Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
روى ابن عساكر-في تاريخه-﵀ عن الدولابي أنّ المعتصم اقتنى أسدا عظيم الخلق لم ير الناس مثله؛ فسلسله وجعله في مجلسه. فبينا هو ذات يوم جالس إذ انفلت ذلك الأسد من وثاقه ووثب على المعتصم فضربه بعمود كان لا يبرح في يده من حديد بحلق من ذهب فحطّم به رأس الأسد ولعظم الضربة انكسرت يده، وانصرع الأسد مجندلا! فأحضر المعتصم المجبّر فجبر يده فلمّا جبرت وجدها معوجّة فأحضر المجبّر وقال: اعدلها! فقال: يا أمير المؤمنين! لا تعتدل حتّى تكسر ثانيا! فرفع (١٨٠) يده وضرب بها حافّة السرير فكسرها وقال: جبّر معتدلا وإلاّ ضربت عنقك! فجبرها ذلك اليوم.
ولعظم ما عاين المجبّر من جبروته لم يعش إلاّ أياما قليلة ومات فرقا. وكان شديدا قويا يحمل ألف منّ ويمشي به عدّة خطوات.
ذكر سنة اثنتين وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. ومبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بن هارون الرشيد. وولي موسى بن أبي العبّاس الحرب بمصر. وأبو الجارود الخراج.
وفيها انقضّ نجم لم ير الناس أعظم منه حتّى نودي بالنفير في الرقّة وكور الجزيرة والشامات، وتخوّفت الناس منه عدّة ليال.
стр. 2207
ومن نكت المعتصم ما رواه الطبريّ ﵀ أنّ المعتصم كان ذات يوم في بستان له راكبا حمارا مصرّيا-وكان هذا عوائد الخلفاء في البساتين-فدخل عليه الحاجب يعرّفه بحضور خارجيّ قد مسك فأمر بإحضاره. فلمّا صار بالقرب من المعتصم قبض على مقبض سيف من بعض الموكّلين به ووثب على المعتصم، وانهزم الموكّلون به. فلمّا أراد أن يضرب المعتصم وهو راكب لم يتغيّر؛ فقال المعتصم: يا غلام! إضرب عنقه! فالتفت الخارجي ينظر لمن القول فوثب المعتصم عليه ولكمه أرماه كالحجر ثم تناول السيف منه وذبحه به ورجع إلى مركوبه ولم يتغيّر عليه شيئ، وأمر به فسحب ولا (١٨١) تعرّض لأحد من موكّليه؛ وإنما منذ ذلك اليوم جعل مملوكا يحمل السلاح حيث كان فاستمرّ الحال على ذلك.
ذكر سنة ثلاث وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وموسى بن أبي العبّاس بحاله. وولي سعيد بن البختكان مع المنذر بن الجارود الخراج جميعا.
والقاضي هارون الزهري بحاله مستمرّ على قضائه.
стр. 2208
قال الصولي، قال لي محمد بن يزيد المهلّبي، قال، قال لي محمد بن عمر الرومي الشاعر: لله درّ المعتصم ما كان أعقله من رجل! كان له غلام يقال له عجيب، وكان عند اسمه من حسنه، وكان مشغوفا به. فحارب بين يديه يوما فحسن بلاؤه؛ فدعاني المعتصم فقال: يا محمد! جليس الرجل صديقه وذو نصحه وموضع أنسه، ولي عليك حقّ الرئاسة والإحسان والإمامة؛ فاصدقني عمّا أسألك عنه! فقلت: لعن الله من يقيم نفسه إلاّ مقام العبد الناصح الذي يرى فرضا عليه أن يضيف كلّ حسن إليك. وينفي كلّ عيب عنك وإن كان لا عيب بحمد الله! قال: قد علمت أنّي دون إخواني في الأدب لحبّ الرشيد لي وميلي إلى اللعب وأنا حدث فما نلت ما نالوا. وقد قاتل عجيب بين يديّ فأحسن، وأنت تعلم وجدي به. وقد جاش طبعي بشيئ قلته فإن كان مثله يجوز فاصدقني وإلاّ طويته! قلت: والله لا جزت (١٨٢) ما أمرت به! فأنشدني (من المجتث):
لقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر ... والقدّ يحكي القضيبا
وإن تناول سيفا ... رأيت ليثا حريبا
وإن رمى بسهام ... كان المجيد المصيبا
طبيب ما بي من الحبّ (م) ... فلا عدمت الطبيبا
إنّي هويت عجيبا ... هوى أراه عجيبا
قال؛ فحلفت له أيمان البيعة أنّه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء! فطابت نفسه. فقلت له: يحتاج إلى لحن فيه. فقال: لا أحبّ ذلك
стр. 2209
لذكر عجيب! قلت: فلا يذكر البيتان اللذان فيهما ذكر عجيب! قال: أمّا إذا فنعم! فغنّى به مخارق، ووصلني بخمسين ألف درهم.
كان محمد بن عمر الرومي من الشعراء المفحمين، فائقا على أهل عصره. وله ديوان مشهور في أيدي الناس. وكان هجوه أقطع من مدحه. وهو الذي هجا الورد بمعنى لم يسبق إليه؛ وهو قوله (من البسيط):
يا مادح الورد ما تنفكّ من غلط ... أمّا تأملته في كفّ ملتقطه
كأنه سرم بغل حين أبرزه ... إلى الخراء وباقي الروث في وسطه
وكان يفضّل النرجس على الورد؛ وفي ذلك يقول (من الكامل):
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليها شاهد
لم يخجل الورد المضاعف لونه ... إلاّ وناحله الفضيلة عائد
للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الفضيلة حائد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
(١٨٣) هذي النجوم وهي التي ربّتهما ... بحيا السماء كما يربّى الوالد
فانظر إلى الولدين من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد
فقال أبو الحسن بن يونس المصري يجيبه (من الكامل):
يا من يشبّه نرجسا بنواظر ... دعج تنبّه إنّ ذهنك فاسد
إنّ القياس لمن يصحّ قياسه ... بين العيون وبينه متباعد
أو قلت إنّ كواكبا ربّتهما ... بحيا السماء كما يربّي الوالد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافطن فما يصفرّ إلاّ الجاحد
وقال أبو الحسن أيضا متعقّبا للورد على النرجس (من مجزوء الرمل):
أصبح الورد أميرا ... وله النرجس عبد
стр. 2210
يجلس هذا وهذا ... قائم يقلق وجد
وكذا كلّ أمير ... هو في الإمرة فرد
وأمّا هجو ابن الرومي فله الغاية في ذلك. فمن <ذلك> قوله (من البسيط):
قوم من الزنج والأتراك قد بلغوا ... فينا بأقبح فعل غاية الأمل
ففخر هذا لما قد نيل من دبر ... وفخر هذا لما قد قدّ من قبل
وقوله (من الكامل):
يا ابن الزنيم ويا ابن الغيّ والدنس ... يا ابن الطريق لشارد ولوارد
ما فيك موضع عضّة لبعوضة ... إلاّ وفيها نطفة من واحد
وأجاد في ذكر السفن بالنيل؛ فقال (من السريع):
أما ترى الوقت وألاّفه ... والنيل في غاية إسعافه
كأنّه الرقّ نوتيّنا ... يكتب واوات بمجدافه
وله أشعار فائقة وتشابيه خارقة أضربنا عن ذلك للاختصار. إذ هو كتاب إيجاز، وتاريخ إنجاز لا كتاب إطناب وتعليل وإسهاب.
(١٨٤) ذكر سنة أربع وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
стр. 2211
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وموسى بن أبي العبّاس على الحرب بمصر. وافترد ابن البختكان بالخراج. والقاضي هارون بحاله.
روي أنّ المعتصم قال يوما للقاضي أحمد بن أبي دؤاد: أيظنّ دعبل الخزاعيّ أنّ لي حلم المأمون؟! والله إن أمرت به ليكوننّ أحدوثة لأهل زمانه! فقال أحمد: وما الذي فعل يا أمير المؤمنين؟ قال: هجاني! فقال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين! ومن دعبل حتّى يتوهّم هذا في خاطره أو يهجس بحسّه؟! ومن القائل لأمير المؤمنين؟ قال: عمي إبراهيم! قال: وإبراهيم متّهم يا أمير المؤمنين! قال: بماذا؟ قال؛ لقوله فيه هذا (من الكامل):
إن كان إبراهيم مضطلعا لها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزرزر ... ولتصلحن من بعده للمازق
قال؛ فضحك المعتصم وقال: لعمري إذا كان إبراهيم خليفة كان مخارق وليّ عهده! والمازق وزرزر مغنّيين ذكرهما صاحب كتاب الأغاني. وأما البيتان اللذان ذكرهما إبراهيم وغمّ بهما على دعبل فهذان (من الطويل):
стр. 2212
ملوك بني العبّاس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن منهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... ملوك إذا عدّوا وثامنهم كلب
(١٨٥) وفيها زلزلت مدينة فرغانة زلزلة عظيمة مات من أهلها تحت الردم خمسة عشر ألف نفس، وخرب منها قريب الثلث. وكانت زلزلة ما عهدوا قبلها مثلها.
وفيها احتبس فتح باب مكة يوم التروية؛ وكان يوم الثلاثاء؛ فلم ينفتح عامة ذلك النهار. والله أعلم.
ذكر سنة خمس وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا ونصف. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وموسى على حرب مصر. وابن البختكان على الخراج.
وفيها كانت الرجفة بسوق الأهواز حتّى هرب أهلها إلى السفن والبر
стр. 2213
وسقطت فيها آدر كثيرة ونصف مسجد الجامع. وليلة الأربعاء مستهلّ جمادى الآخرة من هذه السنة ظهرت حمرة شديدة مع الفجر مع حرارة عظيمة حتّى ظنّ أنها نار محرقة، وخرج أهلها يستغيثون ويضرعون، ولم تزل إلى بعد طلوع الشمس. واستمرّ ذلك النهار بكماله من أشدّ ما يكون من الحرّ. وعاد يضمحلّ أولا فأولا إلى ثاني يوم الفجر.
ذكر سنة ستّ وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وعزل موسى (١٨٦) وولي مكانه مالك بن نصر كيدر. وعلى الخراج أبو الوزير أحمد بن خالد وابن البختكان. وعزل القاضي هارون الزهري وولي مكانه محمد بن أبي الليث.
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المعروف بمرآة الزمان عن محمد بن حبيب إنّه في هذه السنة مطر أهل تيماء بردا كالبيض قتل بها ثلاثمائة
стр. 2214
وستين إنسانا، وهدمت آدر، وسمع في ذلك صوت يقول: إرحم عبادك، أعف عن عبادك! ونظروا إلى قدم طول أثرها ذراع ونصف بغير أصابع عرضها شبران، فجعلوا يسمعون صوتا ولا يرون شخصا.
ذكر سنة سبع وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد إلى أن توفّي في هذه السنة في تاريخ ما يذكر. ومالك بن نصر على حرب مصر. وكان قد عزل أبو الوزير عن الخراج وولي الوليد بن يحيى رفيقا لابن البختكان. ومحمد بن أبي الليث قاضيا مستمرا على قضائه.
توفّي المعتصم ﵀ لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من هذه السنة، وله ثمان وأربعون سنة. وصلّى عليه الواثق ولده، ودفن بالجوسق الكبير.
صفته: أبيض، شديد البياض، حسن الوجه، أصهب الشعر، عظيم اللحية، ربعة. (١٨٧)
стр. 2215
وزراؤه والكتّاب: الفضل بن مروان ثم أحمد بن عمّار ثم محمد بن عبد الملك الزيّات.
حجّابه: وصيف، وإيتاخ التركيان؛ ويخلفهما محمد بن حمّاد ثم دنفش.
نقش خاتمه: سل الله يعطيك؛ وقيل: الله ثقة أبي إسحاق وبه يوقن.
ذكر خلافة هارون الواثق بالله
ابن محمد المعتصم، وما لخّص من سيرته
هو أبو جعفر هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد؛ وباقي نسبه قد علم. أمّه أمّ ولد يقال لها قراطيس أدركت خلافته وماتت بالكوفة في هذه السنة. بويع له صبيحة يوم مات فيه أبوه؛ وذلك في شهر ربيع الأول من هذه
стр. 2216
السنة، وله يومئذ <ستّ و> ثلاثون سنة وأشهرا. كان الغالب عليه محمد بن عبد الملك الزيّات المقدّم ذكره. واستسنّ للمصادرين تنورا من حديد بمسامير ذات أصماخ بارزة إلى داخله يجعل فيه الرجل المصادر وربّما أمر أن يحمى عليه بالنار من خارجه فما يمكث الرجل أن يهلك! وبه قتل في خلافة المتوكّل.
وكان بينه وبين القاضي أحمد بن أبي دؤاد هنات ومباينة؛ ومنها ما يأتي بعد ذكر السنة إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة ثمان وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الواثق بالله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وولّى على الحرب بمصر علي بن يحيى الأرمنيّ. والوليد بن يحيى خراج أسفل (١٨٨) الأرض، وموسى بن خالد خراج الصعيد بأعلى الأرض. والقاضي محمد بن أبي الليث مستمرّ على قضائه.
كان الواثق في كثير من أموره يذهب مذاهب المأمون، وشغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم، وكان يعاقب من امتنع من القول بخلق القرآن العظيم.
стр. 2217
ذكر سنة تسع وعشرين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع ينقص ستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الواثق بالله بن محمد المعتصم. وعزل عليّ بن يحيى عن حرب مصر، وولّى مكانه عيسى بن منصور. وكذلك عزل الوليد وولّى مكانه عبد الملك بن خليفة المعروف بأبي الوزير. والقاضي محمد بن أبي الليث بحاله.
وأمّا السبب الذي كان بين محمد بن عبد الملك الزيّات وبين القاضي أحمد بن أبي دؤاد؛ وذلك أنّ القاضي أحمد بن أبي دؤاد كان كثير التعصّب للناس، واقفا على قدم الاجتهاد في قضاء حوائج خلق الله تعالى حتّى عرف بذلك، وخبطت إليه آباط الإبل من شرقها وغربها وعادوا نزولا عليه! فعاد كثير الترداد إلى الوزير محمد بن عبد الملك حتّى ملّه وبرم منه. قال ابن الرومي:
فبينا نحن جلوس في حضرة القاضي أحمد بن أبي دؤاد بمجلس خلوته إذ دخل خادم الدواة يستأذن على حاجب الوزير محمد بن عبد الملك فأذن له فسلّم ثم قال: الوزير يقرئك السلام، ويقول لك خفّف وطأتك أيّها القاضي عن كثرة الترداد إليه فإنه يستعفيك من ذلك! (١٨٩) قال؛ وكان القاضي متكئا فجلس
стр. 2218
وقال؛ قل للوزير إنّ أمير المؤمنين-أعزّه الله-قد أحلّك محلاّ فإن جئناك فلأمير المؤمنين، وإن انقطعنا عنك فلك؛ وكلّ يعرف أصله! ثم حصلت الوحشة بينهما منذ ذلك اليوم.
ذكر سنة ثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الواثق بالله بن محمد المعتصم. وعيسى بن منصور بحاله وعبد الملك بن خليفة. والقاضي ابن أبي الليث مستمرّ على قضائه.
كان سبب صلة القاضي أحمد بن أبي دؤاد بالخلفاء ما روي عن محمد بن عمر الرومي قال؛ طلبت ذات ليلة إلى حضرة المأمون للمنادمة- وكان المأمون والمعتصم ويحيى بن أكثم وصرت رابعهم. فأفضى بنا الحديث والمنادمة إلى الطعام وطبخه فقال المأمون: ليطبخ كلّ منا قدرا من الطعام ونتناظر فيه! فأحضر لكلّ واحد منا بحاجته فلمّا تهيأت القدور ورضوا جميعا وقلنا: لا بدّ لنا من يحكم بيننا! فقال القاضي يحيى: أي من أحضرناه حكم لأمير المؤمنين علينا! فقال المأمون لبعض الخدم أخرج من باب الخاصّة فمن وجدت أحضره إلينا كائنا من كان! قال؛ فخرج الخادم-وكان الليل قد تهوّر-
стр. 2219
فأحضر رجلا حسن الهيئة واللباس، عليه سمة فضل ووقار فسلّم فأبلغ، وتكلّم فأحسن فأعجب المأمون فقال: من (١٩٠) تكون أيّها الرجل؟ فقال: عبد من عبيد أمير المؤمنين أحمد بن أبي دؤاد! فسأله عن نسبه فانتسب. وكان أحمد متّصل النسب إلى أبي دؤاد الإيادي-وهو حارثة بن الحجّاج-الشاعر الجاهلي المقدّم ذكره في أول جزء من هذا التاريخ عند ذكرنا لشعراء الجاهلية. وكان أبو دؤاد قد مدح الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان فأعطاه عطايا كثيرة ثم مات ولد لأبي دؤاد وهو في جوار الحارث فوداه، وحلف الحارث أنه لا يموت له ولد إلاّ وداه، ولا يذهب له مال إلاّ أخلفه فضرب العرب المثل بحسن جواره؛ فمن ذلك قول قيس بن زهير (من الوافر):
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دؤاد
ومن هذا الضرب كثير؛ وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. فلمّا انتسب القاضي أحمد بن أبي دؤاد للمأمون أثنى يحيى عليه بخير فقال: أو تعرفه؟ قال: نعم! يا أمير المؤمنين، وهو ينوب عني في بعض جهاتي. فقال المأمون: يا أحمد! هؤلاء أربعة قدور قد طبخوا فاحكم بينهم! قال: فشمّر أحمد كمّه وعمد إلى قدر المأمون من غير أن يعلمها فأكل منها بثلاث لقم وقال: زه لمن حكمك، لقد أتقن صناعتك فلله درّه! ثم عمد إلى قدر المعتصم فأكل منها لقمتين وقال:
إن صدقني حزري فهما عن يد واحدة! ثم عمد إلى قدر ابن الرومي فأكل منها لقمة واحدة وقال؛ هذه قدر طبّاخ ابن طبّاخ قد أتقن صناعتها وجرد أبزارها. ثم عمد إلى قدر القاضي يحيى فوضع لقمة في فيه ثم تفلها وقال: كأنّ طبّاخها جعل مكان بصلها خرا! قال؛ فضحك المأمون (١٩١) والمعتصم حتّى فحصا برجليهما ثم أمر المأمون أن تغسل القدور الأربع وتملأ دراهم وينعم بها عليه،
стр. 2220
وأمره أن يلازم حضرته. وكان سبب ضحك المأمون والمعتصم عند قول أحمد: كأنّ طبّاخها جعل مكان بصلها ما قاله؛ كون أنّ يحيى كان يتّهم باللّواط! فحسن ذلك الكلام من أحمد لسعادته. وقيل: سبب صلته غير هذا؛ والله أعلم.
ذكر سنة إحدى وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع ونصف.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الواثق بالله بن محمد المعتصم. وعيسى بن منصور بحاله على حرب مصر. وفيها عزل محمد بن عبد الملك وولي الوليد بن يحيى وأحمد بن خالد على الخراج. والقاضي ابن أبي الليث بحاله.
كان للواثق من الولد محمد المهتدي وأمّه أمّ ولد يقال لها قرب، وعبيد الله، وأبو العباس أحمد، وأبو إسحاق إبراهيم. وكان إبراهيم مغرى بالخمرة وشربها فخرج ذات يوم في خلافة أبيه الواثق وبه خمار إلى مجلس محمد بن عبد الملك الزيّات والمجلس غاصّ بمن فيه وأحمد بن أبي دؤاد في الجانب الآخر في حفدته؛ فقال إبراهيم ابن الواثق لمحمد بن عبد الملك:
أيّها الوزير ما دواء الخمار!؟ قال؛ فامتعض لها محمد وقال: ما لي ولذا
стр. 2221
السؤال؟! قال؛ فبان الخجل في إبراهيم فتشوّف القاضي إليه ففهم منه أنه يريد سؤاله؛ فقال: ما داء الخمار أيّها القاضي؟ قال: فتنحنح القاضي حتى أصلح صوته وقال؛ قال (١٩٢) الله تعالى ﴿ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾،وقال سيّدنا رسول الله ﷺ : إستعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلها؛ وقال الأعشى (من المتقارب):
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
وقال أبو نواس (من البسيط):
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
قال؛ فتهلّل وجه إبراهيم ابن الواثق بعد الخجل وقال لمحمد بن عبد الملك: لم لا كنت مثل سيّدنا قاضي القضاة أتى بآية من كتاب الله، وخبر عن رسول الله، واستشهد ببيتين من أشعار شعراء الجاهليّة والإسلام؛ فلله درّه من قاض! قال؛ ولم يكن قيل لقاض قبل ذلك اليوم «سيّدنا» من بيت خلافة قطّ! فعاد محمد بن عبد الملك يودّ الأرض لو <أنّها> ابتلعته.
ذكر سنة اثنين وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة هارون الواثق بالله بن محمد المعتصم بالله إلى أن توفّي في هذه
стр. 2222
السنة في تاريخ ما يذكر. وفيها توفي عيسى بن منصور وولي مكانه هرثمة بن النضر. والوليد وأحمد بحالهما. وكذلك ابن أبي الليث قاضيا بحاله.
توفّي الواثق بالله إلى رحمة الله تعالى لستّ بقين من ذي الحجّة من هذه السنة، وصلّى عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد، (١٩٣) ودفن بالهاروني وله ست وثلاثون سنة. وقيل: تسع وثلاثون سنة. وكانت ولادته سنة ست وتسعين ومائة. مدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما. والله أعلم.
صفته: أبيض إلى الصفرة، جميل، وسيم، في عينه اليمين نكتة بياض.
وزراؤه: محمد بن عبد الملك الزيّات من أول خلافته إلى أن توفّي.
حجّابه: إيتاخ التركي ثم وصيف مولاه ثم أحمد بن عمّار وقوصرة.
نقش خاتمة: الله ثقة الواثق بالله. وقيل: محمد رسول الله وخاتم النبيّين.
стр. 2223
خلافة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله
وما لخّص من سيرته
هو أبو الفضل جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد. وباقي نسبه معلوم. ويلقّب النحيف والبنّاء لكثرة ما أحدثه من الأبنية. أمّه أمّ ولد يقال لها شجاع ويقال إنّها تركيّة، وماتت قبل قتله بسبعة أشهر ووجد لها خمسة آلاف ألف دينار عينا، وجواهر بقيمة ألف ألف دينار، وفرش وأثاث وأواني ورقيق ودوابّ بقيمة ألف ألف دينار، وأربع عشرة ضيعة غلتها في السنة أربع مائة ألف دينار.
وكانت وفاتها في سنة سبع وأربعين ومائتين. بويع له في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين وله ستّ وعشرون سنة. والله أعلم.
ذكر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر
стр. 2224
ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(١٩٤) الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم. وهرثمة بن النضر بحاله إلى أن توفّي، وولي مكانه علي بن يحيى الأرمني المرة الثانية.
وعمال الخراج بحاليهما. وكذلك القاضي ابن أبي الليث مستمرّ على قضائه.
ذكر سنة أربع وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وعلي بن يحيى الأرمني على حرب مصر. والوليد وأحمد على الخراج.
وفيها كانت الزلزلة العظيمة بأذربيجان أقامت سبعة أيام تعاودهم ليلا ونهارا حتّى دكّت المدينة وقتل تحت الردم عالم عظيم. والذين سلموا عدموا أموالهم وأمتعتهم تحت الهدم. ثم أنشئت مدينة غيرها على ميل من المدينة القديمة وسكنها الناس. ولم تزل حتّى أخربها التتار عند خروجهم حسبما يأتي من ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 2225
ذكر سنة خمس وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وعلي بن يحيى على حرب مصر مستمرّا. وعزل الوليد بن يحيى عن الخراج بعدما كان استقرّ به وحده وولي مكانه إسحاق بن يحيى بن معاذ. وصرف القاضي (١٩٥) ابن أبي الليث ولم يولّ مكانه أحد. فيها تحركت الأسعار بمصر وكان بها وباء كثير. وتوفيت جماعة من أعيان المصريين. والله أعلم.
ذكر سنة ست وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم. وتوفي إسحاق بن يحيى بن معاذ، وولي مكانه محمد بن إسحاق بن إبراهيم على حرب مصر
стр. 2226
وخراجها معا؛ فولّى من قبله على الخراج خوط واسمه عبد الواحد، واستكتب عبد الرحمن بن أبي داود المعروف بابن أندونه. ثم توفي في هذه السنة محمد بن إسحاق أيضا وعزل صاحباه عن الخراج، وولي أحمد بن خالد وعبد الرحمن بن سعيد على الخراج. ومصر بلا قاض في هذه السنة.
وفيها كان القبض على الوزير محمد بن عبد الملك الزيّات وصودر ووجد له من الأموال والذخائر ما يضيق عنه الحصر. وجعل في ذلك التنور الذي كان اقترحه للمصادرين ولم يزل فيه حتّى هلك. وقيل إنّه وزر للمتوكّل أربعين يوما، وقبض عليه. ووزر له بعده محمد بن الفضل الجرجاني ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
ذكر سنة سبع وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
стр. 2227
ما لخّص من الحوادث
(١٩٦) الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وفيها ولي عنبسة بن إسحاق الحرب والخراج معا. وولي القضاء ابن مسكين وهو بالإسكندريّة.
وجدت في مسوداتي عن الفتح بن خاقان-وكان أخصّ الناس بالمتوكّل- قال؛ كنت ذات يوم مع المتوكّل على النرد فاستأذن عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال المتوكل: قد أتى يثقل علينا في حوائج الناس! أشهدك يا فتح لا قضيت اليوم له حاجة! قال الفتح: فقصدت رفع النرد من بين أيدينا؛ فقال المتوكّل: دعه يا فتح! أو أجاهر الله تعالى بشيئ وأخفيه خوفا من خلقه؟ ثم دخل القاضي ونحن في لعبنا فقال المتوكّل: قصد الفتح أن يرفع النرد لمّا سمع بك يا قاضي! فقال: خاف لأعلّم عليه يا أمير المؤمنين! قال الفتح: فاستملحناه بعد ما كنا تحشمناه، ونظر إلى نحوي المتوكّل وتبسّم فعلمت أنّه قد استملحه فقال: سل حاجتك يا قاضي! قال؛ فسأل أمير المؤمنين اثنتي عشرة حاجة لم تكن له فيها واحدة! فأنعم له بجميع ذلك ثم نهض وهو يدعو لأمير المؤمنين بأحسن كلام وأبلغ دعاء وأبرعه. فلمّا خرج قلت: أليس أني شهدت على أمير المؤمنين-أعزّه الله-أنه لا يقضي له اليوم حاجة؟! فقال: يا فتح! مثل أحمد
стр. 2228
يردّ؟! والله إنه ليسحرني بحسن تأتّيه وبراعة منطقه ولطف معانيه. قال الفتح:
فأثنيت خيرا وقلت: أما إني فما شهدت على أمير المؤمنين إلاّ بحاجة واحدة، وأمّا اثنتا عشرة حاجة فلا! قال؛ فضحك المتوكّل وقال: أو عددتها يا فتح! قلت: إي وحياة أمير المؤمنين! وما القصد، إلاّ عدّ مكارم أمير المؤمنين.
(١٩٧) ذكر سنة ثمان وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وستّة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وعنبسة على الحرب والخراج معا. والقاضي ابن مسكين مستمرّ على قضائه.
فيها ظهر رجل ادّعى النبوة وأنه نوح فقبض عليه واستتيب فلم يتب فأمر المتوكّل بصلبه على جذع عال. وكان قد قبض معه رجل واحد ممن كان آمن به فاستتيب فتاب ووقف على صاحبه وهو على ذلك الجذع العالي فقال: لا زلت تزعم أنك نوح حتّى صلبت على صاري السفينة! فبلغ ذلك المتوكّل فضحك منه وأمر بإطلاقه.
ذكر سنة تسع وثلاثين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وستّة عشر إصبعا.
стр. 2229
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وعنبسة على مصر حربا وخراجا. وكذلك القاضي ابن مسكين بحاله مستمرّ.
(١٩٨) ذكر سنة أربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ونصف إصبع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وعنبسة بحاله. وكذلك عمّال الخراج. والقاضي ابن مسكين على حاله مستمرّ.
فيها جاءت الكتب من التجار، من تجار المغرب، أنّ ثلاثة عشر قرية من قرى القيروان خسف بها، ولم ينج من أهلها إلاّ اثنان وأربعون رجلا، وقد عادوا سود الوجوه فأتوا إلى مدينة القيروان فأخرجهم أهلها وقالوا: أنتم مسخوط عليكم! لا تدخلوا مدينتنا. وبني لهم حظيرة خارج المدينة فكانوا فيها؛ والناس يهرعون إليهم من كلّ فجّ عميق. ذكر ذلك الشيخ جمال الدين ابن الجوزي في تاريخه. والله أعلم.
ذكر سنة إحدى وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
стр. 2230
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. وعزل عنبسة، وولي يزيد بن عبد الله الحرب، وأحمد بن خالد الخراج. والقاضي ابن مسكين مستمرّ على قضائه.
وفي هذه السنة تناثرت الكواكب بما لم يعهد بمثل ذلك، ومات كثير من البقر والدوابّ (١٩٩) ومواشي كثيرة حتّى عسر اللحم في تلك السنة.
ذكر سنة اثنين وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله. وعمّاله بمصر على حالهم.
وذكر صاحب تاريخ أصبهان أنّ في هذه السنة زلزت دامغان على أهلها فسقط أكثر من نصفها عليهم فقتلهم. وزلزلت الريّ وجرجان ونيسابور وأصبهان
стр. 2231
وقم وقاشان الجميع في وقت واحد. وحكي أيضا أنّ قرية يقال لها أجدابا مما يلي قومس كان بها زلازل متداركة فخرج الناس عنها فسمعوا من نحو السماء صوتا عاليا يقول: الله أجلّ وأعود بعباده. وذكر هذه الواقعة أيضا ابن الجوزي في تاريخه. وذكر ابن أبي الوضّاح صاحب تاريخ حلب أنّ طائرا دون الرخمة وفوق الغراب أبيض اللون وقع على موضع بحلب لسبع بقين من رمضان من هذه السنة فصاح: معاشر الناس! اتّقوا الله الله الله-حتّى صاح أربعين صوتا ثم حلّق طائرا ثم عاد من الغد فصاح كذلك أربعين صوتا! وكتب بذلك صاحب البريد، وأشهد جماعة من الناس ممن سمعه. ذكر صاحب تاريخ القيروان أنّ في هذه السنة نزل من السماء أحجار فوقع حجر على خيمة أعرابيّ فوزن فكان زنته عشرة أرطال فحمل إلى الفسطاط حجرا وآخر إلى
(٢٠٠) ذكر سنة ثلاث وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. ويزيد بن
стр. 2232
عبد الله على حرب مصر، وأحمد بن خالد على الخراج. والقاضي ابن مسكين مستمرّ.
روي أنّ المتوكّل والفتح بن خاقان تجاريا ذات ليلة في ذكر الأشحّاء فقال ابن خاقان؛ روي عن المدائني قال؛ كان عمر بن يزيد الأسدي بخيلا على الطعام فدخل عليه ابن عبدل الشاعر وهو يأكل بطيخا فسلّم فلم يردّ السلام ولم يدعه إلى المأكول؛ فقال ابن عبدل (من البسيط):
في عمرو بن زيد خلّتا دنس ... بخل وجبن ولولا أيره سادا
جئناه يأكل بطيخا على طبق ... فما دعانا أبو حفص ولا كادا
فقال المتوكّل: له أعجب من هذا! أنّه أصابه قولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير فانحلّ في بطنه في الطست! فقال للغلام: ما تصنع به؟ قال: أصبّه قال:
لا! ولكن ميّز منه الدهن واستصبح به!
ذكر سنة أربع وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وإصبع واحد. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
стр. 2233
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله. ويزيد بن عبد الله على حرب مصر.
وفيها قدم سليمان بن وهب شريكا مع أحمد بن خالد (٢٠١) على الخراج وعمالته بمصر. والقاضي ابن مسكين مستمرّ على قضائه.
ذكر سليمان بن وهب وابتداء شأنه
روى الصولي في كتاب الوزراء أنّ الفضل بن سهل وزير المأمون رحمهما الله تعالى كان أرسل وهب بن سعيد أبي سليمان وأخيه الحسن إلى فارس محاسبا لعمّالها. فبلغه أنّه جار وحابى العمّال وقبل الرشوة فعزله وسخط عليه، وبعث له بأخيه الحسن بن سهل لينظر في أمره؛ فأحسّ وهب بن سعيد بالشرّ فأوصى إلى رجل من أهل واسط-وكان رجلا مأمونا موسرا يتحرّف بصناعة الخزّ ويتجر في الجلود؛ فأعطاه مالا كثيرا وضمّ إليه ولديه سليمان وحسن- وهما صغيران-ثم توجّه إلى بغداد فغرق قبل وصوله. فلمّا انتهى إلى الوصيّ خبره وغرقه أخبر بذلك الغلامين وقال لهما: اختارا حرفة تتحرّفان بصناعتها إن أحببتما الخزازة وبيع الجلود وذلك يضرّ بكما؛ ولكن عندي لكما مال جليل أتّخذ لكما به عقارا يردّ عليكما! فقال له سليمان: ما لنا ولحرف العوامّ وصناعتهم! وإنّما حرفة أمثالنا حزر أعناق الرجال في القراطيس! قال؛ فتهيّبهما الوصيّ وسمع ما لم يكن يظنّه بهما؛ فضمّ إليهما من يؤدبهما فلمّا اشتدّا قالا
стр. 2234
لوصيّهما: إنّ واسطا لا تفي بما نريد من العلم ونؤمّله من الرئاسة! ولكن جهّزنا إلى معترض العلماء ومستقرّ الخلفاء! ففعل وأوصل لهما جميع ما لهما. فلمّا صارا إلى بغداد نالا ما أمّلاه من العلم والرئاسة ولبثا معا في دار المأمون وهما غلامان. فيروى أنّ المأمون رأى سليمان بن وهب يمشي في دار الخلافة (٢٠٢) فقال: من أنت يا غلام! فقال سليمان: الناشئ في دولة أمير المؤمنين المغتذي بنعمته، المكرّم بخدمته سليمان بن وهب! فقال: أحسنت يا غلام! ثم دعاه وأمره أن يكتب بين يديه كتابا ولم يكن بلغ قدره أن يكتب مثل ذلك الكتاب. فكتبه وحررّه على ما أراد المأمون من جودة الخطّ والضبط وسهولة اللفظ فاستحسنه المأمون. ولمّا خرج سليمان من عنده كتب إليه بعض إخوانه يقول (من البسيط):
أبوك كلّفك الشأو البعيد كما ... قدما تكلّفه وهب أبو حسن
فلست تحمد إن أدركت غايته ... ولست تعذر مسبوقا فلا تهن
ولم تزل أمورهما تنمى إلى أن نالا الوزارة.
ذكر سنة خمس وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
стр. 2235
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله. ويزيد بمصر. وافترد سليمان بن وهب بعمالة الخراج بها بمفرده. وعزل القاضي ابن مسكين وتولّى عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي يعرف بدحيم فمات بالرملة قبل وصوله. وفي هذه السنة تولّى أبو الردّاد المقدّم ذكره المقياس بالنيل المبارك وكان يتولاّه النصارى من قبل ذلك. وفيها سمع أهل تنّيس صيحة عظيمة من جهة مصر فمات بها خلق كثير لهو لها ولم يعلم ما كانت. وكان أكثر من مات الحوامل طرحن ومتن. وكان ذلك سابع عشرين شوّال من هذه السنة. والله أعلم.
(٢٠٣) ذكر سنة ست وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المتوكّل على الله جعفر بن المعتصم بالله. وعمّال مصر بحالهم.
стр. 2236
وولي القضاء أبو بكر بكّار بن قتيبة من ولد أبي بكر الصدّيق ﵁.
وفيها كان تغيّر المنتصر على أبيه المتوكّل وحالف عليه جماعة من كبار القوّاد. وسبب ذلك أنّه لمّا صفت الدنيا للمتوكّل وأمن حوادث الزمان؛ وكان قد رفع المحنة في الدين، ومنع الناس من الجدل ألبتّة؛ ثم إنّه أخذ البيعة لأولاده الثلاثة محمد المنتصر-وهو الأكبر من ولده-ثم للمعتزّ ثم للمؤيّد. ثم إنّه بلغه عن ابنه المنتصر كلام أغراه عليه؛ فيقال إنّ المتوكّل كان يغلو في بغض عليّ بن أبي طالب ﵇، وأنّ المنتصر أخذ عليه في شيئ من ذلك؛ فأخّر المنتصر عن ولاية عهده وقدّم المعتزّ، وجعل أمر المنتصر راجعا للمعتز إن شاء كان وليّ عهده وإن شاء لم يكن. فأغرى ذلك المنتصر على قتله في تاريخ ما يأتي من ذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ثم عاد يسبّ ولده المنتصر، ويسبّ أمّه، ويسخر به، ويأمر الذين يحضرون مجلسه من أهل السخف بسبّه. فلم يزل المنتصر يتسبّب ويسعى في قتله حتّى قتله.
ذكر سنة سبع وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
(٢٠٤) الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة جعفر المتوكّل على الله إلى أن قتل في تاريخ ما يأتي. ويزيد
стр. 2237
بمصر على حربها. وسليمان بن وهب مستقلاّ بالخراج بمفرده. والقاضي بكّار ﵁ على القضاء. وقيل: في هذه السنة كانت ولاية ابن أبي الردّاد المقياس بالنيل المبارك.
قتل المتوكّل على الله ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوّال من هذه السنة، وله أربعون سنة. ودفن بمكان يقال له الجعفري. وقتل معه الفتح بن خاقان. وذلك أنّ المتوكّل كان جالسا في تلك الليلة في مجلس الشراب والفتح مجالسه. وكان زرافة التركي الحاجب قائما بالباب فأتاه المنتصر وقد أتقن الأمر مع غلمان أبيه فأخذ بيد زرافة الحاجب وعاد يحدّثه ومشى به وشاغله، ودخل لغلمان المتّفقين على المنحسة فجذب باغر التركي الصمصامة التي كان بحملها على رأسها وضربه على عاتقه خالط أمعاءه فرمى الفتح بنفسه عليه فقتل أيضا معه.
نكتة: بلغ المتوكّل ﵀ أنّ صمصامة عمرو بن معدي كرب الزبيدي عند أهله فنفذ شراها منهم بألف ناقة وعشرة بدر دراهم وخمسة أكياس ذهب وعشرة تخوت قماش! ويوم أحضرت صنع وليمة لم ير الناس مثلها وخلع وأنعم على سائر القوّاد والأعيان، وسلّمها لباغر التركي وقدّمه على جميع حملة السلاح، وأمره أن يحملها على رأسه. فكان أول ما انتضاها عليه وقتله بها.
стр. 2238
نكتة أخرى: قيل لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلاّ المتوكّل والمقتدر (٢٠٥) فقتل المتوكّل ليلة الأربعاء، وقتل المقتدر يوم الأربعاء.
نكتة أخرى: وذلك أنّ أعرق الخلفاء المنتصر بن المتوكّل بن المعتصم ابن الرشيد بن المهدي بن المنصور. قتل أباه ولم يعش بعده إلاّ ستّة أشهر؛ وأعرق الملوك من الأكاسرة شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن نرسي بن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم بن بهرام بن سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن بهرام بن سابور بن أردشير بن بابك؛ عدّة عشرين ملك إلى جدّه أردشير؛ قتل أباه أبرويز فلم يعش بعده إلاّ ستّة أشهر.
صفته: أسمر، كبير العينين، نحيف، خفيف العارضين، ربعة، أقنى.
حجابه: وصيف التركي ثم ابن عاصم ثم يعقوب قوصرة ثم المرزبان.
نقش خاتمه: العزّة لله. وقيل: وعلى الله توكلت. وقيل: على إلهي اتكالي.
стр. 2239
ذكر خلالة محمد المنتصر بن جعفر المتوكّل على الله
وما لخّص من سيرته
هو محمد المنتصر بالله بن جعفر المتوكّل على الله بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد. وباقي نسبه قد علم. أمّه أمّ ولد يقال لها حبشية من مولّدات الكوفة. وقيل إنها روميّة. بويع له صبيحة قتل أبوه بسرّ من رأى لأربع خلون من شوال من هذه السنة، وله أربع وعشرون سنة. وقيل أكثر. وكانت خلافته ستة أشهر. رزق من الولد عليا وعبد الوهاب وعبيد الله وأحمد. وكان فصيحا أديبا؛ يقال إنّ الطيفوريّ سمّه في محاجم.
(٢٠٦) ذكر سنة ثمان وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثمانية أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة محمد المنتصر بالله بن جعفر المتوكّل على الله. ومنع أخويه المعتزّ والمؤيّد عن ولاية العهد لما كان في قلبه منهما في حياة أبيه. ويزيد
стр. 2240
وسليمان بن وهب بحالهما.
وفيها توفي المنتصر يوم السبت لسبع خلون من ربيع الأول من هذه السنة. روي أنه قيل للمتوكّل في حياته: إنّ ابنك المنتصر قاتلك! قال: سأقتل قاتلي! ثم إنّه عمد إلى برنيّة من ذهب فجعل فيها معجونا فيهم سمّ قاتل وختمها وكتب عليه: دواء للباه! وتركها في أعزّ خزائنه. فلمّا خلا وجه المنتصر عرض الخزائن فوجد تلك البرنيّة. وكان المنتصر مغرى بحبّ الجماع فلمّا رآها لم يملك نفسه أن لعق منها لعقة فكانت سبب هلاكه! وقيل إنه سمع وهو يقول في نزعه: عاجلنا فعوجلنا! وتوفي إلى رحمة الله، وصلّى عليه أحمد المستعين بالله بن المعتصم.
صفته: أسمر، ربعة، جسيم، عظيم البطن، كبير العينين، على عينه اليمنى أثر، كثّ اللحية. مولده سنة اثنين وعشرين ومائتين. وقيل: آخر سنة ثلاث وعشرين ومائتين. والله أعلم.
وزيره: أحمد بن الخصيب.
حاجبه: وصيف ثم بغا ثم أوتامش.
стр. 2241
نقش خاتمه: المنتصر بالله ينتصر. وقيل: أمن من آمن بالله. وقيل:
يؤتى الحذر من مأمنه.
(٢٠٧) ذكر خلافة أحمد المستعين بن أحمد المعتصم
وما لخّص من سيرته
هو أبو العبّاس أحمد بن محمد <ابن> المعتصم بن هارون الرشيد.
وباقي نسبه معلوم. أمّه أمّ ولد تسمّى مخارق. بويع يوم مات المنتصر. ووزر له أحمد بن الخصيب وصالح بن شجاع وجماعة من أهل الفضل. وعزل سليمان بن وهب عن الخراج وولّى مكانه أحمد بن مدبّر. وترك يزيد على الحرب. والقاضي بكّار مستمرّ على قضائه.
وفي هذه السنة توفي جعفر بن محمد الصادق بالمدينة رحمه الله تعالى.
وفيها ظهر أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن
стр. 2242
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علهيم السلام بخراسان وواليها يومئذ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وطلب لنفسه، ودعا الناس إلى بيعته. وكانت له مع محمد بن <عبد الله بن> طاهر وقعات متعدّدة حتّى ظفر به محمد بن <عبد الله بن> طاهر في تاريخ ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة تسع وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم تسعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة أحمد المستعين بالله بن محمد <ابن> المعتصم. ويزيد بمصر. وكذلك ابن المدبّر على الخراج. والقاضي بكار مستمرّ.
وفيها عذبت بحيزة تنّيس جميعها صيفها وشتاؤها ولم تكن عذبت قبل ذلك فيما مضى من الزمان، وإنما كانت تعذب ستة أشهر وتملح ستة أشهر ثم عادت ملحا أجاجا صيفا وشتاء في زيادتها وفي نقصانها (٢٠٨).
وفيها انكسر يحيى بن عمر العلوي وقتل وصلب رحمه الله تعالى، ووقع الطلب على جماعة كبراء الطالبيين كما تأتي بقية أمرهم في سنة خمسين إن شاء الله تعالى.
стр. 2243
وفيها علا النيل المبارك ستّة عشر ذراعا في اليوم الثالث من شهر مسرى القبطي ثم انتهى إلى ما ذكرناه؛ ولم يكن عرف بمصر بمثل ذلك.
ذكر سنة خمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة أحمد المستعين بالله بن محمد المعتصم بالله. وعمّال مصر على حالهم.
وفيها كان ظهور الداعي إلى الحقّ الحسن بن زيد العلوي في تاريخ ما يذكر.
ذكر ابتداء الدولة العلوية بطبرستان وجرجان
<قال صاحب كتاب الدول>:وذلك لمّا قتل محمد بن <عبد الله بن> طاهر أبا الحسين يحيى بن عمر العلويّ ﵀ عليه وقع
стр. 2244
الطلب على كبراء الطالبيين، وأقطع المستعين بالله محمد بن <عبد الله بن> طاهر مجازاة لفعله قطائع سلطانية بعضها في الثغرين بطبرستان المعروفين بكلار وسالوس مما يلي بلاد الديلم؛ وكان مجاورا إقطاع محمد بن <عبد الله بن> طاهر بالثغرين أراض مباحة كان أهل الثغرين يرعون بها ماشيتهم فبعث محمد بن <عبد الله بن> طاهر إلى سليمان بن عبد الله أخيه-وهو النائب على طبرستان-يأمره بحيازة إقطاعه فولّى سليمان أخا لبشر بن هارون النصراني يقال له جابر حيازة الإقطاع فحاز النصراني الأرض المباحة؛ وكان محمد بن أوس البلخي غالبا على أمر سليمان وقد فرّق أولاده في ولايات (٢٠٩) طبرستان-وهم أحداث سفهاء-فتأذّت الرعايا منهم، ونقموا من أبيهم أشياء لم يطيقوا الصبر عليها. وكان في هذين الثغرين رجلان مشهوران بالتقدّم وقوّة الحال وكثرة المال يقال لأحدهما جعفر والآخر محمد ابنا رستم فأنكرا ما حاوله النصراني من حيازة تلك الأراضي واستنهضا عليه تبّاعهما في تلك النواحي، فهرب إلى سليمان. وخاف جعفر ومحمد العقوبة على ما فعلاه فراسلا جيرانهم من الديلم وحالفوهم على معاداة ولاة الخليفة، وصارت كلمتهم واحدة، واحتاجوا إلى من يدبّر أمورهم، ويجمع كلمتهم فأرسلوا إلى رجل من وجوه علويّة طبرستان يقال له محمد بن إبراهيم يدعونه إلى أن يحضر إليهم ليبايعوه
стр. 2245
فأبى عليهم وقال: لست أصلح لذلك! ولكن أشير عليكم بالحسن بن زيد- وهو يوم ذاك مقيم بالريّ-فكاتبوه وكاتبه محمد بن إبراهيم فشخص إليهم من الريّ فبايعوه ودخل إلى أطراف الديلم فأسلم على يده جمع منهم، وتلقّب الداعي إلى الحقّ. ولمّا اجتمع للحسن بن زيد من اجتمع ناهض بهم أهل النواحي فانهزموا عنهم <إلى> سارية طبرستان. فسار الحسن إلى أهل طبرستان، ووافاه محمد بن أوس من سارية ليدفعه عنها فالتقوا فانهزم محمد بن أوس إلى سارية، ودخل الحسن بن زيد آمل طبرستان في يوم الإثنين لتسع بقين من شوّال من هذه السنة. وجبى الأموال واستخدم الرجال، واستقرّ أمره. ثم نهض إلى سارية وبها سليمان فلقيه على بابها، واشتدّت الحرب بينهم فبعث الحسن سرية من أصحابه فدخل سارية من وراء سليمان فلم يشعر بهم حتّى حملوا عليه من وراء ظهره فانهزم لوقته إلى جرجان (٢١٠) وترك أهله وعياله بسارية فبعث بهم الحسن إليه مصانين محفوظين. ولمّا استقرت طبرستان بيده بعث عكسرا مع أخيه محمد بن زيد إلى الريّ فطرد عمّال الطاهرية عنها واستخلف بها رجلا من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.
فبلغ ذلك المستعين بالله أمير المؤمنين فبعث إسماعيل بن فراشة في جيش إلى همذان لحفظها. ولمّا استقرّ محمد بن جعفر بالريّ ظهرت منه أمور أنكرها أهل الريّ فراسلوا محمد بن طاهر بن عبد الله فوجّه إليهم عسكرا عليه محمد بن
следующие страницы →