Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
الجزء السادس
تصدير
فى عام ١٩٥٨ اقترحت على الأستاذ هانس رومى-وكان يومئذ فى المعهد الألمانى للآثار بالقاهرة-أن ينشر المعهد سلسلة من النصوص التاريخية المتعلّقة بمصر الإسلامية، ودللته على كتاب كنز الدرر لابن الدوادارى، وأبنت له أنه مصدر من الطراز الأوّل وخاصة فيما يتعلّق بعصره.
وقد استجاب الأستاذ رومى، ثم المعهد إلى اقتراحى. واتفقنا أن نحقق الكتاب معا.
وكان اهتمام الأستاذ رومى بالجزأين الثامن والتاسع، المتعلقين بالعصر المماليكى، وصرفت عنايتى إلى الجزأين السادس والسابع المتعلقين بالفاطميين والأيوبيّين.
إنى سعيد جدا أن ينهض المعهد الألمانى بالقاهرة بنشر النصوص التاريخية المتعلقة بمصر. فالواقع أن هذه النصوص والوثائق كثيرة جدا، وإذا استثنينا بعض تواليف المقريزى، فإن ما نشر منها قليل. ونعتقد أن كتابة تاريخ مصر الإسلامية لا يمكن أن تتم بوجه أكمل إلا بعد نشر هذه النصوص والوثائق. لذلك كان عمل المعهد مفيد جدا، للعلماء والباحثين، ولمصر نفسها.
стр. 2452
وإنى أغتنم هذه الفرصة لأشكر الأستاذ هـ. شتوك مدير المعهد على إخراجه هذه السلسلة المفيدة، وعلى تكليفى تحقيق هذا الجزء، ومساعداته القيمة.
وإلى الأستاذ رومى الذى استجاب لاقتراحى، وأقبل على تحقيق الكتاب، فكان أول نص ينشره بالعربية.
وإلى زملائى فى معهد المخطوطات: فؤاد سيد، ورشاد عبد المطلب، ومحمد مرسى الخولى، ومحمد عبد القادر، الذين أعانونى فى تصحيح تجارب الطبع وصنع الفهارس.
ص. م
стр. 2453
مقدمة
كان القرن الثامن الهجرى من أخصب العصور الإسلامية فى المؤلفات التاريخية. فقد ظهر فيه عدد كبير من المؤرخين، تركوا آثارا تاريخيّة مهمّة. وكانت الكثرة من هؤلاء، من رجال الحديث الذين جمعوا بين الحديث والفقه ونقد الرجال، وبين التأريخ بمفهومه عند المسلمين. كالقطب اليونينى (٧٢٦ هـ-١٣٢٦ م)، والبرزالى (٧٣٩ هـ-١٣٣٩ م)، وابن الجزرى (٧٣٩ هـ-١٣٣٩ م)، والذهبى (٧٤٨ هـ-١٣٤٨ م)، والحسينى (٧٦٥ هـ-١٣٦٤ م)، والسبكى (٧٧١ هـ-١٣٧٠ م)، وابن كثير (٧٧٤ هـ-١٣٧٣ م)، وابن رافع (٧٧٤ هـ-١٣٧٢ م)، وابن رجب الحنبلى (٧٩٥ هـ-١٣٩٢ م). وعرف فريق جمع بين الأدب والتأريخ كالصلاح الصفدى (٧٦٤ هـ-١٣٦٣ م). وفريق ثالث كان من الورّاقين، كابن شاكر الكتبى (٧٦٤ هـ-١٣٦٣ م). وفريق رابع كان ممن يتّصلون بالدولة أو كانوا موظفين فيها أو أبناء موظفين، مثل بيبرس الدوادارى (٧٢٥ هـ- ١٣٢٥ م)، وأبى بكر ابن الدوادارى (بعد ٧٣٦ هـ-١٣٣٥ م). وقد امتازت كل فئة فى تآليفها التاريخية بميزة خاصة.
стр. 2454
ومؤلف الجزء الذى ننشره هو من الفئة الأخيرة. وميزة هذه الفئة أنها كانت شهود عيان لكثير من الحوادث التى عاصرتها، وأتيح لها أن تطلع على خفايا أمور السياسة فى ذلك العصر، كما أنها عبّرت عن وجهات النظر الحكومية فى أحيان كثيرة. وعلى هذا فإن ما يتعلّق، من مؤلفاتها، بالعصر الذى عاشت فيه، هو على جانب كبير من الشأن. أما ما سبق عصرها فقيمته متعلقة بشأن المصادر التى استمدت منها، وطريقة الأخذ عنها.
ونحن لا ندرى الكثير عن مؤلّف هذا الجزء. ولولا كتبه التاريخية التى وصلت إلينا لما عرفنا عنه شيئا. إذ سكت عنه الذين ترجموا لعلماء القرن الثامن ورجاله، فى حين ترجموا للكثيرين غيره. وإذن فإن من الصعب أن نقدّم ترجمة واسعة له. ومن المؤسف أنه هو أيضا لم يتحدّث عن نفسه كثيرا فى تاريخه، وما وجدناه فى تاريخه قد يقدم له ترجمة صغيرة، ولكنها على كل حال ناقصة.
يذكر المؤلف فى عنوان تاريخه اسمه. وهو «أبو بكر بن عبد الله ابن أيبك صاحب صرخد». ولنحاول أن نبحث أولا عن جدّه.
لقد بحثنا كثيرا عن ولاة صرخد، وهى بليدة فى حوران لها قلعة مشهورة، فوجدنا فيهم «أيبك صاحب صرخد، الاستادار المعظمى». وكان هذا
стр. 2455
توفى سنة ٦٤٥ هـ. وهو بانى المدرسة العزيّة على الشرف الأعلى بدمشق.
وتذكر المصادر أنه توفى بصرخد، ثم نقل إلى مدرسته بدمشق. لكن مؤلفنا يذكر أن جدّه وجدّته مدفونان بأذرعات. فلعل جدّه أيبك آخر كان صاحب صرخد.
أما أبوه فيحدّثنا ابنه أنه سمّى بالدوادارى لأنه انتسب إلى خدمة الأمير سيف الدين بلبان الرومى الظاهرى. ويذكر ابن تغرى بردى أن بلبان هذا كان دوادارا عند الظاهر بيبرس الذى تولّى السلطنة سنة ٦٥٨ هـ وظلّ إلى سنة وفاته سنة ٦٧٦ هـ. وكان مقرّبا إليه مطلعا على أسراره، مدبّرا أمور القصّاد والجواسيس والمكاتبات. وتوفى سنة ٦٨٠ هـ، أى بعد موت الظاهر بأربع سنين.
على أننا لا ندرى متى انتسب إلى خدمة بلبان.
ويحدثنا أبو بكر أنهم كانوا يسكنون فى القاهرة بحارة الباطلية.
وبهذه الحارة نشأ وربّى، فقد كان لأبيه سكن فيها.
ويحدثنا أيضا أنه فى سنة ٦٩٩ هـ، ولّى أبوه أعمال الشرقية وإمرة العربان. فبقى فيها إحدى عشرة سنة، إلى سنة ٧١٠ هـ، فاستعفى فأعفى. وخيّره السلطان بين البقاء فى القاهرة أو الذهاب إلى الشام. فاختار الشام. فباع سكنه، ولم يكن لديه سواه، وتجهّز
стр. 2456
بثمنه إلى الشام، ومعه ابنه المؤلف. وفى دمشق عيّن مهمندارا، والمهمندار هو الذى يستقبل الرسل والضيوف الواردين ويدبر أمورهم ويعنى بهم. ثم أضيف إليه شدّ الدواوين. فقبل العمل الجديد على كره، حتى واتت الفرصة فتخلّص منه. وبقى مهمندارا إلى سنة ٧١٣ هـ، عند ما مات، وهو يقوم بمهمة رسمية. فقد كان يفتش القلاع، وفى جولته مرّ بوادى الزرقا، من الأردن، قاصدا قلعة عجلون. فوقع من فوق فرسه، ومات. فحمل إلى أذرعات بحوران، ودفن قريبا من أبيه وأمّه.
وتدلّ اللهجة التى يتحدث المؤلف بها عن أبيه على أنه كان ذا شأن، وأنه شارك فى أمور هامة سياسيّة، تتعلّق بالناصر محمد بن قلاوون، وأنه كان مهابا، وكان أمينا، فقيرا، خلف بعد وفاته الكثير من الديون.
أما مؤلفنا فالغموض يحيط بحياته. لا ندرى متى ولد، وقد ذكر أنه نشأ وربى بحارة الباطلية بالقاهرة. ولما انتقل أبوه إلى دمشق، ذهب معه، وظل فيها إلى سنة وفاته (٧١٣ هـ)، ولا ندرى إذا كان بقى بدمشق أم عاد إلى القاهرة، وكذلك لا ندرى إن كان انتسب إلى خدمة الحكومة أم ظل بطّالا منعزلا، لكننا نرجح أنه كان ذا صلة
стр. 2457
حسنة بالناصر محمد، فقد أشاد بذكره فى مقدمة تاريخه، وفى مقدمة الجزء التاسع منه خاصة، بل وضع تاريخه كله من أجله «فوضعت هذا التاريخ اللطيف مشرّفا بالاسم السلطانى الناصرى الشريف»، ونرجح أيضا أنه انصرف عن أعمال الحكومة إلى تلقى الأدب والعلم «. . . استأنست بالخلاء عن الملاء، ووليت وجهى شطر الأئمة الفضلاء، وبسطت حجرى لالتقاط درر الشفاه، وجعلت ذلك دواء لقلبى وشفاه. . .».
على أنه كان فى حال حياة أبيه يرافقه دائما، وكان يحضر المحادثات التى كانت تجرى بين أبيه ورجال الدولة. وقد نقل الكثير منها فى الثامن والتاسع من تاريخه. وكان يستمع إلى آراء الكبار والقوّاد، وكان يساعد أباه على عمله، وقد أنفذه مرّة إلى القاهرة، وهو فى دمشق، ليتخفى ويكتب له بما يجرى فيها من مؤآمرات.
ولكن العجيب أن لا يذكر أباه أحد من المؤرخين. إنّ من يقرأ الجزء التاسع والثامن من كنز الدرر يحسّ بأن الرجل كان ذا شأن.
وأنه أسهم فى الأمور السياسية إلى حد بعيد. فلماذا أغفل المقريزى وابن تغرى بردى وابن حجر ذكره، وقد ذكروا من هو أقل منه شأنا؟
ونستطيع أن نخلص إلى القول إن أبا بكر ابن الدوادارى كان من أسرة أفرادها من رجال الدولة الكبار-أبوه وجدّه-ونرجح
стр. 2458
أنها كانت من حوران، أو تعيش فى حوران. فجدّه كان صاحب صرخد، وصرخد فى حوران، ودفن هو وزوجته فى أذرعات، وهى فى حوران وكان لأبيه قرية خسفين إقطاعا له، وهى فى حوران أيضا.
... ولنتحدث عن شخصية ابن الدوادارى العلمية. يخبرنا فى مقدمة تاريخه الكبير «أنه اشتغل بفن الأدب، السامى القدر، العالى الرتب»، وأنه تردّد إلى العلماء «. . . ووليت وجهى شطر الأئمة الفضلاء، وبسطت حجرى لالتقاط درر الشفاه. . . ورويت عن الفضلاء من مشارقها ومغاربها».
على أننا لا نجد ذكرا فى تاريخه لهؤلاء العلماء والفضلاء الذين تردّد إليهم وروى عنهم. ونجده فى الجزء التاسع من تاريخه يتردّد على بعض المتصوّفة ويروى أخبارهم. كما نجده يزور الأديرة فى الوجه القبلى ويقرأ ما فى خزائنها. وهو يذكر من مصادر الجزء السادس «الكتاب القبطى الذى وجدته بالدير الأبيض بالوجه القبلى واستنسخت منه» وما ندرى إن كان يعرف القبطية، أو ترجم له ما فى الكتاب. وكذلك نراه يلتقط أو يقع على كثير من الكتب النادرة، مما يدل على شغفه بالعلم والقراءة.
стр. 2459
هذا الشغف العلمىّ دفعه إلى التأليف. وهو يذكر فى الجزء التاسع بعض الكتب التى ألفّها. مثل:
١ - أعيان الأمثال وأمثال الأعيان.
٢ - حدائق الأحداق، ودقائق الحذّاق.
٣ - عادات السادات، سادات العادات. فى مناقب الشيح أبى السعادات.
ولم تصل إلينا هذه المؤلفات.
٤ - تاريخ موجز اسمه درر التيجان.
٥ - تاريخ موسع اسمه كنز الدرر.
وقد وصلا إلينا.
٦ - ووعد فى الجزء السادس، أن يؤلّف بعد تكملة التاريخ الكبير، أى كنز الدرر، كتابا اسمه «الروضة الزاهرة فى خطط القاهرة» وما ندرى إن كان وضعه أم لا.
هذه التواليف تدلنا على أنه كان يعنى بالأدب والأخبار والتاريخ، ولم تصلنا كتبه الأدبية، والأغلب أنها كانت تقوم على الجمع. على أننا نحسّ، من ثنايا الجزء السادس، أنه كان يتذوّق الشعر، ويحسن انتقاءه. فهو يعلّق أحيانا على بعض الأشعار بعبارات جيدة، وهو ينتقى لبعض الشعراء مقطعات رائعة.
стр. 2460
ولقد وصل إلينا التاريخان اللذان وضعهما. فلنتكلم عنه مؤرّخا، بالاستناد إليهما، وخاصة الجزء السادس والتاسع من تاريخه الكبير.
... نلاحظ، فى تتبع كنز الدرر، أن ابن الدوادارى جمّاع فى الأجزاء التى سبقت عصره، مؤلّف فى الحوادث التى عاصرها ورآها.
ويقول فى مقدمته عن تاريخه: «. . انتخبته وانتقيته، وغربلته ونقّيته، من تواريخ رئيسة، وكتب نفيسة، فعاد كالحديقة المشرقة، ذات أشجار مورقة. . . ونوادر ملهية، ومضاحك هزلية، وملح شهيّة، ورقائق مبكية، وأهاجى منكية، ومدائح زكية، وحكايات مليحة،. . . فلما كملت مسوّداته، ونجزت آياته، ألفت كل واقعة فى زمانها، وماجرية فى أوانها، وأقمته تاريخا غريب المثال، كثير الحكم والأمثال.
ولخّصت من تواريخ الجمع ما ينزّه الناظر ويشنف السمع، يتضمّن من فوائد الجد، ونوادر الهزل، وفوائد النثر، وقلائد النظم ما يملأ البصر نورا، والقلب سرورا. . .
فنلاحظ أن ابن الدوادارى عمد بادئ بدء إلى «التقميش» أو «الجمع»، وإلى «التلخيص»، كما نلاحظ أن غايته فى تاريخه إرضاء القارئ
стр. 2461
وتسليته، لذلك حشد فيه النوادر والمضاحك والملح والرقائق والأهاجى والمدائح والحكايات.
أما فى القسم الذى عاش فيه وأرّخه فنجده مؤرخا من الطراز الأول، كثير الملاحظة، يسوق أكثر ما يمكن من تفصيلات، وخاصة فيما رآه هو نفسه أو شارك فيه. وهو يقص، بحرارة وصدق، الحوادث التى رآها وأثرت فى نفسه. ولا شك أنه فى هذا القسم من أثمن المراجع التى يرجع إليها لتأريخ المماليك. غير أن أسلوبه عامى فيما ينشئه هو بنفسه، فى أغلب الأحايين: يستعمل اللغة العامية، وتراكيبها، وألفاظها، وقد يخلطها باللغة الفصحى، المسجوعة، مما حفظه من الكتب. فيأتى من ذلك أسلوب عجيب، يفصح مرة، ويسفل أخرى.
وقد ألّف تاريخين: الأوّل هو «كنز الدرر»، والثانى «درر التيجان». جعل الأول فى تسع مجلّدات، وهو يدخل فى إطار التواريخ العامة، منذ مبدإ الخليقة إلى عصر المؤلف. وقد جعل كل جزء يختص بدولة واختصّ كلّ جزء باسمين خاص وعام. ويعتقد أن عمله هذا لم يسبق إليه. فالاسمان الفرعيان الأولّ يتعلّق بفلك من أفلاك السماء التسع، والثانى يتعلّق بموضوع الكتاب. وإذ كان الاسم العام «كنز الدرر» فقد جعل عنوان الكتاب الفرعى الثانى درّة دائما.
لأن الكنز كله درر.
стр. 2462
وها هى أسماء الأجزاء:
١ - نزهة البشر من قسمة فلك القمر وهو:
الدرّة العليا فى أخبار بدوّ الدنيا
٢ - غلّة الوارد من قسمة فلك عطارد وهو:
الدرة اليتيمة فى أخبار الأمم القديمة
٣ - المشرّف بالقدرة من قسمة فلك الزهرة وهو:
الدر الثمين فى أخبار سيد المرسلين
٤ - بغية النفس من قسمة فلك الشمس وهو:
الدرة المسميّة فى أخبار الدولة الأموية
٥ - الذى كلّ سمع له مصيخ من قسمة المريخ وهو:
الدرة السنية فى أخبار الدولة العباسية
٦ - الفائق صحاح الجوهرى من قسمة فلك المشترى وهو:
الدرّة المضية فى أخبار الدولة الفاطمية
٧ - شهد النحل من قسمة فلك زحل وهو:
الدر المطلوب فى أخبار دولة بنى أيوب
٨ - زهر المروج من قسمة فلك البروج وهو:
الدرة الزكية فى أخبار دولة الملوك التركية
стр. 2463
٩ - الجوهر الأنفس من قسمة الفلك الأطلس وهو:
الدر الفاخر فى سيرة الملك الناصر
ويحدثنا أنه جمع مواده أولا وسوّده، ابتدأه سنة ٧٠٩ هـ، أى قبل أن ينتقل إلى دمشق مع أبيه. ثم أخذ ينسخه ويبيّضه ويعيد النظر فيه جزءا جزءا.
وقد وقف فى حوادث تاريخه عند سنة ٧٣٥ هـ. وفرغ من الجزء الآخر فى مستهل سنة ست وثلاثين. فيكون قضى فى جمعه وكتابته سبعا وعشرين سنة.
والتاريخ الثانى الذى ألفه ابن أيبك هو درر التيجان وغرر تواريخ الزمان. وهو تاريخ عام مختصر فى مجلد واحد. بدأه من زمن آدم، ثم تكلم على الأنبياء، وعلى عصر الجاهلية، وبدأ بذكر الحوادث منذ بدء الإسلام، سنة فسنة، وانتهى إلى سنة ٧١٠ هـ. وقد أضاف فيه إلى ذكر الحوادث تراجم الملوك والوزراء والعلماء والأدباء والشعراء والأطباء. بخلاف الأوّل، فقد جعله للحوادث والدول.
وقد وصل إلينا التاريخان، والأول بخط المؤلّف.
ونعتقد أن كل جزء من أجزاء التاريخ الكبير، يحتاج إلى دراسة خاصة ونقد داخلى.
стр. 2464
لذلك سنقصر الكلام هنا على المجلد الذى نقدمه وهو الجزء السادس المتعلق بالدولة الفاطمية.
...
الدرّة المضيّة فى أخبار الدولة الفاطمية
هذا هو الجزء السادس من «كنز الدرر». عنوانه الفرعى الأول:
«الفائق صحاح الجوهرى من قسمة فلك المشترى»، وعنوانه الثانى «الدرة المضية فى أخبار الدولة الفاطمية».
وهو يختص بذكر الخلفاء الفاطميين بمصر، والدول المنقطعة والمتصلة التى قامت أثناء دولتهم.
بدأ بحوادث سنة ٣٥٩ هـ (ص ١٢٠) ودخول جوهر القائد إلى مصر. وتابع ذكر الحوادث إلى سنة ٥٥٤ هـ.
وتكلم على الدعوة الفاطمية بالتفصيل، وعلى القرامطة، والأغالبة، وبنى حمدان، والسلاجقة، وملوك البويهيين، والسامانيين، والصليحيين باليمن.
استمد موادّه من مصادر أغلبها مفقود. نذكرها فيما يلى:
١ - كتاب الشريف أبى الحسين أخى محسن فى أصل الفاطميين (ص ٦).
стр. 2465
٢ - تاريخ القيروان (ص ٤،٢٩٩).
٣ - تحفة القصر فى عجائب مصر للعاضد الفاطمى (ص ٣٦٣)، ٣٥٢.
٤ - تاريخ القاضى ابن خلكان (ص ١٤٥)
٥ - تاريخ مصر لابن زولاق (ص ٤)
٦ - الروضة البهيّة فى خطط القاهرة المعزيّة لابن عبد الظاهر (ص ١٣٥)
٧ - أخبار الشام لعلى بن محمد بن يحيى السلمى السميساطى، أبو القاسم، إلى سنة ٣٩٥ هـ (ص ٢٧٢)
٨ - دمية القصر (ص ٢٨٣)
٩ - تاريخ ابن دحية (ص ٢٩٨)
١٠ - حلّ الرموز فى علم الكنوز (ص ٣٠١)
١١ - سيرة الحاكم لمجهول (ص ٣٠٢)
١٢ - رسائل أبى القاسم الوزير المغربى (ص ٣١٢)
١٣ - تاريخ بغداد، لم يذكر مؤلفه (ص ٣٢٨،٣٣٦)
١٤ - كتاب قبطى وجده بالدير الأبيض بالوجه القبلى واستنسخ منه (ص ٣٥٣)
стр. 2466
١٥ - خريدة القصر للعماد (ص ٤٠٩)
١٦ - السيل والذيل للعماد (ص ٤٢١)
١٧ - سيرة السلطان صلاح الدين لابن شدّاد (ص ٤٢٢)
١٨ - مفرج الكروب لابن واصل.
١٩ - كتاب جنى النحل [لابن سعيد] (ص ٤٣٧)
٢٠ - سير التاريخ لعلى بن منجب (ص ١١١)
٢١ - سيرة السلطان صلاح الدين لابن شدّاد (ص ٤٢٢)
والكثير الغالب من هذه المصادر مفقود (١،٢،٣،٥،٦، ٧،١٠،١١،١٣،١٤،١٦،١٩،٢٠) والباقى مطبوع أو مخطوط (٤،٨،٩،١٢،١٥،١٧،١٨،٢١). والمفقود منها ذو شأن كبير، وما نجده من بعض نصوصها فى مصادر أخرى قليل.
ومن المفيد أن ننوه هنا بأحد هذه المصادر المفقودة التى نقلها ابن الدوادارى فى هذا الجزء السادس، وهو «أخبار الشام» للسميساطى.
فقد سرد منه حوادث دمشق فى زمن الفاطميين وكنا لا نعرف كتابا يتعلّق بهذه الفترة فى تاريخ دمشق إلا تاريخ القلانسى: فكان المصدر الوحيد عن دمشق الفاطميّة. أما كتاب السميساطى هذا فلم نعثر له من قبل على خبر. وما نقله منه يؤكد أو يعدّل الأخبار التى رواها القلانسى،
стр. 2467
وتوفى السميساطى سنة ٤٥٣ هـ، وهو واقف الخانقاه السميساطية بدمشق ومن تلاميذ الخطيب البغدادى فيها.
وسيكون هذا الجزء من تاريخ ابن الدوادارى بعد اليوم من مصادر تأريخ دمشق أيضا.
وواضح أن هذه المصادر المفقودة المهمّة، هى التى تجعل لهذا الجزء شأنا وقيمة، رغم العاميّة التى يتصف بها صاحبه.
... ويعتمد المؤلف على التلخيص إلى حدّ كبير، فهو يذكر فى كل سنة «ما لخّص من الحوادث»، كما يذكر تلخيصه الأخبار عن المؤرّخين.
وقد أردنا أن نبيّن قيمة هذا التلخيص. فرجعنا إلى نصوص الكتب المطبوعة التى نقل منها، وعارضناها بما جاء عن ابن الدوادارى، وقد لفت نظرنا أنه يلخص تلخيصا مخلاّ، أحيانا كثيرة، ولا يتقيّد بنص الأصل وألفاظه. وأنه يوجز حتى يضيع بعض تفصيلات الحوادث.
وقد أشرنا إلى بعض ذلك فى حواشينا، وخاصة فيما نقله عن مفرج الكروب وابن خلّكان.
ولاحظنا أيضا أنه فى النصوص التى ينقلها كثيرا ما يخطئ فى أسماء الأعلام، أو الأماكن، مما يدلّ على أنه لم يكن على علم بها.
...
стр. 2468
ولنر الآن نهجه فى كتابه:
يعنى ابن الدوادارى بذكر قياس ماء النيل كل سنة. ولا ندرى المصدر الذى أخذ عنه. وقد قايسناه بما جاء عند ابن تغرى بردى، فوجدنا اتفاقا كبيرا، ووجدنا اختلافا بعض الأحايين. ولعلهما أخذا عن مصدرين مختلفين. ولا نعتقد أن ابن تغرى بردى نقل عن ابن أبيك، وهو المتقدم.
على أننا نلاحظ أن المؤلف سينقطع عن ذكر ارتفاع النيل فى الجزء التاسع. وقد ترك فى المخطوطة مكان مقدار الارتفاع بياضا، بانتظار مصدر ينقل عنه.
ثم يذكر ما لخص من الحوادث، فيبدأ بذكر خليفة المسلمين فى بغداد ومدبرى الأمر حوله، ثم خليفة مصر ومدبرى الأمر من حوله، ثم ما وقع فى جميع الأقطار من حوادث.
وعندما يأتى ذكر دولة من الدول المنقطعة، أو اسم صاحب من أصحاب الدعوات، كالقرامطة وغيرهم، فإنه يذكر الدولة أو الدعوة بالتفصيل حتى ولو تجاوزت سنو تاريخها السنة التى هو فيها. وذلك
стр. 2469
حتى يكون عند القارئ فصلا قائما بنفسه كاملا عن الدولة أو عن الدعوة.
على أن أسلوب كتابته التاريخ يدلنا على أنه كان متأدبا لكنه ضعيف الثقافة، وخاصة بآلات اللغة العربية، فهو يقتبس أحيانا كثيرا من الجمل الفصيحة الرائعة، قد يكون حفظها من قراءاته، ثم ما تلبث أن نجد جملا ركيكة جدا، وألفاظا وتراكيب عامية، ونجده يخطئ فى النحو أخطاء كثيرة، ويكثر من لغة «أكلونى البراغيث»، وكذلك يخطئ فى رسم الكلمات لأن النسخة التى وصلت إلينا من التاريخ هى بخطّه.
وإذا قايسنا ابن الدوادارى بالمؤرخين المعاصرين له، فى القرن الثامن كالبرزالى، وابن كثير، والذهبى، والصفدى، وابن الجزرى، والقطب اليونينى، وابن شاكر الكتبى، والحسينى، والسبكى، وجدناه دونهم بمراحل، من حيث أسلوبه وعبارته، وتلخيصه. فتاريخ ابن أيبك، على ما ظهر لنا من الجزء السادس الذى ننشره والتاسع المطبوع، تاريخ أقرب إلى الأسلوب العامى أحيانا من الأسلوب الفصيح، وقد يفيد أحيانا، من هذه الناحية، لمعرفة اللغة العامية العربية فى القرن الثامن فى دمشق والقاهرة، حيث عاش المؤلف.
стр. 2470
وصف المخطوطة
الجزء الذى ننشره مكتوب بخط المصنف، كسائر أجزاء كنز الدرر، ومحفوظ فى مكتبة أحمد الثالث باستنبول برقم ٢٩٢٢/ ٦.
صوّره معهد المخطوطات العربية على ميكروفلم، وهو محفوظ لديه برقم ٤١٣ تاريخ.
أثبت على الورقة الأولى داخل إطار مزخرف، فى الأعلى:
الجزء السادس فى تاريخ كنز الدرر وجامع الغرر تأليف أضعف عباد الله وأفقرهم إلى الله أبو بكر (كذا) ابن عبد الله بن أيبك صاحب صرخد، كان، عرف والده ﵀ بالدوادارى، انتسابا لخدمة الأمر المرحوم سيف الدين بلبان الرومى، الدوادارى الظاهرى تغمّده الله برحمته، وأسكنهم فسيحة جنته بمحمد وآله وهو الدرّة المضيّة فى أخبار الدولة الفاطمية.
على هامش الإطار فى الأعلى والأيسر نصّ وقفيّة نسخة التاريخ هده كلها على مسجد الزينى بالقاهرة وهذا نصها:
стр. 2471
صورة الورقة الأولى من المخطوط
стр. 2472
صورة الورقة الأخيرة من المخطوط
стр. 2473
الحمد لله رب العالمين
وقف وحبس وسبّل وأبّد جميع هذا الجزء المبارك وهو السادس من تاريخ كنز الدرر وجامع الغرر. . . . . . المقر الأشرف العالى. . . . . .
يحيى الظاهرى آمر استاد الدار العالية وملك الأمراء وكاشف الجسور السلطانية بالوجهين القبلى والبحرى. . . . . . . . . الظاهرى أعزّ الله أنصاره وضاعف. . . . . . . . . على طلبة العلم الملازمين للجامع المبارك إنشاء المقرّ المشار إليه الكائن بباب الخوخة بالقرب من سكن المقرّ المشار إليه.
وجعل مقرّه بالجامع المذكور لا يخرج منه برهن ولا عارية ولا بوجه من الوجوه ولا بطريق من الطّرق. وقفا صحيحا شرعيّا، تقبل الله ذلك منه قبولا جميلا، وأثابه ثوابا جزيلا، (﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.﴾) وأشهد على نفسه الكريمة بذلك فى العشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وثمانماية. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وتحت ذلك توقيع من شهد عليه.
وتحته تثبيت للوقف المذكور عند الحاكم الحنفى بمصر سنة ٨٥٧ هـ.
وواقف هذا الجزء ترجم له السخاوى فى الضوء (١٠/ ٢٣٣) وابن إياس (٢/ ١١٤) واسمه يحيى بن عبد الرزاق الزينى القبطى الاستادار
стр. 2474
المعروف بالأشقر. وقد ذكر السخاوى «أنه بنى مدرسة بجانب بيته الذى عمله بالقرب من المدرسة الفخرية بين السورين بالغ فى شأنها ووقف فيها كتبا هائلة». وتوفى سنة ٨٧٤ هـ. وكان بناؤه المسجد سنة ٨٤٨ هـ.
وما تزال هذه المدرسة (أو المسجد) قائمة. وقد وصفها حسن عبد الوهاب فى تاريخ المساجد الأثرية ص ٢٣٤. ويكون إيقاف الكتاب كما تدل الوقفيّة فى سنة إتمام بناء المسجد.
وجاء فى آخر ورقة منه:
انتهى الكلام فى ذكر الشعراء المذكورين المختصين بهذا الجزء وبتمامهم نجز ولله الحمد والمنة والطول، وبه القوّة والحول، بخط يد واضعه ومصنفه وجامعه ومألفه (كذا) أضعف خلق الله وأفقرهم إلى رحمته أبو (كذا) بكر بن عبد الله الدوادارى المقدم ذكر نسبته فى أوّله، غفر الله له ولوالديه، ولمن قرأه وتجاوز عن كل خطأ يراه، ولكافة المسلمين أجمعين.
وكان الفراغ من نسخه آخر يوم الأحد العشرين من شهر جمادى الآخرى سنة أربع وثلاثين وسبع ماية الهجرية على صاحبها السلام.
أحسن الله نقصها بخير إنه ولىّ ذلك وقادر عليه والأمور مبتدأها منه ومصيرها إليه وهو حسبى ونعم الوكيل.
بلغ نظرا من المصنف عفا الله عنه
стр. 2475
يقع هذا الجزء فى ٣٢٩ صفحة.
فى الصفحة ٢١ سطرا.
كتب بخط نسخى، تنقص من كلماته النقط أحيانا.
العنوانات (السنوات، ما لخصّ من الحوادث، الفصول) كتبت بخط أغلظ وبحبر أحمر.
أضاف المؤلف بخطه فى الحواشى إضافات كثيرة نقلها من بعض كتب التاريخ، وهذه الحواشى واضحة فى القسم الأخير من الجزء، إذ أضاف فيها ما أخذه عن ابن واصل.
رسم الكلمات جدير بأن ننوّه به. فقد ذكرنا أن فيه كثيرا من الخطأ. وقد جزمنا بأنه خطأ لأن هذا الرسم يخالف الرسم الذى نجده فى سائر مخطوطات القرن الثامن. لذلك لا فائدة من سرد أنموذجات منه تكون أساسا للدراسة، لأنه ليس رسم العصر. وقد أشار الأستاذ رومر فى مقدمته إلى بعض مزايا الرسم عند المؤلف.
стр. 2476
نهج التحقيق
المعروف فى قواعد تحقيق النصوص أن المخطوطة التى يعثر عليها مكتوبة بخط المؤلف ينبغى أن تثبت كما وصلت إلينا دون تبديل فى نصتها أو تصحيح، ذلك لأنها صورة عن ثقافة المؤلف وروحه. ويكون عمل المحقق أن ينبه إلى الخطأ، أو يصحّح ما يحتاج إلى تصحيح فى الحواشى.
لذلك حاولنا أن نطبق النهج الصحيح الموضوع لمثل هذه الحالات.
فاتبعنا ما يلى:
١ - أثبتنا النص كما ورد المخطوط بأخطائه الغوية والنحوية، على كثرتها. وأشرنا فى الحاشية إلى صحة كلّ لفظ، أو اتبعنا اللفظ بكلمة (كذا) إذا كان الخطأ فيه واضحا جدا أو غير مفهوم، وبذلك يستطيع القارئ أن يقرأ المؤلّف بتراكيبه وألفاظه، كما كتبها.
٢ - أخطأ المؤلف فى رسم الكلمات فى بعض أحايين. ولما كان الرسم يتبدّل بتبدّل العصور، وليس من فائدة من إثبات الرسم الخطا لأنه مخالف اسم أيّامنا، فقد صححنا الرسم، على ما هو جار اليوم.
واكتفينا بالتنويه بذلك عندما وصفنا المخطوطة، حتى يكون لدى القارئ فكرة عن ثقافة المؤلف فى علم الخط والرسم.
٣ - تخفيف الهمز فى الكلمات أثبتناه كما ورد، على أننا أحيانا
стр. 2477
أثبتنا الهمز عندما لا يؤثر ذلك فى تبديل مفهوم اللفظ، أو بعده عن العامية.
٤ - نقل المؤلّف نصوصا كثيرة من كتب وصل بعضها إلينا وفقد البعض الآخر. وقد عارضنا النصوص التى وصلت إلينا بما ذكره المؤلف. وقوّمنا هذه النصوص حسبما وردت فى مصادرها الأصلية، إلاّ عندما يكون النقل جزئيا، أو اختصارا، فعندئذ أحلنا على المصدر ونوّهنا أن نصّ المؤلف لا يوافق نصّ الأصل، أو أن اختصاره مخلّ، وقد نضيف إلى نص المؤلف ألفاظّا من المصدر الذى نقل منه، عندما يكون نص المؤلف مبهما، وأحيانا تثبت نص الأصل بلفظه فى الحاشية عندما يصعب تقديم نص المؤلف.
٥ - صححنا فى الحواشى أسماء الأعلام والأماكن التى أخطأ المؤلف فيها.
٦ - ورد فى الكتاب أشعار كثيرة، وخاصة من مدائح الفاطميين.
ولم نجد الكثير منها فى المصار التى بين أيدينا، وهذا من مزايا الكتاب. وقد عارضنا ما وجدناه منها بالدواوين أو كتب الأدب، وأشرنا إلى اختلاف الروايات. ومن المؤسف أن المؤلف لم يذكر المصادر التى نقل منها هذه الأشعار. ولقد نقل فى آخر الكتاب كثيرا من المرقص والمطرب لابن سعيد لكنه لم يذكر اسمه. وقد رجعنا إلى
стр. 2478
المرقص والدمية والخريدة واليتيمة وتتمة اليتيمة وغيرها وعارضنا ما ورد فى كتابنا من أشعار وردت فيها، وصححناها أحيانا دون الإشارة إلى ذلك.
٧ - عارضنا أحيانا، نصوص المؤلف المتعلّقة بالحوادث والوفيات، بما جاء عنها فى المصادر التأريخية الأخرى. لنتأكد من صحتها. وأثبتنا فى الحاشية الاختلاف، أو أحلنا على المصادر الثانية ليرى القارئ الاختلاف.
٨ - أتبعنا النص بفهارس منوّعة للأعلام-ويدخل فيها القبائل والأمم والدول والفرق-وللأماكن، وللألفاظ الاصطلاحية.
ونرجو أن يفيد العلماء والباحثون من هذا الجزء، فإن فيه موادّ كثيرة لها شأنها. كما نرجو من يجد خطأ فى عملنا أن ينبهنا إليه.
يوليو ١٩٦٠
المنجد
стр. 2479
الجزء السّادس من تاريخ
كنز الدّرر وجامع الغرر
تأليف أضعف عباد الله وأفقرهم إلى الله أبو بكر ابن عبد الله بن أبيك صاحب صرخد كان عرف والده ﵀ بالدوادارى انتسابا لخدمة الأمير المرحوم سيف الدين بلبان الرومى الدوادار الظاهرى تغمّده الله برحمته وأسكنهم فسيح جنّته بمحمد وآله وهو
الدّرّة المضيّة فى أخبار الدّولة الفاطميّة
стр. 2480
< مقدمة المؤلف >
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ اختم بخير
الحمد لله الذى خصّنا بالإسلام، وشرّفنا إذ جعلنا من أمّة محمّد البدر التّمام، ومصباح الظلام، ورسول الملك العلاّم، صلّى الله عليه كلّما خطب إمام، وندب حمام، وعلى آله الكرام، الأشراف الأحلام، ما عسعس ظلام، وتنفّس صبح بابتسام، وعلى أصحابه الأعلام، هداة الإسلام، ما هجس هاجس إنسان بمنام، وحدس حادس لسان بكلام، وسلّم وكرّم، ومجّد وعظّم.
وبعد فإنّ الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، والنيّة أبلغ من العمل إذا لم يخامر النيّة هوى. وأوضح المسالك، ونجاة الهالك، فيما أتى به البشير الصادق، الذى بالحقّ عن الحقّ ناطق، فذلك أوضح السّبل إلى النجاه، وأبين لذوى عينين من الصبح إذا فارق دجاه.
اللهمّ هذا مذهبى واعتقادى، وتنقيبى وانتقادى، لعلى أكن من المخصوصين، فى كتابه المبين، بقوله:
(﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾)
стр. 2481
(﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾).
اللهم إنّى أشهدك أنّ هذه الآيات عقيدتى، والخالص من سريرتى ونيّتى، فأمتنى اللهمّ على هذه النيّة، ولا تحل بينى وبين هده الأمنية.
ثم إنّ هذا الجزء السّادس، المشنّف المسامع بدرره النفايس، الّذى إليه كلّ قلب يرتاح، وكلّ سمع إليه يأنس (ص ٣) لما اشتمل عليه من جواهر الكلام، ونوادر تواريخ الأيّام، مما دثر ونسى وبان، وغبر عليه تصاريف الزمان فوفّقنى الله تعالى لأحيى ذلك الداثر الدّارس، ليشنّف بدرره آذان كلّ قارئ ودارس، حتى يعود كأنّه مشاهدا لتلك العصور الخالية، ومنادما لتلك الرمم البالية، وهذا الجزو فهو المختصّ بذكر العبيدييّن، الخالفاء المصرييّن، وجميع ما قيل فيهم من الاختلاف، ووقع عليهم من الائتلاف، والعبد يقلّد كلّ إنسان بدعواه، ويذكر ما ذكره من غرضه وهواه، إذ ليس لنا بحمد الله تعالى هوى نميل إليه، ولا مذهبا فاسدا فنبنى قولنا عليه، وإنّما نذكر كلّ طائفة وما تقلدوه من ذكرهم، وما ذكروه من ذمّهم وشكرهم، وإلى الله تعالى المصير، وهو بكل شئ خبير، وهو على كل شئ قدير. ونسأله الّلف والتّدبير.
стр. 2482
< ذكر أصل الخلفاء العبيديين >
قال صاحب «تاريخ القيروان» رحمه الله تعالى: إنّ المهدى هو: عبيد الله ابن الحسن بن علىّ بن محمّد بن علىّ بن موسى بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵇.
وقال ابن زولاق صاحب «تاريخ مصر» رحمه الله تعالى: إنّ المهدىّ هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ ابن أبى طالب ﵇.
وقيل: هو عبيد الله بن علىّ بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن ابن (ص ٤) محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ﵇.
وقيل هو: عبيد الله ابن التقىّ ابن الوفىّ ابن الرضىّ.
وهؤلآء الثلاث يقال لهم المستورون فى ذات الله. واسم الرضىّ عبد الله. وإنّما استتروا خوفا على نفوسهم، لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء العباسيين. وعبد الله المذكور الملّقب بالرضىّ هو عبد الله بن محمد بن الحسين. والأصحّ ابن إسماعيل بن جعفر المقدّم ذكره. واسم التقىّ الحسين.
واسم الوفىّ أحمد. والرضىّ عبد الله. هذا ما ذكره القاضى شمس الدين
стр. 2483
ابن خلّكان فى «تاريخه» رحمه الله تعالى وجماعة علماء المسلمين مع كافة أمة محمد أجمعين.
هذا عند من يصحّح نسبهم ويدّعى أنّهم من الفاطميين، وهم قليل ما هم.
وأمّا الأكثر من العلماء والمحقّقين وأرباب التواريخ المعتنين بحفظ أنساب العالم فإنّهم ينكرون ذلك ويبطلون دعوى المهدىّ المذكور، وأنّ نسبه هذا جميعه ليس بصحيح. ويثبتون أنّ اسمه سعيد ابن زوجة الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح. وسمّى قدّاحا لأنه كان يقدح العين من الماء، وكان كحّالا.
وهذا القول عند الطبقة الوسطى فى تصحيح نسبه. ذكره أيضا القاضى ابن خلّكان فى تاريخه.
وأما الأكثر أيضا من العلماء الأشراف العلويّين من المصريّين والشاميّين فإنهم يقولون، وهم المقلّدون بذلك: إن عبيد الله هذا كان يهوديا من أهل سلمية. وكان حدّادا، واسمه سعيد. فلما دخل المغرب تسمّى بعبيد الله. وزعم أنّه علوى فاطمى، وادّعى نسبا ليس بصحيح، ثم تسمّى بالمهدىّ. وكان زنديقا خبيثا، عدوّا للإسلام، يتظاهر بالتشيع، حريصا على إزالة الملّة الإسلاميّة. (ص ٥) ودليل ذلك قتله للفقهاء والعلماء والأئمة والمحدّثين والصّالحين. قتل منهم عدّة كبيرة. وكان قصده إعدام الدين من الوجود،
стр. 2484
لتبقى العالم كالبهائم، فيتمكّن من إفساد عقولهم واعتقاداتهم (﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾).
ونشأت ذريّته بأجمعها على ذلك مبطنون به، ويجهرون به إذا أمكنهم.
ولم تزل الدعاة لهم منبّثون فى الأرض والبلاد، يضلّون من أمكنهم إضلالة.
ومن دعاتهم الذين يعرفون بالقرامطة الخارجين عن دين الإسلام، المارقين من الإيمان، وسيأتى ذكر هم بعد ذلك. ومن دعاتهم من أضلّ عدّة طوائف فى سائر الأرض شرقا وغربا ومنهم الدرزيّة والحشيشيّة وغيرهم.
قلت: وقد وضع فى ذكر هؤلاء القوم كتابا صنّفه الشريف العابد أبو الحسين محمد بن على بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵇ المعروف بأخى محسن، رضى الله عنه. وكان سيّدا فاضلا عالما محقّقا لأنساب أهل بيته، رضوان الله عليهم، وذكر فيه ما العبد ذاكره فى هذا الجزء بحكم التلخيص منه.
ثم تتلو بعد ذلك سياقة التاريخ من أول سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، كون أن الجزء الرابع منه انتهى آخره فى سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، عند خروج مصر عن مملكة العباسيّين. وبالله التوفيق.
...
стр. 2485
قال السيّد الشريف المشار إليه رضى الله عنه: هذا كتاب وضعناه نبيّن فيه أمر إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب صلوات الله عليهم وأولاده، لما كثر القول فى ابنه محمد، ونسب إليه من ليس من أهله، وجعلوه بابا للخديعة والمكر، ليتمكّنوا به من المخدوعين وليس هو كذلك. فلما نظرنا فى هذا الأمر رأينا أن نضع كتابا نبيّن فيه أمر إسماعيل ابن جعفر وابنه محمد الّذى (ص ٦) إليه الدعوة دون أخيه علىّ بن إسماعيل، ونذكر جميع أولادهم فى سائر الأقطار، ونذكر كلّ رجل منهم باسمه ونسبه مفردا، كى يتأمّل هذا الأمر من أراد معرفة ذلك. فإذا فعلنا ذلك وبيّناه أخرجنا من ولد إسماعيل بن جعفر من انتمى إليه وليس من ولده، بالبرهان الذى يعرفه من نظر فى كتب الأنساب.
ونبدأ بذكر الأصول منهم ثم الفروع. والعالم بالأنساب يعلم أنّ الفروع ترجع إلى الأصول. والبيوت من ولد علىّ بن أبى طالب ﵇ معدودة وكذا أنسابهم معدودة لا يخفى الأوّل منها على الآخر.
وقد وجدنا هؤلاء الذين تغلّبوا على المغرب ثم على مصر، أعنى سعيد بن الحسين وأولاده، وهو الذى تسمّى بالمغرب عبيد الله وتلقّب بالمهدىّ، لا يعرف لهم ذكرا لا فى الأصول ولا فى الفروع، غير ما يوهمون به العامة والرّعاع من الناس أنهم من ولد على بن أبى طالب ﵇. ولا يذكرون لهم نسبا إليه.
стр. 2486
وقد خفى أمرهم على أكثر الناس، ويجب على من كانت فيه عصبيّة لآل رسول الله ﷺ أن يتحقّق أمر نسبهم لتكون عصبيّة فيهم لا فى غيرهم.
فأمّا من موّه عليه بآل رسول الله ﷺ ليعدل به عن الحقّ إلى الباطل ويخدع بالأيمان والعهود والمواثيق، ويدخل فى أمر مكتوم قد غطّى عليه، وهو لا يعلم، فإنه ترك الهدى واتّبع الضلالة. وإنّا لا نجد عهودا ولا مواثيق تكون فى شريعة من الشرايع بكتمان سرّ، لأنّ الله لم يأمر بكتمان هدى أنزله على عباده، وقد قال جلّ اسمه: (﴿هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ (ص ٧)، ﴿وَسُبْحانَ اللهِ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾). فما كان من بصيرة فإنّما يريد أن يهدى بها عباده بغير سرّ ولا كتمان. وأهل العقول والبصائر يعلمون أنّ الكتمان فى أمور الدين والتنقّل من حال إلى حال هو حدّ الإربة، وهذا مّما أسّسه عبد الله بن ميمون القدّاح لنفسه ولولده الذى صار إلى المغرب، وانتهى إلى ولد علىّ بن أبى طالب ﵇.
وسنذكر خبره وما كان منه إلى أن صار إلى سلمية، ونذكر خبر ولده من بعده إلى أن صار بالمغرب فيما يأتى من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، بعد ذكر جميع ولد علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، ليكون ذلك حجّة وبيانا وردّا عليهم فيما يدّعونه من هذا النسب.
стр. 2487
والحجّة لنا على قائل يقول: إنّ سعيدا المتسمّى عبيد الله، الملقّب بالمهدى، الذى استولى على المغرب سنة تسع وثمانين ومئتين من ولد علىّ بن أبى طالب ﵇ أن نقول له: إنّ هذه أسماء جميع ولد على بن أبى طالب مسطّرة فى هذا الكتاب، فانسبه لنا إلى من يقول إنه من ولده منهم إن كنت صادقا. فإن نسبه عند من يعرف الأنساب حقق عليه أنّه دعىّ، وإن أمسك عما يسأل عنه فالحجّة لنا عليه.
ثم إنّ هذا الرجل ابتدأ وذكر جميع ولد الإمام على بن أبى طالب ﵇، وأبان ذلك بيانا جيّدا لا خلل فيه ولا زيغ عن الحق، وأطال فى ذلك ما لو شرحناه فى هذا الكتاب لكان جزوا مستقلاّ بذاته، فأضربت عن جملته، وذكرت من ذلك الأصول من ولد الإمام على ﵇ ليفهم من الأصول عن الفروع.
قال: (ص ٨) الشّريف أبو الحسين محمد بن على:
ولد علىّ بن أبى طالب ﵇:
الحسن والحسين. أمّهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
ومحمّد الأكبر ابن الحنفيّة. أمّه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفى.
والعبّاس الأكبر، وعبد الله، وعثمان الأكبر، وجعفر الأكبر، أمّهم أمّ البنين بنت المحل بن الديان بن حزام الكلابىّ، فقتل جميع هؤلاء الأربعة مع الحسين ﵇ يوم الطّفّ.
стр. 2488
وعمر الأكبر، أمّه الصّهباء أمّ حبيب بنت ربيعة التغلبى.
وعبد الرحمن الذى يكنى أبا بكر، وعبيد الله، أمّهما ليلى بنت مسعود ابن خالد التميمى.
ويحيى وعون، أمّهما أسماء بنت عميس الخثعميّة.
ومحمد الأصغر، أمّه أمامة بنت أبى العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد الشمس، وأمّها زينب بنت رسول الله ﷺ .
وجعفر الأصغر لأمّ ولد.
ومحمد الأوسط، وعباس الأصغر، لأمّ ولد.
وعمر الأصغر، وعثمان الأصغر، لأمّ ولد.
فهؤلاء الذكور من صلبه ﵇. ومن هؤلاء من توفى فى حياته طفلا صغيرا، ومنهم من قتل ولا عقب له.
وأمّا الإناث من ولده فقد أعرضنا عن ذكرهنّ فى هذا الكتاب لأنّا لا نحتاج إليهن فى ذكر نسب هاهنا.
قلت: وقد ذكرهم العبد بكمالهنّ مع جميع ولد الإمام علىّ ﵇، وجميع الأمّهات، بروايات صحيحة، فى الجزء الثانى فى هذا التاريخ المختصّ بذكر سيّد المرسلين والخلفاء الراشدين، عند ذكرنا للإمام علىّ بن أبى طالب ﵇. فمن أراد تصحيح النّسب فليقف عليه هناك.
стр. 2489
قال الشريف ﵀: ولم يعقب من هؤلآء الذكور غير (ص ٩) خمسة نفر وهم:
الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفيّة، والعبّاس، وعمر.
وسائر ولد علىّ ﵇ ليس له عقب.
ولد الحسن ﵇
زيد لأمّ ولد.
الحسن بن الحسن لأم ولد.
طلحة لأمّ ولد.
القاسم، وأبو بكر، وعبد الله لا بقيّة لهم، قتلوا مع الحسين بن علىّ ﵉ بالطفّ.
وعمرو بن الحسن، وعبد الرّحمن بن الحسن، والحسين، ومحمّد، ويعقوب، واسماعيل، بنو الحسن.
هؤلآء الذكور من ولد الحسن ﵇.
ولم يعقب من ولد الحسن غير رجلين وهما: الحسن بن الحسن، وزيد ابن الحسن. وسائر ولد الحسن لا عقب لهم.
ثم إنه ساق النسب من هذين السّيدين المذكورين إلى حين انقطاعهم مما يطول الشرح فى ذكرهم، فأعرضنا عن ذلك، إذ الشرط ألاّ نذكر إلاّ الأصول منهم.
стр. 2490
ولد الحسين ﵇
عليّا الأكبر، قتل مع أبيه يوم الطفّ، ولا عقب له.
وعليّا الأصغر وفيه بقيّة.
وجعفر لا بقية له.
وعبد الله، قتل صغيرا مع أبيه بالطفّ، ولا عقب له.
هؤلآء الذكور من ولد الحسين ﵇، وهم الأمّهات أولاد شتّى.
فجميع نسل الحسين من علىّ الأصغر.
ثم إنّه ساق النسب من هذا السيد إلى آخر وقت، أضربنا عنه.
ولد محمد بن الحنفيّة ﵇
عبد الله يكنى أبا هاشم، وحمزة، وجعفر الأكبر، درجوا ولا عقب لهم، وعليا، وهم لأمّ ولد.
والحسن بن محمد، لا بقيّة له.
والقاسم بن محمد، وبه كان يكنى.
وعبد الرحمن، لا بقيّة له، وهو لأمّ ولد.
وإبراهيم، (ص ١٠) لأمّ ولد.
следующие страницы →