← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

هم حملوا المئين فألحقوها ... بأهليها فكان لهم سناها وما كانت لتحملها رزام ... بأستاه معقّصة لحاها بكابية بن حرقوص وجدّ ... كريم لا فتى إلاّ فتاها وعن المعتمر بن سليمان قال، قلت لهلال بن الأسعر: ما أكلة أكلتها بلغتني عنك؟ قال: جعت مرّة ومعي بعيري فنحرته وأكلته إلاّ ما حملت منه على ظهري، ثم أردت امرأتي فلم أقدر <على> جماعها فقالت: كيف تصل وبيننا بعير؟! ذكر سنة ستّ وأربعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم بحاله، والقاضي خزيمة كذلك. فيها خلع عيسى بن موسى عن العهد وبايع لابنه المهدي وجعل عيسى بعد المهدي، وأعطى في يوم واحد عشرة آلاف ألف درهم. قال محمد بن سلاّم إنه لم يعط خليفة قطّ قبل المنصور عشرة آلاف ألف درهم في يوم

стр. 2032

واحد، ودارت بها الصكاك، وثبتت في الدواوين. وذلك أنه <أعطى> لكلّ من عمومته ألفي ألف درهم فبلغت ثمانية آلاف ألف، ثم أمر لعيسى بن موسى بألفي ألف درهم فصارت عشرة آلاف ألف درهم. (٣٣) وهذا على شهرته بالبخل، وتلقيبه بأبي الدوانيق فإنه كان يحاسب الفعلة على الدانق والدانقين فلقّب بذلك. وأول من وهب ألف ألف درهم فما فوقها معاوية بن أبي سفيان ﵁؛ وذلك أنه كان يجيز في كلّ عام الحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم لكلّ واحد منهم بألف ألف درهم، فلمّا مات معاوية ﵀ وقام يزيد عفى الله عنه قدم عليه عبد الله بن جعفر وقال: يا أمير المؤمنين! إنّ أمير المؤمنين معاوية ﵀ كان يصل رحمي في كلّ سنة بألف ألف درهم! فقال يزيد: فلك ألف ألف كعادتك، وألف ألف لترحّمك عليه، وألف ألف صلة مني إليك! فقال عبد الله بن جعفر: بأبي وأمّي أنت! وبالله إني ما قلتها لابن أنثى قبلك! قال: فلك بها ألف ألف أخرى! فأعطى أربعة آلاف ألف درهم. ولم يهب بعد معاوية ويزيد آلاف الألوف إلاّ المنصور حسبما تقدّم. ثم وهب بعده البرامكة ألوف الألوف. ثم أعطى المأمون مثل ذلك. ثم الحسن بن سهل. ثم انقطعت أمثال هذه الصلات. ذكر هذا جميعه الثعالبي في كتابه لطائف المعارف. ذكر سنة سبع وأربعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.

стр. 2033

ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على مصر، وكذلك القاضي خزيمة. وقيل في هذه السنة كان خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وأخذ البيعة للمهدي. وفيها تناثرت الكواكب بما لم يعهد بمثله. (٣٤) ذكر سنة ثمان وأربعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على حاله، وكذلك القاضي خزيمة. روي أنّ المنصور أنشد بحضرته هذان البيتان (من الكامل): إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نمى يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى فقال لمن بحضرته: أتدرون قائلهما؟ فقيل: هما لزيد بن عمرو بن نفيل! وقال آخرون إنهما لورقة بن نوفل. وقال آخرون بل هما لزهير بن جناب أو عامر

стр. 2034

المجنون الذي يقال له مدرج الريح! فقال المنصور: جميع ما قلتموه ذكر، والصحيح أنهما للغريض اليهودي أبو السموأل بن غريض بن عادياء أو لابنه سعية بن الغريض من اليهود ولد الكاهن بن هارون بن عمران صلّى الله عليه. وكان موسى ﵇ وجّه جيشا إلى العماليق؛ وكانوا قد طغوا وبلغت غاراتهم إلى الشام بعد وفاة موسى ﵇؛ فأخبروا بني إسرائيل بما فعلوه من إبقائهم على الغلام، فقالوا لهم: أنتم عصاة! والله لا تدخلون الشام علينا أبدا! وأخرجوهم عنها. فقال بعضهم لبعض: ما لنا بلد غير البلد الذي ظفرنا به وقتلنا أهله فعرّجوا إلى يثرب فأقاموا بها وذلك قبل (٣٥) ورود الأوس والخزرج إيّاها عند وقوع السيل العرم باليمن؛ فمن هؤلاء اليهود قريظة والنضير وبنو قينقاع وغيرهم. ومما يدلّ على أنّ هذين البيتين قول اليهودي ما ورد عن عائشة ﵂، قالت، دخل رسول الله ﷺ وأنا أتمثّل بهذين البيتين: إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه فقال ﷺ : ردّي عليّ قول اليهودي قاتله الله! لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: أيّما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلاّ الثناء والدعاء فقد كافأه. وهذان البيتان من قصيدة أولها (من الكامل): رحلت قتيلة عيسها قبل الضحى ... وأخال أن شحطت بجارتك النوى

стр. 2035

ولقد طرقت البيت يخشى أهله ... بعد الهدوّ وبعد ما سقط الندى فوجدت فيه طفلة قد زيّنت ... بالحلي تحسبه بها جمر الغضا فنعمت بالا إذ أتيت فراشها ... وسقطت منها حيث جئت على هوى فبتلك لذّات الشباب قضيتها ... عني وسائل بعضهم ماذا قضى ذكر سنة تسع وأربعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وإصبعان ونصف، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع ونصف. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على مصر، وكذلك القاضي خزيمة. روي أنه أنشد بحضرة المنصور قول متمّم بن نويرة حين رثى أخاه مالكا؛ منها (من الطويل): وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا (٣٦) فلمّا تفرّقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا فقال المنصور: من يروي منكم معنى قوله: وكنّا كندماني جذيمة حقبة

стр. 2036

والسبب فيه؟ قالوا: السماع من أمير المؤمنين أفضل، والنقل عنه أكمل! قال: نعم! حدّث أنّ أول من جلس من ملوك العرب على السرير، واستصبح بالشموع، وعمل المنجنيق، وترفّع عن منادمة البشر فكان ينادم الفرقدين يشرب كأسا ويصبّ لهما كأسين-إلى أن وجد مالكا وعقيلا فاتّخذهما نديمين هو جذيمة الأبرش الغسّاني. وكان موجب ذلك لمّا أتياه بابن أخته عمرو؛ وكان قد استهوته الجنّ قبل ذلك؛ والسبب في ذلك أنّ عمرا كان من أصبح الناس وجها وأسمحهم كفّا، وكان مولعا بحبّ الصيد؛ فبينا هو ذات يوم في صيده إذ نظر إلى ظبية لم ير أحسن منها ولا ألطف من شكلها ولا أزين من زيّها وقرناها ذهب يلمع فتعجّب من زيّها وشدّ عليها وهي تطمعه في نفسها إلى أن غاب عن جيشه وجموعه فلم يشعر بنفسه إلاّ وهو بإزاء جبل عظيم لا يعهده في بلاده وبه فجوة فمرّرت الظبية نفسها في تلك الفجوة فتبعها عمرو بحصانه حتّى خرق الجبل والتفت ليجد الجبل عليه سدّا، ووجد تلك الظبية قد عادت كأحسن ما تكون العذارى، وقالت له: يا عمرو! أتدري من أنا؟ فقال: لا والله! قالت: أنا الشمشاطة بنت دلهام السحابي الذي عصى على سليمان بن داود وحاربه افتردنا بهذه الأرض وإنّ لي مدّة في هواك وقد احتلت عليك حتّى صرت في بلادي وقد صار بينك وبين بلادك مسيرة سبع سنين للسائر المجدّ، فإنني وكّلت بحصانك عفريتين من الطيّارة حتّى قطعا بك هذه المسافة في هذه الساعة. (٣٧) ثم إنه أقام عندها سبع سنين وهي تحضر بين يديه ما تعجز عن بعضه ملوك الإنس وهو لا يزداد إلاّ غمّا، فقالت له يوما: يا عمرو! إلى كم هذا الإكباب والغمّ الذي أراك فيه؟ لعلّ في نفسك حاجة فتقضى! فقال: نعم! كنت أودّ أن أركب حصاني وتعودي ظبية كهيئتك هاتيك وأطردك إلى طرف بلادي لأشتمّ رائحة أرضي ومرباي ثم أعود! ففعلت ذلك. وكان مالك وعقيل أخوين

стр. 2037

صيّادين فقد نصبا حبائلهما فلم تشعر تلك الظبية إلاّ وقد وقعت في حبائلهما! فهبطا إليها وأرادا ذبحها فصاحت: واعمراه! فبهتا لزيّها وصياحها، وإذا بعمرو وقد ظهر يرمح بجواده فلمّا وصل قال لها: يا شمشاطة! أتطلقينني إلى بلادي وأهلي أو أمرتهما بذبحك؟ فقالت: لا تفعل يا عمرو فإنني حاملة منك، وأنا أطلقك إلى أهلك! فأخذ عليها العهود والمواثيق وأطلقها. ثم عرّف الصيّادين أنه ابن أخت الملك جذيمة فأتياه به فمنّاهما فتمنّيا منادمته وهما اللذان عناهما متمّم بن نويرة في هذين البيتين. ثم إنّ الشمشاطة حملت سبع سنين ووضعت غلاما إنسيا طوله سبعة أذرع فحين صار على وجه الأرض نهض وكرد على قدميه فسمّي كردا كونه كرد من ساعته التي ولد فيها، ووضعوه في طرف بلاد الإنس بجبل جكار. وقيل إنّما سمّي جبل جكار كونه أول مكان جكر على وجه الأرض. فكرد هذا ابن الشمشاطة بنت دلهم السحابي العفريت الطيّار؛ فهو جدّ الأكراد بأسرهم، ومنه تشعّبوا وتفرّقوا. وكذلك إنّ أبا مسلم الخراساني كان له حظّ منهم وهم أصوله قال؛ فقالوا: والله يا أمير المؤمنين لم نسمع بحكاية هي اطرف من هذه. والله أعلم. (٣٨) ذكر سنة خمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع فقط، مبلغ الزيادة خمسة ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمّد بن علي. ويزيد بن حاتم بحاله، وكذلك القاضي خزيمة.

стр. 2038

روي أنه أجري بحضرة المنصور ذكر الحلم والإغضاء على المكروه؛ فقالوا: قد كان معاوية بن أبي سفيان له حظّ من ذلك، فقال المنصور: أتدرون ممن أخذ معاوية ما ذكرتم؟ قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين! قال: إنّ أبا عمرو ابن أحيحة بن الجلاح الأوسي نكح سلمى بنت عمرو بن زيد العدويّة، وكانت قبله عند هاشم بن عبد مناف فولدت لهاشم عبد المطّلب بن هاشم، وولدت لأحيحة عمرو بن أحيحة فنشأ عمرو أريبا مهيبا حليما جوادا فكان أترابه من قومه-وهم الذين ولدوا معه في وقت واحد-يحسدونه لعجزهم عن شأوه فيغضّون منه ويقصّرون به ويؤذونه ويسمعونه المكروه فلا يزيده ذلك إلاّ إغضاء وعلى غلوائه إلاّ مضيّا. فقال له قائل منهم: علام تقرّ ما تسمع منه الأذى وأبوك أعزّ من بين لا بتي يثرب؟! فقال له: لو أني أهشّ لكلّ شرارة إذ تبلغني لحسرت على ذلك ولم أبلغ منه ما أريد، ولشغلني ذلك عن أكثر أمري، ونال من يبلغني ذلك عنه ما طلب، والصبر على ما أكره أخفّ عليّ من التسميع به. وإذا تكلّم المتكلّم في الأمر ثم نزع عنه قبل أن يبلغ أقصى بالذي تكلّم به عجزه ذو البصيرة والفضل. ومن عارض الناس في كلّ ما يكون منهم اشتدّ ذلك من فعله عليهم، ونقّبوا عليه، وانكشف لهم من أمره ما لا يحبّ كشفه. ومن (٣٩) خاصم من الناس من ليس له خطر صغر قدره، وهان على من كان يكرمه، واجترأ عليه من كان يهابه، وصغر <على> من كان يجلّه. وإذا استشرى الشرّ

стр. 2039

شرى. وصون المرء نفسه بالعلم خير من ابتذالها بالجهل. والفراغ من أذاة أمر لا يعنيك ولا ينفعك خير من الوقوف عليه. ولا خير فيما شغلك عن إكرام عرض أو صون حسب. ومن ماظّ الناس ماظّوه. ومن قال لهم ما فيهم قالوا له ما ليس فيه، واستمع بأذنه ما كان الناس يقولونه في أنفسهم. فلا تجعل للناس عليك مقالا فيما بينهم، واحرس نفسك من غيرك، ووقّرها بالحلم يوقّرك من سواك، فإنّ الحلم رأس الحكمة، ومن كان حليما كان حكيما؛ وقد قال الهذلي (من الوافر): أذاة لو أشاء لقلت فيها ... وإنّي بمثلها طبّ عروف تركت لها الفضاء فأمكنتها ... سهول الأرض والحزن الجروف ولم تنطق رواة السوء فيها ... وحنت على مكارههم أزيف ولو عارضتها اشتعلت وشاعت ... ولا ستعلت كما استعلى الغريف هذا كلام يتألّق منه شعاع الشرف، ويترقرق عليه صفاء العقل، وينبت فيه فرند الحكمة. ومن تدبّر فيه صفت له العيشة ناعمة، وانقادت له السعادة راغمة. وفي مطاويه كلمات من الغريب لعلّها تعجم على غير الأديب الأريب ها نحن نشرحها. قوله: لحسرت دون ذلك، أي لا نقطعت؛ والحسر القطع. وقوله: إذا استشرى شرى يقال شرى الغضب والشرّ والبرق، أي لجّ وتتابع، واستشرى استفعل. وقوله: من ماظّ الناس ماظّوه؛ المماظّة المشارّة، واستماع المكروه في الخصام وهي المماظّة والمشارّة-هذا الفصيح. وقوله: نقّبوا عنه، أي بحثوا وفتّشوا واستخرجوا. (٤٠) وقول الشاعر أذاة: الأذاة والأذى سواء، وكأنّ الأذاة أنثى للأذى أو واحدته. وقوله: طبّ؛ الطبّ بالشيء الحاذق البصير به النافذ فيه المتأنّي له. وقوله: تركت له الفضاء، هذا مثل ضربه للتغافل

стр. 2040

عمّا كره. وقوله: الحزن هو جمع حزن. وقوله: الجروف، جمع جرف الشيء. وقوله: الغريف، هو الشجر المعروف. ذكر سنة إحدى وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع فقط، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ويزيد بن حاتم على مصر، والقاضي خزيمة بحاله. روي أنه جرى في مجلس المنصور ذكر دغفل بن حنظلة السدوسي النسّابة وعلمه وفضله ونبله ومعرفته بأنساب العرب ومثالبها، فقال المنصور، حدّثني جدّي عليّ ﵀ عن أبيه عبد الله بن عبّاس ﵃ قال، قال أمير المؤمنين عليّ رضوان الله عليه: لمّا أمر الله سبحانه نبيّه ﷺ بالدعوة، وأن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا وأبو بكر الصدّيق ﵁ معه حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدّم أبو بكر الصدّيق ﵁-وكان رجلا لا يشابه-فقال: من القوم؟ قالوا: القوم من ربيعة! قال: وأيّ ربيعة أنتم؟ أمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى! قال: وأيّ هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر! قال أبو بكر: منكم عوف الذي

стр. 2041

يقال له «لا حرّ بوادي عوف»؟ قالوا: لا! قال: أفمنكم جسّاس بن مرّة حامي الديار ومانع الجار؟ قالوا: لا! قال: أفمنكم البسطام بن قيس أبو اللواء ومنتهى (٤١) الأحياء؟ قالوا: لا! قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا! قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة المفردة؟ قالوا: لا! قال: أفمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا! قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا! قال: فلستم ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر! قال؛ فقام إليه غلام من بني شيبان حين بقل وجهه فقال (من الرجز): إنّ على سائلنا أن نسأله ... والعجب أن لا تعرفه أو تجهله قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، فمن الرجل؟ فقال أبو بكر رضي الله <عنه>:من قريش! قال الغلام: بخ بخ! أهل الشرف والرياسة والسؤدد والسياسة؛ فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرّة. فقال الغلام: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة! أفمنكم قصيّ الذي كان يدعى مجمّعا حيث جمع القبائل من فهر؟ قال: لا! قال: أفمنكم عمرو العلى الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف؟ قال: لا! قال: أفمنكم شيبة الحمد عبد المطّلب مطعم وحش البيداء وطير السماء؟ قال: لا! قال؛ فتركه أبو بكر في شقشقته وهديره واجتذب زمام راحلته ورجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال الغلام (من الرجز):

стр. 2042

وافق درّ السيل درّ يدفعه ... يهيضه حينا وحينا يصرعه قال؛ فتبسّم النبيّ ﷺ وقال: يا أبا بكر! لقد وقعت من الغلام على باقعة! فقال: أجل يا رسول الله! ما من طامّة إلاّ وفوقها طامّة، والبلاء موكّل بالمنطق. وكان الغلام دغفل بن حنظلة السدوسي، أعرابيّ أسلم وعاش إلى خلافة معاوية ﵀، فوفد عليه، وعجب (٤٢) من علمه واستكبره، وقال له: بم أدركت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول! غير أنّ للعلم آفة وإضاعة واستجاعة. فآفته النسيان، وإضاعته أن تحدّث به من ليس من أهله، واستجاعته أنّ صاحبه منهوم لا يشبع، ونكده للكذب فيه. وقول الصّدّيق: أمنكم صاحب العمامة المفردة-ذاك المزدلف كان إذا اعتمّ لم يعتمّ أحد من قومه إجلالا له. ذكر سنة اثنتين وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وأحد وعشرين إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبع ونصف. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وعزل يزيد بن حاتم عن

стр. 2043

مصر، وولّى مكانه عبد الله بن عبد الرحمن، وولّى الخراج محمد بن سعيد، وخزيمة قاضيا. قلت: قد ذكرت في جميع هذا التاريخ عدّة من نجباء الأبناء من السادة المتقدّمين: وأحبّ أن أذكر هاهنا نتفا من أخبار السادة الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين. روي أنّ أبا عبد الله بن الجلاّء قال، اشتهت أمّي على أبي سمكا فمضى إلى السوق وأنا معه فاشترى سمكا ووقف ينظر إلى من يحمله فإذا صبيّ قد أتاه فقال: يا عمّ! تريد من يحمله؟ قال: نعم! فحمله ومشى معنا فسمعنا الأذان، فقال الصبيّ لأبي: قد أذّن المؤذّن وأحتاج الوضوء فاحفظ سمكك إن أحببت حتّى أعود فأحمله إنّ شاء الله! ووضع الصبيّ السمك ومرّ فقال أبي: نحن أولى بذلك منه فلنتوكّل على الله في السمك! وتركناه ودخلنا المسجد فصلّينا وخرجنا والصبيّ معنا (٤٣) فأتينا السمك فإذا هو موضوع بحاله فحمله الصبيّ إلى دارنا فحدّث أبي أمّي بحديث الصبيّ فقالت: لعلّه الليلة يقيم عندما ليأكل من هذا السمك! فقلنا له ذلك فقال: إني صائم! فقلنا: تعود عند الإفطار! فقال: إني إذا حملت مرة في اليوم لم أعد أحمل في ذلك اليوم، ولكني أدخل هذا المسجد إلى المساء! قال؛ فدخله ودعوناه عند الإفطار فأكل وقلنا: بت عندنا! قال: نعم! فدللناه على الخلاء، ورأيناه يحبّ أن يؤثر الخلوة فأدخلناه بيتا

стр. 2044

خاليا؛ وكانت لقريب منا بنت زمنة فلمّا كان في بعض الليل جاءتنا تمشي فقلنا لها: ما أمرك؟ فقالت: إني سألت الله بحرمة ضيفكم هذا الصبيّ أن يعافيني ففعل! قال؛ فأتينا البيت فوجدناه مغلقا ولم نجد الصبيّ فيه! قال؛ فكان أبي يقول بعد ذلك: فمنهم كبير ومنهم صغير-يعني من الأولياء المصطفين. ذكر سنة ثلاث وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وعبد الله بن عبد الرحمن على حرب مصر، ومحمد بن سعيد على الخراج، والقاضي خزيمة بحاله. ومن مناقب الأولياء أنّ أبا الحسين أحمد بن محمد المدعوّ النوري لمّا قرأ القرآن ألزمه أبوه أن يكون معه في حانوته فكان إذا أصبح أخذ لوحا له ودواة وذهب يسأل عمّا جهل من كتاب الله ، وكان يكتب ما قيل له ثم يأتي أباه فيزجره عن الغيبة ويتهدّده ثم إذا بعثه من الحانوت في حاجة (٤٤) أخذ لوحه ودواته معه فيسأل من مرّ به من أهل العلم، وربما ضربه أبوه لغيبته؛ فقال له

стр. 2045

يوما: يا ليت شعري يا بني ما تريد بعلمك؟ قال: أريد أن أعرف الله وأتعرّف إليه! قال: وكيف تعرفه؟ قال: أعرفه بفهم كلامه، وفقه أمره ونهيه! قال: وكيف تتعرف إليه؟ قال: أتعرّف إليه بالعمل بما علّمني! فقال له أبوه: لا أعرض لك بعد في أمرك هذا ما بقيت. ثم إنّ أباه سلّم له حاله حتّى صار منه ما شهر. ومن عجيب أخباره أنّ ساعيا سعى به وبجماعة من الصوفية عند بعض الخلفاء وزعم أنهم زنادقة فقبض عليهم وأحضروا دار الخلافة، وأمر الخليفة بضرب أعناقهم، وبسط النطع وحضر السيّاف، فتقدّم النوريّ إيه، فقال السيّاف للنوري: أتدري إلى ماذا تتقدّم؟ قال: نعم! أتقدّم للموت! فقال له السيّاف: ولم تتعجّل الموت؟ فقال له النوري: لأوثر أصحابي على نفسي بحياة ساعة! فنخر السيّاف كما تنخر السفلة وأغمد سيفه، وقال: أنا أقتل سيّد الفتيان؟ لا كان هذا أبدا! ونمي الخبر إلى الخليفة فعجب وأحضر القاضي، وردّ أمر النوري وأصحابه إلى القاضي ليختبر حالهم فألقى عليهم مسائل في الفقه فأجابه النوري بأحسن جواب، وأتبع كلامه بأن قال: إنّ لله عبادا إذا قاموا قاموا لله، وإذا نطقوا بالله، يعلمون بالعلم، ويعبرون عن الحقائق، قد أرضوا أنفسهم بالله عن التفويض إلى الله، وأخرجوا منها السخط لمكروه القضاء ما لم يثلم لهم دينا أتوه بهم يقينا. قال؛ فبكى القاضي، وقال: يا أمير المؤمنين! إن كان هؤلاء زنادقة فما على الأرض مسلم! فأطلقوا وعرض عليهم مال فأبوا قبوله.

стр. 2046

ذكر سنة أربع وخمسين ومائة (٤٥) النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وعبد الله بن عبد الرحمن على حرب مصر، ومحمد بن سعيد على الخراج. وفيها توفّي القاضي أبو خزيمة ﵀، وولّى الخليفة من قبله عبد الله بن لهيعة؛ وهو أول قاض ولاّه الخليفة من قبله؛ فإنّ الولاة كانوا يولّون القضاة، وأجرى عليه في كلّ شهر ثلاثين دينارا. ومن مناقب الأولياء أنّ سهل بن عبد الله التستري ﵁ لمّا بلغ عمره ثلاث سنين كان يسهر الليل ينظر إلى صلاة خاله محمد بن سوّار ﵁، فربما قال له خاله: قم يا بني وارقد قد شغلت قلبي! ولمّا رأى ذلك خاله قال له: يا سهل! ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قال: كيف أذكره؟ قال: قل في

стр. 2047

نفسك من غير أن تحرّك به لسانك إذا جنّك الليل: الله معي، الله شاهدي، الله ناظر إليّ-ثلاث مرّات. ففعل ذلك ليالي ثم قال له خاله: يا سهل! قل ذلك الكلام في نفسك في كل ليلة سبع مرّات. فلبث على ذلك مدّة ثم قال له خاله: قل ذلك الكلام في كلّ ليلة إحدى عشرة مرّة. فلبث كذلك زمانا. قال سهل: فوقع لذلك بقلبي حلاوة فأخبرت خالي، فقال لي: يا سهل! من كان الله معه وشاهده وناظر إليه، كيف يعصيه؟ وروي أنّ سهلا حفظ القرآن تلاوة وهو ابن ستّ سنين، وكان يقوم نصف الليل وهو ابن سبع سنين، وكان يفتي في مسائل الورع والزهد ومقامات الإرادة والفقه والعبادة وهو ابن اثنتي عشرة سنة. فلمّا بلغ ثلاث عشرة سنة عرضت له مسألة فلم يجد بتستر (٤٦) من يحسن الجواب عنها فقال لأهله: جهّزوني إلى البصرة ففعلوا، فلم يجد في البصرة ما أراد. وذكر له حمزة بن عبد الله بعبّادان فقصد عبّادان، ولقي حمزة فوجد عنده ما أراد وصحبه. ومن عجيب أجوبته أنّ رجلا من ذوي اليسار كان مجاورا لخال سهل فحجّ ثم قفل إلى أهله فذهب خال سهل ليهنّئه بمقدمة وبلوغه أمله؛ وانطلق سهل مع خاله؛ فلمّا جلسا إلى الحاجّ أقبل يحدّث خال سهل عمّن بقي من القضاة بمكّة وعن حاله في حجّه إلى أن قال: وشغلني عن طواف الوداع كذا وكذا. ثم التفت إلى سهل كالمازح وسهل إذ ذاك لم يبلغ اثنتي عشرة سنة إلاّ أنّه كان مقصودا بالمسائل معروفا بحسن الإجابة-فقال له: ما تقول أنت يا أستاذ فيمن ترك طواف الوداع؟ فأنشد سهل قول الشاعر (من الطويل): ولمّا تذكّرت المنازل بالحمى ... ولم تقض لي تسليمة المتزوّد زفرت إليها زفرة لوحشوتها ... سرابيل أدراع الحديد المسرّد

стр. 2048

لذابت حواشيها وظلّت بحرّها ... تلين كما لانت لداود في اليد قال؛ فوثب ذلك الرجل وثبة ملسوع فنزع ثيابه ولبس ثوبي إحرامه وقال: لبّيك اللهم لبّيك بحجّة! وتجهّز عائدا إلى مكّة المكرّمة. وروي أنّه لم يزل يتنقّل في الرياضة الغذائية إلى أن كان يفطر في كلّ ليلة على أوقيّة من الخبز الشعير بلا أدم فكان يكفيه لقوته درهم واحد في كلّ سنة وهو مع هذا يقوم الليل كلّه. ثم ترقّى هذا إلى ما هو فوقه، أضربت عنه صيانة لسماعه عن الدفع له، والله أعلم. ذكر سنة خمس وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة (٤٧) الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وتوفّي عبد الله بن عبد الرحمن بمصر فولّى مكانه أخاه محمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن سعيد على الخراج، والقاضي ابن لهيعة على القضاء بحاله. ومن مناقب الأولياء ﵃ أنّ السريّ بن المغلّس رضي الله عنه

стр. 2049

قرأ على مؤدّبه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ فقال له: يا أستاذ! ما الورد؟ فقال المؤدّب: لا أدري! ثم قرأ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ فقال: يا أستاذ! ما العهد؟ فقال المؤدب: لا أدري! فقطع، السريّ القراءة وقال للمؤدّب: إذا كنت لا تدري فلم عزّرت الناس؟! فضربه! فقال له السريّ: ألم يكفك الجهل والغرور حتّى أضفت لهما الظلم والأذى؟ فاستحلّه المؤدّب، وتاب إلى الله من التأديب، وأقبل على طلب العلم فكان يقول بعدها: إنما أعتقني من رقّ الجهل السري! وروي أنه لمّا بلغ في الحفظ إلى قول الله سبحانه: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ عاد لا يضع جنبه بالأرض لنوم. وكانت أمّه تنصب وسائد عن يمينه وشماله ومن وراء ظهره فلمّا اشتدّ أزال الوسائد ولم ير مضطجعا على الأرض لنوم حتّى لقي الله تعالى؛ وبلغ من العمر ثمان وتسعين سنة. وكان يقول: لي ثلاثون سنة أستغفر الله من قولي الحمد لله مرة! فقيل له: كيف؟ قال: وقع في السوق حريق فخرجت مبادرا إليه فاستقبلني رجل فقال لي: قد سلم حانوتك! فقلت: الحمد لله! فأنا أستغفر الله منذ ثلاثين سنة من هذا القول. ذكر سنة ستّ وخمسين ومائة (٤٨) النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.

стр. 2050

ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ. ومحمد بن عبد الرحمن على حرب مصر، ومحمد بن سعيد على خراجها، والقاضي ابن لهيعة بحاله. حكى الأستاذ الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد ﵁-وهو ابن أخت السري ﵁ وتلميذه-قال؛ دخلت يوما على السريّ خالي فإذا هو يبكي فقلت له: ما أبكاك؟ فقال: جاءتني البارحة الصبيّة-يعني ابنته- فقالت: يا أبه! هذه ليلة حائرة وقد علّقت لي هذا الكوز حتّى برد، وأنت أحقّ به! قال؛ فغلبتني عيني فرأيت فيما يرى النائم كأنّ جارية حسناء نزلت من السماء فقلت: لمن أنت؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرّد في الكيزان المعلّقة! قال الجنيد: فنظرت وإذا الكوز مكسور ما رفعت شقاقه من الدار حتّى غطّاها التراب. ذكر سنة سبع وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وثمانية عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 2051

ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي. ومحمد بن عبد الرحمن على حرب مصر إلى أن توفّي في هذه السنة فولّى مكانه موسى بن عليّ بن رباح اللخمي، ومحمد بن سعيد على الخراج، والقاضي ابن لهيعة بحاله. روي أنّ الإمام الحارث بن أسد المحاسبي ﵁ مرّ وهو صبيّ بصبيان يلعبون على باب رجل (٤٩) تمّار فخرج صاحب الدار وبيده تميرات فقال للحارث: كل هذه التميرات يا صبي! فقال له الحارث: ما خبروك فيهنّ؟ قال التّمار: بعت الساعة تمرا من رجل فسقطن من تمره. فقال له الحارث: أتعرفه؟ قال: نعم. فأقبل الحارث على الصبيان الذين يلعبون على باب دار التمّار فقال لهم: هذا الشيخ مسلم؟ قالوا: نعم! فذهب واتّبعه الشيخ فأمسكه وقال: والله لا أدعك حتّى تقول لي ما وقع في نفسك مني! فقال: يا شيخ! تطعم أولاد المسلمين السّحت وأنت مسلم؟! أطلب صاحب التمر كما تطلب الماء إذا عطشت حتى تبرأ من التباعة! فقال الشيخ: والله لا تخرب ألفها أبدا. ذكر سنة ثمان وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان فقط، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبعان ونصف محرّرا.

стр. 2052

ما لخّص من الحوادث الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن علي إلى أن توفّي في هذه السنة في تاريخ ما يأتي إن شاء الله تعالى. وموسى بن عليّ على حرب مصر، ومحمد بن سعيد بحاله على الخراج، وكذلك القاضي ابن لهيعة. توفّي المنصور ﵀ محرما في سادس ذي الحجّة من هذه السنة وله ثمان وخمسون سنة. وقيل: ثلاث وستون سنة وهو الصحيح المتفق عليه؛ منها خليفة إثنان وعشرون سنة. صفته ﵀ كان طويلا أسمر حسن الوجه، خفيف العارضين، شجاعا مقداما، طويل الروح، سديد الرأي. قاضيه: محمد بن صفوان. كاتبه: العبّاس بن مسلم. حاجبه: قطن والربيع بن زياد. نقش خاتمه: الله ثقّة عبد الله. (٥٠) ذكر خلافة المهدي محمد بن عبد الله المنصور ونكث من أخباره وسيرته هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس

стр. 2053

رضي الله عنه. وباقي نسبه قد علم. يلقّب الجموح، وذا النكتة، والأعور الصالح. أمّه أمّ موسى بنت منصور بن عبد الله بن سهم بن يزيد الحميري. بويع له بمكّة في المسجد الحرام عند وفاة أبيه المنصور ﵀ سابع ذي الحجّة سنة ثمان وخمسين ومائة. ومولده سنة ست وعشرين ومائة في جمادى الآخرة، وقيل في رجب، بالحميمة. وكانت خلافته-على أصحّ الأقوال-عشر سنين وشهرا ويوما واحدا. وقيل: بويع له ببغداد يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة من السنة المذكورة. وكان جوادا حازما وصولا يباشر الأمور بنفسه، وكان كثير الولاية والعزل بغير سبب. تزوّج ريطة بنت عمّه السفّاح وأولدها عليا وعبيد الله. والخيزران ولدت له موسى الهادي وهارون الرشيد. وتزوّج سنة تسع وخمسين ومائة أمّ عبد الله بنت صالح بن علي أخت الفضل وعبد الله. وأعتق الخيزران في السنة وتزوّجها. ووزر له أبو عبيد الله معاوية بن عبد الله الأشعري ثم يعقوب بن داود السلمي ثم الفيض بن أبي صالح.

стр. 2054

روي أنه رأى في منامه كأنّ في يده غصنين أحدهما أقصر من الآخر وأدقّ فأورق الكبير من أعلاه ثم ذبل، وأورق الصغير من أوله إلى آخره واستمرّ فقصّ ذلك على يحيى بن خالد بن برمك، وكان يحيى أعقل أهل زمانه وأسودهم وأوقرهم؛ فقال: سيلي ولداك الخلافة، ويكون لهما من بعدك الأمر، وقطع الكلام! ثم إنّ يحيى احتفل بأمر هارون الرشيد دون موسى الهادي، وعاد لا يفارفه ليلا ولا نهارا حتّى مات المهدي، وولي الهادي. وكان (٥١) المهدي قد عقد الأمر لموسى الهادي ثم لهارون الرشيد. فلمّا مات المهدي، واستقرّ أمر الهادي أراد أن يخلع الرشيد، ويعهد لبعض ولده واتّفق مع جماعة من القوّاد وكبار الدولة واستشارهم في ذلك فقالوا: لا يقوم بهذا الأمر غير يحيى بن خالد لرجوع الرشيد إليه وهو قادر على أن يدع الرشيد ينزل عن هذا الأمر من غير عسف ولا عنف. فاستدعى الهادي يحيى بن خالد وقرّبه وأدنى مجلسه ولاطفه وأطلعه على المقصود منه، وكان ولد الهادي دون الحلم، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين! الأمر أمرك، وما يكون إلاّ ما تحبّ! فابتهج سرورا. ثم قال: عن إذن أمير المؤمنين أعرض كلاما فإن وافق وإلاّ أمير المؤمنين المخيّر فيه! فقال: قل! فما أراك إلاّ ناصحا شفوقا! فقال: يرى أمير المؤمنين-أبقاه الله-أنّ الناس يدخلون تحت طاعة ولدك وهو دون الحلم في سنّ الطفولية. فإذا نزل الرشيد عن هذا الأمر وعقدته لولدك وهو في هذا السنّ وحصل-والعياذ بالله تعالى- لأمير المؤمنين مفارقة الدنيا إذا الموت سبيل كلّ حيّ، والرشيد مخلوع من ولاية العهد، أفيأمن أمير المؤمنين أنّ الأمر ينتقل عن أهل هذا البيت الطاهر، ويثب

стр. 2055

الغير لذلك. لكن يمهل أمير المؤمنين-أعزّه الله-إلى حيث يبلغ الطفل ويأخذ حدّه ويستحقّ الأمر وأنا الضامن لأمير المؤمنين نزول أخيك عن الأمر بسؤاله رضى من غير إكراه ولا إجبار! فقال الهادي: لله درّك! فما أفحل رأيك! فلم تمض على الهادي بعد ذلك إلاّ شهيرات حتّى قضى نحبه حسبما يأتي في تاريخه، واستقرّ الأمر للرشيد. وكانت هذه الواقعة أساس تحكيم البرامكة على الرشيد وغلبتهم في وقتهم عليه (٥٢) حتّى كان لا ينادي ليحيى بن خالد إلاّ: يا أبه!.وقيل ليحيى بن خالد؛ فلو عاش الهادي إلى حين بلوغ ولده أكنت تفي بما وعدت من أمر الرشيد ونزوله؟ فقال: كنت واثقا أنّ مدّة الهادي يسيرة لرؤيا المهدي. ذكر سنة تسع وخمسين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبع واحد. ما لخّص من الحوادث الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور، وموسى بن عليّ على حرب مصر. وكان قد عزل محمد بن سعيد عن الخراج، وولّى مطرا ثم عزل مطرا وولّى مكانه أبا حمزة محمد بن سليمان، والقاضي ابن لهيعة بحاله. والمهديّ هو قاتل بشّار بن برد الشاعر المشهور. ولنورد هاهنا نتفا من أخباره، ولمعا من أشعاره.

стр. 2056

ذكر بشّار بن برد وطرف من خبره ونسبه هو-فيما ذكر صاحب كتاب الأغاني عن الحسن بن علي عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن غيلان الشعوبيّ-:بشّار بن برد بن يرجوخ بن أزدكرد بن شروستان بن بهمن بن دارا بن فيروز بن كرديه بن ماهفيدان بن دادان بن بهمن بن أزدكرد بن حسيس بن مهران بن خسروان بن أخشين بن شهراداد بن نبوذ بن ماخرشيدا نماذ بن شهريار بن بنداد سيحان بن مكرر بن ادريوش بن يستاسب بن لهراسف. قال: وكان يرجوخ جدّ بشّار من طخارستان من سبي المهلّب بن أبي صفرة. ويكنى بشّار أبا معاذ. ومحلّه في الشعر وتقدّمه طبقات المحدّثين بإجماع الرواة ورياسته عليهم من غير اختلاف في ذلك يغني عن وصفه. وهو من شعراء الدولتين الأمويّة والعبّاسية. وقد شهر فيهما، ومدح (٥٣) وهجا وأخذ سنيّ الجوائز. وعن جرير بن حازم عن أبيه قال: كان بشار بن برد بن يرجوخ وأبوه برد من قنّ خيرة القشيريّة امرأة المهلّب بن أبي صفرة؛ وكان مقيما لها في ضيعتها بالبصرة المعروفة بخيرتان مع عبيد لها وإماء، فوهبت بردا بعد أن زوّجته لامرأة من بني عقيل متّصلة بها، فولدت امرأة برد وهو في ملك العقيلية بشّارا. ثم إنّ العقيليّة أعتقته من رقّ العبوديّة. وعن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كان برد أبو بشّار مولى أمّ الظباء

стр. 2057

السّدوسيّة فادّعى بشّار أنّ ولاءه لبني عقيل لنزوله فيهم. وفي نسبه أقوال كثيرة أضربت عنها. وعن يحيى بن الجون العبديّ-راوية بشّار-قال؛ لمّا دخلت على المهدي قال لي: فيمن تعتدّ يا بشّار؟ فقلت: أمّا اللسان والرأي فعربي، وأمّا الأصل فعجميّ، كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين (من المتقارب): ونبّئت قوما بهم جنّة ... يقولون من ذا وكنت العلم ألا أيها السائلي جاهلا ... ليعرفني أنا أنف الكرم نمت في الكرام بني عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم وإني لأغني مقام الفتى ... وأصبي الفتاة فما تعتصم قال؛ وكان أبو دلامة حاضرا فقال: كلاّ لوجهك أقبح من ذلك، ووجهي مع وجهك! فقلت: كلاّ والله ما رأيت رجلا أصدق على نفسه، وأكذب على جليسه منك! والله إني لطويل القامة، عظيم الهامة، تامّ الألواح، أسجح الخدّين! ولربّ مسترخي المذزوين للعين فيه مراد قد جلس من الفتاة حجرة وجلست منها حيث أريد-فأنت مثلي يا مرضعان؟ قال؛ فأمسك عنّي! ثم قال لي المهدي: فمن أيّ العجم أصلك؟ فقلت: (٥٤) من أكبرها في الفرسان، وأشدّها على الأقران، أهل طخارستان! فقال بعض القوم: أولئك الصغد! فقلت: الصّغد تجّار. فلم يردد عليّ المهدي. وكان بشّار كثير التلوّن في ولائه، شديد التعصّب للعجم، مرّة يفتخر بولائه في قيس فيقول (من الوافر):

стр. 2058

أمنت مضرّة الفحشاء إني ... أرى قيسا تسبّ ولا تضار كأنّ الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار وقد كانت بتدمر خيل قيس ... وكان لتدمر فيها دمار بحيّ من بني عيلان شوس ... يسير الموت حيث يقال ساروا وما نلقاهم إلاّ صدرنا ... بريّ منهم وهم حرار ومرّة يتبّرأ من ولاء العرب فيقول (من الكامل): أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم ... مولى العريب فخذ بفضلك وافخر مولاك أكرم من تميم كلّها ... أهل الفعال، ومن قريش المعشر فارجع إلى مولاك غير مدافع ... سبحان مولاك الأجلّ الأكبر وقال يفتخر بولاء بني عقيل (من الخفيف): إنّني من بني عقيل بن كعب ... موضع السيف من طلى الأعناق ويلقّب المرعّث، وقيل: إنّما سمّي المرعّث لقوله (من مجزوء الخفيف): قال ريم مرعّث ... ساحر الطرف والنظر لست والله نائلي ... قلت أو يغلب القدر أنت إن رمت وصلنا ... فانج، هل يدرك القمر وعن ابن سلاّم: إنّما سمّي المرعّث لأنّه كان له قميص وله جيبان جيب عن يمينه، وجيب عن شماله فإذا أراد نزعه حلّ أزراره منه فشبّهت (٥٥) تلك الجيوب بالرعاث لاسترسالها وتدلّيها؛ وسمّي من أجلها المرعّث. وقيل لأنّه كانت في أذنه وهو صغير رعاث والرعاث القرطة واحدتها رعثة وجمعها رعاث

стр. 2059

ورعثات. ورعثات الديك <اللحم> المتدلّي تحت حنكه؛ قال الشاعر (من الوافر): سقيت أبا المطرّح إذ أتاني ... وذو الرعثات منتصب يصيح شرابا يهرب الذبّان منه ... ويلثغ حين يشربه الفصيح قال؛ والرعث الاسترسال والتساقط. فكأنّ اسم القرطة اشتقّ منه. وعن الأصمعي، قال؛ كان بشّار ضخما عظيم الخلق والوجه مجدورا طويلا جاحظ الحدقتين قد تغشّاهما لحم أحمر؛ فكان أقبح الناس عمى، وأفظعه منظرا. وكان إذا أراد أن ينشد صفّق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب العجيب. وولد أعمى وهو الأكمه. وقال أبو هشام الباهليّ يهجوه (من الطويل): وعبدي فقا عينيك في الرحم أيره ... فجئت ولم تعلم لعينيك فاقيا أأمّك يا بشّار كانت عفيفة ... عليّ إذن مشيي إلى البيت حافيا قال؛ فلم يزل بشّار منذ قال فيه هذين البيتين منكرا. وعن الأصمعي قال: ولد بشّار أعمى فما نظر الدنيا قطّ، وكان يشبّه الأشياء في شعره بعضها ببعض فكان يقدر على ما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما وقد أنشد قوله (من الطويل): كأنّ مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قطّ ولا شيئا منها؟! فقال: إنّ عدم النظر يقوّي ذكاء القلب، ويقطع (٥٦) عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفّر حسه، وتذكو قريحته. ثم أنشد قوله (من الطويل):

стр. 2060

عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظنّ للعلم موئلا وغاض ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيّع الفاس حصّلا وشعر كنور الأرض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا وعن أبي زيد قال، سمعت أبا محمّد التوّزيّ يقول، قال بشّار: أزرى بشعري الأذان، يعني كونه إسلاميا. وعن أبي عبيدة قال، سمعت بشّارا وقد أنشد في شعر الأعشى هذا البيت (من البسيط): وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلاّ الشيب والصلعا قال؛ فعجب لذلك وأنكره بشّار وقال: هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الأعشى! فعجبت لذلك. فلمّا كان بعد هذا بعشر سنين كنت جالسا في حلقة يونس فقال حدّثني أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت فأدخله في شعر الأعشى وذكره! فجعلت حينئذ أزداد عجبا من فطنة بشّار وصحّة قريحته، وجودة نقده للشعر. وعن أبي عبيدة قال، قال بشّار: لي إثنا عشر ألف بيت عين! فقيل له: هذا ما لم يدّعه أحد قطّ سواك! فقال: لي اثنتا عشر ألف قصيدة لعنها الله ولعن قائلها إن لم يكن في كلّ واحدة منها بيت عين! فقلنا: صدقت! وقال الجاحظ في كتاب «البيان والتبيّن» -وقد ذكر بشّارا؛ فقال: كان بشّار شاعرا خطيبا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المفتنين في الشعر القائلين أكثر أجناسه وضروبه. قال الشعر في حياة جرير وتعرّض له، وحكي عنه أنه قال: هجوت جريرا فأعرض عني ولو هاجاني (٥٧) لكنت أشعر <الناس>.

стр. 2061

قال: وكان يدين بالرجعة، ويكفّر جميع الأمم، ويصوّب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وذكر مثل ذلك في شعره فقال (من البسيط): الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار قال؛ وبلغه عن أبي حذيفة واصل بن عطاء إنكار لقوله وهتف به فقال يهجوه (من البسيط): ما لي أشايع غزّالا له عنق ... كنقنق الدوّ إن ولّى وإن مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكم ... أتكفرون رجالا كفّروا رجلا فلمّا تتابع على واصل منه ما يشهد على إلحاده خطب به. وكان واصل ألثغ بالراء فأسقطها من سائر كلامه؛ فقال: أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنّف المكتني بأبي معاذ من يبعج بطنه في جوف منزله وفي يوم حفله. والله لولا <أنّ> الغيلة من شيمة الغالية لأبعثنّ إليه من يفعل ذلك ولا يكون إلاّ سدوسيا أو عقيليا. فانظر إلى توريته في هذا الكلام، وإسقاطه الراء من جميعه؛ قال: الأعمى ولم يقل الضرير. وقال: المشنّف ولم يقل المرعّث. وقال: أبو معاذ ولم يقل بشّار. وقال: من شيمة الغالية أو قال سجايا الغالية ولم يقل الرافضة. وقال: يبعج ولم يقل يبقر. وقال: منزله ولم يقل داره. وعن سعيد بن سالم قال: كان أصحاب الكلام بالبصرة ستة نفر وهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشّار بن برد، وصالح بن عبد القدّوس،

стр. 2062

وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد لا يذكر؛ فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده. فأمّا عمرو وواصل فصاروا إلى القول بالاعتزال، وأمّا عبد الكريم وصالح فصحّحا الثنوية، وأمّا بشّار فبقي محيّرا مخلّطا (٥٨)،وأمّا الأزديّ فمال إلى قول السمنية-وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه ويظهر للناس بذلك. قلت: هذا الكلام ممّا رواه أبو الفرج صاحب الأغاني في كتابه. وجرّه هاهنا ذكر بشّار بن برد والعهدة فيه على ناقله في الأصل. وقال: إنّ عمرا بلغه أنّ عبد الكريم يفسد الأحداث فقال له عمرو: قد بلغني أنك لا تزال تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده وتستزلّه وتدخله في دينك؛ فإن خرجت من مصرنا وإلاّ قمت فيك مقاما آتي فيه على نفسك فلحق بالكوفة فدلّ عليه محمد بن سليمان فقتله وصلبه، وأراح الله من سوء اعتقاده. ذكر سنة ستين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور. وموسى بن عليّ على حرب مصر، وأبو ضمرة محمد بن سليمان على الخراج، والقاضي ابن لهيعة قاضيا بحاله.

стр. 2063

ومن أخبار بشّار بن برد عن قعنب بن محرز الباهلي قال، قال الأصمعي: لقي أبو عمرو بعض الرواة فقال له: يا أبا عمرو! من أبدع الناس بيتا؟ قال: الذي يقول (من الرمل): لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عنّي الكرى طيف ألم روّحي عنّي قليلا واعلمي ... أنّني يا عبد من لحم ودم قال: فمن أمدح الناس؟ قال: الذي يقول (من الطويل): لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى ... ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبذّرت ما عندي (٥٩) قال: فمن أهجى الناس؟ قال: الذي يقول (من الطويل): رأيت السهيلين استوى الجود فيهما ... على بعد ذا من ذاك في حكم حاكم سهيل بن عثمان يجود بماله ... كما جاد بالوجعى سهيل بن سالم قال: وهذه الأبيات كلّها لبشّار. وعن أبي حاتم قال؛ كان بشّار كثير الولع بديسم العنزيّ؛ وكان مع ذلك صديقا له وهو يكثر هجاءه؛ وكان ديسم لا يزال يحفظ شيئا من شعر حمّاد وأبي هاشم في بشّار فبلغه ذلك فقال فيه (من الطويل): أديسم يا ابن الذئب من نجل زارع ... أتروي هجائي سادرا غير مقصر؟! قال أبو حاتم، فأنشدت أبا زيد هذا البيت وسألته ما يقول فيه فقال: لمن هو؟ قلت: لبشّار في ديسم العنزيّ! فقال: قاتله الله ما أعلمه بكلام العرب! ثم

стр. 2064

قال: الديسم ولد الذئب من الكلبة، ويقال للكلاب أولاد زارع. والعسبار ولد الضبع من الذئب. والسمع ولد الذئب من الضبع. وتزعم العرب أنّ السمع لا يموت حتف أنفه، وأنه أسرع من الريح؛ وإنما هلاكه بعرض من أعراض الدنيا. والله أعلم. ذكر سنة إحدى وستين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة المهديّ محمد بن عبد الله المنصور. وعزل أبا ضمرة وموسى بن عليّ، وولّى مكانهما عيسى بن لقمان الجمحي، والقاضي ابن لهيعة بحاله. ومن أخبار بشّار عن عمر بن شبّة قال؛ كان بالبصرة رجل يقال له حمدان (٦٠) الخرّاط فاتّخذ جاما لإنسان كان بشّار يجلس إليه. فسأله بشّار أن يتّخذ له جاما فيه صورة طير يطير! فلمّا أحضره له قال: كان ينبغي أن يتّخذ فوق هذا الطائر من الجوارح كاسر يصيده فإنه كان أحسن! فقال: لم تقل ذلك! قال: بلى قد قلته لك، ولكن عملت على أني أعمى لا أبصر شيئا وتهدّده بالهجاء! قال له حمدان: لا تفعل فإنك ترجع إلى ندامة! قال: أو تهدّدني أيضا؟ قال:

стр. 2065

نعم! قال: وأيّ شيء تستطيع أن تصنع لي إن هجوتك؟ قال: أصوّرك في صورتك هذه على باب دكّاني، وأجعل من خلفك صورة قرد ينكحك حتى يراك الصادر والوارد! قال بشّار: اللهم أخزه! أنا أمازحه وهو يأبى إلاّ الجدّ!. ذكر سنة اثنتين وستين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل عيسى بن لقمان وولّى مكانه واضحا مولاه على حرب مصر وخراجها، والقاضي ابن لهيعة <بحاله>. ومن أخبار بشّار عن محمد بن الحجّاج قال؛ كان بشّار يهوى امرأة من أهل البصرة فراسلها وجعل لزيارتها موعدا فأخلفته واعتذرت بمرض أصابها فكتب إليها هذه الأبيات (من مجزوء الكامل): يا ليلتي تزداد نكرا ... من حبّ من أحببت بكرا

стр. 2066

حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا وكأنّ حسن حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا (٦١) وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث <فيه> سحرا وتخال ما جمعت علي ... هـ ثيابها ذهبا وعطرا وكأنها برد الشرا ... ب صفا ووافق منه قطرا جنّيّة إنسيّة ... أو بين ذاك أجلّ أمرا وكفاك أنّي لم أحط ... بشكاة من أحببت خبرا إلاّ مقالة واله ... نثرت له الأحزان نثرا متخشّعا تحت الهوى ... عشرا وتحت الموت عشرا وعن جحظة عن علي بن يحيى قال؛ كان إسحاق الموصليّ لا يعتدّ لبشار بشيء ويقول: هو كثير التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة لا يشبه بعضها بعضا؛ أليس هو القائل (من الرمل): إنّما عظم سليمي حبّتي ... قصب السكّر لا عظم الجمل وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل لو قال كلّ شيء مليح ثم أضيف إليه هذا التخليط لزيّفه. وكان يقدّم ابن أبي حفصة عليه ويقول: هو أشدّ استواء شعر منه.

стр. 2067

ذكر سنة ثلاث وستين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل واضحا وولّى مكانه يحيى الخرسي حرب مصر وخراجها، والقاضي ابن لهيعة بحاله. فيها قتلوا عطاء الخراساني المعروف بالمقنّع. وكان مبتدأ أمره قصّارا (٦٢) من أهل مرو. وكان يعرف شيئا من السحر والنيرنجات والتمويه. فادّعى الملعون الربوبية من طريق الحلولية والتناسخ، وأوهم أصحابه والذين اتّبعوه وأضلّهم أنّ الله جلّ ذكره وتعالى علوا كبيرا تحوّل إلى صورة آدم ﵇؛ فلذلك قال للملائكة، اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس فاستحقّ بذلك السخط. ثم تحول إلى صورة نوح ﵇، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء ﵈ والحكماء حتّى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني المقدّم ذكره. ثم زعم بكذبه ولعنته أنه انتقل من صورة أبي مسلم إلى صورته نفسه تعالى الله عمّا يقولون. فقبل القوم دعواه وعبدوه، وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من عظم ادّعائه وقبح صورته؛ وذلك أنه كان مشوّه الخلق، أعور العين، أمكن اللسان. وإنما غلب عليهم وتسلّط على عقولهم بالتمويهات التي

стр. 2068

أظهرها لهم بالسحر والنيرنجات. وكان في جملة ما أظهره لهم صورة قمر يطلع فيراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب! فعظم في أعينهم واشتدّ اعتقادهم فيه. وهذا القمر الذي عناه أبو العلاء المعرّي في شعره فقال (من الطويل): أفق إنّما البدر المقنّع رأسه ... ضلال وغيّ مثل بدر المقنّع وكقول ابن سناء الملك (من الطويل): إليك فما بدر المقنّع رأسه ... بأسحر من ألحاظ بدري المعمّم فلمّا اشتهر المقنّع، وانتشر ذكره ثار عليه الناس، وقصدوه في قلعته التي كان اعتصم بها وحصروه؛ فلمّا أيقن بالهلاك جمع أهله ونساءه وسقاهنّ سمّا فمتن منه من ساعتهنّ. ثم تناول (٦٣) شربة منه فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أتباعه وأشياعه في هذه السنة. فنعوذ بالله من مكر الله والخذلان. ومن أخبار بشّار عن أبي عبد الرحمن التيميّ قال: دخل بشّار إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور، ويشير عليه برأي يستعمله في أمره حين ظهوره على المنصور، فلمّا قتل إبراهيم خاف بشّار فقلب الكائنة وأظهر أنها في أبي مسلم الخراساني وحذف منها أبياتا وأولها يقول (من الطويل): أبا جعفر ما طول عيش بدائم ... ولا سالم عمّا قليل بسالم على الملك الجبّار يقتحم الردى ... ويصرعه في المأزق المتلاحم كأنك لم تسمع بقتل متوّج ... عظيم ولم تعلم بفتك الأعاجم

стр. 2069

تقسّم كسرى رهطه بسيوفهم ... وأمسى أبو العبّاس أحلام نائم وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة ... عليه ولا جري النحوس الأشائم مقيما على اللذّات حتى بدت له ... وجوه المنايا حاسرات العمائم وقد ترد الأيام غرا وربّما ... وردن كلوحا باديات الشكائم ومروان قد دارت على رأسه الرحى ... وكان لما أجرمت نزر الجرائم فأصبحت تجري سادرا في طريقهم ... ولا تتّقي أشباه تلك النقائم تجرّدت للإسلام تعفو سبيله ... وتعري مطاه لليوث الضراغم فما زلت حتى استنصر الدين أهله ... عليك فعاذوا بالسيوف الصوارم لحى الله قوما رأسوك عليهم ... وما زلت مرؤوسا خبيث المطاعم أقول لبسّام عليه جلالة ... غدا أريحيا عاشقا للمكارم من الفاطميّين الدعاة إلى الهدى ... جهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم (٦٤) سراج لعين المستضيء وتارة ... يكون ظلاما للعدوّ المزاحم إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصاحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي قوة للقوادم وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم وحارب إذا لم تعط إلاّ ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم وعن المازني قال، سمعت أبا عبيدة يقول: ميميّة بشّار هذه أحبّ إليّ من ميميّتي جرير والفرزدق. قال الأصمعيّ، قلت لبشّار: يا أبا معاذ! إنّ الناس يعجبون من أبياتك في المشورة! فقال: يا أبا سعيد! إنّ المشاور بين صواب

стр. 2070

يفوز به ويجني ثمرته أو خطإ يشارك فيه وفي مكروهه! فقلت له: أنت والله في قولك هذا أشعر منك في شعرك. ذكر سنة أربع وستين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل يحيى الخرسيّ عن مصر، وولي الحرب نصر بن سالم بن سوادة، وولي الخراج أبو قطنة إسماعيل بن إبراهيم. وعزل ابن لهيعة عن القضاء وولي مكانه إسماعيل بن اليسع الكندي؛ وكان يقول بقول أبي حنيفة ﵁ وكان محمود الأثر. ومن أخبار بشّار عن قدامة بن نوح قال؛ كان بشّار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي لا حقيفة لها؛ فمن ذلك (٦٥) أنه أنشد يوما شعرا له فيه قوله: *غنّي للغريض يا ابن قيان*
следующие страницы →