← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مع عدّة مخلوقين لا تدرك فأفسدت الجنّ أيضا فى الأرض وبغا بعضهم على بعض وغارت القبائل منهم عليهم وكانت بينهم حروب وقتال وقتل وزاد الأمر فأهبط الله تعالى إليهم إبليس وجعله ملكا فى الأرض وأمره بقتال الجنّ وقتلهم (٢١١) فقاتلهم وقتلهم قتلا ذريعا وأخلى منهم العامر من الأرض وأسكنهم خرابها لما نذكر من ذلك إن شاء الله تعالى. ذكر إبليس والزهرة وهاروت وماروت من تأريخ جدع بن سنان قال جدع بن سنان: إنّ إبليس من خلق الجنّ من مارج من نار، وكان عظيم الخلق حسنه وكان يسكن الأرض، وسبب اتّصاله بمحلّ الملائكة أنّه كان خادما للزهرة، وكانت الزهرة خلقا حسنا فى الأرض من جملة مخلوقات الله ، وكانت أنثى ذات جمال فائق ونور ساطع وبهاء وافر، وكانت الحروب يومئذ بين قبائل الجنّ متّصلة، فلمّا قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»﴾ (١)، وقرئت: «خليقة» قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ»﴾ (٢)، بناء لما فعله الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ والجنّ. قلت: هذا ما ذكر فى هذا التأريخ الغريب إذ قصدنا نورد هاهنا ما تضمّنه من القول وإنّما سأذكر من ذلك ما استخرجته من الصحيحين، وما ورد من تفسير هذه الآية من الوجوه الحسنة وذلك فى أوّل الجزء الثانى منه عند ذكرنا لخلق آدم ﵇، ومنها ورد هاهنا فهو جمع لما قالوه جماعة من المؤرّخين.

стр. 247

قال جدع بن سنان ﵀: فقال الله تعالى وهو أعلم بما يكون وبما كان وما هو كائن: فاختاروا أيّتها الملائكة من بينكم من ينزل إلى الأرض فيحكم بين مخلوقاتى ويأخذ القصاص ممّن بغا من بغى عليه فإنّى لا أحبّ الظلم وأنا القوى العزيز! قال: فاختاروا من بينهم الملكين هاروت وماروت، وكانا أشدّاء أهل السموات السبع عبادة وأكثرهم (٢١٢) تسبيحا وتقديسا. فكانا ينزلان إلى الأرض فيحكمان فيها بين مخلوقات الله على اختلاف أنواعهم وتغاير أجناسهم وتباين خلقهم من عدّة أمم لا تحصى وخلائق لا تدرك فى البرّ والبحر، الجميع يفدون على هاروت وماروت ويحتكمون إليهما من خلق البرّ والبحر حتى إنّ الذرّة لتأتى إليهما وتقول: إن الذرّة مثلى غدت على قوت لى كنت قد ادّخرته لمشتاى فيحكمان بينهما بما ألهمها الله تعالى من فصل الخطاب، حتى إنّ السمكة الصغيرة تستغيث بهما من أذاء الكبيرة فيغيثاها ويمنعاها من أذاءها. ولا يزالا كذلك طول نهارها إلى آخره فإذا جنحت الشمس للغروب نهضا وقالا: سبحانك اللهم وبحمدك، فيكون ذلك منتهى حكمهما ذلك اليوم، ثم يتليان أسماء الصعود فيصعدان إلى محلّ عبادتهما. قال: فركّب الله تعالى فيهما حبّ الشهوة وأتت الزهرة تستغيثهما من حادث حدث عليها فامتحنا بها لمّا عايناها وعادا يردّدانها فى حكومتها ذلك اليوم أجمع وقد اشتغلا بها عن سائر الحكم بين الخلائق ولم يحكمان ذلك اليوم بين أحد من خلق الله حتى نصراها على غريمها ومالا على غريمها وحكما عليه بغير الحقّ. قال جدع بن سنان: فلمّا كان وقت صعودهما قالت لهما الزهرة وقد تحقّقت

стр. 248

ميلهما إليها: لو علّمتمانى الأسماء حتى كنت أصعد معكما ولا أفارقكما، قال: فإنّى قد علمت مراد كما، قال: فعلّماها الأسماء، وكان إبليس قائما معها فاسترق الأسماء وسبقها صعودا ثم تبعته، فمسخت كوكبا فى السماء الثالثة وذلك كان مكان محلّ عبادة هاروت، وصعد إبليس إلى محلّ عبادة ماروت فى السماء الدنيا وتقرّب بالعبادة والتسبيح والتقديس حتى تعجّبت منه ملائكة (٢١٣) السماء الدنيا فاشتاق إليه أهل السماء الثانية فطلع وصعد إليهم وفعل من الاجتهاد فى العبادة فوق ما فعله فى السماء الدنيا، فاشتاق إليه أهل السماء الثالثة فصعد إليهم وفعل كذلك، ولم يزل يتقرّب بالعبادة وكثرة التسبيح والتقديس حتى سمّى طاؤوس الملائكة وعاد قريب القدرة ونديم الحضرة وعلم بإرادة الله وبما سبق له فى غامض علمه الذى لا يعلمه سواه جميع المخلوقات فى السموات السبع والأرضين السبع. قال جدع بن سنان: (١) فلمّا كثر فساد الجنّ فى الأرض لما تقدّم فى ذلك من القول وقد ذكرت الهند والفرس واليونان فى كتبهم-من رواية المسعودى ﵀-قال: إنّ الجنّ كانوا أحد وعشرين قبيلة وإنّ بعد خمسة آلاف سنة من خلقهم ملكوا عليهم سبعة ملوك وجعلوا لكلّ يوم وليلة من أيّام الجمعة لملك من السبعة يحكم فيه عليهم بما شاء كحكم الملوك. قال الإمام فخر الدين الرازى المعروف بابن خطيب الرىّ ﵀: هؤلاء الملوك السبعة حكّام الأيّام السبعة خدّام الكواكب السبعة وهم من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فيوم الأحد الحاكم فيه شمهورش، ويوم الاثنين الحاكم فيه برقان الأعظم، ويوم الثلاثاء الحاكم فيه زوبعة، ويوم الأربعاء الحاكم فيه ميمون

стр. 249

السحابى، ويوم الخميس الحاكم فيه الأبيض، ويوم الجمعة الحاكم فيه الأحمر، ويوم السبت الحاكم فيه المذهب. وقيل غير ذلك فى تنقّل الأيّام بين هؤلاء الملوك السبعة، والمتفّق عليه أنّ أسماءهم هذه، ومنهم من قال إنّهم جميعهم من أولاد إبليس ومنهم من قال إنّهم ملوك الجنّ من قبل هبوط إبليس إليهم وإنّ إبليس قاتلهم وأجلاهم (٢١٤) عن العامر من الأرض وأسكنهم خرابها. وأمّا الزهرة فمسخت كوكبا حسبما ذكرنا، وأمّا هاروت وماروت فإنّهما لمّا علّما الزهرة وإبليس الأسماء سلباها وعلما أنّهما قد عصيا فسألا الله عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة فهما يعذّبان بأرض بابل، ويعلّمان الناس السحر كما قال الله تعالى فى كتابه العزيز: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ»﴾ (١)، الآية. وقد عنوهما الشعراء وذكروهما فى أشعارهم ونسبوا إليهما السحر ولذلك عرفت بابل بالسحر، ومن جملة من ذكرهما فى شعره من شعراء الدولة الأيّوبيّة كمال الدين ابن النبيه عفى الله عنه، فقال من قصيدة (من البسيط): (٢) فلو رآ مقلتاه (٣) ... هاروت آيته الكبرى لآمن بعد الكفر ساحره وهذه القصيدة من قصائده الطنّانات التى أوّلها يقول (من البسيط): باكر صبوحك أهنى العيش باكره ... فقد ترمّم فوق الأيك طائره والليل تجرى الذرارى فى مجرّته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره وكوكب الصبح نجّاب على يده ... مخلّق تملأ الدنيا بشائره

стр. 250

فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب ... تنوب عن ثغر من تهوى جواهره حمراء فى وجنة الساقى لها شبه ... فهل جناها مع العنقود عاصره ساق تكوّن من صبح ومن غسق ... فابيضّ خداه واسودّت غدائره سود سوالفه لعس مراشفه ... نعس نواظره خرس أسواره (١) تعلّمت بانة الوادى شمائله ... وزوّرت سحر عينيه جآذره منها: قامت أدلّة صدغيه لعاشقه ... على عذول أتا فيه يناظره بنىّ حسن أظلته ذوائبه ... وقام فى فترة الأجفان ناظره منها: فلو رأى مقلتاه (٢) ... هاروت آيته ال كبرى لآمن بعد الكفر ساحره (٢١٥) خذ من زمانك ما أعطاك مغتنما ... وأنت ناه لهذا العمر آمره فالعمر كالكأس تستحلا أوائله ... لكنه ربما مجّت أواخره واجسر على فرص اللذّات محتقرا ... عظيم ذنبك أن الله غافره وفى هذه القصيدة امتدح الملك الأشرف مظفّر الدين موسى بن العادل بن أيّوب لما نذكره فى تأريخه إن شاء الله تعالى، وأضربنا عن كثير من شعر ابن النبيه المذكور فى جميع أجزاء هذا التأريخ للعلّة التى يأتى ذكرها فى الموضع اللائق بها. ولبعض المصريّين من قصيدة امتدح بها القاضى المرحوم علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشاء الشريف فى أوّل الدولة الناصريّة بالمملكة الثالثة أعزّها الله بالنصر والقهر، وأدام أيّام مولانا مالكها إلى آخر الدهر، تضمّن

стр. 251

بيت منها ذكر هاروت وهو فى غزلها: نسبوا لبابل سحر مقلته التى ... هاروت منها ظل فى تعقيد وأوّلها (من الكامل): لولا الولوع بمقلة وبجيد ... ما كحّلت جفناى بالتشهيد كلا ولا لذّ الملام لمسمعى ... من عادل ومفنّد وحسود ما فى الغرام علىّ عار بالذى ... فتن الأنام بحسنه المشهود منها: باتت بدور التمّ تحسد حسنه ... فأصابها النقصان بعد مزيد باهنه فى إشراقة شمس الضحى ... فرمى الكسوف بها إلى التسويد غارت غصون البان من أعطافه ... حنقا فشانتها يد التعقيد لو سالمت تلك الغصون قوامه ... لم تشك يوما آفة التجريد ما طال جنح الليل إلا أنّه ... يهوى ذؤابة شعره الممدود تهوى الصبا لفتات واضح جيده ... فلأجل ذا خصّت بحسن الجيد نسبوا لبابل سحر مقلته التى ... هاروت منها ظلّ فى تعقيد (٢١٦) رجع ما انقطع قال المسعودى ﵀: (١) ثم كانت بين الجنّ اختلاف وغارات بين القبائل وعادت بينهم حروب ووقائع وفساد كثير، قال: وكان إبليس من خلقهم وكانت له عدّة أسماء على اختلاف لغاتهم، واسمه بالعربيّة الحارث وكنيته أبو مرّة، ومرّة هذه هى أوّل مولود ولد له فى الأرض على ما ذكره المسعودى،

стр. 252

وسنذكر ما قاله غيره بعد ذلك، وقال: وكان اسمه فى السماء عزازير، ولم يكن فى الجانّ أعظم من خلقه ولا أشدّ بطشا ولا أعظم طاقة، وكان يصعد إلى السماء ويقف فى صفوف الملائكة ويحتهد فى العبادة فلمّا بغا بعض الجنّ على بعض وكانت بينهم تلك الحروب أهبط إلى الأرض بإذن الله تعالى فى جند من الملائكة فقتل من الجنّ قتلا ذريعا وهزمهم إلى خراب الأرض وجعل ملكا من قبل الله على الأرض يحكم بين خلقه من الجنّ بأمر الله وخافوه سائر قبائل الجنّ، وأقام فى الأرض ملكا ما شاء الله من الدهور. وكان يصعد لمحلّ عبادته ليعبد الله تعالى ويهبط إلى الأرض لمحلّ ملكه، ولم يزل كذلك حتى بلى بمحنة آدم ﵇ لمّا تجبّر وطغا وتمرّد، وكان من امتناعه من السجود لآدم صلوات الله عليه ما أخبرنا الله تعالى عنه فى كتابه العزيز على لسان نبيّه الكريم ﷺ لما نذكر من ذلك فى موضعه. قال المسعودى: فأهبط إلى الأرض بعد قصّته مع آدم ﵇ فى أقبح صورة وأشدّ تشويها فأنكره جميع قبائل الجنّ واستوحشوه واستبشعوه وامتنعوا عليه من الطاعة له فلمّا رأى ذلك سكن البحر المحيط وجعل له عرشا على الماء وألقى عليه (٢١٧) حبّ الشهوة وعاد لقاحه كلقاح الطير وله بيض يحضنه كما يحضن الطير، ورزق من الأولاد خلق كثير وهم الذين فى طاعته لوسوسة بنى آدم. قلت: هذا ما رواه المسعودى ﵀، ولنذكر الآن ما رواه فى هذا الفصل الشيخ جمال الدين ابن الجوزى ﵀ فإنّه فصل حسن.

стр. 253

ذكر إبليس وأولاد وجنوده وحشوده (١) قال ابن الجوزى ﵀: اختلفوا فى اشتقاقه، قال علماء التفسير: اشتقاق إبليس من الإبلاس وهو الإياس وإبليس يأس من رحمة الله، وقال الجوهرى: (٢) يقال: أبلس فلان إذا سكت غمّا. واختلفوا فى كنيته على قولين أحدهما: أبو مرّة، والثانى: أبو العمر، واختلفوا فى اسمه أيضا، فقال الجوهرى: كان اسمه عزازيل وهو قول ابن عبّاس، وقيل الحرث. واختلفوا هل كان من الملائكة، رواه سعيد بن جبير، والثانى أنّه من الشياطين، قاله الحسن البصرى، قال: ولم يكن من الملائكة قطّ، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ»﴾ (٣)، الآية، والثالث: إنّه لا من الجنّ ولا من الملائكة بل هو خلق مفرد خلقه الله من النار كما خلق آدم من الطين، قاله مقاتل، وقد رجّح علماء التفسير قول ابن عبّاس إنّه كان من الملائكة، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ»﴾ (٤)، وهذا استثناء متّصل فدلّ على أنّه منهم، وأمّا قول الحسن إنّه كان من الجنّ وما احتجّ به من الآية فقد فسّره ابن عبّاس قال: أشراف الملائكة والكبراء منهم يقال لهم الجنّ لأنّهم استتروا عن أعين الملائكة لشرفهم وكان إبليس منهم. قال: وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض وكان يسمّى طاؤوس الملائكة وليس فى (٢١٨) السماء الدنيا مكان إلاّ وقد سجد عليه، ولما عصت

стр. 254

الجنّ فى الأرض بعثه الله فى طائفة من الملائكة فطردوهم إلى الجزائر وأطراف الجبال، فاغترّ فى نفسه وقال: من مثلى؟ ولم يسجد لآدم فمسخه الله شيطانا. قلت: (١) وظاهر الآيات تقتضى التعارض فينبغى التوقّف، قال ابن الجوزى: وقد قال: خلقتنى من نار وخلقته من طين، وإذا كان مخلوقا فى الأصل من النار فكيف يخلق من النور لأنّ الملائكة خلقوا من نور لما ذكرنا من قبل. وذكر أبو جعفر الطبرى ﵀ فى تأريخه الكبير (٢) الذى اعتماد أهل عصرنا عليه لثقته وفضله وتأييده فى هذا الفصل إنّ إبليس بعث حاكما فى الأرض يقضى بين الجنّ ألف سنة ثم عرج إلى السماء فأقام يتعبّد الله حتى خلق الله آدم ﵇. وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجنّ الذين يعملون فى الأرض بالفساد، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، قلت: وهذا الوجه ضعيف جدّا لم أجد أحد من علماء السير وافقه عليه. وقال قتادة فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ»﴾، أى: خرج عن طاعته، والفسق الخروج من قولهم: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها. وقال عبد الله بن أحمد بإسناده إلى ثابت البنانى قال: بلغنا أنّ إبليس ظهر ليحيى ﵇ فرأى عليه معاليق من كلّ شئ، فقال له: ويحك ما هذه المعاليق؟ فقال: الشهوات التى أصيب بها بنى آدم! قال: فهل لى فيها شئ؟ قال: ربّما شبعت فتنقّلت فى الصلاة وتغلب على الذكر، فقال يحيى: فلله علىّ لا أملأ بطنى من طعام أبدا، فقال إبليس: ولله علىّ أن لا أفصح مسلما قطّ، وفى رواية: بشرا قطّ. وبه قال عبد الله بن أحمد بإسناده عن ابن عبّاس، قال: كان إبليس يأتى (٢١٩) يحيى بن زكريا طمعا أن يفتنه وعرف ذلك يحيى منه، وكان يأتيه فى

стр. 255

صور شتّى فقال له: أحبّ أن تأتينى فى صورتك التى أنت عليها، فأتاه فيها فإذا هو مشوّه الخلق كريه المنظر جسده جسد خنزير ووجهه وجه قرد وعيناه مشقوقتان طولا وأسنانه كلّها عظم واحد وليس له لحية ويداه فى منكبيه وله يدان آخرتان فى جانبيه وأصابعه حلقة واحدة وله ضفيران كالليف، وعليه لباس المجوس واليهود والنصارى، وفى وسطه منطقة من جلود السباع فيها كيران معلّقة وعليه حلاحل، وفى يده جرس عظيم، وعلى رأسه بيضة من حديد معوّجة كالخطّاف، فقال له يحيى ﵇: ويحك ما الذى شوّه خلقك؟ فقال: كنت طاؤوس الملائكة فعصيت الله فمسخنى فى أنجس صورة وهى ما ترى، قال: فما هذه الكيران؟ قال: شهوات بنى آدم، قال: فما هذا الجرس؟ قال: صوت المعازف والنوح، قال: فما هذه الخطاطيف؟ قال: أخطف بها عقولهم، قال: فأين تسكن؟ قال: فى صدورهم وأجرى فى عروقهم، قال: فما الذى يعصهم منك؟ قال: بغض الدنيا وحبّ الآخرة! وقال الخطيب بإسناده عن ابن المنادى، قال: يجئ الشيطان الذى يقال له القرقيّة فى صورة طائر، وفى رواية: يجئ الشيطان فى صورة طائر يقال له القرقيّة فيخفق بجناحه على عين الرجال الذى يقر أهله على الفاحشة فلا ينكرها بعد ذلك. وقال أحمد بن حنبل ﵀ (١) بإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : يضع إبليس عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ويجئ أحدهم (٢٢٠) فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه منه

стр. 256

ويلتزمه ويقول: نعم أنت أنت، انفود بإخراجه مسلم. وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن ابن مسعود أنّ الشيطان إذا طاف بأهل مجلس ذكر ليفتنهم فلم يقدر على التفرقة بينهم فأغرى بين أهل المجلس الآخر فاقتتلوا فقام أهل الذكر على التفرقة بينهم فحجزوا بينهم حتى تفرّقوا. وذكر عبد الله أيضا عن قتادة، قال: لإبليس شيطانا يقال له قبقب يحمّه أربعين سنة فإذا دخل الغلام فى هذا الطريق قال له: دونك وإيّاه فإنّما أحممتك لمثل هذا أجلب عليه وأفتنه. وقد ورد فى الشيطان حديث أنّه جاء إلى النبىّ ﷺ ، قال ابن الجوزى: حدثنا جدّى حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن جيرون بإسناده إلى عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنّا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل أقبح الناس وجها وثيابا وأنتنهم ريحا حافيا يتخطّى رقاب الناس فجلس بين يدى النبىّ ﷺ فقال: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن خلق السماء والأرض؟ قال: الله، قال: فمن خلق الله؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا إبليس جاء ليشكّككم فى دينكم! قال ابن الجوزى: قال جدّى: هذا حديث لا أصل له وعبد الله بن دينار ضعيف تهم فى الأحاديث، وهذا إنّما هو حديث أبى هريرة عن رسول الله ﷺ : إنّ الشيطان يأتى أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا من خلق الله، وتمّ الحديث، وقد خلّطه ابن المدائنى، وحديث أبى هريرة صحيح، ولمسلم عن جابر عن النبىّ ﷺ أنّه قال: إذا أذّن المؤذّن هرب الشيطان حتى يكون بالروحاء من المدينة ثلاثون ميلا.

стр. 257

(٢٢١) ذكر أولاده الخمسة (١) قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي»﴾ (٢)، الآية، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: بلغنا أنّ لإبليس أولاد كثيرة، واعتماده على خمسة منهم: ثير، والأعور، ومسيوط، وداسم، وزلبنور، وقال مقاتل: (٣) لإبليس ألف ولد ينكح نفسه ويلد ويبيض كلّ يوم ما أراد، وقال كعب الأحبار: ومن أولاده: المذهب وخنزب، وهفاق، ومرّة، والولهان، والمتقاضى، فأمّا ثير فصاحب المصائب يأمر بلطم الخدود وشقّ الجيوب ودعوى الجاهليّة، وأمّا الأعور فصاحب الزنا يزّينه إلى الذكور والإناث، وأمّا مسيوط فصاحب الكذب والنميمة، وأمّا داسم فيرى الرجل عيوب أهله فيبغضهم إليه، وأما زلبنور فيركز رايته فى الأسواق ويأمرهم بالتطفيف والخيانة، وأمّا المذهب فموكل بالعلماء يردّ عم إلى البدع، وأما خنزب فموكل بالمصلّين يلقى عليهم النوم والسبات. وقد روى فى خنزب حديث فقال أحمد (٤) بإسناده إلى أبى العلاء بن الشخير أنّ عثمان بن أبى العاص الثقفى قال: يا رسول الله: حال الشيطان بينى وبين صلاتى وبين قراءتى، قال: ذاك الشيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عنّى، انفرد بإخراجه مسلم، وهفاق صاحب الخمر، ومرّة صاحب اللواط، والولهان يوسوس فى الوضوء.

стр. 258

ذكر الجن رواية ابن الجوزى (١) قال علماء اللغة: أصل الجنّ من الاستتار ومنه الجنين لأنّه مستتر (٢٢٢) فى بطن أمّه، ومنه المجنّ لأنّه يستر حامله من وقع السهام، ومنه الجنّة لاستتار أرضها بورقها، وقال الجوهرى: (٢) إنّما سمّوا بذلك لأنّهم لا يرون. وأمّا الشيطان، فقال الجوهرى: (٣) الشيطان كلّ عات متجبّر من الإنس والجنّ والدوابّ ومن بعد غوره فى الشرّ، واختلفوا فى اشتقاقه على قولين: أحدهما: من شطن، أى: بعد عن الخير فنونه على هذا أصليّة، والثانى: أنّه من شاط يشيط إذا احترق، ومنه شاطت القدر، وقال أحمد بن حنبل: (٤) حدّثنا عبد الرزّاق، حدّثنا معمر، حدّثنا الزهرى عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : خلق الجانّ من مارج من نار، وقد فسّره ابن عبّاس فقال: المارج لسان النار الذى يكون فى النار <طرفه> (٥) إذا التهبت. وقال الجوهرى: (٦) المارج نار لا دخان لها خلق منها الشيطان. واختلف الرواة عن ابن عبّاس: هل الجانّ إبليس أم غيره، فروى عنه عكرمة أنّه قال: (٧) إبليس أصل الجنّ والشياطين وهو أبو الكلّ، وروى مجاهد عنه أنّه قال: الجانّ اسمه شومان، وهو أبو الجنّ كلّهم كما أنّ آدم أبو البشر كلّهم، وروى سعيد بن جبير عنه أنّه قال: هذا الفنّ خمسة أنواع: جانّ وجنّ وشيطان وعفريت ومارد، وأضعفها الجانّ وهو مسيخ الجنّ كما أنّ القردة والخنازير

стр. 259

مسيخ الإنس وأقواها المارد، وقال الحسن البصرى: الشياطين أولاد إبليس لا يموتون إلاّ معه والجنّ يموتون قبله، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خلق الله قبل آدم الجانّ بألفى سنة، وقد روى مرفوعا، والموقوف أصحّ. (٢٢٣) وحكى السدّى ﵀ عن أشياخه، قالوا: فى الجنّ المؤمن والكافر والقدريّة والمعتزلة والجهميّة والشيعة وجميع الفرق، وحكى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: هم قوم على أصناف على صور الحيات والعقارب والأسد والذباب والثعالب ونحوها، وقال الترمذى: (١) حدّثنا على بن حجر بإسناده عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : اقتلوا الأسودين ولو كنتم فى الصلاة: الحيّة والعقرب، ووفّاه أبو داود، وفيه: أمر رسول الله ﷺ بقتلهما، قال الترمذى: (٢) وفى الباب عن رافع بن خديج وابن عبّاس، وحديث أبى هريرة صحيح حسن، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم من بعدهم، وكره بعضهم ذلك، والقول الأوّل أصحّ. قلت: وعامّة العلماء على جواز قتل الحيّة والعقرب فى الصلاة وكرهه إبراهيم النخعى لأنّه عمل كثير، وقد روى أنّ النبى ﷺ أمر أن يؤذنوا قبل قتلهم، فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده عن جرير بن عبد الله قال: أمر رسول الله ﷺ أصحابه إذا ظهروا فى مكان أن يؤذنوا بالانصراف قبل قتلهم يقال: خلّ الطريق ومر بإذن الله يعنى إذا تصوّر الجنّ فى صورة كالحيّات والعقارب. وقال ابن أبى ليلى: الحيّة البيضاء التى تمشى مستوية هى الجانّ فتلك التى تنذر قبل قتلهم، أمّا غيرها فلا ينذر بل يقتل، قال أبو جعفر الطحاوى:

стр. 260

والمختار عند أصحابنا قتل الجميع بغير إنذار بحديث أبى هريرة الذى رويناه فإنّه مطلق فى حقّ الكلّ، قال: لأنّه بلغنا أنّ النّبى ﷺ عهد ليلة الجنّ إلى الجنّ وأكّد عليهم العهود والمواثيق أنّهم لا يدخلون بيوت أمّته ولا يظهرون فإن (٢٢٤) ظهروا قتلوا، لكن الأولى هو الإنذار عملا بجميع الروايات فإن لم يرجع قتل. وروى عروة أنّ عائشة قتلت حية فأتيت فى منامها فقيل لها: قتلت مسلما! فقالت: لو كان مسلما لما دخل بيوت أزواج النبىّ ﷺ فقيل لها: هل كان يدخل عليك إلاّ وعليك ثيابك فأصبحت فزعة فتصدّقت بأثنى عشر ألفا، فأوّل هذا الخبر إباحة قتله من غير إنذار وآخره استحباب ذلك، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّ الكلاب من ضعفاء الجنّ، وقال أحمد بن حنبل (١) بإسناده إلى أبى ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : الكلب الأسود شيطان، انفرد بإخراجه مسلم، وفيه: الكلب الأسود البهيم، وبهذا الحديث يحتجّ أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه أنّ الكلب الأسود البهيم يقطع الصلاة، ويروى عن معاذ وطاووس ومجاهد، قال أحمد: وفى نفسى من المرأة والحمار شئ وعند أهل الظاهر يقطع الصلاة. قال ابن الجوزى: ومذهب أصحابنا ومالك والشافعى وعامّة الفقهاء أنّه لا يقطع الصلاة مرور شئ من ذلك لقوله ﷺ : لا يقطع الصلاة مرور شئ، وحديث أبى ذرّ حجّة فيه وقد بيّنّا هذا فى شرح البداية، يقول ذلك ابن الجوزى ﵀، وقال الحسن البصرى: الجنّ ثلاثة أصناف: صنف فى البحر وصنف فى البرّ وصنف فى الهواء، وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: هم أربعون خيلا كلّ خيل ستمائة ألف وهم مأمورون ومنهيّون.

стр. 261

واختلفوا هل بعث فيهم نبىّ أم لا، على قولين: أحدهما: إنّه بعث إليهم نبىّ اسمه يوسف لقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ»﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ»﴾ (٢)، فعلى هذا هم يحشرون ويحاسبون، والقول الثانى: إنّه لم يبعث فيهم نبىّ (٢٢٥) وإنّما كان فيهم منذرين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ»﴾ (٣)، قاله مجاهد، وقال الكلبى: كانت الرسل قبل محمّد ﷺ يبعثون إلى الإنس والجن جميعا. ذكر الجنّ وعدّة قبائلهم وأصنافهم رواية المسعودى قال المسعودى ﵀: (٤) زعموا أنّ الشياطين خمسة وثلاثون قبيلة، وأنّ الذين يطيرون فى الهواء خمسة عشر قبيلة، والذين يمشون على أرجلهم خمسة وعشرون قبيلة، والذين فى الماء عشرون قبيلة، والذين يمشون ويخرجون مع الزوابع اثنا عشر قبيلة، والذين خصّوا بلهب النيران عشر قبائل، ومسترقون السمع ثلاثون قبيلة، وسكّان الهواء وهم مثل الدخان ثلاثون قبيلة، ولكلّ طائفة من هؤلاء القبائل ملك يردّ شرّهم. قلت: وقد ذكرهم الإمام فخر الدين الرازى فى كتابه المعروف بالسرّ المكتوم المختصّ بعلم الأسماء والطلسمات وهو كتاب جليل القدر فى هذا الفنّ جميع أسماء هؤلاء الملوك والرؤساء من الجنّ واستنزالهم وعزائمهم وكذلك ذكر الحكّام عليهم من الكواكب السبع السيّارة وذكر تسابيحهم وكيفيّة الأعمال فى الأوقات المخصوصة ما إذا أراد المتمهّر فيها إنشاء ما شاء من سائر العزائم التى تطيعها الملوك

стр. 262

السبعة وكبار الرؤساء فعل: مثل: استنزال شمحيائيل الرئيس، والسيد سقريطس وغيرهم من الرؤساء المطاعين فى جميع قبائل الجنّ ممّا يضيق هذا التأريخ عن وصفهم. وقال المسعودى أيضا: (١) ومن الجنّ صنفا يعرفون بالسعالى يتصوّرون فى صور النساء الحسان يتزوّجن برجال من الإنس، فما حكى من ذلك أنّ رجلا يقال له سعيد بن الجهم تزوّج امرأة منهم وهو لا يعلم بها (٢٢٦) فأقامت عنده وولدت منه أولادا، وأنّها معه على سطح يشرف على الجبّانة إذا بصرت نيرانا فى أقصى الجبّانة تأتلق فطربت وقالت: أما ترى إلى نيران السعالى شأنك وبنيك أستوصى بهم خيرا! وطارت من بين يديه فلم تعد إليه. ومنهم من يظفر بالآدمى فى الأماكن الخالية وفى القفار وفى الأماكن الخربة فيرقصه حتى يسقط ويمصّ دمه ويتركه طريحا، ومنهم صنف لا يفارق صور الحيّات والأفاعى فربّما قتلها الرجل فيهلك لوقته وإن كان صغيرا وكان له ولد قتل به، وذكر جدع بن سنان فى تأريخه (٢) عن عبيد الأبرص الشاعر الجاهلى الآتى ذكره وخبره فى أخبار الشعراء الجاهليّة آخر الجزء الثانى إن شاء الله تعالى، قال: إنّ عبيد بن الأبرص حرج فى سفر له يريد الشأم من الحجاز مع نفر من قومه فلمّا صار ببعض الطريق إذ هو بشجاع قد أقبل وهو يلهث عطشا وخلفه حيّة سوداء تطرده، فقال بعض أصحاب عبيد: لو نزلت إليهما فقتلتهما لرجوناك، فقال عبيد: هذا إلى أن أنضح عليه ماء أحبّ إلىّ من أن أقتله، ثم نزل فقتل ذلك الأسود وحلّ أداواته فشرب وسقّى الشجاع ونضح عليه من الماء وانساب ذلك الشجاع ودخل جحره، ومضى عبيد فقضى حجته بالشأم فلمّا انصرف عائدا أغفى فى مفازة فانتبه وقد ضلّ واستابت قلوصه ولحقت بالظعن وبقى حائرا وأيقن

стр. 263

الموت فلمّا جنّه الليل إذا بهاتف يقول (من الرجز): يا صاحب البكر المضلّ مذهبه ... ما عنده من ذى رشاد يصحبه دونك هذا البكر منّا فاركبه ... حتى إذا الليل تولّى غيهبه (٢٢٧) وأقبل الصبح ولاح كوكبه ... فحطّ عنه رحله وسيبه فالتفت عبيد فإذا هو ببكر كأحسن ما يكون فركبه وسار ليلته فأصبح بمنزله وكان بينه وبين أهله إحدى وعشرين مرحلة، وسبق رفقته بهذه المدّة، فنزل عنه وأنشأ يقول (من البسيط): يا أيها البكر قد أنجيت من كرب ... ومن فياف تضلّ المدلج الغادى ارجع حميدا فقد بلغت مأمننا ... بوركت من ذى سنام رائح غادى فأجابه البكر يقول (من البسيط): أنا الشجاع الذى أبصرته رمضا ... فى مهمه <نازح> (١) عن أهله صادى فجدت بالماء لما ضنّ صاحبه ... أرويت (٢) من ضماء ولم تهمم بأنكاد الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد ثم قال: إنّ الأسود الذى رأيته يطردنى فهو عبدى أراد قتلى فكفيتنى شرّا وأرويتنى من ضماء ولن يضيع الخير بين حرّين، وأستحلف الله عليك، ثم غاب فلم أره. قلت: وقرأت هذه الحكاية بعينها فى تأريخ صاحب حماة الملك المنصور الآتى ذكره وذكر تأريخه فى موضعه، وأورد البيت الثانى من قول الشجاع مكان: أرويت من ضماء: (٣) رويت منه، والرواية الأوّلة أصحّ.

стр. 264

وقال المسعودى (١) بإسناده عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ الجنّ وإنّ الكلاب من الجنّ فإذا رأوكم تأكلون فالقوا إليهم فإنّ لهم أنفسا يعنى أنّهم يأخذون بالعين. ومن تأريخ جدع بن سنان (٢) أنّ رجلا من حمير كان بسوق عكاظ مع جماعة من قومه وغيرهم، قال: فوقف عليهم راكبا على جمل قدر (٢٢٨) شاة وهو عليها كالطود العظيم فأنشد: ألا من يهبنى ثمانين بكرة هجانا ... سود عيونها مغبرة الألوانا يكن له بها إلينا امتنانا ... نجيبة فى ضيقه إذا دعانا قال: فلم يجبه أحدا فضرب جمله فطار به مثل البرق الخاطف حتى دهش وحار كلّ من حضر، قال: فقال رجل من فزارة كان حاضرا: ألا أحدّثكم أهل ذا النادى بشئ رأيته بعينى وسمعته بأدنى؟ فقالوا: بلى والله! فقال: لقيت رجلا فى بعض المعابر راكبا على نعامة وعيناه مشقوقتان طولا فى أم رأسه تتّقد كالجمر فراعنى والله! فاستوقفنى وقال: ألا أنشدك شيئا من شعرى؟ فقلت: بلى والله! فأنشد: أباركه تذللها قطامى ... قطنا بالتحية والسلام قال: حتى أتى على آخرها، فقلت: هيهات سبقك إليها أخو بنو ذبيان فقال: أبالله أنا والله نطقت بها على لسانه بسوق عكاظ وقلتها قبله بأربعمائة سنة، ثم تركنى وطار على نعامته.

стр. 265

ذكر الأمم المخلوقة من رواية المسعودى (١) قال المسعودى ﵀: روى أنّ الله خلق ألفا وعشرون أمّة حذاء الكواكب الثابتة، فى البحر منها ستمائة أمّة وفى البرّ أربع مائة وعشرون أمّة، فأحبّها إلى البارئ سبحانه وأفضلها عنده صورة الإنسان فإنّه خلقه على صورة إسرافيل ﵇، وفى الحديث أنّ الله خلق آدم على صورته، قلت: (٢) قال العلماء رضى الله عنهم: معناه على صورة آدم التى عليها هو فى الأرض وقالوا: يعود الضمير (٢٢٩) إلى أقرب مذكور، وكأنّ الحديث جواب عن سؤال مقدّر تقديره: هل تغيّرت صورة آدم عمّا خلقها الله كما جرى لإبليس والحيّة لما نذكر من ذلك، فقال: إنّ الله خلق آدم على صورته دفعا لهذا السؤال، وأمّا النقص من طوله إنّما هو تغيير لشكله إلى هيئة هى أليق بالأرض، وجاء فى الحديث: لا تضربوا الوجوه فإنّها على صورة إسرافيل. ذكر الأمم المخلوقة بإزاء منازل القمر قال المسعودى ﵀: (٣) زعموا أنّ كانت الجملة ثمان وعشرون أمّة بإزاء منازل القمر وهى المنازل العالية التى تقدّم ذكرها يحلّها القمر، قال: لأنّه عندهم المتولّى لتدبير العالم الأرضى بإذن الله تعالى، فخلقت أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والتراب والنار، فهى متباينة الخلق، فمنها خفاف طوال ذوات أجنحة، كلامهم قرقعة، ومنها أمّة أبدانهم كما يكون بدن السّبع ورؤوسهم رؤوس الطير لها شعور وأذناب طوال، كلامها دوىّ، ومنها أمّة لها وجهان: خلقها وقدّامها فى رأس واحدة وأرجل كثيرة، كلامها كلام الطير، ومنها أمّة من الجنّ

стр. 266

فى صورة الكلاب لها أذناب، كلامهم همهمة، ومنها أمّة تشبه بنى آدم أفواههم فى صدورهم وكذلك أعينهم، يصفرون صفيرا، ومنها أمّة كخلق الحيّات الهائلات لها أجنحة وأرجل وأذناب، ومنها أمّة تشبه نصف شقّ الإنسان بعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون قفزا، كلامهم شبه كلام الغرانيق، ومنها أمّة وجوههم كوجوه الآدميّين وظهورهم كأصلاب السلاحف، فى رؤوسهم قرون طوال كلامهم كعوى (١) الذئاب، ومنها أمّة لكلّ واحد منهم رأسان (٢٣٠) ووجهان كوجه الآدميّين طوال الجثث جدّا، كلامهم كالرعد يهول من يسمعه، ومنها أمّة مدوّرة الوجوه، لهم شعور بيض، وأذناب كأذناب البقر، يرزقون من أفواههم النار، كلامهم كهمهمة الأسود، ومنها <أمّة> (٢) فى خلق النساء، لها شعور وثدى، وليس فيهم ذكر يلقحوا من الريح وتلد أمثالها، ولها أصوات مطربة يجتمع إليها كثير من هذه الأمم لحسن أصواتها، ومنها أمّة فى خلق الهوامّ والحشرات إلاّ أنّها عظيم الخلق تأكل وتشرب شبه الحيوانات العشبيّة، ومنها أمّة شبه دوابّ البحر لها أنياب محدّدة كالخنازير بارزة وآذان طوال كآذان الحمير. قال المسعودى: وتتمّة ثمانية وعشرون أمّة على صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضا. قلت: لعلّ ما ذكروا من أمثال هذه الأمم أجروهم على اختلاف صور الكواكب التى ذكرناها فى المنازل القمريّة فاختلاف صور هذه الأمم لاختلاف صور الكواكب المذكورة، هذا إنّما ذكروه من طريق الحدس والظنّ لإثبات

стр. 267

قولهم إنّ الأمم المخلوقة ثمانية وعشرون أمّة بإزاء الثمانية وعشرون منزلة، فكان هذا القول يحتاج إلى ما ذكروه من اختلاف خلق هذه الأمم، وهذا عندى وعند كلّ ذى ذوق فاسد، وذلك أن قالوا إنّ هذه الأمم فى حكم البرّ لا البحر، والناس من عالم بنى آدم ما خلى منهم مكان من المعمور فى الأرض فلم يشهدوا ولا أمّة واحدة من هذه الأمم المذكورة فى جميع مسكون الأرض، ولا ورد عن أحد من العلماء ولا ممّن يثق به أنّه رأى شئ منها، هذا فى العامر من الأرض، وأمّا الخراب منها فأجمع الناس أنّه لا يمكن أن يكون فى الخراب من الأرض حيوان لما ذكرنا من قبل، فأين تكون هذه الأمم؟ (٢٣١) وقال المسعودى أيضا: وإنّ هذه الأمم أعنى الثمانية وعشرين أمّة جميعها ركّب فيها حبّ الشهوة، وإنّهم تناكحوا فيما بينهم بعضهم ببعض فصارو مائة وعشرون أمّة مختلفين الخلقة، -بالله العجب من رجل عالم مصنّف مطّلع يذكر مثل هذا القول ويحرّر العدّة مائة وعشرين لا تزيد ولا تنقص، من أين لنا هذا؟ فلو قال-عفى الله عنه: وإنّهم تناكحوا فصاروا عدّة كثيرة ولا حرّر عددها لكان أقرب. ومن رواية المسعودى ﵀ أنّه قال: (١) ومن عجائب خلق الله تعالى خلق النسانس، وقد ذكر قوم أنّهم خلقوا كمثل نصف الإنسان يعدو عدوا أشدّ من الريح، وربّما كان ببلاد العجم ويصاد ويؤكل ومنه برّى ومنه بحرى. قال: وذكر قوم أنّ سيّارة وقعوا بنسانس كثيرة فى مكان هو موطنهم فصادو منهم واحد وذبحوه وأكلوا وكان سمينا، فقال أحد القوم: ما أسمنه! فناداهم آخر من النسانس وهو مختف فى شجرة كثيفة: لا يا كاذبين! فقال إنّه كان

стр. 268

يأكل الضر وكثير فسمن لذلك، ففهمّهم مكانه ونمّ على نفسه حتى أخذوه وذبحوه، فقال بعض القوم: ما أحمر دمه! فأجابه آخر من النسانس مختف أيضا وقال: كان يأكل السمّاق كثير، فنبّه أيضا على نفسه فأخذوه وذبحوه، فقال آخر من النسانس: لو كان سكت ما علموا بمكانه، فصادوا الآخر فناداهم آخر منهم: أنا والله ساكت ما أعلّمكم بمكانى! فأخذوا الآخر. قلت: أمّا النسانس فقد ذكروهم جماعة من الناس والمسافرين وذكروا أنّ فيهم بريّا وبحريّا وقد ذكرهم ابن زولاق ﵀ فى تأريخه، وقال: إنّ النسانس شبيه بالإنسان يكمل بسائر أعضائه غير أنّ ركبتيه مسح وهو أشدّ (٢٣٢) عدوا من الغزال، وذكر أنّ رجلا من التجّار سفّارا ورد إلى بلاد هى بلاد النسانس البحريّة والبريّة، فاستضاف برجل من أهل المدينة، ودار الرجل مطّلعة على البحر، قال: فنزل الضيف فى علّيّة مطلّة على البحر، ونزل صاحب المنزل فى حاجته، قال: فسمع الضيف من صدر العلّيّة كلاما يقول: يا سيدى ارحمنى لله تعالى وافتح علىّ هذا الباب! قال: فنهط (١) ذلك الرجل وفتح باب مغلق فخرجت منه جارية عريانة الجسد فخرّت نفسها من طاق مطلّ على البحر فغاصت ولم تظهر، قال: فحزن ذلك الرجل الضيف وندم ندما عظيما وقال فى نفسه: هذه جارية هذا الرجل وقد كان محترزا عليها فما ألجأنى إلى التعرّض وفتحى لها الباب حتى أهلكت نفسها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فبينا هو كذلك إذ طلع صاحب المنزل بالغداء للضيف فوجده كئيبا فسأله عن أمره فقصّ عليه الأمر وقال: معذرة إليك يا أخى! وها مالى بين يديك خذ منها ما شئت! قال: يقول ذلك والرجل صاحب المنزل يتبسّم منه وقال: يا أخى خفّف عليك

стр. 269

إنّما هى سمكة كان فى أجلها بعد بقيّة فنجت، فقال: كيف سمكة؟ فقال: هذه من نسانس الماء شربتها البارحة من صيّادها بخمس كراديخ يعنى خمس الدراهم لأطعمك هى شواء، ثم كشف عن ما أحضره وقال: بسم الله وناولنى معصم بكفّ قد طبخ فى ذلك الطعام مع بقيّته، فقلت: أعوذ بالله ما هذا؟ قال: فزاد ضحك الرجل وقال: كل وطيب نفسك فإنّه مأكول لذيذ وسمك جيّد وليس لأهل هذه البلاد مأكولا أفخر منه، قال: فأبيت فأحضر إلىّ من غير ذلك فأكلت وعدت أكرّر عليه السؤال فقال: إلى نهار الغد إن شاء الله أريك عجبا تصدق القول فيه. قال: فلمّا كان الثلث الأخير من الليل أحضر لى دابّة وركب (٢٣٣) أخرى وخرجنا إلى ظاهر المدينة وصحبتنا جماعة من أهل الرجل وعلى أيديهم كلاب كالأسود فظهر لنا ثلاثة نسانس شابّين وكهل فأطلقوا عليهم الكلاب فأدركوا الكهل وفاتوهم الشباب، قال: فلمّا أدركوا الكلاب الكهل وعادوا يراوغونه سمعت الكهل ينوح وينشد: يا ما مرّ لى يا ما قد دهانى ... قد غدر بى دهرى ورمانى زمانى آف لدهرى كيف عادانى ... من بعد ما كنت منه فى أمان لو كنت شابّا لما أدركتمانى ... ولكن لسنى وشيبى إلى علانى آه من فرقتى لصحبى وخلانى ... ومراتعى ومرابعى وقيعانى قال: ثم أدركوه الكلاب وبطحوه ولحقوه القوم وذبحوه. ثم سرنا غير بعيد فظهر لنا رجل وامرأة ومعهما صغيرة تقدير سباعيّة العمر، قال: فأدركوا الصغيرة فأخذوها ونجا الرجل والمرأة، قال: فعادت المرأة تنظر إلى ولدها الصغيرة وتبكى وتولول والصغيرة أيضا كذلك، قال: فكدت

стр. 270

أسقط عن الدابّة لما لحقنى من الرحمة على تلك الطفلة وقد قصدوا ذبحها والأمّ تنظر إليها وهى تستغيث لأمّها بأعذب كلام، قال: فلم أملك نفسى دون أن أطرحت عليها وسألتهم فيها وخلّصتها وأطلقتها لأمّها فأخذتها وعديا أشدّ عدوا من الغزال. ومن عجائب الدنيا ما ذكره صاحب كتاب ترصيع الأخبار وتنويع الآثار والبستان فى غرائب البلدان والمسالك إلى جميع الممالك تأليف أحمد بن عمر بن أنس العذرى ﵀، قال: (١) باليمن جبل ينبع منه ماء فتسيل على جانبيه فتجمد قبل أن يصل إلى الأرض فيكون منه الشب اليمانى. وقال: (٢) ومن العجائب أنّ أهل (٢٣٤) الحجاز واليمن يمطرون الصيف كلّه ويخصبون الشتاء ومطر صنعاء اليمن وما والاها حزيران وتموّز وآب، وبعض أيلول، من الزوال إلى المغرب لا يصحون ويلقى الرجل منهم صاحبه فيكلّمه فى حاجة وذلك يكون فى نصف النهار فإذا أطال معه الحديث يقول له: عجّل قبل نزول المطر! هذا والسماء صاحية والشمس ظاهرة تحرق بحرّها ولا غيم ظاهر ولا سحاب متراكم، فيكلّمه أيسر كلام لأنّه جرت عوائدهم أنّه لا بدّ من مطر فى مثل ذلك الوقت فإن طال كلامهم لحظة واحدة أدركهم المطر فلا تزال تمطر إلى المغرب مطرا مترادفا متراكما وتمتلئ السماء سحبا وتغيب الشمس عن الأبصار بالسحب والأمطار فى ساعة واحدة، هذا دأبهم دائما. قال: (٣) وفى بلاد الروم مدينة يقال لها المستطلة المطر فيها وفى أعمالها دائما ليل

стр. 271

ونهار لا يصحون صيفا ولا شتاء حتى إنّ أهلها لا يقدرون على دراس زروعهم جملة كافية وإنما يجمعونها ويحزمونها بسنبلها فى بيوتهم فإذا احتاجوا لشئ منه فركوا منه كفايتهم، وهم على هذه الحالة فى جميع الزمان ليس يوجد عندهم قمحا ولا شعيرا ولا أرزّا إلاّ فى سنبله. قال: وفى أرض عاد منارة نحاس عليها راكب من نحاس فإذا كان أوّل الأشهر الحرم يهطل منها الماء فيشرب منها الناس ويسقون بهائمهم ويملأون منه جميع أجبابهم وحياضهم وصرفوه فى جميع مصالحهم واختزنوا منه كفايتهم، فإذا انقضت الأشهر الحرم انقطع سيلان ذلك الماء من تلك المنارة ولم يبق له أثر، قال: ذكر ذلك أبو الحسن الحبهانى، والله أعلم. (٢٣٥) قال: وذكر أبو الحسن الحبهانى أيضا أنّه رأى بين بلحسان وبين ركن مندك فى جبل كبير عالى فرسا واقفا فى أوعر موضع يكون فى الجبل وصورته صورة فرس كليلة أشهب اللون مليح الكفل والأذنين حسن التناسب لم يوجد مثله فى الخيل لحسن صفته وهو فى موضع لا يقدر أحد أن يصل إليه قائم على صفاة هنالك، وذكروا رفقته الذين كانوا معه أنّهم لم يزالوا يرونه هنالك واقف فى نفس تلك الصخرة وأنّه لم يقدر أحدا أن يصل إليه بحيلة ولا بوجه من الوجوه. وقال أحمد بن عمر: وفى جزيرة فى المشرق يقال لها واق الواق أهلها مثل أهل الصين إلاّ أنّهم أعظم أجساما وأجمل ولسانهم غير لسان الصينّيين، وطعامهم الحنطة وشرابهم ممّا يتّخذونه من الحنطة، وذهبهم كثير حتى إنّ سلاسل كلابهم ذهب وكذلك أطواقهم ويأتون للتجّار بقمص منسوجة بالذهب للبيع ممّا يدلّ على كثرة الذهب عندهم. وذكر أنّ بهذه الديار مراسى ولكلّ مرساة منهم نهر عظيم تدخل فيه السفن،

стр. 272

وأنّه دخل قوم فى نهر من أنهار تلك المراسى وأخطئوا الطريق، فدخلوا فى بعض خلجان ذلك النهر فوقعوا فى جزيرة فرأوا أمّة من أمم الصين فصار الأبدان على مقدار أربعة أشبار، ولهم ملكا منهم يملكهم ويرجعون إليه، ولهم قرى حسنة بتلك الجزيرة كثيرة الخير والرزق والطير والبطّ والدرّاج، وأنّ أهل مملكته لمّا رأوهم استنكروهم لعظم أبدانهم فنادوا بلغتهم أنّ الشياطين قد أقبلوا فسمّوهم الشياطين. وسئلوا هؤلاء المسافرين عمّا رأوا من العجائب فذكروا أنّ البحّارين يشدّون نشّابة لها فصل على أعلا الصارى ويصيرون ريشها عاليا ونصلها (٢٣٦) سافلا فإذا أصابتهم شدّة من عواصف الرياح وطغى عليهم البحر وترادفت أمواجه وكثر الرعد والبرق ويأسوا من كلّ شئ فيروا شيئا فى البحر كالكوكب الضخم على طرف النشّابة فيكون ذلك علامة السلامة وأمانا لهم من الغرق، وربّما رأوا ذلك فى الليل ثلاث مرّات وأكثر من ذلك، ولا يكون ذلك فى ليالى الصحو، وعامّة ما يرى ذلك فيما بين سرنديب إلى أن يجاوز ميكالوس. وقال أحمد بن عمر: وكذلك إذا كان وقت هيجان الربح واضطراب الأمواج فى البحر الشامى وجزع أهل السفينة نزل نور على رأس الصارى وربّما تنقّل ذلك النور إلى موضع آخر من السفينة فإذا رأوه البحريّون استبشروا بالسلامة وقالوا: نزل علينا مصباح السلامة. قال: وذكر أنّ سمكة يقال لها وال طولها مقدار مائة وأربعين ذراعا فإذا شربت الماء العذب ماتت، يكون رأسها قدر باعين وإذا كانت ملقاة بين رجلين قائمين لم يرى أحدهما الآخر ويكون طول جناحيها خمسة أبواع، وربّما كان جناحها الواحد إذا رفعته فوق الماء كالقلع الكبير، ولا تؤذّى هذه السمكة إلاّ

стр. 273

أن تكون نائمة فلذلك يتيقّضون (١) عامّة الليل لئلاّ يمرّون بها وهى نائمة فتخرق السفينة إن مرّت بها. وذكر أيضا أنّ سمكة يقال لها بث الأصمّ يزعمون أنّها لا تسمع ولا تؤذّى أحد ولا تعيش فى الماء العذب وإذا الزقت بالسفينة لم تفاوتها حتى يبدو لها البرّ. وذكر أنّ سرطانا يسمّى فشك يكون فى بلدة تسمّى شرارب قريب من سرنديب، وأنّها ما دامت فى الماء وهى حيّة يأكلونها فإذا خرجت صارت حجارة. وزعموا أنّه رأى رجلا فى غبّ سرنديب (٢٣٧) فى موضع يقال له موزرة فى غياضها أراد أن يقطع خشبا لإصلاح مركبه فرأى جارية عريانة على طول أربعة أشبار صغيرة الفرج فى رأسها زغب وإنّها هربت منه، فلمّا وقف أقبلت تنظر إليه فلمّا عاود طلبها ضربت بيدها إلى بعض أغصان شجرة من تلك الأشجار الشاهقة الطول ثم تصلّقت (٢) فيها من غير أن تضع رجلها على شئ من تلك الشجرة فرجع عنها ثم إنّه حكى ذلك لأهل تلك البلدة وسألهم عن ذلك فقالوا له: إنّ عند ملكنا رجل منهم فذهبوا به حتى رآه فإذا هو مثل تلك الجارية التى رآها على قدّها وصورتها وخلقها، وذكره مثل ذكر الرجال إلاّ أنّه صغير، وزعموا أنّ مثله فى تلك الغياض كثير يأكلون ثمر الشجر والجوز واللون وما أشبه ذلك ولا يتكلّمون إلاّ صغيرا. وذكر أنّه رأى بجزيرة بيومة التى منها إلى قشمير الهند مسيرة خمسة أيّام سنانيرا لها أجنحة كأجنحة الوطواط ولها شعر كشعر الخنازير وهى على صفة القطّ وهو السنّور.

стр. 274

قلت: انتهى الكلام فيما وقعنا عليه من العجائب وذلك ما حققناه بالإسناد إلى الثقاة (١) من الرواة، وما عدى ذلك من الأحاديث الشادّة فأضربنا عنها لقلّة الثقة بناقليها، ونبتدئ الآن بذكر النار أجارنا الله من عذابها وما أعدّ الله فيها من العذاب للمجرمين الكافرين، وأخّرنا ذكرها إلى هاهنا كونهم أجمعوا على أنّها سفلا وليس بعلوّ، فاقتضى ذلك أن نذكرها فى الحقوق الأرضيّة، ونذكر ما ورد فى ذكرها من الأخبار ونتبعه من الآثار، ونسأل الله أن يجيرنا من عذابها ويجعلنا من أهل جنّته الداخلين من أبوابها والملتذّين بنعيمها وشرابها. (٢٣٨) ذكر النار أجارنا الله من عذابها (٢) قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٣) بإسناده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كنّا جلوسا عند رسول الله ﷺ فسمعنا وجبة، فقال رسول الله ﷺ : ما هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجرا (٤) أرسل فى جهنم من سبعين خريفا والآن انتهى إلى قعرها، انفرد بإخراجه مسلم، والوجبة هى السقطة مع هذه، وهذا الحديث يدلّ على أنّ النار فى الأرض وقد نصّ عليه ابن سلام وقال: كذا هو فى التوراة، فإن قيل: ففى حديث المعراج أنّ النبىّ ﷺ قال: رأيت الجنّة والنار ولم يقل رأيت النار فى السماء. قال ابن الجوزى ﵀: أنبأنا جدّى بإسناده إلى سعيد بن بشر عن قتادة

стр. 275

وفى رواية عن ابن أبى الدنيا عن شعبة، قال: أخبرنى من رأى عبادة بن الصامت على حائط بيت المقدّس الشرقى يبكى ويقول: من هاهنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنّه رأى جهنّم ليلة المعراج، قال: وكذلك سمّى وادى جهنّم، ويحتمل أنّ الله تعالى أراه إيّاها فى تلك الليلة كما جلّى له بيت المقدّس، وذلك أبلغ فى إظهار القدرة ولأنّ النار حبس والحبس يكون فى جهة السفل بخلاف الجنّة فإنّها بستان والبستان فى جهة العلوّ. وروى مجاهد عن ابن عبّاس فى تفسير قوله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْاابٍ»﴾ (١)، قال: دركات بعضها فوق بعض، فأوّلها: جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. قال ابن الجوزى ﵀: (٢) قرأت على شيخنا أبى اليمن زيد بن الحسن الكندى ﵀ قال: قرأت على شيخنا أبى المنصور ابن الجواليقى (٢٣٩) ﵀ قال: اشتقاق جهنّم من قول العرب: ركيّة جهنّام، بكسر الجيم إذا كانت بعيدة القعر. وكذا قال فى الصحاح: (٣) جهنّم من أسماء النار التى يعذب الله بها عباده، قال: ويقال: هو اسم فارسى معرّب، وركية جهنام بكسر الجيم والهاء، فأمّا لظى، فقال الجوهرى: (٤) هى اسم من أسماء النار معرّفة لا تنصرف وأصلها من اللهب، وأمّا الحطمة فمن الحطم وهو الكسر لأنّها تحطم ما تلقى، وأمّا السعير فمن التسعّر وهو التوقّد، وأمّا سقر فمن البعد ويوم مسقر ومصقر شديد الحرّ، وأمّا الجحيم،

стр. 276

فقال الجوهرى: (١) كلّ نار عظيمة فى مهواة فهى جحيم من قوله تعالى: ﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ»﴾ (٢)، والجاحم المكان الشديد الحرّ، قال الجوهرى: (٣) وأمّا الهاوية فإنّما يقال: هاوية أى مستقرّه فى النار، قال: والنار تجمع الكلّ وهى مؤنّثة من ذوات الواو، وتصغيرها نويرة وجمعها نور وأنور ونيران. وقد جاءت فى ذكر النار أحاديث قال: حدّثنا أحمد بن حنبل (٤) حدّثنا عبد الرزّاق حدّثنا معمر عن همام بن منبّه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ناركم هذه ما توقد بنى آدم جزءا واحدا من سبعين جزءا من حرّ جهنّم، قالوا: يا رسول الله والله إنّها لكافية، فقال: إنّها فضلت عليها بتسعة وستّين جزءا كلّهن مثل حرّها، أخرجاه فى الصحيحين. وفى الصحيحين (٥) أيضا بهذا الإسناد عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اشتكت النار إلى ربّها فقالت: يا ربّ أكل بعضى بعضا فنفّسنى فأذن لها أن تتنفّس نفسين نفسا فى الشتاء ونفسا فى الصيف فأشد ما تجدون من الحرّ فمن حرّ جهنّم وأشدّ ما تجدون من البرد من زمهرير جهنّم (٢٤٠) فى أخبار كثيرة. قال أحمد بن حنبل (٦) بإسناده إلى حميد بن عبيد يقول: سمعت ثابتا البنانى يحدّث عن أنس بن مالك عن النبىّ ﷺ أنّه قال لجبرائيل: ما لى لم أر ميكائيل ضاحكا قطّ؟ فقال: منذ خلق الله النار لم يضحك، أخرجه أحمد بن حنبل فى المسند،

стр. 277

وقال أحمد: حدّثنا أبو عبد الرحمن حدّثنا موسى بن على، سمعت أبى يحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ رسول الله ﷺ قال عند ذكر أهل النار: كلّ جعظرى جواظ مستكبر جماع مناع، الجعظرى: الفض الغليظ، وذكره الجوهرى: (١) وقال: قال ابن السكّيت: يقال للرجل إذا كان قصيرا غليظا جعظارة بكسر الجيم، والجواظ الجموع المنوع، قال الجوهرى: (٢) الجواظ والجظ الرجل الضخم، قال: وفى الحديث: أهل النار كلّ حبط مستكبر، قال: وكذا الجعظ. ومذهب أهل الحقّ أنّ النار مخلوقة، وقالت المعتزلة والجهميّة: لم تخلق بعد لأنّها دار تعذيب وجزاء، وليس هذا وقته، ودلّنا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ»﴾، (٣) والمعدّ ما يكون موجودا، وما ذكروه فنقول: جهنّم حبس العصاة فوجودها أبلغ فى الزجر من عدمها، وعلى هذا الخلاف الجنّة أيضا، وقد تقدّم القول بذكرها متّعنا الله بها بجواره بمحمّد وآله. ذكر من تحت الأرض من السكان وهل ذلك خلا أم ملا حسب الإمكان (٤) روى السدّى (٥) عن أشياخه أنّ لكلّ أرض سكّانا فسكّان الأرض الثانية: الريح العقيم، وهى التى أهلكت قوم عاد، وسكّان الثالثة: حجارة جهنّم التى ذكرها الله تعالى فى قوله: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ»﴾، (٦) الآية (٢٤١)، الرابعة: كبريت جهنّم، الخامسة: فيها حيّات جهنّم، السادسة: فيها عقارب جهنّم كالبغال الدهم وأذنابها مثل الرماح، السابعة: إبليس وجنوده.

стр. 278

وروى عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: فى كلّ أرض آدم كآدمكم، وهذا القول بعيد ولم يرد به خبر ولا أثر، وإنّما هو آدم واحد وهو أبو البشر، وقد أخذ على أبى العلاء المعرّى قوله (من الطويل): وما آدم فى مذهب العقل واحد ... ولكنه عند القياس أوادم ومن المستحسن فى المعنى قول الآخر (من السريع): افترق العالم من آدم ... واجتمع العالم فى آدمى فجعلة العالم من واحد ... وواحد من جملة العالم ومذهب الأوائل أنّ الأرض على صفة واحدة كالمحّة فى البيضة وإنّما تختلف أجناسها وليس تحتها سوى الماء، والله أعلم. قلت: قد انتهى القول فى ذكر الأرض وخلقها وجميع ما ورد واتّصل بنا من مخلوقاتها وسكّانها ببرّها وببحرها، وسهلها ووعرها، جهد الطاقة وحسب الاستطاعة، وذاك كلّه بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه، ولنتبع ذلك بذكر مقامة من مقامات ابن الجوزى ﵀ فيما يتعلّق بذكر الجنّة والنار، لما فيها من الأخبار والآثار، تبصرة وذكرى لأولى الأبصار. ثم نتلوها بما للعيون يجليها، وللقلوب يجلوها، لقول الإمام على ﵇: إنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد فابتغوا لجلائها طرائف الحكم. وأثبتّ هذا الفصل آخر هذا الجزء لثلاث وجوه: الأوّل: اتّباعا لهذا الخبر الوارد عن مثل الإمام الأروع والبطل السميدع (٢٤٢) الأسد الوائب، والليث الغالب، الإمام علىّ بن أبى طالب، الثانى: إنّا ذكرنا الأرض وجبالها، ورمالها وتلالها، وبحارها وأنهارها وسكّانها من أممها جنّها وإنسها من مخلوقاتها، فأحببنا أن نردف ذلك بذكر المحبوب من نباتها، من أزهارها وثمارها والمستحبّ من

стр. 279

أوقاتها، وهو زمن الربيع وما قيل فى جميع ذلك ممّا اخترناه من الشعر البديع، ووطّئنا لذلك من قولنا منثورا يفوق المنثور، ويطابق القريض فى الأثمار والزهور، ممّا لعلّه يستحلا حين يستجلا. الثالث: أنّ شرطنا أن نتلو آخر كلّ جزء من أجزاء هذا التأريخ بذكر فضلاء أوانه، الكاتبين فى مدّة زمانه، من أهل المشرق والمغرب، ونذكر من أشعارهم ما استملحناه لما لمحناه من طبقتى المرقص والمطرب، ولما كان هذا الجزء الأول ليس يختصّ زمانه مخلوق ننقل عنه ما اشترطناه من هذه الآثار، ولا كائن من هذه الأمم المذكورة من نورد عنه أشعار، أثبتنا هذه المقاطيع الزهريّات المختصّة بذكر بعض ما فى الأرض من النباتات، ليكون لهذا الجزء النسبة بما يتلوه من أمثاله، وإن كان ليس فيهم إلاّ من يضاهيه فى مثاله، ويناظره فى حكمه وأمثاله. المقامة الرابعة والأربعون لابن الجوزى ﵀ ما زلت أعاهد على أن أتعاهد المواعظ، وأسعى بوسعى حتى أملأ سمعى من كلّ واعظ، فخلت بلدتنا مع كثرة العالم من عالم، فبقيت فيها كالحوت فى البيداء، والضب فى البحر، ثم سمعت أنّ عربيّا غريبا قد قدّم وجلس، فزاحمت مزاحمة من صدم وصدم (٢٤٣) حتى جلس، فحمّدك وسبّحك ودعا، ثم قال: رحم الله من سمع ودعا، فتأملته فإذا سوقب دملص، وإذا سحر كلامه لسحرى يعتضّ، فقلت: إنّ هذه لشجرة وريقة فأنا أغتنم لفظ هذا وريقه، فأروى بجزع مواعظه كلّ نسيس، وأهوى بزواجره خدع إبليس. فجعلت ذهنى إلى ما يقال، فأدرك حفظى من لفظه أن قال: يابن آدم تفكّر

стр. 280

فى أمرك، تعرف قصر عمرك وتلمح انقضاض قصرك عند انقضاء عصرك، فكأنّك بك وقد نودى راكب شؤونك ابرك، وسطت العلل، فانبسطت انبساط الفلل، من شونك إلى ظفرك فيا كثرة مرضك ويا قلّة صبرك، ثم جاء الملك فواقعها فانتزعها من صدرك، ثم ألغيت دليلا وألقيت فى قبرك، ورمت فى قفرك قد منيت بعقرك، ثم تقوم حزينا يوم نشرك لحشرك، وينصب لك ميزان ربحك وخسرك، وربّما امتدّت يد الفضيحة إلى هتك ستر سترك، ثم تمشى وأى قدم على جسرك. فقام شيخ فقال: حيّرتنى بزجرك، فقال: يا بعيدا عنّا أما تمّل طول هجرك، أما يكفيك بعد ظلام الشباب طلوع فجرك؟ قال: فما حيلتى؟ قال: أدرك واستدرك ويحك والله ما تساوى الملذّات أن تخاطر فيها باللذات، وأى راحة فى لقمات عند الحساب منتقمات، كم وقعت فى مهواة شهوات، ثم فارقت فأرقت وتبعت تبعات فدارك مادمت فى دارك هفوات الفوات، فما بينك وبين ما إذا نزل من الآفات آفات، إلاّ أن تعاين الوفاة وفات ويحك إنّما هو صبر مناعة عن الحرام أو للطاعات، فاز به المتيقّظون وفات أهل (٢٤٤) الغفلات، وثبوا إلى الخير بين جمع وثبات، فنظر إلى ثباتهم فأعينوا بصبر وثبات، وتلقّتهم الراحة يوم التوفّى واندفعت الكربات، فلو رأيت العاصى وقد استلبته عند الرحيل أيدى النائبات، أصبح على الخمر والناى، فانظر أين بعد هذا النادى مات، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ»﴾ (١). فقال السائل: بيّن لى أفعال القسمين! فقال: بين بيّن وسم الوسمين! أمّا الصالحون فخلّصوا نفوسهم من رقّ الهوى وأعتقوا، وسمعوا من ذا الذى يقرض

стр. 281

الله فصدّقوا فصدّقوا، فتراهم بين راكع وساجد إلى المساجد، قد سبقوا ولم يسبقوا، فلو عاينتهم فى الدجى وقد استغفروا وتملّقوا، وغربوا عن وادى الاعتذار عن الزلل وشرقوا، وجلوا مراد العين وخلوا، وطلقوا يتقلقلون كأنّهم غرقى قد تشبّثوا وتعلّقوا، فإذا جاء النهار هجروا مشتهاهم وطلقوا، حاسبوا أنفسهم على الكلمات والنظرات وحقّقوا، وبالغوا فى الورع وتناهوا ودقّقوا، وما كانت معاناة زرود إلاّ أيّاما وأعرقوا. قال: صف لى من حالهم، وقت ارتحالهم! فقال: لمّا نزل الموت وتيقّنوا أنّه آنه، وتقلقلت النفوس بين زفرة وأنّه، جاء ركابى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ»﴾، فكشف سجاف المنزل فحرّكوا الأعنّة، فرحلوا فوصلوا فدخلوا الجنّة، فأرواحهم فى حواصل طير تعلّق من تلك الشجر، وبقبورهم يستشفى ويستسقى المطر، فإذا نفخ فى الصور وأعيدت تلك الصور، جئ النجباء بنجائب مرحلة بالدرّ لا بالشعر فركبوا من قبورهم إلى قصورهم ما عندهم من (٢٤٥) الحساب خبر، فتلقاهم الولدان، ومنع الجور البرور (١) الخفر، فإذا التقوا أحضرن مستبشرات بمن حضر، فلو رأيتهم متّكئين على الأرائك بعد بعد تعب السفر، والكؤوس دائرة والقطوف دانية بأنواع الثمر، يجرى تحت القصور جزاء ترك القصور نهر بعد نهر، فكم من ساقية جارية عليها جارية ساقية يحار فيها البصر، وعيدان الأشجار تغنّى فتغنى عن عيدان الوتر، فإذا اشتاقوا إلى الإخوان نفر نفر إلى نفر فحدّثهم ما كانوا فيه من صيام وسهر، نالوا بعد أن حدّق يأس ما لا يدخل تحت حدّ قياس من الطفر، والملائكة تدخل عليهم مسلّمة للجدال فى فضل البشر، وما كفاهم ما أعطاهم حتى تجلاّ مولاهم للنظر، فلا تعبّد مفترض ولا تكليف معترض، ولا يقال عرض قد انكسر، ولا شقاق ألفة

стр. 282

ولا فراق طرمة، ولا مشاق كلفة، لطهارات البشر، ولا همّ يهمّ ولا غمّ يغمّ ولا تحريم يزمّ، عن قضاء الواطر، ولا عناء نصب ولا سقاء نعب ولا لقاء وصب يوجب دموع كدر، فسبحان من جاد عليهم غاية الجود، وبلغهم نهاية المقصود، ومنّ وما منّ بدوام الخلود، وهو آخر الأمل المنتظر. فقال السائل: اذكر لى حال القسم الآخر! فقال: كم بين من تقدّم ومن تأخّر، هؤلاء زلّوا بإيثار ما يزول، واستحلّوا ما يتغيّر ويحول، تكاسلوا عن الصلاة، فإن صلّوها نقصوا وأهملوا جانب الزكاة، فإن أخرجوا انتقصوا، غطوا أبصار البصائر بالخمر، وشغلوا أسماعهم عن الزواجر بالزمر، وبادروا بارد العيش فإذا البرد جمر، ورضوا فى الدين (٢٤٦) بالوهى معرضين عن النهى والأمر. قال: صف لى مآلهم، وعرّفنى ما لهم! فقال: كلّما اشتدّ بالقوم عند الموت الألم، صاح لسان اللوم ألم أقلّ ألم، ثم تمزج لهم كؤوس الحسرات بدم ندم، فيتمنون لما قد صدم العدم، رحلت اللذّة عن الأفواه وتخلّفت مرارة الأسف، وصار بدر الأمل كالعرجون ثم أمحق وخسف، واشتدّ عليهم كرب الموت وتحسر به الفوت وعسف، فإذا الغصن الغضّ قد نحل وشسف، ثم نقلوا إلى قبر أخصب ما فيه العجب، وأزرى من تربة زرود النجف، فلو رأيته بالعاصى قد تزلزل ورجف، ثم يأتى منكر ونكير إلى مقرّ بذنوبه قد اعترف، فلا يجد مقرّا ولا مقرا أودى من الحيف، فعذابه دائم وعتابه قائم على الشرف، فإذا انشقّ ضريحه ظهر قبيحه، وانكشف فلقى فى القيامة ما يعجز عن وصفه من وصف، ثم يحمل إلى النيران فيلقى بين الأنتان والجيف، عقابها عميم، وشرابها حميم، وعذابها أليم، هذا وقد عكف، مقامعها حديد، وبلاؤها شديد،

стр. 283

وقعرها قعر بعيد، والصديد مكان الصلف، فيها السلاسل والأغلال، والمقامع والأنكال، وهم بحال أى حال أصلح منها التلف، تولّى عنهم الأقارب، فتولّتهم حيّات وعقارب، كأنّها البغال أو نقارب، تدنو منهم وتقارب، فإذا اللحم مختطف، زمانهم ليل حالك، وضجيجهم ضجيج هالك، ويستغيثون يا مالك، وما التفت ولا انعطف، عقابهم عقاب وجيع، ونديمهم بئس القرين والضجيع، تجرى الدموع ثم النجيع، على القبيح الذى سلف، أفلا مميّز بين الدارين، أفلا فارق بين الفريقين (٢٤٧)، أفلا مغتنم للحين بعد الحين، بلى من أحضر ذهنه عرف. فارتجن المجلس ثم ارتجّ، ولم يبق فيه عين إلاّ مجّ، فمنهم من تعلّق بالمنبر ومنهم من هجّ، فانحطّ الشيخ عن كرسيّه وانزجّ، فإذا أبو التقويم أعرفه بالحاجب الأزجّ، فأسرع فتبعته من فجّ إلى فجّ، فقال: ترانى أهرب وأنت تطلب يا فج، فقلت: الصحبة، قال: نوبت الحجّ، فاجتهدت وألححت فولج الدار ولجّ، فرجعت وما حظيت من حجّته إلاّ بالعجّ والثجّ. تفسير الغريب من هذه المقامة الشوقب: الطويل، والدملص: الأملس البراق، والنسيس: العطش، والغلل: الماء الذى يجرى تحت الشجر، ومنيت: ابتليت، وشسف: قحل، وارتجن: مثل ارتج. تمت ولله الحمد والمنّة.

стр. 284

ذكر المنظوم والمنثور فى الأثمار والزهور قلت: كنت قد ألّفت قبل هذا التأريخ عدّة كتب مفيدة تشتمل على جواهر فريدة: منها: كتاب وسمّيته: بحدائق الأحداق، ودقائق الحذاق، فى جزءين يجمع اثنتا عشرة حديقة، وتشتمل على معانى دقيقة وأشعار رقيقة كلّ حديقة لها عشرة أبواب، من فنون الآداب. ومنها كتاب سمّيته: تبر المطالب وكفاية الطالب: لخّصت فيه اثنى عشر كتاب، من كتب الآداب، مثل كتاب زهر الآداب، وكتاب تباشير الشراب، وكتاب الحيوان، وكتاب الخراج، وكتاب أبكار الأفكار، وكتاب ملح الملح، وكتاب كنز البراعة، وكتاب الكامل، وكتاب أدب الكاتب، وكتاب الصادح والباغم، وكتاب المستجاد من أفعال الأجواد، وكتاب جامع اللذّة، فى أربعة أجزاء. (٢٤٨) وكتاب سمّيته ذخائر الأخائر يشتمل على ثلاثة ذخائر: الأوّلة: ذخيرة الدرّ الثمين فى ذكر الأوائل والمتقدّمين، الثانية: ذخيرة الياقوت البهرمان فى تأييد تنزيل القرآن بالدلائل القاطعة والبرهان، الثالثة: ذخيرة اللؤلؤ والمرجان فى خصائص البلدان فى جزء واحد. ومنها كتاب سمّيته: معادن الجوهر ورياض العنبر، يجمع ثلاث معادن فى عدّة فنون من الأدب فى جزء واحد، مع عدّة كتب هزليّة ألّفتها فى عصر الشباب الذى ذهب، فليتنى أقدر على استرجاعها ومحوها ولو بما أملك من فضّة وذهب، لكن سارت بها الركبان، وتعلّقت بأجنحة العقبان، وعادت كشبابى الذى لا أقدر على ردّه، الذى كان كأنّه عارية مستردّة، فلذلك لم أذكرها، وإن كنت لم أحضرها.

стр. 285

ومنها كتاب ألّفته قبل وضعى لهذا التأريخ المبارك، وله فى معانيه مشارك، وسمّيته أعيان الأمثال، وأمثال الأعيان، وذلك لما طالعت كتاب كليلة ودمنة لحكماء الهند، وعلماء السند، وإنّ جماعة من الفضلاء الإسلاميّين نسجوا على منواله، ولم يبلغوا أمثاله، فمنهم صاحب كتاب الصادح والباغم الشريف أبو يعلى محمّد بن الهبّاريّة ﵀، ومنهم كتاب سلوان المطاع لابن ظفر ﵀، ومنهم كتاب ثعلة وعفرة لسهل بن هارون الذى كان يسمّى بزرجمهر الإسلام، ولعمرى لقد أجادوا البلاغة، وأحسنوا الصياغة، وفضحوا بعدهم من رام الفصاحة، أو تجلاّ بملاحة، غير أنّ العبد على شعارهم، واقتبس من أنوارهم، وألّفت هذا الكتاب الذى سأذكر منه ما يليق بذكره فى هذا التأريخ وأقمت دعائمه على اسمين حسان، تورية عن القلب واللسان فأحدهما وتتمته ناطق الظّنين، والآخر سمّيته حاذق الأمين، (٢٤٩) فوقع غريب فى أمثاله، لا يوجد مثاله، إذ هو إسلامى جاهلى، عربى عجمى، ملوكى سوقى، خاصّى عامّى. وجعلته عشرة محاضرات: الأوّلة: المحاضرة الربيعيّة ممّا تزهو على الدرّ المنثور فى تشابيه الفواكه والزهور، وهى التى أثبتها بجملتها فى هذا التأريخ إذ كلّ سمع للذّة سماعها يسيح. الثانية: المحاضرة الأوائليّة، التى بأخبار الأمم القديمة مليّة، وقد لخّصت منها فى هذا التأريخ أيضا، ممّا يزهو بحسنه على الفضّة البيضاء. الثالثة: المحاضرة النبويّة المشرّفة بذكر خير البريّة. الرابعة: المحاضرة الخليفيّة التى كلّ القلوب إلى سماعها مشتهية، وهذه المحاضرة والتى قبلها وما بعدها من هذا الباب، موفرة إجلالا لذلك الكتاب، للا (١) يكن قد أغرنا على جملته، وأضعنا حرمته.
следующие страницы →