← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

عليه. وقيل إنه مات بأسنانه التي ولد بها، ولم يثغر، وكانت قطعة واحدة من أسفل. وأمّه كثيرة التي يقول فيها عبيد الله بن قيس الرقيّات الشاعر (من المنسرح): *عاد له من كثيرة الطرب* وهي من القصائد الحسان المشهورة بجودة الشعر. وعمي آخر عمره. انتهى كلام ابن الجوزي فيه. وقرأت في بعض الكتب أنّ من جملة عجائبه أيضا أنه دخل غارا فصادفت عيناه شيئا خرج من ذلك الغار فخرجا جميعا فكان سبب عماه. والله أعلم. ذكر سنة إحدى وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بالله بن المنصور. وعزل علي بن سليمان عن مصر وولّى مكانه موسى بن عيسى حربا وخراجا. وأبو الطاهر القاضي بها يومئذ. روي أنه حضر إلى الرشيد شاعر باهليّ فامتدحه بقصيدة استكثرها الرشيد

стр. 2102

من مثل ذلك الأعرابي لإعجابه بها؛ فقال: لست أظنّك صاحبها! فإن كنت كذلك فقل في هذين-وأشار إلى الأمين والمأمون وهما قائمان بين يديه-فقال (٩١) الأعرابي: يا أمير المؤمنين! لقد حمّلتني شططا، وسلكت بي وعرا، وأوردتني أجاجا هيبة الملك وأبّهة الخلافة، مع دهشة القدوم، وتشريد القافية. فقال الرشيد: حسبك! ففي كلامك هذا دليل على فراهتك! فقال: الآن اطمأنّ القلب وطاب القول، وأنشأ يقول (من الطويل): بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبّة الإسلام فاخضرّ عودها هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها فقال: وأنت بارك الله فيك. سل حاجتك ولا تكن دون إحسانك! فقال: يد أمير المؤمنين بالعطاء أطلق من لساني بالقول! فأعجب الرشيد بهاتين الكلمتين وردّدهما مرارا، ثم أمر له بهنيدة معجّلة فخرج أغنى أهل بيته. وهنيدة مائة من الإبل برعاتها. والله أعلم. ذكر سنة اثنتين وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور بالله. وعزل موسى بن عيسى، وولّى حرب مصر مسلمة بن يحيى، وولّى خراجها عمر بن غيلان. وأبو الطاهر قاضيا بحاله.

стр. 2103

وعن العبّاس بن الفضل بن الربيع قال، حلف الرشيد لا يدخل إلى حظية له أياما، وكان لها مكان في قلبه، فمضت الأيام ولم تسترضه، فأحضر جعفر بن يحيى وعرّفه الخبر وأنشده شعرا عمله وقال: أجزه لي، وهو (من الرمل): صدّ عنّي إذ رآني مفتتن ... وأطال الصبر لمّا أن فطن كان مملوكي فأضحى مالكي ... إنّ هذا من أعاجيب الزمن فقال جعفر: يا أمير المؤمنين! إنّ أبا العتاهية محبوس بلا جرم وهو أقدر الناس على أن يأتي بشيئ مليح في هذا المعنى. قال: وجّه إليه البيتين ودعه يجزهما! فوجّه بهما إليه فلمّا قرأهما أبو العتاهية كتب تحتهما يقول (من الرمل): ضعف المسكين عن تلك المحن ... لهلاك الروح منه والبدن ولقد كلّفت شيئا عجبا ... زاد في النكبة واستوفى المحن قيل فرّحنا ويأبى فرح ... أن يواتيني من بيت الحزن فلمّا قرأ الرشيد الأبيات استحسنها وأمر بإطلاقه وصلته وحضوره فحضر فقال: أحزنتني! قال: الآن أطاع الفكر وطاب القول، وقال (من الرمل):

стр. 2104

عزّة الحبّ أرته ذلّتي ... في هواه إذ له وجه حسن فلهذا صرت مملوكا له ... ولهذا شاع أمري وعلن فقال الرشيد: جئت بما في نفسي، وأحسن إليه. ذكر سنة ثلاث وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة أصابع ونصف. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور. وعزل مسلمة وولّى مكانه على مصر محمد بن زهير، ثم عزله وولّى مكانه داود بن حاتم؛ وعمر بن غيلان بحاله، وكذلك القاضي أبو طاهر. وكان أبو العتاهية قد اعتقله المهدي في سنة توفّي فيها. وسبب ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن عيينة الديلي قال؛ حدّثني يزيد حوراء وكان يغنّي بحضرة المهديّ، قال، كلّمني أبو العتاهية (٩٣) في أن أكلّم المهديّ في عتبة، فقلت له: أمّا الكلام فلا يمكنني، ولكن قل شعرا أغنّيه به في وقت أريحيته فقال (من البسيط):

стр. 2105

نفسي بشيئ من الدنيا معلّقة ... الله والقائم المهديّ يكفيها إني لأيأس منها ثمّ يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها قال؛ فعملت فيه لحنا وغنيته فقال: ما هذا؟ فأخبرته خبر أبي العتاهية فقال: ننظر فيه! فأخبرت بذلك أبا العتاهية ثم مضى شهر فجاءني فقال: هل حدث خبر؟ فقلت: لا! قال: فاذكرني! قلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحرّكه به، فقال (من الخفيف): ليت شعري ما عندكم ليت شعري ... فلقد أخّر الجواب لأمر ما جواب أولى بكلّ جميل ... من جواب يردّ من بعد شهر قال يزيد: فغنيت به المهديّ فقال: عليّ بعتبة! فأحضرت، فقال: إنّ أبا العتاهية كلّمني فيك فما تقولين؟ وعندي لك وله كلّ ما تحبّان مما لا تبلغه أمانيكما! فقالت: علم أمير المؤمنين أعزّه الله ما أوجب الله عليّ من حقّ مولاتي، وأريد أن أذكر ذلك لها! قال: فافعلي! ففعلت ثم جاءت فقالت: ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبته فليفعل أمير المؤمنين ما يريد. فقال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه! قال يزيد: فأخبرت أبا العتاهية فقال (من الكامل): قطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي ... ونبات وعدك يعتلجن ببالي ولئن طمعت لربّ برقة خلّب ... مالت على طمع ولمعة آل قال؛ وأكثر أبو العتاهية من ذكر عتبة والتشبيب بها حتّى عادت في أفواه أهل بغداد فسعوا به إلى المهديّ حتى اعتقله. والله أعلم. (٩٤)

стр. 2106

ذكر سنة أربع وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور. وداود بن حاتم على حرب مصر. وعزل عمر بن غيلان عن الخراج، وولّى الربيع بن سليمان. واستعفى القاضي أبو طاهر فولي القضاء المفضّل بن فضالة ثاني ولاية. ومن أخبار أبي العتاهية ما روي أنّه كان سبب اعتقاله بعد موت المهديّ، وأنّ الهادي اعتقله لمّا بلغه أنه قال أبياتا عند موت المهديّ! فقال الهادي إنه لشامت به كونه لم يوصله لعتبة فاعتقله! وهذه الأبيات (من الرمل): خانك الطرف الطموح ... أيّها القلب الجموح لدواعي الخير والشرّ (م) ... دنوّ ونزوح أحسن الله بنا أنّ (م) ... المعاصي لا تفوح وهذا البيت الذي أخذ عليه فيه. وذلك أنّ المهديّ كان يتّهم بمحبة عمّته فعرّض أبو العتاهية في هذا البيت بشيئ من ذلك (من مجزوء الرمل): فإذا المستور منّا ... بين جنبيه فضوح

стр. 2107

نح على نفسك يا مسك ... ين إن كنت تنوح لتموتنّ ولو عمّر ... ت ما عمّر نوح سيصير الحيّ منا ... جسدا ما فيه روح من عيني كلّ حيّ ... علم الموت يلوح موت بعض الناس في الأر ... ض على بعض فتوح كم عزيز قد رأينا ... طويت عنه الكشوح صاح فيه بفناء ... صائح الدهر الصيوح كلّ نطّاح من النا ... س له يوم نطوح هل لمطلوب بذنب ... توبة منه نصوح وقال أيضا من أبيات (من مجزوء الكامل): وعظتك أجداث بهت ... زجرتك أموات رفت فأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت يا شامتا بمنيّتي ... إنّ المنية لم تمت (٩٥) وفيها توفّيت الخيزران والدة الرشيد بالله ومشى في جنازتها إلى مقابر قريش. وقيل إنها توفيت في سنة ثلاث وسبعين. والله أعلم.

стр. 2108

ذكر سنة خمس وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله هارون بن محمد بن المنصور. وعزل الربيع عن مصر، وأعاد موسى بن عيسى الولاية الثانية بمصر حربها وخراجها. والقاضي المفضّل بن فضالة قاضيا بحاله. ومن أشعار أبي العتاهية في الزهد (من الخفيف): خلّ عنّا حديث سعدى ولبنى ... وانظر القبر كيف يعقد لبنا واعتبر يا خيّ وعنّ عن الله ... وفإنّ السعيد من عن اللهو عنّا كم حملنا إلى القبور حبيبا ... ودفنّا أبا وإبنا وأبنا لو علمنا أنّا نموت يقينا ... ورأينا القبور تبنى لتبنا كلّ يوم خلّ يرحّل عنّا ... وديار معطّلات ومغنى وحبيب فريسة للمنايا ... تحتويه كأنه ليس منّا أعلمتنا صروفها حادثات ... لو علمنا يوما بما قد علمنا هذه الأرض أمّنا وأبونا ... حملتنا بالكره ظهرا وبطنا إنما المرء فوقها فهو لقط ... فإذا صار تحتها صار معنى وله (من الوافر):

стр. 2109

كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديّا وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا قيل لبعض الحكماء: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلّة الأموات. (٩٦) حدّثني سيّدي الشيخ أحمد بن محمد الدمشقي رفيق الشيخ شعبان قدّس الله روحهما في دمشق بجامع بني أمية سنة اثنتي عشرة وسبعمائة قال، مررت في سياحتي في بلاد بخارى بالجبّانة فنظرت إلى قبر أعجبتني هيئته يدلّ على أنّ صاحبه ملك، ورأيت عليه مكتوبا بالفارسي هذه الأبيات (من المنسرح): يا أيّها الناس كان لي أمل ... قصّر بي عن بلوغه الأجل فليتّق الله ربّه رجل ... أمكنه في حياته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث ترى ... كلّ إلى مثله سينتقل فقال الشيخ شعبان ﵁، وقرأت أيضا على قبره الأبيات (من الكامل): يا ساكنا سكن البلى وبقيت ... لو أفن من جزع عليك فنيت يعزز عليّ بأن أراك بمنزل ... سكّانه حتّى المعاد صموت الحيّ يكذب لا صديق لميّت ... لو كان يصدق مات حين يموت فقمت من عندهما وقد أتحفانا بأشرف تحفة حفظت عنهما. سقى الله عهدهما!

стр. 2110

ذكر سنة ستة وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور. وعزل موسى بن عيسى، وولي إبراهيم بن صالح على الحرب، وعمر بن غيلان على الخراج. وتوفي إبراهيم بن صالح وولي ابن المسيّب. والقاضي بحاله. وكان أبو العتاهية أكثر شعره في الزهد فمن ذلك قوله (من الخفيف): مبتدانا ومنتهانا سواء ... فلماذا من الأخير عجبنا (٩٧) قد وجدنا من بعد ما قد عدمنا ... وعدمنا من بعد ما قد وجدنا واللبيب اللبيب من وعظته ... ألسن الردى وإن كنّ كنّا فكأنّا لغير ذاك خلقنا ... وسواء لجمع ذلك تعنى كلّنا نجعل الظنون يقينا ... ويقين الأمور نجعل ظنّا قيل إنّ أبا العتاهية قال لبشّار: إني لأستحسن قولك إذ تقول (من مجزوء الكامل): كم من صديق لي أكا ... تمه البكاء من الحياء فإذا تأمّل لامني ... فأقول ما بي من بكاء

стр. 2111

لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء فقال له بشّار: أنت أشعر مني إذ تقول (من الوافر): وقالوا قد بكيت فقلت كلاّ ... وهل يبكي من الجزع الجليد ولكنّي أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد ذكر سنة سبع وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله هارون بن محمد المهدي بالله بن المنصور. وعزل عبد الله بن المسيّب وولّى إسحاق بن سليمان حرب مصر وخراجها. وعزل القاضي المفضّل وولّى مكانه محمد بن مسروق الكندي. فيها فتحت هرقلة وهي كرسيّ مملكة الروم، وأصاب الناس منها مالا عظيما.

стр. 2112

وعن محمد بن يزيد المبرّد قال، حدّثني بعض حاشية السلطان (٩٨) قال، غنّى إبراهيم الموصلي بحضرة الرشيد يوما (من البسيط): يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا ... زدت الفؤاد على علاّته وصبا فأعجب به الرشيد وطرب واستعاده مرارا! فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين! لو سمعته من عبدك مخارق فإنه أخذه عنّي وهو يفضل الخلق جميعا فيه، ويفضلني أيضا، فأمر بإحضاره فأحضر فغنّى: *يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا* فبكى الرشيد وقال: سل حاجتك! فقال مخارق: تعتقني يا أمير المؤمنين وتشرّفني بولائك أعتقك الله من النار! قال: أنت حرّ لوجه الله، أعد الصوت! فأعاده ثانيا فبكى الرشيد وقال: سل حاجتك! فقال: ضيعة تقيمني غلّتها يا مولاي! قال لك ذلك، أعد الصوت! فأعاده فبكى وقال: حاجتك سلها! قال: منزل بفراشه وما يصلحه وخادم! قال: لك ذلك، أعد الصوت! فأعاده فبكى وقال: سل حاجتك! فقال: حاجتي أن يطيل الله بقاءك يا أمير المؤمنين، ويديم عزّك، ويجعلني من كلّ سوء فداك. قال: وكان مخارق إذا غنّى هذا الصوت يقول أنا عتيق هذا. ذكر سنة ثمان وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع فقط. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 2113

ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله بن المهدي بالله بن المنصور بالله. وفيها عزل إسحاق بن سليمان عن مصر وولّى عبيد الله بن المهدي. ثم عزله وردّ عبد الله بن المسيّب إلى مصر على عادته. والقاضي محمد بن مسروق الكندي بحاله. (٩٩) فيها أحضر أبو عبيدة-وهو معمر بن المثنّى-الأصمعيّ إلى الرشيد. ذكر الأصمعي ونسبه وأشياء من طرفه هو عبد الملك بن قريب. وقريب لقب لأبيه. وإنما اسمه عاصم بن علي بن أصمع بن مظهّر بن رتاج؛ بنسب متصل إلى معدّ بن عدنان، وعرف بالأصمعي انتسابا إلى جدّه أصمع بن مظهّر. ويعرف بالباهلي. وإنما قيل له الباهلي وليس في نسبه باهلة لأنّ باهلة اسم امرأة مالك بن أعصر، وقيل: باهلة بن أعصر. وكان الأصمعي صاحب لغة ونحو ونوادر وملح وأخبار وغرائب. سمع شعبة بن الحجّاج والحمّادين ومسعر بن كدام وغيرهم. وروى عنه عبد الرحمن ابن أخيه عبد الله وأبو القاسم بن سلاّم وأبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي وغيرهم. وهو من أهل البصرة، وقدم بغداد في أيام هارون الرشيد.

стр. 2114

وقيل لأبي نواس الحسن بن هانئ الشاعر المعروف: قد أحضر أبو عبيدة الأصمعيّ إلى الرشيد! فقال أبو نواس: أمّا أبو عبيدة فإنهم إن مكّنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأمّا الأصمعيّ فبلبل يطربهم بنغماته. وقال عمر بن شبّة؛ سمعت الأصمعيّ يقول: أحفظ عشرة آلاف أرجوزة. وقال إسحاق الموصلي: لم أر الأصمعيّ يقول: أحفظ عشرة آلاف أرجوزة. وقال إسحاق المصولي: لم أر الأصمعيّ يدّعي شيئا من العلم فيكون أحد أعلم به منه. وقال الربيع بن سليمان، سمعت الشافعيّ ﵁ يقول: ما عبّر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. فمن طرفه؛ حكى الأصمعيّ قال، استطفت ببعض البيوت بالبادية فسمعت صبيّة إمّا سداسية العمر أو سباعية تقول (من الرجز): أستغفر الله لذنبي كلّه ... قبّلت إنسانا بغير حلّه (١٠٠) شبه غزال ناعم في دلّه ... وانتصف الليل ولم أصلّه قال، فقلت: قاتلك الله فما أفصحك من جويرية! فقالت: يا عمّ! أو بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؟ قد جمع بين أمرين ونهيين وبشارين في آية واحدة؛ أثّمّ بعدها فصاحة؟ قال الأصمعي: فكأنّي والله لم أسمع هذه الآية إلاّ منها فعمدت إلى ذهيب كان معي فدفعته إليها فقالت: أغد يا عمّ! كفاك الله ثلاثا: حرفة الحاذق، وحرمان المستحقّ، وكساد الحسناء. ثم قالت: كأني بك وقد حدّثت أمير المؤمنين الرشيد بهذه فعوّضك عن كلّ دينار أعطيتنيه مائة دينار. فقال الرشيد: وكم أعطيتها يا أصيمع؟ قال: عشرة دنانير يا أمير المؤمنين! فقال: قد رسمنا لك بما حكمت به الصبية. فراح الأصمعيّ بألف دينار.

стр. 2115

ذكر سنة تسع وسبعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله هارون بن محمد المهدي بن المنصور عبد الله. وخرج عبد الله بن المسيّب إلى العراق عن ولاية مصر، وعاد إليها موسى بن عيسى، وتقدّمه إلى مصر يحيى بن موسى ثم قدم موسى بعده. والقاضي محمد بن مسروق. فيها توفي الإمام مالك بن أنس ﵁، وله تسعون سنة، وقيل: تسع وثمانون سنة. وصلّى عليه ابن أبي ذئب. ومن نوادر الأصمعي (١٠١) عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال، بينا نحن بحضرة الشيخ بمجلسه إذ وقف بنا أعرابيّ رثّ الهيئة، حسن الشمائل فسلّم ثم قال: أيّكم الأصمعي؟ فأشرنا إليه، فقال: أنت أبا سعيد عبد الملك بن قريب الذي تروي عن الأعراب، وتأخذ جوائز الخلفاء بأشعارك المبتدعة، وأخبارك المخترعة؟ فقال له: وما حاجتك يا أخا العرب؟ قال: أتنشدني شيئا مما تمتدحون به ملوككم؟ فابتدره بعض الجماعة وأنشده في مسلمة بن عبد الملك (من الطويل):

стр. 2116

أمسلم أنت البحر إن جاء وارد ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها وأنت كسيف الهندوانيّ إن غدت ... حوادث من دهر تعبّ عبابها وما خلقت أكرومة في امرئ ... ولا عابة إلاّ إليك مآبها إليك رحلنا العيس ما لم نجد لها ... أخي ثقة يرجى لديه ثوابها قال؛ فحرّك الأعرابيّ رأسه فظننّا أنّ ذلك إعجابا بما سمع. ثم قال: إنّ هذا الشعر خلق مهلهل خطاؤه أكثر من صوابه، كيف يجوز أن تمتدحوا ملوككم بمثل هذا وتشبّهونهم بالبحر وهو ملح غضامض لا يأمن راكبه، ويسفّه صاحبه، وتشبّهونه بالأسد وهو شثن المنظر أخشم أبخر يتلاعب به صبيان الحيّ، وتطرده الرعاة عن الموارد، وبالسيف ولربما نبا عن الضريبة، وخان في وقت الحقيقة، وبالجبل وهو حجر أصمّ لا يسمع ولا يعقل، ولم لا قلتم كما قال صبيّ من حيّنا؟! فقلنا له: وكيف قال صبيّ حيّكم؟ فقال (من البسيط): إذا سألت الورى عن كلّ مكرمة ... لم يعز أعظمها إلاّ إلى الهول فتى جوادا أذاب المال نائله ... فالنيل يشكر منه كثرة النيل لو ناظر الشمس ألفى الشمس كاسفة ... أو زاحم الصمّ ألجاها إلى الميل (١٠٢) أمضى من النجم إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السيل لا يستريح إلى الدنيا وزينتها ... ولا تراه إليها ساحب الذيل يقصّر المجد عنه كلّ مكرمة ... كما يقصّر عن أفعاله قولي قال؛ فبهتنا جميعا لما سمعنا. ثم إنه قال: لعلّ أن تنشدوني شعرا ترتاح إليه الروح، وتسكن إليه النفس؛ فابتدر بعض الجماعة وأنشد (من الطويل): وناعمة تجلو بعود أراكة ... موشّرة يسبي المعانق طيبها كأنّ بها خمرا بماء غمامة ... إذا ارتشفت بعد الرقاد غروبها أراك إلى نجد تحنّ وإنما ... هوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها

стр. 2117

فقال: ليس هذا ببعيد من الأول، وإنما يستره حسن رواية المنشد فلم لا قلتم كما قلت أنا؟ فقال الشيخ فما قلت أنت؟ جعلت فداك! فقال (من الطويل): تعشّقتها بكرا وعلّقت حبّها ... فقلبي عن كلّ الورى فارغ بكر إذا احتجبت لم يكفك البدر ضوءها ... وتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر وحسبك من خمر يغويك ريقها ... وو الله ما من ريقها حسبك الخمر ولو أنّ جلد الذرّ لا مس جلدها ... لكان لجلد الذرّ في جلدها أثر وما الصبر عنها إن وجدت بهيّن ... وهل <صبوة> في مثلها يحسن الصبر ولو لم يكن للبدر ضدّ جمالها ... وتفضله في حسنه لصفا البدر قلت: لو كتب هذان الشعران بالغوالي في خدود الغواني، وبأنامل الحور على ورق النور، وبدموع الهجران على صفحات الحسان، أو بريش الجفون من سواد العيون، وبدموع الصدود على بياض الخدود (١٠٣) لكانا مستحقّهما، ولم يصلا إلى حقّيهما. ذكر سنة ثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله هارون بن محمد المهدي. وعزل موسى بن عيسى عن مصر وأعاد عبد الله بن المسيّب، وقيل: بل عبيد الله بن المهدي-وهو

стр. 2118

الصحيح. والقاضي مسروق بحاله. فيها حجّ الرشيد ماشيا حافيا لنذر كان عليه. وكان يقف حول البيت، وينادي: يا ربّ! أنت أنت، وأنا أنا! أنت العزيز وأنا الذليل! فقال سفيان البلخي ﵁ لولده: يا بنيّ! من هذا؟ فقال: يا أبت! هذا جبّار الأرض يتضرّع لجبّار السماء! ومن ملح الأصمعي قال، كنت ببعض أحياء العريب فرأيت شابا حسن الشباب، وسيم الخلق وقد أتى إلى بعض الأخبية وأمسك بعمود فسطاط وأنشد (من الطويل): جزى الله عنّا ذات بعل تصدّقت ... على عزب حتّى يكون له أهل فيجزيها يوما إذا هي أرملت ... وكان له أهل وليس لها بعل فلا تمنعوا عزّابكم من نسائكم ... فما في كتاب الله أن يمنع الفضل قال؛ فلم يكن بأسرع أن خرجت شابة كأنها البعير فقبضت على عضده وأدخلته الخباء ساعة ثم خرج وهو يقول: لولا الرحماء لهلكت الضعفاء! ذكر سنة إحدى وثمانين ومائة (١٠٤) النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله هارون بن محمد المنصور. وفيها خرج عبيد الله بن

стр. 2119

المهدي إلى بغداد والولاية باسمه. ثمّ ولي إسماعيل بن صالح الحرب وحويّ بن حويّ العذري الخراج. والقاضي ابن مسروق مكانه. ومن مضاحك الأصمعي قال، سافر أعرابيّ وغاب عن أهله مدة ثم عاد فوجد مع زوجته ولدا بكرا فوقف يرتجز (من الرجز): لتقعدنّ مقعد القصيّ ... أو تحلفي بربّك العليّ أني أبو ذيالك الصبيّ فأنشأت تقول (من الرجز): لا والذي ردّك يا صفيّ ... ما مسّني من بعدك إنسيّ غير غلام واحد صبي ... بعد امرأين من بني عديّ وآخرين من بني بلي ... وستة كانوا على الطويّ وخمسة جاؤوا مع العشي ... وغير تركيّ ونصرانيّ قال الأعرابيّ: فشددت فاها وإلاّ كانت تذكر أهل المشرق والمغرب. ذكر سنة اثنتين وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد هارون بن محمّد المهدي. وولّى الليث بن الفضل مصر

стр. 2120

(١٠٥) حربا وخراجا معا. وخرج إسماعيل بن صالح وحويّ بن حويّ العذري إلى العراق بباب الرشيد. والقاضي محمد بن مسروق بحاله. في هذه السنة بايع الرشيد لولديه وأخذ العهد لمحمد الأمين وبعده لعبد الله المأمون، وأنفذ بيعتهما فعلّقت بالكعبة. ومن مضاحك الأصمعيّ قال، مررت بأربعة نسوة في بركة ماء تسبحن وتلعبن، فوضعت يدي فأخذت أثوابهنّ وحلفت لا أدفعها لهنّ حتّى تنشد كلّ واحدة منهنّ شعرا تصف فيه هنها! فأنشدت إحداهنّ (من الرجز): إنّ هني جزورا يحكي ... كأنّه قبع نضار مكّي أو جبنة من جبن بعلبكّ ... أو وجه خاقان أمير تركي تسمع فيه الدلك بعد الدلك ... مثل حرير القنّب المنفكّ كأنّ بين فكّه والفكّ ... فارة مسك دبّجت في مسك ثم أنشدت الثانية تقول (من الرجز): إنّ هني جزورا حبابيه ... كالقدح المقلوب فوق الرابيه إذا جدبت فوقه ربابية ... داخله أحلى من الزلابيه ثم أنشدت الثالثة تقول (من الرجز): إنّ هني أضيق من سفين ... ما مثله في ضيقه واللين يدوع منك دعوة العجين ... فيستنزل الماء من العرنين ثم أنشدت الرابعة تقول (من الرجز): إنّ هني إن أستحي أن أذكره ... كشبه الثور مولّى مشفره

стр. 2121

لو نطح الفيل هني لدحوره ... أو نزل البحر هني لعكّره قال الأصمعي: فأعطيتهنّ ثيابهنّ وعلمت أنهنّ من الباذلات. (١٠٦) ذكر سنة ثلاث وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الرشيد بالله هارون بن محمد المهدي بالله بن المنصور. والليث بن الفضل <بحاله>.وفيها ضمن محفوظ بن سليمان الخراج وهو أول من افتتح الضمان بمصر. ومحمّد بن مسروق قاض على حاله. روي عن الأصمعي قال، حضرت أنا وأبو عبيدة معمر بن المثنّى عند الفضل بن الربيع، فقال لي: كم كتابك في الخيل؟ فقلت: مجلّد واحد. فسأل أبا عبيدة عن ذلك فقال: خمسون مجلّدة! فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك كلّ عضو منه وسمّه! فقال: لست ببيطار وإنما هذا شيئ أخذته عن العرب. فقال: قم يا أصمعي فافعل ذلك! فقمت وأمسكت ناحيته وشرعت أذكر عضوا عضوا وأضع يدي عليه وأنشد ما قالت العرب فيه إلى أن فرغت منه فقال: خذه! وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة أركبه إليه. وروي هذا الحديث من طريق أخرى وأنّ ذلك كان بين يدي الرشيد، وأنّ الأصمعيّ لمّا فرغ من أعضاء

стр. 2122

الفرس قال له الرشيد: يا أبا عبيدة! ما تقول؟ فقال: أصاب في بعض وأخطأ في بعض؛ فالذي أصاب فيه مني تعلّمه، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به! ذكر سنة أربع وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث (١٠٧) الخليفة الرشيد هارون بن محمد المهدي. والليث بن الفضل على الحرب، والخراج عليه محفوظ بن سليمان ضامنا له. وخرج القاضي <ابن> مسروق إلى العراق وهو مستمرّ في القضاء، واستخلف ابن الفرات. وفيها كان أول تغيّر الرشيد على البرامكة. وذلك أنّ جعفر بن يحيى كان قد بنى في هذه السنة دارا عظيمة الشأن لم ير لها من قبلها مثيل؛ وكان انتهاؤها في هذه السنة. فلمّا اكتملت فرشت فرشا هائلا، وجلس جعفر فيها وقد أحاطت به آل برمك في أعظم هيئة وأبهى زيّ، وأنعم في ذلك اليوم بما تحرّر وتقديره عشرة آلاف ألف درهم؛ وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله، وامتدحته الشعراء قياما بين يديه، واستعظمت الناس ما رأوه في ذلك اليوم من عظيم ملك آل

стр. 2123

برمك. وكان بين آل برمك وآل الربيع بن زياد منافسات وهنات على الرئاسة فسعوا بذلك إلى أن بلّغوه مسامع الرشيد. وكان مما يريده الله تعالى من نفاذ أمره أن حصل في ذلك اليوم من سائر الناس السهو عن أن يذكروا الخليفة الرشيد لا في خطبة ولا في مديح ولا في دعاء! فلمّا بلغ الرشيد ذلك من لسان واش وعدوّ حاسد بقي في نفس الرشيد وأخفاه ولم يظهره. ثم إنه بعد أيام وقعت للرشيد رقعة بين القصص فيها مكتوب (من السريع): قل لأمين الله في خلقه ... ومن إليه الحلّ والعقد هذا ابن يحيى جعفر قد غدا مالكا ... مثلك ما بينكما حدّ أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ليس له ردّ ساواك في الملك فأبوابه ... آهلة يعمرها الوفد (١٠٨) وقد بنى الدار التي مالها ... في الأرض لا شبه ولا ندّ ما بنت الروم شبيها لها ... كلاّ ولا الفرس ولا الهند الدرّ والياقوت حصباؤها ... وتربها العنبر والندّ وجدّك المنصور لو حلّها ... لما اطّباه قصره الخلد وما يباهي العبد أربابه ... إلاّ إذا ما بطر العبد قال؛ فجعل الرشيد ينظر إليها في كلّ وقت ويرفعها حتّى أوقع بهم في سنة سبع وثمانين ومائة حسبما يأتي إن شاء الله. ذكر سنة خمس وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة أصابع.

стр. 2124

ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي بالله. وعمّال مصر بحالهم. وعزل القاضي <ابن> مسروق وولّى عبد الرحمن بن عبد الله بن المجبر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب ﵁. فيها تزايد الحال بالرشيد لترادف الإغراء على البرامكة. وعن محمد بن حازم قال؛ دخلت على الرشيد بالله ذات يوم وهو خلو فقدّم بين يديه لوزينج فأمرني فتقدّمت للمؤاكلة فبينا هو في مدة لقمة من ذلك اللوزينج إذ تنفّس تنفّسا صبعا، ولقوّة تنفّسه سقطت اللقمة مد يده فقلت: أعاذ الله أمير المؤمنين من كلّ مكروه! ووقاه كلّ سوء، وجعلني فداه من كلّ ما يخشاه! والله لقد قطّعت كبدي لهذا النفس فما موجبه؟ وأنت أنت! فقال: يا محمد! تكتم؟ فقلت؛ أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يظنّ في عبده وربيب نعمته إفشاء سرّه، لا كان ذلك أبدا (١٠٩) ولو بضعت بضعا! فقال: يا محمد! قد تلفت لما أجد من جعفر بن يحيى وأكاتمه منذ سنتين، وقد أخذ الحقد بي حدّه! فقلت: الله الله يا أمير المؤمنين! ومن جعفر؟ إن هو إلاّ عبد أنعمنا عليه فقال: دع بنا هذا الكلام، واضرب بنا في غيره! فتحادثنا ساعة ثم انصرفت إلى منزلي فلم أشعر إلاّ برسول جعفر يستدعيني إليه فأتيته في منزله فلقاني من معبر الدار واحتضنني وقال: جزاك الله يا أبا عبد الله عن محاضرتك خيرا! فقلت: وما ذاك أيها الوزير؟ فقصّ عليّ المجلس الذي كنت فيه مع الرشيد حتّى لم يخلّ بحرف منه-ولم أعلم-والله-كان بيني وبين الرشيد في ذلك الحديث ماكث إلاّ الله ؛ قال؛ فأنكرت ذلك وحلفت عليه أيمانا مغلّظة يلزمني فيها كلّ شيئ من كفّارة وعتق خوفا على نفسي ونعمتي وأهلي من الرشيد! هذا وأنا قد غاب صوابي وذهل عقلي! فقال: خفّف عليك يا أبا عبد الله، فأنت صادق! ثم أمر لي بعشرة

стр. 2125

بدر من دراهم، وخمسة تخوت من قماش فاخر، وحملني على بغلة من مراكيبه. قال ابن حازم: فلم أملك نفسي دون أن حضرت باب الرشيد واستأذنته في غير وقت تكون لي عادة بذلك فأذن لي؛ فلمّا دخلت عليه تبسّم وقد رآني متغيّر الحالة، مضطرب الكون فبادرني وقال: يا محمد! أو أحدّثك بما جئت فيه؟! فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين! إنه أمر ليس فيه غير أخذ الروح، وزوال النعمة! فقال: خفّف عليك أبا عبد الله قد كان بينك وبين جعفر كيت وكيت، وقصّ عليّ حتّى لم يخلّ بحرف واحد! فقلت: يا أمير المؤمنين! طيّب الله قلبك، وجعل الجنّة مأواك! ليس العجب منك فإنكم أهل بيت وحي (١١٠) صلوات الله عليكم أجمعين! العجب من جعفر! فقال: يا محمد! مع جعفر من الفراسة ما هو أعظم مما شاهدت! سأقصّ لك ما هو أعجب من هذا! فقلت: بلى جعلت فداك يا أمير المؤمنين! فقال: كان جعفر جالسا عندي منذ أيام ثم نهض وولاّني قفاه فتأمّلت إلى عنقه وقلت في نفسي: أترى إذا أمرت بضرب عنقه يقع السيف محاذيا رأسه أم محاذيا كتفيه؟ فالتفت إليّ من عند باب المخرج وقال: بل في الوسط يا أمير المؤمنين! فقلت له: وما ذاك! فقال: كلام خطر بقلبي جعلت فداك! قال ابن حازم: فتعجّبت لتوارد خواطرهما. ذكر سنة ست وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان فقط. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي بالله. وعمّال مصر مستقرون حسبما تقدّم في السنة الحاليّة.

стр. 2126

وصل جعفر بن يحيى من التمكّن من الرشيد ما لم يصله أحد أبدا من أول زمان وإلى آخر وقت مما أجمعت الدولة وأرباب التواريخ على ذلك. فمن ذلك ما رواه الجاحظ قال؛ طلب جعفر الإذن من الرشيد ليفصد وجلس ذلك للخلوة مع ندمائه وجلساء حضرته بعد ما لبسوا خلع المنادمة، وجلسوا في مراتبهم، وأمر الحاجب أن يمنع عنه كلّ أحد ما خلا صالحا؛ ولم يذكر اسم أبيه-وكان صالح أحد ندماء حضرته. فبينا هم في أوائل أمورهم ومبتدأ سرورهم إذ حضر صالح بن علي عمّ الرشيد فظنّ الحاجب أنه صالح (١١١) الذي عناه جعفر فأذن له. فلم يشعر القوم إلاّ وقد أطلّ عليهم! فلمّا حقّقه جعفر < .... > أسرع إلى لقائه؛ ولم يكن صالح ركب إلى جعفر قطّ. فأشار لجعفر أن اجلس! وقال: ألبسونا ما لبستم من خلع المنادمة! فاستعظم ذلك جعفر! فقال: والله لا بدّ من ذلك! أحضر ذلك بين يديه فلبس وتعطّر وجلس إلى جانب جعفر وتناول قدحا وسمع عليه ألحانا وشرب ثم قال: والله ما ذقتها منذ عمري سوى في ساعتي هذه! هذا وجعفر قد تهلّل بقدومه وفعله وقال: يا سيّدي! لقد عطمت خطاك عليّ، وشققت والله على عبد بيتك! فهلاّ أمرتني بالمثول بين يديك لأمتثل أوامرك؟ فقال: أحببت زيارتك في محلّك، ولي حوائج إليك! فقال جعفر: ليأمر مولاي بمهما شاء ليقضى إن شاء الله! فقال: عليّ دين ألف ألف درهم! فقال جعفر: قد قضاها الله تعالى من مال أمير المؤمنين الرشيد! ثم ماذا! جعلت فداك! قال: إنّ ولدي عبد الله قد كبر وأحبّ الولاية، وأحبّ أن يعقد له على ما يليق بمثله! فقال جعفر: قد ولاّه أمير المؤمنين ما أحببت أنت له

стр. 2127

من سائر ما هو تحت طاعة أمير المؤمنين من الدنيا! ثم ماذا؟ فقال: وأحببت أن تكون له بأمير المؤمنين صلة فإنه أهل لذلك! فقال جعفر: وقد زوّجه أمير المؤمنين هارون الرشيد ابنته آمنة وأمهرها من عنده ألف ألف! ثم ماذا؟ فقال: قد تجاوز بك الإحسان فوق الظنّ فلله أنت! ثم نهض وشيّعه جعفر إلى باب الدار. قال الجاحظ، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: فعجبنا من إنعام جعفر لصالح في جميع ما طلب حتّى في زواج ابنة أمير المؤمنين من غير (١١٢) إذنه في ذلك، ثم قطعنا بقية يومنا في ألذّ عيش وأهنئه، ثم بكرّنا إلى دار الخلافة فبينا نحن جلوس على الباب ننتظر الإذن، وجعفر قد جاز إلى عند الرشيد ساعة لم نشعر إلاّ بالأموال وقد حملت إلى دار صالح، والبنود تخفق على رأس عبد الله ولده بولاية مصر. ثم عقد له على ابنة الرشيد في ذلك اليوم وكان يوما عظيما لم ير الناس مثله في الاحتفال! فلمّا كان عشيّة ذلك اليوم اجتمعنا بحضرة جعفر فقال: أما تسألونني ما كان من أمري مع الرشيد بسبب صالح وولده؟ فقلنا: والله لقد وددنا ذلك وهيبة الوزير تمنعنا من السؤال فيه! فقال: لمّا صرت عند أمير المؤمنين حكيت له أمر صالح وما كان منه وعبوره إلينا إلى حيث قال ألبسونا مما لبستم! فقال أمير المؤمنين: أحسن والله! ثم لمّا شرب فقال أمير المؤمنين: وأحسن والله ثمّ أحسن! فما كان منك إليه؟! فقلت: يا أمير المؤمنين! وهل لي يد تمتد إلى بيت الخلافة إلاّ بيد أمير المؤمنين؟! ذكر لي أنّ عليه ألفي ألف درهم فقلت: قد قضاها الله تعالى من مال أمير المؤمنين؛ فقال: أحسنت والله! قد أمرنا له بذلك! ثم ماذا؟ فقلت: واختار أن يولّي ولده عبد الله عملا من أعمال أمير المؤمنين! فقلت: قد ولاّه الله وأمير المؤمنين ما أحببت! فقال: أحسنت والله قد وليته مصر حربا وخراجا! قلت: وأحبّ أن تكون له صلة بأمير المؤمنين فعقدت له على آمنة ابنة أمير المؤمنين! فقال: أحسنت والله قد زوّجته ابنتي آمنة ومهرتها من عندي ألف ألف درهم! فقلت: وكذا والله ضمنت له يا أمير المؤمنين! فجرى الأمر على ما رأيتم. قال إسحاق: فعجبنا والله لهذا التمكين. (١١٣)

стр. 2128

ذكر سنة سبع وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي بالله. فيها خرج الليث بن الفضل إلى العراق، ووليها أحمد بن إسماعيل حربا. ومحفوظ على الخراج بحاله. وعبد الرحمن بن عبد الله العمري القاضي يومئذ بمصر. فيها كانت نكبة البرامكة سلخ المحرّم من هذه السنة. ذكر نكبة جعفر بن يحيى بن خالد وجميع آل برمك اختلف المؤرّخون في سبب كائنة جعفر المذكور ونكبة آل برمك اختلافا كثيرا فذهب كلّ منهم إلى ما اتّصل به وحقّقه ثم رواه. والقريب من ذلك ما رواه الطبري رحمه الله تعالى ثم ما رواه المسعودي رحمه الله تعالى في كتابه المعروف بمروج الذهب. وقد ذكرت ذلك في كتابي الذي ألّفته قبل هذا التاريخ وسمّيته بأمثال الأعيان وأعيان الأمثال، وحذوت فيه حذو كليلة ودمنة، وأقمت مقام كلّ حكاية من حكاياته واقعة من نكت التاريخ تليق في مكانها، وجعلته اثنتي عشرة محاضرة، وأسّست بناءه على إقامة اسمين مجهولين أحدهما على صورة تنّين وسمّيته بناطق الطنين، والآخر صورة ثعلب وسمّيته

стр. 2129

حاذق الأمين. واخترعت فيه من المحاضرات ما يلتذّ بها السامع التذاذ المسرف بالمسكرات، وأثبتّ فيه كائنة البرامكة من رواية المسعودي فلا أذكرها في هذا التاريخ حرمة لذلك الكتاب المقدّم ذكره، وخشية (١١٤) أن يتكرّر الكلام فيما ألفته، فيقع الخطأ، ويعود من عيوب الشعر بمنزلة الإيطاء. وعلى الجملة فإنّ المؤرّخين أجمعوا أنّ سبب نكبتهم أخت الرشيد. فمنهم من ادّعى أنّ اسمها العبّاسة. ومنهم من قال ميمونة؛ وكان الرشيد يحبّها ولا يطيق الصبر عنها، وكذلك جعفر في منزلتها عنده في المحبّة فقصد أن يعقد له عليها لتحلّ له بالنظر وأوصاه أن لا يطمع نفسه منها بغير النظر. وكان كلّ من في القصر لا يحجب عن جعفر إلاّ زبيدة أمّ الأمين وهي تكنّى أمّ جعفر؛ وكانت تكره جعفرا ويحيى وجماعة البرامكة، وكانوا يحصرون عليها نفقاتها وإنعاماتها، ولا يجيزون أوامرها فشكت ذلك للرشيد فقال ليحيى: يا أبه! إنّ أمّ جعفر تشكو منك! فقال: أمتّهم أنا يا أمير المؤمنين؟ فقال: معاذ الله! فقال: فلا يرجع أمير المؤمنين لأقوال النساء! ثم قوّى يحيى وجعفر الاحتجاز عليها فقلقت لذلك ولم تطق الصبر عليه؛ وكان الرشيد قد غزا في تلك السنة الروم وغاب مدّة وترك جعفر وراءه. فلمّا قدم الرشيد قال لزبيدة: لو وجدت من يعرّفني ما كان فعل جعفر في قصري! أنا متعوب وهو مستريح! فقالت: يا أمير المؤمنين! أرجو أنّ الزمام يحدّثك! فاستدعى بمسرور وجلس جلسة الغضب وقال: حدّثني ما فعل جعفر في قصري! فقال: يا أمير المؤمنين! لا علم لي إلاّ أنّ الساعة دفعت إليّ أختك ميمونة هذه الرقعة وقالت: ادفعها لجعفر! ففضّها فإذا فيها مكتوب (من الطويل): عزمت على قلبي بأن يكتم الهوى ... فصاح وأنبا إنني غير فاعل (١١٥) من ميمونة المتيّمة بالهوى إلى سيّدها جعفر الذي بيده الداء والدواء.

стр. 2130

فقال الرشيد: ويلك! أو كان بينهما أمر قبل هذا؟! فقال: يا أمير المؤمنين! رزقت منه ولدين اسم أحدهما حسنا والآخر حسينا وهي الآن حامل وأنت زوّجتها به وأذنت لها في الاجتماع به! فقال الرشيد: نعم على غير هذا كان! قال الطبري ﵀؛ قال مسرور: فأمرني بضرب عنق أرجوان الزمام الذي كان على باب أخته ثم قال: عليّ بعشرة فعلة فأتيت بهم فأمر بحفر سرداب عميق ثم دخل فوجد أخته ميمونة في الحليّ والحلل تتجلّى كالطاووس الذكر فأمر بها فكتّفت بشعرها ثم أحضر ولديها فذبحهما في حجرها وجعلها في صندوق وولديها معها وأقفله وأمر بحمله فحملته الفعلة إلى السرداب فألقاه فيه ثم أمرني فضربت رقاب الفعلة خيفة أن يشيع الخبر بين العامّة ففعلت وألقوا في الحفيرة. ثم أصبح وجلس مع زبيدة فقال لها: كيف حالي مع البرامكة! قالت: أغريقا في بحر كنت؟! قال: نعم! قد كنت كذلك، ولكن قد أفقت الآن! فقالت زبيدة: إني أخاف عليك إذا خرج جعفر إلى خراسان، وكان خارجا بالغد إلى خراسان يكشف أحوالها ويجمع أموالها. فلمّا كان ذلك الغد خرج فجلس مجلسا عاما. قال يحيى بن أكثم: دخلت على الرشيد في ذلك اليوم فرأيت الشرّ لائحا عليه فنظر إليّ وقال: يا ابن أكثم! أنظر إلى الخيل كيف وجوهها إلى باب جعفر وأذنابها إلى أبوابنا! فقلت: يا أمير المؤمنين! ومن جعفر؟ (١١٦) رجل من بعض خدمك! فقال لي: يا أكثم! هذا هو الاستخفاف! والله لا صبرت على هذا! ثم تنفّس تنفّسا شديدا وفي نفسه أمر عظيم. قال الواقدي-وهو من علماء التاريخ-:ودخل عليه في ذلك النهار جعفر يستأذنه في الخروج. وقيل إنه كان عقد له اللواء على خراسان وقلّده وولاّه-هذا من رواية الواقدي ﵀. وقال الدولابي: بل كان متوجّها لكشف أحوالها كما قد تقدّم من القول في ذلك. فقال الرشيد: ليس بالرأي خروجك يوم الجمعة ولكن يكون يوم السبت من الغد فهذا يوم مذموم في الاصطرلاب! فلم يرجع جعفر لقوله بل قام وتناول الاصطرلاب وأخذ الطالع

стр. 2131

وحسب-وكان فاضلا عالما جدا؛ فقال: صدقت-والله-يا أمير المؤمنين هو كما ذكرت! ثم خرج من عنده. قال مسرور: فاستدعاني الرشيد وقال لي: اضرب لي القبة الحمراء في وسط القصر وضع فيها الدست المذهّب والإبريق ففعلت. فلمّا مضى من الليل شطره طلبني وقال: إمض في هذه الساعة إلى جعفر وقل له: قد وصلت خريطة من خراسان ولم يقرأها أمير المؤمنين حتّى تحضر، فهل لك في الحضور؟ قال مسرور: فمضيت لما أمرني به ودخلت على جعفر وهو في مضجعه فقال: ليس لي معه لا نوم ولا قرار، ما الخبر؟ فعرّفته فلمّا سمع بأمر خراسان نهض فأفرغ عليه ماء ثم لبس أفخر الثياب وخرج ومعه ألف مملوك بالمناطق الذهب. وكان جعفر قد اشتمّ بعض خبر فكان شديد الحرص على نفسه، وكان الرشيد قد أمر البوّابين والحجّاب مع جماعة كبيرة رتّبهم معهم مختفين أن لا (١١٧) يمكّنوا أحدا ممن يصحبه جعفر من العبور معه؛ وكان من عادته أنه لا يلتفت إلى خلفه أبدا. فلمّا وصلنا إلى القصر دخل جعفر مسرعا فلم يشعر بنفسه إلاّ وهو وحده فالتفت إليّ وقد فهم ما يراد به فقال: يا مسرور! هذا وقت الصنيعة راجع فيّ أمير المؤمنين فإن أمر برأسي فلك ذلك وإلاّ فأكون عتيقك، ولك من الأموال سبعين قفلا من عين، والله على ما أقول وكيل! قال مسرور: فرحمته وتركته محتفظا به، ودخلت على الرشيد فلمّا رآني غضب وقال: ويلك! أين رأس جعفر؟ إن كنت عجزت عنه فعندي من هو أشدّ منك يأخذ رأسك ورأسه! قال؛ فخرجت مسرعا فوجدت جعفر يصلّي فضربت عنقه في سجوده، وجعلت رأسه في الطست، وغطّيتها بالمنديل الذهب ثم دخلت بها إلى الرشيد فلمّا رآها بكى وأغمي عليه ساعة ثم قال: يا مسرور! أما كنت ترفق به؟ أما كنت تعلم أنه كان يحبّك ويعرف مقدارك؟ ثم بكى وأغمي عليه ثانية فلمّا أفاق قال: يا جعفر! خوّلناك ورفعناك وائتمنّاك فلم تف لنا ففعلنا بك ما تستحقّ! ثم قال: يا مسرور! عليّ بالأمين والمأمون وابن حميد متولّي بغداد فأشخصتهم فقال: تركبون في هذه الساعة إلى منازل

стр. 2132

البرامكة فيقتلون بأسرهم إلاّ يحيى بن خالد والفضل ولده يصفّدا ويحضرا ثم تخرّب جميع منازلهم وتحرّق بالنيران حتى تصير دكا. قال مسرور: فلم يطلع الفجر حتى قتل ألف ومائتي وزير وكاتب ومستصحب ثم نقلنا الأموال وخرّبنا الآدر، وقسّم جعفر نصفين (١١٨) وصلب نصفه بالجانب الغربي، ونصفه بالجانب الشرقي، ونصبت رأسه على باب القصر. وأمر بالفضل بن يحيى ويحيى أبوه إلى السجن. انتهى كلام الواقدي ﵀ في خبر البرامكة ممّا رواه الطبري، والله أعلم. ذكر سنة ثمان وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ذراعان وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد. ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي. وأحمد بن إسماعيل على الحرب بمصر، ومحفوظ على ضمان الخراج بها. والقاضي عبد الرحمن العمري بحاله مستمرّ. وأمّا ما ذكره المسعودي في قتلة جعفر فقد تقدّم القول إنّ العبد أثبت جميع ذلك مفصّلا في كتابه المعروف بأمثال الأعيان وأعيان الأمثال. ولنذكر منه هاهنا كلاما مجملا. قال المسعودي إنّ الرشيد لمّا عقد لأخته العبّاسة على جعفر لتحلّ له بالنظر لم يرفع جعفر رأسه إليها قطّ ولا تمقّل لها وجها أبدا.

стр. 2133

وكان جعفر جميلا بارعا في الجمال، لذيذ المفاكهة، راويا من كلّ فنّ، جامعا لسائر العلوم والآداب؛ فأحبّته أخت الرشيد محبة ما عليها مزيد وراسلته فامتنع ونهر رسولها وتهدّده فلمّا يئست منه احتالت عليه بأمّه وصحبتها حتّى ملكت قلبها ولم تزل بها في حديث طويل أثبتّه بكماله في ذلك الكتاب-حتّى احتالت على ولدها جعفر وأوهمته أنها جارية شرتها وعلّقت قلبه بذكرها ورصدته حتّى أتى ليلة من عند الرشيد وقد طفح به السكر، وكانت أخت الرشيد قد تنكّرت في تلك الليلة وحضرت إلى عند أمّ جعفر (١١٩) فأخلتها معه وهو يظنّ أنها تلك الجارية التي وعدته أمّه بها فواقعها فوجدها بكرا فلمّا نهض عنها قالت له: كيف رأيت حيل بنات الملوك؟ فقال: وأيّ بنات الملوك أنت؟! فقالت: أنا زوجتك العبّاسة أخت مولاك أمير المؤمنين! فعندما سمع ذلك سقط إلى الأرض ولم تحمله ركبتاه وقال: والله لقد عملت على خراب بيوت آل برمك إلى آخر الأبد! ثم إنها علقت منه وولدت واستمرّ أمرها معه، واحتسبت لا يعلم بأمر ولدها فأنفذته إلى المدينة النبوية على ساكنها السلام. ثم إنّ زبيدة نمّت عليها وعلى جعفر لبغضها في آل برمك، وعرّفت الرشيد ما كان من جعفر وأخته سرا فحجّ في تلك السنة وتوقّع على الولد حتّى ظفر به وصحّح الخبر وكتم أمره حتّى أوقع بجعفر. وقال المسعودي في قتلة جعفر إنها كانت بسرّ من رأى في المخيّم، وإنّ الرشيد خرج مع جعفر ليودّعه عند مسيره إلى خراسان، وإنه جلس تلك الليلة التي قتله فيها مع الرشيد على مجلس الشراب وعاد الرشيد يشرب نصف الكأس ويعطيه لجعفر ويتناول أيضا منه نصف كأسه فيشربه منه، وجعل فخذه على فخذه ولم يزالا كذلك حتّى نهض جعفر يريد المضيّ إلى

стр. 2134

مخيّمه فقام الرشيد لقيامه ومشى معه خطوات وجعفر يعزم عليه في ردوده إلى مرتبته ويقبّل يديه، ولم يزل حتّى شيّعه إلى باب القبّة ثم عانقه وقبّله ورشفه وبكى وبكى جعفر أيضا ساعة ثم عاد الرشيد وجلس وأمر بحضور شرار الخادم؛ وكان هذا شرار بشع المنظر، وكان جعفر يكرهه وإذا أراد الرشيد أن يمزح مع جعفر يدع شرارا هذا يأتي إليه (١٢٠) ويداعبه ويعبث به، وكان جعفر يكرهه أشدّ كره؛ قال؛ فلمّا عاد الرشيد إلى مرتبته أحضر شرارا وقال له: يا شرار! إني قد انتدبتك لأمر لم انتدب فيه الأمين والمأمون! قال؛ فقبّل شرار الأرض وقال: الله الله يا أمير المؤمنين! والله لو أمرتني أن أنحر نفسي بيدي لفعلت ذلك! فقال: أما نظرت إلى ما كان مني في هذه الليلة إلى جعفر؟! قال: بلى يا أمير المؤمنين! فقال: إفهم كلامي ولا تظنّ أنّ بي ثملا من شراب! فقال: أعوذ بالله! يأمر أمير المؤمنين بما شاء! قال؛ فناوله ... من على ركبته وقال: إمض في هذه الساعة واطلب جعفرا وقل أجب أمير المؤمنين بسرعة في شيئ سهى عنه وقد تفكّره ليوصيك بعمله فإنه سيقوم معك فإذا صار في باب الدهليز اضرب عنقه وأتني برأسه في الطست الذهب! قال؛ فارتعدت رجلا العبد وبهت فلمّا رآه الرشيد كذلك قال: يا شرار! وتربة المهدي والمنصور لئن لم تأتني هذه الساعة برأس جعفر لا ضربنّ رأسك! قال؛ فخرج شرار وأحضر جعفرا وهو يظنّ أنه أنفذه ليمازحه فوصل إلى باب الدهليز وهو يشتم شرارا ويسبّه فلمّا فهم المراد به قال: يا شرار! عاود في أمير المؤمنين، وتثبّت في أمرك، ولك عندي خزائن الأموال! وها أنا قد حصلت فادخل عليه فإن رأيته مصمّما على ما أمرك فافعل، وإن رأيته عاوده الندم والغلط تكون قد فعلت مراده، وأعود عتيقك! قال؛ فدخل شرار فلمّا رآه الرشيد قال: ويلك! وأين رأس جعفر؟! وصرخ حتّى سمعه جعفر فخرج شرار فضرب عنقه وأحضر <رأسه> في الطست فلمّا رآه بكى وأغمي عليه ساعة ثم أفاق فقال: يا

стр. 2135

مسرور! فأجابه فقال: إضرب رأس شرار فإني لا أطيق أنظر قاتل جعفر! قال؛ ففعل ذلك! (١٢١) قلت؛ ما أحسن من قال: أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. وكقولهم: شبه أصحاب السلطان كقوم رقوا إلى جبل ثم سقطوا فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم في المرقى وشبّهوا صاحب السلطان كراكب الأسد؛ يهابه الناس <لموضعه> وهو لمركوبه أهيب. وقد قيل (من المتقارب): بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإيّاك والدرج العاليه وكن في منزل إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه ومما حفظ من كلام جعفر بن يحيى قوله: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم. وقوله: إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عناء، وإذا كان الإيجاز مقصّرا كان الإكثار أبلغ. وقوله: الخراج عمود، الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور. ووقّع إلى بعض العمال بدكين: كثر شاكوك وقلّ شاكروك، وترادف متظلّموك، وكثر بالشرّ ذاكروك؛ فإمّا اعتدلت وإمّا اعتزلت. والسلام. ووقّع أيضا: بئس الزاد إلى يوم المعاد العدوان على العباد.

стр. 2136

ذكر سنة تسع وثمانين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد. ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي. وعزل أحمد بن إسماعيل عن حرب مصر، وولي عبد الله بن محمد بن إبراهيم. ومحفوظ على الخراج. وعبد الرحمن العمري قاض بحاله. وفيها استكتبت الرشيد إسماعيل (١٢٢) بن صبيح من غير أن يطلق عليه اسم الوزارة. ومن كلام الرشيد له يقول: إيّاك يا ابن صبيح والدالّة فإنها تفسد الحرمة ومنها أتي البرامكة. قال المسعودي ﵀ في كتابه، قال مسرور، كنت ببغداد لمّا خرج الرشيد إلى وداع جعفر بسرّ من رأى؛ وكان يحيى بن خالد لم يخرج من بغداد مع ولده لوجع كان يعتريه فركبت إليه لأعوده فوجدت بغلة النوبة مشدودة على باب منزله ثم دخلت إلى يحيى فوجدته جالسا وبين يديه بناكيم الرمل والدوائر والاصطرلابات والتقويم وكتب عدّة في علم النجوم وهو ساعة ينظر في

стр. 2137

الاصطرلاب وساعة ينظر في غيره بحيث دخلت عليه ولم يحسّ بي؛ فلمّا سلّمت ردّ السلام وهو في اهتمامه فقلت: أيها الوزير! إنني لمّا أتيت وجدت بغلة النوبة مسرجة فسررت بعافية الوزير ثم دخلت فوجدتك مهتما فيما أنت فيه فقال: يا أبا البشر! إنّ لذلك سببا! قلت: وما هو؟ أصلح الله الوزير! قال: رأيت البارح فيما يرى النائم كأنّي راكب هذه البغلة وأنا على شاطئ دجلة وكأنّ قائلا يقول من الجانب الآخر هذا البيت (من الطويل): كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر قال؛ فالتفت إليه وضربت بيدي عجز البغلة وقلت (من الطويل): نعم نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر ثم انتبهت فزعا منذ الثلث الأخير فأحضرت ما ترى ونظرت فإذا الأمر قد قرب! قال مسرور: فلم يتمّ لي كلامه حتّى وقعت الضجّة وهجم عليه فقال لي: يا مسرور! هكذا تقوم القيامة! (١٢٣) ومما حفظ من كلام يحيى بن خالد: النيّة الحسنة مع العذر الصادق يقومان مقام النجح. وقوله: إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة. وقوله: من أحسنت إليه فأنا مرتهن به، ومن لم أحسن إليه فأنا مخيّر فيه. وقوله: أحسن ما يكون الحسن بتجنّب القبيح. وقوله: ذكر النعمة من المنعم تكدير، ونسيان المنعم عليه كفر. وقوله: ثلاثة تدلّ على عقول أصحابها الرسول والكتاب والهدية. وقوله: ما أحد يرى في ولده ما يحبّ إلاّ رأى في نفسه ما يكره.

стр. 2138

ذكر سنة تسعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا، وسبعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بن محمد المهدي. وعزل <عبد الله بن> محمد بن إبراهيم ومحفوظا؛ وولّى الخصيب بن عبد المجيد الخراج، والحسين بن جميل الحرب والقاضي العمري بحاله. وقيل إنه بعد فعله بالبرامكة ما فعل ساء تدبيره، وانعكس عليه مراده، واختلّت أحوال كثيرة مما كانت مستقيمة في أيام البرامكة. وفيها حجّ الرشيد فإنه كان يغزو عاما ويحجّ عاما؛ فكتب إليه يحيى بن خالد من السجن يستعطفه ويقول (من مجزوء الكامل): قل للخليفة ذي الصنا ... ئع والعطايا الفاشيه وابن الخلائف من قر ... يش والملوك الهاديه يا ابن الملوك وخير من ... ساس الأمور الماضيه إنّ البرامكة الذين سخطتهم ... ورميتهم بالداهيه عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقيه

стр. 2139

من لي وقد غدر الزما ... ن بمادّتي وحماتيه من لي وقد غضب الإما ... م على جميع رجاليه يا عطفة الملك الرضى ... عودي إلينا ثانيه (١٢٤) وهي طويلة وهذا ملخّصها. فلمّا وقف عليها الرشيد قال: أو بقي ليحيى عقل يقول به الشعر؟! والله لأشغلنّه عن ذلك! ثم كتب إليه بخطّه: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ الآية؛ وكتب تحت ذلك هذه الأبيات (من مجزوء الكامل): يا آل برمك إنّما ... كنتم ملوكا عاتيه فكفرتم وعصيتم ... وجحدتم نعمائيه عدتم كشيئ قد مضى ... أحلام قوم ماضيه ذكر سنة إحدى وتسعين ومائة النيل المبارك في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي. وعزل الخصيب عن خراج مصر، وضمّه إلى الحسين بن جميل مع الحرب. واستعفى القاضي عبد الرحمن العمري فلم يعف وهو مستمرّ على قضائه. فيها توفّي يحيى بن خالد البرمكي بالسجن. وكان قد توفّي قبله ولده

стр. 2140

الفضل بسبعة أيام؛ وسبب ذلك؛ روي أنّ يحيى بن خالد لمّا كتب تلك الأبيات المقدّم ذكرها وأجابه الرشيد عنها بما تقدّم من القول في ذلك أمهله قليلا؛ وكان البرد قد أقبل؛ فكتب إلى الرشيد يستعطفه ويستوهب منه ملبوسا للفضل ولده يلقى به برد السجن! فلمّا وقف عليها الرشيد طلب أربعة خدّام ودفع إليهم سياطا رديّة وأمرهم أن يتوجّهوا إلى السجن والسياط ملفوفين في بقجة (١٢٥) فيفرغوها بين يدي يحيى ويقولون له: ها قد أنفذ لولدك ما يدفئ جلده! ثم يضربون الفضل قدّام يحيى أربع مائة سوط. فلمّا قدموا السجن ودخلوا على يحيى ونظر البقجة ظنّ أنّ ذلك ملبوس، وأنّ الرشيد رقّ لهما! فلمّا فعلا ما أمروا به وضربوا الفضل وطرحوه وقد غاب عن الدنيا وتوجّهوا إلى الرشيد فأقام الفضل لا يعقل ولا يعي فطلب يحيى السجّان وسأله أن يحضره جرائحيا فرقّ لهما السجان وأمهل إلى الليل وأحضر جرائحيا كان جارا للسجّان فلمّا كشف عن ضرب الفضل هوّن الأمر عليه وقال: هذا يفيق ويبرا غير أني أريد منك أن تساعدني في قبولك الغداء وشرب الشراب! وعاد ذلك الجرائحي يصنع في بيته له المصاليق ويأتيه بالأشربة بيده. ثم إنه ذات يوم كشف عن ضربه ثم دار بوجهه إلى القبلة وسجد شكرا لله تعالى ثم قال ليحيى: أبشر يا سيّدي بسلامة ولدك فإنني لمّا كشفته أول يوم كان إلى التلف أقرب منه إلى السلامة! ولم أقل ذلك القول إلاّ لتقوى نفسه، والآن فقد زال ما كنت أحذر. وذلك أنّ الذين ضربوه كانوا جهّالا بالضرب فلمّا استقلّ الفضل من ضربه وقد بالغ الجرائحيّ في خدمته بكلّ ما اتصلت قدرته إليه اشتور يحيى والفضل وكتب الفضل قطعة
следующие страницы →