Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
بذلك فاعتقله. فكان القاضي بكّار ﵁ يحدّث عن سيّدنا رسول الله ﷺ ويفتي ويقرأ العلوم ويحكم وهو في السجن.
ذكر سنة تسع وستين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وابن أخيه المعتضد على ما كان (٢٣٤) عليه أبوه الموفّق من ولاية الأمر. وافترد الموفّق لحرب صاحب الزنج وكسره في هذه السنة كسرة شنيعة، وقتل أكثر حماته، ونجا بنفسه هاربا لا يلوي على شيئ.
ذكر سنة سبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين، وأخوه الموفّق متتبع آثار صاحب الزنج حتّى قتله في هذه السنة حسبما يأتي من ذكره.
стр. 2277
وفيها توفي أحمد بن طولون رحمه الله تعالى. وذلك أنه توجّه في أوّل هذه السنة إلى الشام وفي عوده إلى الفسطاط اعتراه مرض وقوي عليه فلمّا دخل مصر توفّي في شهر ذي القعدة من هذه السنة من علة أصابته في ذكره ودبره.
وتوفي ابنه العباس بعده باثنتي عشرة ليلة. ويقال إنّه أحصي من قتله ابن طولون ومات في أيامه في حبسه فكان ثمانية وعشرون ألفا. وأطلق من سجنه بعد موته ثمانية عشر ألف إنسان.
< ذكر سيرة أحمد بن طولون ومولده ووفاته
قال صاحب التاريخ المظفّري: طولون غلام تركيّ بعثه نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون سنة مائتين وتوفي في سنة أربعين ومائتين. وولد له أحمد سنة عشرين ومائتين ببغداد. وتوفي ذي القعدة سنة سبعين ومائتين. وذكر الكنز وصحته ووافق على لقياه إياه. وقال القاضي ابن خلكان في تاريخه إنّ طولون مملوك أهداه نوح بن أسد الساماني إلى المأمون. وكانت ولادة أحمد بسامراء في ثالث عشرين من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين. ويقال إنّ طولون تبناه ولم يكن ابنه. ودخل مصر يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين. وتوفي في ليلة الأحد لعشر بقين من ذي القعدة
стр. 2278
سنة سبعين ومائتين. ودفن في مقبرة عتيقة بالقرافة. وقال القاضي ابن عبد الظاهر مما وجدته بخطّه يقول: أحمد بن طولون من أولاد الأتراك وأبوه طولون تركيّ>. <قال؛ ورأيت سيرة للإخشيد قديمة عليها خطّ الفرغانيّ يقول: أحمد بن التج. بعض آحاد الأتراك ربّاه طولون يتيما لأنه كان صديقا لأبيه المذكور ومن طبقته. ولمّا صار في سنّ الحداثة مشى مع الحشوية وأصحاب الحديث، وقرأ القرآن، وغزا، وتنقّلت به الأحوال إلى أن صار في الثقات فأنفذه بايكباك التركيّ خليفة له على مصر واستقرّ حاله بها. قلت: ولم أر أحدا من المؤرّخين ذكر ذلك عنه. والله أعلم>.
وولي بعده ولده أبو الجيش خمارويه. فأحضر أخاه العباس لمبايعته فأبى فدخل به منزل في الميدان فكانت وفاته-حسبما تقدّم في تاريخه. وعقد خمارويه لأبي عبد الله أحمد بن الواسطيّ على جيش الشام. ثم عقد لسعد الأعسر على المراكب وجعلها مقيمة بالشام. ونزل أحمد بن محمد فلسطين وهو خائف أن يوقع به أبو الجيش فكتب إليه الواسطيّ يصغّر له أمر خمارويه ويحرّضه على المسير، وضمّن ذلك (٢٣٥) أبياتا شعرية (من البسيط):
يا أيها الملك المرهوب جانبه ... شمّر ذيول السرى فالأمر قد قربا
стр. 2279
كم ذا القعود ولم يقعد عدوّكم ... عن القتال لقد أصبحتم عجبا
ليس المريد لما أصبحت تطلبه ... إلاّ المشمّر عن ساق وإن لغبا
أصاب مروان في بيت أصاب به ... عين الصواب فما أخطا ولا كذبا
<إني أرى فتنا تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا>
وفيها أقبل أبو العبّاس أحمد بن الموفّق من بغداد، وانضمّ إليه إسحاق بن كنداج وابن أبي الساج حتّى أتوا الرقّة فتسلّم قنّسرين والعواصم إلى شيزر فلقيه بها أصحاب خمارويه فقاتلوه قتالا شديدا فكسرهم أبو العبّاس ثم أتى حتى دخل دمشق في تاريخ ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي الداعي صاحب طبرستان يوم الإثنين لثلاث خلون من رجب فكانت مدة مملكته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر واثني عشر يوما؛ أولها على أيام المستعين وآخرها على أيام المعتمد على الله. زاحمه فيها محمد بن طاهر مدّة وكذلك مفلح وكذاك يعقوب الصفّار. وكان أبو الغمر الطبري أهدى إلى الداعي سهمين في بعض الأعياد وعليهما مكتوب (من السريع):
أهديت إلى الداعي إلى الحقّ ... سهمي فتوح الغرب والشرق
زجّاهما النصر وريشاهما ... ريشا جناحي طائر السبق
أيّد هذا الفأل بالصدق ... هما بشيرا دعوة الحقّ
قال؛ فسرّه الفأل وأعطاه عشرة آلاف درهم. وسمع بجرجان لمّا دخلها
стр. 2280
صياحا لديلمي من أصحابه في دور بعض أهلها فقال: ﴿أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.ولحمدان الطبري (٢٣٦) وقد تأذّى بديلم الجيش فقال (من المنسرح):
أنا إلى الله ما لقيت ... من حبّ قوم بهم شقيت
لا قلت في الأولين شرا ... ولا ترفّضت ما حييت
وكان كاتبه سعيد بن محمد الطبري. وقام بالأمر بعده محمد بن زيد الداعي الثاني من العلويين.
لمّا مات الحسن كان أخوه محمد بجرجان فرسم لصهره محمد بن إبراهيم العلوي أن يكتب إليه ليسارع بالمجيء فينتصب بالمملكة فتباطأ. فلمّا توفّي الحسن انتصب محمد بن إبراهيم مكانه وتلقّب القائم بالحق. فبلغ الخبر محمد بن زيد فسار من جرجان فلمّا قرب هرب محمد بن إبراهيم إلى جالوس فأنفذ خلفه سرية فأدرك وقتل. ولبس محمد بن زيد القلنسوة وتلقّب الداعي، واستقامت له طبرستان. وغلبه عمرو بن الليث الصفّار على جرجان ثم أخرجه عن طبرستان على يد أخيه رافع بن الليث. وأقام رافع بها ثلاث سنين ثم عاد الداعي فهزمه عن طبرستان دون جرجان. واستقرّ الحال حتّى غلب على الأمر إسماعيل بن أحمد الساماني حسبما يأتي من ذكره في تاريخه إن شاء الله.
<فيها قتل صاحب الزنج على يد الموفّق لمّا ندب لحربه لؤلؤ غلام ابن طولون حسبما ذكرناه فيما نقل من خبره ملخّصا دون إطناب. وذلك أنّ تواريخ جميع من عني بجمع أخبار الناس وقد ذكروه مفصّلا. وتاريخنا هذا من شرطه الاختصار ومخض الزبد والاستقصار على النبذ من فن غريب، وحديث عجيب>.
стр. 2281
ذكر سنة إحدى وسبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وخمارويه بن أحمد بن طولون بمصر. وعزل أحمد بن إبراهيم عن الخراج وولّى مكانه علي بن إبراهيم (٢٣٧) الماذرائي.
وفيها دخل أبو العباس أحمد بن الموفّق بعساكر العراق إلى دمشق، وخرج إليه خمارويه بالعساكر المصرية والتقيا وانهزم خمارويه وعاد إلى الفسطاط لا يلوي على شيئ. وكان له كمين مع سعد الأعسر فظهر الكمين على أبي العبّاس ولم يعلم <سعد> بهزيمة خمارويه فكسروا أبا العبّاس وأزاحوه عن العسكر اثنا عشر ميلا. ورجع أبو العبّاس إلى دمشق مهزوما فلم يفتح له، ورجع إلى نحو المشرق. وعاد خمارويه إلى دمشق فدخلها ثم قتل سعد الأعسر لأمر حدث منه. ثم خرج المحاربة ابن كنداج في تاريخ ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وفيها بلغ الخليفة عن الصفّار ما أنكره فعزله عن خراسان وماله من الأعمال وولاّها محمد بن طاهر وهو ببغداد واستخلف له رافع بن هرثمة وأمر
стр. 2282
بلعن عمرو بن الليث على المنابر لأربع بقين من شوّال من هذه السنة؛ ولم يبق بيده إلاّ سجستان ودام ذلك إلى سنة ست وسبعين ومائتين.
ذكر سنة اثنتين وسبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين، وأخوه الموفّق الغالب على أمره وولده أبو العبّاس المعتضد. وخمارويه صاحب مصر والشام وهو مقيم في هذه السنة بدمشق.
وفيها كان الزلزلة بالريّ وأعمالها وأخربت عدة عمائر، وقتل جمع كثير من الناس، ونبعت من الأرض عين ماء على فرسخ من الريّ لم تكن تعهد قبل ذلك هناك (٢٣٨).
ذكر سنة ثلاث وسبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وسبعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
стр. 2283
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين، وأخوه الموفّق وولده المعتضد قائمان بأمور الناس. وخمارويه صاحب مصر وهو في هذه السنة بالديار المصرية مقيم. وعمرو بن الليث بسجستان. ومحمد بن طاهر بخراسان وأعمالها من قبل المعتمد. ومحمد بن زيد الداعي صاحب طبرستان وأعمالها.
وأحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بالجبال متغلّبا. ولم يحدث في هذه السنة حادث فيذكر بحكم التخصيص.
ذكر سنتي أربع وخمس وسبعين ومائتين
نيل سنة أربع المبارك: القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعا. المنتهى خمسة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
نيل سنة خمس المبارك: القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعا. المنتهى خمسة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين فيهما. وكذلك سائر الملوك والعمّال على ما تقدم من ذكرهم.
وفي سنة خمس توفي أبو داود بالبصرة وهو صاحب «السنن» ﵀.
стр. 2284
ذكر سنة ست وسبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا (٢٣٩).
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. والموفّق والمعتضد بحالهما في تدبير الأمور. وأبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ملك مصر مستبدا.
واستوزر علي بن أحمد الماذرائي. واستعمل على الخراج المؤمّل بن أحمد.
وفيها شخص الموفّق من العراق إلى إصبهان والجبال بالجيوش لدفع أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف عنها فارتفع أحمد بأمواله وعياله وخاصته وترك داره بفرشها لينزلها الموفّق، وأظهر الطاعة والانقياد لأوامره فعفا عنه الموفّق وتركه وعاد.
ذكر سنة ثمان وسبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
стр. 2285
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين. وفيها توفي الموفّق أخوه ﵀ ببغداد واستبدّ بالأمر ولده أبو العباس المعتضد بالله على ما كان أبوه عليه من تدبير الأمور ورجوعها إليه.
وفيها خرج أبو الجيش خمارويه من الديار المصرية لمحاربة ابن كنداج وعسكر ظاهر دمشق بالجيوش. ونزل ابن كنداج بأرض يقال لها باحوران من أرض الرافضة. وكانت الوقعة بينهما في أول سنة تسع وسبعين ومائتين فكانت الكسرة على خمارويه وانهزمت أصحابه وثبت هو في شرذمة يسيرة وحمل على ابن كنداج حملة صادقة فهزمه وتبعه حتّى أوصله سرّ من رأى. ثم سعي بينهما بالصلح فاصطلحا؛ وعاد إلى دمشق (٢٤٠).
ذكر سنة تسع وسبعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وإصبع ونصف. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتمد على الله أمير المؤمنين إلى أن توفّي في هذه السنة في تاريخ ما يذكر. وخمارويه بمصر. وعزل المؤمّل عن الخراج وولي الحسين بن محمد كاتب أبي التاج. وأبو عبد الله محمد بن عبدة قاضيا كان قد ولاّه أبو
стр. 2286
الجيش خمارويه في سنة سبعين ومائتين بعد وفاة أحمد بن طولون بأربعين يوما؛ وقيل غير ذلك. والله أعلم.
وتوفي المعتمد على الله غرّة شهر رجب من هذه السنة. وقيل إنه مات مقتولا وإنه لفّ في بساط وغمّ حتى مات ﵀، وله خمسون سنة وأشهر.
وصلّى عليه القاضي إسماعيل بن إسحاق، وحمل إلى سرّ من رأى، ودفن هناك.
صفته: أسمر، مربوع، خفيف العارضين، نحيف الجسم، حسن العينين، مدوّر الوجه، بجبينه أثر جدري. فلمّا ولي الخلافة عبل جسمه وكثر لحمه، واتّسع الشيب في رأسه ولحيته. مولده محرّم سنة تسع وعشرين ومائتين. وكانت مدة خلافته ثلاثا وعشرين سنة ويومين. ولي الخلافة وله سبع وعشرون سنة وأشهر. والله أعلم.
وزراؤه والكتّاب: (٢٤١) وزر له عبيد الله بن يحيى بن خاقان ثم سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثم صاعد بن مخلد ثم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل.
حجابه: موسى بن بغا ثم جعفر بن بغا ثم حسنج ثم بكتمر.
نقش خاتمه: السعيد من وعظ بغيره. والله أعلم.
стр. 2287
ذكر خلافة المعتضد بالله أحمد بن طلحة الموفّق
وما لخّص من سيرته
هو أبو العباس أحمد بن طلحة الموفّق بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم. وباقي نسبه معلوم. ويلقّب السيّار لخفّة ركابه وكثرة أسفاره في الحروب قبل الخلافة وفيها. ويلقّب الأغرّ لشامة بيضاء كانت في مقدّم رأسه.
وهو أحد من ولي الخلافة ولم يكن أبوه خليفة. أمّه أمّ ولد يقال لها ضرار ويقال خفير. توفيت قبل خلافته في سنة ثمان وسبعين. بويع له لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين؛ وذلك بما كان له من ولاية العهد من المعتمد؛ وله ست وثلاثون سنة وشهر. مولده في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. بينه وبين مولد أبيه الموفّق أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ويومان. كان حسن الميل إلى آل بيت رسول الله ﷺ لرؤيا رآها. وضبط الأمور بتجربة وحنكة، ووضع عن الناس البقايا وأسقط المكوس التي كانت تؤخذ بالحرمين. وأظهر حسن السيرة، وقرّب العلماء والفضلاء.
وفي أيامه كان أبو جعفر محمد بن سنان بن جابر الحرّاني المعروف
стр. 2288
بالبتّاني أحد المهرة برصد الكواكب، والمتقدمين في علم الهندسة وهيئة الأفلاك وحساب النجوم وصناعة (٢٤٢) الأحكام. وله زيج جليل ضمنه أرصاد النيّرين وإصلاحه لحركاته المبيّنة في كتاب بطليموس المعروف بكتاب المجسطي، وذكر فيه حركات الخمسة المتحيّرة على حساب ما أمكنه من إصلاحها، وسائر ما يحتاج إليه من حساب الفلك. وكان بعض أرصاده في زمن الخليفة المعتضد بالله. قال القاضي صاعد في كتابه المعروف بطبقات الأمم:
لا أعلم أحدا في الإسلام بلغ في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركاتها ما بلغ هذا الفاضل. وله من تواليفه كتاب في شرح المقالات الأربع لبطلميوس.
وكان في أيامه محمد بن إسماعيل التنوخي المنجّم الذي دخل الهند وصدر عنها بغرائب علم النجوم منها حركة الإقبال والإدبار.
وكان في أيامه الفاضل الكبير والسيد النبيل أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي عالم أهل الإسلام بأحكام النجوم. وهو صاحب التواليف الشريفة والمصنّفات المفيدة في صناعة الأحكام وعلم التعديل. وكان مع ذلك أعلم الناس بسير الفرس وأخبار ملوك العجم. فمن كتبه في صناعة الأحكام كتاب الطبائع، وكتاب الألوف، وكتاب المدخل الكبير، وكتاب القرانات، وكتاب الدول والملل، وكتاب الملاحم، وكتاب الأقاليم، وكتاب الهيلاج والكدخداه، وكتاب المقالات في المواليد، وكتاب النكت، وكتاب تحاويل سنيّ المواليد- وغير ذلك من كتبه في حركات النجوم وزيجه الكبير. قال القاضي صاعد:
стр. 2289
لم أعلم كتابا أنفع ولا أكثر فائدة في هذا العلم من زيج أبي معشر لأنه جامع لأكثر علم الفلك بالقول المجرّد المطلق من البرهان. وكتاب الزيج الصغير وهو المعروف بزيج القرانات يتضمن معرفة (٢٤٣) أوساط الكواكب لأوقات اقتران زحل والمشتري مذ عهد الطوفان. وكان أبو معشر مع هذا مدمنا لشرب الخمر مستهترا بمعاقرتها. وكان يعتريه صرع عند أوقات الامتلاآت القمريّة. وكان في أيام المعتضد معاصرا لأبي جعفر بن سنان. هكذا ذكر القاضي صاعد قاضي الأندلس صاحب كتاب طبقات الأمم من العرب والعجم، وصاحب كتاب الملل والنحل. والله أعلم.
قال صاحب كتاب الدول: لمّا أفضت الخلافة إلى الإمام المعتضد بالله قدم رسول عمرو بن الليث الصفّار عليه يسأله اصطناعه لنفسه وتوليته خراسان من قبله، وأحضر معه هدايا جليلة. فعقد له لواء وبعثه مع عيسى النوشريّ إليه ومعه خلع وعهد بما سأل. فوصل إليه عيسى في شهر رمضان من هذه السنة.
وكان السبب الذي بعث المعتضد على تولية عمرو وإجابة سؤاله أنه بعث إلى رافع بن هرثمة يأمره برفع يده عن ضياع سلطانية بالريّ فأبى ذلك. قال صاحب الدول، قال أبو القاسم داود بن سليمان، قلت لرافع بن هرثمة: لا تعصه فليس هو كمن تقدّمه من الخلفاء وهو بكتاب واحد يفسد عليك أمرك! فاغترّ ولم يقبل. وصادف ذلك تضرّع عمرو في طلب الولاية فولاّه. ثم كتب المعتضد بعد ذاك إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف يأمره بالمضيّ إلى الريّ ودفع رافع عنها فامتثل أمره وسار فلقي رافعا في يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة من هذه السنة فانهزم رافع ودخل أحمد الريّ.
стр. 2290
ذكر سنة ثمانين ومائتين
(٢٤٤) النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وأبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ملك مصر. وعزل الحسين بن محمد وولى أبا بكر محمد بن علي الخراج. والقاضي محمد بن عبدة مستمرّ.
وفيها دخل عمرو بن الليث نيسابور في جمادى الأولى. وفيها توفي أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف في آخر شهر ربيع الأول. وكانت مدّة تغلّبه خمس عشرة سنة، وقام بالأمر مكانه أخوه:
عمر بن عبد العزيز الرابع من آل أبي دلف
قال صاحب كتاب الدول: لمّا مات أحمد بن عبد العزيز وقع الخلف بين الأخوين عمر بن عبد العزيز وبكر بن عبد العزيز على الرئاسة. ثم اتّفق الأجناد على تولية عمر، وولاّه الإمام المعتضد بالله لمّا شخص إلى الجبال في سنة إحدى وثمانين أصبهان ونهاوند والكرج وما والاهم واستمرّ ذلك.
стр. 2291
ذكر سنة إحدى وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وأبو الجيش خمارويه بمصر؛ وعمّاله بحالهم.
فيها تزوّج المعتضد قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون وأصدقها ألف ألف درهم، وأنفذ الحسين بن عبد الله الجوهري المعروف بابن الجصّاص فحملها إليه في هذه السنة فلم يعجب بشيئ كإعجابه بها (٢٤٥) لما وصلت إليه من الجمال البارع والأدب الكامل. فمن ذلك أنّ المعتضد لكثرة إعجابه به قدّمها على سائر حظاياه وكان يخلو بها وحده. فبينا هو ذات يوم معها في خلوة جعل رأسه في حجرها على فخذها وغرق في نومه فوضعت رأسه على وسادة وجلست بالقرب منه فلمّا استيقظ عظم عليه ذلك فصاح بها فكلّمته عن قرب منه! فقال: كيف أسلّمك مهجتي ورأسي فتضعيه على الوساد!؟ فقالت:
ليس أنا ممن يجهل ما خوّلني به أمير المؤمنين من عظيم المنزلة ولكني فيما أدّبني به أبي أن قال لي: لا تجلسي مع نيام ولا تنامي مع جلوس! قال؛ فعظمت في عينه وازدادت عنده منزلة.
стр. 2292
ذكر سنة اثنتين وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وخمارويه بدمشق إلى أن قتل في هذه السنة في تاريخ ما يذكر. وعماله بمصر على حالهم. وكذلك القاضي بها.
ذبح أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون على فراشه بدمشق ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من ذي القعدة من هذه السنة، وحمل إلى مصر ودفن عند قبر أبيه بسفح المقطّم. وقام بالأمر مكانه جيش بن خمارويه الثالث من آل طولون. ويقال إنه كان المتسبّب في قتلة أبيه؛ فدخل مصر مستقلا بولاية الأمر وأقام بقيّة هذه السنة إلى سنة ثلاث وثمانين ومائتين فخلع (٢٤٦) وحبس باتّفاق كبار القوّاد. وقام بالأمر مكانه هارون بن خمارويه الرابع من آل طولون. وتولّى كتابته محمد بن علي الماذرائي. وولي الخراج أميل بن عيسى بن نصر. وعزل القاضي محمد بن عبدة ولزم بيته ولم يولّ أحد مكانه.
стр. 2293
ذكر سنة ثلاث وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه بمصر وعمّاله حسبما تقدم من الكلام.
فيها دخل رافع بن هرثمة نيسابور بعد خروج عمرو الصفّار منها، ودعا لمحمد بن زيد الداعي صاحب طبرستان. فلمّا بلغ عمرو رجع ونزل بظاهرها لعشر خلون من ربيع الآخر من هذه السنة وحاصرها إلى أن وقعت بينه وبين رافع وقعة لخمس بقين من رمضان فانهزم رافع في نفر يسير، توجّه نحو خوارزم فقبض عليه صاحبها وقتله في شوّال من هذه السنة. واستقامت البلاد لعمرو الصفّار.
وامتنع عن الطاعة <عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف> فأشخص له المعتضد بالله وزيره عبيد الله بن سليمان وغلامه بدر المعتضدي الكبير. وكان شخوصهما لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة. فلمّا شارفا الأعمال خرج إليهما عمر مستأمنا يوم السبت لعشر بقين من شعبان من هذه السنة. وقد كان أخوه بكر دخل قبله في الأمان ووعده الوزير وبدر أن يولّياه أعمال أخيه؛ فلمّا دخل أخوه في الأمان (٢٤٧) قالا لبكر: إنما وعدناك أن نولّيك الأعمال إذ كان أخوك عاصيا، وأمّا إذ أطاع أخوك فلا نعزله عن ولايته،
стр. 2294
وأمراه بالمضيّ مع أخيه إلى باب أمير المؤمنين المعتضد بالله. فوليا عيسى النوشريّ إصبهان من قبل عمر حتى يعود من باب الخلافة. فهرب بكر عند ذلك مظهرا الخلاف، وسار عمر يطلب الباب. وكتب الخليفة إلى بدر يأمره بطلب بكر وأن لا يقفل حتّى ينجز أمره. ووصل عمر إلى بغداد في يوم الاثنين لأربع بقين من شوّال فأمر الخليفة للقواد بلقائه وتلقّاه القاسم ابن الوزير عبيد الله وأوصله إلى حضرة أمير المؤمنين، وأمر أن تفاض عليه الخلع، وحمله على دابة بسرج ذهب ولجام مثله، وخلع على أخيه الهطّال، وعلى ولدين لعمر وعلي وابن لأخيه أحمد وأقاما ببغداد مطلقين، واسم الولاية لعمر إلى أن قبض عليهم لخمس بقين من شوّال سنة ست وثمانين فمات عمر في السجن وكذلك الهطّال في المحرم سنة ثمان وثلاثمائة ببغداد على أيام الإمام المقتدر بالله. وقام بأمر آل أبي دلف في هذه السنة بكر بن عبد العزيز الخامس من آل أبي دلف. ولمّا هرب بكر أظهر الخلاف، ومضى إلى الأهواز وواليها وصيف فسار ليطرده عنها فلحقه وباتا ليغاديا القتال فسار بكر تحت الليل وعاد إلى إصبهان. وكتب المعتضد إلى بدر يأمره بالبقاء بالجبال حتّى يأخذ بكرا فبعث إليه عيسى النوشريّ فهزمه بكر وفرّ بين يديه. ولبكر قصيدة يصف فيها هربه من بين يديه أوّلها (من الخفيف):
قالت البيض قد تغيّر بكر ... وبدا بعد وصله منه هجر
(٢٤٨) وفي هذه السنة حكم المنجّمون بغرق الأقاليم بالماء وأن يكون طوفانا فأصاب الناس تلك السنة قحط وغارت جميع المياه، وانقطع جريان
стр. 2295
الماء من جميع الآبار، ونشفت الأعين، وماتت الوحوش في الفلوات عطشا.
وفيها هبّت ريح شديدة من عشاء المغرب إلى نصف الليل. وكان في اليوم الثاني وقت الزوال ظلمة عظيمة جدا. وهاجت الريح جدا أعظم من الليل وعادت تطرح رملا أحمر، وكان الناس يرون في أربع أقطار السماء أعمدة نار فلم يزل كذلك إلى وقت الصبح ثم خمدت الريح وسكنت، وصارت السماء حمرة شديدة الحمرة حتى عاد الناس ينظرون الأرض ولباسهم جميعه أصفر من بعد حمرة. ولم تظهر الشمس يوما وليلة مع نصف يوم آخر. فسبحان مدبّر الوجود الحي الموجود.
ذكر سنة أربع وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه بمصر مستقلا. وولي القضاء بها أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي.
وفيها كانت وقعة بين بكر بن أبي دلف وبين النوشريّ انهزم فيها بكر وقتل أكثر عسكره وأفلت في نفر يسير، ولم يزل يجول في البلاد إلى أن توفي في سنة خمس وثمانين.
стр. 2296
ذكر سنة خمس وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا (٢٤٩).
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه بحاله. وعزل أميل بن عيسى وولي الحسين بن <أحمد بن> إبراهيم المعروف بأبي زنبور على الخراج بكماله.
وفيها قام بأمر آل أبي دلف أبو ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف السادس منهم. هو الحارث بن عبد العزيز؛ وكان قد قبض عليه أخوه عمر واعتقله في قلعة دز. وكانت هذه القلعة مسقط رأس آل أبي دلف، وكان الموكّل بحفظها خادم لهم كبير السنّ قد ربّى جميعهم يقال له شفيع ومعه جماعة من خواصّ غلمان عمر. فلمّا استأمن عمر وعصى بكر بقيت القلعة في يد شفيع فكلّمه أبو ليلى في إطلاقه فأبى وقال: حتّى يأتيني من أخيك عمر كتاب! وكان لأبي ليلى وهو معتقل غلام صغير يتصرف في حوائجه فقال له: احتل لي في مبرد! فأدخل له مبردا في طعام. فلمّا حصل المبرد عنده سأل أن تدخل إليه جارية تتولى خدمته. فأدخلت إليه جارية حديثة السنّ يقال لها ذلفاء. وكان شفيع يجيء كلّ ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى حتّى يراه ثم يقفل عليه ويوثقه ويمضي فينام وتحت فراشه سيف مسلول. قال صاحب كتاب الدول؛ فذكرت
стр. 2297
ذلفاء الجارية أنّ الحارث برد مسمار القيد حتّى كان يخرجه من رجله متى شاء.
قالت؛ وجاء شفيع ليلة من الليالي إلى أبي ليلى فقعد إليه يحادثه فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحا ففعل. ثم قام الخادم لحاجته عازما على العود؛ فأمرني أبو ليلى ففرشت له فراشه فجعل عليه ثيابا مجموعة في شكل النائم وغطّاهنّ (٢٥٠) باللحاف وأمرني أن أقعد عند أسفل الثياب في هيئة من يغمز رجلي نائم وقال لي: إذا جاء شفيع وسأل عني فقولي نام! وخرج أبو ليلى من البيت واختفى في صفّة خارج الباب الذي كان يغلق عليه فيها فرش وبسط فاختفى في تلك الفرش وجاء شفيع فنظر إلى الفراش وسألني فأخبرته فقفل الباب على غير شيئ ومضى فنام. فخرج أبو ليلى وأخذ السيف من تحت فراش الخادم وشدّ عليه فقتله فوثب الغلمان فقال لهم: أنا أبو ليلى وقد قتلت شفيعا، ولئن بقي معي أحد في الدار قتلته فاخرجوا وأنتم آمنون! فخرجوا بأجمعهم. وجاء حتّى جلس على باب القلعة فاجتمع إليه الناس ممن كان بالقلعة فوعدهم بالإحسان وأخذ عليهم الأيمان. ولمّا أصبح نزل من القلعة وبعث إلى أحياء الأكراد والصعاليك فأنفق فيهم وخرج عاصيا وسار إلى إصبهان فوقعت بينه وبين عيسى النوشريّ وقعة دون إصفهان بفرسخين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة أربع وثماني ومائتين فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه فنحره فسقط ميتا وانهزم أصحابه وأخذت رأسه وسار بها وصيف إلى بغداد فوصل بها لخمس خلون من صفر سنة خمس وثمانين ومائتين؛ فاستوهبها أخوه عمر قبل القبض عليه وسجنه. ثم وجّه المعتضد بالله أمير المؤمنين في سنة ست وثمانين غلامه رائقا إلى إصفهان لأخذ البدنة والتاج من الجونة اللذين كانا لأبي دلف فمضى رائق وأخذهما ثم قبض
стр. 2298
على عمر والهطّال ومن معهما وجرى ما ذكرناه. وانقطعت دولة آل أبي دلف ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة. والله أعلم.
(٢٥١) ذكر سنة ست وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه مستقلا بمصر وعمّاله على ما تقدّم من ذكرهم.
وفيها فتح الخليفة المعتضد بالله آمد وظفر بمحمد <بن أحمد> بن عيسى وحصل على أمواله التي لم يسمع بمثلها؛ ومن جملتها تسع مائة طست ذهب وألفي زرديّة ذهب وألفي خوذة؛ وهذا ما اجتمع لملك قطّ! ومن الجواري والمماليك والأواني والفصوص ما يضيق حصره ورجع الخليفة بهذه الأموال الجمّة إلى سرّ من رأى.
ذكر سنة سبع وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
стр. 2299
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه بمصر وعمّاله بحالهم.
فيها أسر إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان خداه صاحب ماوراء النهر لعمرو بن الليث الصفّار وأنفذه إلى باب الخلافة في سنة ثمان وثمانين ومائتين حسبما يأتي ذكره في تاريخه بعد ذكر الدولة السامانية وابتدائها إن شاء الله.
ذكر الدولة السامانية ومبتدأ أمرها
قال صاحب كتاب الدول المنقطعة: لمّا دخل المأمون بن الرشيد رحمهما الله إلى خراسان وجد بها أسد بن سامان خداه وهو (٢٥٢) من ولد بهرام جور شوبين. ذكر غرس النعمة أنه وجد نسبهم في بعض الكتب: أسد بن سامان خداه بن جثمان بن طمغاث بن نوشرد بن بهرام شوبين بن بهرام خشنش بن منوزاد خسرو بن نرسي بن بهرام بن أردشير بن سابور بن يزدجرد.
فعرف المأمون مقداره بمقدار أبوته وقدّمه وولّى أولاده-وكان له أربعة أولاد:
نوح بن أسد، أحمد بن أسد، يحيى بن أسد، إلياس بن أسد. ولمّا قدم المأمون العراق وولّى خراسان لغسّان بن عبّاد أوصاه بهم فولّى غسّان في سنة أربع ومائتين نوح بن أسد سمرقند وأحمد بن أسد فرغانه ويحيى بن أسد الشاش وأشروسنه وإلياس بن أسد هراة. ولمّا ولي طاهر بن الحسين خراسان أقرّهم. ثم ولي عبد الله بن طاهر فأقرّهم وزاد في الإحسان إليهم. وكان نوح
стр. 2300
أكبر الإخوة فمات في سنة إحدى وثلاثين ومائتين في آخر خلافة الإمام الواثق بالله وفي ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر فكانت ولايته سبعا وعشرين سنة فأقرّ أخاه أحمد بن أسد على عمله. وكان كريما وفيه قيل (من البسيط):
ثوى ثلاثين حولا في ولايته ... فجاع يوم ثوى في قبره حشمه
وأقام أحمد إلى أن توفّي في شهر رمضان سنة إحدى وستين ومائتين فكانت ولايته ثلاثين سنة. وكانت وفاته في أيام المعتمد على الله. وقد كان استخلف ولده نصرا على سمرقند مع سائر أعماله فأقرّه المعتمد وأصدر إليه عهده في شهر رمضان سنة إحدى وستين فبقي على الأعمال طوال أيام الطاهرية. وكان أخوه إسماعيل بن أحمد نائبا عنه ببخارى فوقع بينهما مشاحنة أدّت إلى محاربة فالتقيا فهزم إسماعيل نصرا وأسره (٢٥٣) فلمّا رآه أسيرا ترجّل له وقبّل يده وأعاده إلى سمرقند واليا على سائر بلاد ماوراء النهر إلى أن توفي فوليها إسماعيل.
ذكر سبب ملك إسماعيل خراسان
وأسره عمرو بن الليث الصفّار
لمّا استمرت يد عمرو بن الليث الصفّار على خراسان حملته نفسه على منازعة إسماعيل على ماوراء النهر فكتب إلى الإمام المعتضد بالله يطلب منه التولية فأجابه، وكتب إلى إسماعيل سرا يأمره بمنابذة عمرو ويشجّعه ويقوّي قلبه على محاربته. ولمّا حصلت الإجابة لعمرو بعث حاجبه محمد بن بشر في جيش كثيف لقتال إسماعيل بن أحمد، وبلغ الخبر إسماعيل فكتب إلى عمرو:
إنك وليت دنيا واسعة، وإنما في يدي ماوراء النهر وهو ثغر الشرق؛ فاقنع بما
стр. 2301
في يدك واتركني ردءا لك بهذا الثغر! فلم يجبه عمرو إلى ذلك. فأعاد الكتاب إليه يسأله أن لا يغرّر بالمسلمين في تعدية النهر فأعاد الجواب أنّي لو أشاء أن أسكّره بالبدر والأموال وأعبر العساكر عليه لفعلت! فلمّا علم إسماعيل أنه لا بدّ من محاربته جمع عساكره وعبر النهر إلى خراسان ولقي محمد بن بشر فهزمه وقتل في المعركة مع أكثر جيشه. ثم عاد إلى ماوراء النهر. فلمّا رجع المفلولون إلى عمرو أخذ في توبيخهم ولومهم على الانهزام فقال له بعض الأجناد: أيّها الأمير! إنّ إسماعيل قد طبخ فيما وراء النهر قدرا كبيرة وإنّما غرف لنا منها مغرفة والباقي بحاله فمتى شئت أن تذوق فافعل! فسكت عنه ثم تجهّز الصفّار وخرج بنفسه قاصدا حرب إسماعيل. وبلغه الخبر فسار إليه وعدّى (٢٥٤) النهر كما فعل في الكرّة الأولى. فنزل الصفّار على بلخ ونزل إسماعيل بإزائه وقطع الميرة عنه ومنعه النفوذ إلى ناحية من النواحي فصار الصفّار كالمحاصر وندم على ما فعل وطلب المحاجزة فأبى إسماعيل فعزم على الحرب فلم يكن بينهما كبير قتال حتّى انهزم الصفّار ومرّ على وجهه هاربا فمرّ بأجمة قيل له إنها أقرب الطرق فدخلها في خاصّته وأمر باقي العسكر بالرجوع في الطريق الجادّة قصدا أن يتبع عسكر إسماعيل الطريق الجادّة فينجو! فما سار في الأجمة إلاّ يسيرا حتّى وحلت دابته فلم يكن في نفسه حيلة وهرب من معه ولم يلووا عليه فأدركه السابقون من أصحاب إسماعيل فأسروه فخيّره إسماعيل بين بقائه عنده والتوجيه إلى باب المعتضد بالله فاختار التوجيه. فبعثه إلى باب الخلافة مع أشناس فوصل في أول جمادى الأولى من سنة ثمان وثمانين ومائتين فأمر الإمام المعتضد غلامه بدر بتلقّيه فلقيه وسلّم عليه عمرو وكنّاه ولم يؤمّره فاغتاظ بدر وزاد في إشهاره عند الدخول به، وأركبه جملا وحمله من المصلّى وشقّ به بغداد من باب خراسان؛ وكان في حال إشهاره تدمع عيناه وهو رافع يديه يدعو! فرقّ الناس له، وأمر المعتضد بحبسه في القصر فحبس إلى أن توفي في السجن يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين؛ فكانت مدة مملكته إلى حين أسره قريب من اثنتين وعشرين سنة.
стр. 2302
وقيل إنّ المعتضد لمّا حضرته الوفاة أمر بقتله فأخرج وقتل.
ومن أخبار عمرو الصفّار؛ كان عمرو بن الليث إذا جلس للشرب وضع قلنسوته بين يديه وأجلس قوّاده أمامه وبين يدي كلّ منهم عمود ذهب أو فضّة (٢٥٥) على أقدارهم. فإذا أعاد قلنسوته على رأسه قاموا بأجمعهم وأخذوا العمد بأيديهم لينظروا ما يأمرهم به فيمتثلوه. وكان ممن يحضر شربه أبو الفوارس صعلوك أحد القوّاد المستأمنة إليه فقال ليلة وهم على الشراب لمحمد بن زيدويه أحد أصفهسلاريّه الصفّار: هذا شاوك أيّها الأمير! وأشار بكأس! قال محمد بن زيدويه؛ فأعاد الأمير عمرو قلنسوته على رأسه فوثبنا كلّنا وفي أيدينا العمد فأمرنا بالانصراف فانصرفنا. فلمّا كان السحر وجّه خلفي فأتيته وجلا فقال: لا بأس عليك اشتهيت أكل الرؤوس، وأحببت أن تساعدني عليها! وكشف طبقا بين يديه فإذا رأس صعلوك! فجفّ لساني وارتعدت فرائضي. ثم أخرج إليّ نصلين غير مغمدين وغمدا واحدا وقال: أغمدهما فيه! فقلت:
لا يمكن ذلك! فقال: وكذلك لا يجتمع أميران في جند! فإمّا تؤمّر وإمّا أؤمّر! فقلت: الله الله فيّ أنا عبدك ومملوكك والرجل غلط عليّ فيما قال، وإن أحببت قتلتني فهو بيدك، وإن استبقيتني فلخدمتك! فصرفني إلى منزلي وصفح عني وأبقى عليّ.
ومن أخباره. كان عمرو يشتري المماليك ويربّيهم ويهبهم لقوّاده فيكونون أصحاب أخبار عليهم ويجري عليهم الجرايات سرا فلا يخفى عنه خبر. خرج القاضي أبو رجاء يوما من منزله إلى مجلس عمرو فقدّم له مهر ريّض فركبه فنفر به في طريق خال وليس يراه أحد إلاّ غلامه فوقعت قلنسوته فأعادها ودخل إلى المجلس فقال عمرو: يا أبا رجاء! لم تركب المهارة؟ وإنما حقّك أن تركب القرّح فإنّ هذا الذي جرى عليك من سقوط قلنسوتك لا يليق بمثلك! فاشتدّ تعجّب أبي رجاء (٢٥٦) وتحفّظ فيما بعد.
стр. 2303
وكان ينفق في أجناده كلّ ثلاثة أشهر وله جعبة فيها تسعون سهما فيأخذ كلّ يوم سهما يخزنها غلام له اسمه ضاحك؛ فيرمي بذلك السهم إلى آخر نهاره ثم يودع في جعبة أخرى فإذا تفرّغت تلك الجعبة وامتلأت الأخرى ضرب طبل العطاء فيحضر الناس فأول ما يعرض فرسه بجميع آلاته وينادى باسمه فيوزن ثلاثمائة درهم وتحمل إليه فيأخذها بيده ويقول: الحمد لله الذي وفّقني لطاعة أمير المؤمنين حتّى استحققت الرزق! ثم يودعها خفّه فتكون لمن ينزعه. وكان أعور فركب ليلعب بالصوالجة فقال له أزهر أحد قوّاده: ليس بصواب لك أن تحضر هذا اللعب! قال: ولم؟ قال: ربّما أصابت عينك السليمة الكرة فتبقى بلا عين ونبقى نحن بغير أمير! فلم يعاود اللعب بعدها. وكان يجحف بالأغنياء ويلطف بالفقراء ويقول: إنما يطلب الشحم في بطون البقر لا في بطون العصافير! ومن مليح الشعر قول البسّامي في عمرو وقد أرجف بدخوله الكرج (من الخفيف):
أنا عبد الصفّار إن فرّج اللّ ... هـ هموم القلوب بالصفّار
لا يغرّنك الجواشن والبيض ... فمن تحتها قلوب العذارى
وإذا مالقوك بالخيل فاعلم ... أنّها عدّة ليوم الفرار
وقال من قصيدة بعد دخوله أسيرا إلى بغداد مشهورا على جمل يصف سعادة بني العبّاس (من الطويل):
وحسبك بالصفّار نبلا وهمّة ... يروح ويغدو للجيوش أميرا
حباهم بأجمال ولم يدر أنّه ... على جمل منها يقاد أسيرا
وكانت سيرة الصفّار كسيرة أخيه يعقوب إلاّ أنه كان أقرب للطاعة (٢٥٧).
стр. 2304
وفيها قتل محمد بن زيد الداعي صاحب طبرستان وقام بالأمر بعده الناصر للحقّ الحسن بن عليّ ثالث العلويين حسبما يأتي من خبره في سنة ثلاثمائة واثنا عشر. وسبب ذلك لمّا أسر إسماعيل بن أحمد بن سامان عمرو بن الليث الصفّار وملك خراسان سار محمد بن زيد إلى جرجان فملكها وحصل له بها من أموال عمرو ودفائنه ما سوّل له أنه يقصد خراسان فكتب إليه إسماعيل يستنزله عن جرجان وأمره بالرجوع إلى طبرستان فأبى فسيّر إليه إسماعيل خليفة كان لرافع بن هرثمة يقال له محمد بن هارون السرخسي في جيش عظيم فالتقى الجمعان على باب جرجان فاستظهر الداعي وانهزم جيش خراسان. ثم وقف محمد بن هارون على قرب من البلد لعادة جرت للخراسانيين بعد الهزائم فثاب إليه الناس والمهزومون من أصحابه، وانتقضت صفوف الداعي وتفرّق عسكره في طلب النهب فكرّ عليه السرخّسى بعد اليأس منه فهزمه وقتل أكثر عسكره وفقد الداعي وأسر ابنه زيد بن محمد وأحضر بين يديّ السرخّسي فسأله عن أبيه فقال: كنت معه وفارقته وقت الهزيمة. فبينا هو يخاطبه إذ مرّ فارس من الخراسانية يجرّ فرسا فقال زيد: هذا فرس أبي! فاستدعاه محمد بن هارون وسأله عن فارسه فقال: نكّسته وجرحته وها هو على ضفّة النهر! فصاروا إليه فأخذوه وهو مثخن بالجراح فمات بعد يوم ونقل ولده زيد إلى بخارى فأقام بها إلى أن توفي، وله بها عقب. وكانت الوقعة يوم الجمعة لخمس خلون من شوّال سنة سبع وثمانين ومائتين. فمدة مملكته سبع عشرة سنة وأشهرا زاحمه فيها رافع بن الليث ثلاث سنين. (٢٥٨)
وفيها ظهر أبو سعيد القرمطي حسبما يأتي من ذكره في الجزء الذي يتلو هذا الجزء المتضمّن أخبار العبيديين خلفاء مصر كون هؤلاء القرامطة أصلهم
стр. 2305
من دعاتهم الذين بثّوهم في أقطار الأرض. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الجزء المختصّ بهم سائر أخبارهم ومبدأ أمورهم وأصل دعوتهم وأسماء سائر دعاتهم شرقا وغربا بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه.
ذكر سنة ثمان وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع ونصف.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين وهارون بن خمارويه بمصر على حاله وعمّاله بحالهم حسبما تقدّم من ذكرهم في السنة الحاليّة.
وفيها ملك إسماعيل بن أحمد الساماني خراسان وسائر أعمالها مضافا إلى ماوراء النهر، وغلب على جرجان وطبرستان بقتل محمد بن زيد الداعي وولاّها لمحمد بن هارون السرخسي ثم عزله وولّى صعلوك، فنافق عليه؛ وقام الناصر للحقّ العلوي كما يأتي ذلك في تاريخه إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة تسع وثمانين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
стр. 2306
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المعتضد بالله أمير المؤمنين إلى أن توفّي في سنة تسع وثمانين في تاريخ ما يذكر، وهارون بن خمارويه بمصر مستقلا؛ وعماله بحالهم إلى أن خرج (٢٥٩) حسين إلى الشام، وتولّى أبو الطيب الماذرائي.
توفّي المعتضد بالله أمير المؤمنين رحمة الله عليه لسبع بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وله خمس وأربعون سنة وشهور. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وأربعة أيام.
صفته: أسمر، نحيف إلى الطول أقرب، خفيف العارضين، في مقدم لحيته طول، شيّب.
وزراؤه: عبيد الله بن يوسف بن سليمان بن وهب. ثم ابنه القاسم.
حجّابه: خفيف السمرقندي، وصالح الأمين خليفة بدر غلامه.
نقش خاتمه: فوّضت أمري إلى الله. وقيل: أحمد يؤمن بالله.
ذكر خلافة المكتفي بالله علي بن أحمد المعتضد بالله ابن الموفّق
طلحة، وما لخّص من سيرته
هو أبو محمد عليّ بن أحمد المعتضد بن الموفّق طلحة بن جعفر
стр. 2307
المتوكّل على الله. وباقي نسبه قد علم. يلقّب المترف لنعمة جسمه، والصنم لحسنه وجماله. أمّه أم ولد يقال لها خاضع؛ وتلقّب جيجقة تركيّة، لم تدرك خلافته. بويع له في شهر ربيع الآخر عند وفاة أبيه، وقيل قبل وفاته بأربعة أيام.
وذلك أنّه لمّا اشتدّت علّته أمر بأخذ البيعة على الناس لابنه من بعده فأخذت عليهم ثم جدّدت له بعد وفاته، وكان مقيما بالرقّة فأقام بها القاسم بن عبيد الله. وله أربع وعشرون سنة وأشهر. كانت له أموال جمّة وعساكر متوافرة، ووطّد له أبوه الأمور، وسلك طريق أبيه، ودانت له الناس وأحبّته الرعايا.
وفي هذه السنة كانت الوقعة بين صعلوك ومحمد بن هارون السرخسي.
وذلك أنّ محمد بن هارون لما اتّفق مع العلويّ واجتمعا على محاربة صعلوك فلم يزل صعلوك يدقّق الحيلة حتّى فرّق بينهما! فمضى محمد بن هارون إلى بلاد الريّ فهزم (٢٦٠) أرقتمش التركيّ واليها وقتله واستقرّ بها. فسار صعلوك ولقيه على باب الريّ؛ وكان محمد بن هارون في ثمانية آلاف فانهزم وقتل صعلوك أكثر أصحابه وتسلّم الريّ. ودخل السرخسي إلى نحو بلاد الديلم.
وبعث الإمام المكتفي بالله إلى إسماعيل الساماني في سنة تسعين ومائتين عهده على الريّ إجابة لسؤاله.
ذكر سنة تسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثلاثة عشرة ذراعا وإصبعان.
стр. 2308
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه بمصر، وعمّاله بحالهم.
فيهما كان الغلاء العظيم بمصر وأحصي من هلك فيهما وأخرج من ديوان المواريث فكان مائتي ألف إنسان خارجا عمّن هلك طريحا من رعاع الناس؛ فنعوذ بالله من أمثالها، ونسأله المعونة على ما بقي من أعمارنا.
وفيها انقضّ نجم شهاب فأحرق بعمان دورا وأسواقا وأناسا عدتهم ثمانون نفرا ما بين شيخ وغلام وطفل وامرأة.
وفيها قام بأمر الصفّارية طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الثالث من الصفارية. وذلك لمّا أسر عمرو جدّه وولي إسماعيل الساماني تغلّب طاهر على سجستان وبعث بجيش إلى فارس فملكها لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين، وولّى عليها السبكري غلام جدّه عمرو، وقوي أمره.
فلمّا كان في هذه السنة قلّده المكتفي تقليدا من جهته بما في يده من الأعمال، وأقام بسجستان، وتشاغل باللهو والصيد. فخرج عليه (٢٦١) الليث بن علي بن الليث في سنة ست وتسعين حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة إحدى وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبع ونصف.
стр. 2309
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين. وهارون بن خمارويه مستقلا بمصر.
فيها كانت الوقعة بين أبي سعيد القرمطي وبين شبل الديلمي على الرصافة، وكان الظفر للقرمطي وقتل شبل وأكثر جيشه، وأحرق الرصافة.
وفيها ظهر القرمطي الآخر بدمشق وخرج إليه طغج من قبل هارون بن خمارويه فكانت النصرة للقرمطي، ودخل طغج دمشق مفلولا، وكانت له معه عدة وقعات حسبما يأتي من ذكرها مفصّلة في الجزء الذي يليه إن شاء الله تعالى.
وفيها خرج ملك الترك في جيش عظيم-ذكر أنه كان في سبعمائة قبة ولا يكون ذلك إلاّ للعظماء-فوجّه إليه إسماعيل الساماني بعض قوّاده في خلّق كثير من العسكرية والمطوعة فوافاهم وهم غارّون مع الصبح فاستباحهم قتلا وأسرا. وتوفّي إسماعيل ببخارى في سنة خمس وتسعين على ما يأتي من ذكره في تاريخه.
ذكر سنة اثنتين وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وإصبع ونصف.
стр. 2310
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين.
وفيها ذبح هارون بن خمارويه (٢٦٢) ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من <؟ >،وقام بالأمر شيبان بن أحمد بن طولون إلى أن قدم محمد بن سليمان من العراق في جيوش كثيفة، وأخذ جميع الطولونية وحملهم إلى العراق. ثم ورد كتاب الإمام المكتفي بالله بولاية الحسين بن أحمد على الخراج بمصر، وعيسى النوشري على الحرب، وعزل أبي زرعة القاضي وولّى محمد بن عبدة؛ وهي الولاية الثانية. وخرج محمد بن سليمان إلى العراق.
ذكر سنة ثلاث وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وإصبع ونصف. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
стр. 2311
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين، وعمّال مصر من قبل الخلافة بحالهم.
ذكر سبب انتقاض أمر الطولونيّة من مصر
وذلك أنّ المكتفي بالله لمّا أنفذ محمد بن سليمان في جيوش العراق قارب دمشق والوالي بها يومئذ بدر الحمّاميّ من قبل هارون بن خمارويه فكتب إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة ثم تلقّاه هو والحسين بن أحمد الماذرائي. وكتب محمد بن سليمان إلى دميانة وهو عامله على المراكب يأمره بالسير إلى فلسطين وعليها يومئذ وصيف بن صوارتكين عاملا لهارون بن خمارويه فالتقى مع دميانة فكسره دميانة ووصل تنّيس فملكها، وتقدّم نزل بالدميرة. وجرت خطوب وحروب وأمور يطول شرحها. وآخر الأمر أنّ أصحاب هارون تفرقوا عنه وعاد في نفر يسير، وتشاغل باللهو والطرب فاجتمع عمّاه وهما عمارة وشيبان وأتاهما أخاهما أيضا المسمّى بعديّ-وهؤلاء أبناء أحمد بن طولون (٢٦٣) -واتّفقوا على قتل ابن أخيهم هارون بن خمارويه فذبحوه وهو ثمل من
стр. 2312
شرابه في تاريخ ما تقدم من ذكره؛ وعمره يومئذ اثنان وعشرون سنة. وكانت مدة ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر. ثم بويع لعمّه شيبان. وبلغ ذلك طغج مع جماعة من وجوه القوّاد فاتّفقوا وكتبوا إلى الحسين بن حمدان، وأخبروه بقتل هارون، وكاتبوا أيضا لمحمد بن سليمان وطلبوا الأمان وحرّكوه على المسير فدخل محمد بن سليمان إلى مصر وحبس شيبانا بعين شمس فقفز عسكره إلى محمد بن سليمان، وطلب شيبان الأمان، وخرج من الفسطاط؛ فكانت ولايته اثنين وعشرين يوما. ثم دخلها محمد بن سليمان الكاتب فأمر بإحراق القطائع فأحرقت، ونهب أصحابه الفسطاط ثم ركب بعد ذلك بنفسه، وطمّن قلوب الناس، وأطلق من في السجون، وسار سيرة حسنة، ودعا من الغد لأمير المؤمنين المكتفي بالله على المنابر، وولّى طغج بن جفّ على قنّسرين مضافا إلى دمشق. ثم أخرج بني طولون وهم يومئذ عشرون نفرا، وأخرج جميع قوّاد ابن طولون ومواليهم وأتباعهم ومن كان يلوذ بهم ولم يترك بمصر منهم أحدا.
نكتة: قيل إنّ أحمد بن طولون لما كان متملّكا مصر رأى في منامه أنّ شخصا يكنس داره فقصّه على القاضي بكّار ﵀ فقال: تعرفه؟ قال: إذا رأيته عرفته! قال: فاجمع لي سائر أصحابك واعرضهم عليّ! فجمع أصحابه وعرضهم فلم ير ذلك الشخص الذي رآه في المنام فقال القاضي: هل بقي من أحد؟ فقيل: لم يبق غير كاتب وهو في المطبخ! فقال: أحضره! فلمّا رآه ابن طولون قال: هو هذا! فسأله: ما اسمك؟ قال: محمد بن سليمان! فقال (٢٦٤) ابن طولون: ما تقول يا قاضي؟ فقال القاضي: إذا أراد الله تعالى أمرا يأتيه! فقال ابن طولون لذلك الكاتب: أخرج من هذه البلدة وإن رأيتك بعدها قتلتك!
стр. 2313
فخرج على وجهه إلى أن أتى بغداد؛ فكتب وعاشر الناس ونفق عند الرؤساء واتصل بالوزراء إلى أن بلغ ما بلغ وعاد إلى مصر فكنس ذرّية بني طولون وأجلاهم عن مصر.
ثم ورد كتاب بتولية عيسى بن محمد النوشريّ فدخلهما في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وخرج محمد بن سليمان بذرّية آل طولون طالبا للعراق فلما كان بدمشق اجتمع الناس من المصريين على محمد بن الخليج وانضمّ إليهم خلق كثير ممن كره مفارقة مصر وبايعوه بالإمرة عليهم وادّعى أنه من سليم، وخرج بالناس طالبا مصر فبلغ عيسى النوشريّ ذلك فخرج بمجموعه لملتقاه فكانت منهما ثلاث وقعات في هذه السنة وهي سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وانكسر النوشريّ ودخل ابن الخليج الفسطاط وعاد إليه النوشريّ فكان بينهما وقائع يأتي ذكر ملخّصها في ذكر سنة أربع وتسعين إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة أربع وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.
стр. 2314
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين. ودخل ابن الخليج الفسطاط في شهر صفر من هذه السنة فأقام بها صفر وربيعين ثم بلغه مسير عيسى النوشريّ ودميانة في المراكب، ونزل فاتك النويرة من عمل صعيد مصر وصحبته بدر الحمّاميّ فقصدهم ابن الخليج وسار ليلا ليكبس على فاتك (٢٦٥) فضلّ في الطريق لما يريده الله ، وأصبح صبحهم دون النويرة، ونذر بهم فاتك فبدرهم وانكسر ابن الخليج وانهزمت أصحابه، وثبت هو بنفسه في جمع يسير ثم كثر عليه أصحاب فاتك فانهزم حتى دخل الفسطاط فاستتر عند شخص يقال له ثويل. ودخل دميانة في مراكبه الفسطاط ودخل عيسى النوشريّ على ما كان عليه. ووشي بابن الخليج فهجم عليه وأخذ وقتل. وكانت ولايته سبعة أشهر وعشرة أيام. ثم دخل فاتك الفسطاط، وخرج إلى العراق في أول سنة خمس وتسعين ومائتين. والنوشريّ متوليا على مصر من قبل الخلافة.
<وقيل إنّ ابن الخليج حمل إلى العراق. وأبو زنبور على الخراج. وفيها ولي أبو عبيد علي بن حربويه القضاء بمصر من قبل المكتفي بالله.>
стр. 2315
ذكر سنة خمس وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأحد عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين إلى أن توفّي في هذه السنة في تاريخ ما يذكر.
فيها توفي إسماعيل الساماني ببخارى-وهي كرسي مملكته ومملكة بنيه- لأربع عشرة ليلة خلت من صفر من هذه السنة؛ فكانت مدة مملكة بخراسان وماوراء النهر ثماني سنين وأشهرا ولمّا توفّي لقّب بعد وفاته بالماضي؛ وكذلك عادة أهل خراسان في ملوكهم السامانيّة أن يلقّبوهم بعد وفياتهم. وكان إسماعيل كبير اللحية، عظيم الهامة، أبيض اللون. وكان محبّا في العلماء حليما، كريما، يعمل الأسمطة كلّ يوم للفقهاء وأرباب الحديث، ويجالسهم على الموائد؛ فإذا انتظم على كلّ مائدة أهلها حمل بين يديه كرسيّ يوضع له على كلّ مائدة فيجلس عليه ويأكل معهم فكان إذا (٢٦٦) جلس على مائدة وقام عنها سأله أهل الموائد الباقون أن يجلس عندهم إدلالا منهم عليه، ووثوقا بحلمه وكرمه.
следующие страницы →