Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا
وكأنّ حسن حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
(٦١) وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث <فيه> سحرا
وتخال ما جمعت علي ... هـ ثيابها ذهبا وعطرا
وكأنها برد الشرا ... ب صفا ووافق منه قطرا
جنّيّة إنسيّة ... أو بين ذاك أجلّ أمرا
وكفاك أنّي لم أحط ... بشكاة من أحببت خبرا
إلاّ مقالة واله ... نثرت له الأحزان نثرا
متخشّعا تحت الهوى ... عشرا وتحت الموت عشرا
وعن جحظة عن علي بن يحيى قال؛ كان إسحاق الموصليّ لا يعتدّ لبشار بشيء ويقول: هو كثير التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة لا يشبه بعضها بعضا؛ أليس هو القائل (من الرمل):
إنّما عظم سليمي حبّتي ... قصب السكّر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
لو قال كلّ شيء مليح ثم أضيف إليه هذا التخليط لزيّفه. وكان يقدّم ابن أبي حفصة عليه ويقول: هو أشدّ استواء شعر منه.
стр. 2067
ذكر سنة ثلاث وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل واضحا وولّى مكانه يحيى الخرسي حرب مصر وخراجها، والقاضي ابن لهيعة بحاله.
فيها قتلوا عطاء الخراساني المعروف بالمقنّع. وكان مبتدأ أمره قصّارا (٦٢) من أهل مرو. وكان يعرف شيئا من السحر والنيرنجات والتمويه. فادّعى الملعون الربوبية من طريق الحلولية والتناسخ، وأوهم أصحابه والذين اتّبعوه وأضلّهم أنّ الله جلّ ذكره وتعالى علوا كبيرا تحوّل إلى صورة آدم ﵇؛ فلذلك قال للملائكة، اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس فاستحقّ بذلك السخط. ثم تحول إلى صورة نوح ﵇، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء ﵈ والحكماء حتّى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني المقدّم ذكره. ثم زعم بكذبه ولعنته أنه انتقل من صورة أبي مسلم إلى صورته نفسه تعالى الله عمّا يقولون. فقبل القوم دعواه وعبدوه، وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من عظم ادّعائه وقبح صورته؛ وذلك أنه كان مشوّه الخلق، أعور العين، أمكن اللسان. وإنما غلب عليهم وتسلّط على عقولهم بالتمويهات التي
стр. 2068
أظهرها لهم بالسحر والنيرنجات. وكان في جملة ما أظهره لهم صورة قمر يطلع فيراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب! فعظم في أعينهم واشتدّ اعتقادهم فيه. وهذا القمر الذي عناه أبو العلاء المعرّي في شعره فقال (من الطويل):
أفق إنّما البدر المقنّع رأسه ... ضلال وغيّ مثل بدر المقنّع
وكقول ابن سناء الملك (من الطويل):
إليك فما بدر المقنّع رأسه ... بأسحر من ألحاظ بدري المعمّم
فلمّا اشتهر المقنّع، وانتشر ذكره ثار عليه الناس، وقصدوه في قلعته التي كان اعتصم بها وحصروه؛ فلمّا أيقن بالهلاك جمع أهله ونساءه وسقاهنّ سمّا فمتن منه من ساعتهنّ. ثم تناول (٦٣) شربة منه فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أتباعه وأشياعه في هذه السنة. فنعوذ بالله من مكر الله والخذلان.
ومن أخبار بشّار عن أبي عبد الرحمن التيميّ قال: دخل بشّار إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور، ويشير عليه برأي يستعمله في أمره حين ظهوره على المنصور، فلمّا قتل إبراهيم خاف بشّار فقلب الكائنة وأظهر أنها في أبي مسلم الخراساني وحذف منها أبياتا وأولها يقول (من الطويل):
أبا جعفر ما طول عيش بدائم ... ولا سالم عمّا قليل بسالم
على الملك الجبّار يقتحم الردى ... ويصرعه في المأزق المتلاحم
كأنك لم تسمع بقتل متوّج ... عظيم ولم تعلم بفتك الأعاجم
стр. 2069
تقسّم كسرى رهطه بسيوفهم ... وأمسى أبو العبّاس أحلام نائم
وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة ... عليه ولا جري النحوس الأشائم
مقيما على اللذّات حتى بدت له ... وجوه المنايا حاسرات العمائم
وقد ترد الأيام غرا وربّما ... وردن كلوحا باديات الشكائم
ومروان قد دارت على رأسه الرحى ... وكان لما أجرمت نزر الجرائم
فأصبحت تجري سادرا في طريقهم ... ولا تتّقي أشباه تلك النقائم
تجرّدت للإسلام تعفو سبيله ... وتعري مطاه لليوث الضراغم
فما زلت حتى استنصر الدين أهله ... عليك فعاذوا بالسيوف الصوارم
لحى الله قوما رأسوك عليهم ... وما زلت مرؤوسا خبيث المطاعم
أقول لبسّام عليه جلالة ... غدا أريحيا عاشقا للمكارم
من الفاطميّين الدعاة إلى الهدى ... جهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم
(٦٤) سراج لعين المستضيء وتارة ... يكون ظلاما للعدوّ المزاحم
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي قوة للقوادم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وحارب إذا لم تعط إلاّ ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم
وعن المازني قال، سمعت أبا عبيدة يقول: ميميّة بشّار هذه أحبّ إليّ من ميميّتي جرير والفرزدق. قال الأصمعيّ، قلت لبشّار: يا أبا معاذ! إنّ الناس يعجبون من أبياتك في المشورة! فقال: يا أبا سعيد! إنّ المشاور بين صواب
стр. 2070
يفوز به ويجني ثمرته أو خطإ يشارك فيه وفي مكروهه! فقلت له: أنت والله في قولك هذا أشعر منك في شعرك.
ذكر سنة أربع وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل يحيى الخرسيّ عن مصر، وولي الحرب نصر بن سالم بن سوادة، وولي الخراج أبو قطنة إسماعيل بن إبراهيم. وعزل ابن لهيعة عن القضاء وولي مكانه إسماعيل بن اليسع الكندي؛ وكان يقول بقول أبي حنيفة ﵁ وكان محمود الأثر.
ومن أخبار بشّار عن قدامة بن نوح قال؛ كان بشّار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي لا حقيفة لها؛ فمن ذلك (٦٥) أنه أنشد يوما شعرا له فيه قوله:
*غنّي للغريض يا ابن قيان*
стр. 2071
فقيل له: من ابن قيان هذا؟ لسنا نعرفه من مغنّي البصرة ولا الحجاز! قال: وما عليكم منه؟ ألكم قبله دين فتطالبوني به أو ثارّ تريدون تدركوه؟ قالوا:
ليس شيء مما ذكرت، وإنما أردنا أن نعرفه! فقال: هو رجل يغنّي لي ولا يخرج من بيتي! فقالوا: إلى متى؟ قال: منذ يوم ولد إلى يوم يموت!.
وعن أحمد بن خلاّد قال، حدّثني أبي، قال، قلت لبشّار: إنك لتجيء بالشيء المهجّن المتقارب! قال: وما ذاك؟ قال؛ قلت: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثلك حيث تقول (من الطويل):
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو تقطر الدما
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
إلى أن تقول (من الهزج):
ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ في الزيت
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت
فقال: لكلّ شيء وجه وموضع. فالقول الأوّل جدّ وهذا قلته في ربابة جاريتي وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض وتحفظه فهذا عندها من قولي أحسن من:
*قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل*
عندك أنت!.
وعن يحيى بن الجون العبديّ قال؛ كنّا عند بشّار فأنشدنا قصيدته التي يقول فيها (من المتقارب):
стр. 2072
وجارية خلقت وحدها ... كأنّ النساء لديها خدم
فلمّا رأيت الهوى قاتلي ... ولست بجار ولا بابن عم
(٦٦) دسست إليها أبا مجلز ... وأيّ فتى إن أصاب اعتزم
فما زال حتّى أنابت له ... فراح وحلّ لنا ما حرم
فقال له رجل من أصحابه: ومن أبو مجلز هذا يا أبا معاذ؟ قال: وما حاجتك إليه؟ ألك عنده دين تطالبه؟ هو رجل يتردّد بيني وبين معارفي في رسائلي. قال: وكان كثيرا ما يحشو شعره بمثل هذه الأشباه.
وعن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن عليّ، وكانت محسنة بارعة الظرف، وكان بشّار صديقا لسيّدها ومدّاحا له، فحضر مجلسه يوما والجارية تغنّي فسرّ بحضوره فشرب حتّى سكر ونام ونهض الناس ونهض بشّار فقالت له الجارية: يا أبا معاذ! أحبّ أن تذكر يومنا هذا في قصيدة ولا تذكر فيها اسمي ولا اسم سيّدي، وتكتب بها إليه.
فانصرف وكتب إليه (من البسيط):
وذات دلّ كأنّ البدر صورتها ... باتت تغنّى عميد القلب سكرانا:
«إنّ العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللبّ حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا»
فقلت أحسنت يا سؤلي ويا أملي ... فأسمعيني جزاك الله إحسانا:
«يا حبّذا جبل الرّيان من جبل ... وحبّذا ساكن الرّيان من كانا»
قالت: فهلاّ فدتك النفس أحسن من ... هذا لمن كان صبّ القلب حيرانا:
стр. 2073
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فقلت: أحسنت أنت الشمس طالعة ... أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا
فأسمعيني صوتا مطربا هزجا ... يزيد صبّا محبّا منك أشجانا
يا ليتني كنت تفّاحا مفلّجة ... أو كنت من قضب الريحان ريحانا
(٦٧) حتّى إذا وجدت ريحي فأعجبها ... ونحن في خلوة مثّلت إنسانا
فحرّكت عودها ثم انثنت طربا ... تشدو به ثم لا تخفيه كتمانا:
أصبحت أطوع خلق الله كلّهم ... لأكثر الخلق لي في الحبّ عصيانا
فقلت أطربتنا يا زين مجلسنا ... فهات إنك بالإحسان أولانا
لو كنت أعلم أنّ الحبّ يقتلني ... أعددت لي قبل أن ألقاك أكفانا
فغنّت الشرب صوتا مؤنقا رملا ... يذكي السرور ويبكي القلب ألوانا:
لا يقتل الله من دامت مودّته ... والله يقتل أهل الغدر أحيانا
ووجّه بالأبيات إليها فبعث إليه سيّدها بألفي درهم وطيب.
قلت: البيتان التاليان في هذه القصيدة يرويان لجرير <ابن عطيّة> بن الخطفى؛ وقد ساقهما صاحب الأغاني في هذه القصيدة لبشّار، وصاحب «الأغاني» فليس ممّن يطعن في فضله ومعرفته ونقده؛ وهما:
*إنّ العيون التي في طرفها حور*
والذي بعده. وأجمعت الرواة أنّ البيت الأوّل أرقّ بيت قالته العرب، ونسبوه لجرير. والله أعلم.
وعن الرياشيّ قال: حضر بشّار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب:
إصبر! فقال بشّار: إنّ الصبر لا يكون إلاّ على بليّة! فقال الحاجب: إنّ وراء
стр. 2074
قولك شرا، ولن أتعرّض لك، قم فادخل!
وعن محمد بن سلاّم قال، قال هلال بن عطية لبشّار؛ وكان يمازحه: إنّ الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوّضه منه شيئا فما عوّضك؟ قال: الطويل العريض! قال: وما هو؟ قال: ألاّ أراك ولا أرى أمثالك من الثقلاء! ثم قال له:
يا هلال! أتطيعني في نصيحة أخصّك بها؟ قال: نعم! قال: إنك كنت تسرق الحمير زمانا ثم تبت وصرت (٦٨) رافضيا فعد إلى سرقة الحمير-والله-خير لك من الرفض! وكان هلال يستثقل فقال فيه (من الوافر):
وكيف يخفّ لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال
قعودا حول دسكرتي وعندي ... كأنّ لهم عليّ فضول مال
إذا ما شئت صبّحني هلال ... وأيّ الناس أثقل من هلال
ذكر سنة خمس وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واجد وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل سالما وأبا قطنة وولّى مكانهما إبراهيم بن صالح حربا وخراجا. والقاضي ابن اليسع بحاله.
стр. 2075
ومن أخبار بشّار عن هشام ابن الكلبي قال، كان أول بدء بشّار أنه عشق جارية يقال لها فاطمة سمعها تغنّي فأنشأ يقول (من الرمل):
درّة بحرّية مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر
وفيها يقول (من الرمل):
أيّها النوّام هبّوا ويحكم ... واسألوني اليوم ما طعم السهر
وعن العبّاس بن خالد البرمكّي قال: كان الزوّار قديما يسمّون إلى أيّام خالد بن برمك السؤّال فقال خالد: هذا والله اسم أستقبحه لطلاّب الخير خصوصا أن يكونوا من أشراف الناس والأحرار! وإني لأرفع الكريم أن يسمّي أمثال هؤلاء المؤمّلين من أبناء النعم بمثل ذلك ولعلّه خير ممن يقصد وأفضل وأكثر أدبا! ولكنّا نسميهم من الآن الزوّار! فقال بشّار يمدحه بذلك (٦٩) (من الطويل):
حذا خالد في فعله حذو برمك ... فمجد له مستطرف وأثيل
وكان ذوو الآمال يدعون قبله ... بلفظ على الإعدام فيه دليل
يسمّون بالسّؤال في كلّ موطن ... وإن كان منهم نابه وجليل
فسمّاهم الزوّار سترا عليهم ... فأستاره في المجتدين سدول
وقال بشار هذا الشعر في الساعة التي تكلّم فيها خالد بهذا الكلام في أمر الزوّار فأعطاه لكلّ بيت ألف درهم.
وعن أبي شبل عاصم بن وهب قال؛ نهق حمار ذات يوم بقرب بشّار فخطر بباله بيت فقال (من البسيط):
стр. 2076
ما قام أير حمار فامتلا شبقا ... إلاّ تحرّك عرق في است ... ؟
ووقف وصار يقول: في است من؟ فسلّم عليه في ذلك الوقت صديق له يسمى تسنيم بن الحواري فضحك بشّار وصفّق بيديه وقال: في است تسنيم. فقال له تسنيم: ويحك ماذا؟! فأنشده البيت فقال له: عليك لعنة الله فما عندك فرق بين صديقك وعدوّك؟ أيّ شيء حملك على هذا؟ ألاّ قلت: في است حمّاد، الذي هجاك وفضحك وأعياك؟! وليست قافيتك على الميم فأعذرك! فقال: صدقت والله في هذا كلّه ولكن ما زلت أقول: في است من! ولا يخطر ببالي أحد حتّى سلّمت عليّ فرزقته! فقال تسنيم: إذا كان <هذا> جواب السلام عليك فلا سلّمك الله ولا سلّم على من يسلّم عليك. وجعل بشّار يضحك ويصفّق وتسنيم يوسعه شتما.
وقالت امرأة لبشار: ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك! فقال بشار: ليس من حسنه يهاب الأسد!
وعن دماذ قال، (٧٠) حدّثنا رجل من الأنصار قال، جاء أبو الشمقمق إلى بشّار يشكو إليه الضيقة، ويحلف له أن ليس عنده شيء! فقال له بشّار: والله ما عندي شيء يعينك، ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم! فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وكان معروفا شاعرا وأوسعه شكرا وثناء فأمر له بخمس مائة درهم فقال له بشّار (من مجزوء الكامل):
يا واحد العرب الذي ... أمسى وليس له نظير
لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير
وعن عبد الرحمن بن العبّاس بن فضل عن أبيه قال: كان الشعراء
стр. 2077
يجلسون بالليل في مسجد الرصافة ينشدون ويتحدّثون، وكنت أجيء إلى ذلك. فصحت يوما ببشّار وقلت: يا أبا معاذ! من الذي يقول (من الهزج):
أحبّ الخاتم الأحم ... ر من حبّ مواليه
فأعرض عنّي وأخذ في بعض إنشاده. ثم صحت به: يا أبا معاذ! من الذي يقول:
*إنّ سلمى خلقت من قصب السكّر*
فغضب وصاح: من هذا الذي يقرّعنا منذ الليلة بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة؟ فتركته ساعة ثم صحت: يا أبا معاذ! من ذا يقول هذا (من الطويل):
أخشّاب حقا أنّ دارك تزعج ... وإنّ الذي بيني وبينك ينهج
فقال: ويحك عن مثل هذا فسل! ثم أنشدها حتّى أتى على آخرها. وفي هذه القصيدة يقول بشّار وفيه غناء (من الطويل):
فواكبدا قد أنضج الشوق نصفها ... ونصف على نار الصبابة ينضج
وواحزنا منهنّ يحففن هودجا ... وفي الهودج المحفوف بدر متوّج
فإن جئتها بين النساء فقل لها ... عليك سلام مات من يتزوّج
(٧١) بكيت وما في الدمع منك خليفة ... ولكنّ أحزاني عليك توهّج
الشعر لبشّار، والغناء فيه لسليم بن سلاّم.
وعن أبي غسّان دماذ قال: سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهديّ بشارا عن ذكر النساء، قال: كان أوّل ذلك اشتهار نساء البصرة وشبّانها بشعره حتّى قال سوّار بن عبد الله الأكبر ومالك بن دينار: ما شيء أدعى
стр. 2078
لأهل المصر إلى الفسق كأشعار هذا الأعمى، وما زالا يعظانه. وكان واصل بن عطاء يقول: إنّ من أخدع حبائل الشيطان لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلمّا كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهديّ نهاه عن ذكر النساء، وقول التشبيب بهنّ-وكان المهديّ من أشدّ الناس غيرة-فقلت: ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر جميل وكثيّر عزّة وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وعمر بن أبي ربيعة وتلك الطبقة! فقال لي: ليس كلّ من سمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، وبشّار يقارب النساء حتّى لا يخفى عليهنّ ما يقول، وأيّ حرّة حصان تسمع قول بشّار فلا يؤثّر في قلبها فكيف بالمرأة الغزلة التي لا همّة لها إلاّ الرجال؟ وهاك من قوله، وأنشد (من المنسرح):
قد لامني في خليلتي عمر ... واللوم في غير كنهه ضجر
قال أفق قلت لا فقال بلى ... قد شاع في الناس منكم الخبر
قلت وإن شاع ما اعتذارك ممّ ... ما ليس لي فيه عندهم عذر
ماذا عليهم وما لهم خرسوا ... لو أنّهم في عيوبهم نظروا
أعشق وحدي فيقتلون به ... كالترك تغزو فتقتل الخزر
يا عجبا للخلاف يا عجبا ... في في من لام في الهوى الحجر
حسبي وحسب الذي كلفت به ... منّي ومنها الحديث والنظر
أو قبلة في خلال ذاك وما ... بأس إذا لم تحلّ لي الأزر
(٧٢) أو عضّة في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عضّها أثر
أو لمسة دون مرطها بيدي ... والباب قد حال دونه الستر
والساق برّاقة خلاخلها ... أو مصّ ريق وقد علا البهر
стр. 2079
واسترخت الكفّ للعراك وقا ... لت إيه عنّي والدمع ينحدر
إنهض فما أنت كالذي زعموا ... أنت وربّي مغازل أشر
قد غابت اليوم عنك حاضنتي ... فالله لي منك فيك ينتصر
يا ربّ خذ لي فقد ترى ضرعي ... من فاسق جاء ماله سكر
أهوى إلى معضدي فرضرضه ... ذو قوّة ما يطاق مقتدر
ألصق بي لحية له خشنت ... ذات سواد كأنها الإبر
حتّى علاني وأسرتي غيب ... ويلي عليهم لو أنّهم حضروا
أقسم بالله لا نجوت بها ... فاذهب فأنت المساور الظفر
كيف يأمّي إن رأت شفتي ... أم كيف إن شاع منك ذا الخبر
قد كنت أخشى الذي ابتليت به ... منك فماذا تقول يا عبر
قلت لها عند ذاك يا سكني ... لا بأس إنّي مجرّب خبر
قولي لها بقّة لها ظفر ... إن كان في البقّ ماله ظفر
ثم قال لي: بمثل هذا الشعر يميل القلب، ويلين الصعب، وتسلب الحرّة فكيف بالغزلة.
وعن أبي عبيدة قال، قال رجل يوما لبشّار في المسجد الجامع يداعبه: يا أبا معاذ! يعجبك الغلام الجادل؟ فقال غير مكترث ولا محتشم: لا ولكن تعجبني أمّه!.قال، وأنشد أبو أيّوب لبشّار في ثقيل فقال (من السريع):
هل لك في مالي وعرضي معا ... وكلّ ما يملك جيرانيه
واذهب إلى أبعد ما ينتوى ... لا ردّك الله ولا ماليه
стр. 2080
وعن محمد بن عمران الضبّي قال، أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشّار (٧٣) (من الخفيف):
أيها الساقيان صبّا شرابي ... واسقياني من ريق بيضاء رود
إنّ دائي الظما وإنّ دوائي ... شربة من رضاب ثغر برود
ولها مضحك كثغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبّة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت نلقاك بعد ليال ... والليالي يبلين كلّ جديد
عندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الحديد
قال؛ فطرب الوليد وقال: من لي بمزاج كاسي هذه من ريق سلمى فيروي ظمئي، ويطفئ حرقي! ثم بكى حتى مزج كأسه بدمعه، وقال: إن فاتنا ذاك فهذا.
وعن عبد الله بن أبي بكر قال، كان لنا جار بزّاز يكنّى أبا بدر، وكان صديقا لبشّار، فبعث إليه ذات يوم يطلب منه ثيابا بنسيئة فلم يصادفها عنده فقال يهجوه (من الهزج):
ألا إنّ أبا بدر ... زنا في ليلة القدر
ولم يرع-تعالى اللّ ... هـ ربّي-حرمة الشهر
وكتبها في رقعة وبعثها إليه، ولم يكن أبو بدر ممن يقول الشعر، فقلبها وكتب في ظهرها يقول (من الهزج):
ألا إنّ أبا بدر ... له في ذلكم عذر
стр. 2081
أتته أمّ بشّار ... وقد ضاق بها الأمر
فواثبها فواقعها ... وما ساعده الصبر
قال؛ فلمّا قرئت على بشّار كاد ينشقّ غيظا، وندم على تعرّضه لرجل لا نباهة له فجعل ينطح الحائط برأسه غيظا ويقول: لا عدت أتعرض لهجاء سفلة قطّ!
ذكر سنة ستّ وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة (٧٤)
الماء القديم ذراعان فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله، وعمّاله بمصر حسبما تقدّم من ذكرهم في السنة الخالية.
ومن أخبار بشّار؛ قال أبو الفرج، نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال، مدح بشّار خالد بن برمك فقال (من الطويل):
لعمري لقد أجدى عليّ ابن برمك ... وما كلّ من كان الغنى عنده يجدي
حلبت بشعري راحتيه فدرّتا ... سماحا كما درّ السحاب مع الرعد
إذا جئته للحمد أشرق وجهه ... إليك وأعطاك الكريمة بالحمد
له نعم في الحمد لا يستثيبها ... جزاء، وكيل التاجر المدّ بالمدّ
مفيد ومتلاف سبيل تراثه ... إذا ما غدا أو راح كالجزر والمدّ
أخالد إنّ الحمد يبقى لأهله ... جمالا، ولا تبقى الكنوز على الكدّ
فأطعم وكلّ من عارة مستردّة ... ولا تبقها إنّ العواري للردّ
стр. 2082
قال؛ فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه. وقال ابنه يحيى بن خالد: آخر ما أوصاني به العمل بهذين البيتين.
وعن محمد بن عبد الله بن عثمان؛ قال؛ كان أبو الوزير مولى عبد القيس من عمّال الخراج، وكان عفيفا بخيلا، فسأل عمر بن العلاء، وكان جوادا شجاعا، في رجل فوهب له مائة ألف درهم؛ فدخل أبو الوزير على المهديّ فقال له: يا أمير المؤمنين! إنّ عمر بن العلاء خائن! قال: ومن أين علمت؟ فقال: كلّمته في رجل كان أقصى أمله ألف درهم فوهب له مائة ألف درهم! فضحك المهديّ ثم قال: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ أما سمعت قول بشّار في عمر (٧٥) (من المتقارب):
إذا نبّهتك عظام الأمور ... فنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلاّ بدم
أو ما سمعت قول أبي العتاهية فيه (من البسيط):
إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن مخفّة ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
أو ليس الذي يقول فيه أبو العتاهية أيضا (من البسيط):
يا ابن العلاء ويا ابن القرم مرداس ... إني لأطريك في أهلي وجلاّسي
حتّى إذا قيل ما أعطاك من نشب ... ألفيت من عظم ما أعطيت كالناسي
стр. 2083
ثم قال له: من اجتمعت ألسن الناس على مدحه كان حقيقا أن يصدّقها بفعله.
وعن الأصمعي قال: أمر عقبة بن سلم لبشار بعشرة آلاف درهم فسمع أبو الشمقمق بذلك فوافى بشّارا فقال له: يا أبا معاذ! إني مررت بصبيان فسمعتهم يلعبون وينشدون (من مجزؤ الرمل):
هلّلينه هلّلينه ... طعن قثّاة لتينه
إنّ بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه
فأخرج إليه بشّار مايتي درهم، وقال: خذ هذه ولا تكن راوية الصبيان يا شميق!
وعن أحمد بن صالح-وكان أحد الأدباء-قال: غضب بشار على سلم الخاسر-وكان من تلاميذه ورواته-وإنما لقّب بالخاسر كونه أباع مصحفا واشترى بثمنه طنبورا؛ فاستشفع إليه بجماعة من إخوانه فجاءوه في أمره فقال:
كلّ حاجة لكم مقضيّة إلاّ سلما! قالوا: ما جئناك إلاّ في سلم، ولا بدّ ما ترضى عليه! وأحضروه فقام إليه فقبّل رأسه (٧٦) ومثل بين يديه فقال: يا سلم! من الذي يقول (من البسيط):
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
قال: أنت يا أبا معاذ! جعلني الله فداك! قال: فمن الذي يقول (من مخلع البسيط):
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللذة الجسور
قال: خرّيجك يقول ذلك-يعني نفسه! قال: أفتأخذ معانيّ التي عنيت
стр. 2084
بها وتعبت في استنباطها فتكسوها ألفاظا أخفّ من ألفاظي حتّى يروى ما تقول، ويذهب شعري؟! لا أرضى عنك أبدا! قال؛ فما زال يضرع إليه حتّى رضي عنه. وفي هذه القصيدة (من البسيط):
لا خير في العيش إن كنّا كذا أبدا ... لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج
قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ... ما في اللقاء ولا في قبلة حرج
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
أشكو إلى الله همّا ما يفارقني ... وشرّعا في فؤادي الدهر تختلج
وعن العبّاس بن خالد؛ قال: سمعت <غير واحد> من أهل البصرة يحدّث أنّ امرأة قالت لبشّار: أيّ رجل أنت لو كنت أسود الرأس واللحية! فقال بشّار: إنّ بيض البزاة أثمن من سود الغربان! قالت: أمّا قولك فحسن في السمع، فمن لك بأن يحسن شيبك في العين كما حسن قولك في السمع؟! فكان بشار يقول: ما أفحمني قطّ غيرها!
وراسل امرأة كان قد سمعها بمجلسه فهويها فقالت لرسوله، قل له: أيّ معنى فيك وأنت كما تعلم؟ فبماذا تطمع في وصالي، وبأيّ شيء تدلّ؟! وجعلت تهزأ به. فلمّا أدّاه الرسول ما قالت؛ قال: عد إليها وأنشدها (٧٧) (من الكامل):
أيري له فضل على إيرانهم ... وإذا أشطّ سجدن غير أوابي
تلقاه بعد ثلاث عشرة قائما ... فعل المؤذّن شكّ يوم سحاب
وكأنّ هامة رأسه بطّيخة ... حملت إلى ملك بدجلة جابي
стр. 2085
ذكر سنة سبع وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل إبراهيم بن صالح وولّى مكانه موسى بن مصعب على الحرب والخراج، وعزل القاضي ابن اليسع وولّى غوث بن سليمان الحضرمي ولاية ثانية.
ومن أخبار بشّار عن النضر بن الحجّاج قال، قال بشّار: دعاني عقبة بن سلم ودعا حمّاد عجرد وأعشى باهلة، فلمّا اجتمعنا قال لنا إنه خطر ببالي البارحة مثل يتمثّل به الناس: «ذهب الحمار يطلب قرنين فرجع بلا أذنين» فأخرجوه لي من الشعر ومن أخرجه فله خمسة آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلّكم خمسمائة سوط! فقال حمّاد: أجّلنا-أعزّ الله الأمير-شهرا! وقال الأعشى: أجّلنا أسبوعين! قال؛ وبشّار ساكت! فقال عقبة: أيه يا أعمى! ما لك لا تتكلّم أعمى الله قلبك! فقال: أصلح الله الأمير! قد حضرني شيئ فإن أمرت قلته، فقال: قل! فقال (من السريع):
стр. 2086
شطّ بسلمى عاجل البين ... وجاورت أسد بني القين
ورنّت النفس لها رنّة ... كادت لها تنشقّ نصفين
يا نبت من لا أشتهي ذكره ... أخشى عليه علق الشين
والله لو ألقاك لا أتّقي ... عينا لقبّلتك ألفين
(٧٨) طالبتها ديني فراغت به ... وعلّقت قلبي مع الدين
فصرت كالعير غدا طالبا ... قرنا فلم يرجع بأذنين
قال: فانصرف بشّار بالجائزة دونهما.
قال؛ وكان <بشّار> يقول الشعر وهو صغير، فإذا هجا قوما جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا. فكانت أمّه تقول: كم تضرب هذا الصبيّ الضرير؟ أما ترحمه؟ فيقول: بلى والله إني لأرحمه، ولكنه يتعرّض للناس فيشكونه إليّ! فسمعه بشّار فطمع فيه فقال له: يا أبه! إنّ هذا الذي يشكونه إليك مني هو قولي الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي. فإذا شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾؟! فلمّا عاودوا شكواه قال لهم برد ما قاله بشّار، فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشّار!
وعن الفضل بن يعقوب قال: كنّا عند جارية لبعض التجار بالكرخ تغنّينا وبشّار عندنا فغنّت قوله (من مجزوء الكامل):
يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته
قال؛ فطرب بشّار وقال: هذا والله يا أبا عبد الله أحسن من سورة الحشر! وتمام الأبيات (من مجزوء الكامل):
стр. 2087
وأنا المطلّ على العدا ... وإذا غلا الحمد اشتريته
وأميل في أنس الندي ... م من الحياء وما اشتهيته
ويشوقني بيت الحبي ... ب إذا غدوت وأين بيته
حال الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته
وقيل؛ قالها لمّا نهاه المهديّ عن ذكر الغزل. وكان الخليل بن أحمد ينشدها (٧٩) ويستحسنها ويعجب بها.
وروى؛ قال؛ قال عبد الله بن المسور الباهليّ يوما لأبي النضر-وقد تحاوروا في شيء-:يا ابن اللخناء! فقال أبو النضر: والله لو كنت ولد زنا لكنت خيرا من باهلة كلّها! فغضب الباهليّ واختلط، فقال له بشّار: أنت منذ اليوم تزنّي أمّه ولا يغضب، فما غضبك أنت؟ فقال له: وأمّه مثل أمّي يا أبا معاذ؟! فضحك بشّار ثم قال: والله لو أنّ أمّك أمّ الكتاب ما حصل بينكما هذه المصارمة كلّها!
وعن أبي جعفر الأسدي قال: مدح بشّار المهديّ فلم يعطه شيئا فقيل له إنه لم يستجد شعرك! فقال: والله لقد قلت فيه شعرا لو قلته في الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنّا نكذب في القول فنكذب في الأمل.
وعن محمد بن الحجّاج قال؛ قدم بشّار الأعمى على المهديّ فدخل عليه في بستان فأنشده مديحا يقول فيه (من المنسرح):
كأنّما جئته أبشّره ... ولم أجيء راغبا ومجتلبا
يزيّن المنبر الأشمّ بعط ... فيه وأقواله إذا خطبا
تشمّ نعلاه في الندى كما ... يشمّ ماء الريحان منتهبا
стр. 2088
قال؛ فأعطاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل، وجعل له وفادة في كلّ سنة، ونهاه عن التشبيب بالنساء بتّة. ثم قدم عليه في السنة الثانية فدخل عليه فأنشده قصيدة طويلة يقول في أوّلها (من الطويل):
تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر ... وودّعت نعمى بالسلام وبالبشر
منها (من الطويل):
وأخرجني من وزر خمسين حجّة ... فتى هاشميّ يقشعرّ من الوزر
دفنت الهوى حيا فلست بزائر ... سليمى ولا عفراء ما قرقر القمري
ومصفرّة بالزعفران جلودها ... إذا اجتليت مثل الهرقلية الصفر
(٨٠) وغيرى ثقال الردف هبّت تسبّني ... ولو شهدت قبري لصلّت على قبري
تركت لمهديّ الأنام رضابها ... وراعيت عهدا بيننا ليس بالختر
ولولا أمير المؤمنين محمّد ... لقبّلت فاها أو لكان بها فطري
لعمري لقد أوقرت نفسي خطيئة ... فما أنا بالمزداد وقرا على وقر
وهي طويلة امتدح بها المهديّ فأعطاه عادته ولم يزده شيئا.
وعن عمر بن شبّة أنّ بشّارا حضر مجلسا لصديق له يقال له عمرو بن عثمان، فقال له: أنشدنا يا أبا معاذ شيئا من غزلك! فأنشأ يقول (من البسيط):
وقائل هات شوّقنا فقلت له ... أنائم أنت يا عمرو بن عثمان
أما سمعت بما قد شاع في مضر ... وفي الخليفين من بكر وقحطان
стр. 2089
قال الخليفة لا تنسب بجارية ... إيّاك إيّاك أن تشقى بعصيان
وعن إبراهيم التمّار البصري، قال، دخل المهديّ إلى بعض حجر الحرم فنظر إلى جارية منهنّ تغتسل فلمّا رأته حصرت ووضعت يدها على حرها فأنشأ المهديّ يقول: نظرت عيني لحيني. ثم أرتج عليه فقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشّار! فأذن له فدخل عليه، فقال: ويحك يا أعمى أجز: نظرت عيني لحيني! فقال مبادرا (من مجزوء الرمل):
نظرت عيني لحيني ... نظرا وافق شيني
سترت لمّا رأتني ... دونه بالراحتين
فضلت منه فضول ... تحت طيّ العكنتين
فقال المهديّ: قبّحك الله! أكنت ثالثنا؟! ثم ماذا؟ فقال (من مجزوء الرمل):
فتمنّيت وقلبي ... للهوى في زفرتين
(٨١) أنني كنت عليه ... ساعة أو ساعتين
فضحك المهديّ وأمر له بجائزة فقال: يا أمير المؤمنين! أقنعت من مثل هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟! قال: فكم ويلك؟ قال: سنة أو سنتين! فقال:
اخرج قبّحك الله! فخرج بالجائزة.
وعن محمد بن الحجّاج قال، جاءنا بشّار يوما فقلنا له: ما لك مغتمّا؟ قال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: متّ وقد كنت أحسن إليك! فقال (من مجزوء الرمل):
سيّدي خذ بي أتانا ... عند باب الإصفهاني
تتمشّى ببيان ... وبدلّ قد شجاني
стр. 2090
تتثنّى بقوام ... بثناياها الحسان
وبغنج ودلال ... سلّ جسمي وبراني
ولها خدّ أسيل ... مثل خدّ الشنفراني
فلذا متّ ولو عش ... ت إذن طال هواني
فقلنا له: ما الشنفران يا أبا معاذ؟ فقال: ما يدريني! هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فسله عنه!
وعن عافية بن شبيب قال: كان لبشّار مجلس يجلس فيه بالعشيّ يقال له البردان: فدخل إليه نسوة في مجلسه يسمعن شعره فعشق امرأة منهنّ وقال لغلامه: عرّفها محبّتي لها، واتبعها إذا انصرفت حتّى تعرف منزلها! ففعل الغلام وأخبرها أمره فلم تجبه إلى ما أحبّ. فكان الغلام يتردّد إليها حتّى برمت منه فشكته إلى زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه الدار يجئك إلى هاهنا! ففعلت وجاء بشّار مع رسولها فدخل وزوجها جالس وهو لا يعلم به فجعل يحادثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟! فقالت: أمامة! (٨٢) فقال (من الوافر):
أمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنّا لا نراك فألمسينا
قال: فأخذ زوجها يده فوضعها على أيره وقد أنعظ ففزع بشّار ووثب قائما وقال (من الوافر):
عليّ أليّة ما دمت حيا ... أمسّك طائعا إلاّ بعود
ولا أهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلاّ من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت يدي ... على أير أشدّ من الحديد
стр. 2091
فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي
ووثب زوجها عليه وقال: هممت أن أفضحك! فقال له: قد كفاك- فديتك-ما فعلت بي! ولست-والله-عائدا إليها أبدا فحسبك ما جرى! فتركه.
ذكر سنة ثمان وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان فقط. ومبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهديّ محمد بن عبد الله المنصور بالله. وموسى بن مصعب بحاله إلى أن قتل قتلته العبسيّة في شرح مطوّل، فولي مكانه صاحب شرطته عسّامة بن عمرو. ثم ولي الفضل بن صالح والقاضي غوث إلى أن توفّي في هذه السنة فولي مكانه المفضّل بن فضالة بن عبيد القتباني.
قتل المهديّ بشّارا، وسبب ذلك أنه أوّل ما تغيّر عليه حين بلغه قال (من الكامل):
стр. 2092
قاس الهموم تنل بها نجحا ... والليل إنّ وراءه صبحا
لا يؤيسنّك من مخبّأة قول تغلّظه وإن جرحا ... عسر النساء إلى مياسرة
والصعب يمكن بعد ما جمحا
(٨٣) قال؛ فأحضره وقال له: يا عاض بظر أمّه! أتحضّ الناس على الفجور، وتقذف المحصنات المخبّآت؟! والله إن قلت بعدها بيتا واحدا في تشبيب لآتينّ على نفسك! وعن عليّ بن محمّد-وهو الصحيح-قال: خرج بشّار إلى المهديّ ويعقوب بن داود حينئذ وزيره فمدحه ومدح يعقوب فلم يحفل به يعقوب، ولم يعطه شيئا. ومرّ يعقوب ببشّار يريد منزله فصاح به بشّار:
*طال الثواء على رسوم المنزل*
فأجابه يعقوب:
*فإذا تشاء أبا معاذ فارحل*
فغضب بشّار وقال يهجوه (من البسيط):
بني أمية هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزقّ والعود
قال النوفلي: فلمّا طالت أيام بشّار على باب يعقوب دخل عليه، وكان من عادته إذا إراد أن ينشد يتفل عن يمينه وشماله ويصفّق بيديه ففعل ذلك، وأنشد (من الكامل):
يعقوب قد ورد العفاة عشيّة ... متعرّضين لسيبك المنتاب
فسقيتهم وحسبتني كمّونة ... نبتت لزارعها بغير شراب
مهلا فدى لك إنني ريحانة ... فاشمم بأنفك واسقها بذناب
طال الثواء على تنظر حاجة ... شمطت لديك فمر لها بخضاب
تعطي الغزيرة درّها فإذا أبت ... كانت ملامتها على الحلاّب
стр. 2093
فقيل إنه يقول ليعقوب: أنت من المهديّ بمنزلة الحالب من الناقة (٨٤) الغريزة الدرّ التي إن لم يوصل إلى درّها فليس ذلك من قبلها إنما هو من منع الحالب منها، وكذلك الخليفة ليس المنع منه لسعة معروفه وإنما هو من قبل السبب. قال: فلم يعطف ذلك يعقوب. ثم إنه امتدح المهديّ بقصيدته المقدّم ذكرها التي أوّلها (من مجزوء الكامل):
يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته
فحرمه أيضا فلمّا يئس من جوائز الخليفة هجاه وأنشد ذلك في حلقة يونس قصيدة منها (من السريع):
خليفة يزني بعمّاته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره ... ودسّ موسى في حر الخيزران
فسعي به إلى يعقوب بن داود، وكان قبلها قد بلغه هجاؤه إيّاه فحمله الأمر فدخل على المهديّ فقال له: يا أمير المؤمنين! أبلغ من قدر هذا الأعمى الزنديق الملحد بشّار أن يهجو أمير المؤمنين؟! قال: بأي شيئ؟ قال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهّمه فكري! فقال: بحياتي أنشدني! فقال: والله لو خيّرتني بين إنشادي إيّاه وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي! فحلف عليه المهديّ بالأيمان التي لا فسحة له فيها أن يخبره فقال: أمّا لفظا فمعاذ الله، ولكنّي أكتب ذلك! فكتبه ودفعه إليه فكاد المهديّ ينشقّ غيظا، وعمل على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها وما وكده غير بشّار. فانحدر، فلمّا كان بالبطيحة سمع أذانا في وقت أضحى النهار فقال: انظروا ما هذا الأذان! فإذا بشّار سكران. فقال: يا زنديق! يا عاضّ بظر أمّه! عجبت أن يكون هذا غيرك! أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران؟! ثم دعا بابن نهيك (٨٥)
стр. 2094
صاحب الزنادقة فأمره بضربه ضرب التلف فضربه بين يديه على صدر الحرّاقة سبعين سوطا أتلفه فيها فكان إذا أصابه السوط يقول: حسّ، وهي كلمة تقولها العرب للشيئ الموجع المؤلم. فقال بعضهم: أنظر إلى زندقته كيف يقول حسّ ولا يقول بسم الله! فقال له: يا جاهل! أطعام هو فأسمّي عليه حتّى يبارك لي فيه؟! فقال آخر: أفلا قلت الحمد لله؟ فقال: أو نعمة هي فأحمد الله عليها؟! فلمّا تبيّن فيه الموت طرح في سفينة حتّى مات ثم رمي به في البطيحة فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة ودفن فيها.
وعن محمّد بن الحجّاج قال؛ لمّا ضرب بشّار وطرح في السفينة قال:
ليت عين أبي الشمقمق رأتني حين يقول (من مجزوء الرمل):
إنّ بشّار بن برد ... تيس أعمى في سفينه
وعن أحمد بن خلاّد عن أبيه قال، مات بشّار سنة ثمان وستين ومائة، وقد بلغ نيّفا وتسعين سنة. وعن ابن مهرويه قال، حدّثني أبي قال، لمّا ضرب المهديّ بشّارا بعث إلى منزله من يفتّشه-وكان يتّهم بالزندقة-فوجد في منزله طومارا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أردت هجاء آل سليمان بن عليّ لبخلهم فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ فأمسكت عنهم إجلالا له ﷺ ، على أنّي كنت قد قلت (من البسيط):
دينار آل سليمان ودرهمهم ... كبابليّين حفّا بالعفاريت
لا يبصران ولا يرجى لقاؤهما ... كما سمعت بهاروت وماروت
فلمّا قرأه المهديّ بكى وندم على قتله، وقال: لا جزى الله يعقوب خيرا فإنه لمّا هجاه لفّق عندي شهودا على أنه زنديق فقتلته ثم ندمت حين لا ينفع الندم.
стр. 2095
<قيل للجاحظ: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول (من الخفيف):
ما هجرت المدام والزير والب ... مّ بطوع لكن برغم وكره
منعتني من الثلاثة من لو ... قتلتني لم أقل والله من هي
قالت البدر والمدامة والور ... ورضابي ولون خدّي ووجهي
قلت بخلا بكلّ شيئ فقالت ... لا ولكن بخلت بي وبشبهي
قلت يا ليتني شبيهك قالت ... إنما يقتل المحبّ التشهيّ>
(٨٦) ذكر سنة تسع وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله إلى حين وفاته في هذه السنة في تاريخ ما يذكر. والفضل بن صالح على مصر. والقاضي المفضّل بن فضالة بحاله.
توفّي المهديّ ﵀ بقرية من قرى ما سبذان يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرّم سنة تسع وستين ومائة، وله يومئذ اثنان وأربعون سنة وسبعة أشهر وأيام، وصلّى عليه الرّشيد ابنه.
стр. 2096
صفته: أسمر، طويل، معتدل الخلق، بعينه اليمنى بياض.
قضاته: محمد بن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد.
وزراءه: أبو عبد الله ابن يسار، ثم يعقوب بن داود، ثم الفيض بن صالح.
حجابه: الحسن بن عثمان، والفضل بن الربيع، وسلام الأبرص.
نقش خاتمه: رضيت بالله ربّا.
ذكر خلافة موسى الهادي بن محمد المهدي
بالله بن المنصور
هو أبو عبد الله وقيل أبو محمد موسى بن محمد المهدي بالله بن عبد الله المنصور. وباقي نسبه قد علم. ويلقّب موسى أطبق؛ وذلك أنه كان بشفته العليا تقلّص فوكّل به خادم يلزمه يقول: موسى أطبق! لتستقرّ عادته على طبق فاه فلزمه هذا اللقب. وكان شجاعا بطلا جوادا صعب المرام، إذا غضب يزول
стр. 2097
عقله ويتبيّن فيه كالجنون. ويلقّب أيضا المخدوع لهذا السبب. أمّه أمّ ولد من مولّدات المدينة يقال لها خيزران. وقيل هي بنت عبد العزيز بن طارقة الحرشي. وهي إحدى الثلاثة اللاتيّ (٨٧) كلّ منهنّ ولدت خليفتين كما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. بويع له بمدينة السلام وهو مقيم بحرّان في شهر الله المحرّم من هذه السنة. وكان وليّ عهد أبيه المهدي وبعده الرشيد هارون أخوه. وأقام له البيعة أخوه الرشيد ببغداد وبعث بها إليه مع نصير مولاه.
خلافته سنة وشهرا وأياما. تزوّج أمة العزيز فأولدها يحيى ثم رحيم فأولدها جعفرا-وهو الذي قصد أن يأخذ له البيعة ويخلع أخاه الرشيد حسبما تقدّم من الكلام في ذلك؛ وشغوف فأولدها العبّاس. اشترى جارية بألف دينار، وكانت شاعرة، وشغف بها شغفا شديدا دون سائر نسائه، ورزق منها عدة بنات منهنّ أمّ عيسى تزوّجها المأمون. وكان له من أمّهات الأولاد عبد الله وإسحاق وإبراهيم.
وكان شرّيرا. ومن نكت التاريخ أنه ذكر بحضرته ذات يوم من بعض ندمانه أنه قال ما يمضي يوم من الدهر على أحد إلاّ ولا بدّ من نكد يحصل له فقال الهادي: هذا كلام مستحيل! أنا قادر على أن تمضي عليّ أيام بغير نكد ثمّ إنه أمر من الغد أن يهيّأ له مجلس في قصره الأبيض، ويوضع فيه جميع ما يحتاج إليه من سائر الطيبات من المآكل والمشارب وسائر أنواع الرياحين، وأن لا يرفع إليه أحد خبرا من أخبار الدنيا، ولا يدخل عليه داخل. واختلى مع تلك الجارية التي كان مشغوفا بها في ذلك المجلس المهيّأ له، وعاد معها في ألذّ عيش وأهناه تغنّي له وتسقيه ولم يكن بينهما ثالث، ولا دخل عليهما داخل، ولا طولع بخبر. ولم يزالا على مثل ذلك إلى أن تقوّض النهار فبينا هما كذلك إذ أخذت الجارية حبّة رمّان للتنقّل بها فشرقت بها وفاضت نفسها من وقتها وساعتها.
فحصل عليه من ذلك ما لا يحصل (٨٨) على بشر، ومشى في جنازتها إلى
стр. 2098
مقابر قريش، ولم ير بعدها ضاحكا حتّى لحق بها بعد أيام قلائل. والله أعلم.
ذكر سنة سبعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الهادي موسى بن محمد المهدي بالله ابن المنصور إلى حين وفاته في هذه السنة في تاريخ ما يأتي. وكان قد ولّى عليّ بن سليمان الهاشمي عوضا عن الفضل بن صالح على حرب مصر وخراجها. والقاضي المفضّل بن فضالة بحاله. توفّي الهادي ﵀ بعيساباذ في قصره الذي سمّاه الأبيض ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول من هذه السنة، وله خمس وعشرون سنة وشهور. وصلّى عليه أخوه الرشيد.
صفته: أبيض، جسيم، حسن الوجه، بشفته العليا تقلّص، طويل.
قاضيه: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وسعيد بن عبد الرحمان.
стр. 2099
وزراؤه: محمد بن جميل وبعده: يحيى بن خالد، وربيع بن يونس، وعمر بن بزيع.
حاجبه: الفضل بن الربيع مولاه.
نقش خاتمة: الله ثقة موسى وبه يؤمن.
ذكر خلافة هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، وما لخّص من
أخباره
هو أبو محمّد وقيل أبو جعفر هارون بن محمد بن عبد الله المنصور بالله.
وباقي نسبه قد علم. أمّه الخيزران أمّ أخيه الهادي، وفيها شعر (من الوافر):
يا خيزران هناك ثمّ هناك ... أمسى العباد يسوسهم إبناك
كان الرشيد ينعت المظفّر والموفّق والمؤيّد. وسمّى هو نفسه (٨٩) الغازي والحاجّ، وكتب ذلك على قلنسوة له. وبويع له بمدينة السلام في شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وله يومئذ اثنان وعشرون سنة ونصف سنة.
وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وستة عشر يوما. ويقال إنه بويع يوم الجمعة-وهو اليوم الذي مات فيه أخوه الهادي وهي الليلة التي مات فيها خليفة، وولي خليفة، وولد خليفة: مات الهادي، وولي الرشيد، وولد المأمون.
стр. 2100
تزوّج زبيدة واسمها أمة العزيز وتكنّى أمة الواحد، وزبيدة لقب لها، وتكنّى أمّ جعفر بنت جعفر بن المنصور أولدها محمد الأمين. ومراجل أمّ ولد أولدها عبد الله المأمون. وماردة أولدها محمد المعتصم وقيل اسمه أحمد المعتصم. ونادرة وأولدها صالحا. ولمّا أفضى إليه الأمر سلّم عليه عمّه وعمّ أبيه وعمّ جدّه في وقت واحد. وذلك أنّ سليمان بن المنصور عمّه، والعبّاس بن محمّد بن علي عمّ أبيه، وعبد الصمد بن عليّ عمّ جدة المنصور. وذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب شذور العقود أنه كانت في عبد الصمد بن علي عدة عجائب؛ منها أنه ولد في سنة أربع ومائة، وولد أخوه محمد بن علي والد السفّاح والمنصور في سنة ستين للهجرة فبينهما في المولد أربع وأربعون سنة. وتوفّي محمد في سنة ست وعشرين ومائة، وتوفّي عبد الصمد في سنة خمس وثمانين ومائة فكان بينهما في الوفاة تسع وخمسون سنة. ومنها أنه حجّ يزيد بن معاوية في سنة خمسين هجرية، وحجّ عبد الصمد بالناس سنة خمسين ومائة فبينهما مائة سنة وهما في النسب إلى عبد مناف سواء؛ لأنّ يزيد بن معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف؛ فبين يزيد وعبد مناف خمس جدود. وعبد الصمد (٩٠) ابن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف؛ فهذه من نكته أيضا. ومنها أنه أدرك السفّاح والمنصور وهما ابنا أخيه. ثم أدرك المهدي وعبد الصمد عمّ أبيه. ثم أدرك الهادي وعبد الصمد عمّ جدّه. ثم أدرك الرشيد وفي أيامه مات رحمه الله
стр. 2101
عليه. وقيل إنه مات بأسنانه التي ولد بها، ولم يثغر، وكانت قطعة واحدة من أسفل. وأمّه كثيرة التي يقول فيها عبيد الله بن قيس الرقيّات الشاعر (من المنسرح):
*عاد له من كثيرة الطرب*
وهي من القصائد الحسان المشهورة بجودة الشعر. وعمي آخر عمره.
انتهى كلام ابن الجوزي فيه. وقرأت في بعض الكتب أنّ من جملة عجائبه أيضا أنه دخل غارا فصادفت عيناه شيئا خرج من ذلك الغار فخرجا جميعا فكان سبب عماه. والله أعلم.
ذكر سنة إحدى وسبعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بالله بن المنصور. وعزل علي بن سليمان عن مصر وولّى مكانه موسى بن عيسى حربا وخراجا. وأبو الطاهر القاضي بها يومئذ.
روي أنه حضر إلى الرشيد شاعر باهليّ فامتدحه بقصيدة استكثرها الرشيد
стр. 2102
من مثل ذلك الأعرابي لإعجابه بها؛ فقال: لست أظنّك صاحبها! فإن كنت كذلك فقل في هذين-وأشار إلى الأمين والمأمون وهما قائمان بين يديه-فقال (٩١) الأعرابي: يا أمير المؤمنين! لقد حمّلتني شططا، وسلكت بي وعرا، وأوردتني أجاجا هيبة الملك وأبّهة الخلافة، مع دهشة القدوم، وتشريد القافية.
فقال الرشيد: حسبك! ففي كلامك هذا دليل على فراهتك! فقال: الآن اطمأنّ القلب وطاب القول، وأنشأ يقول (من الطويل):
بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبّة الإسلام فاخضرّ عودها
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال: وأنت بارك الله فيك. سل حاجتك ولا تكن دون إحسانك! فقال:
يد أمير المؤمنين بالعطاء أطلق من لساني بالقول! فأعجب الرشيد بهاتين الكلمتين وردّدهما مرارا، ثم أمر له بهنيدة معجّلة فخرج أغنى أهل بيته. وهنيدة مائة من الإبل برعاتها. والله أعلم.
ذكر سنة اثنتين وسبعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور بالله. وعزل موسى بن عيسى، وولّى حرب مصر مسلمة بن يحيى، وولّى خراجها عمر بن غيلان. وأبو الطاهر قاضيا بحاله.
стр. 2103
وعن العبّاس بن الفضل بن الربيع قال، حلف الرشيد لا يدخل إلى حظية له أياما، وكان لها مكان في قلبه، فمضت الأيام ولم تسترضه، فأحضر جعفر بن يحيى وعرّفه الخبر وأنشده شعرا عمله وقال: أجزه لي، وهو (من الرمل):
صدّ عنّي إذ رآني مفتتن ... وأطال الصبر لمّا أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكي ... إنّ هذا من أعاجيب الزمن
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين! إنّ أبا العتاهية محبوس بلا جرم وهو أقدر الناس على أن يأتي بشيئ مليح في هذا المعنى. قال: وجّه إليه البيتين ودعه يجزهما! فوجّه بهما إليه فلمّا قرأهما أبو العتاهية كتب تحتهما يقول (من الرمل):
ضعف المسكين عن تلك المحن ... لهلاك الروح منه والبدن
ولقد كلّفت شيئا عجبا ... زاد في النكبة واستوفى المحن
قيل فرّحنا ويأبى فرح ... أن يواتيني من بيت الحزن
فلمّا قرأ الرشيد الأبيات استحسنها وأمر بإطلاقه وصلته وحضوره فحضر فقال: أحزنتني! قال: الآن أطاع الفكر وطاب القول، وقال (من الرمل):
стр. 2104
عزّة الحبّ أرته ذلّتي ... في هواه إذ له وجه حسن
فلهذا صرت مملوكا له ... ولهذا شاع أمري وعلن
فقال الرشيد: جئت بما في نفسي، وأحسن إليه.
ذكر سنة ثلاث وسبعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة أصابع ونصف.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور. وعزل مسلمة وولّى مكانه على مصر محمد بن زهير، ثم عزله وولّى مكانه داود بن حاتم؛ وعمر بن غيلان بحاله، وكذلك القاضي أبو طاهر.
وكان أبو العتاهية قد اعتقله المهدي في سنة توفّي فيها. وسبب ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن عيينة الديلي قال؛ حدّثني يزيد حوراء وكان يغنّي بحضرة المهديّ، قال، كلّمني أبو العتاهية (٩٣) في أن أكلّم المهديّ في عتبة، فقلت له: أمّا الكلام فلا يمكنني، ولكن قل شعرا أغنّيه به في وقت أريحيته فقال (من البسيط):
стр. 2105
نفسي بشيئ من الدنيا معلّقة ... الله والقائم المهديّ يكفيها
إني لأيأس منها ثمّ يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها
قال؛ فعملت فيه لحنا وغنيته فقال: ما هذا؟ فأخبرته خبر أبي العتاهية فقال: ننظر فيه! فأخبرت بذلك أبا العتاهية ثم مضى شهر فجاءني فقال: هل حدث خبر؟ فقلت: لا! قال: فاذكرني! قلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحرّكه به، فقال (من الخفيف):
ليت شعري ما عندكم ليت شعري ... فلقد أخّر الجواب لأمر
ما جواب أولى بكلّ جميل ... من جواب يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنيت به المهديّ فقال: عليّ بعتبة! فأحضرت، فقال: إنّ أبا العتاهية كلّمني فيك فما تقولين؟ وعندي لك وله كلّ ما تحبّان مما لا تبلغه أمانيكما! فقالت: علم أمير المؤمنين أعزّه الله ما أوجب الله عليّ من حقّ مولاتي، وأريد أن أذكر ذلك لها! قال: فافعلي! ففعلت ثم جاءت فقالت:
ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبته فليفعل أمير المؤمنين ما يريد. فقال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه! قال يزيد: فأخبرت أبا العتاهية فقال (من الكامل):
قطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي ... ونبات وعدك يعتلجن ببالي
ولئن طمعت لربّ برقة خلّب ... مالت على طمع ولمعة آل
قال؛ وأكثر أبو العتاهية من ذكر عتبة والتشبيب بها حتّى عادت في أفواه أهل بغداد فسعوا به إلى المهديّ حتى اعتقله. والله أعلم. (٩٤)
следующие страницы →