Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
فيها عقد المأمون عقد ابنته على عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضوان الله عليهم. وكان المأمون قدّم عليا ﵇ على أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم. قال القاضي يحيى بن أكثم: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته من علي الرضا عقد المجلس وقال: يا يحيى! تكلّم! فأجللت أن أقول أنكحت! فقلت: يا أمير المؤمنين! أنت الحاكم الأكبر والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام! ففهم عنّي ما أضمرته فقال: الحمد لله الذي تصاغرت الأمور لمشيئته، ولا إله إلاّ الله إقرارا بربوبيّته، وصلّى الله على محمد ذكره وآله وعترته. أمّا بعد! فإنّ الله جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا ليكون سببا للمناسبة. ألا وإني قد زوّجت ابنة عبد الله المأمون من علي بن موسى وأمهرتها أربع مائة درهم اقتداء بسنّة رسول الله ﷺ ، وانتهاء إلى ما جرى عليه السلف الصالح. والحمد لله ربّ العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفيها نزع الناس لبس السواد وعاد إلى الخضرة، وعقد الأمر لعليّ بن موسى <من بعده> فاختشت بنو العبّاس من انتقال الأمر عنهم إلى العلويين فاغتنموا غيبة المأمون، وتوجّهه إلى غزو الروم، وأتوا إلى منصور بن المهدي ليبايعوه ولقّبوه المرتضى، وسلّم عليه بالخلافة، ونقش اسمه على الدينار والدرهم؛ ثم خلعوا المأمون! فضعف منصور عن ذلك واستقالهم فعمدوا إلى إبراهيم بن المهدي فبايعوه.
ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي ولمع من أخباره
(١٥١) أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور. وباقي نسبه معلوم.
стр. 2172
أمّه أمّ ولد تسمّى شكلة سوداء، وبها يعرف فيقال إبراهيم بن شكلة! وكان أسود عظيم الخلقة لقّب بالتنّين. وهو الخليفة الذي تنقّل في خمس طبقات: كان يعدّ في طبقة أبناء الخلفاء. <ثم صار خليفة>.ثم عاد إلى طبقة الندماء بحضرة المأمون. ثم صار في طبقة المغنّين. ثم عاد في مشيخة بني هاشم.
ذكر سنة اثنتين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المأمون عبد الله بن هارون الرشيد. وعمّال مصر بحالهم. كانت بيعة إبراهيم بن المهدي ببغداد في التاسع من المحرّم من هذه السنة. ولقب المبارك وملك الكوفة والسواد فأقام كذلك أحد عشر شهرا ثم اضمحلّ أمره فهرب واستخفى وبقي في استتاره ستّ سنين. وظفر به المأمون في شهر ربيع الآخر سنة عشرة ومائتين، فعفى عنه واستبقاه كما يأتي من ذكر ذلك في تاريخه. ولم يزل حيا ظاهرا قائم الجاه، موفور المال إلى أن مات حتف أنفه في خلافة المعتصم في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين وله أحد وستون سنة وشهور. وكان قد كتب له إبراهيم بن نوح بن الوليد النصراني من أهل الأنبار.
стр. 2173
ومن مستظرفات إبراهيم بن المهدي، قال جحظة البرمكي؛ حدّثني خالد الكاتب؛ قال؛ جاءني يوما رسول إبراهيم بن المهدي فسرت إليه فرأيت رجلا (١٥٢) أسود على فراش قد غاص فيه فاستجلسني وقال: أنشدني من شعرك! فأنشدته (من الطويل):
رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من الشمس والبدر المنير على الأرض
عشية جاءني بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهنّ إلى بعض
... ونازعني كأسا كأنّ حبابها دموعي لمّا صدّ عن مقلتي غمضي
وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل نسيم الريح في الغصن الغضّ
قال؛ فزحف حتّى صار في ثلثي الفراش وقال: يا فتى! شبّهوا الخدود بالورد وأنت شبّهت الورد بالخدود! زدني! فقلت (من مجزوء الكامل):
عاتبت نفسي في هوا ... ك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إلي ... ك ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت إنّ الصبر <عن ... ك> من التصابي أجمل
فزحف حتّى انحدر من على الفراش ثم قال: زدني! فقلت (من الرمل):
عش فحبّيك سريعا قاتلي ... والضنى إن لم تصلني واصلي
стр. 2174
ظفر الحبيب بقلب دنف ... فيك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب الذابل
فبكى العاذل لي رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل
فتمايل طربا وقال: يا بليق! كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمان مائة دينار! قال:
إقسمها بيني وبين خالد! فدفع لي نصفها وانصرفت.
<وفيها ولد أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني>.
ذكر سنة ثلاث ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
(١٥٣) الماء القديم خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والسريّ كذلك. وفيها وثب الجرويّ على أسفل الأرض وغلب عليها.
وفيها كانت الزلزلة بمرو حتّى سقطت منارة المسجد، وسقط المسجد الجامع ببلخ ونحو من ربع المدينة.
وفيها توفّي علي الرضا ﵁. ودخل المأمون بغداد يوم السبت
стр. 2175
لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر. ورجع الناس إلى السواد وخلعوا الخضرة.
قلت: قد تقدّم القول في ذكر جحظة ولم ننسبه فلعلّ النفس تتشوّف لذكره؛ هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك.
ولقّب جحظة. قال أبو الحسن علي بن محمد بن مقلة الوزير الآتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى؛ سألت جحظة عن لقبه من لقّبك بهذا؟ فقال:
عبد الله بن المعتزّ لقيني يوما فقال: ما حيوان إذا عكسته صار آلة للمراكب البحرية؟ فقلت: علق إذا عكس صار قلعا! قال: أحسنت يا جحظة! فلزمني اللقب. وكان أقبح خلق الله منظرا، وأحسنهم مخبرا؛ ولذلك قال ابن الرومي فيه (من الكامل):
نبّئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمتا لمنادميه تحملّوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وكان طيّب الغناء، ممتدّ النفس، حسن الشعر والنادرة والحكاية؛ لا يكاد يملّ. ولا تزال تندر له الأبيات الجيّدة. وهو القائل:
جانبت أكثر لذّتي وشرابي ... وهجرت بعدك عامدا أصحابي
فإذا كتبت لكي أنزّه ناظري ... في حسن لفظك لم تجد بجوابي
(١٥٤) إن كنت تنكر ذلّتي وتلدّدي ... ونحول جسمي وامتداد عذابي
فانظر إلى جسدي الذي موّهته ... للناظرين بكثرة الأثواب
وهو القائل (من مجزوء الكامل):
وإذا جفاني صاحب ... لم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبو ... ر أزوره في كلّ جمعه
стр. 2176
وقال في بخيل (من الكامل):
لا تعذلوني إن هجرت طعامه ... خوفا على نفسي من المأكول
فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت قتلت بالمقتول
وكان كما قال عن نفسه (من المنسرح):
يا من دعاني وفرّ مني ... أخلفت والله حسن ظنّي
قد كنت أرضى بخبز ذرّ ... وكافح مع قليل بنّ
وسكرة من نبيذ دبس ... أقام دهرا بقعر دنّ
وليس يغلو بما ذكرنا ... محدّث شاعر مغنّيّ
ذكر سنة أربع ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والسريّ علي مصر بحاله.
والجرويّ بالموضع الذي تغلّب عليه. وعمر بن خلف على الخراج. والقاضي لهيعة توفّي في هذه السنة؛ فولّى السريّ من بعد مشاورة أهل البلد إبراهيم بن إسحاق القاري.
وفيها توفي الإمام الشافعي ﵁.
стр. 2177
(١٥٥) وقيل: في هذه السنة كان عودة الناس إلى السواد وترك الخضرة.
ذكر سنة خمس ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والسريّ بمصر إلى أن توفّي في هذه السنة وولي أبو نصر محمد بن السريّ الحرب، وولّى الخراج إبراهيم بن نعيم بن إسحاق. والجرويّ بالمكان الذي تغلّب عليه.
والغالب على أمر المأمون في هذه السنين طاهر بن الحسين. وقيل لطاهر ببغداد لمّا بلغ ما بلغ: ليهنك ما أدركته من هذه المنزلة التي لم يدركها أحد من نظرائك بخراسان! فقال: ليس يهنيني ذلك لأنّي لا أرى عجائز بوشنج يتطلّعن إليّ من أعالي أسطحتهنّ إذا مررت بهنّ في هذه المواكب! وإنما قال ذلك لأنه ولد بها ونشأ فيها. وكان جدّه مصعب بن رزيق واليا عليها وعلى هراة. وكان طاهر شجاعا مقداما أديبا فاضلا. وركب يوما ببغداد في حرّاقته فاعترضه مقدّس
стр. 2178
الخلوقي الشاعر المشهور وقد أدنيت من الشطّ ليخرج فقال: أيها الأمير! إن رأيت أن تسمع أبياتا مني! فقال؛ أنشد! فقال (من المتقارب):
(١٥٦) عجبت لحرّاقة ابن الحسي ... ن لا غرقت كيف لا تغرق
وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسّها كيف لا تورق؟
فقال طاهر: أعطوه ثلاثة آلاف دينار! ثم قال: زدنا حتى نزيدك! فقال:
كلّ منا أخذ الكفاية! قلت: وما أحسن هذين البيتين في بعض الرؤساء وقد ركب البحر؛ وهما (من الطويل):
ولمّا امتطى البحر ابتهلت تضرّعا ... إلى الله يا مجري الرياح بلطفه
جعلت الندى من كفّه مثل موجه ... فسلّمه واجعل موجه مثل كفّه
وكان طاهر يلقّب ذو اليمينين لفرط جوده وسماحته. وكان أعور بفرد عين. وهجاه عمرو بن بانة الشاعر فقال (من الرجز):
يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين وعين زائدة
ويحكى أنّ إسماعيل بن جرير البجليّ الشاعر كان مدّاحا لطاهر بن الحسين المذكور فقيل له إنه يسرق الشعر ويمدحك به! فأحبّ أن يمتحنه فقال له: تهجوني! فامتنع فألزمه بذلك فكتب إليه يقول (من الوافر):
رأيتك لا ترى إلاّ بعين ... وعينك لا ترى إلاّ قليلا
فأمّا إن أصبت بفرد عين ... فخذ من عينك الأخرى كفيلا
فقد أيقنت أنك عن قليل ... بظهر الغيب تلتمس السبيلا
стр. 2179
فلمّا وقف عليها قال له: إحذر أن تنشدها أحدا! ومزّق الورقة. وأخبار طاهر كثيرة. وولده عبد الله في الجود واصطناع المعروف <مثله>.وإنما نذكر من كلّ شيئ طرفا، ومن كلّ فنّ لطفا.
ذكر سنة ست ومائتين
(١٥٧) النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وتوفي أبو نصر محمد بن السريّ وولي مكانه عبيد الله بن السريّ على الحرب، وإبراهيم على الخراج والقضاء والقصص جميعا.
وكان المأمون ﵀ أفضل الناس وأغزرهم مروءة وأكثرهم ذكاء وأتمّهم رئاسة. حكى القاضي ابن أكثم قال؛ بتّ ذات ليلة عند المأمون فترك وسادي إلى وساده فلحقه في الليل سعال فعاد يحشو منديل كمّه في فيه حتّى لا يجزعني من نومي وفعل ذلك عدّة مرار وأنا أراه وأريه أنّي نائم لأنظر آخر أمره.
ثم إنه عطش فقام يمشي وهو يخفّف الوطء حتّى أتى إلى مكان كيزان الماء فشرب ثم عاد ولم يوقظ أحدا من نومه. ثم لم يزل يكابد السعلة ويخفيها إلى أن برق الضوء فتحركت فقال: الصلاة رحمك الله! فنهضت وقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين فقد أتعبت الخلائق أجميعن! فقال: وما ذاك يا قاضي؟ فقصيت
стр. 2180
عليه جميع ما عاينته منه؛ فقال: أو كنت غير نائم؟ فقلت: نعم والله حتّى شاهدت ما قد وهبك الله من عظيم قدرته! فتبسّم ونهض إلى الصلاة.
ذكر سنة سبع ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(١٥٨) الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وعبيد الله بن السريّ بمصر وأضيف إليه الخراج فولاّه محمد بن أسباط من قبله. واستعفى القاضي إبراهيم بن إسحاق فأعفي وولي القضاء إبراهيم بن الجرّاح.
ذكر سنة ثمان ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وعبيد الله بن السريّ بحاله على مصر حربا وخراجا. والقاضي إبراهيم بن الجرّاح بحاله مستمرا. ولم يتجدد شيئ فيذكر بحكم التلخيص.
стр. 2181
ذكر سنة تسع ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن الرشيد. وعمّال مصر بحالهم.
فيها كانت بيعة ابن عائشة وهو إبراهيم بن محمد بن عبد الوهّاب بن إبراهيم الإمام. وعائشة جدته أمّ أبيه وبها يعرف إبراهيم؛ وهي بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس. وأمّها أمّ جعفر بنت جعفر بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵇. فولد عبد الوهّاب ينسبون إليها. فبويع لإبراهيم هذا سرا في هذه السنة، واجتمع له عدة من وجوه قواد المأمون؛ بينهم محمد بن إبراهيم الإفريقي ومالك بن شاهي (١٥٩) وابن شاهك وغيرهم. فنمي الخبر إلى المأمون فقبض على ابن عائشة وعلى جميع من بايعه فحبسهم في المطبق. ثم حدث حدث في المطبق فضرب عنق ابن عائشة وأعناق جماعة معه وصلبه في صبيحة تلك الليلة. وكان ابن عائشة أول عبّاسيّ صلب في الإسلام.
والله أعلم.
ذكر سنة عشر ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا
стр. 2182
وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وعبيد الله بن السريّ بحاله إلى مستهلّ ذي القعدة نزل عبد الله بن طاهر ببلبيس وأقام بها بقيّة السنة.
وإبراهيم بن الجرّاح على القضاء.
وكان المأمون قد استشار طاهرا فيمن يولّيه مصر فأشار بولده عبد الله. وهو الذي أحدث بمصر زراعة البطيخ العبدلي فنسب إليه؛ قيل إنه أحضر زريعته معه من خراسان.
وفيها تزوّج المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل. وكانت الوليمة العظيمة التي لم يسمع بمثلها. وسبب زواجه بها ما ساقه ابن عبد ربّه في كتاب العقد من أطرف ما يسمع؛ أثبتّ ذلك في كتابي المسمّى بحدائق الأحداق ودقائق الحذّاق ووسمته باسم القاضي علاء الدين ابن الأثير برّد الله ضريحه لما كان بيني وبينه من الأخوّة والصحبة القديمة من الصغر. وهو كتاب يشتمل على أربعة أجزاء جامع لفنون الأدب وعيون النخب. فتركت أن أثبت الواقعة في هذا التاريخ إجلالا لذلك الكتاب؛ والله الموفّق للصواب.
стр. 2183
(١٦٠) ذكر سنة إحدى عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. ودخل عبد الله بن طاهر مصر، وعزم على محاربة عبيد الله بن السري ثم وقع بينهما الصلح فسوّغه عبد الله بقية خراج السنة، وعزل إبراهيم بن الجراح عن القضاء، وولّى عيسى بن المنكدر وأجرى عليه في كلّ شهر أربعة آلاف درهم.
وفي هذه السنة ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي عمّه. وقيل: بل في سنة عشرة؛ أحضر إليه وهو في زيّ النساء فلمّا مثل بين يديه قال: من ولي الأمر محكّم في القصاص. ومن تناوله الاغترار بما مدّ إليه من أسباب الرضا أمن من عادية الدهر في نفسه. وقد جعلك الله فوق كلّ ذي ذنب كما جعل كلّ ذنب دونك؛ فإن أخذت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك. ثم قال (من المجتث):
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقّك أولا ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
فقال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق والعبّاس-يعني عن أخيه المعتصم وولده؛ فأشار بقتلك! قال؛ فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال؛ قلت لهما: بدأنا له بالإحسان ونحن متمّموه له فإن غيّر فالله مغيّر! قال إبراهيم:
стр. 2184
أما ألاّ يكونا قد نصحا في عظيم الملك وجلالة الخلافة وما جرت عليه السياسة فقد فعلا. وقد بلغا ما بلغه ذو الرأي (١٦١) السديد؛ ولكنك أبيت أن تستجلب النصر إلاّ من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا! فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلا يا أمير المؤمنين إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام. ثم قال: وإن كان قد بلّغني جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغاني عفوه. ولي بعدها شفاعة الإقرار بالذنب، وحقّ الأبوّة بعد الأب. فقال المأمون: يا إبراهيم! لقد حبّب إليّ العفو حتّى خفت أن لا أؤجر عليه! أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذّة لتقربوا إلينا بالجرائم! لا تثريب عليك يغفر الله لك. ولو لم يكن في حقّ نسبك وسببك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أمّلت من حسن تنصّلك ولطف توصّلك. ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله وأملاكه.
فقال إبراهيم (من البسيط):
رددت مالي ولم تبخل عليّ به ... وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي
وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متّهم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتّى أسلّ النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عاريّة رجعت ... إليك لو لم تهبها كنت لم تلم
وقد كان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق المعتصم والعبّاس ولد المأمون ألطف لطلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى المعاطفة عليه من الإزراء في رأيهما. وكان المأمون قد استشار أيضا في قتل إبراهيم أحمد بن أبي خالد الأحول فقال: إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فلا نظير لك! وكان إبراهيم إذا خلا يقول: والله ما عفا عني لرحم ولا محبّة ولكن قامت له سوق
стр. 2185
في العفو (١٦٢) كره أن يفسدها بي!.
ولمّا وثب إبراهيم لطلب الأمر اقترض من التجار أموالا كثيرة؛ وكان في ذلك لعبد الملك الزيّات عشرة آلاف دينار فلمّا لم يتمّ أمره لوى التجار أموالهم. فصنع محمد بن عبد الملك الزيّات-الآتي ذكره إن شاء الله تعالى- قصيدة يخاطب فيها المأمون منها الإغراء بإبراهيم بن المهدي يقول فيها (من الطويل):
وو الله ما من توبة نزعت به ... إليك ولا حبّ نواه ولا ودّ
فلا يتوكا الناس موضع شبهة ... فإنك مجزيّ بحسب الذي تسدي
فكم غلط للناس في نصب مثله ... بمن ليس للمنصور بابن ولا المهدي
فكيف بمن قد بايع الناس والتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعه ... ينادي بها بين السماطين من بعد
ومولاك مولاه وجندك جنده ... «وهل يجمع السيفان-ويحك-في غمد»
وأيّ امرئ سمّى بها قطّ نفسه ... ففارقها حتّى يغيّب في اللحد
فإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جدّ
فلم أجزه إذ خيّب الله سعيه ... على خطأ قد كان منه ولا عمد
ولم ترض بعد العفو حتّى رفدته ... وللعمّ أولى بالتعهّد والرفد
فليس سواء خارجيّ رمى به ... إليك سفاه الري والرأي قد يردي
стр. 2186
وآخر في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد
ثم عرضها عليه. ولم يكن محمد يومئذ من أهل النباهة ولا من أرباب الوجاهة. فلمّا وقف عليها إبراهيم سأله كتمانها واستحلفه على ذلك، وأدّى مال أبيه دون جميع التجار. فلو كان إبراهيم واثقا بعفو المأمون لما التفت إلى هذا الإغراء، ولا عرّج على ذلك الافتراء. وكيف (١٦٣) يثق به وهو لم يخل في أيامه من الترويع، ولا سلم من مخاوف التخويف والتقريع. ولا جرم أنه أحلّ نفسه في محلّ المراتب السخيفة خشية على نفسه وخيفة. ولم يأمن على نفسه حتّى قضى المأمون نحبه، ولا اطمأنّ حتّى مضى لسبيله ولقي ربّه.
ذكر سنة اثنتي عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وخرج عبد الله بن طاهر من مصر إلى العراق واستخلف على الحرب عيسى بن يزيد الجلودي، وعلى الخراج سهل بن أحمد. وابن المنكدر قاضيا مستمرا.
стр. 2187
فيها كان ابتداء المحنة العظيمة وإظهار القول بخلق القرآن وكان الذي قام بهذا الأمر بشر المريسي وبنو الجهم. وشاع ذلك وذاع، وقتل من خالف، واختفت العلماء والأئمة في منازلهم وامتنعوا من الصلوات في الجوامع، وقتل منهم خلق كثير. وكانت من المحن العظيمة حتّى عاد لذلك عبد العزيز الكناني وتوصّل من الحجاز إلى دار السلام واحتال في التوصّل إلى المأمون، وعقد لهم مجلسا عظيما، وحصل الجدال بين عبد العزيز ﵁ وبين بشر المريسي. وهذه الماجريّة تسمّى الحيدة وهي طويلة جدا ضمّنتها بكمالها في كتابي المسمّى بذخائر الأخاير الذي وسمته باسم القاضي المرحوم فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، وجعلته ثلاث ذخائر: الأولى ذخيرة «الدرّ الثمين في أخبار الأمم المتقدمين».والثانية ذخيرة (١٦٤) «الياقوت البهرمان في تأييد تنزيل القرآن بالدلائل الواضحة والبرهان».والثالثة ذخيرة «درر العقيان في خصائص البلدان» مما أعاقني ذلك عن إثباته في هذا التاريخ. وآخر ما انفصل عليه ذلك المجلس المذكور والمحفل المشهور أنّ الله تعالى نصر كلامه وكتابه، وأعلى كلمة عبد العزيز وأثابه، وقهر منازعه ومن انتصر له من أولئك الناس؛ بنصّ التنزيل والتأويل وحكم القياس. وأعيد إلى بلده معجّلا مكرّما
стр. 2188
مبجّلا. فلله الحمد على تأييد تنزيل كلامه فإنه لا رادّ لحكمه، ولا ناقض لإبرامه.
ذكر سنة ثلاث عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. فيها عقد لأخيه أبي إسحاق المعتصم بالله على مصر والشام وعزل الجلودي، وولّى عمير بن الوليد. ودخل المعتصم مصر فقتل عبد السلام وابن حنش وصلبهما على الجسر بسبب ما نقل عنهما فيما يأتي ذكره عند ذكر دولة العبيديين خلفاء مصر في الجزء الذي يتلو هذا الجزء إن شاء الله. وكان على الخراج إسماعيل بن موسى، وعلى الحرب صالح بن شيرزاد فعزلهما وولّى إبراهيم بن تميم وعبد الله بن يزيد. والقاضي عيسى بن المنكدر بحاله.
ذكر سنة أربع عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
(١٦٥) الماء القديم ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
стр. 2189
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والمعتصم على مصر. وولاة الخراج ابن تميم وابن أسباط. وضمن عبد الله بن زيد بن خلف أسفل الأرض.
وعزل عيسى بن المنكدر عن القضاء ولم يولّ أحدا.
وفيها أمر المأمون أن يتولّوا الرصد بمدينة الشماسية من بلاد دمشق فوقفوا على زمن سنة الشمس الرصديّة، ومقدار ميلها، وخروج مركزها، وموضوع أوجها. وعرفوا مع ذلك بعض أحوال الكواكب من السيّارة والثابتة. ثم قطع بهم عن استيفاء غرضهم موت المأمون في سنة ثماني عشرة ومائتين فقيّدوا ما انتهوا إليه وسمّوه «الرصد المأموني».وكان الذي تولّى ذلك يحيى بن أبي منصور كبير المنجّمين في عصره، وخالد بن عبد الملك المرورّوذي، وسند بن عليّ، والعبّاس بن سعيد الجوهري. وألّف كلّ واحد منهم في ذلك زيجا منسوبا إليه موجودا في أيدي الناس. فكانت أرصاد هؤلاء أوّل أرصاد كانت في مملكة
стр. 2190
الإسلام. وقد ذكرت من هذه الصناعة قطعة جيّدة في كتابي المسمّى بأعيان الأمثال وأمثال الأعيان في المحاضرة التاسعة منه المعروفة بالنجوميّة. وهو كلام مفيد للطالب إن شاء الله.
ذكر سنة خمس عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
(١٦٦) ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والمعتصم على مصر بحاله.
وكذلك العمّال من جهته. ومصر بغير قاض.
وفيها كان الغلاء العظيم المفرط بمصر وأعمالها حتّى بلغ القمع ويبة واحدة بدينار ذهب عين مصري. وحصل على الناس ما يطول شرحه من سوء الحال، وأمور تقشعرّ لسماعها الجلود. فنعوذ بالله من أمثالها.
ومن مستظرفات إبراهيم بن المهدي لمّا عاد في طبقة الندماء للمأمون قيل؛ أحضر بين يدي المأمون جماعة اتّهموا بزندقة وثبت عليهم في مجلسه ذلك فقدّموا لضرب العنق فضربت رقابهم. وأحضر آخرهم شابّ فصاح:
стр. 2191
نصيحة يا أمير المؤمنين! فقدّم! وقال: ما نصيحتك؟ فقال: والله إني لم أكن من القوم، ولا أعلم ما يقولون! وإنّما أنا رجل طفيليّ رأيت هؤلاء القوم مجتمعين فظننت أنّهم في وليمة فلم أشعر إلاّ وقد قبضوا عليهم وأنا في الجملة! فقال المأمون: يؤدّب الطفيلي! فنهض إبراهيم بن المهديّ وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين لحالة جرت لي أقصّها لأمير المؤمنين! فقال: هات ما معك يا عمّ! فقال؛ نعم يا أمير المؤمنين! كنت ذات يوم في بعض أزقّة بغداد راكبا دابّتي إذ شمّمت من بعض تلك الآدر رائحة طعام حسن الرائحة كثير الأبزار فتاقت نفسي إليه فرفعت بصري أنظر إلى الدار التي فيها تلك الرائحة فإذا أنا بمعصم في شباك كأنّه عمود رخام أو قطعة من نور؛ قد قمّع أطراف الأنامل بأحمر فعاد كما قال (من الطويل):
أشارت بأطراف لطاف كأنّها ... أنابيب دزّ قمّعت بعقيق
(١٦٧) وأومت إلى خدّ كأنّ بياضه ... بريق سيوف أو لهيب حريق
قال إبراهيم: فشغلني حسن ذلك المعصم عن رائحة الطعام فبهتّ ساعة فلمّا أحسّت صاحبته بتأمّلي إليها قامت وغلّقت باب الشبّاك فأخذت قلبي وجميع جوارحي فحرّكت دابّتي إلى خيّاط على رأس الزقاق فسألت منه: لمن الدار؟ ومن هو صاحبها؟ فقال: هو رجل تاجر كبير القدر يقال له أبو محمد ابن خواجا عمر، ويدعو اليوم عنده دعوة لجماعة من أصحابه ونظرائه. فهو معي في الكلام وإذا قد ظهر ثلاث نفر ركّاب على دوابّ فره عليهم آثار الحشمة؛ فحرّكت دابّتي إلى نحوهم وقلت: جعلت فداكم إنّ أبا محمد قد أعياه انتظاركم وقد بعثني مستحثا لسرعة قدومكم! ثم تقدّمتهم إلى باب المنزل فخرج صاحب الدار وتلقّانا بأحسن متلقّى وهو يظنّ أنّي رفيقهم وهم يظنّون أنّي من جهته.
وصرت مع الجماعة إلى منزل حسن قد فرش وزيّن فجلسنا ساعة نتحادث ثم
стр. 2192
أحضرت الموائد من ذلك الطعام الذي شممته فأكلت منه حدّ الكفاية وقلت:
هذا الطعام قد أخذت حظّى منه فكيف لي بصاحبة المعصم؟ ثم أحضروا آنية الشراب وخرجت شابّة كأنّها قضيب خيزران لكنّها ليست هي صاحبة المعصم فسلّمت وجلست واستدعت بعود كما قيل في مثله (من الطويل):
سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أعراق وطابت مغارس
تغنت عليه الورق والعود أخضر ... وغنّت عليه الغيد والعود يابس
فغنت وحرّكت عليه عدّة طرائق وعادت فكان كما قيل (من الكامل):
(١٦٨) في كفّ جارية كأنّ بنانها ... من فضّة قد طوّقت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا نطقت به ... تلقى اليمين على الشمال جوابا
ثم أصلحت شاذّه وحرّكته ثانيا فخيّل لي أنّ الأركان من الدار ترقص من حسن لعبها واستقبلت وأنشدت تقول (من الطويل):
يقولون كم تذري المدامع عينه ... لك الدهر دمع دائم يتحدّر
وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنّها نفس تذوب فتقطر
قال؛ فلم أتمالك نفسي يا أمير المؤمنين دون أن صرخت صرخة طنت لها المكان. فأمسكت ساعة ثم إنّها أعادت الضرب وغيّرت الطريقة وحرّكت وأنشدت تقول (من الطويل):
شكوت فقالت كلّ هذا تبرّما ... بحبّي أراح الله قلبك من حبّي
ولمّا كتمت الحبّ قالت لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني وأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسؤوها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستربحوا الأجر من ربّي
قال؛ فصرخت أخرى أشدّ من الأولى فأمسكت من بعدما نظرت بعينها
стр. 2193
إلى صاحب المنزل كالمنكرة؛ فغمزها بعينه. ثم أعادت الضرب وغيّرت الطريقة وحرّكت وهي تقول (من الكامل):
قالت وقد عاينت حمرة كفّها ... لا تعتبر فالعهد غير مضيّع
ما إن تعمدت الخضاب وإنما ... زفرات ذكرك أوقدت في أضلعي
فبكيت من جزع دما فمسحته ... بأناملي فتخضّبت من أدمعي
قال؛ فكأنما كاشفت ما بقلبي من ذلك المعصم والكفّ المخضّب (١٦٩) فلم أتمالك والله دون أن صرخت صرخة أعظم من الأوليين. فلم أشعر بها إلاّ وقد ضربت بالعود الأرض كسرته ونهضت مغضبة وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟! وإنّ القوم توثّبوا لذلك ونظر بعضهم إلى بعض فقلت لصاحب المنزل: هل من عود غيره؟ فقال: نعم! وأحضر عودا أحسن من ذاك فأخذته يا أمير المؤمنين وأصلحته وحرّكت تحريك ذي قلب قريح وفؤاد جريح، وأنشدت (من الطويل):
ترى الدرّ منظوما إذا ما تكلمت ... وكالدرّ منظوما إذا لم تكلّم
تعبّد أحرار القلوب بحبّها ... وتملأ عين الناظر المتوسّم
قال؛ وإذا بتلك الصبية خرجت وهي حاسرة عن رأسها فقبّلت أقدامي ودموعها تجري؛ فقبلت عذرها وزال عن القوم ما كانوا فيه، وأقبلوا يعتذرون، وسألوني الزيادة؛ فأصلحته وغيّرت وأنشدت (من الكامل):
وحديثها السحر الحلال لو انّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنها لم توجز
قال؛ فطاب لهم الوقت وشربوا بالكاس والكاس، وقبّلوا جميعا أطارفي، وسألوني أن أزيدهم فحرّكت وغيّرت وأنشدت (من البسيط):
стр. 2194
نفسي الفداء لمن قامت تودّعني ... والصبر قد غاب والتوديع قد حضرا
فخلت محمرّ دمعي في غلائلها ... من حبّ رمّان نهديها قد انتثرا
قال؛ فصرخت الجارية وقالت: السلاح يا قوم! هذا في الأحلام لا يكون، فكيف في اليقظة؟! فطاب لهم الشراب وسكروا الأصناف، وانصرفوا محمولين إلى منازلهم وبقيت أنا وصاحب البيت (١٧٠) إذ كان أصحّ منهم عقلا وأثبت جأشا. فلمّا خلونا قال: يا سيّدي! لقد ضيّعنا ما كان من أعمارنا في غير فائدة إذ لم نكن نعرفك فيه، فيالله من تكون، وكيف كان سبب تصدّقك علينا؟ قال؛ فقصصت عليه الحال وعن الطعام وصاحبة المعصم وعرّفته بنفسي فنهض يا أمير المؤمنين قائما وقبّل الأرض وقال: أنا جالس مع الخلافة ولا أشعر؟! والله لا برحت أو أعرض عليك سائر من عندي! وأمر بإخراج سائر جواريه وسراريه فلم أجد صاحبة المعصم فيهم. فقال: والله يا سيّدي لم يبق غير الوالدة والأخت. فقلت: فالأخت خالية من بعل؟ فقال: نعم! فقلت: إبدأ بها جعلت فداك! فأخرجها فإذا هي صاحبة المعصم بعينها. فلمّا عرفتها أطرقت إلى الأرض حياء فقال: يا سيّدي! ترى أن أكون عبدك وهي أمتك؟ وأعقد لك عليها؟ فقلت: نعم! قال؛ فأمر برفع تلك الآنية وأحضر عشرة من مشايخ جيرانه، وأخرج بدرة دراهم وقال: إشهدوا عليّ أنّي زوّجت أختي فلانة من سيّدي إبراهيم بن المهدي هذا، وأمهرتها عنه من مالي هذه البدرة. ثم أمر بجملة نثار نثر على تلك الجماعة وصرفهم. وقال: إن شئت مهّدت لك فبتّ مع أهلك هنا، وإن شئت حملتها إليك! فاستحييت أن أبيت معها في منزل الرجل؛ فأمر بعماريتين وحملت إلى منزلي ومعها من القماش والأمتعة ما ضاقت به منازلنا، واستولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين! فأعجب المأمون م
стр. 2195
سمع، وأطلق ذلك الطفيليّ وأنعم عليه، وأمر بإحضار ذلك الرجل وأن تكون له نوبة في المنادمة بالحضرة. (١٧١)
ومن أطرف ما قيل في طفيلي هذين البيتين (من الخفيف):
تعجبه من غيره دعوة ... فهو يراها أبدا في المنام
قد كتب التطفيل في وجهه ... هذا قتيل في سبيل الطعام
ولبعض الكرماء الأجواد-وهو عبد الله الهروي؛ يقول (من السريع):
إنّ الطفيليّ له حرمة ... زادت على حرمة ندمان
لأنه جاء ولم أدعه ... مبتدئا منه بإحسان
وما أحسن هذه الاستعارة في مديح ملك (من مجزوء الكامل):
ملك طفيلي السما ... ح على الأقارب والأباعد
ما فرّجت أبوابه ... إلاّ تفرّجت الشدائد
ذكر سنة ستّ عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع فقط. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. وفيها قدم المأمون إلى مصر
стр. 2196
لسبع ليال خلون من المحرّم ثم خرج إلى البيما وسباها. وفيها ابتدئ ببناية المقياس المأموني الذي هدمه الماء. واشتدّ بالناس الغلاء وعزّ القمح جدا.
وضمن إبراهيم بن تميم وأحمد بن أسباط الخراج بألفي ألف دينار وسبعين ألف دينار. ثم خرج المأمون متوجّها إلى الشام. ثم توجّه إلى العراق؛ والبلاد في ولاية المعتصم. وهي بغير قاض.
وفيها (١٧٢) توفّي طاهر بن الحسين وعقد المأمون لعبد الله بن طاهر على خراسان.
ذكر سنة سبع عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. ومصر في ولاية المعتصم
стр. 2197
ومن قبله عليها كيدر واسمه نصر بن عبد الله على الحرب، وابن تميم وابن أسباط على ضمانهما الخراج. وولي القضاء هارون بن عبد الله الزهري؛ وكان محمودا. وتزايد الغلاء بمصر، وأخلوا أكثر أهلها شرقا وغربا ولم يبق بها إلاّ ذو قدرة وميسرة. وعبد الله بن طاهر بخراسان.
روي أنّ سوّارا دخل عليه وهو يومئذ بخراسان فقال: أصلح الله الأمير (من الطويل):
لنا حاجة والعذر فيها مقدّم ... خفيف معناها مضاعفة الأجر
فإن تقضها فالحمد لله وحده ... وإن أنت لم تفعل ففي أوسع العذر
قال له: حاجتك أبا عبد الله! قال: كتاب لي-إن رأى الأمير أكرمه الله- أن ينفذه في خاصّة كتبه إلى محمد بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي! قال عبد الله بن طاهر: أو غير ذلك أبا عبد الله؟! تعجيلها لك من مالنا فإذا هي وردت كنت مخيّرا بين أن تأخذ أو تردّ! فأنشأ سوّار يقول (من المتقارب):
فبابك أيمن أبوابهم ... ودارك معمورة عامره
وكفّك حين ترى المجتبين ... أندى من الليلة الماطره
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأمّ بابنتها الزائره
(١٧٣) ومآثر عبد الله بن طاهر وجوده كثيرة لو شرحناها لخرجنا عن الاختصار. وكذلك جميع أهل بيتهم نسجوا على منوال واحد في الجود والكرم.
стр. 2198
ذكر سنة ثمان عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد إلى أن توفّي ﵀ في تاريخ ما يأتي. وولّى المعتصم ولده إسحاق مصر لمّا تولّى الخلافة. واستمرّ كيدر وابن أسباط على الخراج. والقاضي هارون بن عبد الله بحاله.
كان المأمون يقول: نظرت في الطالع فرأيت أنّي أقبر بالرقّة! فكان إذا مرّ بها وعبر عليها يسرع في السير. فلمّا كان في غزاة الصائفة مرّ يريد طرسوس فمرّ بأرض سهلة طيبة كثيرة العشب والخضرة فأمر بالنزول بها وطابت نفسه بالإقامة فيها. واغتسل في ذلك النهر فحمّ وقوي به المرض فنظر إلى بناء عن بعد فقال لبعض غلمانه: أنظر ما هذا البناء! فقيل: هو دير. فاستدعى براهبه وسأل منه ما اسم هذا الدير؟ قال؛ يقال له دير البدندون. قال: وما تفسير ذلك بالعربي؟ قال: معناه قرب الأمر مدّ رجلك! فارتاع لذلك. وكان يقول بالتفاؤل؛ فعلم أنّه ميّت. ولقوّة جزعه لم يتمّ يومه حتّى مات. رحمه الله تعالى. وذلك يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين. مدّة خلافته عشرون
стр. 2199
سنة. عمره ثمان وأربعون سنة. وقيل تسع وأربعون. مولده ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة. <قيل: لم ير تباعد أكثر مما بين قبر الرشيد وقبر ولده المأمون؛ دفن الرشيد ﵀ بطوس، ودفن المأمون ﵀ بطرسوس؛ فسبحان الحيّ الذي لا يموت>.
(١٧٤) صفته: أبيض، تعلوه شقرة، ربعة، أقنى، أعين، ضيّق الجبهة، طويل اللحية دقيقها بخدّه الأيمن خال وخّطه الشيب.
وزراؤه: الفضل بن سهل ذو الرئاستين. ثم أخوه الحسن بن سهل، وأحمد بن أبي خالد، وأحمد بن يوسف. والله أعلم.
نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله. عبد الله يؤمن بالله. إسأل الله يعطيك؛ ذكره القضاعي.
ذكر خلافة المعتصم بالله بن هارون الرشيد
وما لخّص من سيرته
هو أبو إسحاق محمد وقيل أحمد بن هارون الرشيد. وباقي نسبه معلوم.
стр. 2200
يقال له السبّاع والبيطار والخليفة الثماني. فأمّا السبّاع فإنّه كان يصيد السباع بيده، ويلوي أعمدة الحديد في حلوقها أطواقا ويرسلها. وأمّا البيطار فإنه كان يصيد حمر الوحش فيغلّها بالحديد ويطلقها. وأمّا الثماني فإنّ أحواله جميعها جرت على ثمانية ثمانية كما يأتي ذكر ذلك. أمّه أمّ ولد يقال لها ماردة من مولّدات الكوفة. وقيل إنها تركيّة. بويع له يوم مات المأمون وكان بطرسوس ثم قدم إلى بغداد غرّة شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين. وكان ذلك بعهد من المأمون له. وشخص إلى سرّ من رأى سنة عشرين ومائتين واتخذها دارا.
تفسير الكلام كونه عرف ولقّب بالخليفة الثماني. وذلك أنّه الثامن لولد العبّاس. وثامن الخلفاء العبّاسيين. والثامن بولد الرشيد. ومولده سنة ثمان وسبعين في الثامن من الشهر الثامن (١٧٥) من السنة المذكورة. <ومات> وعمره ثمان وأربعون سنة. وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.
وفتوحه ثمان. وتوفّي لثمان بقين من شهر ربيع الأول. وخلّف ثمانية بنين وثماني بنات. وخلّف من العين ثمانية آلاف ألف دينار وثمان مائة ألف ألف درهم وثمانية آلاف غلام وثمانية عشر ألف دابّة وثمان مائة حظية. هذا ما ذكره أبو منصور الثعالبي وهو عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري
стр. 2201
الذي قال في حقّه ابن بسّام صاحب كتاب الذخيرة: كان أبو منصور في وقته راعي تلعات العلم، وجامع أسباب النثر والنظم، رأس المؤلّفين في زمانه، والمصنّفين بحكم قرانه، وتواليفه أشهر مواضع وأبهر مطالع وأكثر راولها وجامع من أن يستوفى لها حدّ أو وصف أو يوفي حقوقها نظم أو رصف. فمن جملة نظمه ما كتب به إلى الأمير أبي الفضل الميكالي ﵀ يقول (من الكامل):
لك في المفاخر معجزات جمّة ... أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شانه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
كالنور أو كالبدر أو كالسحر أو ... كالوشي في برد عليه موسّع
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف ... راس البديع وأنت أمجد أروع
ونقشت في فصّ الزمان بدائعا ... تزري بآثار الربيع الممرع
ومن شعره أيضا يقول (من البسيط):
لمّا بعدت فلم توجب مطالعتي ... وأمعنت نار سوقي في تلهّبها
(١٧٦) ولم أجد حيلة تبقي على رمقي ... قبّلت عيني رسولي إذ رآك بها
وأمّا تواليفه فيقال إنها تسعة وتسعين كتابا. فقيل له: لم لا تكمّلها مائة؟
стр. 2202
قال: تقلّ في النطق بها. والذي وقف العبد عليه من تصانيفه: كتاب فقه اللغة وسرّ البلاغة، وكتاب من غاب عنه المطرب، ومؤنس الوحيد، ولطائف المعارف، وكتابه الذي ما عمل في فنّه مثله المسمّى «يتيمة الدهر»؛وهو أكبر كتبه على علمي مما وقفت عليه وأحسنها وأجمعها. وفيها يقول أبو الفرج نصر الله بن قلاقس الإسكندري (من مجزوء الكامل):
أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سمّيت اليتيمه
ونعود إلى ذكر المعتصم بالله. ومن جملة فتوحاته عمّورية؛ وهي التي امتدحه فيها أبو تمّام الطائي بالقصيدة المشهورة التي أوّلها:
*السيف أصدق أنباء من الكتب*
وفيها يقول (من البسيط):
رمى بك الله برجيها فهدّمها ... ولو رمى بك غير الله لم يصب
فقيل له: جعلك حجرا! فقال: إذا كان الله الرامي فلا أبالي أيّما كنت!
ذكر سنة تسع عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
стр. 2203
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وطلب ولده إليه إلى العراق من مصر. وولي الحرب بها رجل من خراسان يقال له دلور ثم المظفّر بن كيدر.
وضمّان الخراج بحالهما. وكذلك القاضي هارون. (١٧٧)
وكان المعتصم أمّيا دون سائر الخلفاء. وسبب ذلك ما رواه المسعودي ﵀ أنّ الرشيد كان يحبّه فسمعه يوما وقد خرجت جنازة بعض خدم القصر وهو يقول: وددت-والله-لو كنت مثل هذا الميّت واستريح من كدّ التعليم! فقال الرشيد: والله لا حملت على ولدي شيئا يتمنّى من أجله الموت! ووجدت في مسوداتي أنه قرأ بين يديه بعض كتّابه يسمّى أحمد بن إسماعيل كتابا ورد على المعتصم من بعض الأعمال يقول فيه: وأمطرنا حتّى كثر لدينا الكلأ؛ فقال المعتصم: يا أحمد! وما الكلأ؟ قال: لا علم لي! فقال المعتصم: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله! خليفة أمّي وكاتب عامّي! ضاع الناس بيننا! أنظروا من بالباب! فلم يكن غير محمد بن عبد الملك الزّيات، وكان يخدم يومئذ في مطبخ الآدر؛ فلمّا مثل بين يديه قال له المعتصم: من تكون يا شاب؟ فقال: شبيب دولتك، وربيب نعمتك محمد بن عبد الملك! فقال: يا محمد! ما الكلأ؟ فقال: ما يبس من حشيش الأرض ونباتها يا أمير المؤمنين. ثم قصّ عليه النبات من ابتدائه إلى كهولته إلى يبسه وما قالت فيه العرب منظوما ومنثورا، وطرّز ذلك بذكر الديار والأطلال والدمن ووقائع العرب وأيامها المشهورة بأفصح لسان وأحسن بيان.
فسلّمه منذ ذلك اليوم ديوان الترسّل وفضّ الخرائط.
стр. 2204
ذكر سنة عشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(١٧٨) الخليفة محمد المعتصم بالله هارون الرشيد. وولي موسى بن أبي العبّاس حرب مصر. وأفرد إسحاق بن إبراهيم بن تميم بالخراج. وعزل ابن أسباط. والقاضي هارون الزهري مستمرّ بحاله.
ذكر محمد بن عبد الملك الزيّات
روي أنّ محمدا هذا كان أبوه عبد الملك صاحب حانوت يبيع فيه الزيت، وكان ذا مال. وكان محمد من صغره متولّعا بالاشتغال. وكان أبوه يدعه في حانوته ليبيع عنه كعادة أبيه ويغيب أبوه عنه في أشغاله فيترك محمد الحانوت ويأتي حلقة يونس وحلقة الكسائي وغيرهما من المشايخ فيأتي أبوه إليه ويضربه ويعيده إلى حانوته. فأتى ذات يوم وهو في حلقة الكسائي فضربه وأقامه والشيخ ينظر إليه فسأله فقال: يا سيّدي! نحن قوم عامّة ولنا حانوت نسترزق الله تعالى فيها فأدعه بها فيتركها ويحضر عندكم فما هو وذاك؟ فقال الشيخ: يا ولدي! ولم تخالف أباك؟ فقال: يا سيّدي رغبة في العلم، وبغضا في حرفتنا.
стр. 2205
فقال له الشيخ: فهل عندك شيئ مما نحن فيه؟ قال؛ فقصّ عليه جميع ما يقوله الشيخ، وما يرمي من المسائل وما يجاب ويجيب عنها في تلك الأيام يوما بيوم.
فبهت الشيخ وسائر من حضر فقال لأبيه: إن رأيت أيّها الرجل أن تخلّي عن ولدك وأنا أدفع إليك أجرته فسيكون له شأن من الشأن! فقال أبوه: معاذ الله! فإن كان صالحا لخدمة سيّدي فلا عدت أعرض له. فكان محمد إذا أتى أباه وأمّه يهزآن به ويسخران منه فيقول لأبيه: والله لأطعمنّك اللوزينج في صحاف الفضة على محامل البلور بحضرة الخلفاء! ولا زالت (١٧٩) تترقّى به الأحوال إلى أن صار منه ما صار حتّى وزر للمتوكّل وللواثق من قبله. فبينما هو ذات يوم بحضرة الواثق وقد أحضر لوزينج في صحاف البلور على محامل الفضّة فتذكّر قوله لأبيه فدمعت عيناه! فرآه الواثق فسأله فقصّ عليه ولم يخفه شيئا فأمر بإحضار أبيه وكان قد أسنّ وكفّ بصره فلمّا حضر عاد يأخذ يده ويضعها على الصحاف البلور والمحامل الفضة ويلقمه من اللوزينج وقال: ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ﴾!
ذكر سنة إحدى وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وموسى بن أبي العبّاس على حرب مصر. وعزل إسحاق وولي عبد الله بن عبد الرحمن الخراج.
والقاضي هارون الزهري بحاله.
стр. 2206
روى ابن عساكر-في تاريخه-﵀ عن الدولابي أنّ المعتصم اقتنى أسدا عظيم الخلق لم ير الناس مثله؛ فسلسله وجعله في مجلسه. فبينا هو ذات يوم جالس إذ انفلت ذلك الأسد من وثاقه ووثب على المعتصم فضربه بعمود كان لا يبرح في يده من حديد بحلق من ذهب فحطّم به رأس الأسد ولعظم الضربة انكسرت يده، وانصرع الأسد مجندلا! فأحضر المعتصم المجبّر فجبر يده فلمّا جبرت وجدها معوجّة فأحضر المجبّر وقال: اعدلها! فقال: يا أمير المؤمنين! لا تعتدل حتّى تكسر ثانيا! فرفع (١٨٠) يده وضرب بها حافّة السرير فكسرها وقال: جبّر معتدلا وإلاّ ضربت عنقك! فجبرها ذلك اليوم.
ولعظم ما عاين المجبّر من جبروته لم يعش إلاّ أياما قليلة ومات فرقا. وكان شديدا قويا يحمل ألف منّ ويمشي به عدّة خطوات.
ذكر سنة اثنتين وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. ومبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بن هارون الرشيد. وولي موسى بن أبي العبّاس الحرب بمصر. وأبو الجارود الخراج.
وفيها انقضّ نجم لم ير الناس أعظم منه حتّى نودي بالنفير في الرقّة وكور الجزيرة والشامات، وتخوّفت الناس منه عدّة ليال.
стр. 2207
ومن نكت المعتصم ما رواه الطبريّ ﵀ أنّ المعتصم كان ذات يوم في بستان له راكبا حمارا مصرّيا-وكان هذا عوائد الخلفاء في البساتين-فدخل عليه الحاجب يعرّفه بحضور خارجيّ قد مسك فأمر بإحضاره. فلمّا صار بالقرب من المعتصم قبض على مقبض سيف من بعض الموكّلين به ووثب على المعتصم، وانهزم الموكّلون به. فلمّا أراد أن يضرب المعتصم وهو راكب لم يتغيّر؛ فقال المعتصم: يا غلام! إضرب عنقه! فالتفت الخارجي ينظر لمن القول فوثب المعتصم عليه ولكمه أرماه كالحجر ثم تناول السيف منه وذبحه به ورجع إلى مركوبه ولم يتغيّر عليه شيئ، وأمر به فسحب ولا (١٨١) تعرّض لأحد من موكّليه؛ وإنما منذ ذلك اليوم جعل مملوكا يحمل السلاح حيث كان فاستمرّ الحال على ذلك.
ذكر سنة ثلاث وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وموسى بن أبي العبّاس بحاله. وولي سعيد بن البختكان مع المنذر بن الجارود الخراج جميعا.
والقاضي هارون الزهري بحاله مستمرّ على قضائه.
стр. 2208
قال الصولي، قال لي محمد بن يزيد المهلّبي، قال، قال لي محمد بن عمر الرومي الشاعر: لله درّ المعتصم ما كان أعقله من رجل! كان له غلام يقال له عجيب، وكان عند اسمه من حسنه، وكان مشغوفا به. فحارب بين يديه يوما فحسن بلاؤه؛ فدعاني المعتصم فقال: يا محمد! جليس الرجل صديقه وذو نصحه وموضع أنسه، ولي عليك حقّ الرئاسة والإحسان والإمامة؛ فاصدقني عمّا أسألك عنه! فقلت: لعن الله من يقيم نفسه إلاّ مقام العبد الناصح الذي يرى فرضا عليه أن يضيف كلّ حسن إليك. وينفي كلّ عيب عنك وإن كان لا عيب بحمد الله! قال: قد علمت أنّي دون إخواني في الأدب لحبّ الرشيد لي وميلي إلى اللعب وأنا حدث فما نلت ما نالوا. وقد قاتل عجيب بين يديّ فأحسن، وأنت تعلم وجدي به. وقد جاش طبعي بشيئ قلته فإن كان مثله يجوز فاصدقني وإلاّ طويته! قلت: والله لا جزت (١٨٢) ما أمرت به! فأنشدني (من المجتث):
لقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر ... والقدّ يحكي القضيبا
وإن تناول سيفا ... رأيت ليثا حريبا
وإن رمى بسهام ... كان المجيد المصيبا
طبيب ما بي من الحبّ (م) ... فلا عدمت الطبيبا
إنّي هويت عجيبا ... هوى أراه عجيبا
قال؛ فحلفت له أيمان البيعة أنّه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء! فطابت نفسه. فقلت له: يحتاج إلى لحن فيه. فقال: لا أحبّ ذلك
стр. 2209
لذكر عجيب! قلت: فلا يذكر البيتان اللذان فيهما ذكر عجيب! قال: أمّا إذا فنعم! فغنّى به مخارق، ووصلني بخمسين ألف درهم.
كان محمد بن عمر الرومي من الشعراء المفحمين، فائقا على أهل عصره. وله ديوان مشهور في أيدي الناس. وكان هجوه أقطع من مدحه. وهو الذي هجا الورد بمعنى لم يسبق إليه؛ وهو قوله (من البسيط):
يا مادح الورد ما تنفكّ من غلط ... أمّا تأملته في كفّ ملتقطه
كأنه سرم بغل حين أبرزه ... إلى الخراء وباقي الروث في وسطه
وكان يفضّل النرجس على الورد؛ وفي ذلك يقول (من الكامل):
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليها شاهد
لم يخجل الورد المضاعف لونه ... إلاّ وناحله الفضيلة عائد
للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الفضيلة حائد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
(١٨٣) هذي النجوم وهي التي ربّتهما ... بحيا السماء كما يربّى الوالد
فانظر إلى الولدين من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد
فقال أبو الحسن بن يونس المصري يجيبه (من الكامل):
يا من يشبّه نرجسا بنواظر ... دعج تنبّه إنّ ذهنك فاسد
إنّ القياس لمن يصحّ قياسه ... بين العيون وبينه متباعد
أو قلت إنّ كواكبا ربّتهما ... بحيا السماء كما يربّي الوالد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافطن فما يصفرّ إلاّ الجاحد
وقال أبو الحسن أيضا متعقّبا للورد على النرجس (من مجزوء الرمل):
أصبح الورد أميرا ... وله النرجس عبد
стр. 2210
يجلس هذا وهذا ... قائم يقلق وجد
وكذا كلّ أمير ... هو في الإمرة فرد
وأمّا هجو ابن الرومي فله الغاية في ذلك. فمن <ذلك> قوله (من البسيط):
قوم من الزنج والأتراك قد بلغوا ... فينا بأقبح فعل غاية الأمل
ففخر هذا لما قد نيل من دبر ... وفخر هذا لما قد قدّ من قبل
وقوله (من الكامل):
يا ابن الزنيم ويا ابن الغيّ والدنس ... يا ابن الطريق لشارد ولوارد
ما فيك موضع عضّة لبعوضة ... إلاّ وفيها نطفة من واحد
وأجاد في ذكر السفن بالنيل؛ فقال (من السريع):
أما ترى الوقت وألاّفه ... والنيل في غاية إسعافه
كأنّه الرقّ نوتيّنا ... يكتب واوات بمجدافه
وله أشعار فائقة وتشابيه خارقة أضربنا عن ذلك للاختصار. إذ هو كتاب إيجاز، وتاريخ إنجاز لا كتاب إطناب وتعليل وإسهاب.
(١٨٤) ذكر سنة أربع وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
следующие страницы →