Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين، وعمّال مصر من قبل الخلافة بحالهم.
ذكر سبب انتقاض أمر الطولونيّة من مصر
وذلك أنّ المكتفي بالله لمّا أنفذ محمد بن سليمان في جيوش العراق قارب دمشق والوالي بها يومئذ بدر الحمّاميّ من قبل هارون بن خمارويه فكتب إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة ثم تلقّاه هو والحسين بن أحمد الماذرائي. وكتب محمد بن سليمان إلى دميانة وهو عامله على المراكب يأمره بالسير إلى فلسطين وعليها يومئذ وصيف بن صوارتكين عاملا لهارون بن خمارويه فالتقى مع دميانة فكسره دميانة ووصل تنّيس فملكها، وتقدّم نزل بالدميرة. وجرت خطوب وحروب وأمور يطول شرحها. وآخر الأمر أنّ أصحاب هارون تفرقوا عنه وعاد في نفر يسير، وتشاغل باللهو والطرب فاجتمع عمّاه وهما عمارة وشيبان وأتاهما أخاهما أيضا المسمّى بعديّ-وهؤلاء أبناء أحمد بن طولون (٢٦٣) -واتّفقوا على قتل ابن أخيهم هارون بن خمارويه فذبحوه وهو ثمل من
стр. 2312
شرابه في تاريخ ما تقدم من ذكره؛ وعمره يومئذ اثنان وعشرون سنة. وكانت مدة ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر. ثم بويع لعمّه شيبان. وبلغ ذلك طغج مع جماعة من وجوه القوّاد فاتّفقوا وكتبوا إلى الحسين بن حمدان، وأخبروه بقتل هارون، وكاتبوا أيضا لمحمد بن سليمان وطلبوا الأمان وحرّكوه على المسير فدخل محمد بن سليمان إلى مصر وحبس شيبانا بعين شمس فقفز عسكره إلى محمد بن سليمان، وطلب شيبان الأمان، وخرج من الفسطاط؛ فكانت ولايته اثنين وعشرين يوما. ثم دخلها محمد بن سليمان الكاتب فأمر بإحراق القطائع فأحرقت، ونهب أصحابه الفسطاط ثم ركب بعد ذلك بنفسه، وطمّن قلوب الناس، وأطلق من في السجون، وسار سيرة حسنة، ودعا من الغد لأمير المؤمنين المكتفي بالله على المنابر، وولّى طغج بن جفّ على قنّسرين مضافا إلى دمشق. ثم أخرج بني طولون وهم يومئذ عشرون نفرا، وأخرج جميع قوّاد ابن طولون ومواليهم وأتباعهم ومن كان يلوذ بهم ولم يترك بمصر منهم أحدا.
نكتة: قيل إنّ أحمد بن طولون لما كان متملّكا مصر رأى في منامه أنّ شخصا يكنس داره فقصّه على القاضي بكّار ﵀ فقال: تعرفه؟ قال: إذا رأيته عرفته! قال: فاجمع لي سائر أصحابك واعرضهم عليّ! فجمع أصحابه وعرضهم فلم ير ذلك الشخص الذي رآه في المنام فقال القاضي: هل بقي من أحد؟ فقيل: لم يبق غير كاتب وهو في المطبخ! فقال: أحضره! فلمّا رآه ابن طولون قال: هو هذا! فسأله: ما اسمك؟ قال: محمد بن سليمان! فقال (٢٦٤) ابن طولون: ما تقول يا قاضي؟ فقال القاضي: إذا أراد الله تعالى أمرا يأتيه! فقال ابن طولون لذلك الكاتب: أخرج من هذه البلدة وإن رأيتك بعدها قتلتك!
стр. 2313
فخرج على وجهه إلى أن أتى بغداد؛ فكتب وعاشر الناس ونفق عند الرؤساء واتصل بالوزراء إلى أن بلغ ما بلغ وعاد إلى مصر فكنس ذرّية بني طولون وأجلاهم عن مصر.
ثم ورد كتاب بتولية عيسى بن محمد النوشريّ فدخلهما في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وخرج محمد بن سليمان بذرّية آل طولون طالبا للعراق فلما كان بدمشق اجتمع الناس من المصريين على محمد بن الخليج وانضمّ إليهم خلق كثير ممن كره مفارقة مصر وبايعوه بالإمرة عليهم وادّعى أنه من سليم، وخرج بالناس طالبا مصر فبلغ عيسى النوشريّ ذلك فخرج بمجموعه لملتقاه فكانت منهما ثلاث وقعات في هذه السنة وهي سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وانكسر النوشريّ ودخل ابن الخليج الفسطاط وعاد إليه النوشريّ فكان بينهما وقائع يأتي ذكر ملخّصها في ذكر سنة أربع وتسعين إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة أربع وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.
стр. 2314
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين. ودخل ابن الخليج الفسطاط في شهر صفر من هذه السنة فأقام بها صفر وربيعين ثم بلغه مسير عيسى النوشريّ ودميانة في المراكب، ونزل فاتك النويرة من عمل صعيد مصر وصحبته بدر الحمّاميّ فقصدهم ابن الخليج وسار ليلا ليكبس على فاتك (٢٦٥) فضلّ في الطريق لما يريده الله ، وأصبح صبحهم دون النويرة، ونذر بهم فاتك فبدرهم وانكسر ابن الخليج وانهزمت أصحابه، وثبت هو بنفسه في جمع يسير ثم كثر عليه أصحاب فاتك فانهزم حتى دخل الفسطاط فاستتر عند شخص يقال له ثويل. ودخل دميانة في مراكبه الفسطاط ودخل عيسى النوشريّ على ما كان عليه. ووشي بابن الخليج فهجم عليه وأخذ وقتل. وكانت ولايته سبعة أشهر وعشرة أيام. ثم دخل فاتك الفسطاط، وخرج إلى العراق في أول سنة خمس وتسعين ومائتين. والنوشريّ متوليا على مصر من قبل الخلافة.
<وقيل إنّ ابن الخليج حمل إلى العراق. وأبو زنبور على الخراج. وفيها ولي أبو عبيد علي بن حربويه القضاء بمصر من قبل المكتفي بالله.>
стр. 2315
ذكر سنة خمس وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأحد عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المكتفي بالله أمير المؤمنين إلى أن توفّي في هذه السنة في تاريخ ما يذكر.
فيها توفي إسماعيل الساماني ببخارى-وهي كرسي مملكته ومملكة بنيه- لأربع عشرة ليلة خلت من صفر من هذه السنة؛ فكانت مدة مملكة بخراسان وماوراء النهر ثماني سنين وأشهرا ولمّا توفّي لقّب بعد وفاته بالماضي؛ وكذلك عادة أهل خراسان في ملوكهم السامانيّة أن يلقّبوهم بعد وفياتهم. وكان إسماعيل كبير اللحية، عظيم الهامة، أبيض اللون. وكان محبّا في العلماء حليما، كريما، يعمل الأسمطة كلّ يوم للفقهاء وأرباب الحديث، ويجالسهم على الموائد؛ فإذا انتظم على كلّ مائدة أهلها حمل بين يديه كرسيّ يوضع له على كلّ مائدة فيجلس عليه ويأكل معهم فكان إذا (٢٦٦) جلس على مائدة وقام عنها سأله أهل الموائد الباقون أن يجلس عندهم إدلالا منهم عليه، ووثوقا بحلمه وكرمه.
стр. 2316
ولمّا مات قام بالمملكة السامانيّة ولده إحمد بن إسماعيل الشهيد الثاني من ملوك السامانيّة. وكنيته أبو نصر أحمد بن إسماعيل، وباقي نسبه قد تقدّم ذكره. ولمّا مات أبوه بويع له ببخارى وكان عمّه إسحاق بن أحمد بسمرقند فسوّلت له نفسه أخذ المملكة بعد أخيه إسماعيل فبادر في جيش كثيف فلم يشعر إلاّ بأحمد ابن أخيه قد وصل ودخل عليه القصر. فلمّا رآه بادر إليه وعمل عزاء أخيه وبكيا وأقاما كذلك ثلاثة أيام. وعزم على القبض على أحمد ورتّب له جماعة على باب قاعة من القصر أعدّها لحبسه، وأمرهم أنّ أحمد إذا جاء في اليوم الرابع ليدخل عليه يقولون له إنه في تلك القاعة فإذا دخلها بادروا إليه بالتقييد. فمضى بعضهم ممن كان لأحمد عنده صنيعة وأخبره الخبر ووصف له القاعة المذكورة، وبكّر أحمد وقد اعتدّ في خاصّته فلمّا دخل القصر بادر الغلمان الموصوفون وأخبروه أن عمّه في تلك القاعة فأبى دخولها وتمّ إلى قاعة الجلوس فوجد عمّه بها وهو ينتظر وصول البشارة بتقييده. فلمّا رآه أبلس فتقدّم إليه أحمد وأمر بالقبض عليه وعلى الغلمان وإحضار القيود المعتدّه له فقيّده بها وسائر غلمانه، وولي على سمرقند ثم عاد إلى بخارى فحبس عمّه ثم رضي عليه بعد مدة وأخذ عليه البيعة وردّه إلى سمرقند واستقرّ.
<توفّي المكتفي بالله ﵀ في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائة، وله إحدى وثلاثون سنة وشهور. خلّف في بيت ماله من الذهب ستّ عشرة ألف ألف دينار، ومن الورق ثلاثون ألف ألف درهم.
صفته: أسمر، أعين، حسن الوجه، ربعة، وافر اللحية، أسود الشعر لم يشب.
стр. 2317
وزراؤه: القاسم بن عبيد الله بن سليمان إلى أن مات سنة إحدى وتسعين، ثم العباس بن الحسين بن أيّوب.
حجابه: خفيف السمرقندي ثم سوسن مولاه.
نقش خاتمه: اعتمادي على من خلقني. وقيل: عليّ يتوكّل على ربّه.
وقيل: بالله عليّ بن أحمد يثق>.
ذكر سنة ست وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأحد عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. (٢٦٧)
ما لخّص من الحوادث
فيها بويع أبو الفضل جعفر بن أحمد المعتضد وتلقّب بالمقتدر غرّة المحرّم من هذه السنة. وقيل إنه بويع لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وقيل: من ذي القعدة سنة خمس وتسعين؛ والله أعلم. أمّه أمّ ولد صقليّة يقال لها شغب، وكان الأمر لها في خلافة ابنها وهو يتدبّر بها. وكان سنّه حين ولي الخلافة ثلاث عشرة سنة وشهران بعهد من أخيه المكتفي بالله.
стр. 2318
وخلع في شهر ربيع الأول سنة ستّ وتسعين بعد بيعته بأربعة أشهر، وبويع عبد الله بن المعتزّ فلم يتم أمره غير يوم أو بعض يوم، وانتقض يويه وعاد المقتدر لولايته.
ذكر عبد الله بن المعتزّ بالله وقصته ولمع من أخباره وأدبه وأشعاره
<هو أبو العباس عبد الله بن محمد المعتزّ بالله. أمّه أمّ ولد اسمها حائن.
وهو الخليفة الذي قام يوما أو بعض يوم وانتقض أمره. قال صاحب كتاب الوزراء إنه كان سبب بيعة المقتدر بالله، وتخلية البيعة عن ابن المعتزّ ما أشار به أبو الحسن بن الفرات على الوزير أبي العبّاس لما كانوا يعلمون من عبد الله بن المعتزّ وتجند الأمور ولأجل أنّ المقتدر يوم ذاك طفل ليكونوا المتصرفين بغير منازع، فصحّ لهم ما طلبوه من ذلك حتى قتل أبو العباس الوزير ووزر ابن الفرات، وكان الغالب على الأمور النساء وسمّوا السادة وهنّ السيّدة أمّ المقتدر، وحاط ودستنبويه أمّ ولد المقتدر، والقهرمانة ثمل>.
كان عبد الله بن المعتزّ ﵀ غزير الروية كثير الأدب، راو من كلّ فنّ، جامع بلاغة النثر إلى رقّة الشعر. فمن كلامه في الحكمة قوله: البشر دالّ على السخاء كما يدلّ النور على الثمر. وقوله: إذا اضطررت إلى الكذاب فلا تصدّقه ولا تعلمه أنك تكذّبه فيتنقل عن ودّه ولا ينتقل عن طبعه. وقوله: كما أنّ الشمس لا يخفى ضوؤها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبي لا يخفى
стр. 2319
غزير عقله وإن كانت مغمورة بأخلاق الحداثة. وقوله: كرم الله لا ينقض حكمته؛ وكذلك لا يعجّل الإجابة في كلّ دعوة كما أنّ السيف جلاه أهون من طبعه كذلك استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره. وقوله: إذا استرجع الله تعالى مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. وقوله: لولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب. وقوله: الحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ (٢٦٨) جزيلة منها ثواب مدّخر وتطهير من ذنب وتنبيه من غفلة وتعريف بقدر النعمة ومرور على مقارعة الدهر.
ومن نثره الجاري في باب المرقص قوله: الأرض عروش مختالة في حلل الأزهار، متوّجة بأكاليل الأشجار، موشّحة بمناطق الأنهار. والجو خاطب لها قد جعل يسير بمخصرة البرق ويتكلّم بلسان الرعد، وينثر من القطر أبدع نثار.
وكان أحمد بن سعيد يؤدّبه في صغره فتحمّل البلاذري على قبيحة أم المعتز بقوم سألوها أن تأذن له أن يدخل على ابن المعتز وقتا من النهار فأجابت أو كادت تجيب؛ قال أحمد بن سعيد: فلمّا اتّصل الخبر بي جلست في منزلي غضبا لما بلغني من ذلك فكتب إليّ ابن المعتزّ وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة يقول (من البسيط):
أصبحت يا ابن سعيد حزت مكرمة ... عنها يقصّر من يحفى وينتعل
سربلتني حكمة قد هذّبت شيمي ... وأجّجت نار ذهني فهي تشتعل
أكون إن شئت قسّا في بلاغته ... أو حارثا وهو يوم الحفل يرتجل
وإن أشأ فكزيد في فرائضه ... أو مثل نعمان لمّا ضاقت الحيل
أو الخليل عروضيا أخا فطن ... أو الكسائيّ نحويا له علل
تعلو بداهة ذهني في مراكبنا ... كمثل ما عرفت آبائي الأول
стр. 2320
وفي فمي صارم ما سلّه أحد ... من غمده فدرى ما العيش والجذل
عقباك شكر طويل لا نفاد له ... تبقى معالمه ما أطّت الإبل
قسّ الذي ذكره هو قسّ بن ساعدة الإياديّ وقد سمع النبيّ ﷺ كلامه وتعجّب منه-وقد ذكرناه في أوّل جزء من هذا الكتاب.
والحارث هو الحارث بن حلّزة اليشكريّ ووصف ارتجاله يوم فخره بقصيدته (٢٦٩) التي أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أوّلهما (من الخفيف):
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثواء
وزيد هو زيد بن ثابت الأنصاريّ ﵁ وإليه انتهى علم الفرائض. ونعمان هو أبو حنيفة نعمان بن ثابت ﵁ رئيس أهل العراق في الفقه. والخليل هو الخليل بن أحمد الفراهيديّ ويقال الفرهوديّ منسوب إلى حيّ من الأزد. والكسائيّ هو عليّ بن حمزة الكسائيّ الكوفيّ النحويّ، وكان مؤدّب الأمين والمأمون.
ومن كلام ابن المعتزّ: الكتاب فاتح الأبواب، جريء على الحجّاب، مفهم لا يفهم وناطق لا يتكلّم، به يشخص المشتاق إذا أقعده الفراق. والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، يسكت واقفا وينطق سائرا على أرض بياضها مظلم وسوادها مضيء. كأنه يقبّل بساط سلطان أو يفتح نوار بستان.
ومنها كقوله منظوما في القاسم بن عبيد الله؛ قال الصولي: لمّا عرض القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب خطّه على المعتضد ليخلف أباه؛ قال ابن المعتزّ (من الخفيف):
стр. 2321
قلم ما أراه أم ملك يج ... ري بما شاء قاسم ويشير
خاشع في يديه يلثم قرط ... اسا كما قبّل البساط شكور
ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم حت ... ف وعيش تضمّ تلك السطور
نقشت في الدجى نهارا فما أد ... ري أخطّ فيهنّ أم تصوير
هكذا من أبوه مثل عبيد اللّ ... (م) هـ يسمو إلى العلى ويصير
<وقال أيضا في أبيه عبيد الله بن سليمان بن وهب (من الطويل):
عليم بأعقاب الأمور كأنّه ... بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا>
(٢٧٠) وعبد الله بن المعتزّ إمام المشبّهين. ووقع له في تشابيهه من المعاني المبتكرة ما فاق بها على من تعلّق بالتشبيه؛ فمن ذلك قوله (من البسيط):
سقى الجزيرة ذات الظلّ والشجر ... ودير عبّدون هطّال من المطر
فطال ما نبهتني للصبوح به ... في غرّة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدارع نعّارين في السحر
مزنّرين على الأوساط قد جعلوا ... فوق الرؤوس أكاليلا من الشجر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يطبق جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتّى استقاد له ... طوعا وأسلفني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فبتّ أفرش خدّي في التراب له ... ذلا وأسحب أذيالي على الأثر
стр. 2322
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... شبه القلامة قد قدّت من الظفر
وكان ما كان ممّا لست أذكره ... فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
وله من التشابيه الداخلة في المرقصات قوله (من الطويل):
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب
فما زلت في ليلين بالشعر والدجى ... وشمسين من خمر ووجه حبيب
وله من ذلك أيضا (من الوافر):
وفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح متّهم الطلوع
كأنّ بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدّأ الدروع
وله في تشبيه الهلال أيضا وهو هلال الفطر يقول (من الكامل):
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... فالآن فاغد إلى الشراب وبكّر
وانظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر (٢٧١)
وله في تشبيه البنفسج ما هو داخل في باب المرقص قوله (من البسيط):
بنفسج جمّعت أوراقه فحكت ... كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت
كأنّه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت
وقوله (من البسيط):
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهم ... حتّى توقّد في ذيل الدجى الشفق
стр. 2323
وله (من الوافر):
كأنّ سماءنا لمّا تجلّت ... خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل نداه ... تفتّح بينه نور الأقاحي
وقد ضمّنت كتابي الذي وسمته بالمذاكرة والمفاخرة وآداب المعاشرة جملة كبيرة من تشابيهه البديعة ممّا يغني <؟؟؟ > إعادتها هاهنا، وتخرج عن الغرض في التاريخ. وله من التصانيف عدة كتب نفيسة. وكان يقول: ولو قيل لي ما أحسن شعر تعرفه؟ لقلت قول العباس بن الأحنف (من البسيط):
قد سحّب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدري أنّه صدقا
وهذا الشعر أيضا من أعلى المرقصات طبقة. ولنعد الآن إلى سياقة التاريخ بحول الله تعالى ومعونته.
وذلك أنه لمّا ولي المقتدر بالله دبّر الأمور الوزراء والكتاب، وغلب على أمرهم النساء والخدم حتّى أنّ جارية لأمّه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للمظالم وتحضرها الفقهاء والقضاة. وكان الوزير العباس بن الحسن فأساء
стр. 2324
السيرة، وتعاظم في نفسه، وامتنع، وحجب نفسه عن الناس، وزاد كبره على القوّاد فاجتمع القوّاد والحاشية ووثبوا عليه فقتلوه وبايعوا لعبد الله بن المعتزّ بعد خلعهم للمقتدر بالله. وكان الذين قاموا بهذا الأمر الحسين بن حمدان ومحمد بن داود بن الجراح مع جماعة (٢٧٢) من القواد وقالوا إنّ المقتدر غير بالغ وإنّ إمامته لا تجوز! فخلعوه وبويع عبد الله بن المعتزّ، ولقّب المرتضى بالله؛ وذلك يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ست وتسعين ومائتين. ثم اضطرب أمره وضعف ثاني يومه لمّا أراد الانتقال إلى دار الخلافة دارت عليه الدائرة، وغلبت عليه حرفة الأدب، وحاربه غلمان المقتدر بمعونة العامة لهم فهزموا أصحاب ابن المعتزّ حتى تهاربوا. وهرب ابن المعتزّ واستتر عند أبي عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بالجصّاص التاجر الجوهريّ فوشي به فقبض عليه بعدما أعيدت البيعة للمقتدر بالله، وسلّم ابن المعتزّ لمؤنس الخادم فأخرج ميّتا من دار السلطان يوم الخميس لليلتين خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وسلّم إلى أهله فدفن في خراب بإزاء داره وله خمسون سنة. ولمّا مات رثاه عليّ بن بسّام فقال (من البسيط):
لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوّ ولا لولا فينقصه ... وإنّما أدركته حرفة الأدب
وفي هذه السنة ظهر عبيد الله المهديّ بالمغرب وأخرج الأغالبة الآتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في الجزء المختص بذكر العبيديين وهو الجزء التالي لهذا الجزء.
стр. 2325
وفيها قتل أبو سعيد القرمطي المعروف بالجنابي الآتي ذكره أيضا في ذلك الجزء إن شاء الله تعالى وأوصى لولده سعيد.
وفيها قام بأمر دولة الصفّاريّة الليث بن علي بن الليث ابن أخي عمرو الرابع من الصفارية. وذلك أنه لمّا اشتغل طاهر بن محمد بن عمرو باللهو والصيد خرج عليه الليث (٢٧٣) بن علي بن الليث ابن عم أبيه في هذه السنة فأخرجه من سجستان فسار إلى بلاد فارس هو وأخوه يعقوب بن محمد فثقل على سبكري مقامهما فحدّث نفسه بالقبض عليهما، وبتقلّد أعمال فارس من قبل الخلافة فكاتب الوزير أبا الحسن علي بن الفرات فقلّده ونقل إليه الكتاب فقرأه عليهما فاستكبرا ذلك واستمالا جماعة من القوّاد وخرجا عن البلد وخرج سبكري إليهما فهزماه ومرّ إلى داره، وتشاغل أصحابهما بالنهب فكرّ عليهما سبكري فقبض عليهما وبعث بهما إلى بغداد وسأل أن لا يشهرا فأدخلا في عمارية مكشوفة مقيّدين وعليهما ثياب بياض. وأعظم الناس ما فعله سبكري ولعنوه. وكانت مدّة ولاية طاهر بن محمد نحو من عشر سنين. وكان قد غلب الليث بن علي على سجستان حسبما ذكرناه فاستخلف عليها أخاه المعذّل بن الليث، وسار إلى بلاد فارس فهرب السبكري بين يديه إلى رامهرمز وأرّجان وطلب النجدة من السلطان فجرّدت الجيوش من بغداد في شهر رمضان من هذه السنة، وقدّم مؤنس المظفّر عليها، وانضمّ إليه بدر الكبير والحسين بن حمدان، واجتمعوا بالسبكري، والتقوا مع الليث بن علي بن الليث فكسروه وانهزم جيشه وأسروه وأخوه محمد وابنه إسماعيل بن الليث وابن عمّه الفضل. واستقرّ مؤنس ببلاد فارس وولاّها السبكري بعد أن أمره الخليفة بذلك. وقيل إنه لم يولّ
стр. 2326
السبكري حتّى أخذ منه مائة ألف دينار. ووصل مؤنس وصحبته الأسرى في المحرّم سنة سبع وتسعين ومائتين، وشهّر الليث بن علي بن الليث على فيل؛ وكان لدخوله يوم عظيم. فكانت مدّة مملكة الليث بن علي نحو من سنة. والله أعلم. (٢٧٤)
ذكر سنة سبع وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون أصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتوفّي النوشري بمصر ووليها تكين من قبل الخلافة.
فيها خرجت الترك الخرجة التي لم تكن قبلها ولا بعدها نظير لها! وذلك أنّهم اجتمعوا في أربعة مائة ألف وقصدوا بلاد المسلمين وتفرّقوا أربع فرق؛ فرقة مائة ألف إلى بخارى ومائة ألف إلى خوارزم ثم انقسموا أيضا فتوجّهت خمسون ألفا إلى سمرقند، وخمسون ألفا أيضا إلى أسبيشاب، وخمسون ألفا إلى الشاش، وخمسون ألفا إلى فارياب؛ وقبضوا على التجار الذين كانوا في بلادهم واسترقّوهم. ولمّا بلغ السلطان أحمد بن إسماعيل الساماني ذلك تجمّع إليه المشايخ والعسكرية والمطوّعة ودخلوا عليه فوجدوه باكيا فأخذوا في تسليته
стр. 2327
فقال: والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا خوفا على انتزاع الملك ولكن على المسلمين الذين أسروا واسترقّوا. ثم نظر إلى صاحب جيش المطوّعة-وهو عبد الله بن عبيد الضبي-وقال له: كأنّي بك تقول: إنّ هذا يحتاج إلى خلق والناس مستورون وليس لهم عدّة؛ فأحضر الرجّال ولكّ الأموال والخيول والعدد! فخرج وجمع الناس. ثم إنّ الله كفى الأمر على يد الفقيه أبي بكر ابن الأزهر البخاري-وكان يعدّ بألف-فخرج بأربعمائة فارس ممّن رغب في الشهادة، وأن يكون فداء المسلمين؛ ومعهم (٢٧٥) مائة راجال على سبيل الكشف لأخبار الترك فيسّر الله عليهم إحراق العسكر القاصد إلى بخارى! وذلك أنهم نزلوا واديا في برية الفضاء-وهذه برية مسافة أيام جميعها ملتفّة بشجر العضاه فوقعت السرية عليهم ليلا والترك قد اجتمعوا في واد وقد تكاثفت عليهم أشجاره فأمر النفّاطين بإطلاق النار فأحاطت بهم. وأرسل الله عليهم الرياح العواصف فلم يسلم منهم أحد؛ وكان هذا مما يتعجّب منه. وأمّا قاصدو خوارزم فإنهم حصل لهم من أهلها أسرى لا يحصرهم العدد كثرة فعادوا بهم فلمّا فرغت السرية من العسكر القاصد بخارى عزموا على الرجوع فأشار عليهم أحد شيوخ المطوّعة وهو أبو أحمد أن يقصدوا العسكر القاصد خوارزم لعلهم يجدون فرصة لتخليص الأسرى! فساروا فوجدوا الترك قد عادوا عن خوارزم مسافة ثلاثة أيام لم ينزلوا ثم نزلوا فسار المطوّعة وكمنوالهم عن قريب منهم.
وخرج ابن الأزهر ومعبد ودخلا عسكر الترك وقصدا مجتمع الأسرى فوقعا فيهم وكلّماهم فانتبه الأسرى فأخبراهم أنّهما من أهل بخارى وعرّفاهم مكان السريّة وأطلقا منهم رجالا. وعاد بعضهم يحفّ بعض، ورسم لهم ابن الأزهر أن يثوروا على الترك من وسطهم إذا ضرب السريّة الطبول. وخرج ابن الأزهر ومعبد إلى السريّة وفرّقاها أربع فرق، وضربت الطبول من أربع جوانب العسكر فما نبّه الترك إلاّ أصواتها، وتفرّق عليهم أهل خوارزم بكثرتهم فلم يخرج أحد
стр. 2328
إلاّ قتلوه فلم ينج منهم إلاّ اليسير. وأمّا أهل أسبيشاب وفارياب والشاش فإنّ الله تعالى نجّاهم بزيادة نهر الشاش. (٢٧٦)
ذكر سنة ثمان وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين على مصر مستقلا من جهة الخلافة.
فيها دعي للمهدي على منابر رقّادة، وعظم أمره بالمغرب. وكان ذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة.
وفيها قام بأمر الصفّاريّة معذّل بن عليّ بن الليث الخامس من الصفّارية.
وتغلّب على سجستان عند مقتل أخيه. فسار إليه أحمد بن إسماعيل السامانيّ ملك خراسان في خمسة عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل ووصل إلى نيسابور فاستقرّ بها وبعث الحسين بن علي المعروف بابن مسكين وبأخي صعلوك في سبعة آلاف فارس وثمانية آلاف راجل إلى سجستان وترك عنده بنيسابور باقي الجيش. فنزل الحسين على سجستان وحاصرها سنة فضاق بالعامة الأمر وتخوّف بنو الليث فعزموا على الهرب إلى ناحية بست والرخّج- وهما من سجستان-وهراة مما يلي السند. فخرجوا من باب الحصن، ورأى معذّل بن علي أن يستأمن فاستأمن إلى الحسين وهرب أخواه وهما محمد بن
стр. 2329
علي بن الليث والحسين بن علي بن الليث. وبعث الحسين بن علي في أثرهما بأبي جعفر ابن الحسين الأسبيشابي فظفر بالحسين ونجا محمد. ثم سار الحسين أخو صعلوك إلى نيسابور وقد فتح سجستان. وقلّدها أحمد بن إسماعيل لابن عمه أبي صالح منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد السامانيّ، وضمّ إليه ألف فارس. فكانت مملكة معذّل بن علي نحوا من سنتين. (٢٧٧)
ذكر سنة تسع وتسعين ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة إذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين على مصر بحاله. وفيها سقط ببغداد ثلج عظيم وبرد قتل حيوانا كثيرا.
فيها انقرضت الدولة الصفّارية. وسبب ذلك أنّه قام بالأمر فيهم بعد المعذّل سبك السبكري السادس منهم. وكان مؤنس عند أسره الليث بن علي بن الليث ولّى السبكري بلاد فارس-حسبما تقدّم من الكلام فيه-فقصّر السبكري في الطاعة وامتنع من كثير مما اشترط عليه. فندب الوزير ابن الفرات وصيفا غلام الموفّق لحربه فسار إليه من مدينة السلام في جيش كثيف. وكتب إلى بدر الحمّامي الكبير عامل إصبهان، وإلى الحسين بن حمدان وهو يومئذ عامل قم؛ بمؤازرة وصيف على حرب السبكري. فاجتمعوا وكاتبوا قوّاد السبكري فأجابهم إسحاق بن شروين الطبري وأحمد بن قادويه وجوجور التركي وهؤلاء كانوا أركان عسكره. فلمّا وصل وصيف إلى شيراز أخرج السبكري على مقدّمته
стр. 2330
جوجور التركي فاستأمن جميع من كان معه. وصافّ السبكري وصيفا على باب شيراز فانهزم السبكري بعد مخامرة قوّاده المذكورين، وهرب إلى كرمان وأسر القتّال. وملك وصيف بلاد فارس ثم كتب الوزير ابن الفرات إلى منصور بن إسحاق الوالي بسجستان من قبل أحمد بن سامان يأمره بالجدّ في طلب السبكري. ثم دخل وصيف (٢٧٨) ومعه القتّال إلى بغداد في هذه السنة، وشهّر القتّال على فيل. ثم إنّ منصور بن إسحاق والي سجستان تتبّع السبكري حتّى أخذه أسيرا. وقد كان محمد بن عليّ بن الليث عند انهزامه مضى إلى بست والرخّج وتغلّب عليهما فبعث إليه أحمد بن إسماعيل بجيش فأسره وحمله مع السبكري وجماعة من بقيّة آل الصفّار إلى الحضرة. وحمل السبكري ومحمد بن علي بن الليث على فيلين، وكان دخولهما يوما مشهودا. وانقطعت دولة بني الصفّار.
ذكر سنة ثلاثمائة هجريّة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وإصبع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين بمصر مستمرّ.
فيها قام بالدولة العلويّة الناصر للحقّ الحسن بن علي. لمّا قتل محمد بن زيد-حسبما ذكرناه-وولي الأمر إسماعيل بن أحمد السامانيّ ولّى محمد بن
стр. 2331
هارون طبرستان وأمره بقتال من وجده من العلويّة. فهربوا في البلاد. وكان الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب-﵈ وعلى الصالحين من ذرّيتهم-شيخا من شيوخ الزيديّة شديد الصحبة لمحمد بن زيد، وكان قد دخل خراسان سرا يدعو إليه الناس فعلم به فجرت عليه مكاره أدّت إلى ثقل سمعه، وتهيأ له أن هرب من السجن وعاد إلى محمد بن زيد وشهد الحرب التي قتل فيها. فلمّا وقع عليه الطلب وعلى أمثاله من العلويين هرب ودخل إلى بلاد الديلم وأقام عند ملكهم جستان بن وهسودان (٢٧٩) المرزبان فأكرمه وأنزله. فأخذ يدعو الديلم إلى الإسلام فأسلم جمهورهم. وجعل ينتقل في قراهم ويدعوهم. ثم دخل إلى بلاد الجيل ودعاهم فأسلم أكثرهم ووقفت دعوته على حدّ النهر <المعروف> بإسبادرود. فاجتمع أهل دعوته عليه وعاد من بلاد الجيل في جمع. فلمّا دخل بلاد الديلم وجده الملك جستان على خلاف ما فارقه عليه لأنه فارقه على أنّه معلّم يدعو الناس لا طالبا للمملكة! فمنعه جستان من الأعشار والصدقات فوقع بينهم حرب انهزم فيها جستان وألجأه الأمر إلى مسالمة الناصر والدخول في طاعته. وأقام الناس بهوسم-وهي قاعدة مملكة الديلم-واتّفق أنّ محمد بن هارون السرخسي نائب الملك إسماعيل بن أحمد الساماني على طبرستان تخوّف منه فهرب واستأمن إلى الحسن. وتسلّم طبرستان وجرجان أبو العبّاس محمد بن علي المعروف بصعلوك الساماني؛ وكان في عسكر كثيف. واتّصل السرخسي بالناصر في عسكر جيّد فاستظهر به واجتمعا على لقاء صعلوك فاحتال عليهما صعلوك حتى افترقا بحيلة غريبة. ثم مضى السرخسي إلى
стр. 2332
نواحي الريّ ورجع الناصر إلى بلاد الديلم ولم يتمّ له أمر. ثم أنفذ كرة ثانية جيشا مع كاكي والحسن بن الفيروزان فهزمهما صعلوك وقتلا في الوقعة. ثم خرج الناصر بنفسه وسار إلى صعلوك. وكان مع الناصر كما ذكر المكثّر عشرة آلاف رجل من الديلم والجيل وأكثرهم رجّالة وعارين من السلاح. وكانت عدّة الخراسانية نيفا وثلاثين ألف رجل على غاية القوة والمنعة فانهزموا وقتل الديلم مقتلة (٢٨٠) عظيمة وألجأوهم إلى بحر طبرستان فكان من غرق أمثال من قتل.
قال صاحب كتاب الدول، وقال الصابي في الكتاب التاجي يقال إنّ المفقودين كانوا نيفا وعشرين ألفا. وقال حمزة بن الحسن الإصفهاني صاحب تاريخ إصفهان: كان المفقودون سبعة آلاف رجل، وكانت هذه الوقعة في سنة ثلاثمائة، واستقرّ أمر الناصر. والله أعلم.
ذكر سنة إحدى وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم اثنان وعشرون إصبعا بغير أذرع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع واحد.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين.
فيها قتل أحمد بن إسماعيل ملك خراسان. وكان سبب قتله كلام كثير ملخّصه أنّ ابن قارن صاحب جبل دنباوند استأمن إليه فأقام ببابه أياما كثيرة لم يصل إليه. فشكى ذلك إلى كندا تكين كنداجور الديلمي أحد قوّاد الملك أحمد
стр. 2333
فقال له: هل حملت إلى مشايخ البلد شيئا؟ فقال: لا! فقال: هذا سبب عدم وصولك! ثم دخل كندا تكين إلى أبي الحسن الكاتب وسأله كيف سبب التوصّل؟ فقال الكاتب: يحتاج إلى ستّة آلاف دينار ترضي بها مشايخ الباب! فمضى الديلمي وعرّف ابن قارن ذلك؛ فاقترض من التجّار ستّة آلاف دينار وسلّمها إليه فأوصلها كنداتكين إلى أبي الحسن الكاتب فأخذها وأوصل ابن قارن إلى الملك أحمد وقرّبه وأنزله وسرّ بمقدمه. ثم قال لأبي الحسن: تعرّف منه هل عوده إلى بلاده أحبّ إليه أم بقاؤه؟! فسأله أبو الحسن فاختار العود إلى بلاده فخلع عليه (٢٨١) خلعا تصلح للملوك، وحمل بين يديه عشر بدر، وقاد بين يديه عشرة أفراس بمراكب الذهب، وردّه إلى بلاده مكرّما، وكتب إلى أمراء الأعمال بإنزاله وإكرامه، وصرفه مكرّما شاكرا. فلمّا وصل مرو-وكان واليها يومئذ صعلوك المقدّم ذكره-فأنزله وأكرمه وسأله: كيف رأيت السيّد؟ قال: أمّا رؤيته فاشتريتها بستّة الاف دينار! قال: ممّن؟ قال: من أبي الحسن الكاتب! فكتب صاحب الخبر بذلك لوقته وابن قارن لا يشعر! فلمّا ورد الكتاب على الملك أحمد كتب من ساعته بردّ ابن قارن بحيث ما أدرك، وأن يترك كلّ ما معه يمضي إلى بلاده ويرجع في خمسة غلمان. ثم ركب أحمد بعد ذلك إلى صيد السبع بشاطئ جيحون. فأدرك الرسول ابن قارن بمرو بعد فرجع بهم إلى أحمد وهو في الصيد، فلمّا لقيه قال له أحمد: يا أبا منصور! رددناك وشغلنا قلبك! ثم قال له: ضع يدك على رأسى! فوضعها. فقال: أقسم بها كم غرمت على بابي؟! قال: ستّة آلاف دينار، ولو وصلت إليك بأولادي الستة لكان قليلا! قال:
ومن أخذها منك؟ فقال: أبو الحسن الكاتب! فجدّد له أحمد صلة أخرى، واستدعى أبا الحسن وقال: رجل غريب ترك نعمته من غير خوف ولا لنا في بلاده طمع، جاء إلينا بنفسه، وأهدى إلينا الهدايا الخطيرة تفعل معه ما فعلت؟! كأنك ما تذكر مجيئك إليّ ودرّاعتك ما تساوي ستّة دراهم! أنا لك بهذه إذا عدنا إلى بخارى. ثم اتّفق صيد السبع وعزم على العود فعلم أبو الحسن أنّه إن أصبح ودخل بخارى ناله بعقوبة وهلاك واستئصال نعمة، فعمل على قتله،
стр. 2334
وأجابه إلى ذلك الغلمان بعد أن وعدهم وحلف لهم (٢٨٢) أنّه يبايع لإسحاق بن أحمد عمّ أحمد بن إسماعيل ويزيدهم في أرزاقهم، ويجعل كلّ واحد من قوّادهم أميرا على بلد، وأمر الخازن وصاحب الكسوة بقتله وضمن لهما مالا جزيلا. فدخلا عليه في قبته وذبحاه فيها. ذكر الوزير أبو القاسم المغربي في أخبار خراسان أنه كان لأحمد بن إسماعيل أسدان داجنان يربضان على باب البيت الذي فيه مبيته كلّ ليلة فلا يتمكّن أحد أن يلمّ به، وأنّه تغافل تلك الليلة فلم يربضهما على باب القبّة فقتل. وكان قتله في سنة إحدى وثلاثمائة. فكانت مدّة ملكه سبع سنين وأشهرا. وكان من أجمل الناس صورة، وأحسنهم سيرة. ولمّا قتل لقّب بالشهيد.
أولاده: الأكبر أبو العباس الفضل، ويليه أبو الحسن نصر، وأبو زكريا يحيى، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو صالح منصور.
قام بالأمر بعده من ولده أبو الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل. لقّبه أصحابه في حياته بالمؤيّد، وبعد مماته بالسعيد. ذكر ذلك غرس النعمة في تاريخه. وجرى بعد قتلة أحمد بن إسماعيل أمور وحروب وأحوال يطول شرحها بين أبي الحسن وبين عمّ أبيه إسحاق بن أحمد. وآخر الأمر استقرّ الحال على استمرار أبي الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل في الملك إلى حين وفاته في تاريخ ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
<في هذه السنة ولد سيف الدولة ابن حمدان>.
стр. 2335
ذكر سنة اثنتين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
(٢٨٣) الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين بمصر. وعقد لأبي النمر أحمد بن صالح على برقة، وبعث معه جيشا فيه جمع كبير فسار أبو النمر إلى برقة في سنة ثلاثمائة وأنس بها، وفرض بها فروضا، وحسن أثر ولايته.
فلمّا كان في هذه السنة بعث إليه صاحب إفريقية حباسة بن يوسف رجلا من البربر من كتامة فجرت بينهما حروب وأمور كثيرة، وانهزم أبو النمر وتبعه حباسة وكان في مائة ألف أو يزيدون فدخل إسكندريّة. وقدمت الجيوش من الشرق معهم القاسم بن سليمان منجدة لأمير مصر تكين، وقدم معهم أحمد بن كيغلغ وأبو قابوس. وخرج تكين بجيوشه إلى الجيزة، وسار حباسة من الإسكندريّة، ونودي بالنفير في الفسطاط فلم يتخلّف أحد عن الخروج إلى الجيزة. ثم وافاهم حباسة بجيشه فالتقوا وكثرت القتلى بينهم، وقلّت رجال حباسة وقتلوا أشدّ قتل وانهزم الباقون، وركبت أهل مصر أكتافهم ومضوا على وجوههم ولم يفرّق بينهم إلاّ الليل. وكان لحباسة كمين فخرج على المصريين، وتحايت
стр. 2336
أصحابه، واضطرب العسكر المصري أشدّ اضطراب ثم أقاموا يومين ورجع المصريون إلى الفسطاط. ثم كانت بينهم وقعة ثانية انهزمت جيوش حباسة وقتلوا وهربوا إلى نحو المغرب لا يلوي بعضهم على بعض، وتمزّقوا كلّ ممزّق.
وفيها دخل الناصر العلويّ مدينة آمل. وكان لمّا دخل طبرستان وملكها فوّض أمر الجيش للحسن بن القاسم العلوي فاستبدّ بالأمر، واصطنع الرجال، ووسّع عليهم في العطاء. ثم قبض على الناصر وحبسه. فاستكبر (٢٨٤) الديلم هذا الفعل واجتمعوا وحضروا إلى القاسم وطالبوه به وبإخراجه، ووثب إليه ليلى بن النعمان وأخوه-وهما من أكبر القواد-وقالا: إن أفرجت عنه الساعة وإلاّ قتلناك! فأخرجه لهم وهرب إلى بلاد الجيل فأطاعوه وتلقّب بالداعي. فتكلّم الناس عند الناصر أن يردّه ويولّيه جيشه وعهده؛ وكان الناصر قد ولّى الجيش لليلى بن النعمان؛ فأجاب. وعاد الحسن بن القاسم فوفى له الناصر بذلك وزوّجه ابنة ولده علي بن الناصر. ولم تزل أمورهما مستقيمة إلى أن توفّي الناصر في سنة أربع وثلاثمائة حسبما يأتي من ذكره إن شاء الله.
وفيها ولد المتنبّي الشاعر المشهور.
وفيها توفّي الشاه بن ميكائيل ﵀.
стр. 2337
ذكر سنة ثلاث وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وعزل تكين عن مصر، وتولّى ذكاء الأعور الحرب، ومحمد بن علي الخراج. وعبيد الله المهدي صاحب المغرب بكماله؛ وفيها ابتنى المهديّة. وأبو الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل ملك خراسان وتوابعها. والناصر العلويّ بطبرستان وبلاد الديلم وتابعهما.
وفيها استوزر المقتدر حامد بن العبّاس. ومؤنس الخادم صاحب الجيش، وإليه رجوع الأمور.
стр. 2338
ذكر سنة أربع وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
(٢٨٥) الماء القديم سبعة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وذكاء الأعور على حرب مصر.
وصرف محمد بن عليّ عن الخراج وولّى عمّه الحسين بن أحمد.
وفيها تغلّب يوسف بن أبي الساج على الريّ وقزوين وطرد عنهما محمد بن عليّ صعلوك.
وتوفّي الناصر العلويّ في شعبان سنة أربع وثلاثمائة وعمره تسع وسبعون سنة. وكانت مملكته المستقيمة إلى حين وفاته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياما.
وهو الذي حرّر مذهب الزيديّة وألّف فيه. وكان يقول: بزر القزّ ليس بمال، والديلم ليسوا بعسكر! أمّا البزر فلأنه إذا أقبل الربيع صار بعوضا، وأمّا الديلم فلسرعة تنقّلهم من عسكر إلى عسكر! وكان يقول لأصحابه: من قتل منكم مقبلا فهو مؤمن، ومن قتل مدبرا فهو كافر! وإذا أتي بالجريح مقبلا نثر عليه الكافور المسحوق فيجد راحة ويسكن ألمه، وإذا كان مدبرا نثر عليه ملحا فيشتدّ ألمه
стр. 2339
فيقول له: قد بان لكم أنّ المؤمن ينتفع بالدواء لإيمانه، والكافر لا ينتفع به لكفره.
أولاده: أبو الحسن عليّ، وأبو القاسم جعفر، وأبو الحسين أحمد.
وقام بالأمر بعده في الدولة العلويّة الحسن بن القاسم الداعي. ولمّا مات الناصر لبس الحسن بن القاسم وليّ عهده القلنسوة ونعت نفسه بالداعي وكنّي بأبي القاسم. وبعث بجعفر وأحمد ولدي الناصر إلى جرجان لانتزاعها من أيدي الخراسانية فلقيهما دونها (٢٨٦) إلياس بن محمد بن ليسع الصغدي والي جيش خراسان على موضع يقال له تيماله. فلمّا اصطفّا برز بين الصفين ودعا إلى المبارزة فبرز إليه من جيش ولد الناصر بويه بن فناخسرو جدّ عضد الدولة فقتله وانفضّ جيش الخراسانية. فبعث إليهما بعد ذلك نصر بن أحمد السامانيّ جيشا عليه سيمجور الدواتي فلقياه بجلابين من سواد جرجان فهزماه فوقف غير بعيد وتجمّعت إليه الجيوش من الخراسانية كعادتهم في ذلك ثم كرّ راجعا عليهما فهزمهما أقبح هزيمة وقتل الديلم أفظع قتل، وانهزموا في مضائق ليأمنوا جولان الخيل ومعهم ولدا الناصر حتّى وصلوا جرجان فتجمعوا فيها وأخلوها قاصدين طبرستان. وقد اتّفق رأي الديلم على خلع الداعي فخلعوه وبايعوا أبا القاسم جعفر بن الناصر. ولمّا وصلا في جيوشهما لقيهما الداعي دون مدينة آمل فانكسر وولّى هاربا إلى بلاد الجيل. وملكا طبرستان مديدة ثم كرّ الداعي راجعا وقد احتشد فلقياه فهزمهما فمضيا إلى بلاد الجيل واحتشدا وعادا فحاربهما الداعي حربا شديدا ثم انهزم واستوليا على عسكره، وهرب وحيدا
стр. 2340
متنكّرا يريد بلاد الجيل واخترق بلاد الديلم فأسره بعضهم ثم منّ عليه وأطلقه فتمّ إلى بلاد الجيل فأقام عندهم. واتفق وفاة أبي الحسين وتلاه أخوه أبو القاسم بعده فبقي أمر الديلم بطبرستان بغير مدبّر فعقدوا عليهم لليلى بن النعمان فقام بأمرهم وهو يدعو للداعي إلى أن قتل بنيسابور قتله حمّويه بن عليّ صاحب جيش نصر بن أحمد السامانيّ؛ فعقدوا بعده لعليّ بن خرشيد فعاجلته المنية فعزموا على بلحسين (٢٨٧) بن كاكي فأشار عليهم بأخيه ماكان بن كاكي-وهو أشجع الديلم بالاتّفاق-فلمّا ولي عليهم اجتمع هو وأخوه على نصب أبي علي محمد بن أبي الحسين أحمد ابن الناصر فنصبوه فجرى على يديه قتل بلحسين بن كاكي بسارية؛ وكان أخوه ماكان بمدينة آمل. ثم سقط أبو علي المنتصب للأمر في الميدان فهلك. ولمّا اتّصل بما كان ما جرى على أخيه كاتب الداعي يستدعيه فوافى في عسكر كثيف واجتمع معه ماكان وملك البلد- أعني طبرستان-ثم سار إلى الريّ فملكها. وأقام الداعي بجرجان. وكانت في نفسه حفائظ على الديلم لنصرتهم عليه أولاد الناصر فعمل دعوة لهم وجعل يستدعي واحدا واحدا ويقتله إلى أن فطنوا لذلك فانهزموا إلى خراسان ودخلوا في طاعة نصر بن أحمد السامانيّ، وسوّدوا أعلامهم، وقدّموا على أنفسهم أسفار بن شيرويه الجيلي. وبعث معهم ابن أحمد جيشا كثيفا. وساروا فدخلوا جرجان، وسار الداعي منها إلى طبرستان ثم إلى الريّ، واجتمع بما كان وأمره أن يمضي إلى طبرستان لدفع أسفار عنها فعلم أنه لا طاقة له بذلك فقال له:
الرأي أن تمضي أنت فإنك الإمام! فاضطرّ الداعي إلى ذلك، ووقعت الحرب بينه وبين الخراسانية فانهزم جيشه وجرح ودخل آمل واستتر بها فتبعوا الديلم أثر دمه وأظهروه في الدار فوجدوه يصلّي فأجهزوا عليه. قتل يوم الثلاثاء لست بقين من شهر رمضان سنة عشرة وثلاثمائة.
ولمّا قتل الداعي ملك أسفار جرجان، وأبو موسى هارون بن بهرام
стр. 2341
طبرستان، وعادت الدعوة للملك نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني، وانقطعت دولة العلويّين.
(٢٨٨) ذكر سنة خمس وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذرعا وإصبعان.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وذكاء الأعور على حرب مصر.
وصرف الحسين بن أحمد عن الخراج وولي عليّ بن أحمد بن بسطام. وفيها كانت أراجيف بمصر بسبب المغاربة وقوّة حركتهم إلى الديار المصرية، ثم بطلت الأخبار واستقرّت الأحوال هذه السنة والتي بعدها.
ذكر سنة ست وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وذكاء بحاله. وورد كتاب من قبل الخلافة بصرف ابن بسطام وإعادة الحسين بن أحمد على الخراج. قيل إنه لمّا ولي ابن بسطام الخراج عوض الحسين بن أحمد قبض على الحسين وأولاده
стр. 2342
وجميع كتّابه وألزمهم بأموال جمّة، وتوعّد الحسين بالعقوبة، وفعل بألزامه وحاشيته وأولاده كلّ قبيح؛ والحسين يتضرّع إليه ويسأله وهو لا يزداد إلاّ تنمّرا.
فلما كان في أوّل هذه السنة أحضر الحسين بين يدي ابن بسطام وقرّعه وسفه عليه، وأحضر بعض حاشيته وخواصّه وضربه بالسياط قدّامه، ثم قدّم أحد بنيه وأمر بتجريده وقدّم له السياط وألزم بالأيمان التي لا فسحة له فيها متى لم يورد في ذلك النهار عشرة آلاف دينار (٢٨٩) أوقع الفعل ببنيه قدّامه ثم به نفسه.
فلمّا عاين الحسين بن أحمد ذلك قال: أصلحك الله! إنّ لي إليك سرّا بيني وبينك فإن رأيت أن تخليني بك فعلت! قال: فتوهّم ابن بسطام أن يعده بشيئ من المال لنفسه فقال: معاذ الله أني أقبل الرشوة على مال أمير المؤمنين، فلا تطمع نفسك مني بذلك! قال: فتناول عند ذلك الحسين من عمّته كتابا لطيفا وقال: لتقف على هذا الكتاب أصلحك الله، وتأمّل ما فيه سرّا في نفسك! قال:
فلمّا وقف عليه وجده جميعه بخطّ يد الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين بإعادة الحسين بن أحمد إلى منصبه وإيقاع الحوطة على ابن بسطام! فلم يملك نفسه دون أن وثب قائما يقبّل رأس الحسين وأطرافه وأجلسه ووقف مكانه بين يديه ورأسه بين رجليه لقرب عهده بما فعل به. قال؛ فنهض الحسين إليه وأجلسه إلى جانبه وقال: لا بأس عليك! إنّما أنت كنت مجتهدا في نصيحة أمير المؤمنين! ثم إنّه بالغ في كلّ ما تصل القدرة إليه من الإحسان ولم يسترفع منه ولا من كتّابه حساب تلك السنة التي وليها وزوّده من ماله بجملة كثيرة مع تحف ولطائف من دق تنّيس وغيرها، وشيّعه بنفسه إلى ظاهر الفسطاط. قلت: وهذه الواقعة فيها تنبيه من غفلة وتيقّظ من جهل.
стр. 2343
ذكر سنة سبع وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتوفّي ذكاء الأعور؛ وكان (٢٩٠) بالجيزة في مصافّ أبي القاسم عبد الله ابن صاحب إفريقية. وأعيد تكين الولاية الثانية.
وكان ابن صاحب إفريقية في مائة ألف عنان فأخذ الإسكندرية والفيوم والبهنسا وجزيرة الأشمونين. ووصل مؤنس الخادم من قبل الإمام المقتدر بالله بجيش كثيف فنزل الجيزة. ثم وافت من قبل عبيد الله المهدي مائة مركب حربيّة فيها ثمانين طريدة وعشرين عشاري فنزلوا رشيد. ثم وجّه الإمام المقتدر ثمل الخادم في خمسين مركب حربيّة والتقت المراكب فانكسرت المغاربة واحترق أكثرها واستأمن منهم خمسمائة نفر فأرسلهم ثمل إلى الفسطاط فثارت عليهم الرعيّة فقتلوهم بالمقس. ثم لمّا أعيد تكين إلى ولاية مصر الثانية من
стр. 2344
ولايته فنزل الجيزة وحفر خندقا وأقبلت مراكب صاحب إفريقية وعليها سليمان الخادم فدخلوا البحيرة، وأقبل ثمل الخادم في مراكبه فلمّا سمعوا به خرجوا.
وأرسل الله تعالى عليهم ريحا فألقت مراكب سليمان المغربي إلى البرّ وتكسّر أكثرها، وأخذ جميع من فيها قبضا بالكفّ. وأنفذهم ثمل إلى تكين مستأسرين في الحبال فعزل أهل القيروان وطرابلس الغرب وبرقة وصقلية ناحية، وعزل كتامة وزويلة وقتلهم؛ وكانوا عدة سبعمائة نفر. وانتقل عبد الرحمن ابن صاحب إفريقية من الإسكندرية إلى الفيوم ونزلها بقية هذه السنة.
<وفيها توفي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀، صاحب التاريخ الكبير. ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر الفرغاني في كتابه المعروف بالصلة-وهو الذي وصل به تاريخ الطبري الكبير-أنّ قوما من تلاميذ الشيخ الطبري حصّلوا أيام حياته مذ بلغ الحلم إلى أن توفّي في هذه السنة- وقيل توفّي في سنة عشرة وثلاثمائة وهو ابن ستّ وثمانين سنة-ثم قسموا عليها عدّة أوراق مصنّفاته فصار منها لكلّ يوم أربع عشرة ورقة! وهذا لا يتهيّأ لمخلوق إلاّ بكريم العناية الإلهية.>
ذكر سنة ثمان وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
стр. 2345
ما لخّص من الحوادث
(٢٩١) الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين على ولاية مصر نازلا بالجيزة. وتحرّك أبو القاسم طالبا الفسطاط العاشر من شهر ربيع الأوّل من هذه السنة؛ وكان يوما مشهودا؛ ونادى في المغاربة: من اذى قتل! فلم يحصل منهم كثير إيذاء بل ما تخطّفوه سرقة. ثم بلغه أنّ ثمل الخادم وصل بمراكبه إلى رشيد في عدّة كبيرة، ومؤنس في البرّ مع تكين، وأنّهم عادوا إلى الفيّوم في حشود عظيمة فخرج من الفسطاط هاربا على وجهه لا يلوي على شيئ وطلب برقة من غير حرب ولا قتال. وعاد مؤنس وتكين إلى الفسطاط. وورد كتاب من الإمام المقتدر بعزل تكين وولاية مؤنس الخادم مصر فولّى مؤنس من قبله على مصر أبا قابوس فأقام ثلاثة أيام ثم ردّ إليها تكين فأقام أربعة أيام ثم صرف.
ذكر سنة تسع وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وعزل تكين سلخ ربيع الأول من هذه
стр. 2346
السنة. وتولّى أبو قابوس ابن محمود خمسة أيام ثم عزل وردّ تكين فأقام شهرا وعزل. وتولّى هلال بن بدر من قبل المقتدر. وخرج مؤنس الخادم طالبا العراق في أربعة آلاف من أهل الديوان، وأقام هلال بن بدر بقيّة هذه السنة؛ وكانت مصر في أيام ولايته من النهب والقتل والفساد إلى أبعد غاية حتى صرف.
(٢٩٢) وفيها أخذ الحسين بن منصور الحلاّج وقطعت يداه ورجلاه وحزّ رأسه وأحرق بالنار في شهر ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر سنة عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وواحد وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وعزل هلال بن بدر وولي في هذه السنة أحمد بن كيغلغ ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب على الخراج فشعّث على الجند وأسقط كثيرا منهم فشغبوا عليه فانتحى عنهم إلى ناحية فاقوس. وتوجّه الجند إلى محمد بن الحسين الماذرائي وتركوا ابن كيغلغ على
стр. 2347
فاقوس بمفرده وخاصّته فأقام ثلاثة أشهر، وولي مصر الأمير تكين الولاية الرابعة له، ودخلها متسلّمه في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
ذكر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأحد عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. والأمير بمصر تكين ومتسلّمه بها ولم يصل في هذه السنة حتى دخل يوم عاشوراء سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. فلمّا استقرّ بها طلب ابن مهران وقتله لما كان أسلفه من قبل لمّا كان مؤنس الخادم بمصر. قيل إنه عذّبه أشدّ عذاب حتى مات. وفيها <ولي> القضاء بمصر عبد الله بن المكرّم. واستخلف الكريزيّ وأبو أحمد الكرخي على الخراج.
(٢٩٣) ذكر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
стр. 2348
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين أمير مصر. والكرخي على الخراج بها. والقاضي ابن المكرّم.
وفيها ظهر سليمان بن <أبي> سعيد القرمطي وفتح البصرة كما يأتي ذكر ذلك في الجزء المختصّ بذكرهم إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين أمير مصر. وعزل الكرخي عن الخراج وولي القرطبي. وعزل الكريزيّ وولي ابن حمّاد القضاء.
وفيها دخل عليّ بن عيسى الوزير مصر.
وفيها امتنع الحاجّ بسبب القرامطة حسبما يأتي من ذكرهم.
وفيها ظهر كوكب عظيم له ذؤبة وشعاع ساطع وهو شديد الحمرة؛ وكان ظهوره من جهة الشمال إلى نحو المغرب وطوله بالتقدير لرائي العين ثلاثين
стр. 2349
رمحا وعرضه رمحان؛ وكان كذلك عند غروب الشمس. وأقام كذلك ثلاث ساعات.
وفيها خرج جراد عظيم سدّ عين الشمس وأهلك كثيرا من الثمار.
ذكر سنة أربع عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
(٢٩٤) الماء القديم خمسة أذرع وإصبع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين أمير مصر. وعماله بحالهم إلى أن صرف القرطبي وولّي محمد بن عليّ الماذرائي.
وفيها سار القرمطيّ إلى نحو مدينة السلام ووصل إلى عقرقوف، وخرج إليه موسى الطوسي وبنو حمدان حسبما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر بني حمدان ومبدأ أمرهم
قال أبو منصور الثعالبي ﵀: كان بنو حمدان ملوكا أوجههم للصباحة، وألسنهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة. وسيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحطّ الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء. ويقال إنّه لم يجتمع بباب ملك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر. <وكان محبّا لجيّد
стр. 2350
الشعر>،شديد الاهتزاز له، وكان كلّ من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب، وأبي الحسين عليّ بن محمد الشميشاطي قد اختارا له من مدائح الشعر عشرة آلاف بيت؛ وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها.
وتوفّي في كنفه السيّد الفاضل والحكيم الكامل أبو نصر محمد بن نصر الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة. أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن حيلان المتوفّى بمدينة السلام. وله التصانيف المفيدة، صحيحة العبارة لطيفة الإشارة؛ منبّهة على ما أغفله الكنديّ وغيره من صناعة التحليل، وأنحاء التعاليم. وأوضح (٢٩٥) القول فيها عن موّاد المنطق الخمسة، وأفاد وجوه الانتفاع بها، وعرّف طرق استعمالها، وكيف تعرف صورة القياس في كلّ مادّة منها. فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية. وكان أبو نصر المذكور معاصرا لأبي بشر متّى بن يونس إلاّ أنه كان دونه في السنّ، وفوقه في العلم. وعلى كتب متى بن يونس في علم المنطق معوّل العلماء ببغداد وغيرها من أمصار المسلمين لقرب مأخذها، وكثرة شرحها. وكانت وفاة الفارابي بدمشق في كنف الأمير سيف الدولة ابن حمدان المشار إليه التغلبي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكفى بسيف الدولة نبلا أن اجتمع ببابه مثل هذا الفاضل الموصوف، ومثل أوحد الكبراء، وشيخ الشعراء أحمد بن الحسين المتنبّي الشاعر الموصوف الذي لأجله سمّيت الشعراء في زمانه بالطراز المذهب؛ وفيهم مثل السري الرفّاء والنامي والببغاء والوأواء وغيرهم. وسيأتي من ذكرهم والمرقص والمطرب من أشعارهم في آخر هذا الجزء ما تصل إليه القدرة من المحفوظ والمنقول إن شاء
следующие страницы →