبين أهل خراسان؛ فوضعوا على بني أميّة العمد حتّى ماتوا، وأمر بالغمر فقتل صبرا.
ذكر سنة ستّ وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة السفّاح عبد الله بن محمد بن علي العبّاسي إلى أن توفّي رحمه الله تعالى في هذه السنة في تاريخ ما يأتي. وصالح بن عون على مصر. وقيل: ولي في هذه السنة المثنّى بن زياد الخراج بمصر. والقاضي غوث بن سليمان بحاله.
توفّي <أبو العبّاس السفّاح> بالجدري يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت
.
стр. 2008
من ذي الحجّة سنة ست وثلاثين ومائة، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة. وصلّى عليه عيسى بن علي. ودفن بالأنبار بمدينته التي بناها وسمّاها الهاشمية. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. روي أنه وصل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵈ بألفي ألف درهم؛ فيقال إنه أول خليفة وصل بهذه الجملة، والله أعلم.
صفته ﵀
كان طويلا، حسن الوجه، أقنى، حسن اللحية، جعد الشعر، معتدل الجسم. ورزق من الولد محمدا من أمّ ولد، وابنة سمّاها ريطة من أمّ ولد؛ وهذه ريطة تزوّجها المهدي وأولدها عليا وعبد الله.
الوزراء والكتّاب
كان وزر له أولا أبو سلمة المقدّم ذكره. ثم أبو الجهم ابن عطيّة، وخالد بن برمك.
الحجّاب
صالح بن الهيثم، وقيل: محمد بن صول؛ وكان وقع في يزيد وكان مولاه فأنكر ذلك عليه فادّعى أنه مولى المنصور؛ والله أعلم.
نقص خاتمه
الله ثقة عبد الله وبه يؤمن.
стр. 2009
ذكر خلافة المنصور ثاني خلفاء بني العبّاس
وبعض أخباره وما لخّص من سيرته
هو أبو جعفر عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس. وبقية نسبه قد علم. يلقّب المنصور والمؤيّد والكاظم. أمّه أمّ ولد بربرية يقال إنّ اسمها كوثر.
بويع يوم مات أخوه نهار الأحد، وتلقّته البيعة وهو قادم من الحجّ بمكان يقال له صفت؛ فقال: ما اسم هذا المكان؟ قالوا: صفت! فقال: صفا لنا الأمر!
قلت: ومن نكت التاريخ في حكم التفاؤل ما حكي عن عبد العزيز بن مروان أخي عبد الملك بن مروان أنّه لمّا وقع الفناء بمصر وهو يومئذ أميرها خرج هاربا نحو صعيد مصر فلمّا كان ببعض قرى الصعيد أتاه بريد في مهمّ فقال له: ما اسمك؟ فقال: لا حق! قال: ابن من؟ قال: ابن مدرك! فقال: أوّاه! لحقني فأدرك! ما أظنّني راجعا إلى الفسطاط! فمات بتلك القرية.
ونظير من تطيّر بالاسم حكاية مستطرفة؛ قيل إنّ بعض العرب
стр. 2010
استدان من رجل فقيه دينا إلى أجل وأتى به للشهود ليكتبوا له مسطورا على الأعرابي فقالوا له: ما اسمك؟ فقال: مازن. قال: ابن من؟ قال: ابن مانع.
قال: ابن من؟ قال: ابن مدافع. قال: من أهل أين؟ قال: من النكّاريّة-وهي قرية من قرى حوف مصر. فقال الفقيه: العتق يلزمني لا بماملتك يا أخا العرب! اسمك ونسبك وبلدك يدلّ على وفائك! نظيرها قيل: أتى أعرابيّ إلى حانوت الشهود يكتب عليه مسطورا بدين فقيل له: ما الاسم؟ قال: شاهين بن عقاب بن سنقر من الطيرية! فقال كبير الشهود لصاحب الدين: إن كنت من العفاريت الطيّارة كتبت لك عليه حتّى تلحق دينك!
ولنعد إلى سياقة التاريخ.
فيها ولّى المنصور خالد بن برمك فارس حربها وخراجها؛ ولم تكن قبله اجتمعت لغيره. وكانت الدفاتر في الدواوين صحفا مدرجة فأول من جعلها دفاتر من جلود وقراطيس خالد بن برمك. وأول من اتّخذ الأتراك من الخلفاء المنصور؛ اتّخذ حمّادا ثم اتّخذ المهدي مباركا ثم اقتدى بهما الخلفاء وسائر الناس. والله أعلم.
ذكر سنة سبع وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع:
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ. وصالح بن عون على حرب مصر. والمثنّى بن زياد على الخراج. والقاضي غوث بن سليمان بحاله.
стр. 2011
فيها تغيّر المنصور على أبي مسلم الخراساني لأسباب صدرت منه بعد موت السفّاح فعزم على قتله، وبقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره والاستشارة فقال يوما لسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ قال: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ فقال: حسبك يا ابن قتيبة! لقد أودعتها أذنا واعية. ولم يزل المنصور يخدعه، وينصب له الحبائل حتّى أحضره إليه. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلاد الروم.
وكان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى ولم يخطر بقلب أبي مسلم أنها موضع قتله بل راح وهمه إلى بلاد الروم؛ فلمّا دخل على المنصور رحّب به وأمره بالانصراف إلى مخيّمه، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل. ثم إنّ أبا مسلم ركب إليه مرارا فأظهر له أنه متمرّض فلازمه ثم جاءه فقيل إنه يصلّي وإنه يتوضّأ للصلاة؛ فجلس تحت الرواق وقد رتّب له المنصور جماعة بقفون وراء الستر الذي خلف أبي مسلم فإذا عاتبه لا يظهرون حتّى يضرب يدا على يد فحينئذ يظهرون فيضربون عنقه. ثم جلس المنصور وقد تدرّع من تحت ثيابه خشية من أبي مسلم.
ودخل عليه أبو مسلم فسلّم وسأل فردّ عليه بخير ثم آذنه في الجلوس وحادثه ساعة، ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت! فقال أبو مسلم: ما يقال هذا لمثلي وقد بلغ من سعيي واجتهادي ومناصحتي وما كان مني! فقال له المنصور: يا ابن الخبيثة! إنما فعلت ذلك بجدّنا وحظّنا، ولو أنّ مكانك أمة سوداء لعملت ما عملت أنت! ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك قبلي؟ ألست الكاتب تخطب عمّتي آسية، وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله بن عبّاس؟! لقد ارتقيت لا أمّ لك مرتقى
стр. 2012
صعبا. فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبّلها ويعتذر ويتنصّل؛ فقال له المنصور وهو آخر كلامه له: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم صفّق بإحدى يديه على الأخرى فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح: إضربوا! قطع الله أيديكم! وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوّك! قال: لا أبقاني الله إذا أبدا إن أبقيتك، وأيّ عدوّ هو أعدى منك؟! وكانت قتلته يوم الخميس لخمس بقين من شعبان. وقيل: لليلتين بقيتا منه. وقيل: قتل يوم الأربعاء لسبع ليال خلون من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة. وقيل: سنة أربعين ومائة برومية المدائن وهي بليدة بالقرب من الأنبار على دجلة بالجانب الشرقي معدودة من مدائن كسرى.
قلت: نظرت في مسوّداتي: ملكان إسلاميان أول اسم كلّ منهما عين قتل كلّ واحد منهما ثلاثة ملوك أول اسم كلّ واحد عين؛ فأحدهما عبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير، وعمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. والآخر عبد الله المنصور هذا قتل عمّه عبد الله بن عليّ، وعبد الجبّار بن عبد الرحمن والي خراسان، وعبد الرحمن أبا مسلم هذا. وروي أنه قال له حين أراد قتله: هل كنت قبل قيامك بدولتنا جائز الأمر على عبدين؟ قال: لا يا أمير المؤمنين! قال: فلم لا تعرض حالتي عسرتك ومهابتك على أيّامنا، وتعرف لنا ما يعرف غيرك من إجلالنا وإعظامنا حتّى لا ينازعك الحين عنان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين؛ ولكنّ الزمان وإساآته قلبا ما كان من حسن صنيعي. قال: فلا مرغوب فيك، ولا مأسوف عليك، وقى الله تعالى خلقه منك! وأمر بقتله فقتل. ثم أدرجه في بساط. ودخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل! فقال المنصور: وفّقك الله! ها هو ذاك في البساط! فلمّا نظر إليه مقتولا،
стр. 2013
قال: يا أمير المؤمنين! عدّ هذا اليوم من أول خلافتك جديدا لا أبقى الله لك عدوا! فأنشد المنصور (من الطويل):
وألقت عصاها واستقرّ بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
ثم أقبل على من حضر وأنشد (من السريع):
زعمت أنّ الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم
إشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمرّ في الحلق من العلقم
ثم نظر إلى أبي مسلم طويلا وهو طريح بين يديه وأنشد (من الطويل):
طوى كشحه عن أهل كلّ مشورة ... وبات يناجي عزمه ثمّ صمّما
وأقدم لمّا لم يجد عنه مذهبا ... ومن لم يجد بدّا من الأمر أقدما
ومن هاهنا أخذ أبو عبادة البحتري قوله في مدح ابن خاقان لمّا قتل الأسد من قصيدة يقول (من الطويل):
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لمّا لم يجد عنك مهربا
وكنت في وقت بحضرة القاضي علاء الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله
стр. 2014
تعالى، وعنده الأمير المرحوم بهاء الدين أرسلان الدوادار الناصري برّد الله ضريحه؛ وهو يحكي له في حال الأمير المرحوم سيف الدين سلار مخدومه لمّا كان نائب السلطنة المعظّمة الناصريّة خلّد الله ملك مولانا مالكها، وأدام اقتداره؛ لمّا كان بالشوبك، وسبب عودته؛ فتمثّل القاضي علاء الدين ابن عبد الظاهر ﵀ بهذا البيت الذي للبحتري فقلت: يا سيّدي! يرى مولانا أنّ البحتريّ أخذ هذا البيت من قول المنصور لمّا قتل أبا مسلم ثم أنشدته البيتين فقال: فو الله من هاهنا أخذ وما تعدّى! وأعجب بي في ذلك الوقت، وكذلك الأمير بهاء الدين رحمهما الله جميعا.
ذكر سنة ثمان وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ. وصالح بن عون بحاله، والمثنّى كذلك، والقاضي غوث.
стр. 2015
اختلف في نسب أبي مسلم اختلافا كبيرا. وقد تقدّم من ذكره ونسبه ومبتدأ أمره وسبب وصوله إلى إبراهيم الإمام في الجزء الثالث من هذا التاريخ، مما يغني <عن> إعادته هاهنا. وإنما نذكر هنا اختلاف الناس في نسبه ملخّصا. زعم قوم أنه من العرب. وقيل هو من العجم. وقيل من الأكراد. فأمّا من جعله من العرب فيوصله بسليط بن عبد الله بن عبّاس. وأمّا من جعله من العجم فيوصله إلى بزرجمهر بن البختكان الفارسي؛ وهو الصحيح؛ وقد تقدّم ذلك. وأمّا من جعله من الأكراد فيستدلّ بقول أبي دلامة فيه (من الطويل):
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتّى يغيّرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدره ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد
لمّا توفّيت آسية عمّة المنصور مشى المنصور في جنازتها فلمّا وقف على حفيرتها وأبو دلامة واقف أيضا على الحفيرة فنظر إليه المنصور وقال: أبا دلامة! ما أعددت لهذه الحفيرة؟ فقال: عمة أمير المؤمنين يأتون بها في هذه الساعة! فضحك المنصور من وسط البكاء.
وروي أنّ المنصور أمر سائر الخصيصين به أن يلبسوا أقباعا طوالا، ويقيموا عليها، ولا يفارقوا لبس السواد، مكتوب بالبياض في ظهورهم:
стр. 2016
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾،ويشدّوا سيوفهم في أوساطهم؛ فدخل عليه يوما أبو دلامة في هذه الصورة فقال له المنصور: ما حالك يا أبا دلامة؟ فقال: بأسوأ حال يا مولانا! فقال: وكيف ويحك؟ فقال: ما حال من وجهه في نصفه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره؟! فضحك المنصور حتّى كاد يسقط ثم أمر أن يغيّروا ذلك.
ذكر سنة تسع وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمّد بن عليّ. وصالح بن عون بمصر، والمثنّى على الخراج، والقاضي غوث بن سليمان بحاله. فيها بنى المنصور مدينته، واتّخذ فيها قصره، وفيه بيوت للإذن. وهو أول من رتّب المراتب من الخلفاء. وكان بنو أمية لهم بيوت بلا منعة ولا إذن؛ وإنما كان الناس يقفون على أبوابهم حتى يؤذن لهم أو ينصرفون؛ فلمّا ولي بنو العبّاس، وبنى المنصور مدينته اتّخذ في قصره بيوتا للإذن فجرى الأمر على ذلك.
стр. 2017
ذكر سنة أربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
(٢٠) الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ. وفيها عزل صالح بن عون عن مصر وولّى أبا عون عبد الملك بن يزيد على الحرب، وعلى الخراج موسى بن كعب، وعزل المثنّى؛ والقاضي غوث بن سليمان قاضيا بحاله.
وفيها بنيت المصّيصة بناها صالح بن علي عمّ المنصور بأمره.
روي عن أبي الحسن أحمد بن علي بن الحسين النوري البزّاز بإسناد متّصل قال: بينا المنصور ذات يوم جالس وعنده عمومته إسماعيل بن علي وعبد الصمد بن علي وعبد الله بن علي وصالح بن علي فتذاكروا أيّام بني أميّة وما كانوا فيه فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين! إنّ في حبسك عبد الله بن مروان بن محمد-وكان عبد الله وليّ عهد أبيه مروان-فلو أحضرته لسمعت عجبا! فقال المنصور: يا مسيّب! عليّ به! فلمّا مثل بين يديه قال: السلام
стр. 2018
عليك يا أمير المؤمنين! قال المنصور: يا عبد الله! إنّ ردّ السلام أمان، وليست تسخو نفسي بذلك! هات فحدّثني! قال: والله يا أمير المؤمنين ما أقدر على النفس من ثقل ما عليّ من الحديد وصدئه، وذلك أني أبول فيرشّش عليه فيصدأ. قال: يا مسيّب! أطلق عنه الحديد فأطلق عنه؛ وكانت بنو أميّة تقعد على الأسرة وتثني الوسائد لبني هاشم فأمر فثنيت له وسادة وقال: هات الآن! قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنّه لمّا جاء عبد الله ففعل بنا ما فعل فكنت المطلوب من بين الناس فدخلت إلى خزانة لي فأخرجت عشرة آلاف دينار فدفعتها إلى عشرة غلمان لي ممن أثق بهم، وأمرتهم أن يشدّوها في أوساطهم، ثم دخلت عودا على بدء فأخرجت أسرى جوهر عندي وألف دينار فشددتها في وسطي، ثم أمرت بأسرى فرش لي فحمل على خمسة أبغل، وركبت مع غلماني أفره دوابّي، وخرجت هاربا فدفعت إلى قفر لا أنيس به فإذا قصر خراب فأمرت فكسح لي ناحية منه، وفرش لي، وأمرت أوثق غلماني فقلت: إمض إلى ملك النوبة فخذ لي منه أمانا وامتر لنا ميرة فمضى فأبطأ أياما فسؤت ظنا ثم عاد ومعه آخر وإذا هو ترجمان الملك فدخلا عليّ فقال الترجمان: أين صاحبك؟ فأومأ إليّ فأقبل فكفّر ثم قبّل يدي ووضعها على صدره وقال: الملك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ما الذي جاء بك إلى بلدي، أراغب في ديني أم محارب لي أم مستجير بي؟ فقلت: تقرأ على الملك السلام وتقول له: أمّا الرغبة في دينه فإني لست أبغي بديني بدلا، وأمّا محارب له فمعاذ الله، وأمّا مستجير به فلعمري ذاك! قال: إنّ الملك يقول لك لا تحدث شيئا في ابتياع ميرة فإنه يوجّه إليك جميع ما تحتاجه، وصائر إليك بنفسه بعد ثلاث. فلمّا كان في اليوم الثالث أمرت ففرش لي، ونصب لي منبر وله آخر ثم صعدت فقعدت بين شرفتين من شرف القصر أرقب مجيئه فلمّا تعالى النهار إذا أنا برجل قد أقبل حافيا حاسرا عن رأسه بين يديه سبعة نفر بأيديهم الحراب، وخلفه ثلاثة؛
стр. 2019
فقلت: من هذا؟ فقالوا: الملك! فسوّلت لي نفسي إذا هو دخل وثبت عليه فقتلته واستوليت على الأمر، ثم نظرت فإذا زهاء عن عشرة آلاف رجل في السلاح الذي لم ير مثله فكانت موافاتهم وقت دخوله القصر فأقبل يطأ البساط بظهر قدمه ثم إنه سأل عنّي (٢٢) فأومي إليّ فكفّر لي وقبّل يدي وجلس على الأرض! فقلت له: لم لا ترتفع إلى ما مهّد لك؟ فقال، قل له يحقّ للملك أن يتواضع لعظمة الله إذا رفعه الله. ثمّ قال: قل له ما الذي أخرجك من بلدك وأنت من أهل بيت النبوّة؟ فقلت: جاء قوم أقرب إلى نبيّنا منّا فاستولوا على الأمر فقتلونا وشرّدونا حتّى أقبلت إليك. فقال: سله ما بالكم تشربون الخمور وقد حرّمت عليكم في كتابكم؟ فقلت: عبيد وأتباع لنا دخلوا في ملكنا من غير إرادتنا! فحرّك رأسه تحريك منكر ثمّ قال: ما بالكم إذا ركبتم إلى صيدكم ولهوكم تنزلون القرى ثمّ لا يقنعكم ذلك إلاّ بالعسف والضرب، وتهوشون زروعهم في طلب درّاج يساوي نصف درهم، وعصفور لا قيمة له من غير حاجة منكم إليه؟! كلاّ والله! ولكنكم قوم استحللتم ما حرّم الله عليكم، وأتيتم ما عنه نهاكم، وإنّ لله تعالى فيكم غاية لم تبلغ النهاية فإن كنت من القوم فلا تقيمنّ في بلادي فوق ثلاث فإنّي أتخوّف أن تنزل بك نقمة فتشملني معك! فرجعت فأخذت وها أنا بين يدي أمير المؤمنين! فو الله للموت أيسر لي مما أنا فيه. فهمّ بإطلاقه فقال له عمّه إسماعيل بن علي: إنّ له في عنقي بيعة! قال: فما ترى يا عمّ؟ قال: يسكن في دار من دورنا، يجرى عليه كما يجرى على أحدنا! فقال: خذه إليك! فلم يزل عنده حتّى مات. والله أعلم.
стр. 2020
ذكر سنة إحدى وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع (٢٣).
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وفيها عزل أبا عون عن الحرب بمصر، وولّى محمد بن الأشعث، وموسى بن كعب والقاضي غوث بحالهما.
ومن كتاب الآغاني عن الزبير بن بكّار عن عمّه قال: مدح الدارميّ عبد الصمد بن علي عمّ السفّاح بقصيدة واستأذنه في الإنشاد فأذن له فلمّا فرغ أدخل على عبد الصمد رجل من الشراة فقال لحاجبه: أعط هذا مائة دينار، واضرب عنق هذا! فوثب الدارمي فقال: بأبي وأمّي أنت! برّك وعقوبتك جميعا نقد! فإن رأيت أن يبدأ بقتل هذا فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني فإني ليس بي من عجلة، ولا أريم من عندك حتّى تفعل ذلك! قال: ولم ويلك؟ قال: أخشى أن يغلط فيما بيننا والغلط في هذا لا يستقال! فضحك وأجابه إلى ما سأل.
стр. 2021
أمّا الدارميّ فهو سعيد من ولد سويد بن زيد الذي كان أبوه أو جدّه قتل أسعد بن عمرو بن هند ثم هربوا إلى مكّة فحالفوا بني نوفل بن عبد مناف.
وكان الدارمي في أيام عمر بن عبد العزيز، وكانت له أشعار ونوادر. وكان من ظرفاء أهل مكّة؛ وهو الذي يقول (من المتقارب):
ولمّا رأيتك أوليتني ال ... قبيح وأبعدت عنّي الجميلا
تركت وصالك في جانب ... وصادفت في الناس خلاّ بديلا
ذكر سنة اثنتين وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وإصبع واحد، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحواث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمّد بن علي. ومحمد بن الأشعث على حرب مصر، (٢٤) وعزل موسى بن كعب عن الخراج وولّي مكانه نوفل بن فرات، والقاضي غوث بحاله.
ومن أخبار الدارميّ عن الأصمعيّ عن ابن أبي الزناد قال؛ قدم تاجر من الكوفة المدينة بخمر فباعها كلّها وبقيت السود فلم تنفق، وكان التاجر صديقا للدارمي فشكا إليه ذلك؛ وقد كان الدارمي نسك وترك الغناء وقول الشعر فقال
стр. 2022
له: لا تهتمّ بذلك فإنّي سأنفقها لك حتّى تبيعها بأغلى ثمن تريده! ثم قال (صوت)، (من الرجز):
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا صنعت براهب متعبّد
قد كان شمّر للصلاة ثيابه ... حتّى وقفت له بباب المسجد
وغنّى فيه وكذلك غنّى فيه سنان الكاتب وشاع في الناس وقالوا: قد فتك الدارمي ورجع عن نسكه! فلم تبق في المدينة ظريفة إلاّ ابتاعت خمارا أسود بما أحبّ واختار حتّى نفد ما كان مع العراقي منها؛ فلمّا علم ذلك الدارميّ رجع إلى نسكه ولزم المسجد حتّى مات.
وعن أبي هفّان قال: حضرت يوما مجلس بعض قّواد الأتراك وكانت له ستارة فنصبت فقال لبعض جواريه بها: غنّي الخمار الأسود المليح! فلم يعلم ما قال حتّى غنّت:
قل للمليحة في الخمار الأسود
ثمّ أمسك ساعة ثم قال لها: غنّي إني خريت وجيت أنتقله! فضحكت الجارية وقالت: هكذا يشبهك! ولم يدر أيضا ما قال حتّى غنّت:
إنّ الخليط أجدّ منتقله
ذكر سنة ثلاث وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع. (٢٥)
стр. 2023
الخليفة المنصور عبد الله بن محمّد بن علي. وعزل محمد بن الأشعث ونوفل عن حرب مصر وخراجها وولي مكانهما حميد بن قحطبة حربا وخراجا؛ والقاضي غوث بحاله.
وعن الزبير بن بكّار عن عمّه قال: كان الدارميّ عند عبد الصمد بن علي يحدّث فأغفى عبد الصمد فعطس الدارمي عطسة هائلة راعت عبد الصمد وغضب غضبا شديدا ثمّ استوى جالسا فقال له: يا عاضّ بظر أمّه أتفزعني؟ قال: لا والله أيّها الأمير ولكن هكذا عطاسي ما برح! قال: والله لأنقعنّك في دمك أو تأتيني ببيّنة على ذلك! قال: فخرج لا يدري أين يذهب فلقيه الريّان المكّي فأخبره الخبر فقال له: افتح فاك! ونظر فيه ثم قال: إمض أنا أشهد لك! فمضيا حتّى دخلا على عبد الصمد، فقال له: بماذا تشهد؟ قال: إنّي حضرته مرّة عطس عطسة سقط من هولها ضرسه من فيه وها هو! فضحك عبد الصمد وأجازهما.
وفيها اتّخذ المنصور الخيش في الصيف؛ وهو أول من اتّخذ ذلك.
وكانت الأكاسرة في صيفها يطيّن لها سقف بيت في كلّ يوم صائف فتكون قيلولة الملك فيه. وكان يؤتى بأطباق الخلاف الكبار طوالا فتوضع حول البيت، ويؤتى بقطع الثلج الكبار فتوضع بين أضعافها؛ وكان بنو أميّة يفعلون مثل ذلك؛
стр. 2024
فلمّا كان المنصور اتّخذ له أبو أيّوب المورياني ثيابا كثيفة تبلّ وتوضع على الآلة التي يقال لها بالفارسية «سبايه» فاستطابها. ثمّ اقترح بعد ذلك الخيش فكان ينصب على قبّة فجرت العادة عليه. وأبو أيّوب هذا الذي جرى المثل بدهنه فقيل: أتاك بدهن أبي أيّوب! وذاك أنه كان له دهن طيّب يستعمله لمّا يريد أن يركب إلى المنصور؛ وكان قد غلب على أمر المنصور فقيل إنّ ذلك الدهن (٢٦) كان له نبأ فضرب به المثل.
ذكر سنة أربع وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وواحد وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمّد بن علي. وعزل حميد وولي يزيد بن حاتم المهلّبي، وعزل غوث القاضي، وولي خزيمة بن إبراهيم بن يزيد القضاء.
стр. 2025
قال أبو الفرج الأصفهاني ﵀ في كتاب الأغاني، نسخت من كتاب أحمد بن القاسم بن يوسف قال، حدّثني خرّ بن قطن أنّ ثمامة بن الوليد دخل على أبي جعفر المنصور فقال: يا ثمامة! أتحفظ حديث ابن عمّك عروة بن الورد العبسي؟ قال: أيّ حديثه يا أمير المؤمنين فقد كان كثير الحديث؟ قال:
حديثه مع الهذلي الذي أخذ فرسه! قال: ما يحضرني ذلك يا أمير المؤمنين! قال؛ فابتدأ المنصور وحدّثه حديثه الذي أثبتّه في الجزء الأول من هذا التاريخ عند ذكري لعروة بن الورد ونسبه وبعض أخباره مما يغني <عن> إعادته هاهنا.
وأخّرت هذه الحكاية الأخرى عن عروة لأوردها في هذا المكان في جملة أخبار المنصور وطول سنيّه؛ قال؛ فلمّا أتمّ المنصور حكاية عروة مع الهذلي قال ثمامة: إنّ له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا بأظرف من هذا يا أمير المؤمنين! فقال المنصور: أفلا أحدّثك بحديث عنه هو أظرف من هذا؟ فقال ثمامة: بلى يا أمير المؤمنين فإنّ الحديث إذا جاء منك كان له فضل على غيره! قال: خرج عروة بن الورد وأصحابه حتّى نزل ماوان فنزّل أصحابه، وكنف لهم (٢٧) من الشجر وهم الذين قال فيهم (من الطويل):
ألا إنّ أصحاب الكنيف وجدتهم ... كما الناس لمّا أمرعوا وتموّلوا
وهذه القصيدة أثبتّها بجملتها في الجزء الأول. وفي هذه الغزاة يقول (من الطويل):
стр. 2026
أقول لأصحاب الكنيف تروّحوا ... عشية قلنا حول ماوان رزّح
ليبلغ عذرا أو يصيب غنيمة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
ومضى يبتغي لهم شيئا وقد جهدوا فإذا هو بأبيات شعر وبامرأة وشيخ كبير كالخباء الملقى فكمن عروة في كسر البيت وقد أجدب الناس، وإذا في البيت سحور ثلاثة شعرية-والسحور الحلقوم بما فيه-والبيت خال فأكلها عروة وكان له يومان قبلها لم يأكل شيئا فأشبعته وقوي فقال: لا أبالي من لقيت بعد هذا! ونظرت المرأة فظنّت أنّ الكلب أكلها فقالت للكلب: أفعلتها يا خبيث؟! وطردته. فإنه لكذلك إذا هو عند المساء بإبل قد ملأت المكان وإذا هي تتلفّت فرقا فعلمت أنّ راعيها جلد شديد الساعد، فلمّا أتت المناخ بركت ومكث الراعي قليلا ثم أتى ناقة منها فمرى أخلافها ثمّ وضع العلبة على ركبتيه وحلب حتّى ملأها ثم أتى الشيخ فسقاه. ثم أتى ناقة أخرى ففعل بها ذلك وسقى العجوز. ثم أتى أخرى ففعل بها ذلك فشرب ثم التفع بكساء واضطجع ناحية فقال الشيخ للمرأة وقد أعجبه ذلك منه: كيف ترين ابني؟ فقالت: ليس والله بابنك! قال: فابن من ويلك؟! قالت: ابن عروة بن الورد العبسي! قال: ومن أين لك؟ قالت: أتذكر يوما مرّ بنا ونحن نريد سوق ذي المجاز فقلت لي هذا عروة بن الورد، ووصفته لي شجاعة وجلدا فإنّي استظرفته واشتهيت منه الولد! فسكت الشيخ وسكن عروة (٢٨) حتّى نوّم الراعي وثب عروة وصاح بالإبل فاقتطع منها نحوا من النصف ومضى ورجا ألاّ يتبعه الغلام-والغلام حين بدا شاربه، فاتّبعه. قال: فاتخذا وعالجه فضرب به الأرض فيقع قائما! فتخوّفه عروة على نفسه. فقال عروة-وهو يريد <أن> يعجزه عن نفسه-:أنا
стр. 2027
عروة بن الورد! قال: فارتدع. ثم قال: ما لك ويلك! لست أشكّ أنّك سمعت ما كان من أمّي! قال: نعم! فاذهب أنت وأمّك وهذه الإبل ودع الرجل لحاله فإنه ليس لك بشيء! قال: الذي بقي من عمر الشيخ قليل وأنا مقيم معه ما بقي فإنّ له حقا وذماما فإذا هلك فما أسرعني إليك. وخذ من هذه الإبل بعيرا! قال: لا يكفيني إنّ معي أصحابا قد خلّفتهم ذا جهد. قال: فاثنان. قال:
لا! قال: فثالث-والله لازدتك على ذلك! فأخذها ومضى إلى أصحابه. ثم إنّ الغلام لحق بعروة بعد هلاك الشيخ.
فقال ثمامة: والله يا أمير المؤمنين لقد زيّنته عندنا وعظّمته في قلوبنا.
قال: فهل أعقب عندكم؟ قال ثمامة فقلت: لا والله! ولقد كنا نتشاءم بأبيه لأنّه هو الذي أوقع الحرب بين عبس وفزارة بمراهنته حذيفة بن بدر. ولقد كان له ابن أسنّ من عروة فكان يؤثره على عروة فيما يعطيه، ويقوّيه دونه. فقيل له:
أتؤثره على عروة فيما تعطيه مع غنائه عنك وهو الأكبر على الأصغر مع ضعفه؟! قال: أترون هذا الأصغر مع ضعفه! لئن بقي مع ما أرى من شدّة نفسه ليصيرن الأكبر عيالا عليه.
ذكر سنة خمس وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع (٢٩).
الخليفة المنصور عبد الله بن محمّد بن علي. ويزيد بن حاتم المهلّبي على مصر حربها وخراجها. والقاضي خزيمة بحاله؛ وكان محمودا لا يأخذ ليوم الجمعة رزقا، ولا يوم يتشاغل فيه عن أمور الناس.
روي أنّه دخل على المنصور خالد بن كلثوم فقال له المنصور: يا خالد!
стр. 2028
حدّثني عن هلال بن الأسعر، ومن هو، وما كان منه. فقال: نعم وكرامة يا أمير المؤمنين! هو هلال بن الأسعر بن خالد بن أرقم بن قسيم بن ناشرة بن سيّار بن رزام بن مازن بن مالك بن غمر بن تميم. شاعر فحل من شعراء الدولة الأموية مولّدا. كان رجلا شديدا عظيم الخلق أكولا معدودا من الأكلة. عمّر زمانا طويلا، ومات بعد بلايا عظام مرّت على رأسه. وكان يرد مع الإبل فيأكل ما وجد عند أهله ثم يرجع إلى الإبل ولا يتزوّد طعاما ولا شرابا حتّى يرجع يوم وردها لا يذوق فيما بين ذلك شيئا! وكان عاديّ الخلق لا توصف صفته.
قال خالد بن كلثوم؛ فحدّثنا عنه من أدركه أنّه كان يوما في إبل له وذلك عند الظهيرة في يوم شديد وقع الشمس، محتدم الهاجرة. فعمد إلى عصاه فطرح عليها كساءه ثم أدخل رأسه تحته من حرّ الشمس. فبينا هو كذك إذ مرّ به رجلان أحدهما من بني نهشل والآخر من تميم-وكانا أشدّ تميميّين في ذلك الوقت بطشا يقال لأحدهما الهيّاج؛ وقد أقبلا من البحرين ومعهما أنواط من تمر هجر، وهلال بناحية الصعاب. فلمّا انتهيا إلى الإبل ولا يعرفان هلالا بوجهه ولا الإبل فناديا: يا راعي الإبل! أعندك شراب تسقينا؟ وهما يظنّان أنّه عبد لبعضهم! فناداهما هلال ورأسه تحت كسائه: عليكما بالناقة التي صفتها كذا في موضع كذا فانتحياها فإنّ عليها وطبين من لبن فاشربا منهما ما بدا لكما فقال أحدهما: ويحك يا غلام انهض فأتنا بذلك اللبن! فقال: إن يك لكما حاجة فستأتيانها. قال؛ فقال أحدهما: إنّك يا ابن اللخناء لغليظ الكلام قم فاسقنا! ثم
стр. 2029
دنا منه وهو على تلك الحال فأهوى له ضربا بالسوط على عجزه وهو مضطجع فتناول هلال يده فاجتذبه ورماه تحته ثم ضغطه ونادى صاحبه: ويحك أغثني قد قتلني! فدنا منه صاحبه فتناول هلال أيضا الآخر فاجتذبه فرمى به تحت فخذه الآخر ثم أخذ برقابهما فجعل يصكّ رؤوسهما بعضا ببعض لا يستطيعان أن يمتنعا منه، قال أحدهما: كن هلالا ولا نبالي ما صنعت! فقال لهما: أنا والله هلال، ولا والله تفلتان من يدي حتّى تعطياني عهدا وميثاقا لا تخيسان به لتأتيانّ المربد إذا قدمتما البصرة لتناديانّ بأعلى أصواتكما بما كان مني ومنكما فعاهداه وأعطياه نوطا من التمر وقدما البصرة فناديا بذلك.
قال خالد بن كلثوم عن خالد بن كنيف بن عبد الله المازني، قال، كنت يوما مع هلال ونحن نبغي إبلا لنا فدفعنا إلى قوم من بكر بن وائل وقد لغبنا وعطشنا وإذا نحن بفتية شباب عند ركيّة لهم وقد وردت إبلهم فلمّا رأوا هلالا استهولوا خلقه وقامته فقام رجلان منهم إليه فقال له أحدهما: يا عبد الله! هل لك في الصراع؟ فقال له هلال: أنا إلى غير ذلك أحوج! قال: وما هو؟ قال:
إلى لبن وماء فإنّي لغب ظمآن. قالا: ما أنت بذائق من ذاك شيئا حتّى تعطينا عهد الله لتجيبنّنا إلى الصراع إذا رويت وأراحت! قال هلال: إني لكما ضيف والضيف (٣١) لا يصارع ربّ منزله، وأنتم مكتفون من ذلك بما أقول لكم:
إعمدوا إلى أشدّ فحل في إبلكم وأهيبه صولة، وإلى أشدّ رجل منكم ذراعا فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل ولا البعير حتّى أدخل يد الرجل في في البعير كرها منهما؛ فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني، وإن فعلته علمتم أنّ صراع أحدكم أيسر من ذلك! قال؛ فعجبوا من مقالته تلك، وأومي إلى فحل في إبلهم هائج صائل قطم فأتاه هلال ومعه
стр. 2030
أولئك النفر وشيخ لهم فأخذ بهامة الفحل مما فوق مشفره فضغطها ضغطة جرجر <منها> الفحل فاستخذى ورغا! وقال: ليعطني من أحبّ يده حتّى أولجها فم هذا الفحل! قال؛ يقول الشيخ: يا قوم! تنكبّوا عن هذا الشيطان فو الله ما سمعت هذا الفحل جرجر منذ بزل قبل اليوم فلا تعرضوا له. وجعلوا يتبعونه وينظرون إلى خطوه، ويعجبون منه.
ولهلال أحاديث عجيبة في قوّته وشجاعته ذكرها صاحب الأغاني مما يطول شرحها فأضربت عنها. وله أشعار كثيرة جيّدة تدلّ على فحولة قائلها؛ فمن ذلك (من البسيط):
دعاني قمير دعوة فأجبته ... فأيّ امرئ في الحرب حين دعاني
معي مخذم قد أخلص القين حدّه ... يخفّض عند الروع روع جناني
وما زلت مذ شدّت عيني حجزتي ... أحارب أو في ظلّ حرب تراني
وعن زفر بن هبيرة قال، تقاوم هلال بن الأسعر المازني وهو أحد بني رزام بن مازن، ونهيس الجلاّني من عنزة وهما يسقيان إبلهما فحذف هلال نهيسا بمحور في يده فأصابه فمات فاستعدى ولده بلال بن أبي بردة، وهو يوم ذاك أمير العراق، على هلال (٣٢) فحبسه وأسلمه قومه، وعمل في أمره ديسم أحد بني كنانة بن حرقوس فافتكّه بثلاث ديات فقال هلال يمدحه من قصيدة (من الوافر):
تدارك ديسم حسبا ومجدا ... رزاما بعدما اشتقّت عصاها
стр. 2031
هم حملوا المئين فألحقوها ... بأهليها فكان لهم سناها
وما كانت لتحملها رزام ... بأستاه معقّصة لحاها
بكابية بن حرقوص وجدّ ... كريم لا فتى إلاّ فتاها
وعن المعتمر بن سليمان قال، قلت لهلال بن الأسعر: ما أكلة أكلتها بلغتني عنك؟ قال: جعت مرّة ومعي بعيري فنحرته وأكلته إلاّ ما حملت منه على ظهري، ثم أردت امرأتي فلم أقدر <على> جماعها فقالت: كيف تصل وبيننا بعير؟!
ذكر سنة ستّ وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم بحاله، والقاضي خزيمة كذلك.
فيها خلع عيسى بن موسى عن العهد وبايع لابنه المهدي وجعل عيسى بعد المهدي، وأعطى في يوم واحد عشرة آلاف ألف درهم. قال محمد بن سلاّم إنه لم يعط خليفة قطّ قبل المنصور عشرة آلاف ألف درهم في يوم
стр. 2032
واحد، ودارت بها الصكاك، وثبتت في الدواوين. وذلك أنه <أعطى> لكلّ من عمومته ألفي ألف درهم فبلغت ثمانية آلاف ألف، ثم أمر لعيسى بن موسى بألفي ألف درهم فصارت عشرة آلاف ألف درهم. (٣٣) وهذا على شهرته بالبخل، وتلقيبه بأبي الدوانيق فإنه كان يحاسب الفعلة على الدانق والدانقين فلقّب بذلك.
وأول من وهب ألف ألف درهم فما فوقها معاوية بن أبي سفيان ﵁؛ وذلك أنه كان يجيز في كلّ عام الحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم لكلّ واحد منهم بألف ألف درهم، فلمّا مات معاوية ﵀ وقام يزيد عفى الله عنه قدم عليه عبد الله بن جعفر وقال:
يا أمير المؤمنين! إنّ أمير المؤمنين معاوية ﵀ كان يصل رحمي في كلّ سنة بألف ألف درهم! فقال يزيد: فلك ألف ألف كعادتك، وألف ألف لترحّمك عليه، وألف ألف صلة مني إليك! فقال عبد الله بن جعفر: بأبي وأمّي أنت! وبالله إني ما قلتها لابن أنثى قبلك! قال: فلك بها ألف ألف أخرى! فأعطى أربعة آلاف ألف درهم. ولم يهب بعد معاوية ويزيد آلاف الألوف إلاّ المنصور حسبما تقدّم. ثم وهب بعده البرامكة ألوف الألوف. ثم أعطى المأمون مثل ذلك. ثم الحسن بن سهل. ثم انقطعت أمثال هذه الصلات. ذكر هذا جميعه الثعالبي في كتابه لطائف المعارف.
ذكر سنة سبع وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
стр. 2033
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على مصر، وكذلك القاضي خزيمة. وقيل في هذه السنة كان خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وأخذ البيعة للمهدي. وفيها تناثرت الكواكب بما لم يعهد بمثله.
(٣٤)
ذكر سنة ثمان وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على حاله، وكذلك القاضي خزيمة.
روي أنّ المنصور أنشد بحضرته هذان البيتان (من الكامل):
إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
فقال لمن بحضرته: أتدرون قائلهما؟ فقيل: هما لزيد بن عمرو بن نفيل! وقال آخرون إنهما لورقة بن نوفل. وقال آخرون بل هما لزهير بن جناب أو عامر
стр. 2034
المجنون الذي يقال له مدرج الريح! فقال المنصور: جميع ما قلتموه ذكر، والصحيح أنهما للغريض اليهودي أبو السموأل بن غريض بن عادياء أو لابنه سعية بن الغريض من اليهود ولد الكاهن بن هارون بن عمران صلّى الله عليه.
وكان موسى ﵇ وجّه جيشا إلى العماليق؛ وكانوا قد طغوا وبلغت غاراتهم إلى الشام بعد وفاة موسى ﵇؛ فأخبروا بني إسرائيل بما فعلوه من إبقائهم على الغلام، فقالوا لهم: أنتم عصاة! والله لا تدخلون الشام علينا أبدا! وأخرجوهم عنها. فقال بعضهم لبعض: ما لنا بلد غير البلد الذي ظفرنا به وقتلنا أهله فعرّجوا إلى يثرب فأقاموا بها وذلك قبل (٣٥) ورود الأوس والخزرج إيّاها عند وقوع السيل العرم باليمن؛ فمن هؤلاء اليهود قريظة والنضير وبنو قينقاع وغيرهم. ومما يدلّ على أنّ هذين البيتين قول اليهودي ما ورد عن عائشة ﵂، قالت، دخل رسول الله ﷺ وأنا أتمثّل بهذين البيتين:
إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه
فقال ﷺ : ردّي عليّ قول اليهودي قاتله الله! لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: أيّما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلاّ الثناء والدعاء فقد كافأه. وهذان البيتان من قصيدة أولها (من الكامل):
رحلت قتيلة عيسها قبل الضحى ... وأخال أن شحطت بجارتك النوى
стр. 2035
ولقد طرقت البيت يخشى أهله ... بعد الهدوّ وبعد ما سقط الندى
فوجدت فيه طفلة قد زيّنت ... بالحلي تحسبه بها جمر الغضا
فنعمت بالا إذ أتيت فراشها ... وسقطت منها حيث جئت على هوى
فبتلك لذّات الشباب قضيتها ... عني وسائل بعضهم ماذا قضى
ذكر سنة تسع وأربعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وإصبعان ونصف، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع ونصف.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على مصر، وكذلك القاضي خزيمة.
روي أنه أنشد بحضرة المنصور قول متمّم بن نويرة حين رثى أخاه مالكا؛ منها (من الطويل):
وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا
(٣٦) فلمّا تفرّقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال المنصور: من يروي منكم معنى قوله:
وكنّا كندماني جذيمة حقبة
следующие страницы →