Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
ذكر سنة تسع وثمانين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي. وعزل أحمد بن إسماعيل عن حرب مصر، وولي عبد الله بن محمد بن إبراهيم. ومحفوظ على الخراج.
وعبد الرحمن العمري قاض بحاله.
وفيها استكتبت الرشيد إسماعيل (١٢٢) بن صبيح من غير أن يطلق عليه اسم الوزارة. ومن كلام الرشيد له يقول: إيّاك يا ابن صبيح والدالّة فإنها تفسد الحرمة ومنها أتي البرامكة.
قال المسعودي ﵀ في كتابه، قال مسرور، كنت ببغداد لمّا خرج الرشيد إلى وداع جعفر بسرّ من رأى؛ وكان يحيى بن خالد لم يخرج من بغداد مع ولده لوجع كان يعتريه فركبت إليه لأعوده فوجدت بغلة النوبة مشدودة على باب منزله ثم دخلت إلى يحيى فوجدته جالسا وبين يديه بناكيم الرمل والدوائر والاصطرلابات والتقويم وكتب عدّة في علم النجوم وهو ساعة ينظر في
стр. 2137
الاصطرلاب وساعة ينظر في غيره بحيث دخلت عليه ولم يحسّ بي؛ فلمّا سلّمت ردّ السلام وهو في اهتمامه فقلت: أيها الوزير! إنني لمّا أتيت وجدت بغلة النوبة مسرجة فسررت بعافية الوزير ثم دخلت فوجدتك مهتما فيما أنت فيه فقال: يا أبا البشر! إنّ لذلك سببا! قلت: وما هو؟ أصلح الله الوزير! قال:
رأيت البارح فيما يرى النائم كأنّي راكب هذه البغلة وأنا على شاطئ دجلة وكأنّ قائلا يقول من الجانب الآخر هذا البيت (من الطويل):
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
قال؛ فالتفت إليه وضربت بيدي عجز البغلة وقلت (من الطويل):
نعم نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
ثم انتبهت فزعا منذ الثلث الأخير فأحضرت ما ترى ونظرت فإذا الأمر قد قرب! قال مسرور: فلم يتمّ لي كلامه حتّى وقعت الضجّة وهجم عليه فقال لي:
يا مسرور! هكذا تقوم القيامة! (١٢٣)
ومما حفظ من كلام يحيى بن خالد: النيّة الحسنة مع العذر الصادق يقومان مقام النجح. وقوله: إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة. وقوله: من أحسنت إليه فأنا مرتهن به، ومن لم أحسن إليه فأنا مخيّر فيه. وقوله: أحسن ما يكون الحسن بتجنّب القبيح. وقوله: ذكر النعمة من المنعم تكدير، ونسيان المنعم عليه كفر. وقوله: ثلاثة تدلّ على عقول أصحابها الرسول والكتاب والهدية. وقوله: ما أحد يرى في ولده ما يحبّ إلاّ رأى في نفسه ما يكره.
стр. 2138
ذكر سنة تسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا، وسبعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الرشيد بن محمد المهدي. وعزل <عبد الله بن> محمد بن إبراهيم ومحفوظا؛ وولّى الخصيب بن عبد المجيد الخراج، والحسين بن جميل الحرب والقاضي العمري بحاله.
وقيل إنه بعد فعله بالبرامكة ما فعل ساء تدبيره، وانعكس عليه مراده، واختلّت أحوال كثيرة مما كانت مستقيمة في أيام البرامكة. وفيها حجّ الرشيد فإنه كان يغزو عاما ويحجّ عاما؛ فكتب إليه يحيى بن خالد من السجن يستعطفه ويقول (من مجزوء الكامل):
قل للخليفة ذي الصنا ... ئع والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قر ... يش والملوك الهاديه
يا ابن الملوك وخير من ... ساس الأمور الماضيه
إنّ البرامكة الذين سخطتهم ... ورميتهم بالداهيه
عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقيه
стр. 2139
من لي وقد غدر الزما ... ن بمادّتي وحماتيه
من لي وقد غضب الإما ... م على جميع رجاليه
يا عطفة الملك الرضى ... عودي إلينا ثانيه
(١٢٤) وهي طويلة وهذا ملخّصها. فلمّا وقف عليها الرشيد قال: أو بقي ليحيى عقل يقول به الشعر؟! والله لأشغلنّه عن ذلك! ثم كتب إليه بخطّه: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ الآية؛ وكتب تحت ذلك هذه الأبيات (من مجزوء الكامل):
يا آل برمك إنّما ... كنتم ملوكا عاتيه
فكفرتم وعصيتم ... وجحدتم نعمائيه
عدتم كشيئ قد مضى ... أحلام قوم ماضيه
ذكر سنة إحدى وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الرشيد بالله بن محمد المهدي. وعزل الخصيب عن خراج مصر، وضمّه إلى الحسين بن جميل مع الحرب. واستعفى القاضي عبد الرحمن العمري فلم يعف وهو مستمرّ على قضائه.
فيها توفّي يحيى بن خالد البرمكي بالسجن. وكان قد توفّي قبله ولده
стр. 2140
الفضل بسبعة أيام؛ وسبب ذلك؛ روي أنّ يحيى بن خالد لمّا كتب تلك الأبيات المقدّم ذكرها وأجابه الرشيد عنها بما تقدّم من القول في ذلك أمهله قليلا؛ وكان البرد قد أقبل؛ فكتب إلى الرشيد يستعطفه ويستوهب منه ملبوسا للفضل ولده يلقى به برد السجن! فلمّا وقف عليها الرشيد طلب أربعة خدّام ودفع إليهم سياطا رديّة وأمرهم أن يتوجّهوا إلى السجن والسياط ملفوفين في بقجة (١٢٥) فيفرغوها بين يدي يحيى ويقولون له: ها قد أنفذ لولدك ما يدفئ جلده! ثم يضربون الفضل قدّام يحيى أربع مائة سوط. فلمّا قدموا السجن ودخلوا على يحيى ونظر البقجة ظنّ أنّ ذلك ملبوس، وأنّ الرشيد رقّ لهما! فلمّا فعلا ما أمروا به وضربوا الفضل وطرحوه وقد غاب عن الدنيا وتوجّهوا إلى الرشيد فأقام الفضل لا يعقل ولا يعي فطلب يحيى السجّان وسأله أن يحضره جرائحيا فرقّ لهما السجان وأمهل إلى الليل وأحضر جرائحيا كان جارا للسجّان فلمّا كشف عن ضرب الفضل هوّن الأمر عليه وقال: هذا يفيق ويبرا غير أني أريد منك أن تساعدني في قبولك الغداء وشرب الشراب! وعاد ذلك الجرائحي يصنع في بيته له المصاليق ويأتيه بالأشربة بيده. ثم إنه ذات يوم كشف عن ضربه ثم دار بوجهه إلى القبلة وسجد شكرا لله تعالى ثم قال ليحيى: أبشر يا سيّدي بسلامة ولدك فإنني لمّا كشفته أول يوم كان إلى التلف أقرب منه إلى السلامة! ولم أقل ذلك القول إلاّ لتقوى نفسه، والآن فقد زال ما كنت أحذر. وذلك أنّ الذين ضربوه كانوا جهّالا بالضرب فلمّا استقلّ الفضل من ضربه وقد بالغ الجرائحيّ في خدمته بكلّ ما اتصلت قدرته إليه اشتور يحيى والفضل وكتب الفضل قطعة
стр. 2141
قرطاس وختمها وأعطاها للجرائحي ودلّه على شخص في مكان ببغداد يوصل تلك الرقعة إليه. فظنّ الجرائحيّ أنها ضرورة له فلمّا أحضرها لذلك الرجل وقرأها بكى حتّى أغمي عليه ثم نهض وأقبل ومعه كيس فيه ألف دينار فقال للجرائحي: خذ يا مولاي هذه الدنانير تصرّف (١٢٦) فيها! واقبل العذر في هذا الوقت! فلمّا رآها الجرائحيّ، وسمع ذلك منه شخر وقال: والله لو علمت أنّ إنفاذي لهذا لما أتيت إليك! وقفز مغضبا وأتى بيته، وانقطع عن الفضل وتحيّل ذلك الرجل حتى أعاد الجواب إلى الفضل بما كان من أمر الجرائحيّ.
فقال الفضل: لا حول ولا قوة إلاّ بالله استقلّ الرجل ما أعطي، ولم يعلم أنّه لم يبق لنا شيئ! ثم أنفذ خلفه ولا طفه وقال: والله لم يدع لنا الرشيد ما إذا قصدنا أن يبلغنا ليلة واحدة فنجده! وإنما هذا الذي أعطاك رجل كنّا أسدينا إليه خيرا فقصدناه؛ وها هو قد جعلها ألفي دينار! فأنعم أيّها الرجل عليّ بقبول ذلك- وهو يحدّثه وقد أخرج الجرائحيّ من جرمدانه موسى أمضى من القضاء وأمسك بلحية نفسه، وجعل الموسيّ على نحره وقال: وحقّ ربّ البرية إن عاودتني في شيئ من هذا الكلام ذبحت نفسي بيدي! أتظنّ يا مولاي أنّني استقللت ذلك؟! لا والله! وإنّما والله لا أخذت على خدمتي لك جزاء أبدا ولو ملو الأرض ذهبا، فلا تعاودني أتلف نفسي بين يديك! قال؛ فتعجّب الفضل ويحيى لغزارة مروءة ذلك الرجل. فلمّا خلا الفضل بأبيه يحيى قال: يا أبة! كم تظنّ أنّنا لنا من الصنائع على الناس؟ والله إن صنيعة هذا الحجّام أعظم من كلّ شيئ فعلناه! قال؛ فبلغ ذلك آل الربيع-وكانوا قد تمكّنوا من الرشيد بعد آل برمك-فوشوا بجميع ذلك للرشيد وقالوا: يا أمير المؤمنين! أليس يحيى بن خالد يزعم أنه لم يبق شيئ حتّى أنفذ يستعطي من أمير المؤمنين ملبوسا لفضل؟ ها هو قد أنعم
стр. 2142
على رجل جرائحيّ ألفي دينار! وإنما أموالهم مودعة عند الناس! (١٢٧) قال؛ ففحص الرشيد عن ذلك فلمّا حقّقه أمر بصلب ذلك الرجل والجرائحيّ والسجّان، وأنفذ إلى الفضل فضرب ضرب التلف فأقام يوما أو بعض يوم، وتوفّي إلى رحمة الله تعالى. فبقي بعده يحيى سبعة أيام وتوفّي! رحمهما الله تعالى. ووجد تحت وسادته قطعة كاغد فيها مكتوب: قد تقدّم الخصم إلى بين يدي الحاكم العدل، والغريم على الأثر، والموعد المحشر ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.قال فلمّا قرأها الرشيد بكى حتّى تحدّرت دموعه على لحيته. والله أعلم.
قلت: وجدت هذه الحكاية في بعض المجاميع فاستنسختها على ما هي عليه، والعهدة في ذلك على ناقلها من الأصل.
ذكر سنة اثنتين وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الرشيد بن محمد المهدي. وعزل الحسين بن جميل، وولي مالك بن دلهم حرب مصر وخراجها. والقاضي العمري بحاله.
روى <محمد بن ظفر في كتابه المسمّى بنجباء الأبناء. ومحمد هذا
стр. 2143
صاحب كتاب سلوان المطاع أيضا رحمه الله تعالى> عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قال: كانت عتابة أمّ جعفر بن يحيى بن خالد تزور أمّي بعد نكبة البرامكة بمدة طويلة، وكانت لبيبة من النساء حازمة برزة فصيحة.
فكان يعجبني أن أجدها عندها فأستكثر من حديثها فقلت لها يوما: يا أمّ! إنّ بعض الناس يفضّل جعفرا على الفضل، وبعضهم يفضّل الفضل على جعفر! فقالت:
ما زلنا نعرف الفضل للفضل! فقلت: أكثر الناس على خلاف (١٢٨) هذا! قالت: أنا أخبرك عنهما واقض أنت! قال؛ فقلت: هات! وذلك الذي أردت منها. فقالت: كان الفضل وجعفر يلعبان في داري فدخل أبوهما فدعا بالغداء وأحضرهما فطعما معه وأقبل عليهما يؤنسهما بحديثه فقال: أتلعبان بالشطرنج؟ فقال جعفر-وكان أجرأهما-:نعم! فقال له: هل لاعبت أخاك بها؟ فقال جعفر: لا! قال: فإذا فرغنا من غدائنا فالعبا بين يديّ حتّى أرى اللعب لمن منكما؟ فقال جعفر: نعم! فلمّا رفع الطعام جيء بالشطرنج وصفّت بينهما فأقبل عليها جعفر وأعرض عنها الفضل فقال له أبوه: ما لك يا بنيّ لا تلاعب أخاك؟ فقال: لا أحبّ ذلك! فقال جعفر: إنه يرى أنه ألعب مني، وأنا ألاعبه مخاطرة! فقال الفضل: لا أفعل! فقال أبوه: لاعبه وأنا معك! فقال جعفر: نعم! فقال الفضل: لا! واستعفى أباه فأعفاه. ثم قالت لي عتابة: قد حدّثتك عنهما فاقض! فقلت: قد قضيت لجعفر! فقالت: يا بنيّ! لو عرفت أنك لا تحسن القضاء ما حكّمتك! فقلت لها: وما الذي أنكرت من قضائي؟ فقالت: ألم تر أنّ جعفرا قد سقط فيما حكيت لك أربع سقطات تنزّه الفضل عنهنّ؟! فقلت لها: في ماذا سقط؟ فقالت: سقط أولا حين قال إنه يلعب بالشطرنج-فاعترف عند أبيه بالهزل وكان أبوه صاحب جدّ. قلت: هذه واحدة. قالت: وسقط في التزام ملاعبة أخيه، وفي ذلك إظهار الشهوة لغلبه والتعرّض لغضبه. فقلت:
وهذه ثانية. فقالت: وسقط في قوله ألاعبه مخاطرة؛ وأخبر عن نفسه بالمقامرة،
стр. 2144
وأظهر الحرص على انتزاع مال أخيه. (١٢٩) قلت: وهذه ثالثة. قالت:
والسقطة العظمى وهي قاصمة الظهر حيث قال أبوه لأخيه: لاعبه وأنا معك فقال أخوه لا فقال هو نعم فناصب أباه وأخاه وغالبهما! قال؛ فقلت لها: والله لقد أصبت وأحسنت يا أمّاه وإنك لأقضى من الشعبيّ! ثم قلت: عزمت عليك هل خفي هذا على مثل جعفر؟ وقد ظهر ذلك لأخيه الفضل؟! فقالت: يا بني! لولا العزمة لما أخبرتك! إنّ أباهما لمّا خرج خلوت بالفضل فقلت له: ما منعك من إدخال السرور على أبيك بملاعبة أخيك؟ قال: منعني منه أمران أحدهما أني لو لاعبته لغلبته ولو غلبته لأخجلته، والثاني قول أبي: لاعبه وأنا معك، وما يعجبني أن يكون أبي معي على أخي. قالت: ثم إني خلوت بجعفر فقلت له:
يا بني! أيقول أبوك أتلعب بالشطرنج فتقول نعم وقد امتنع منها أخوك؟ فتسم نفسك بالهزل عند أبيك وهو صاحب جدّ؟! فقال: إني سمعت أبي يقول في الشطرنج إنها نعم لهو البال المكدود، وإنه ليعلم ما نلقى من كدّ التعلّم فظننت أنه لا يعيب ذلك علينا. ثم إني لم أكن آمن أن يكون قد نمي إليه أنّا نلعب بها، وخفت أن ينكر أخي فيكون الكذب أقبح فبادرت إشفاقا وقلت إن كان من أبي نكثر لقيته دون أخي! قالت فقلت له: فعلام قلت ألاعبه مخاطرة كأنك تقامر أخاك وتستكثر ماله؟! قال: كلاّ ولكنه استحسن الدواة التي وهب لي أمير المؤمنين المهدي فعرضتها عليه فأبى قبولها ورجوت أن يلاعبني عليها فتطيب نفسه بأخذها! فقلت: يا أمّاه! وما كانت (١٣٠) الدواة؟ فقالت: إنه دخل على المهدي وبين يديه دواة من العقيق الأحمر محلاة بالياقوت الأصفر فرآه ينظر إليها فوهبها له. قال: فقلت لها ثم ماذا؟ فقالت: فقلت له ما عذرك إذ قال له أبوه لاعبه وأنا معه، فقلت نعم! قال: عرفت أنّه يغلبني وله في ذلك شرف وسرور بتحيّز أبيه إليه دوني. قال محمّد بن عبد الرحمن: فقلت بخ بخ هذه والله اللبابة والسيادة. ثم قلت لها: هل كان معهما من بلغ الحلم؟ فقالت: يا بنيّ! أين يذهب بك! أنا أحدّثك عن صبيّين يلعبان وتقول هذا! لقد كنا ننهى الصبيّ إذا
стр. 2145
بلغ عشر سنين أن يبتسم.
قلت: وللبرامكة أحاديث عجيبة وحكايات غريبة في الجود والإحسان وبراعة اليراعة وبلاغة اللسان ما لو ذهبنا فيه إلى الإكثار لخرجنا عن شروط الاختصار.
ذكر سنة ثلاث وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الرشيد إلى أن توفّي في هذه السنة في تاريخ ما يذكر.
ومالك بن دلهم على مصر إلى أن عزله الأمين فيها وولّى الحسن بن النحناح حربا وخراجا. وكذلك عزل القاضي عبد الرحمن العمري وولّى مكانه هاشم بن أبي بكر من ولد أبي بكر الصدّيق ﵁؛ وكان يذهب إلى رأي الإمام أبي حنيفة ﵁.
توفّي هارون الرشيد رحمه الله تعالى بطوس ليلة الأحد غرّة جمادى
стр. 2146
الآخرة (١٣١) من هذه السنة وله ست وأربعون سنة غير شهرين، ودفن بطوس.
وقيل إنه حمل إلى مدينة السلام ودفن بها؛ والله أعلم.
وزر له أبو علي يحيى بن خالد بن برمك ثم الفضل ولده ثم جعفر إلى أن نكبوا فاستكتب إسماعيل بن صبيح. وقيل إنّ الفضل بن الربيع وزر له ثم حجبه. والصحيح أنه كان حاجبا بعد محمد بن يحيى بن خالد. وكان قبل محمد بن يحيى بشر مولى الرشيد حاجبا.
<صفته: طويل، جسيم، أبيض، جميل؛ قد وخّطه الشيب. مولده سنة تسع وأربعين ومائة في شوّال>.
القضاة: استخلف على الجانب الغربي نوح بن درّاج. وعلى الشرقي حفص بن غياث.
وحجابه: آخر وقت الفضل بن الربيع بن زياد.
نقش خاتمه: كن من الله على حذر. وقيل: العظمة والقدرة لله. وقيل:
كان على خاتمه بالحميرية: الله ربّي. وعلى خاتم الخلافة: لا إله إلاّ الله
وقيل: مولده المحرّم من سنة ثمان وأربعين ومائة.
стр. 2147
ذكر خلافة محمد الأمين ابن هارون الرشيد
وأخباره وما لخّص من <الحوادث>
هو أبو العبّاس-وقيل أبو عبد الله-محمد. وقيل أبو موسى محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي. وباقي نسبه معلوم. يلقّب بالمترف والمؤنّث لترف كان فيه-وهو المخلوع؛ وسمّاه المأمون حين خلعه الناكث والخالع-، وثقة الإسلام. أمّه زبيدة واسمها أمة الواحد. وقيل: أمة العزيز. كنيتها أمّ جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر عبد الله المنصور بالله ثاني الخلفاء العباسيين وزبيدة لقب لها. كان جدّها يرقّصها ويقول: يا زبيدة! يا زبيدة! فغلب على اسمها لقبها.
بويع له بمدينة السلام يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. (١٣٢) وقيل: قدم عليه رجاء الخادم بوفاة أبيه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة. وكانت
стр. 2148
خلافته منذ قام بالأمر إلى أن قتل ببغداد على يد طاهر بن الحسين أربع سنين وسبعة أشهر وأحد عشر يوما. صفا له الأمر من ذلك سنتين وأشهرا. وكانت الفتنة بينه وبين أخيه المأمون سنتين وخمسة أشهر. وقال المهلبي: ملك الأمين أربع سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام. وقال الدولابي: كان سمحا معطاءا أهوجا، قبيح السيرة، سفّاكا للدماء، ضعيف الرأي. ورزق من الولد موسى من أمّ ولد تسمّى نظما، ولقبه الناطق بالحقّ، وضرب اسمه على الدينار والدرهم.
قال الصولي: قرأت على درهم مسوس (من مجزوء الخفيف):
كل عزّ ومفخر ... فلموسى المطهّر
ملك خطّ ذكره ... في الكتاب المسطّر
وماتت أمّ ولده هذا المذكور فحزن عليها حزنا شديدا فدخلت ... أمّه زبيدة عليه معزّية له فقالت (من البسيط):
نفسي فداؤك لا يذهب بك التلف ... ففي بقائك ممن قد مضى خلف
عوّضت موسى فكانت كلّ مرزية ... من بعد موسى على مفقوده سلف
قال أبو العيناء: لو نشرت أمّ جعفر ذوائبها ما تعلّقت إلاّ بخليفة! وذلك أنّ المنصور جدّها، والسفّاح أخو جدّها، والمهدي عمّها، والرشيد زوجها، والأمين ابنها، والمأمون والمعتصم ابنا زوجها، والواثق والمتوكّل ابنا المعتصم ابنا ابن زوجها.
وفي محمد الأمين يقول أبو الهول الحميري (من الكامل):
стр. 2149
ملك أبوه وأمّه من نبعة ... فيها سراج الأمّة الوهّاج
(١٣٣) شربوا بمكّة في ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج
كان ذكيا فصيحا شجاعا قويا. قيل: ورد عليه كتاب ملك الروم فيه خشونة من الكاتب يتضمّن تهدّدا وتوعّدا؛ فأمر الكاتب أن يكتب جوابه فأطنب وأطال فلمّا وقف عليه مزّقه وقال: أكتب <الجواب> ما سترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار!.وقيل هذا الجواب للمعتصم كان؛ والله أعلم أيهما كان.
قالت عريب: رأيت ثمانية من الخلفاء فلم أر أجمل من الأمين إلاّ أنه كان مشغوفا باللعب والمزاح والمداعبة حتى بلغ أنه لما بعث عيسى بن عليّ لمحاربة ابن ماهان جاءه الخبر أنّ ابن ماهان قتل عيسى بن عليّ وأنّ العساكر واصلة لحصاره! قال: دعوني الساعة فإنّ كوثر الخادم سبقني بصيد سمكة حتّى أصيد أنا نظيرها! فجرى عليه ما يأتي ذكره ملخّصا من غير إطناب إذ هو مسطر في سائر كتب المؤرخين.
ذكر سنة أربع وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد الأمين بن هارون الرشيد. وعزل ابن النحناح وولّى مكانه
стр. 2150
حاتم بن هرثمة حربا وخراجا. والقاضي البكري بحاله.
وفيها ولد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵁ صاحب <الجامع في> الحديث النبوي الصحيح.
قلت: والأمين هو ممدوح الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس الشاعر المشهور. ولنذكر هاهنا نسبه وطرفا (١٣٤) من أخباره، ونتفا من شعره كونه شيخ الشعراء المحدثين، المتمسّك من سائر فنون الشعر بكلّ حبل متين.
ذكر أبي نواس ولمعة من أخباره ونبذة من أشعاره
أما نسبه فهو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصبّاح الحكميّ. كان جدّه مولى الجرّاح الحكميّ فنسب إليه؛ على ما ذكر ابن خلّكان. وذكر محمد بن داود بن الجرّاح في كتاب الورقة أنّ أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب ثم صار إلى بغداد. وقال غيره إنه ولد بالأهواز ونقل منها وعمره سنتان، وأمّه أهوازية اسمها جلبان. وكان أبوه من جند مروان بن محمد آخر ملوك بني أميّة؛ وكان من أهل دمشق، وانتقل إلى
стр. 2151
الأهواز، وتزوّج أمّه جلبان فاستولدها عدة أولاد منهم أبو نواس وأبو معاذ.
وأسلمت أبا نواس أمّه لبعض العطّارين فرآه أبو أسامة والبة بن الحباب الشاعر فاستملحه فقال له: اصحبني أخرّجك فإنك ستقول الشعر! فصار معه وخرّجه.
وأول ما قال من الشعر (من المقتضب):
حامل الهوى تعب ... يستخفّه الطرب
وروي أن الخصيب <صاحب ديوان الخراج بمصر> سأل أبا نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي! فأمسك عنه!.ولد في سنة خمس-وقيل:
ستّ-وأربعين ومائة. وتوفّي سنة ثمان وتسعين ومائة ببغداد. ودفن في مقابر الشونيزي. ويكنى أبو علي. وإنما قيل له أبو نواس لذؤابتين كانتا تنوسان على عاتقيه. ومن حسن ظنّه بربّه قوله (من الوافر):
تكثّر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ <ربا> غفورا
ستبصر إن وردت عليه يوما ... وتلقى سيدا ملكا كبيرا
تعضّ ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار الشرورا
وهذا من أحسن المعاني وأغربها. وأخباره كثيرة جدّا وكذلك أشعاره فلخّصنا من ذلك ما ذكرناه في هذا الجزء المبارك.
стр. 2152
ومن جملة ما أظهر المأمون للناس من عيوب أخيه الأمين أنّه قال: وعنده شاعر ماجن يحلّل في شعره ما حرّم الله، ويحضّ الناس على التهتّك في المحارم؛ وهو قوله (من الطويل):
ألا سقّني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا متى أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
فما الغبن إلاّ أن تراني صاحيا ... وما الغنم إلاّ أن يتعتعني السكر
وخمّارة نبّهتها بعد هجعة ... وقد لاحت الجوزاء وانحدر النسر
فقالت من الطرّاق قلت عصابة ... خفاف الأذى تبتغى لهم الخمر
ولا بدّ أن يزنوا فقالت أو الفدا ... بأبلج كالدينار في طرفه سحر
وجاءت به كالبدر ليلة تمّه ... تخال به سكرا وليس به سكر
فقمنا إليه واحدا بعد واحد ... فكان به من طول عرمتنا فطر
قال حمزة في شرحه: قوله: إلا سقّني خمرا وقل لي هي الخمر! ما الفائدة في ذلك أليس أنه علم أنها الخمر فما فائدة قوله: وقل لي هي الخمر! وذلك أنّ الإنسان له حواسّ خمس: حاسّة النظر والشم والذوق والسمع واللمس فلمّا تناول كأسها بيده استلذّ تلمسه إيّاها ثم استلذّ بنظرها ثم بشمّها ثم بذوقها فبقي السمع فقال: قل لي هي الخمر! كي يستلذّ سمعه بذكرها (١٣٥) فحينئذ تستكمل اللذّة الحواسّ الخمس. قلت: لعمري لقد تغالى فيما حرّم الله تعالى! عفا الله عنه!
وقوله (من البسيط):
стр. 2153
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء
من كفّ ذات هن في زيّ ذي ذكر ... لها محبّان لوطيّ وزنّاء
قامت بإبريقها والليل معتكر ... فلاح من وجهها في البيت لألاء
وأرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنما أخذها بالعقل إغفاء
رقّت عن الماء حتّى ما يلائمها ... لطافة وجفا عن سلكها الماء
فلو مزجت بها صبحا لمازجها ... حتّى تولّد أنوار وأضواء
دارت على فتية ذلّ الزمان لهم ... فما يصيبهم إلاّ بما شاءوا
قوم إذا شربوا طابت حلومهم ... لم تبد منهم على الصهباء عوراء
لتلك أبكي ولا أبكي على دمن ... كانت تحلّ بها هند وأسماء
فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة ... علمت شيئا وغابت عنك أشياء
قال حمزة: والمخاطب بهذا البيت رئيس المتكلمين إبراهيم النظّام لأنه كان ينهاه عن الكبائر ويقول إنها تخلّد في النار. وأبو نواس ففي خمرياته لا يجاريه أحد؛ فمن ذلك قوله (من الطويل):
ألا دارها بالماء حتّى تلينها ... فلن تكرم الصهباء حتّى تهينها
أغالي بها حتّى إذا <ما> ملكتها ... بذلت لإكرام الخليل مصونها
وقوله (من مجزوء الكامل):
стр. 2154
نفس المدامة أطيب الأنفاس ... وجليس كأسك أظرف الجلاّس
فإذا خلوت بشربها في مجلس ... فاكفف لسانك عن عيوب الناس
في الكأس مشغلة وفي لذّاتها ... فاجعل حديثك كلّه في الكاس
(١٣٦) ذكر سنة خمس وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد الأمين بن هارون الرشيد. وعزل حاتم بن هرثمة وولّى مكانه جابر بن الأشعث الطائي حربا وخراجا؛ وهو الذي بنى قبّة الهوى.
والقاضي هاشم البكري بحاله مستمرا.
ومن شعر أبي نواس في الغزل (من المنسرح):
ضممته ضمّ بارد الضمّ ... لا كأب مشفق ولا أمّ
ألثمه في الدجى وبرق ثنا ... ياه يريني مواقع اللثم
ولم نزل والظلام يشملنا ... جسمين مستود عين في جسم
ثم افترقنا بعد العناق وقد ... أثّرت فيه كهيئة الختم
وقال في غلام ذمّي (من البسيط):
يا من إذا درس الإنجيل ظلّ له ... قلب التقيّ عن القرآن منحرفا
стр. 2155
رأيت شخصك في نومي فعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا
وقوله (من البسيط):
إني لأحسد لا في أسطر الصحف ... إذا رأيت اعتناق اللام بالألف
ومنه (من البسيط):
وما أظنّهما طال اعتناقهما ... إلاّ لما لقيا من شدّة الشغف
وقوله (من الطويل):
ولم أنس ما عاينته من جماله ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاّه
ويقرأ في المحراب والناس حوله ... ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله
فقلت تدبّر ما تقول فإنها ... فعالك يا من تقتل الناس عيناه
وقال (من البسيط):
وشادن شافعيّ الفقه قلت له ... وزند نار الهوى في مقلتي واري
بالله فيما بنار الهجر تقتلني ... فقال عندي يجوز القتل بالنار
ومن قصائده الطنّانات (من البسيط): (١٣٧)
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأس إذا انحدرت في حلق شاربها ... أرتك حمرتها في العين والخدّ
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كفّ لؤلؤة ممشوقة القدّ
تسقيك من يدها خمرا ومن فمها ... خمرا فما لك من سكرين من بدّ
لي نشوتان وللندمان واحدة ... شيئ خصصت به من دونهم وحدي
وله في المعنى (من الكامل):
أنظر إلى شمس القصور وبدرها ... وإلى خزاماها وبهجة زهرها
стр. 2156
لم تلق عينك أبيضا في أسود ... جمع الجمال كوجهها في شعرها
وردية الوجنات تختبر اسمها ... من حسنها لا ما تخطّ بحبرها
وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا ولكني بكيت لخصرها
تسقيك كأس مدامة من عينها ... ممزوجة بمدامة من ثغرها
وروي أنّ أبا نواس لمّا سمع أبا الشيص الأعمى يقول (من الكامل):
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي قاصدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
قال؛ وددت لو أخذ شعري كلّه في هذا المقطوع.
ولمّا مات الرشيد ﵀ وجلس الأمين؛ قال (من المنسرح):
جرت جوار بالسعد والنحس ... فالناس في مأتم وفي عرس
تضحكنا دولة الأمين وتبكين ... نا وفاة الرشيد بالأمس
بدران بدر ببغداد في الخ ... لد وبدر بطوس في الرمس
(١٣٨) قال حمزة: صادف أبو العتاهية أبا نواس وهو ثمل فقال له: أما آن لك أن تنتهي؟ أما آن لك أن تنزجر؟! فقال (من مجزوء الرمل):
أتراني يا عتاهي ... تاركا تلك الملاهي
أتراني مفسدا بال ... نسك عند القوم جاهي؟!
ثم خطا غير بعيد وعاد وهو يقول (من السريع):
стр. 2157
لن ترجع الأنفس عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجر
وروي أنّ جماعة من أخلاّئه دخلوا عليه في مرضته التي مات فيها فقال قائل: إنّ لك هنات، وإني أخشى عليك منها! فقال: هيه! حدّثني ثابت البناني عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: إختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي. ثم أنشد (من مجزوء الكامل):
عش ما بدا لك آمنا ... في ظلّ شاهقة القصور
يغدى عليك بما يسرّ (م) ... ك في الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تحشرجت ... يوما بحشرجة الصدور
أيقنت أنك لم تزل ... من طول عمرك في غرور
وقيل: لمّا مات رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهذا البيت من شعري (من مجزوء الرمل):
يا كبير الذنب عفو اللّ (م) ... هـ من ذنبك أكبر
وقيل إنه قال: غفر لي بهذا البيت (من السريع):
نسرق هذا اليوم من دهرنا ... فربّما يعفى عن اللصّ
ذكر سنة ست وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
стр. 2158
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد الأمين ابن هارون الرشيد. وعزل جابر وولّى عبّاد بن محمد (١٣٩) بن خليفة فولّى خراجه إبراهيم بن تميم. وتوفّي القاضي هاشم البكري ﵀ وولي مكانه القاضي إبراهيم <بن> البكّاء.
فيها كان ابتداء الفتن بين الأمين والمأمون. وحقيقة ذلك ما أذكره ملخّصا من غير إطناب فيه كونه مشهورا في سائر تواريخ الناس فأحببت أن أمخض من ذلك الزبد، وأنتقي النكت والنبذ. وذلك ما رواه الطبريّ ﵀ قال: كان الرشيد قد جعل الأمين والمأمون وليي عهده، وحجّ بهما سنة ست وثمانين ومائة، وكتب بينهما شرطا وتحالفا على الكتاب العزيز في الكعبة المطهّرة بأن لا يغدر أحد منهما بالآخر. فلمّا أراد تعليق كتابهما وقع كتاب الأمين من يد إبراهيم الحجبيّ فتفاءل من ساعته لوقوعه بسرعة بسرعة انتقاض أمره دون أخيه المأمون. فلمّا صفا الأمر للأمين ودخلت هذه السنة حدّث نفسه بالنكث، وأن يعقد الأمر لولده موسى! واستشار أمّه في ذلك فخوّفته سوء العاقبة ونقض
стр. 2159
الأيمان بعد توكيدها فقال: إنما أنت تكرهين ولدي موسى كما كنت تكرهين أمّه! فأمسكت عنه وعلمت أنّ أمره يؤول إلى الفساد. فبعث إلى أخيه المأمون- وهو يومئذ بخراسان-يأمره في الحضور لختان ولده موسى، وأنه لا يمكنه ذلك إلاّ بحضوره. وبعثت عيون المأمون يعرّفونه المراد به. فتعلّل المأمون عليه واحتجّ وأنفذ هدايا نفيسة من طرف البلاد. فلمّا يئس من حضوره خلعه وجاهره وبايع لولده موسى ولقّبة «الناطق بالحقّ».وأخذ البيعة من بعد ولده موسى لأخيه عبد الله <وأمّه أمّ ولد. ونقش أيضا اسمه على الدينار والدراهم>.ولم يجعل للمأمون في ذلك شيئا وسبّه وقال: وما المأمون؟! (١٤٠) إن هو إلاّ ابن أمة كتعاء! ثم جهّز له الجيوش والعساكر يقدمها عيسى بن يعلى. ولمّا بلغ المأمون ذلك أخرج الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ليلتقي عساكر الأمين فالتقيا بعد حديث طويل هذا زبد منه. وكسرت جيوش الأمين، وقتل عيسى بن يعلى. وتقدّم الحسين إلى بغداد وحاصر الأمين بقية هذه السنة حتّى دخلت سنة سبع وتسعين ومائة؛ حسبما يأتي في ذكر السنة إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة سبع وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
стр. 2160
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد الأمين ابن هارون الرشيد محصورا ببغداد. وعبّاد بمصر.
وعزل إبراهيم البكّاء عن القضاء، وولّى لهيعة بن عيسى الحضرميّ. وفيها أخرج <الحسين بن عليّ الأمين> حاسرا في جبّة موشّاة حتّى مضى به فخلعه ثم حبسه في خضراء مدينة المنصور فأقام يومين. ثم إنّ الجند شغبوا على الحسين بن علي وطالبوه بأرزاقهم ولم يكن معه ما يعطيهم فهرب في اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبي جعفر وغالب في جماعة من الجيش فلحقوه وقتلوه وجاؤوا برأسه إلى الأمين، وأخرجوه وهو عطشان فسقوه ماء من مطهرة للعجلة لأنه كاد يتلف عطشا؛ وذلك بعد ثلاث سنين وخمسة عشر يوما من يوم بيعته.
ثم لمّا أعيد إلى مكانه لم يزل في حرب وحصار سنة وستة أشهر. وقتل الأمين بعد ذلك كما يأتي من ذكره في ذكر سنة ثمان وتسعين إن شاء الله. (١٤١)
ذكر سنة ثمان وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثمانية أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد الأمين ابن هارون الرشيد إلى أن قتل في أول هذه السنة في تاريخ ما يأتي. وعزل عبّاد عن مصر. وولي مكانه المطّلب بن عبد الله فولّى
стр. 2161
خراجه ابن أسباط فأقام شهورا ثم عزل وولي العبّاس بن موسى فأقبل يريد مصر فلمّا كان ببلبيس توفّي. وعزل القاضي لهيعة وولّى مكانه الفضل بن غانم.
وفيها قتل الأمين ﵀. وذلك أنه لمّا بلغ المأمون مقتل حسين انتدب هرثمة بن أعين، وعلى مقدّمته طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق.
ونفّذ الأمين جيشا يقدمه عليّ بن عيسى. وانهزم جيش الأمين، وتبعه عساكر المأمون. ونزل طاهر بن الحسين الأنبار. ونزل هرثمة بن أعين النهروان.
والتجأ الأمين إلى مدينة أبي جعفر؛ وحصل الحصار، وكانت لهم حروب ومحاصرات مع عامة بغداد وشطّارها وعيّاريها. وعادت لهم مقدّمين على كلّ طائفة منهم حتّى أنّ الرجل منهم يصنع بنفسه تماثيل كثيرة؛ فمنهم من يعمل نفسه صفة فرس وعليه المقطّعات الصوف والبراذع. وتركهم منهم المقدّمين عليهم، وقاتلوا قتالا عظيما مما يطول شرحه، والأمين يبذل لهم الأموال حتّى نفذ جميع ما عنده واحتاج أن ضرب (١٤٢) جميع أوانيه من ذهب وفضّة وأنفقها عليهم. وقيل له ذات يوم: لقد أجاد عامة بغداد وأحسنوا بلاءهم في خدمتك، ومنعوا هؤلاء الطالبين أذاك! فقال: لعن الله الطائفتين هؤلاء يطلبون دمي، وهؤلاء يطلبون مالي! وكان يميل إلى هرثمة خلاف طاهر فلمّا ضجر وغلب ونفذ جميع ما يملكه أجمع على النزول على حكم أخيه وراسل في ذلك هرثمة فأجابه. فلمّا كان ليلة الأحد لخمس بقين من المحرّم من هذه السنة خرج في
стр. 2162
حرّاقته إلى جهة هرثمة؛ وكان قد بلغ ذلك طاهرا فجعل له جماعة يرصدونه حتّى غرّقوا حرّاقته وقتلوه، وأحضروا رأسه إلى طاهر فنصبها على الباب الجديد ثم أنزله وبعث بها إلى المأمون وهو يومئذ بخراسان بمدينة بغاسان، ودفن جثّته. ويقال إنّ المأمون لمّا رأى رأس الأمين بكى واستغفر له، وذكر له جميلا أسداه إليه في حياة الرشيد؛ والله أعلم! <فذكر عن أحمد بن سلاّم صاحب المظالم ببغداد قال؛ كنت مع هرثمة في الحرّاقة التي تحوّل فيها الأمين. فلمّا غرقت أخذت مع الأمين وتركت في بيت فيه بوار. فلمّا ذهب من الليل ساعة وإذا قد فتحوا الباب الذي أنا فيه وأدخلوا الأمين وهو عريان الجسد عليه سراويل وعلى كتفه خرقة خلقة فتركوه معي فاسترجعت وبكيت فقال لي: من أنت؟ فعرّفته بنفسي فقال: يا أحمد! ضمّني إليك فإنّي أجد وحشة شديدة! فضممته.
ثم فتح علينا الباب ودخل رجل فتصفّح في وجوهنا وأثبتّه صحّة فإذا هو محمد بن حميد الطاهريّ. فلمّا عرفته علمت أنّ الأمين مقتول! فلم تكن إلاّ هفوة إذ هجموا علينا جماعة بأيديهم السيوف مشهرة وصاح الأمين: ويحكم! أنا ابن عمّ رسول الله! أنا ابن هارون الرشيد! أنا أخو المأمون! الله الله في دمي! فضربه رجل منهم بالسيف في مقدّم رأسه؛ وكان في يد الأمين وسادة كانت في ذلك البيت؛ فضربه بها في وجهه فصرعه فصاح: قتلني قتلني! فدخل منهم جماعة فنخسه رجل منهم في خاصرته بالسيف، وركبوه فذبحوه من قفاه، وحزّوا رأسه وتركوا جثته. والله أعلم>.
صفة الأمين
طويل، جسيم، حسن الوجه، أبيض بحمرة، وقيل أسمر أشقر أسبط،
стр. 2163
صغير العين. مولده في سنة ست وسبعين ومائة في شهر جمادى الأولى. قتل وله سبع وعشرون سنة وأربعة أشهر. وقيل ثمان وعشرون سنة. وكانت مدة خلافته أربع سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام <على> ما رواه الكلبي. وهو أول خليفة خلع من بني العبّاس وقتل.
وزراؤه: الفضل بن الربيع إلى أن يئس منه وهرب. ثم إسماعيل بن صبيح وغيره.
حجابه: العباس بن الفضل بن الربيع، وعلي بن صالح، وابن شاهك.
نقش خاتمه: لكلّ عمل ثواب. محمد واثق بالله.
(١٤٣) ذكر خلافة عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد
وما لخّص من سيرته
هو أبو العبّاس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي. وباقي نسبه معلوم. <أمّه أمّ ولد يقال لها مراجل أهداها للرشيد عيسى بن ماهان، وتوفيّت أيام نفاسها به>.ولقب خليفة المسلمين: وهو أول من تسمّى بإمامة
стр. 2164
المسلمين. وكان جليل القدر، كامل العقل، بارع الفضل، عظيم العفو، حسن التدبير. بويع له بمدينة السلام يوم الأحد لست بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة؛ وهو بمرو في قول. كان يقال إنّ لبني العبّاس فاتحة وواسطة وغالقة. فالفاتحة المنصور والواسطة المأمون والغالقة المعتضد. ودليل ذلك أنّ أول من عني بالعلوم من أول مبتدأ الدولة العباسية المنصور ﵀؛ وأول من اشتهر في دولته بالعلوم وترجمتها عبد الله بن المقفّع الخطيب الفارسي كاتبه فإنه ترجم كتب أرسطوطاليس المتطبّب وهي كتبه المنطقيّة الثلاثة؛ وهي: كتاب قاطيغورياس وكتاب باري أرمينياس وكتاب أنالوطيقا. وذكر أنّه لم يكن ترجم منه إلى وقته إلاّ الكتاب الأول فقط. وترجم بعد ذلك المدخل إلى كتاب المنطق المعروف بإيساغوجي وغيره ترجم من ذلك عبارة سهلة قريبة المأخذ. وترجم مع ذلك الكتاب الهنديّ المعروف بكليلة ودمنة وهو أول من ترجمه من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية. وله تواليف حسنة منها رسالته في الأدب والسياسة؛ ومنها رسالته المعروفة باليتيمة في طاعة السلطان. وأمّا علم النجوم فأول من عني بها في دولة المنصور محمد بن إبراهيم الفزاري المقدّم ذكره في أوّل جزء من هذا الكتاب في أول ذلك الجزء. (١٤٤) وهو الرجل الذي افترد بالقول في ذكر عمر الدنيا ودورات الفلك حسبما تقدّم من القول في ذلك. ذكر الحسين بن
стр. 2165
محمد بن حميد المعروف بابن الآدمي في زيجه الكبير المعروف بنظم العقد أنّه قدم على الخليفة المنصور في سنة ست وخمسين ومائة رجل من الهند بالحساب المعروف بالسند هند في حركات النجوم مع تعاديل معمولة على كرة درجات محسوبة لنصف نصف درجة مع ضروب من أعمال الفلك من الكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك؛ في كتاب يحتوي على اثني عشر بابا.
وذكر أنه اختصره من كردجات منسوبة إلى ملك من ملوك الهند يسمّى فيغر فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى اللّغة العربية وأن يؤلّف منه كتاب تتّخذه العرب أصلا في حركات النجوم فتولّى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاريّ وعمل منه كتابا يسمّيه المنجّمون بالسند هند الكبير وتفسير السند هند بالعربية الدهر الداهر. فكان أهل ذلك الزمان يعملون به إلى أيام أبي العبّاس المأمون.
فاختصره له أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزميّ وعمل منه زيجه المشهور ببلاد الإسلام، وعوّل فيه على أوساط السند هند، وخالفه في التعاديل والميل فجعل تعاديله على مذاهب الفرس، وميل الشمس فيه على مذهب بطلميوس، واخترع فيه من أنواع التقريب أبوابا حسنة لا تفي بما احتوى عليه من الخطأ البيّن الدالّ على ضعفه في الهندسة! فطاروا به كلّ مطير، وما زال نافقا عند أهل العناية بالتعديل إلى آخر وقت. فلمّا أفضت الخلافة إلى أبي العباس المأمون طمحت نفسه (١٤٥) الفاضلة إلى درك الحكمة، وسمت به همته الشريفة إلى
стр. 2166
الإشراف على علوم الفلسفة، ووقف العلماء في وقته على كتاب المجسطي وفهموا صورة آلات الرصد الموصوفة فيه فبعثه شرفه وحداه ميله على أن جمع علماء عصره من أقطار مملكته وأمرهم أن يضعوا مثل تلك الآلات، وأن يقيسوا بها الكواكب ويتعرّفوا منها أحوالها كما صنعه بطلميوس ومن كان قبله؛ ففعلوا ذلك كما يأتي تتمة الكلام في تاريخ ما فعلوه إن شاء الله تعالى. ثم لم يشتغل أحد بعد المأمون والمنصور بهذه العلوم غير المعتضد حسبما يأتي من ذكر ذلك في أيامه. فلذلك يقال إنّ لبني العبّاس فاتحة وواسطة وغالقة كون أنّ هؤلاء الثلاثة خلفاء طمحت بهم أنفسهم الشريفة إلى درك العلوم الشريفة فدلّ ذلك على علوّ هممهم وسموّ مقاصدهم.
ذكر سنة تسع وتسعين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى عشر إصبعا.
وعمّال مصر على ما تقدّم من ذكرهم في السنة التي قبلها. وكذلك القاضي.
ومن نبذ أخبار المأمون ما رواه محمد بن ظفر في كتابه المعروف بدرر نجباء الأبناء قال؛ روي أنّ الكسائي-وهو عليّ بن حمزة-وكان مؤدّبا لولد الرشيد، وكان لا يفتح عليهم إذا غلطوا في العرض عليه إنما كان ينكّس طرفه فإذا غلط أحدهم نظر إليه وربّما ضرب الأرض بخيزرانة في يده. فإذا سدّد القارئ للصواب مضى وإلاّ نظر في المصحف. فافتتح المأمون عليه السورة المذكور فيها الصفّ (١٤٦) فلمّا قرأ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ نظر إليه الكسائي وتأمّل المأمون فإذا هو مصيب! فمضى في قراءته.
стр. 2167
فلمّا حضر بين يدي الرشيد قال له: يا أمير المؤمنين! إن كنت وعدت الكسائي وعدا فإنه يستنجزه! فقال: إنه كان استوصلني للفرّاء فوعدته فهذا هو الذي قال لك. فقال المأمون: إنه لم يقل لي شيئا! وأخبره بالأمر. فتمثّل الرشيد بقول القائل في ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام (من الطويل):
ورثت أبا بكر أباك بيانه ... وسيرته في ثابت وشمائله
وأنت امرؤ ترجى لخير وإنما ... لكلّ امرئ ما أورثته أوائله
وعن أبي محمد يحيى مؤدّب المأمون قال؛ كان المأمون طفلا جدا وأنا أقرئه ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ وحضرت صلاة الظهر فصلّيت قاعدا وأخطأ فقمت لأضربه فقال: أيها الشيخ! أتطيع الله قاعدا وتعصيه قائما؟! فكتبت بها إلى الرشيد فأمر لي بخسمة آلاف درهم. وروي أنّ اليزيديّ بكرّ ذات يوم لتأديب المأمون وانتظر خروجه فتأخّر فأرسل إليه يعلمه بانتظاره وكان يلعب. ثم إنه خرج فضربه اليزيديّ بالدرّة فبينما هو يبكي دخل حاجبه فقال: إنّ جعفر بن يحيى يستأذن! قال؛ فاستوى جالسا على مرتبته، وجمع عليه ثيابه، ومسح عينيه ثم قال للحاجب إئذن له! فلمّا دخل جعفر رحّب به المأمون وقرّبه وتبسّم إليه وحادثه. ثم نهض جعفر فأمر المأمون بدابّة فقرّبت منه وأمر غلمانه فسعوا بين يديه. قال اليزيديّ؛ فلمّا خرج جعفر قلت للمأمون: لقد كنت مشفقا أيها الأمير أن تشكوني إليه! فقال: إلى أين يذهب بك-عافاك الله-أنا أري جعفرا أني أحوج نفسي (١٤٧) إلى تأديب! والله ما يطمع الرشيد مني بذلك! خذ في أمرك عافاك الله! وروي أنّ الرشيد ﵀ اطّلع في مستشرف له على قصره فرأى ولده عبد الله المأمون يكتب على حائط؛ فقال لخادم: إنطلق حتّى تنظر ماذا يكتب عبد الله واحرص أن لا يراك ولا يفطن لك! فذهب الخادم فنظر ثم عاد إلى
стр. 2168
الرشيد فأخبره أنه كتب (من مجزوء الكامل):
قل لابن حمزة ما ترى ... في زير باج محكمه
قال الخادم: إني تسلّلت عليه حتّى قمت من خلفه ولم يشعر لغلبة الفكر عليه! فقال الرشيد: إرجع إليه فسله عمّا هو فيه فسيقول لك إني أفكّر في إجازة هذا البيت فقل (من مجزوء الكامل):
قال ابن حمزة يا بنيّ ... هزلت مجترئا فمه
فانطلق الخادم إليه فقال له ذلك فكان منه من القول بعد أن أفكر والتفت إلى الخادم وقال: يا فلان! قد علمت أنك رسول ولولا ذلك لم تنج مني! فرجع الخادم إلى الرشيد فأخبره فقال له: نجوت! ثم إنّ الرشيد أخبر الكسائيّ بالحديث وقال له: من أين علم عبد الله أنّ الخادم رسول؟ قال: لا أدري. فقال الرشيد: علمه من قوله: «هزلت مجترئا فمه» إذ كان الخادم لا يقدر على مخاطبته بذلك إلاّ مأمورا. ومن محاسن أجوبته وهو طفل أنه كان في ذات وقت ضعيفا في جسده فسأله الرشيد: ما سورتك يا بنيّ؟ فقال: ما بين عمّ وعبس ولم يتفاءل بالنازعات. وقال له ذات يوم وبيده مساويك: ما بيدك يا عبد الله؟ فقال: محاسنك يا أمير المؤمنين!.وكان بيده قضبان خيزران فقال له الرشيد:
ما هؤلاء؟ قال: عروق القنا يا أمير المؤمنين! <إجلالا لأمّ الرشيد>.
(١٤٨) ذكر سنة مائتين هجرية
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
стр. 2169
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وعزل المطّلب وولّى السريّ بن الحكم فولّى خراجه محمد بن أسباط، والقاضي لهيعة بحاله.
وممّا روي أنّ الرشيد ناظر يحيى بن خالد فيمن يعهد إليه من ولده أولا.
وعلم يحيى ميله إلى أم جعفر زبيدة أمّ الأمين، وتحقّق أنه يؤثر هواها، وأن لا معدل له عن ولدها فحطب في حبلها. فأحضر الرشيد الأمين والمأمون وأغرى بينهما وهما إذ ذاك صبيّان فأسرع الأمين إلى المأمون فنال منه؛ وكان المأمون أحلمهما. ثم إنه أمرهما بأن يتصارعا فوثب الأمين فلزم المأمون مكانه! فقال له الرشيد: ما لك لا تقوم يا عبد الله؟! أخفت ابن الهاشميّة؟ أما إنه أيّد! فقال المأمون: هو على ما ذكره أمير المؤمنين، ولكنّي لم أخفه. وإنما قبض يدي عنه ما قبض لساني حين أسمعني. فقال له الرشيد: ما الذي قبض يدك ولسانك عنه؟ قال؛ قول الأمويّ لبنيه يوصيهم (من الكامل):
إنفوا الضغائن بينكم وتواصلوا ... عند الأباعد والحضور الشهّد
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... ودماركم بتقاطع وتفرّد
فلمثل ريب الدهر ألّف بينكم ... بتعاطف وترحّم وتودّد
حتّى تلين جلودكم وقلوبكم ... لمسوّد منكم وغير مسوّد
إنّ القداح إذا جمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيّد
عزّت فلم تكسر وإن هي بدّدت ... فالوهن والتكسير للمتبدّد
(١٤٩) فرقّ الرشيد رقّة شديدة واغرورقت عيناه بالدموع ثم عاد يكفكفها
стр. 2170
وأقبل على الأمين فقال له: ما أنت صانع إن صرف الله إليك أمر هذه الأمة؟ فقال: أكون مهديّها يا أمير المؤمنين! فقال الرشيد: إن تفعل فأهل ذلك أنت! ثم أقبل على المأمون فقال له: يا عبد الله! ما أنت صانع إذا صرف الله إليك أمر هذه الأمة؟ فابتدرت دموع المأمون، وفطن الرشيد لما أبكاه فلم يملك عينيه فأرسلهما، وبكى يحيى بن خالد، وبكى الأمين، فلمّا قضوا من البكاء أربا عاد الرشيد لمسألة المأمون فقال: أعفني يا أمير المؤمنين! قال الرشيد: عزمت عليك أن تقول! فقال: إن قدّر الله ذلك جعلت الحزن شعارا، والحزم دثارا، واتّخذت سيرة أمير المؤمنين مشعرا لا تستحلّ حرماته، وكتابا لا تبدّل كلماته! فأشار الرشيد إلى الأمين والمأمون بالانصراف فذهبا ثم أقبل على يحيى بن خالد فأنشده بيت صخر بن عمرو بن الشريد حيث يقول (من الطويل):
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فقال يحيى بن خالد: هيّأ الله لك يا أمير المؤمنين من أمره رشدا.
ذكر سنة إحدى ومائتين هجرية
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وفيها وثب سليمان بن غالب على السريّ بن الحكم فأخرجه إلى الصعيد. وكان سليمان (١٥٠) من قبل طاهر بن الحسين. وولّى أيضا طاهر الخراج عمر بن خلف الرازي. ثم عاد الأمر إلى السريّ. وابن لهيعة قاض بحاله.
стр. 2171
فيها عقد المأمون عقد ابنته على عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضوان الله عليهم. وكان المأمون قدّم عليا ﵇ على أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم. قال القاضي يحيى بن أكثم: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته من علي الرضا عقد المجلس وقال: يا يحيى! تكلّم! فأجللت أن أقول أنكحت! فقلت: يا أمير المؤمنين! أنت الحاكم الأكبر والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام! ففهم عنّي ما أضمرته فقال: الحمد لله الذي تصاغرت الأمور لمشيئته، ولا إله إلاّ الله إقرارا بربوبيّته، وصلّى الله على محمد ذكره وآله وعترته. أمّا بعد! فإنّ الله جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا ليكون سببا للمناسبة. ألا وإني قد زوّجت ابنة عبد الله المأمون من علي بن موسى وأمهرتها أربع مائة درهم اقتداء بسنّة رسول الله ﷺ ، وانتهاء إلى ما جرى عليه السلف الصالح. والحمد لله ربّ العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفيها نزع الناس لبس السواد وعاد إلى الخضرة، وعقد الأمر لعليّ بن موسى <من بعده> فاختشت بنو العبّاس من انتقال الأمر عنهم إلى العلويين فاغتنموا غيبة المأمون، وتوجّهه إلى غزو الروم، وأتوا إلى منصور بن المهدي ليبايعوه ولقّبوه المرتضى، وسلّم عليه بالخلافة، ونقش اسمه على الدينار والدرهم؛ ثم خلعوا المأمون! فضعف منصور عن ذلك واستقالهم فعمدوا إلى إبراهيم بن المهدي فبايعوه.
ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي ولمع من أخباره
(١٥١) أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور. وباقي نسبه معلوم.
стр. 2172
أمّه أمّ ولد تسمّى شكلة سوداء، وبها يعرف فيقال إبراهيم بن شكلة! وكان أسود عظيم الخلقة لقّب بالتنّين. وهو الخليفة الذي تنقّل في خمس طبقات: كان يعدّ في طبقة أبناء الخلفاء. <ثم صار خليفة>.ثم عاد إلى طبقة الندماء بحضرة المأمون. ثم صار في طبقة المغنّين. ثم عاد في مشيخة بني هاشم.
ذكر سنة اثنتين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المأمون عبد الله بن هارون الرشيد. وعمّال مصر بحالهم. كانت بيعة إبراهيم بن المهدي ببغداد في التاسع من المحرّم من هذه السنة. ولقب المبارك وملك الكوفة والسواد فأقام كذلك أحد عشر شهرا ثم اضمحلّ أمره فهرب واستخفى وبقي في استتاره ستّ سنين. وظفر به المأمون في شهر ربيع الآخر سنة عشرة ومائتين، فعفى عنه واستبقاه كما يأتي من ذكر ذلك في تاريخه. ولم يزل حيا ظاهرا قائم الجاه، موفور المال إلى أن مات حتف أنفه في خلافة المعتصم في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين وله أحد وستون سنة وشهور. وكان قد كتب له إبراهيم بن نوح بن الوليد النصراني من أهل الأنبار.
стр. 2173
ومن مستظرفات إبراهيم بن المهدي، قال جحظة البرمكي؛ حدّثني خالد الكاتب؛ قال؛ جاءني يوما رسول إبراهيم بن المهدي فسرت إليه فرأيت رجلا (١٥٢) أسود على فراش قد غاص فيه فاستجلسني وقال: أنشدني من شعرك! فأنشدته (من الطويل):
رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من الشمس والبدر المنير على الأرض
عشية جاءني بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهنّ إلى بعض
... ونازعني كأسا كأنّ حبابها دموعي لمّا صدّ عن مقلتي غمضي
وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل نسيم الريح في الغصن الغضّ
قال؛ فزحف حتّى صار في ثلثي الفراش وقال: يا فتى! شبّهوا الخدود بالورد وأنت شبّهت الورد بالخدود! زدني! فقلت (من مجزوء الكامل):
عاتبت نفسي في هوا ... ك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إلي ... ك ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت إنّ الصبر <عن ... ك> من التصابي أجمل
فزحف حتّى انحدر من على الفراش ثم قال: زدني! فقلت (من الرمل):
عش فحبّيك سريعا قاتلي ... والضنى إن لم تصلني واصلي
стр. 2174
ظفر الحبيب بقلب دنف ... فيك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب الذابل
فبكى العاذل لي رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل
فتمايل طربا وقال: يا بليق! كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمان مائة دينار! قال:
إقسمها بيني وبين خالد! فدفع لي نصفها وانصرفت.
<وفيها ولد أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني>.
ذكر سنة ثلاث ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
(١٥٣) الماء القديم خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والسريّ كذلك. وفيها وثب الجرويّ على أسفل الأرض وغلب عليها.
وفيها كانت الزلزلة بمرو حتّى سقطت منارة المسجد، وسقط المسجد الجامع ببلخ ونحو من ربع المدينة.
وفيها توفّي علي الرضا ﵁. ودخل المأمون بغداد يوم السبت
стр. 2175
لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر. ورجع الناس إلى السواد وخلعوا الخضرة.
قلت: قد تقدّم القول في ذكر جحظة ولم ننسبه فلعلّ النفس تتشوّف لذكره؛ هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك.
ولقّب جحظة. قال أبو الحسن علي بن محمد بن مقلة الوزير الآتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى؛ سألت جحظة عن لقبه من لقّبك بهذا؟ فقال:
عبد الله بن المعتزّ لقيني يوما فقال: ما حيوان إذا عكسته صار آلة للمراكب البحرية؟ فقلت: علق إذا عكس صار قلعا! قال: أحسنت يا جحظة! فلزمني اللقب. وكان أقبح خلق الله منظرا، وأحسنهم مخبرا؛ ولذلك قال ابن الرومي فيه (من الكامل):
نبّئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمتا لمنادميه تحملّوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وكان طيّب الغناء، ممتدّ النفس، حسن الشعر والنادرة والحكاية؛ لا يكاد يملّ. ولا تزال تندر له الأبيات الجيّدة. وهو القائل:
جانبت أكثر لذّتي وشرابي ... وهجرت بعدك عامدا أصحابي
فإذا كتبت لكي أنزّه ناظري ... في حسن لفظك لم تجد بجوابي
(١٥٤) إن كنت تنكر ذلّتي وتلدّدي ... ونحول جسمي وامتداد عذابي
فانظر إلى جسدي الذي موّهته ... للناظرين بكثرة الأثواب
وهو القائل (من مجزوء الكامل):
وإذا جفاني صاحب ... لم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبو ... ر أزوره في كلّ جمعه
следующие страницы →