Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
نقش خاتمه: المنتصر بالله ينتصر. وقيل: أمن من آمن بالله. وقيل:
يؤتى الحذر من مأمنه.
(٢٠٧) ذكر خلافة أحمد المستعين بن أحمد المعتصم
وما لخّص من سيرته
هو أبو العبّاس أحمد بن محمد <ابن> المعتصم بن هارون الرشيد.
وباقي نسبه معلوم. أمّه أمّ ولد تسمّى مخارق. بويع يوم مات المنتصر. ووزر له أحمد بن الخصيب وصالح بن شجاع وجماعة من أهل الفضل. وعزل سليمان بن وهب عن الخراج وولّى مكانه أحمد بن مدبّر. وترك يزيد على الحرب. والقاضي بكّار مستمرّ على قضائه.
وفي هذه السنة توفي جعفر بن محمد الصادق بالمدينة رحمه الله تعالى.
وفيها ظهر أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن
стр. 2242
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علهيم السلام بخراسان وواليها يومئذ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وطلب لنفسه، ودعا الناس إلى بيعته. وكانت له مع محمد بن <عبد الله بن> طاهر وقعات متعدّدة حتّى ظفر به محمد بن <عبد الله بن> طاهر في تاريخ ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة تسع وأربعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم تسعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة أحمد المستعين بالله بن محمد <ابن> المعتصم. ويزيد بمصر. وكذلك ابن المدبّر على الخراج. والقاضي بكار مستمرّ.
وفيها عذبت بحيزة تنّيس جميعها صيفها وشتاؤها ولم تكن عذبت قبل ذلك فيما مضى من الزمان، وإنما كانت تعذب ستة أشهر وتملح ستة أشهر ثم عادت ملحا أجاجا صيفا وشتاء في زيادتها وفي نقصانها (٢٠٨).
وفيها انكسر يحيى بن عمر العلوي وقتل وصلب رحمه الله تعالى، ووقع الطلب على جماعة كبراء الطالبيين كما تأتي بقية أمرهم في سنة خمسين إن شاء الله تعالى.
стр. 2243
وفيها علا النيل المبارك ستّة عشر ذراعا في اليوم الثالث من شهر مسرى القبطي ثم انتهى إلى ما ذكرناه؛ ولم يكن عرف بمصر بمثل ذلك.
ذكر سنة خمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة أحمد المستعين بالله بن محمد المعتصم بالله. وعمّال مصر على حالهم.
وفيها كان ظهور الداعي إلى الحقّ الحسن بن زيد العلوي في تاريخ ما يذكر.
ذكر ابتداء الدولة العلوية بطبرستان وجرجان
<قال صاحب كتاب الدول>:وذلك لمّا قتل محمد بن <عبد الله بن> طاهر أبا الحسين يحيى بن عمر العلويّ ﵀ عليه وقع
стр. 2244
الطلب على كبراء الطالبيين، وأقطع المستعين بالله محمد بن <عبد الله بن> طاهر مجازاة لفعله قطائع سلطانية بعضها في الثغرين بطبرستان المعروفين بكلار وسالوس مما يلي بلاد الديلم؛ وكان مجاورا إقطاع محمد بن <عبد الله بن> طاهر بالثغرين أراض مباحة كان أهل الثغرين يرعون بها ماشيتهم فبعث محمد بن <عبد الله بن> طاهر إلى سليمان بن عبد الله أخيه-وهو النائب على طبرستان-يأمره بحيازة إقطاعه فولّى سليمان أخا لبشر بن هارون النصراني يقال له جابر حيازة الإقطاع فحاز النصراني الأرض المباحة؛ وكان محمد بن أوس البلخي غالبا على أمر سليمان وقد فرّق أولاده في ولايات (٢٠٩) طبرستان-وهم أحداث سفهاء-فتأذّت الرعايا منهم، ونقموا من أبيهم أشياء لم يطيقوا الصبر عليها. وكان في هذين الثغرين رجلان مشهوران بالتقدّم وقوّة الحال وكثرة المال يقال لأحدهما جعفر والآخر محمد ابنا رستم فأنكرا ما حاوله النصراني من حيازة تلك الأراضي واستنهضا عليه تبّاعهما في تلك النواحي، فهرب إلى سليمان. وخاف جعفر ومحمد العقوبة على ما فعلاه فراسلا جيرانهم من الديلم وحالفوهم على معاداة ولاة الخليفة، وصارت كلمتهم واحدة، واحتاجوا إلى من يدبّر أمورهم، ويجمع كلمتهم فأرسلوا إلى رجل من وجوه علويّة طبرستان يقال له محمد بن إبراهيم يدعونه إلى أن يحضر إليهم ليبايعوه
стр. 2245
فأبى عليهم وقال: لست أصلح لذلك! ولكن أشير عليكم بالحسن بن زيد- وهو يوم ذاك مقيم بالريّ-فكاتبوه وكاتبه محمد بن إبراهيم فشخص إليهم من الريّ فبايعوه ودخل إلى أطراف الديلم فأسلم على يده جمع منهم، وتلقّب الداعي إلى الحقّ. ولمّا اجتمع للحسن بن زيد من اجتمع ناهض بهم أهل النواحي فانهزموا عنهم <إلى> سارية طبرستان. فسار الحسن إلى أهل طبرستان، ووافاه محمد بن أوس من سارية ليدفعه عنها فالتقوا فانهزم محمد بن أوس إلى سارية، ودخل الحسن بن زيد آمل طبرستان في يوم الإثنين لتسع بقين من شوّال من هذه السنة. وجبى الأموال واستخدم الرجال، واستقرّ أمره. ثم نهض إلى سارية وبها سليمان فلقيه على بابها، واشتدّت الحرب بينهم فبعث الحسن سرية من أصحابه فدخل سارية من وراء سليمان فلم يشعر بهم حتّى حملوا عليه من وراء ظهره فانهزم لوقته إلى جرجان (٢١٠) وترك أهله وعياله بسارية فبعث بهم الحسن إليه مصانين محفوظين. ولمّا استقرت طبرستان بيده بعث عكسرا مع أخيه محمد بن زيد إلى الريّ فطرد عمّال الطاهرية عنها واستخلف بها رجلا من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.
فبلغ ذلك المستعين بالله أمير المؤمنين فبعث إسماعيل بن فراشة في جيش إلى همذان لحفظها. ولمّا استقرّ محمد بن جعفر بالريّ ظهرت منه أمور أنكرها أهل الريّ فراسلوا محمد بن طاهر بن عبد الله فوجّه إليهم عسكرا عليه محمد بن
стр. 2246
ميكال فكبس محمد بن جعفر وأسره وقتله ودخل الريّ ودعا للمستعين بالله أمير المؤمنين. وبلغ ذلك الداعي فبعث جيشا عليه واجن الأزري فقاتله ابن ميكال فقتله واجن وملك الريّ.
ذكر سنة إحدى وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المستعين بالله أمير المؤمنين. ويزيد بمصر. وابن المدبّر كذاك.
والقاضي بكّار ﵁ مستمرّ.
وفيها كانت الفتنة بين المستعين بالله وبين المعتزّ بالله-وهو محمد بن جعفر المتوكّل على الله-واستمرّ ذلك إلى آخر هذه السنة، وجرت أمور كثيرة يطول الشرح فيها.
وفيها تحرّك محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان إلى طبرستان فهزم الحسن بن زيد وقتل أكثر عسكره. وكان في سنة خمسين ومائتين دخل مفلح طبرستان مقدمة لموسى بن بغا وأوقع بالحسن بن زيد (٢١١) وهزمه. ودخل الحسن منهزما إلى بلاد الديلم فتوجّه مفلح في أثره؛ وقد كان مفلح قبل ذلك انتزع الريّ من يده ثم عاد الداعي بعد ذلك ودخل طبرستان، وبعث أخاه محمد بن زيد إلى جرجان فملكها.
стр. 2247
وفيها تغلّب يعقوب بن الليث الصفّار على سجستان وعظم أمره بها في مدة الفتنة الكائنة بين المستعين والمعتزّ، ونما أمره؛ حسبما يأتي في تاريخه.
ذكر سنة اثنين وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستّة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المستعين بالله إلى أن خلع نفسه من الخلافة في هذه السنة؛ رابع المحرّم؛ فكان مدّة خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر. وكتب له أمانا ونزل بواسط ثم قتل في شهر رمضان من هذه السنة-﵀.
صفته: صغير العينين، كبير اللحية، به أثر جدري. ربعة.
وزيره: أحمد بن الخصيب إلى آخر وقت.
حاجبه: وصيف وبغا.
стр. 2248
<قاضيه: أحمد بن أبي الشوارب>.
نقش خاتمه: في الاعتبار غنى عن الاختبار.
ذكر خلافة محمد المعتزّ بالله بن جعفر المتوكّل بن
محمد المعتصم، وما لخّص من سيرته
هو أبو عبد الله محمد؛ وقيل الزبير بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم. أمّه أمّ ولد تسمّى قبيحة. وهذا الاسم جعل على الضدّ كما يقال للقار بياض وللغراب الأعور والمثل يضرب بشدّة بصره. وكان على خاتمها منقوش: أنا قبيحة واقلب. بويع له ببغداد لأربع خلون من المحرّم من هذه السنة، وله يومئذ تسع عشرة سنة (٢١٢) وأشهر، كان أخوه المؤيّد محبوسا فأخرجه وخلع عليه ثم وشي به عنده أنه يطلب لنفسه فأحضره وضربه أربعين مقرعة وحبسه بعد أن أشهد على نفسه بالخلع. ثم بلغه أنّ جماعة من الأتراك أجمعوا على إخراجه من حبسه فأخرجه يوم الخميس لثمان بقين من رجب من هذه السنة ميتا، وأحضر القضاة والفقهاء حتّى رأوه لا أثر فيه. ويقال إنه درج في لحاف سمور وشدّ طرفاه حتّى مات. وكان الغالب على أمره صالح بن وصيف.
وفيها ولّى صالح بن وصيف عبد العزيز بن أبي دلف العجلي الجبال
стр. 2249
ففخم أمره وكبر شأنه واستبدّ بالخراج، وامتنع من حمل الأموال. ولنذكر مبدأ أمر بني دلف:
ذكر دولة بني أبي دلف العجلي
كان أبو دلف ساكنا بالكرج في عشيرته وأهله؛ وهو أحد الكرماء الأجواد المشهورين والشجعان المذكورين. وفيه يقول عليّ بن جبلة (من المديد):
إنّما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
وله مع بابك الخرّمي أيام خروجه من الحروب أخبار كثيرة؛ منها أنه طعن يوما رديفا لفارس في ظهره فأخرج رمحه من صدر الفارس الرادف؛ وكان معه بعض أصحابه فقال له: أنت والله كما قيل (من السريع):
تطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفتك لامين على نابل
ولم يزل أبو دلف مقيما بالكرج إلى أن توفّي في بغداد في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وترك ولدين أحدهما عبد العزيز والآخر هاشم. فقام عبد العزيز في لمّ العشيرة وحفظ القلاع مقامه (٢١٣) حتّى ولاّه صالح بن وصيف الجبال؛ وكانت الفتنة بين الخلفاء فتغلّب ومنع الخراج حتّى خرج إليه موسى بن بغا في تاريخ ما يأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 2250
وفيها عزل يزيد بن عبد الله عن مصر ووليها مزاحم بن خاقان حربا. وابن المدبّر على الخراج بحاله. وكذلك القاضي بكّار رحمه الله تعالى.
ذكر سنة ثلاث وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتز بالله أمير المؤمنين. ومزاحم بن خاقان على حرب مصر إلى أن توفّي في هذه السنة فاستعمل ابنه محمدا والقاسم بأموره يومئذ أرجوز التركي. ثم مات محمد فاستقلّ بالأمر أرجوز التركي. وابن المدبّر على الخراج، وكذلك القاضي بكّار مستمرّ على أمره وقضائه.
فيها خرج موسى بن بغا وعلى مقدمته مفلج وسار وطلب عبد العزيز بن أبي دلف. فلمّا بلغه جمع جموعه ولقي مفلحا لثمان بقين من رجب من هذه السنة؛ وكان عبد العزيز في زهاء عشرين ألفا ومفلح معه ألف ومائة وثلاثة وثلاثون فارسا، وكانت الوقعة على ميل من همذان فانهزم عبد العزيز، وقتل أكثر رجاله! ثمّ سار مفلح في شهر رمضان يؤمّ الكرج وجعل له كمينين فبعث
стр. 2251
عبد العزيز إليه أربعة آلاف رجل فنفّذهم إليه فقاتلهم مفلح وجرّهم إلى الكمينين فهزمهم ووضع فيهم السيف. وأقبل عبد العزيز في آثارهم لينجدهم فانهزم بانهزامهم وترك الكرج ومضى فتحصّن في قلعة في جبل الكرج. ودخل مفلح الكرج (٢١٤) وأخذ جماعة من آل أبي دلف منهم أمّ عبد العزيز، ووجّه إلى سرّ من رأى سبعين جملا من الرؤوس! وأقام عبد العزيز على تغلّبه تارة وولايته أخرى إلى أن مات. وخلّف أولادا منهم دلف وأحمد وعمر وبكر والهطّال وأبو ليلى والقاسم-على ما ذكره صاحب كتاب الدول المنقطعة رحمه الله تعالى.
ذكر سنة أربع وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتزّ بالله أمير المؤمنين. وفيها ولي أحمد بن طولون مصر حسبما يأتي من ذكره. وابن المدبّر على الخراج. والقاضي بكّار مستمرّ.
وفيها تغلّب يعقوب الصفّار على كرمان ومنع الخراج.
стр. 2252
ذكر الدولة الصفّاريّة بخراسان
كان يعقوب بن الليث الصفّار من بعض قوّاد الطاهرية بسجستان؛ فعظم أمره بها حتّى تغلّب عليها أيام الفتنة الكائنة بين المستعين والمعتزّ. فلمّا كان في هذه السنة غلب على كرمان، وأسر طوق بن المغلّس واليها من جهة عليّ بن الحسين بن قريش بن شبل صاحب بلاد فارس. والسبب في ذلك أنّ عليّ بن الحسين المذكور كان واليا على بلاد فارس من قبل محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر وإليه ولاية المشرق كلّه؛ فلمّا خرج يعقوب الصفّار وغلب على سجستان ولم تكن لمحمد بن طاهر قوة على دفعه تغلّب <عليّ بن الحسين> على بلاد (٢١٥) فارس، وكتب إلى الإمام المعتزّ بالله يخبره بضعف محمد بن طاهر ويسأله أن يولّيه بلاد فارس وكرمان ليمضي من كرمان وينتزع سجستان من يد يعقوب بن الليث! فأجابه المعتزّ إلى ذلك فبعث عليّ بن الحسين قائدا من قواده يعرف بطوق بن المغلّس في جيش من كرمان. وبلغ يعقوب استنقاص ابن الحسين له فكتب إلى المعتزّ أيضا يسأله أن يولّيه كرمان فأجابه وولاّه كرمان! رغبة في الإغراء بينهما ليسقط عنه كلفة الهالك منهما. فسار يعقوب إلى كرمان، وأسر طوق بن المغلّس وأكثر أصحابه لمكيدة كادهم بها. ثم سار إلى بلاد فارس فلقيه عليّ بن الحسين على كر شيراز وصفّ خيله من ورائه فعداه يعقوب عوما على الخيل إلى أن صار معه في أرض واحدة وهزمه وأسره وملك بلاد فارس وجباها سنة ثم عاد إلى سجستان.
стр. 2253
ذكر سنة خمس وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتزّ بالله أمير المؤمنين إلى أن توفّي بعد الخلع في تاريخ ما يذكر لم يزل أمره مستقيما إلى رجب من هذه السنة فدبّر عليه حاجبه صالح بن وصيف فجاءه يوم الخميس لثلاث بقين من رجب المذكور ومعه جماعة فصاحوا على بابه وبعثوا إليه أن اخرج إلينا فاعتذر بأنه تناول دواء وأمر بأن يدخل عليه بعضهم. فدخلوا عليه فجرّوا برجله إلى باب الحجرة وأقيم في الشمس وكان يرفع قدما ويضع قدما، وجعلوا (٢١٦) يلطمونه وهو يتّقي بيده إلى أن أجاب إلى الخلع فأدخلوه حجرة ثم بعثوا إلى ابن أبي الشوارب القاضي وجماعة فحضروا وخلع نفسه ووكّل به في الحبس خمسة أيام ثم قتل وقت العصر من يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان من هذه السنة وله ثلاث وعشرون سنة وأشهر. ويقال إنه منع من الطعام خمسة أيام وأدخل الحمّام وأغلق بابه وأحمي عليه حتّى مات رحمه الله تعالى.
صفته: أبيض، جميل، أكحل، أسود الشعر؛ لم ير فيهم أجمل منه.
مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
стр. 2254
وزراؤه: جعفر بن محمد الإسكافي ثم عيسى بن فرخانشاه ثم أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري.
حجابه: صالح بن وصيف-وكان غالبا عليه حتّى قتله حسبما تقدّم.
نقش خاتمه: الله ربّي. وقيل: الله وليّي.
ذكر خلافة محمد المهتدي بن هارون الواثق بالله
وما لخّص من سيرته
هو أبو عبد الله وقيل أبو جعفر محمد بن هارون الواثق بالله بن المعتصم بالله. ويلقّب رهباني بني العبّاس لما كان عليه من الزهد والتقشف. أمّه أمّ ولد روميّة يقال لها قرب لم تدرك خلافته. بويع له بسرّ من رأى لليلة بقيت من بعد يومين من خلع المعتزّ. وذلك أنه كان بمدينة السلام فأحضر وأقيم المعتزّ بين يديه فقال له المهتدي: أخلعت نفسك من الخلافة طائعا غير مكره؟ قال: نعم! وبايعوه بالخلافة وسلّم عليه بإمرة المؤمنين وله يومئذ ست وثلاثون سنة وأشهر.
مولده سنة تسع وعشرين ومائتين. سار السيرة الحميدة، وأظهر المآثر الجميلة.
أمر بكسر الأواني الذهب والفضّة، ومحو (٢١٧) الصور، ورقع الديباج، ونفي القيان، والكفّ عن المحارم، واتّباع السنن، وجلس للمظالم، وردّ
стр. 2255
المغصوب؛ وكان يتشبّه بسيرة العمرين حتّى قيل إنه في العباسيين كعمر بن عبد العزيز في الأمويين.
من حسن سيرته أنه وقف له رجل فقال: يا أمير المؤمنين! علينا خراج من أرض السواد وقد أجحف بنا! فقال: من الذي ضرب عليكم الخراج ووضعه؟ قال: هو عمر بن الخطّاب ﵁! فقال: ما كنت لأنقض ما أبرمه عمر بن الخطّاب! فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! إنما ضربه علينا عمر لأنّ الذهب كان مكسورا وكسوديا وزيفا وتبرا وحمريّة وأمّا بعدما فعل الحجّاج بن يوسف بالذهب ما قد علم أمير المؤمنين من تخليصه إياه بالسبك! فقال المهتدي لعامله: خذ منهم الذهب بقيمة الذي كان عمر بن الخطّاب ﵁ يأخذه منهم. فقال العامل: يا أمير المؤمنين! يبلغ النقص إلى ثماني ألف ألف دينار فيجحف بيت المال! فقال: خذ الحقّ ولو لم تبق في بيت المال حبّة!
روى بشير قال؛ قدمت على المهتدي فتحادثنا في أمر الآخرة إلى الليل فأتي بطبق من خوص عليه أقراص من شعير وملح جريش وقليل من لبن فأكل اللقمتين ثم رفع يده؛ فقلت: يا أمير المؤمنين! أنت صائم تكابد الهواجر والجلوس للمظالم وهذا أكلك! فما الذي حملك على ذلك؟! فقال: احتسابا لله واقتداء بعمر بن الخطّاب. وكان مخشوشنا في اللباس يلبس الشعر ويأكل الشعير رحمة الله عليه.
ذكر سنة ست وخمسين ومائتين
(٢١٨) النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
стр. 2256
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهتدي بالله أمير المؤمنين إلى أن قتل في تاريخ ما يذكر.
وكان قد وزر له سليمان بن وهب فقدم عليه يزيد بن محمد المهلّبي فسرّ به وعرف له قدره، وأجلسه إلى جانبه؛ فأنشده (من الطويل):
وهبتم لنا يا آل وهب مودّة ... فأبقت لنا جاها ومالا يؤثّل
فمن كان للآثام والذلّ أرضه ... فأرضكم للأجر والعزّ منزل
رأى الناس فوق المجد مقدار مجدكم ... فقد سألوكم فوق ما كان يسأل
يقصّر عن مسعاكم كلّ آخر ... وما فاتكم ممّن تقدّم أوّل
بلغت الذي قد كنت أمّلته لكم ... وإن كنت لم أبلغ بكم ما أؤمّل
قال؛ فقطع عليه سليمان إنشاده وقال: لا تقل ذلك أصلحك الله! فأنت والله عندي كما أنشدني عمارة بن عقيل (من الطويل):
أقهقه مسرورا إذا كنت سالما ... وأبكي من الإشفاق حين تغيب
فقال المهلّبي: فليسمع الوزير آخر الشعر ما يحقّر أوله (من الطويل):
وما لي حقّ واجب غير أنّني ... بجودكم في حاجتي أتوسّل
فأوليتم فعلا جميلا مقدّما ... فعودوا فإنّ العود بالحرّ أجمل
وكم ملحف قد نال ما راد منكم ... ويمنعنا عن مثل ذاك التجمّل
وعوّدتمونا قبل أن نسأل الغنى ... ولا وجه للمعروف والوجه يبذل
стр. 2257
فقال له سليمان: والله لا تبرح حتّى أقضي حاجتك كائنة ما كانت (٢١٩)،ولو لم أفد مما نالني أمير المؤمنين إلاّ بشكرك لرأيت بذلك جنابي ممرعا وزرعي ربيعا. ثم إنه وقّع له في رقاع كثيرة معه بجميع ما أحبّ.
وذكر أنّ هذا ما جرى لمحمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر لمّا دخل على الفضل بن سهل فأنشده (من الطويل):
أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فيا دهرنا نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إنّ المهمّ المقدّم
قال؛ فنهض الفضل قائما وحلف أن لا يجلس أو يقضي جميع حوائجه.
وأمّا سبب خلع المهتدي وقتله أنه كان قتل صالح بن وصيف ونودي عليه:
هذا جزاء من قتل مولاه! ثم قبض على بايكباك التركي وقيّده فعسكر الموالي وطالبوه بإطلاقه فرمى إليهم برأسه، وخرج ومعه طائفة فقاتلهم ثم انهزم وأخذ فحبس وأخرج ميتا. وروى الدولابي أنّ ابن عمّ لبايكباك وجأه بخنجر فقتله ركب عليه وشرب دمه.
قتل يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ستّ وخمسين ومائتين، وله سبع وثلاثون سنة وأشهر. وكانت خلافته أحد عشر شهرا وأياما.
وفي أيامه ظهر صاحب الزنج.
صفته: أبيض، مشرب حمرة، ربعة، صغير العينين، أقنى، أشهل،
стр. 2258
أبلج، طويل اللحية، عظيم البطن، عريض المنكبين؛ في عارضيه شيب فلمّا ولي الخلافة خضب، والله أعلم.
<وزراؤه: جعفر بن محمود الإسكافي، وصالح بن أحمد، ثم سليمان بن وهب.
حجّابه: صالح بن وصيف، وبايكباك، وموسى بن بغا.
نقش خاتمه: يا محمد خف الله. هداني الله. من تعدّى الحقّ ظلم>.
ذكر خلافة أحمد المعتمد على الله بن جعفر المتوكّل
وما لخّص من سيرته
(٢٢٠) هو أبو العبّاس، وقيل أبو جعفر أحمد بن جعفر المتوكّل. ويلقّب الخليع. امّه أمّ ولد يقال لها فتياه، لم تدرك خلافته. بويع له في رجب من هذه السنة وله سبع وعشرون سنة وأشهر. مولده في المحرّم سنة تسع وعشرين ومائتين. وفي أيامه قوي أمر صاحب الزنج.
ذكر صاحب الزنج ومبتدأ أمره
قال القاضي شهاب الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم قاضي حماة صاحب التاريخ المعروف بالمظفّري ﵀: وفي نصف شهر
стр. 2259
شوّال سنة خمس وخمسين ومائتين ظهر فى فرات البصرة رجل زعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وجمع الزنج الذين يكسحون السباخ-واسمه فيما ذكر علي بن محمد بن عبد الرحيم ونسبه في عبد القيس-وكان ظهوره أولا في سنة تسع وأربعين ومائتين، وكان عيّارا مشعبذا متكلّما في علم النجوم، ويكتب العوذ فاستغوى جماعة من الزنج والغلمان وذوي الجهل، وعبر دجلة وأفسد وقاتل من مرّ به في طريقه ثم مضى إلى البحرين وادّعى أنه من ولد علي بن أبي طالب ﵇، ودعا إلى نفسه فتبعه خلق عظيم، وأتاه جماعة فوقع بينهم قتال فانتقل إلى الأحساء وضوى إلى حيّ من بني تميم. ولم يزل يتنقّل من حيّ إلى حيّ ويقوى أمره إلى سنة سبعين ومائتين؛ لما يذكر من هلاكه.
وفي هذه السنة استفحل أمره وقويت شوكته، وعاث في بلاد السلطان، ووجلت القلوب من هيبته، وعاد لا يقاتله أحد من أصحاب السلطان إلاّ وظفر به في جميع قرى العراق لكثرة من انضوى إليه من المفسدين (٢٢١).وفيها خرج إليه من البصرة جعلان فلقيه فانهزم جعلان ومن معه. وأخذ صاحب الزنج أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر كانت قد اجتمعت تريد البصرة فبلغ خبرها الخبيث فهجم عليها واستولى على جميع ما فيها. وقوي أصحابه بذلك قوة عظيمة، وانضاف إليه خلق كثير ثم سار إلى الأبلّة فهجمها واستولى أيضا على جميع ما فيها فعظم أمره، وترقّت أحواله، ورتّب جيوشه وجعل جماعة من زنجه مقدّمين وقوادا. ولمّا صار بهذه القوّة خاف أهل البصرة منه خوفا عظيما، وانتقل منهم جماعة كبيرة تفرقوا في عدة أماكن. وفي سنة سبع وخمسين دخل
стр. 2260
أصحاب الخبيث إلى البصرة واستولوا عليها في خبر طويل؛ فعرف بعلوي البصرة. وقيل إنّ عدّة من قتله بالبصرة عشرون ألفا. وكان يقول لأصحابه: قد اجتهدت في الدعاء على أهل البصرة فخوطبت وقيل: إنما أهل البصرة خبزة لك تأكلها من حواشيها فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة! وقد أوّلت انكسار نصف الرغيف انكساف القمر المتوقّع في هذه الأيام! وكان الملعون قد علم ذلك من حساب النجوم فلمّا انكسف القمر زاد ضلال قومه، وألقوا أنفسهم على القتال حتّى نالوا ما قصده. ولم يزل أمر الملعون متزايدا في أحوال طويلة الشرح قد ذكرها جماعة المؤرخين في سائر تواريخهم فاختصرتها إلى سنة سبعين ومائتين. وكان الموفّق قد انتدب لقتاله، وجرت له معه عدّة وقعات في هذه المدّة والحرب بينهم سجال. فلمّا انتهى أجل الخبيث كان ذلك على يد لؤلؤ غلام ابن طولون؛ فسار إليه في زي حبشيّ بأمر الموفّق له في ذلك، وطلب الخبيث إلى أن ظفّره الله به وقتل وأخذ رأسه ونصب على عود وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من صفر. وكان بدوّ خروجه لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين فكانت مدة أيامه أربع عشرة سنة وأربعة <أشهر وستة أيام. ولقّب الموفّق بالله لقتله صاحب الزنج الناصر لدين الله مضافا إلى الموفّق بالله. وعمل الشعراء في ذلك عدّة مدائح وتهاني للمعتمد والموفّق منهم البحتري ويحيى بن خالد بن مروان>.
стр. 2261
(٢٢٢) ذكر سنة سبع وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين وأحمد بن طولون على مصر وقد عظم أمره وعادت إليه أمور مصر يولّي من جهته من شاء ويعزل من شاء، وعزل ابن المدبّر وولّى أبا أيوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج. والقاضي بكّار مستمرّ على قضائه. وفيها خرج على ابن طولون بغا الصغير فيما بين الإسكندريّة وبرقة ومعه ابن عمّ لجابر بن الوليد المدلجي فلقيهما أبو الحسن فقتل بغا وأتى برأسه إلى الفسطاط.
حكى الصولي قال؛ حدّثني الحسن بن يحيى الكاتب؛ قال: لمّا ولي المعتزّ لم تمض مديدة حتّى أحضر الناس وأخرج المستعين ميتا وقيل اشهدوا أنّه أتت عليه منّيته ولا أثر فيه! ثم تولّى المهتدي وأخرج المعتزّ ميتا وقيل:
اشهدوا أنّه أتت عليه منيّته ولا أثر فيه! ثم لم يستكمل تلك السنة التي أخرج فيها المعتزّ حتّى استخلف المعتمد وأخرج المهتدي ميّتا وقيل: اشهدوا أنّه مات
стр. 2262
من جراحاته! فتعجّبت؟؟؟ الناس من تلاحقهم في مدة يسيرة.
ذكر سنة ثمان وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع ونصف. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع ونصف.
(٢٢٣) ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وأحمد بن طولون متغلّبا على مصر. وفيها خرج عليه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الصوفي، ودخل مدينة إسنا من صعيد مصر ونهبها. فبعث إليه أحمد بن طولون الجيش فواقعه ببلد يعرف بساو وكان الظفر لابن الصوفي، وأسر مقدّم الجيش فقطع يديه ورجليه! فلمّا بلغ ابن طولون ذلك نفّذ إليه جيشا كثيفا فانكسر ابن الصوفي وانهزم إلى عيذاب وعدّى إلى مكّة شرّفها الله تعالى بعد عدّة وقائع.
وفيها توجّه ابن طولون إلى الشام وملكها جميعها إلى حدود حلب ثم تقدّم إلى طرسوس وملكها مع جميع الثغور الشاميّة فبلغه وهو بالشام أنّ ولده العبّاس قد وثب على مصر برأي قوم كانوا يلوذون به ويقولون الشعر ويروون
стр. 2263
الأخبار! فعاد أحمد بن طولون من الشام إلى الفسطاط لا يلوي على شيئ إلى أن دخلها وهرب ولده العبّاس إلى برقة فسيّر خلفه جيشا كثيفا فكسروه وأخذوه أسيرا، وأدخل عليه وهو مصفّد، وأحضر له السياط، وجعل يضربه ويقول للضارب: جوّد الضرب! وعيناه تذرفان وهو يمسحها بمنديل؛ وكان أحبّ <ولده> إليه. وسجنه. ثم مكث قليلا وسار إلى أنطاكية في سنة تسع وخمسين-وقيل إنّ هذه الأمور كانت في سنة سبع وخمسين-ففتحها ثم عاد إلى مصر وبنى الجامع الذي يعرف به، وكذلك البيمارستان. وقيل إنه وجد كنزا في مكان ابتنى فيه الجامع فبنى به جميع ما أثّره.
< ذكر بناء جامع ابن طولون
قرأت بخط يد القاضي ابن عبد الظاهر ﵀ في مسودّة ذكر فيها خطط القاهرة <على> أنموذج الخطط للقضاعي والكندي؛ وذكر جامع ابن طولون فقال: كانت بدايته في سنة تسع وخمسين ومائتين، وأنفق عليه من الأموال مائة ألف وعشرين ألف دينار. وحبّس عليه سوق الرقيق وغيره، وبناه من مال الكنز الذي وجده، قال؛ إنّ أحمد بن طولون كاتبه يعرف بابن دسومة <كان> واسع الحيلة بعيدا من الخير. وكان ابن طولون من أهل القرآن إذا
стр. 2264
جرت منه إساءة استغفر وتضرّع. ولما استبدّ بخراج مصر رغب عن المظالم الدينية وأجمع على إسقاطها فشاور كاتبه يوما فأجابه بكلام طويل ينفّره عن ذلك. فلمّا نام أحمد تلك الليلة رأى في منامه صديقا له كان قد توفي مستشهدا وهو يقول له: بئس ما أشار عليك من استشرته في أمر ترك المظالم>. <واعلم أنّ من ترك لله عوّضه الله خيرا منه فامض على ما عزمت وأنا أضمن لك عن الله تعالى أفضل مما تركت منه قريب غير بعيد. فلمّا أصبح قصّ الرؤيا على ابن دسومة فقال له: أشار عليك رجلان الواحد في اليقظة والآخر في المنام. وأنت لمن في اليقظة أوجد، وبضمانه أوثق. قال؛ فأجمع رأيه ورجع إلى رأي ما رآه في منامه ولم يلتفت إلى مشورة كاتبه. وركب إلى الصيد فانخسف مكان بالرمل برجل فرس بعض حاشيته فكشف عن قبو في ذلك الرمل فوجده مطلبا حمل منه من المال ما قيمته ألف ألف دينار وهو المطلب الذي كتب إليه من العراق بسببه>. <وعلم الناس الحال فبنى به هذا الجامع والبئر في القرافة الكبيرة المعروفة ببئر عفصة. وأنفقه جميعه في وجوه البرّ والصدقة. ثم إنّه بعد ذلك تغير على كاتبه ابن دسومة وقبض عليه واستصفى ماله واعتقله حتّى مات في الاعتقال. هذا ملخّص ما قرأته بخطّ ابن عبد الظاهر ﵀. وقد أثبتّه بجملته في كتابي الذي عزمت على إنشائه وسمّيته الروضة الزاهرة في خطط القاهرة موفّقا لذلك إن شاء الله>.
(٢٢٤) وكانت له صدقات وافرة في كلّ شهر ألف دينار من خاصة ماله
стр. 2265
وكان حسن السيرة، كثير العدل، قويّ العزم، شديد الصولة، عظيم المهابة، سفّاكا للدماء، مظفّرا في غزواته. ملك عدة ممالك، وغلب على أكثرها، وامتنع من أداء الخراج للخليفة؛ وعاد الخليفة يلافيه ويكاتبه ويلاطفه ويخشاه.
وله أحوال كثيرة، وأحكام غريبة. وكان موفّقا في جميع أموره. والله أعلم.
ذكر سنة تسع وخمسين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع ونصف.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين.
وفيها غلب يعقوب الصفّار على خراسان وأسر محمد بن طاهر. والسبب في ذلك ما ذكره صاحب كتاب الدول أنه وقع بين يعقوب بن الليث وبين قائد من كبار قواد سجستان-وهو عبد الله بن صالح السجزي-واقع أدّى إلى حرب في الليل فوقعت من عبد الله ضربة في وجه يعقوب أثخنته ثم هرب عبد الله في باقي الليل خوفا منه ومضى إلى نيسابور فآمنه محمد بن طاهر وجعله في جملته. وبلغ يعقوب الخبر فخرج من سجستان فلمّا قرب من نيسابور بلغ
стр. 2266
عبد الله بن صالح خبره فركب إلى محمد بن طاهر ليعلمه فقال له الحاجب: هو نائم! فقال: قد جاء من يوقظه! ثم رجع وعلم أنّ محمدا لا طاقة له بيعقوب فاحتمل أمواله وأهله وسار إلى طبرستان واستجار بصاحبها الحسن بن زيد الداعي إلى الحقّ (٢٢٥) فأجاره. ووصل يعقوب نيسابور فبعث إليه محمد بن طاهر وقال له: إن كان معك عهد من أمير المؤمنين فأبرزه وتسلّم البلاد! فأخرج سيفا مسلولا من تحت مطرحه وقال: هذا عهدي! فعلم محمد بن طاهر أنه لا طاقة له به فخرج إليه ليتلقّاه فأمر به يعقوب فثقف. واستعمل يعقوب على نيسابور عزيز بن السريّ، ورجع إلى سجستان وأقام إلى أول سنة ستين ومائتين.
ذكر سنة ستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة أصابع ونصف. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وأحمد بن طولون على مصر متغلّبا.
وفيها توجّه يعقوب الصفّار إلى طبرستان طالبا عبد الله بن صالح. فلمّا قرب بعث إلى الداعيّ وقال: إني لم آت قاصدا لحربك ولكن لطلب ثأري من عبد الله فإن سلّمته إليّ رجعت، وإن أبيت حاربتك! فأبى الداعي تسليمه، وصافّ يعقوب فهزمه ودخل الداعي منهزما إلى بلاد الديلم. وهرب عبد الله بن
стр. 2267
صالح إلى الريّ والوالي عليها يومئذ الصلابي فأجاره. وأقام يعقوب بإصبهان حتّى جبا خراج سنة ثم سار إلى الريّ كما يأتي ذكره في تاريخه.
وفيها في شهر ربيع الأوّل وافى ابن الديرانيّ واليا من قبل المعتمد على الله على الدينور فاجتمع ابن أبي دلف وابن عياض عليه فهزماه وأخذا ما كان في عسكره. ودام دلف- <وهو الثاني من آل بني دلف> -على ما كان أبوه إلى أن وثب عليه القاسم (٢٢٦) بإصبهان في سنة خمس وستين فقتله وتغلّب عليها. فاجتمع أجناد دلف ووثبوا عليه فقتلوه في تلك السنة وولّوا أحمد أخاه كما يأتي في تاريخه.
ذكر سنة إحدى وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراععا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وأحمد بن طولون بمصر على حاله.
فيها عقد الأمر بولاية العهد من المعتمد لولده جعفر ولقبه المفوّض إلى
стр. 2268
الله. ومن بعده لأخيه أبي أحمد طلحة ولقّبه الموفّق بالله؛ وذلك في شهر شوّال من هذه السنة.
وفيها سار يعقوب الصفّار إلى الريّ في طلب عبد الله بن صالح. فلمّا نزل عليها خيّر صاحبها إمّا تسليم عبد الله والرجوع عنه أو الحرب فاختار تسليمه وسلّمه إليه فقتله يعقوب بيده وعاد إلى خراسان. ووردت رسله إلى الإمام المعتمد على الله وإلى أخيه الموفّق يعتذر عن دخول خراسان بغير إذنه، ويذكر أنه أشفق على بلاد الخليفة لكثرة المتغلّبين بها وضعف محمد بن طاهر عن حمايتها. فأمر المعتمد بلعنته بين يديّ الرسل وتبرأ منه، وأحضر الحاجّ الخراسانيّ وأخبروا ببراءة الخليفة منه. فلمّا انتهى إلى يعقوب ذلك لحقته العزّة بالإثم فسار في هذه السنة من خراسان إلى بلاد فارس-وكان قد تغلّب عليها ابن واصل؛ فلقيه يعقوب وهزمه وأخذ أمواله وأهله، وسار منها إلى الأهواز قاصدا دخول العراق حسبما يأتي من ذكر ذلك في سنة اثنين وستين ومائتين.
(٢٢٧) ذكر سنة اثنين وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وأخوه الموفّق في حرب صاحب الزنج إلى أول هذه السنة.
стр. 2269
في شهر المحرّم دخل يعقوب الصفّار رامهرمز طالبا بغداد فأراد الخليفة رجوعه فأحضر التجّار وشافههم بأنه ولّى يعقوب خراسان وطبرستان وجرجان والريّ وفارس وكرمان، والشرطة بمدينة السلام، وتوجّهت الرسل إليه بذلك فأبى العودة وقال: لا بدّ من الوصول إلى باب الخليفة! فلمّا علم المعتمد على الله ذلك وتحقّقه تجهّز لحربه وسار بنفسه ومعه أخوه الموفّق؛ وسار يعقوب وشقّ واسط ونزل دير العاقول، ولقيه الموفّق في جيوش الخليفة على اصطرند يوم الأحد لسبع ليال خلون من رجب سنة اثنين وستين ومائتين. ونشبت الحرب بين الفريقين واشتدّت ثم انهزم عسكر يعقوب وقتل خلق كثر من عسكره، وحمى عسكره بنفسه وخواصّه، وترك سواده وفرّ وتبعه الموفّق وكانت الهزيمة وقت العصر بحملة صادقة حملها الموفّق بنفسه. وأصاب يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه، وأصيب من عسكره أكثر من عشرة آلاف رأس من الخيل ومن الأموال ما لا يحصر بوزن. وكان محمد بن طاهر في سواد عسكره موثقا فأطلقه الموكّل به فلحق بعسكر الخليفة. ورجع يعقوب (٢٢٨) إلى بلاده مكسورا.
فجيّش وعاد تملّك بلاد فارس من ابن واصل وأقام إلى سنة خمس وستين ومائتين فخرج من فارس وقصد العراق لأخذ ثأره من سنة اثنين وستين فتوفّي قبل بلوغه مناه حسبما يأتي من ذكره.
ذكر سنة ثلاث وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين وأخوه الموفّق صاحب الجيش.
стр. 2270
وأحمد بن طولون بمصر. وشارك في الخراج بين أبي أيّوب وأبي ريشة وأبي ذؤيب معهما. والقاضي بكّار بحاله مستمرّ على قضائه.
نكتة جرت في ولاية ابن طولون بمصر. كان له في قصره مستشرف عال يصعد إليه في الليالي الصائفة. فبينا هو ذات ليلة بعد هدوة من الليل إذ سمع ببابه نبيح كلب وقد زاد في نبيحه فأمر بطرده فخرج الخدم وطردوه ثم عاود ولجّ فخرج الغلمان وضربوه وطردوه ثم عاود النباح وزاد. فجلس ابن طولون وقال:
لهذا الكلب خبر! وأمر بخادم من خاصّته يعلم منه عقل وفهم وقال له: هذا الكلب له نبأ فأخرج وخذ معك جماعة من غلمان الدار واتبع هذا الكلب حيث اتّجه وأتني بخبره! قال؛ فخرج الخادم ومعه جماعة من غلمان الدار فلمّا رآهم الكلب بصبص لهم بذنبه ومشى بين أيديهم وتبعه القوم إلى حارة من بعض حارات مصر في زقاق دبق فوقف الكلب على باب دار مغلق الباب فعاد يحفر بيديه وينبح ويدفع الباب برأسه. فأمر الخادم بكسر ذلك (٢٢٩) الباب وهجم الدار فوجدوا صبية مقتولة وعندها ستة رجال فأحضروهم من ساعتهم إلى بين يدي ابن طولون فاعترفوا أنهم يجتمعون على شرب وأنهم يحضرون بنات الخطأ فيقضون منها أربهم، ويقتلونها ويأخذون مما عليها من الحليّ والقماش وأنهم فعلوا بتلك الصبية ما فعلوه. وسأل عن الكلب فأخبر من أهلها أنها ربّته صغيرا وما كان يفارقها حيث كانت وأين حضرت. فأمر بهم فسمّروا بعد قطع أيديهم وجعلت في حلوقهم وطيف بهم على الجمال حتّى هلكوا.
стр. 2271
ذكر سنة أربع وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثمانية أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله وأخوه الموفّق الغالب عليه حتّى عاد محجورا عليه في سائر ما يفعله والأمر كلّه راجع للموفّق. والحروب بينه وبين صاحب الزنج سجال؛ وقد عظم أمر صاحب الزنج وزاد شرّه وفساده. وأحمد بن طولون متغلّبا على مصر <والشام>.وقد أفرد أبا أيوب بالخراج دون رفيقيه.
والقاضي بكّار مستمرّ على قضائه. ويعقوب الصفّار متغلّبا على فارس وخراسان. والداعي بطبرستان صاحب دعوة وخطبة. وابن أبي دلف متغلّبا على الجبال وما حولها. <وأحمد بن عبد الله الخجستاني متغلّبا على نيسابور>.ولم يبق في يد الخلافة غير العراق والجزيرة. وصاحب الزنج متغلّب على أكثر النواحي وأهل البصرة معه في أنحس الأحوال من تكراره إليها وفساده بها. وكذلك الكوفة. والخليفة ليس له غير الخطبة للملأ.
стр. 2272
(٢٣٠) ذكر سنة خمس وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله وأخوه الموفّق صاحب الأمر وإليه رجوع الأحوال. وأحمد بن طولون بمصر. وعزل أبا أيّوب عن الخراج وولّى مكانه عليّ بن الحسين الأطروش. والقاضي بكّار مستمرّ على قضائه.
فيها وصل يعقوب الصفّار إلى الأهواز قاصدا العراق فتوفّي بجنديسابور وكانت وفاته بالقولنج فأخبره طبيبه أن لا دواء له إلاّ الحقنة فأباها واختار الموت عليها. فكانت مدة تغلّب يعقوب مذ ملك سجستان وإلى أن مات أربع عشرة سنة وشهورا. وكان يعقوب حازما في رأيه، ثابتا في حروبه، ذا همة وشجاعة وجدّ في أموره. وكان عنده ظلم وجور؛ يلبس لباس المتطوّعين والزهّاد، ويفعل فعل الخوارج والمرّاق. وكان قلّ أن يرى مبتسما! وقام بالأمر بعده أخوه عمرو بن الليث الصفّار الثاني من الصفّاريّة. لمّا توفّي يعقوب بن الليث بايع جيشه أخاه عمرا بجنديسابور. فبادر عمرو بكتبه إلى الإمام المعتمد تتضمّن أنّه سامع مطيع لا يخرج عن المرسوم له. فبعث الخليفة إليه أحمد بن الأصبغ في ذي القعدة من هذه السنة بخلع وعهد على خراسان وبلاد فارس وإصبهان وسجستان وكرمان والسند. واستثنى ما وراء النهر فإنه أبقاه بيد نصر بن أحمد بن أسد بن سامان خداه. وأمر بمواقعة أحمد بن عبد الله (٢٣١) الخجستاني المتغلّب على
стр. 2273
نيسابور حسبما يأتي من ذكره في تاريخه إن شاء الله تعالى.
وفيها وثب أجناد دلف بن أبي دلف على القاسم بن مماه فقتلوه وبايعوا أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف. فلمّا بويع أحمد المذكور واجتمعت الجند على طاعته تغلّب على بلاد الجبل فبعث إليه الموفّق بكتمر ليطرده عنها فهزمه أحمد وعاد مغلولا إلى بغداد. وكان أحمد مظفّرا في حروبه، ذا بأس ونجدة.
ودام على سيرة بيته إلى سنة ست وسبعين حسبما يأتي من ذكره.
ذكر سنة ست وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله. وأخوه الموفّق صاحب الأمر. وأحمد بن طولون بمصر على حاله. وعمّاله على الخراج مستمرّون وكذلك القاضي بكّار مستمرّ.
وفيها كانت وقعة عمرو الصفّار مع <أحمد بن> عبد الله الخجستاني المتغلّب على نيسابور فهزمه. وأقام الخجستاني بنيسابور إلى أن قتل في ذي الحجة سنة ثمان وستين؛ قتله مملوك له تركيّ! وذلك أنّه كان يميل إلى هذا المملوك ويهواه فقال له يوما يداعبه إنّ مملوكا أحسن منك قد بلغنا أنه هرب من عند أبي طلحة-يعني صاحب هراة-مستأمنا إلينا فانظر كيف يكون حالك معه!
стр. 2274
فلحقت المملوك الغيرة، وتخوّف من ميله عنه فقتله! وولي نيسابور في تلك السنة رافع بن هرثمة؛ وكان مقدّما على جيش الخجستانيّ، واستقرّ أمره بها.
(٢٣٢) ذكر سنة سبع وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله وأخوه الموفّق صاحب الأمر. وأحمد بن طولون على مصر. وعمرو بن الليث بخراسان وسجستان وأعمالهما. والداعي العلوي بطبرستان وأعمالها. وابن هرثمة بنيسابور وأعمالها. وأحمد بن عبد العزيز بن دلف بالجبال وأعمالها. وكلّ من هؤلاء يتغلّب على ما بيده من الأعمال.
وبعضهم متظاهر بالطاعة، مبطن بالتغلّب.
وفيها كبس صاحب الزنج على البصرة ونهبها وقتل من أهلها خلق كثير. وبلغ الموفّق فتجهّز لملاقاته وكانت بينهما حروب ووقعات متعدّدة.
ذكر سنة ثمان وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
стр. 2275
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وأخوه الموفّق الغالب عليه.
والمتغلبون بالنواحي المقدّم ذكرها على ما هم عليه.
فيها بويع الموفّق أخو المعتمد. وبويع بولاية عهده لولده أحمد بن الموفّق ولقّب المعتضد بالله. وخلع جعفر بن المعتمد على الله، واستقرّ المعتضد بولاية العهد وعاد على ما كان عليه أبوه من رجوع الأمور إليه.
وكان المعتمد لمّا اشتغل بحرب الزنج أخوه الموفّق توجّه يريد مصر لمكاتبة جرت (٢٣٣) بينه وبين أحمد بن طولون! فلمّا بلغ الموفّق ذلك وهو في قتال صاحب الزنج أنفذ إسحاق بن كنداج فردّ المعتمد وسلّمه إلى صاعد بن مخلد فأنزله دار ابن الخصيب بسرّ من رأى وحجر عليه. ولقّب إسحاق المذكور ذا السفارتين ولقّب صاعد بن مخلد ذا الوزارتين. وصار ابن طولون بدمشق فجمع القضاة والفقهاء وخلع الموفّق وأفتى الفقهاء كلّهم بخلعه. ثم عاد إلى مصر وأمر بخلعه ولعنته فأبى ذلك القاضي بكّار ﵁. وكان الموفّق لمّا بلغه ما فعله ابن طولون أمر بلعنته على المنابر فلعن من أول الشام إلى آخر ما وراء النهر! فلمّا بلغ ابن طولون ذلك أمر بلعنة الموفّق فلعن من أول صعيد مصر إلى آخر شامها! إلاّ ما كان من القاضي بكّار فإنه لم يوافق على ذلك وقال لأحمد بن طولون لمّا أمره بذلك: أنت أصدرت لي منه كتابا وأعلمتني أنه وليّ العهد، وهو ثابت عندي إلاّ أن ينزع يده منها! فقال له ابن طولون: متى لم توافق على خلعه ولعنته اعتقلتك وفعلت بك كيت وكيت! ثم أكره فطلع المنبر للعنة الموفّق ثم قال: ألا لعنة الله على الظالمين ثابتا. فعلم ابن طولون أنه عناه
стр. 2276
بذلك فاعتقله. فكان القاضي بكّار ﵁ يحدّث عن سيّدنا رسول الله ﷺ ويفتي ويقرأ العلوم ويحكم وهو في السجن.
ذكر سنة تسع وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وابن أخيه المعتضد على ما كان (٢٣٤) عليه أبوه الموفّق من ولاية الأمر. وافترد الموفّق لحرب صاحب الزنج وكسره في هذه السنة كسرة شنيعة، وقتل أكثر حماته، ونجا بنفسه هاربا لا يلوي على شيئ.
ذكر سنة سبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين، وأخوه الموفّق متتبع آثار صاحب الزنج حتّى قتله في هذه السنة حسبما يأتي من ذكره.
стр. 2277
وفيها توفي أحمد بن طولون رحمه الله تعالى. وذلك أنه توجّه في أوّل هذه السنة إلى الشام وفي عوده إلى الفسطاط اعتراه مرض وقوي عليه فلمّا دخل مصر توفّي في شهر ذي القعدة من هذه السنة من علة أصابته في ذكره ودبره.
وتوفي ابنه العباس بعده باثنتي عشرة ليلة. ويقال إنّه أحصي من قتله ابن طولون ومات في أيامه في حبسه فكان ثمانية وعشرون ألفا. وأطلق من سجنه بعد موته ثمانية عشر ألف إنسان.
< ذكر سيرة أحمد بن طولون ومولده ووفاته
قال صاحب التاريخ المظفّري: طولون غلام تركيّ بعثه نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون سنة مائتين وتوفي في سنة أربعين ومائتين. وولد له أحمد سنة عشرين ومائتين ببغداد. وتوفي ذي القعدة سنة سبعين ومائتين. وذكر الكنز وصحته ووافق على لقياه إياه. وقال القاضي ابن خلكان في تاريخه إنّ طولون مملوك أهداه نوح بن أسد الساماني إلى المأمون. وكانت ولادة أحمد بسامراء في ثالث عشرين من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين. ويقال إنّ طولون تبناه ولم يكن ابنه. ودخل مصر يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين. وتوفي في ليلة الأحد لعشر بقين من ذي القعدة
стр. 2278
سنة سبعين ومائتين. ودفن في مقبرة عتيقة بالقرافة. وقال القاضي ابن عبد الظاهر مما وجدته بخطّه يقول: أحمد بن طولون من أولاد الأتراك وأبوه طولون تركيّ>. <قال؛ ورأيت سيرة للإخشيد قديمة عليها خطّ الفرغانيّ يقول: أحمد بن التج. بعض آحاد الأتراك ربّاه طولون يتيما لأنه كان صديقا لأبيه المذكور ومن طبقته. ولمّا صار في سنّ الحداثة مشى مع الحشوية وأصحاب الحديث، وقرأ القرآن، وغزا، وتنقّلت به الأحوال إلى أن صار في الثقات فأنفذه بايكباك التركيّ خليفة له على مصر واستقرّ حاله بها. قلت: ولم أر أحدا من المؤرّخين ذكر ذلك عنه. والله أعلم>.
وولي بعده ولده أبو الجيش خمارويه. فأحضر أخاه العباس لمبايعته فأبى فدخل به منزل في الميدان فكانت وفاته-حسبما تقدّم في تاريخه. وعقد خمارويه لأبي عبد الله أحمد بن الواسطيّ على جيش الشام. ثم عقد لسعد الأعسر على المراكب وجعلها مقيمة بالشام. ونزل أحمد بن محمد فلسطين وهو خائف أن يوقع به أبو الجيش فكتب إليه الواسطيّ يصغّر له أمر خمارويه ويحرّضه على المسير، وضمّن ذلك (٢٣٥) أبياتا شعرية (من البسيط):
يا أيها الملك المرهوب جانبه ... شمّر ذيول السرى فالأمر قد قربا
стр. 2279
كم ذا القعود ولم يقعد عدوّكم ... عن القتال لقد أصبحتم عجبا
ليس المريد لما أصبحت تطلبه ... إلاّ المشمّر عن ساق وإن لغبا
أصاب مروان في بيت أصاب به ... عين الصواب فما أخطا ولا كذبا
<إني أرى فتنا تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا>
وفيها أقبل أبو العبّاس أحمد بن الموفّق من بغداد، وانضمّ إليه إسحاق بن كنداج وابن أبي الساج حتّى أتوا الرقّة فتسلّم قنّسرين والعواصم إلى شيزر فلقيه بها أصحاب خمارويه فقاتلوه قتالا شديدا فكسرهم أبو العبّاس ثم أتى حتى دخل دمشق في تاريخ ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي الداعي صاحب طبرستان يوم الإثنين لثلاث خلون من رجب فكانت مدة مملكته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر واثني عشر يوما؛ أولها على أيام المستعين وآخرها على أيام المعتمد على الله. زاحمه فيها محمد بن طاهر مدّة وكذلك مفلح وكذاك يعقوب الصفّار. وكان أبو الغمر الطبري أهدى إلى الداعي سهمين في بعض الأعياد وعليهما مكتوب (من السريع):
أهديت إلى الداعي إلى الحقّ ... سهمي فتوح الغرب والشرق
زجّاهما النصر وريشاهما ... ريشا جناحي طائر السبق
أيّد هذا الفأل بالصدق ... هما بشيرا دعوة الحقّ
قال؛ فسرّه الفأل وأعطاه عشرة آلاف درهم. وسمع بجرجان لمّا دخلها
стр. 2280
صياحا لديلمي من أصحابه في دور بعض أهلها فقال: ﴿أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.ولحمدان الطبري (٢٣٦) وقد تأذّى بديلم الجيش فقال (من المنسرح):
أنا إلى الله ما لقيت ... من حبّ قوم بهم شقيت
لا قلت في الأولين شرا ... ولا ترفّضت ما حييت
وكان كاتبه سعيد بن محمد الطبري. وقام بالأمر بعده محمد بن زيد الداعي الثاني من العلويين.
لمّا مات الحسن كان أخوه محمد بجرجان فرسم لصهره محمد بن إبراهيم العلوي أن يكتب إليه ليسارع بالمجيء فينتصب بالمملكة فتباطأ. فلمّا توفّي الحسن انتصب محمد بن إبراهيم مكانه وتلقّب القائم بالحق. فبلغ الخبر محمد بن زيد فسار من جرجان فلمّا قرب هرب محمد بن إبراهيم إلى جالوس فأنفذ خلفه سرية فأدرك وقتل. ولبس محمد بن زيد القلنسوة وتلقّب الداعي، واستقامت له طبرستان. وغلبه عمرو بن الليث الصفّار على جرجان ثم أخرجه عن طبرستان على يد أخيه رافع بن الليث. وأقام رافع بها ثلاث سنين ثم عاد الداعي فهزمه عن طبرستان دون جرجان. واستقرّ الحال حتّى غلب على الأمر إسماعيل بن أحمد الساماني حسبما يأتي من ذكره في تاريخه إن شاء الله.
<فيها قتل صاحب الزنج على يد الموفّق لمّا ندب لحربه لؤلؤ غلام ابن طولون حسبما ذكرناه فيما نقل من خبره ملخّصا دون إطناب. وذلك أنّ تواريخ جميع من عني بجمع أخبار الناس وقد ذكروه مفصّلا. وتاريخنا هذا من شرطه الاختصار ومخض الزبد والاستقصار على النبذ من فن غريب، وحديث عجيب>.
следующие страницы →