Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
السنة. وتولّى أبو قابوس ابن محمود خمسة أيام ثم عزل وردّ تكين فأقام شهرا وعزل. وتولّى هلال بن بدر من قبل المقتدر. وخرج مؤنس الخادم طالبا العراق في أربعة آلاف من أهل الديوان، وأقام هلال بن بدر بقيّة هذه السنة؛ وكانت مصر في أيام ولايته من النهب والقتل والفساد إلى أبعد غاية حتى صرف.
(٢٩٢) وفيها أخذ الحسين بن منصور الحلاّج وقطعت يداه ورجلاه وحزّ رأسه وأحرق بالنار في شهر ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر سنة عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وواحد وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وعزل هلال بن بدر وولي في هذه السنة أحمد بن كيغلغ ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب على الخراج فشعّث على الجند وأسقط كثيرا منهم فشغبوا عليه فانتحى عنهم إلى ناحية فاقوس. وتوجّه الجند إلى محمد بن الحسين الماذرائي وتركوا ابن كيغلغ على
стр. 2347
فاقوس بمفرده وخاصّته فأقام ثلاثة أشهر، وولي مصر الأمير تكين الولاية الرابعة له، ودخلها متسلّمه في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
ذكر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأحد عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. والأمير بمصر تكين ومتسلّمه بها ولم يصل في هذه السنة حتى دخل يوم عاشوراء سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. فلمّا استقرّ بها طلب ابن مهران وقتله لما كان أسلفه من قبل لمّا كان مؤنس الخادم بمصر. قيل إنه عذّبه أشدّ عذاب حتى مات. وفيها <ولي> القضاء بمصر عبد الله بن المكرّم. واستخلف الكريزيّ وأبو أحمد الكرخي على الخراج.
(٢٩٣) ذكر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
стр. 2348
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين أمير مصر. والكرخي على الخراج بها. والقاضي ابن المكرّم.
وفيها ظهر سليمان بن <أبي> سعيد القرمطي وفتح البصرة كما يأتي ذكر ذلك في الجزء المختصّ بذكرهم إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين أمير مصر. وعزل الكرخي عن الخراج وولي القرطبي. وعزل الكريزيّ وولي ابن حمّاد القضاء.
وفيها دخل عليّ بن عيسى الوزير مصر.
وفيها امتنع الحاجّ بسبب القرامطة حسبما يأتي من ذكرهم.
وفيها ظهر كوكب عظيم له ذؤبة وشعاع ساطع وهو شديد الحمرة؛ وكان ظهوره من جهة الشمال إلى نحو المغرب وطوله بالتقدير لرائي العين ثلاثين
стр. 2349
رمحا وعرضه رمحان؛ وكان كذلك عند غروب الشمس. وأقام كذلك ثلاث ساعات.
وفيها خرج جراد عظيم سدّ عين الشمس وأهلك كثيرا من الثمار.
ذكر سنة أربع عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
(٢٩٤) الماء القديم خمسة أذرع وإصبع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وتكين أمير مصر. وعماله بحالهم إلى أن صرف القرطبي وولّي محمد بن عليّ الماذرائي.
وفيها سار القرمطيّ إلى نحو مدينة السلام ووصل إلى عقرقوف، وخرج إليه موسى الطوسي وبنو حمدان حسبما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر بني حمدان ومبدأ أمرهم
قال أبو منصور الثعالبي ﵀: كان بنو حمدان ملوكا أوجههم للصباحة، وألسنهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة. وسيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحطّ الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء. ويقال إنّه لم يجتمع بباب ملك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر. <وكان محبّا لجيّد
стр. 2350
الشعر>،شديد الاهتزاز له، وكان كلّ من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب، وأبي الحسين عليّ بن محمد الشميشاطي قد اختارا له من مدائح الشعر عشرة آلاف بيت؛ وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها.
وتوفّي في كنفه السيّد الفاضل والحكيم الكامل أبو نصر محمد بن نصر الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة. أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن حيلان المتوفّى بمدينة السلام. وله التصانيف المفيدة، صحيحة العبارة لطيفة الإشارة؛ منبّهة على ما أغفله الكنديّ وغيره من صناعة التحليل، وأنحاء التعاليم. وأوضح (٢٩٥) القول فيها عن موّاد المنطق الخمسة، وأفاد وجوه الانتفاع بها، وعرّف طرق استعمالها، وكيف تعرف صورة القياس في كلّ مادّة منها. فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية. وكان أبو نصر المذكور معاصرا لأبي بشر متّى بن يونس إلاّ أنه كان دونه في السنّ، وفوقه في العلم. وعلى كتب متى بن يونس في علم المنطق معوّل العلماء ببغداد وغيرها من أمصار المسلمين لقرب مأخذها، وكثرة شرحها. وكانت وفاة الفارابي بدمشق في كنف الأمير سيف الدولة ابن حمدان المشار إليه التغلبي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكفى بسيف الدولة نبلا أن اجتمع ببابه مثل هذا الفاضل الموصوف، ومثل أوحد الكبراء، وشيخ الشعراء أحمد بن الحسين المتنبّي الشاعر الموصوف الذي لأجله سمّيت الشعراء في زمانه بالطراز المذهب؛ وفيهم مثل السري الرفّاء والنامي والببغاء والوأواء وغيرهم. وسيأتي من ذكرهم والمرقص والمطرب من أشعارهم في آخر هذا الجزء ما تصل إليه القدرة من المحفوظ والمنقول إن شاء
стр. 2351
الله تعالى. وكذلك يأتي طرف جيّد من ذكر سيف الدولة بن حمدان في تاريخه. وإنّما قدّمنا هذا القول توطئة لما يأتي بعده بمعونة الله تعالى.
ذكر المتنبّي ونسبه ولمعة من خبره
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكوفيّ الشاعر المعروف بالمتنبّي المشهور. وكان من المكثّرين من نقل اللغة، ومن المطّلعين على غريبها وحوشيّها، ولا يسأل عن شيئ إلاّ واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر حتى أنّ أبا عليّ الفارسيّ صاحب (٢٩٦) كتاب التكملة و <كتاب> الإيضاح قال له يوما: <كم> لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال المتنبي في الحال: حجلى وظربى! قال الشيخ أبو عليّ؛ فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثا فلم أجد؛ وحسبك من يقول في حقّه أبو عليّ هذه المقالة! وحجلى جمع حجل وهو الطائر الذي يسمّى القبج. والظربى جمع ظربان على وزن قطران وهي دويّبة منتنة الرائحة.
وأمّا شعره فكما قال القاضي ابن خلّكان ﵀؛ فهو النهاية ولا حاجة.
стр. 2352
إلى ذكر شيئ منه هاهنا لشهرته. لكنّ الشيخ تاج الدين الكنديّ رحمه الله تعالى كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه، وكانت روايته لهما بالإسناد الصحيح المتّصل به، وأثبتهما في تاريخه القاضي ابن خلّكان المذكور فأحببت ذكرهما أيضا لعزّتهما وهما (من الكامل):
أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنّني ... أنزلت آمالي بغير الخالق
قلت: وسيأتي من شعره شيئ لطيف آخر هذا الجزء في طبقتي المرقص والمطرب إن شاء الله تعالى. والناس في شعره على طبقات؛ فمنهم من يرجّح شعره على شعر أبي تمّام ومن بعده. ومنهم من يرجّح أبا تمّام عليه. قال القاضي ابن خلكان: واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه. وقال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم: وقفت له على أربعين شرحا وأكثر ولم يفعل هذا بديوان غيره. ولا شكّ أنه كان رجلا مسعودا. وإنما قيل له المتنبّي لأنه ادّعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم. فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فأسره وتفرّق جمعه، وحبسه ثم أطلقه واستتابه. وقيل غير ذلك. وهذا أصحّ. والله أعلم.
(٢٩٧) ذكر سنتي خمس عشرة وستّ عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هاتين السنتين
الماء القديم أربعة أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا واثنان وعشرون. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع.
стр. 2353
الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. وعزل الماذرائي وأعيد بعده القرطبي.
ذكر سنة سبع عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع واثنتا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين. والماذرائي على الخراج مع الأمير تكين مستقرّ. وعزل القاضي عبد الله بن زبر، وولّى ابن حمّاد نيابة.
فيها أخذوا القرامطة الحجر الأسود؛ وذلك أنّ أبا طاهر الجنّابي القرمطي دخل مكّة يوم التروية فقتل الحاجّ قتلا ذريعا، ورمى القتلى في بئر زمزم، وأخذ الحجر الأسود، وعرّى الكعبة وقلع بابها. واستمرّ الحجر الأسود عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة إلاّ شهرا ثمّ ردّوه على يد شنبر لخمس بقين أو خلون من ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكان بذل لهم في ردّه خمسين ألف
стр. 2354
دينار فما فعلوا وقالوا: أخذناه بأمر ولا نردّه إلاّ بأمر. وسيأتي جميع أحوالهم وعقائدهم الفاسدة ومذاهبهم الذميمة في الجزء المختصّ بهم؛ وهو الذي يلي هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(٢٩٨) ذكر سنتي ثمان عشرة وتسع عشرة وثلاثمائة
النيل المبارك في هاتين السنتين
الماء القديم خمسة أذرع وأحد عشر إصبعا. الماء القديم خمسة أذرع وتسعة أصابع. الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان. الزيادة خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ذكر سنة عشرين وثلاثماية
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى أن قتل في تاريخ ما يذكر. وذلك أنّه لمّا زاد أمر النساء، وعادت الأمور كلّها معلّقة بأمّ المقتدر، وحصرت على الأموال، ومنعت الأرزاق؛ وكان مؤنس الخادم قد استولى على ديار ربيعة وأعمال الموصل وغلب على الأمر، وخرج عن الطاعة، وانقادت إليه أكثر الجند
стр. 2355
لعدم الأرزاق؛ فحصل بينه وبين المقتدر المشاناة وركب وطلب بغداد لخلع المقتدر، وحسّن للمقتدر أن يخرج لملاقاته وكان ذلك عملا عليه لما في أنفس الناس من سوء تدبيره وحكم النساء عليه. فخرج إلى باب الشماسية واقتحم العسكر فقتل قتله رجل من الأكراد وهو لا يعرفه وأخذ ثيابه وجرّ برجله وستره بحشيش. وكان ذلك نهار الأربعاء لثلاث بقين من شوّال من هذه السنة وله ثماني وثلاثون سنة وشهران إلاّ أياما. وبقيت جثته إلى آخر النهار ملقاة ثم حمل ودفن بالرصافة. وكانت في أيامه أمور مهولة لم ير مثلها فيما قيل. منها أنّه ولي وهو دون الحلم ولم يكن ولي أحد (٢٩٩) من الخلفاء في هذا السنّ. ومنها أنّه أقام في الخلافة خمسة وعشرين سنة إلاّ أياما ولم يكن ذلك لمن قبله. ومنها أنّه استوزر اثني عشر وزيرا. ومنها أنّ الحجّ بطل في أيامه خوف القرامطة وما فعلوه. ومنها خروج المغرب عنه وتغلّب المهديّ على تلك البلاد، وإخراج الأغالبة الآتي ذكرهم في الجزء التالي لهذا الجزء إن شاء الله تعالى.
صفته: ربعة، درّي اللون، أحور، أصهب، جعد، مدوّر اللحية، قد كثر الشيب في رأسه وعارضيه. مولده في شهر رمضان سنة اثنين وثمانين ومائتين.
وزراؤه: العبّاس بن الحسن، وابن الفرات ثلاث دفعات، ومحمد بن عبد الله بن خاقان، عليّ بن عيسى، وحامد بن العبّاس، وأبو القاسم الخاقاني، وأحمد بن عبيد الله بن الخصيب، وأبو عليّ ابن مقلة، وسليمان بن الحسن بن
стр. 2356
مخلد، وعبيد الله بن محمد الكلوذاني، والحسين بن القاسم بن عبيد الله ثم الفضل بن جعفر بن الفرات ويعرف بابن خنزابة وقتل وهو وزيره.
حجّابه: سوسن مولى المكتفي. ياقوت مولى المكتفي، نصر القشوريّ، ابنا رائق.
نقش خاتمه: لله المقتدر بالله. وقيل: الملك لله. وقيل: الحمد لله الذي ليس كمثله شيئ.
ذكر خلافة القاهر بالله محمد بن أحمد المعتضد
وما لخّص من خبره
هو أبو منصور محمد بن المعتضد أحمد بن الموفّق طلحة؛ وباقي نسبه معلوم. ولمّا قتل مؤنس الخادم وابن يلبق ومن كان غلب على الأمر (٣٠٠) تقرّر لقبه القاهر بالله، المنتقم من أعداء الله لدين الله، ونقش ذلك على الدنانير والدراهم وذلك بعد خلافته بستة أشهر، أمّه أمّ ولد روميّة يقال لها قتول. بويع له يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة وله ثلاث وثلاثون سنة. وكان مغلوبا على أمره ستة شهور من ملكه فلمّا قبض على مؤنس الخادم
стр. 2357
ووجوه أصحابه وقتلهم صفا له الأمر. وكانت خلافته سنة وستّة أشهر وأياما.
وكان فيه هوج، شديد الإقدام على سفك الدماء، محبا لجمع المال، قبيح السيرة والسياسة. صادر جماعة من أمّهات أولاد المقتدر وأولاده، وضرب أمّ المقتدر وعلّقها برجلها الواحدة في حبل البرّادة. ثم تسلّمها منه ابن يليق عليّ فأقامت عنده عشرين يوما واستخرج منها أموالا جمّة يضيق عنها الحصر ولا يصدّقه العقل لكثرته. وماتت بعد ذلك في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وفي هذه السنة قتل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان.
وفيها مات الطحاوي صاحب الرسالة.
وفيها ولد المعزّ الفاطمي حسبما يأتي من خبره.
ذكر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القاهر بالله أمير المؤمنين. وعزل <محمد بن> تكين أمير مصر
стр. 2358
وبقيت البلاد بلا وال إلى أن دعي للأمير محمد بن طغج بالشام، واستخلف أخاه عبد الله بمصر. ثم ورد كتاب من الخلافة بعزل ابن طغج وولاية (٣٠١) ابن كيغلغ فاستخلف أبا الفتح النوشري.
وفيها كانت وقعة المغاربة مع حبكويه. وفيها عزل ابن زبر عن القضاء وولي محمد ابن أبي الشوارب، واستخلف على الحكم أحمد بن عبد الله بن قتيبة ودخل البلد وأقام فيها شهورا ثم صرف. وولي أبو عثمان أحمد بن إبراهيم <بن حمّاد> من قبل القاهر. وكان قد ولي أبو قابوس ثم عزل وأعيد الأمير تكين.
وفيها كان بمصر زلزلة عظيمة هدّمت دورا كثيرة وتساقطت فيها الكواكب بما لم يعهد بمثلها.
ذكر سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة وعشرون ذراعا وستة عشر إصبعا.
стр. 2359
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القاهر بالله إلى أن <خلع> وكحّل في تاريخ ما يأتي.
و<محمد بن> تكين بمصر إلى أن عاد ابن كيغلغ. وعزل <ابن> حمّاد عن القضاء وولي محمد بن موسى السرخسي ثم ورد كتاب بإعادة القاضي محمد بن أبي الشوارب الولاية الثانية. واستخلف محمد بن بدر الصيرفي والأمير بمصر يومئذ محمد بن كيغلغ. وعلى الخراج بها محمد بن عليّ الماذرائي.
فيها وثب الغلمان الساجيّة والحجرية على القاهر بالله لستّ خلون من جمادى الآخرة سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، وطولب بالخلع فأبى فأكحل بمسمار محمّى مرّتين بعد أن أقيم بين يدي الراضي بالله وسلّم عليه بالخلافة.
فكان القاهر أول من سمل من الخلفاء. ولم يزل باقيا في دار السلطان إلى أن أخرجه المستكفي بالله في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وردّه إلى داره (٣٠٢) فأقام مدة ثم خرج في يوم جمعة إلى جامع المنصور فعرّف الناس بنفسه وسألهم أن يتصدّقوا عليه! فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي فأعطاه ألف درهم وردّه إلى داره. ولم يزل حتّى توفّي في خلافة المطيع في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة؛ وله اثنان وخمسون سنة.
في أيامه ضرب أبو علي ابن شنّبوذ الشيخ المقرئ سبع درر بسبب أنه
стр. 2360
قرأ قراءة شاذّة فأمر الوزير ابن مقلة بضربه فضرب فدعا عليه الشيخ بقطع اليد وتشتيت الشمل فأجيبت دعوة الشيخ في الوزير ابن مقلة، وقبض عليه في شوّال سنة ست وعشرين وثلاثمائة في خلافة الراضي بالله استفتي في أمره فقيل إنه سعى في الأرض فسادا فأفتى بقطع يده. واختلف في ذنبه فقيل إنه زوّر على الخليفة. وقيل كاتب عليه. ولمّا قطعت يده أصبح وجلس في الديوان فقيل له:
تعود إلى الخدمة بعدما جرى عليك؟! فقال: إنما أمير المؤمنين أدّبني ولم يصرفني! ثم نسب إليه بعد ذلك أمر آخر فأمر الراضي بالله بقطع لسانه! ولحقه بعد ذلك أمراض مختلفة، وتوفّي في شوّال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. أجمع المؤرخون أنه نبش بعد دفنه ثلاث مرار من قبره. الأوّل أنّه دفن في دار البلاط ثم نبش وأخرجه ولده ودفنه بالجبّانة. ثم نبشته زوجته ودفنته عندها في تربة لها! والله أعلم!
صفة القاهر بالله: ربعة أسمر، معتدل الجسم، طويل العنق، أصهب الشعر، وافر اللحية، ألثغ، لم يشب. مولده سنة سبع وثمانين ومائتين. والله أعلم.
وزراؤه (٣٠٣):أبو عليّ ابن مقلة، ثم محمد بن القاسم بن عبيد الله، ثم أحمد بن عبد الله الخصيبيّ.
حجّابه: عليّ بن يلبق مولى مؤنس، ثم سلامة الطولونيّ وسمّاه المؤتمن.
стр. 2361
نقش خاتمه: محمد رسول الله. وقيل: لله القاهر بالله. والله أعلم.
ذكر خلافة الراضي بالله محمد بن المقتدر بالله
جعفر، وما لخّص من خبره
هو أبو العبّاس محمد بن المقتدر جعفر. وباقي نسبه قد علم. والعامّة تلقّبه الآجرّي لكثرة ما هدمه من الأبنية. أمّه أمّ ولد رومية يقال لها ظلوم؛ أدركت خلافته. بويع له لستّ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة، وله من العمر أربع وعشرون سنة وشهرا. وكانت خلافته ستّ سنين وعشرة أشهر وأياما.
قال <أبو> الحسن العروضي مؤدّب الراضي بالله: غدا عليّ الراضي يوما وفي يده درج فوضعه وأقبل على ما كنت وظّفته له فأسرع في حفظه وتحصيله ثم انحاز عني وأخذ ذلك الدرج وعاد يتصفّحه فقلت له: ما في درجك أيّها الأمير؟ فقال حكمة ممّا ترجم لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور انتسختها من طومار وجدته عنده! فقلت: أسمعني ما فيه! فقرأ عليّ: لا يضرّ فساد الملك مع صلاح وزرائه كما لا ينفع صلاحه مع فساد وزرائه كثير نفع. وينبغي للملك أن يسوس وزراءه بثقة يمكن فيها احتراس، وأنس تشوبه هيبة. وليحذر كلّ الحذر
стр. 2362
من اختصاص بعضهم دون بعض، وتفضيل بعضهم على بعض. فالوزراء للملك كالطبائع للجسم؛ صلاح الجسم باعتدال طبائعه وتساويها في القوّة، كما أنّ عطبه في قوّة بعضها (٣٠٤) على بعض. قال العروضي؛ فقلت له: أيّها الأمير! إنّك اليوم غير محتاج إلى هذا وشبهه! فقال: كلا! إنّي إليه لمحتاج فإن كان عندك منه علم فأفدناه، وإن لم يكن عندك فاستفده لكي تفيدناه! قال:
فعلمت بذلك سموّ همّته، وقوّة فطنته. وحكى العروضي أنّ الراضي كتب إلى أبيه المقتدر بالله كتابا قبّض فيه قلمه ونظّم حروفه فجاء خطا ثقيلا؛ وكان إذا مشق في خطّه ومطّط حروفه أجاد؛ قال؛ فقلت له: كأنّ الأمير قصد إلى قبض خطّه! فقال: نعم! قلت: ولم؟ قال: لأنّ مشق القلم ومطّ الحروف ضرب من الجراءة والقلب نائب اللسان؛ فهل يصلح أن أطلق لساني في محاورة والدي وأتشادق على أمير المؤمنين؟! قال العروضي: فجعلت أنظر إليه متعجّبا! فقال:
ما بالك يا أستاذ؟ فقلت: أنّى لك هذا؟! فقال: يا أستاذ! إنّ آدابنا مولودة معنا! فقلت: أشهد بذلك!
وفي هذه السنة توفي عبيد الله المهدي صاحب المغرب. وفيها كان ظهور عليّ بن محمد الشلمغاني لعنه الله؛ وكان قد ادّعى ما ادّعاه المقنّع، المقدّم ذكره في هذا التاريخ؛ فقتل هو وابن أبي عون لأنّه كان من أقاربه ويقول بقوله، وأحرقا بنار الدنيا قبل نار الآخرة. <ذكر الشيخ أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان الكاتب في سيره أنّ ابن مقلة الوزير ذكر أن الحسين بن القاسم بن
стр. 2363
عبيد الله بن سليمان الوزير كان يعتقد أنّ عليّ بن محمد الشلمغانيّ المعروف بابن أبي العزاقر إليه. ثم كتب إلى عامل الرقّة بضرب عنقه وحرقه بالنار ففعل>.
ذكر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ستّة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الراضي بأحكام الله أمير المؤمنين. وفيها دخل الأمير محمد بن طغج (٣٠٥) إلى مصر وقبض على الماذرائي، وصار الأمر إلى بكران الكاتب.
وفيها دخل أبو الفتح ابن جعفر بن الفرات إلى مصر بعد دخول الأمير ابن طغج.
وفيها مات الفقيه إبراهيم بن حمّاد، وكذلك الجنّابي القرمطي حسبما يأتي ذكره. وفيها ظهر كوكب عظيم له ذؤابة.
стр. 2364
ذكر سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستّة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وثلاثة وعشرين إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الراضي بأحكام الله أمير المؤمنين. والأمير محمد بن طغج بمصر وإليه حربها وخراجها. وعزل بكران عن الخراج وولّى عبد الله بن الحسين.
وورد كتاب القاضي ابن أبي الشوارب بعزل خليفته محمد بن بدر عن الحكم، واستخلاف ابن زبر المرّة الثانية، ثم عقّب ذلك بكتاب آخر بأن يستخلف محمد بن أحمد الشافعي فجرى في ذلك فصول كثيرة من الأمير محمد بن طغج؛ فاستقر آخر الحال أن يكون محمد بن أحمد المذكور يفصل بين الناس بأمر الأمير محمد بن طغج.
وفيها جرت أسباب خاف الأمير محمد بن طغج على نفسه فهرب إلى برقة ثم عاد إلى الإسكندريّة وأقام بها.
وفيها سخط الراضي على الوزير ابن مقلة، وجرى على ما تقدّم من ذكره. وفي نسخة أنّ ذلك كان في سنة ستّ وعشرين؛ والله أعلم؛ واستوزر
стр. 2365
<عبد الرحمن بن> عيسى بن جرّاح.
وفيها أخرب المسلمون كنيسة قسطنطين القبليّة وأحرقوها بالنار يوم الشعانين، وكانت فتنة كبيرة، والله أعلم.
<وفيها توفّي ابن مجاهد-﵀-في شهر شعبان. ومولده سنة خمس وأربعين ومائتين؛ فكان عمره تسعا وسبعين سنة؛ تنقص شهرين وأياما>
(٣٠٦) ذكر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستّة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الراضي بأحكام الله أمير المؤمنين. والأمير <ابن> طغج مستقلاّ بمصر حربا وخراجا. وولّى الخراج أبو علي صالح بن نافع، واستخلف الكرجي.
وفيها كانت الوقعة بين المسلمين والروم، وكانت عدّة فتن يطول شرحها.
стр. 2366
ذكر سنتي ستّ وعشرين وسبع وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هاتين السنتين
الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. الماء القديم ثلاثة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. الزيادة سنة ستّ سبعة عشر ذراعا وعشرة. الزيادة سنة سبع أربعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا.
الحوادث
الخليفة فيهما الراضي بأحكام الله أمير المؤمنين. والأمير <محمد بن> طغج مستقلاّ بمصر. وعاد أمر الخراج إلى حسنون النصراني. ومات أبو زرعة وفوّض الحكم وديوانه إلى محمد بن بدر، وكاتب فيه الأمير <ابن> طغج القاضي ابن أبي الشوارب فاستقرّ به.
وفي سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة ملكت الروم أنطاكية. وسيأتي خبر أنطاكية من أول بنائها إلى حين فتحها السلطان الشهيد الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس البندقداري في تاريخ فتحهم لها في آخر جزء من هذا التاريخ؛ وهو الجزء السابع المعروف بالدرّة الزكيّة في أخبار الدولة التركية إن شاء الله تعالى.
стр. 2367
وكذا أن أخذوا إسكندرية في سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة ... فليقسطوا (٣٠٧)،وسيّر إليهم يسألهم أن يذكره في صلواتهم فأجابوه إلى ذلك.
وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة توفّي منقذ بن نصر، جدّ بني منقذ ملوك شيزر.
وفيها توفي الخرائطي صاحب كتاب «اعتلال القلوب» رحمة الله عليه.
وفيها وصل بجكم التركيّ في الحادي والعشرين من شهر ذي القعدة، وانهزم ابن رائق إذ كان الغالب على أمر الراضي بالله. واستتر ابن رائق سنة وعشرة أشهر. وخلع الراضي على بجكم التركيّ، وعقد لواء، وعاد إليه تدبير الأمور الدنياوية؛ والله أعلم.
ذكر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وستّة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الراضي بأحكام الله أمير المؤمنين. وفيها ظهر ابن رائق وطلب الشام، وخرج إليه الأمير محمد بن طغج الإخشيد-لقّب بذلك في هذه السنة-
стр. 2368
وجرى بينهما حروب. وعاد ابن رائق ولم يظفر بشيئ وخراج مصر بين الكرجي وحسنون النصراني. وابن بدر ينظر في أمور الناس.
وفيها فتحت الاشكر وقتل ملكهم.
وفيها توفّي أحمد بن محمد بن عبد ربّه صاحب كتاب العقد. وعبد ربّه جدّه هو ابن حبيب بن محمد بن سالم مولى الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل الأندلس، المقدّم ذكره، في أخبار بني أمية ملوك الأندلس. وكان فاضلا متقنا حافظا شاعرا نبيلا. وكان له ابن أخ يسمّى سعيد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد ربّه؛ وكان طبيبا نبيلا شاعرا محسنا، وله في الطبّ رجز جليل (٣٠٨) محتو على جملة حسنة دلّ على تمكّنه من العلم، وتحقّقه لمذاهب القدماء، وكان له مع ذلك نظر بحركات الكواكب وطبائعها ومهابّ الرياح، وتغيّر الأهوية. وحكى عنه القاضي صاعد صاحب كتاب الملل والنحل في كتابه المعروف اليوم بكشف طبقات الامم من العرب والعجم أنّ سعيد فصد ذات يوم فكتب إلى عمّه المذكور يسأله الحضور عنده؛ وكان في سعيد شحّ فلم يجبه عمّه إلى ذلك فكتب إليه يقول (من الكامل):
لمّا عدمت مؤانسا وجليسا ... نادمت بقراطا وجالينوسا
وجعلت كتبهما شفاء تفرّدي ... وهو الشفاء لكلّ جرح يوسى
فلمّا وصل إليه هذان البيتان أجابه يقول (من الكامل):
ألفيت بقراطا وجالينوسا ... لا يبخلان ويثريان جليسا
فجعلتهم دون الأقارب جنّة ... ورضيت منها صاحبا وجليسا
وأظنّ بخلك لا يرى لك تاركا ... حتّى تنادم بعدهم إبليسا!
وكان سعيد بن محمد هذا جميل المذهب، خارجا عن مذاهب غيره من أبناء جنسه، منقبضا عن الملوك. وهو القائل في آخر عمره (من الطويل):
стр. 2369
أما بعد غوصي في علوم الحقائق ... وطول انبساطي في مواهب خالقي
وفي حين إشرافي على ملكوته ... أرى طالبا رزقا إلى غير رازقي
وقد أدّبت نفسي بتقويض رحلها ... وأسرع في سوقي إلى الموت سائقي
وإنّي وإن خيّمت أو سرت هاربا ... من الموت في الآفاق فالموت لاحقي
ذكر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
(٣٠٩) ما لخّص من الحوادث
الخليفة الراضي بأحكام الله أمير المؤمنين إلى أن توفّي في تاريخ ما يأتي. والأمير محمد الإخشيد مستقلاّ بمصر والشام. ووقع في مصر فتنة عظيمة سببها الحريق الذي عاد بمصر من جهة النصارى فإنّهم تسلّطوا وأحرقوا دورا متعينة لأكابر البلد وتواتر ذلك أشهرا، وعادت الناس من ذلك في أشدّ الأحوال، وغلت الأسعار، وكانت سنة شديدة على أهل مصر؛ وهلك من أهلها عالم عظيم! هذا والأمير محمد الإخشيد بدمشق والرسل بينه وبين ابن رائق متواردة.
وتوفّي الراضي إلى رحمة الله تعالى بمرض الاستسقاء في شهر ربيع الأول وله إحدى وثلاثون سنة وشهور رحمه الله تعالى.
стр. 2370
صفته: أسمر، أعين، نحيف الجسم، ربعة، أسود الشعر سبطه، خفيف اللحية في مقدّمها طول، بوجهه أثر جدري. مولده سنة سبع وتسعين ومائتين.
وزراؤه: أبو عليّ ابن مقلة حتى سخط عليه. ثم ابنه أبو الحسن. ثم عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجرّاح. ثم أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي. ثم سليمان بن الحسن بن مخلد. ثم الفضل بن جعفر بن الفرات.
ثم أبو عبد الله البريدي.
حجّابه: محمد بن ياقوت ثم ذكي مولاه.
نقش خاتمه: لله الراضي بالله. والله أعلم.
ذكر خلافة المتّقي بالله إبراهيم بن جعفر المقتدر
وما لخّص من خبره
هو أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر المقتدر بالله. وباقي نسبه قد علم (٣١٠) أمّه أمّ ولد تسمّى خلوب أدركت خلافته. بينه وبين أخيه الراضي في المولد شهر وسبعة أيام. بويع له يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة وذلك بعد موت أخيه بخمسة أيام وله من العمر إحدى وثلاثون
стр. 2371
سنة وشهور. كانت خلافته أربع سنين إلاّ شهرا كان بجكم التركيّ يدبّر الملك إلى أن قتل في متصيّد خرج إليه في شهر رجب من هذه السنة وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وأيام؛ وصار التدبير لكورتكين أبي شجاع. وكتب المتّقي يستدعي ابن رائق وهو في مقابلة الإخشيد. فلمّا وصل إلى بغداد هرب كورتكين فكانت مدّة ولايته الأمور ثمانين يوما. وخلع المتقي على ابن رائق وطوّق وسوّر لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة.
ذكر سنة ثلاثين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المتقي لله أمير المؤمنين، ومدبّر الدولة ابن رائق. وكان في أيامه غلاء وشدّة حتّى خرج الحرم من القصر بالرصافة ينادين الجوع الجوع! ووصل أبو الحسين البريدي إلى بغداد وملك أصحابه دار السلطان. وهرب المتقي وابنه وابن رائق إلى الموصل. فقتل الحسن بن حمدان لابن رائق في رجب من هذه السنة ثم اعتذر للإمام المتّقي لله وقال: إنّما قتلته لأنّني علمت أنّه يريد الإيقاع بك! فقبل عذره اضطرارا وردّ إليه تدبير الملك، ولقّبه ناصر الدولة.
(٣١١) ثم سار المتقي لله وابن حمدان وإخوته إلى بغداد فأقام ناصر الدولة بها
стр. 2372
ثلاثة عشر شهرا إلى أن خلع المتّقي في تاريخ ما يذكر.
وفيها عاد الأمير محمد الإخشيد من الشام إلى مصر، وعزل ابن الوليد عن الحكم، وولّى محمد بن بدر؛ وتوفّي في شعبان من هذه السنة فأقام أبو الذكر التمّار ينظر في أمور الناس ثم ولّى القضاء الحسن بن إسحاق الجوهري.
وفيها خرج الأمير الإخشيد إلى الشام وولّى أخاه البلد.
ذكر سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المتّقي لله أمير المؤمنين. ومدبّر الدولة في أوّل هذه السنة ناصر الدولة ابن حمدان، والإخشيد بالشام. ووزر القراريطي ثم الكرخي.
وتقلّد القضاء بمصر الحسن بن إسحاق حسبما تقدّم. وفي ذي الحجة من هذه السنة أخذ الأمير الإخشيد البيعة لولده أبي القاسم وسلّمه لكافور الإخشيدي.
وفيها مات الملك نصر بن أحمد بن إسماعيل، ملك خراسان، السامانيّ بمرض السلّ فكانت مدّة ملكه ثلاثين سنة؛ وكان عمره-كما ذكر الفرغاني-
стр. 2373
يوم ولي الملك اثنتي عشرة سنة. وقال الوزير أبو القاسم ابن الغزي: كان عمره ثماني سنين. وزيره أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني؛ وهو أول وزير لآل سامان؛ وكان به مذهب فاضح وفيه يقول أبو الطيب الطاهري (من المنسرح):
أنت إذا كنت طول دهرك بال ... مبعر عمّا سواه تشتغل
فأين نلقاك للحوائج أم ... في أيّ يوم يهمّك العمل
(٣١٢) وكان مكروها عند جميع قوّاد آل سامان، وأقام وزيرا اثنتي عشرة سنة! ويقال إنّ أهل بخارى رجموا تابوته ولم يصلّ عليه أحد منهم. ووزر بعده أبو الفضل البلعمي وكان قبل ذلك يتولّى الخراج. وقام بملك آل سامان نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل رابع ملوكهم. لقّبه أصحابه في حياته بالمؤيّد وبعد وفاته بالحميد. ولمّا توفّي السعيد نصر ولي ولده نوح؛ وكان ذلك في هذه السنة وهي السنة الثالثة من خلافة الإمام المتّقي لله. وكان إصفهسلاره في جيشه الأمير أبو علي أحمد بن محمد بن محتاج فسيّره لحرب ركن الدولة ابن بويه فلمّا بعد نقل عنه ما أوجب استحكام القطيعة بينهما فولّى الإصفهسلارية لإبراهيم بن سيمجور الدواتي. وقبض نوح على وكلاء أبي علي بخراسان وبلغ أبا عليّ فخلعه وبعث إلى أحد عمومته وهو إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل- وكان قد هرب من أخيه نصر ودخل في جملة بجكم التركيّ المقدّم ذكره ثم
стр. 2374
انتقل إلى ناصر الدولة ابن حمدان-فلمّا استدعاه أبو علي حضر وتلقّاه بهمذان وبايعه وتولّى تدبير جيشه، وقدم إلى الريّ ثم إلى خراسان، وسلّم الريّ لركن الدولة وصالحه، وسار إلى نيسابور فاضطرب حبل خراسان على نوح الحميد، وسار عمّه في جيوشه يتقدّمه أبو علي ابن محتاج المذكور إلى بخارى فانهزم الحميد إلى سمرقند ودخل ابن محتاج وإبراهيم بخارى، وجلس مجلس الملك بها وذلك في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة حسبما يأتي بقيّة الكلام في تاريخه.
ذكر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وإصبع واحد. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وتسعة أصابع (٣١٣)
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المتّقي لله أمير المؤمنين إلى أن خلع في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حسبما يأتي من ذكر ذلك في تاريخه إن شاء الله تعالى.
فيها غلب على الأمر بتدبير ملك الخلافة توزون وخلع عليه المتّقي اضطرارا. وهرب ناصر الدولة ابن حمدان. وفيهما خاف المتّقي على نفسه من توزون فخرج بنفسه وحرمه إلى الموصل في شهر ربيع الأوّل من هذه السنة، وعاد توزون إلى بغداد وراسله المتّقي في الصلح وجرى ما يأتي ذكره في سنة ثلاث وثلاثين. وفيها ملك سيف الدولة ابن حمدان حلب.
ذكر سيف الدولة ابن حمدان ونبذ من خبره
هو أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان، وباقي نسبه قد تقدّم. كان ملكا جوادا شجاعا فاضلا أديبا شاعرا، يحبّ أهل العلم والفضل والأدب. وهو
стр. 2375
الذي انتهى «كتاب الأغاني» الكبير الذي ألّفه أبو الفرج الإصفهاني في أيّامه وقدّمه إليه فأعطاه ألف دينار؛ واتّفق الناس أنه لم ينصفه فيه. وقيل إنه لما وقف على هذا الكتاب الوزير الفاضل والملك العادل ابن عبّاد، ورأى جميع ما فيه من محاسن الآداب الصحيحة والنوادر العجيبة المليحة قال: والله إنّ سيف الدولة يوصف بسماحة وليس هو كما يقال عنه كونه لم يجز مؤلّف هذا الكتاب إلاّ بألف دينار! وكان يحقّ له أن يجيزه عن كلّ جزء ألف دينار! وكان قد وصل إليه في خمسين جزءا!؛وإنّ خزانة كتبي تشتمل على مائة ألف وسبعة عشر ألف سفر! منذ وقع لي هذا الكتاب أغناني عن جميعهم!.وكان سيف الدولة شاعرا بليغا فمن محاسن شعره في وصف قوس قزح قال فأبدع (٣١٤) (من الطويل):
وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منفضّ علينا ومنقضّ
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجوّد كناء الحواشي على الأرض
يطرّزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر تحت مبيضّ
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض
وهذا من التشبيهات الملوكيّة التي لا تكاد تحضر مثلها السوقة. والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي بن محمد المعروف بابن الإخوة المؤدّب البغدادي
стр. 2376
فقال في فرس أدهم محجّل (من الخفيف):
لبس الصبح والدجنّة بردي ... ن فأرخى بردا وقلّص بردا
وروي أنه كانت له جارية من بنات ملوك الروم بديعة الجمال في نهاية الحسن فحسدها بقيّة الحظايا لقربها منه! وتبيّن له أنهن يقصدن قتلها بسمّ أو ما أشبه ذلك فخاف عليها ونقلها إلى بعض الحصون وقال (من الخفيف):
راقبتني العيون فيك فأشفق ... ت ولم أخل قطّ من إشفاق
ورأيت العدوّ يحسدني في ... ك مجدّا يأ أنفس الأعلاق
فتمنّيت أن تكوني بعيدا ... والذي بيننا من الودّ باقي
ربّ هجر يكون من خوف هجر ... وفراق يكون خوف فراق
وهذه الأبيات رأيتها في ديوان عبد المحسن الصوري، والله أعلم لمن هي!
ومن شعر سيف الدولة (من الهزج):
أقبّله على جزع ... كشرب الطائر الفزع
رأى ماء فأطمعه ... وخاف عواقب الطمع
وصادف خلسة فدنا ... ولم يلتذّ بالجرع
(٣١٥) ويحكى أنّ ابن عمّه أبا فراس كان يوما بين يديه في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة: أيّكم يجيز قولي وليس لها إلاّ سيّدي؟! يعني أبا فراس (من مجزوء الرمل):
لك جسمي تعلّه ... فدمي لم تحلّه؟ ١
فارتجل أبو فراس وقال (من مجزوء الخفيف):
قال إن كنت مالكا ... فلي الأمر كلّه
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج تغلّ ألفي دينار في كلّ سنة.
стр. 2377
ومن شعره أيضا (من الطويل):
يجنّي عليّ الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبني ظلما وفي شقّه العتب
إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنّى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
وأعرض لمّا صار قلبي بملكه ... فهلاّ جفاني حين كان لي القلب
ويحكى أنّ سيف الدولة كان يوما جالسا والشعراء ينشدونه فتقدّم أعرابيّ رثّ الهيئة وأنشد يقول (من مجزوء الكامل):
أنت عليّ وهذه حلب ... قد نفد الزاد وانتهى الطلب
بهذه تفخر البلاد وبال ... أمير تزهى على الورى العرب
وعبدك الدهر قد أضرّ بنا ... إليك من جور عبدك الهرب
فقال سيف الدولة: أحسنت والله! وأمر له بمائتي دينار وراحلة.
كانت ولادته سابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة. وقيل سنة إحدى وثلاثمائة. وتوفّي لخمس بقين من صفر سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة بمدينة حلب. وكان قد جمع من نفض الغبار الذي تجمّع عليه في غزواته شيئا وعمله لبنة بقدر الكفّ وأوصى أن يوضع خدّه عليها في لحده فنفّذت وصيته في ذلك. وملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين؛ انتزعها من أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيد. وطالعت في بعض المجاميع أنّ أوّل (٣١٦) من ملك حلب من بني حمدن الحسين بن سعيد وهو أخو أبي فراس. فكان سيف الدولة قبل ذلك مالك واسط وتلك النواحي، وتقلّبت به الأحوال وانتقل إلى الشام وملك دمشق أيضا وكثيرا من بلاد الشام وبلاد الجزيرة. وغزواته مع الروم مشهورة، وللمتنبّي فيه وفي أكثر وقائعه قصائد مستفاضة على ألسنة الناس، وديوانه أشهر من أن يذكر. وسيأتي
стр. 2378
من شعره في آخر هذا الجزء لمع ممّا يجري ذلك في باب المرقص والمطرب.
وملك بعده ولده أبو المعالي شريف بن سيف الدولة.
ولنعد إلى سياقة التاريخ بعون الله تعالى.
ذكر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراعان ونصف إصبع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا ونصف إصبع.
< ما لخّص من الحوادث >
فيها في شهر المحرّم وصل الإخشيد إلى الرقّة واجتمع بالمتّقي لله وسأله أن يسير معه إلى مصر فأبى. وأشار عليه بالمقام مكانه ومدّه بالمال وفارقه. ثم وصل توزون، وقبّل يد الإمام المتّقي لله ورجليه، وركب في خدمته، ونزل المتّقي هو وحرمه في مضرب توزون. وأنفذ توزون أحضر عبد الله المستكفي وبويع له، وسلّم إليه المتّقي فأخرجه إلى جزيرة بقرب السند بعد ما سملت عيناه وأقيم بين يدي المستكفي بالله وسلّم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وله
стр. 2379
يوم ذاك خمس وثلاثون سنة. وتوفّي في خلافة المطيع في شعبان سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وله يومئذ ستون سنة وأشهر. والله أعلم.
<صفة المتقي ﵀: أبيض. أشهل. أشقر. كثّ اللحية لم يشب إلى حين خلع. ولد في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين.
وزراؤه: أحمد بن محمد بن ميمون، ثم البريدي، ثم سليمان بن الحسين، ثم القراريطي، ثم الكرخي، ثم الإصبهاني، ثم عليّ بن محمد بن مقلة.
حجّابه: سلامة الطولوني مولى خمارويه، ثم أحمد بن خاقان.
نقش خاتمه: المتقي لله. وقيل: إبراهيم بن المقتدر بالله يثق بالله. والله أعلم>.
(٣١٧) ذكر خلافة المستكفي بالله عبد الله بن المكتفي بالله
وما لخّص من خبره
هو أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله. وباقي نسبه معلوم. وتسمّى
стр. 2380
بإمام الحقّ آخر هذه السنة، وضرب ذلك على الدينار والدرهم. أمّه أمّ ولد يقال لها غصن لم تدرك خلافته. بويع له بالسنديّة لعشر بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين-وهي هذه السنة-وله إحدى وأربعون سنة وأياما؛ وكانت سنة وأربعة أشهر خلافته حتّى خلعه معزّ الدولة بن بويه.
وفي هذه السنة الإخشيد بمصر. وورد كتاب المستكفي بالله بتقليد القضاء لابن شعيب فلم يوافق الإخشيد على ذلك وأقرّ ابن هارون على الحكم. وعزل الكرخي عن الخراج ووليه جعفر بن الفضل. وخرج الإخشيد إلى الشام، واستخلف ابنه وأخاه أبا المظفّر على مصر.
ذكر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستّة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين إلى أن خلع في هذه السنة في تاريخ ما يأتي ذكره.
стр. 2381
فيها توفّي الإخشيد بدمشق وكانت ولاية كافور الإخشيدي نيابة عن ابن مولاه أنوجور؛ وكانت ولايته نيابة واستقلالا إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرين يوما. ذكر إبراهيم بن إسماعيل القرشي أنه لمّا تولى ابن الإخشيد- وهو عليّ يلقّب أنوجور-صار الأمر لكافور والاسم لابن الإخشيد، واستقرّ ذلك بمصر والشام.
وفيها توفّي توزون لثمان بقين من المحرّم من هذه السنة. وكانت إمارته سنتين (٣١٨) وأربعة أشهر وأياما. واجتمع الجيش على محمد بن يحيى بن شيرزاد كاتب توزون. ووصل بنو بويه في شهر جمادى الأولى من هذه السنة فقلّد المستكفي بالله أبا الحسين أحمد بن بويه الإمارة وخلع عليه وطوّقه وسوّره ولقّبه معزّ الدولة، ولقّب أخاه <أبا الحسن عليّا عماد الدولة ولقب أخاه> أبا عليّ الحسن بن بويه ركن الدولة وخلع أيضا عليه. ونزل الديلم دور الناس باليد ولم يكن ذلك فيما تقدم.
ذكر الدولة البويهية ومبتدأ أمرها ملخّصا
أمّا بنو بويه فأوّل من ملك منهم كان عماد الدولة أبو الحسن عليّ بن بويه فناخسرو الديلمي. وكان بويه فيما يقال صيّادا ولم تكن له عيشة غير صيد
стр. 2382
السمك في أوّل أمره. وسبب تمليكه أنّه كان شجاعا مقداما، وكان في جيش أولاد الناصر للحقّ العلويّ. وقد تقدّم <خبر> مبارزته في ذلك الوقت.
وانتشأ أولاده الثلاثة على ما كان عليه أبوهم من الشجاعة. ولمّا انقطعت دولة العلويّين، وتغلّب كلّ إنسان على طرف من ممالكهم ببلاد الديلم غلب عماد الدولة المذكور على شيراز، واتّفقت له أسباب عجيبة كانت سببا لثبات ملكه؛ ذكر ذلك أبو محمد هارون بن العبّاس المأموني في تاريخه أنّ عماد الدولة في أول ملكه اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال ولم يكن معه ما يرضيهم به وأشرف أمره على الانحلال فاغتمّ لذلك فبينا هو مفكّر قد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للفكرة والتدبير إذ نظر إلى حيّة عظيمة قد خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعا آخر فخاف أن تسقط عليه فدعا الفرّاشين وأمرهم بإحضار سلّم وأن تخرج الحيّة! فلمّا صعدوا وبحثوا (٣١٩) عن الحيّة فوجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين فعرّفوه ذلك فأمرهم بفتحها ففتحت فوجد فيها عدّة صناديق من المال والمصاغات قدر خمس ماية ألف دينار فحمل المال بين يديه فسرّ بذلك وأنفقه في رجاله وثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانخرام.
ومن غرائب أسبابه أيضا أنّه قطع ثيابا وسأل عن خياط حاذق فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله فأمر بإحضاره-وكان أطروشا-فوقع له أنّه سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحب البلد وأنه طلبه بهذا السبب! فلمّا خاطبه حلف أنّه ليس عنده إلاّ اثنا عشر صندوقا لا يدري ما فيها فعجب عماد الدولة من جوابه ووجّه معه من أحضرها فوجد فيها أموالا وثيابا بجملة كثيرة. وكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل السعادة. ثم تمكّنت أحواله، واستقرّت قواعده، وأقام في الملك ستّة عشر سنة. ولمّا ملك كان سنّه اثنتين وعشرين سنة وعاش سبعا
стр. 2383
وخمسين ولم يعقب وأتاه في مرضه أخوه ركن الدولة واتّفقا على تسليم البلاد- وهي بلاد فارس-إلى عضد الدولة ابن ركن الدولة فتسلّمها وكان من أمره ما كان.
خلع المستكفي بالله في شهر جمادى الآخرة من هذه السنة. وسبب ذلك أنّ أبا جعفر بن شيرزاد قوّى عزم معزّ الدولة على خلعه فإنه كان قد استكتبه ثم إنّ قهرمانة المستكفي تعرف بعلم صنعت دعوة وأحضرت <جماعة> من الديلم فاتّهمها معزّ الدولة أنها أرادت تعقد على الديلم بيعة في نقض رئاسته فركب إلى دار السلطان لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين-وهي هذه السنة (٣٢٠) ووقف بين يدي المستكفي بالله على رسمه وعادته، وتقدّم إلى المستكفي رجلان من الديلم فمدّا إليه أيديهما وصاحا صياحا عظيما بالفارسيّة فقدّر المستكفي أنّهما يريدان تقبيل يده فمدّها إليهما فجذباه بها وسحباه بعمامته في عنقه إلى مقام معزّ الدولة. ثم قبضوا على علم القهرمانة وابنيها. وسيق المستكفي إلى دار معزّ الدولة ماشيا، ونهبت دار السلطان. ثم أحضر المطيع وأقيم المستكفي بين يديه وسلّم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع، ثم سمل. ولم يزل في دار السلطان إلى أن توفي في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة؛ وله ست وأربعون سنة وأشهر. والله أعلم.
صفته: أبيض، حسن الوجه قد وخّطه الشيب، خفيف العارضين، أسود الشعر سبطه. مولده شهر صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وكان جهوريّ الصوت.
стр. 2384
وزراؤه: أبو جعفر محمد السامريّ. ثم الشيرازيّ-وكان ابن شيرزاد الغالب على الأمر.
حجابه: أحمد بن خاقان المفلحي.
نقش خاتمه: لله المستكفي بالله. وقيل: لله الأمر. وقيل: محمد رسول الله.
ذكر خلافة المطيع لله الفضل بن جعفر المقتدر
وما لخّص من سيرته .
هو أبو العباس وقيل أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر بالله. وباقي نسبه قد علم. أمّه أمّ ولد يقال لها مشعلة أدركت خلافته، وماتت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. وبويع له في جمادى الآخرة من هذه السنة وله ثلاث وثلاثون سنة وشهور. وكان حصار بغداد في أيامه. (٣٢١) ومدبّر الملك معزّ الدولة ابن بويه.
стр. 2385
وقيل: في هذه السنة توفي الإخشيد بمصر وقيل بدمشق وهو الصحيح.
وعادت الأمور إلى كافور نيابة عن أنوجور ابن الإخشيد. وفيها توفي محمد بن عبيد الله المهدي صاحب المغرب-حسبما يأتي من خبره في الجزء المختصّ بالعبيديّين.
ذكر سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المطيع لله أمير المؤمنين. وأنوجور ابن الإخشيد بمصر؛ ومدبّر أموره بها كافور الإخشيدي. وكذلك مدبّر الممالك الخليفية معزّ الدولة ابن بويه. ومتولّي الخراج بمصر جعفر بن الفضل إلى أن صرف عنه ووليه ابن عبد الوهّاب. والقاضي عبد الله بن الوليد على القضاء بمصر.
وفيها ثار غلبون على الصعيد ثم دخل الفسطاط بالسيف فأقام ساعة من
следующие страницы →