← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الله فصدّقوا فصدّقوا، فتراهم بين راكع وساجد إلى المساجد، قد سبقوا ولم يسبقوا، فلو عاينتهم فى الدجى وقد استغفروا وتملّقوا، وغربوا عن وادى الاعتذار عن الزلل وشرقوا، وجلوا مراد العين وخلوا، وطلقوا يتقلقلون كأنّهم غرقى قد تشبّثوا وتعلّقوا، فإذا جاء النهار هجروا مشتهاهم وطلقوا، حاسبوا أنفسهم على الكلمات والنظرات وحقّقوا، وبالغوا فى الورع وتناهوا ودقّقوا، وما كانت معاناة زرود إلاّ أيّاما وأعرقوا. قال: صف لى من حالهم، وقت ارتحالهم! فقال: لمّا نزل الموت وتيقّنوا أنّه آنه، وتقلقلت النفوس بين زفرة وأنّه، جاء ركابى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ»﴾، فكشف سجاف المنزل فحرّكوا الأعنّة، فرحلوا فوصلوا فدخلوا الجنّة، فأرواحهم فى حواصل طير تعلّق من تلك الشجر، وبقبورهم يستشفى ويستسقى المطر، فإذا نفخ فى الصور وأعيدت تلك الصور، جئ النجباء بنجائب مرحلة بالدرّ لا بالشعر فركبوا من قبورهم إلى قصورهم ما عندهم من (٢٤٥) الحساب خبر، فتلقاهم الولدان، ومنع الجور البرور (١) الخفر، فإذا التقوا أحضرن مستبشرات بمن حضر، فلو رأيتهم متّكئين على الأرائك بعد بعد تعب السفر، والكؤوس دائرة والقطوف دانية بأنواع الثمر، يجرى تحت القصور جزاء ترك القصور نهر بعد نهر، فكم من ساقية جارية عليها جارية ساقية يحار فيها البصر، وعيدان الأشجار تغنّى فتغنى عن عيدان الوتر، فإذا اشتاقوا إلى الإخوان نفر نفر إلى نفر فحدّثهم ما كانوا فيه من صيام وسهر، نالوا بعد أن حدّق يأس ما لا يدخل تحت حدّ قياس من الطفر، والملائكة تدخل عليهم مسلّمة للجدال فى فضل البشر، وما كفاهم ما أعطاهم حتى تجلاّ مولاهم للنظر، فلا تعبّد مفترض ولا تكليف معترض، ولا يقال عرض قد انكسر، ولا شقاق ألفة

стр. 282

ولا فراق طرمة، ولا مشاق كلفة، لطهارات البشر، ولا همّ يهمّ ولا غمّ يغمّ ولا تحريم يزمّ، عن قضاء الواطر، ولا عناء نصب ولا سقاء نعب ولا لقاء وصب يوجب دموع كدر، فسبحان من جاد عليهم غاية الجود، وبلغهم نهاية المقصود، ومنّ وما منّ بدوام الخلود، وهو آخر الأمل المنتظر. فقال السائل: اذكر لى حال القسم الآخر! فقال: كم بين من تقدّم ومن تأخّر، هؤلاء زلّوا بإيثار ما يزول، واستحلّوا ما يتغيّر ويحول، تكاسلوا عن الصلاة، فإن صلّوها نقصوا وأهملوا جانب الزكاة، فإن أخرجوا انتقصوا، غطوا أبصار البصائر بالخمر، وشغلوا أسماعهم عن الزواجر بالزمر، وبادروا بارد العيش فإذا البرد جمر، ورضوا فى الدين (٢٤٦) بالوهى معرضين عن النهى والأمر. قال: صف لى مآلهم، وعرّفنى ما لهم! فقال: كلّما اشتدّ بالقوم عند الموت الألم، صاح لسان اللوم ألم أقلّ ألم، ثم تمزج لهم كؤوس الحسرات بدم ندم، فيتمنون لما قد صدم العدم، رحلت اللذّة عن الأفواه وتخلّفت مرارة الأسف، وصار بدر الأمل كالعرجون ثم أمحق وخسف، واشتدّ عليهم كرب الموت وتحسر به الفوت وعسف، فإذا الغصن الغضّ قد نحل وشسف، ثم نقلوا إلى قبر أخصب ما فيه العجب، وأزرى من تربة زرود النجف، فلو رأيته بالعاصى قد تزلزل ورجف، ثم يأتى منكر ونكير إلى مقرّ بذنوبه قد اعترف، فلا يجد مقرّا ولا مقرا أودى من الحيف، فعذابه دائم وعتابه قائم على الشرف، فإذا انشقّ ضريحه ظهر قبيحه، وانكشف فلقى فى القيامة ما يعجز عن وصفه من وصف، ثم يحمل إلى النيران فيلقى بين الأنتان والجيف، عقابها عميم، وشرابها حميم، وعذابها أليم، هذا وقد عكف، مقامعها حديد، وبلاؤها شديد،

стр. 283

وقعرها قعر بعيد، والصديد مكان الصلف، فيها السلاسل والأغلال، والمقامع والأنكال، وهم بحال أى حال أصلح منها التلف، تولّى عنهم الأقارب، فتولّتهم حيّات وعقارب، كأنّها البغال أو نقارب، تدنو منهم وتقارب، فإذا اللحم مختطف، زمانهم ليل حالك، وضجيجهم ضجيج هالك، ويستغيثون يا مالك، وما التفت ولا انعطف، عقابهم عقاب وجيع، ونديمهم بئس القرين والضجيع، تجرى الدموع ثم النجيع، على القبيح الذى سلف، أفلا مميّز بين الدارين، أفلا فارق بين الفريقين (٢٤٧)، أفلا مغتنم للحين بعد الحين، بلى من أحضر ذهنه عرف. فارتجن المجلس ثم ارتجّ، ولم يبق فيه عين إلاّ مجّ، فمنهم من تعلّق بالمنبر ومنهم من هجّ، فانحطّ الشيخ عن كرسيّه وانزجّ، فإذا أبو التقويم أعرفه بالحاجب الأزجّ، فأسرع فتبعته من فجّ إلى فجّ، فقال: ترانى أهرب وأنت تطلب يا فج، فقلت: الصحبة، قال: نوبت الحجّ، فاجتهدت وألححت فولج الدار ولجّ، فرجعت وما حظيت من حجّته إلاّ بالعجّ والثجّ. تفسير الغريب من هذه المقامة الشوقب: الطويل، والدملص: الأملس البراق، والنسيس: العطش، والغلل: الماء الذى يجرى تحت الشجر، ومنيت: ابتليت، وشسف: قحل، وارتجن: مثل ارتج. تمت ولله الحمد والمنّة.

стр. 284

ذكر المنظوم والمنثور فى الأثمار والزهور قلت: كنت قد ألّفت قبل هذا التأريخ عدّة كتب مفيدة تشتمل على جواهر فريدة: منها: كتاب وسمّيته: بحدائق الأحداق، ودقائق الحذاق، فى جزءين يجمع اثنتا عشرة حديقة، وتشتمل على معانى دقيقة وأشعار رقيقة كلّ حديقة لها عشرة أبواب، من فنون الآداب. ومنها كتاب سمّيته: تبر المطالب وكفاية الطالب: لخّصت فيه اثنى عشر كتاب، من كتب الآداب، مثل كتاب زهر الآداب، وكتاب تباشير الشراب، وكتاب الحيوان، وكتاب الخراج، وكتاب أبكار الأفكار، وكتاب ملح الملح، وكتاب كنز البراعة، وكتاب الكامل، وكتاب أدب الكاتب، وكتاب الصادح والباغم، وكتاب المستجاد من أفعال الأجواد، وكتاب جامع اللذّة، فى أربعة أجزاء. (٢٤٨) وكتاب سمّيته ذخائر الأخائر يشتمل على ثلاثة ذخائر: الأوّلة: ذخيرة الدرّ الثمين فى ذكر الأوائل والمتقدّمين، الثانية: ذخيرة الياقوت البهرمان فى تأييد تنزيل القرآن بالدلائل القاطعة والبرهان، الثالثة: ذخيرة اللؤلؤ والمرجان فى خصائص البلدان فى جزء واحد. ومنها كتاب سمّيته: معادن الجوهر ورياض العنبر، يجمع ثلاث معادن فى عدّة فنون من الأدب فى جزء واحد، مع عدّة كتب هزليّة ألّفتها فى عصر الشباب الذى ذهب، فليتنى أقدر على استرجاعها ومحوها ولو بما أملك من فضّة وذهب، لكن سارت بها الركبان، وتعلّقت بأجنحة العقبان، وعادت كشبابى الذى لا أقدر على ردّه، الذى كان كأنّه عارية مستردّة، فلذلك لم أذكرها، وإن كنت لم أحضرها.

стр. 285

ومنها كتاب ألّفته قبل وضعى لهذا التأريخ المبارك، وله فى معانيه مشارك، وسمّيته أعيان الأمثال، وأمثال الأعيان، وذلك لما طالعت كتاب كليلة ودمنة لحكماء الهند، وعلماء السند، وإنّ جماعة من الفضلاء الإسلاميّين نسجوا على منواله، ولم يبلغوا أمثاله، فمنهم صاحب كتاب الصادح والباغم الشريف أبو يعلى محمّد بن الهبّاريّة ﵀، ومنهم كتاب سلوان المطاع لابن ظفر ﵀، ومنهم كتاب ثعلة وعفرة لسهل بن هارون الذى كان يسمّى بزرجمهر الإسلام، ولعمرى لقد أجادوا البلاغة، وأحسنوا الصياغة، وفضحوا بعدهم من رام الفصاحة، أو تجلاّ بملاحة، غير أنّ العبد على شعارهم، واقتبس من أنوارهم، وألّفت هذا الكتاب الذى سأذكر منه ما يليق بذكره فى هذا التأريخ وأقمت دعائمه على اسمين حسان، تورية عن القلب واللسان فأحدهما وتتمته ناطق الظّنين، والآخر سمّيته حاذق الأمين، (٢٤٩) فوقع غريب فى أمثاله، لا يوجد مثاله، إذ هو إسلامى جاهلى، عربى عجمى، ملوكى سوقى، خاصّى عامّى. وجعلته عشرة محاضرات: الأوّلة: المحاضرة الربيعيّة ممّا تزهو على الدرّ المنثور فى تشابيه الفواكه والزهور، وهى التى أثبتها بجملتها فى هذا التأريخ إذ كلّ سمع للذّة سماعها يسيح. الثانية: المحاضرة الأوائليّة، التى بأخبار الأمم القديمة مليّة، وقد لخّصت منها فى هذا التأريخ أيضا، ممّا يزهو بحسنه على الفضّة البيضاء. الثالثة: المحاضرة النبويّة المشرّفة بذكر خير البريّة. الرابعة: المحاضرة الخليفيّة التى كلّ القلوب إلى سماعها مشتهية، وهذه المحاضرة والتى قبلها وما بعدها من هذا الباب، موفرة إجلالا لذلك الكتاب، للا (١) يكن قد أغرنا على جملته، وأضعنا حرمته.

стр. 286

الخامسة: المحاضرة الملوكيّة، أولى المعانى الزكيّة. السادسة: المحاضرة الوزرائيّة، التى لأولى الفضل مرضيّة. السابعة: المحاضرة القضائيّة التى عن العلماء مرويّة. الثامنة: المحاضرة الشعرائيّة المشتملة على ذكر الشعراء الأوائليّة والعصريّة. التاسعة: المحاضرة الفلسفية الصادرة عن أقوال الحكماء المسميّة. العاشرة: المحاضرة النجوميّة، المشتملة على ذكر الأفلاك العليّة. المحاضرة الأولة: وهى الربيعية حدّث أنّه كان بجبل إصبهان، من بعد ما نسفته المزاود، وأفتنه المراود، تنّين، له عدّة من السنين، قد ألّف آلاف من الدهور، وألّف ألفا من الجحور، بين تلك الأحجار والصخور، وأخاف تلك المسالك، حتى جفل القاطن، وقفل السالك، وتحاماه الأقران، وتبادره الشجعان، إذ ليس يقطع فيه المران، ولا ينفع فيه سيف ولا سنان، (٢٥٠) ودرست تلك الجادة الدوارس، ولا عاد يفترعها راجل ولا فارس، حتى عادت بكرا عذراء، لا تخطر على فكر عذراء، لعظم شرره وشرّه، وسمومه وحرّه، فلمّا تعطّلت تلك الربوع من الساكن والمسامر، وأمنت وطء الخفّ والحامر، عظمت أشجارها، وتكاثفت أثمارها، وطرز الأرض نباتها ونوارها، وأينعت أزهارها، وتجاوبت على أفنانها أطيارها، شحرورها وبلبلها وقمريّها وهزارها، وتكسّرت على حصبائها أنهارها، وأمالت الأرواح من الأشجار أغصانها، تقبّل فى الروض أوجه غدرانها، فكلّما زمر النسيم صفق الغدير على نغمات تلك الأطيار باختلاف ألحانها، فعادت كقول ابن وكيع فى زمن الربيع (من الكامل):

стр. 287

فرش الفضاء بأصفر وبأحمر ... وبدت لنا حلل الربيع الأزهر (١) وافا على أثر الشتاء كأنّه ... إقبال جدّ بعد أمر مدبر وكأنّ ذلك كان وجه محذّر ... وكأنّ هذا جاء وجه مبشّر ورد كوجنة كاعب قد موزحت ... فتراجعت خجلا بفرط تخفّر وكأنّما التأريخ فى أغصانه ... أكر خرطن من العقيق الأحمر وكأنّ نور الباقلاء دراهم ... قد ضمّخت أوساطها بالعنبر وكأنّما الأترجّ أكؤس عسجد ... ولها مقابض من حرير أخضر والنرجس الريّان بين رياضة ... يرنو بعين الباهت المتحيّر والجلّنار يريك من أثوابه ... نوعين بين مزعفر ومعصفر فالآن فاغد إلى الخلاعة والصبا ... لا تصفين إلى العذول المكثر أو كما ذكرنا من المنقول، لأبى إسحق الأندلسى حيث يقول: (من الكامل): (٢٥١) وعشيّة كم بتّ أرقب وقتها ... سمحت بها الأيّام بعد تعذّر نلنا بها آمالنا فى جنّة ... أهدت لنا سفها شميم العنبر والروض بين مفضّض ومذهّب ... والزهر بين مدرهم ومدبر والورق تشدو والأراكة تنثنى ... والشمس ترفل فى قميص أصفر فكأنّه وكأنّ خضرة شطّه ... سيف تعلّق من نجاد أخضر وكأنما جنّاته محفوفة ... بالآس والنعمان خدّ معذّر نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجدّ فيه الشعر من لم يشعر ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها ... إلاّ لفرقة حسن ذاك المنظر

стр. 288

وقوله (من الخفيف): فى رياض أريضة تشرب فيها ... السوارى أعلامها المعلمات بين صفر وبين حمر كلونى ... أوجه الخائفات الخجلات ضاحكات إلى بروق توالت ... إذ توالت فى شربها باكيات وكقول ابن وكيع أيضا فى الربيع (من الطويل): (١) ألست ترى وشى الربيع المنمنما ... وما رصّع الربعى فيه وتظّما فقد حكّت الأرض السماء بنورها ... فلم أدر فى التشبيه أيّهما السما فحضرتها كالجوّ فى حسن لونه ... وأنوارها تحكى لعينيك أنجما قم فاسقنى ما حرّموه فما أرى ... من العيش حلوا غير ما قيل حرّما وكقول ابن سهل فيه الذى كاسم أبيه (من الكامل): (٢) الأرض قد لبست رداء أخضرا ... والطلّ ينثر فى رباها جوهرا فاحت (٣) ... فخلت الزهر كافورا بها وحسبت فيها الترب مسكا أذفرا وكأنّ سوسنها يصافح وردها ... ثغرا (٤) يقبّل منه خدّا أحمرا والنهر (٥) ... فيه والنبات يحفّه سيف تعلّق من نجاد أخضرا (٢٥٢) وجرت بصفحته الصبا فحسبته ... كفّا تنمّق فى الصحيفة أسطرا والطير قد قامت عليه خطيبة ... لم تتّخذ إلاّ الأراكة منبرا وكقول من صدق فى جلق (من البسيط): فى جلّق نزلوا حيث النعيم غدا ... مطوّلا وهو فى الآفاق مختصر

стр. 289

القضب راقصة والطير صادحة ... والنشر مرتفع والماء منحدر وقد تجلّت من اللذات أوجهها ... لكنّها بظلال الدوح تستتر وكلّ واد به موسى يفجّره ... وكلّ روض على حافله الخضر وكقول من شكره وجب فى حلب (من الكامل): خلع الربيع على الرياض ملابسا ... رفلت بها فى جدّة وشباب فتباشرت أغصانها وتعانقت ... حليها كتعانق الأحباب وكقول بعض القوم وقد أتى الربيع فى الصوم (من الكامل): انظر إلى نور الربيع وزهره ... فى الصوم كيف يجيّش الأطرابا فكأنّه مستحسن مستطرف ... نصب الصدود لعاشقيه حجابا وكأنّما سترت محاسن وجهها ... معشوقة جعلت عليه نقابا وكأنّما خلق الربيع كواكبا ... وكأنّما خلق الصيام سحابا والزهر يكتب فى الرياض لناظر ... شوّال أفلح من أعدّ شرابا ولم يك أطبع من قول ابن القويع (من البسيط): هذا الربيع أبى والصوم فى قرن ... وكيف يصنع دو الآداب والطرب كأنّما هو معشوق تى حدرا ... فصدّ عنه المعهّا لحظ مرتقب (٢٥٣) والله لولا أمور أنت تعلمها ... هتكت بالراح ما أرخاه من حجب حتى الذّذ بالدنيا وزينتها ... دى حرفة الفقه-لا-ما قيل فى الأدب رجع الكلام إلى التّنين المسمّى بظنين وكان ظنين قد خصّ بنطق اللسان، وعلّمه الرحمن علم البيان، وخلق ملهوما عالم، من غير امتزاج بالعالم، فخرج يوما من جحره، يميس إعجابا فى

стр. 290

كبره، ظانّا أنّ ليس له شبيه فى عصره، وأنّ لا سبيل إلى نفاذ عمره، فحدّق إلى تلك الحدائق بالأحداق، وكان من أدقّاء الحذّاق، والوقت وقت الخليع، كونه زمان الربيع، والنور فى كلّ يوم يزيد ويهيج، والأرض قد أنبقت من كلّ زوج بهيج، وحدائق النرجس قد حدقت بأحداقها لمّا رأت عرائس السرو وقد شمّرت عن ساقها، ورنت إلى الأقحوان، لمّا أراد لثم شقائق النعمان، فقال ما ألذّ أوقاتى، فهذا الوقت الذى قال فيه ابن الساعاتى (من الكامل): (١) ما الجوّ إلاّ عنبر والدّوح إلاّ ... جوهر والروض إلاّ سندس سفرت شقائقها فهمّ الأقحوا ... ن بلثمها فرنا إليه النرجس فكأنّ ذا خدّ وذا ثغر (٣) ... يحاوله وذا أبدا عيون تحرس وليس فى قوله متهم بل برئ ابن (٤) الصنوبرى (من الكامل): (٢) ياريم قومى الآن ويحك وانظرى ... ما للرياض (٥) قد أظهرت إعجابها كانت محاسن وجهها محجوبة ... فالآن قد كشف الربيع حجابها ورد بدا يحكى الخدود ونرجس ... يحكى العيون إذا رأت أحبابها والسرو تحسبه العيون غوانيا ... قد شمرت عن سوقها أثوابها (٢٥٤) لو كنت أملك للرياض صيانة ... يوما لما وطئ اللثام ترابها ثم نظر إلى الورد وحقّق، فإذا هو بين مفتق ومحقّق، ومذهّب ومعقّق، كأحقاف ياقوت أحمر، فكعبة بزبرجد أخضر، قد ضمّت على شذور من التبر الأصفر، قد عطر بشداه الأكوان، وجمع من الحسن اللوان، (٦) فبين أحمر قانى،

стр. 291

كحدود القيانى، أو كخمر القناتى، ومضاعف قيان، كوجنات الفتيان، المضرّجة بالاحمرار، أو كشعلة من نار، وأبيض يقق، قد كلّل الطلّ منه الورق، كواضح غيداء كلّله العرق، عند ما مازحها عاشقها، من بعد ما عانقها، فرشح جبينها اليقق خجل، حتى عاد يضرب به المثل، فصاح العاشق: يا لقومى! هذا والله كقول ابن الرومى (من البسيط): (١) قالت وفى كفّها ورد تجمّشنى ... يا حسن حمرته سقيا لجانيه فقلت خدّك لو أبصرت حمرته ... أدقّ والله عندى من معانيه الورد يقطف فى إبّان زهرته ... وورد خدّك لا ينفكّ أجنيه ولابن المعتزّ فى تشبيه وردة مفردة (من الطويل): (٢) سقانى وحيّانى حبيبى بوردة ... على نغمة منه وحسن سماع فجاءت تحاكى وجنة ذهبيّة ... وقدّ تقطعت من فوقها (٥) باعى ولابن الحجّاج فى معشوق مليح القوام ممشوق: (من السريع): (٣) جنى من البستان لى وردة ... أحسن من إنجازه وعدى قال والوردة فى كفّه ... مع قدح أذكى (٦) من الندّ هنيئا لك يا عاشقى ... ربقى من كفّى على خدّى ومن التشبيه فيه (من البسيط): (٤) أما ترى شجرات الورد طالعة ... منها بدائع قد ركبن فى قضب كأنّهنّ يواقيت يطيف بها ... زبرجد وسطه شذر من الذهب

стр. 292

(٢٥٥) ونظيره لابن وزير الجزيرة (من الرمل): إن أتاك الورد لا تع ... تبه فى طول المغيب فقد (٤) ... كفاه خجلا فى خدّه الغضّ الخضيب لا تقابله بغير الراح ... أو وجه الحبيب واطرد النرجس عنه ... إذ حكا لحظ الرقيب ولأبى عامر فى الورد الباكر (من المتقارب): (١) أتتك أبا عامر وردة ... يحاكى لك الطيب أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها رأسها ومن محاسن التشبيه فيه (من المنسرح): (٢) ووردة فى بنان معطار ... جيابها فى ضمير (٥) أسرارى كأنّها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار ومن القول العلى للسقلى (من السريع): (٣) كأنّما الورد الذى نشره ... يعبق من طيب معاليكا دماء أعدائك مسفوكة ... قد قابلت بيض أياديكا

стр. 293

وقول ابن بسّام الذى بغيره لا نسام (من البسيط): (١) أما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافية فى لونها صهب مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد فى أجوافها ذهب خاف الملال إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحيانا ويحتجب وممّا فيه ذكر الورد من هذا السرد لابن سكّرة (من المنسرح): (٢) فى وجنة إنسانة كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن فى أحد الخدّ ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر من برد وفى الورد الأحمر والأبيض لابن الرومى (من البسيط): (٣) أهدت (٥) ... إلىّ يد نفسى الفداء لها الورد نوعين مجموعين فى طبق كأنّ أبيضه (٦) ... فى وسط أحمره كواكب طلعت فى حمرة الشفق (٢٥٦) ولابن المعتزّ فى المعنى لمن يتمعنى (من الخفيف): (٤) أطلع الحسن من جبينك شمسا ... فوق ورد بوجنتيك أطلاّ وكأن العذار خاف على الور ... د جفافا فمد عليه بالشعر ظلا

стр. 294

ومن هجو ابن الرومى فيه فى التشبيه (من البسيط): (١) يا مادح الورد ما ينفكّ من غلطه ... أما (٥) تأملته فى كفّ ملتقطه كأنّه سرم بغل (٦) ... حين أبرزه إلى الخراءة باقى الروث فى وسطه وقوله (من الكامل): (٢) خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليها (٧) شاهد لم يخجل الورد المضاعف (٨) ... لونه إلا وناحله الفضيلة عائد أوّلها يقول: (٣) للنرجس الفضل للبين وإن أبى ... آب وحاد عن الطريقة حايد أين الخدود (٩) ... من العيون نفاسة ورياسة لولا القياس الفاسد إنّ الكواكب وهى التى ربّتهما ... بحيا السماء كما يربّى الوالد فانظر إلى الولدين (١٠) ... من أدناهما شبها بوالده فذاك الماجد فقال أبو الحسن المصرى فى الردّ عليه (من الكامل): (٤) يا من تشبّه نرجسا بنواظر ... دعج تنبّه إنّ ذهنك فاسد إن القياس لمن يصحّ قياسه ... بين العيون وبينه متباعد او قلت إنّ كواكبا ربتهما ... بحيا السحاب كما يربى الوالد

стр. 295

فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافطن فما يصفرّ إلاّ الحاسد وقوله ينتصر للورد ويقصد الردّ (من الرمل): أصبح الورد أميرا ... وله النرجس عبد جالس هذا وهذا ... قائم يقلق وجد وكذا كلّ أمير ... هو فى الإمرة فرد وقول حمّاد بن بكر فى الورد (من الكامل): (١) الورد أحسن (٢) ... منظرا فتمتّعوا باللحظ منه فإذا انقضت أيّامه ... أتت الخدود تنوب عنه وقول الطوسى (من المجتثّ): الورد عندى أحسن ... من جوهر الياقوت فذاك لا عرف فيه ... وذا كمسك فتيت وممّا يلتحق بذكر الورد من رقّة الشعر (من المنسرح): يا قبلة نلتها على دهش ... من ذى دلال مهفهف غنج قد حيّر الحسف غنج مقلته ... والورد توريد خدّه الضرج إذا انثنى (٣) ... أو قام معتدلا قال له الغصن أنت فى حرج قد قسم الحسن مقلتيك ... بالفسم بين الفتور والدعج قل لهما يرفقا بقلب فتّى ... طويت أحشاؤه على وهج وممّا فيه ذكر الورد (من الوافر): سقانى ثم نقّلنى بلثم ... على عجل وحيّانى بورد

стр. 296

وشمّر ساعدا فيه رسوم ... بقلبى مثلها من حرّ وجد فكان كفضّة سبكت عمودا ... عليها أسطر اللازورد أوّله: وضبى (٣) ... زارنى من غير وعد نعمت بوصله بأتمّ سعد (٢٥٧) النرجس وأمّا النرجس فقد قام على ساق، يرفو بنواظر كالأحداق فلمّا عاد كعيون الرقباء والحساد، جعل اصفراره فكان السواد لتتعانق غصون البان، ولتكن من ملاحظته فى أمان، وترشف الشمس ندا كالراح، فى كؤوس الأقاح، ويجتمع الورد والآس، فى سوالف خدود كلّ ذى قدّ ميّاس، فطامن البنفسج برأسه حنفا من الآس وحياء من الناس، فخاطبه الريحان، بقلب منكسر غير فرحان: أظنّك يا ملك الزهور، أضحيت غيور لإغارة الآس، على سوالف الأكياس، إذ أنت أحقّ بالتقدّم منّا، وبك غناء عنّا، وكلّ ذلك لإغضاء عيون النرجس فى هذا المجلس، فلذلك أمن الآس، لما تمعنى قول أبى نواس: (من الطويل): (١) لنا (٤) ... نرجس غضّ القطاف كأنّه إذا ما منحناه العيون عيون مخالفة فى شكلهنّ فأصفر (٥) ... مكان سواد والبياض جفون وكأنّه فاز لما فزّ بقول ابن المعتزّ (من الطويل): (٢) وعجنا على الروض الذى طلّه الندا ... وللصبح فى ذيل (٦) الظلام حريق كأنّ عيون النرجس الغضّ بينه ... مداهن درّ حشوهن عقيق إذا بلّهنّ القطر خلت دموعها ... بكاء جفون كحلهنّ خلوق

стр. 297

ولقوله (من المتقارب): (١) وأحسن ما فى الوجوه العيون ... وأشبه شئ بها النرجس تظلّ تلاحظ عين النديم ... فريدا وحيدا فيستأنس وكأنّ الآس وعى أيضا قول أبى نواس (من الكامل): (٢) غضّى جفونك يا عيون النرجس ... حتّى أفوز بقبلة من مؤنس فلقد تحير إذ رآك شواخصا ... ترمقنه بلواحظ المتفرس فأجابنى بحلاوة وفصاحة لم تحرس ... (٧). . . . . . . . . . . . . قبل جبينك ما استطعت فإن من ... عاداتنا كتمان سر المجلس (٢٥٨) ومن التشبيه فيه لأبى فراس الحمدانى (من السريع): (٣) كأنّما النرجس فى روضة ... وقد أتته الريح من قرب أقداح ياقوت تعاطيكها ... أنامل من لؤلؤ رطب ومن الفاخر قول الآخر: وهو ابن المعتزّ (من الوافر): (٤) تنزّه (٥) ... فى رياض الأرض وانظر بدائع ما (٦) صنع المليك عصىّ (٨) ... من زبرجد قائمات على أطرافها الذهب السبيك عيون (٩) ... من لجين شاهدات بأنّ الله ليس له شريك

стр. 298

وقوله (من المنسرح): (١) نرجسة لا تزال قائمة (٣) ... لم تكتحل قطّ لذّة الغمض أمالها القطر وهى باهتة ... تنظر فعل السماء بالأرض وإلى ذلك يومئ ابن الرومى (من الوافر): (٢) قضيب زبرجد تعلو عليه ... عيون لم تذق طعم اغتماض توهّمت السحاب لها رقيبا ... فنكّست العيون إلى الرياض وممّا فيه ذكر النرجس (من الوافر): سعى ساق إلىّ بكأس خمر ... وباقة نرجس فسقّى وحيّا فلم أر مثله بدرا منيرا ... سقى شمسا وحيا بالثريّا البنفسج فقال البنفسج: إن كان الآس غار على السوالف، فأنا بالعذار آلف، فإذا انقضت دولتى بمرور الزمان، استنبتك تقوم مقامى أيّها الريحان، فإنّ لك بى فى العذار تشبّه، ولا بدّلك عليه من وثبة، ودع الآس ولا باس، فإنّه أخينا فى الاشتراك، ولا بدّ لك عند وثيبك أن تتّصل بذاك، ثم تقلعا جميعا وتقطع النزاع ويقع الاصطلاح، إذا طلعت نجوم الصباح، وأقبلت دولة الياسمين والأقاح، فكن فى أيّام دولتك مدارى، واعى لما قال خليل عذارى (من الطويل): أقول لخلّى حين ألقى بنفسجا ... بقرب عذار للغرام يهيج (٢٥٩) أعيذك فرّق بين هذين فارتأى ... زمانا وقال الكلّ عندى بنفسج

стр. 299

هذا وقد نجم من جمعه وازهرّ، كياقوت أزرق فى أطباق زمرّد أخضر، وقد أمال برأسه، وعطّر الكون بأنفاسه، فيا حسنه من نشر صيّاح، وزهر إليه كلّ النفوس ترتاح، فرتبته بين الأزاهر، كالبدر بين النجوم الزواهر، فهو كما قال الشاعر (من البسيط): (١) للورد فضل على كلّ الرياض على ... أنّ البنفسج أذكى منه فى المهج كأنه وعيون الناس ترمقه ... آثار قرص <يد> (٤) فى حدّ ذى غنج ومن البديع كقول ابن وكيع (من البسيط): (٢) بنفسج جمّعت أوراقه فحكت ... كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت كأنّه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار فى أطراف كبريت ومن التشبيه فيه لابن الرومى (من الكامل): (٣) اشرب على زهر البنفسج ... قبل تأنيب الحسود فكأنّما أوراقه ... آثار قرص فى خدود

стр. 300

وممّا يلتحق بالمعنى قول بعضهم (من الكامل): (١) ومعذّر (٣) ... قال الإلاه لوجهه كن جامعا للطيبات فكانه زعم البنفسج أنّه كعذاره ... سفها (٤) فسلّوا من قفاه لسانه الآس فلمّا وعى الآس من البنفسج مقاله، انتصر لحاله، وقال وهو بين الأزهار، وقد زاد فى الاخضرار، تأمّل إلىّ أيّها الأخ الخليل، والسيّد الجليل، كيف حاورت الورد، من بعد ما كنت فرد، وزمانى بزمانه متّصل، فمن قصد تشبيه حدّ بالاحمرار وعذار بالاخضرار، فباجتماعنا قد حصل، فلك الآن الاعتذار كيف صرت أحقّ منك بالعذار، وإنّما أنا قانع بالسوالف، حتى إنّى لا أخالف ولا عليك أحالف (٢٦٠)، لكن أملك لقلب الخليع، ومستحقّا قول ابن وكيع (من الطويل): (٢) خليلىّ ما للآس يعشق (٥) ... نشره إذا هبّ أنفاس الرياح العواطر حكى لونه أصداغ ريم معذّر ... وصورته آذان خيل نوافر

стр. 301

وقوله (من السريع): (١) وغادة أهدت إلى إلفها ... قضيب آس زاد فى ظرفها كأنّما خضرة أوراقه ... بقيّة الحناء (٢) فى كفّها ولابن المعتزّ فى الآس (من المجتثّ): يقول لى الآس قل لى ... علام تكثر لثمى فقلت أشبهت عندى ... عذار من لا أسمّى وله فيه (من الكامل): آس كأنّ غصونه ... فى كفّ ظبى أغبد قضبان (٣) ... قد كللت فيها فصوص زبرجد الريحان فأجابه الريحان، وهو يتمايل فى دوحه كالسكران الفرحان، ذات نشر فيّاح، يحيى بشذاه الأرواح، بجماجم كجماجم الرؤوس، أو كبرادة الآبنوس، وقال: لقد تعدّيت طورك أيّها الآس على أولاد الناس، وليس من يباع بالفلوس كمن تفزع فى ثمنه الأكياس ليكون حضرة بين الكؤوس، فالعاقل من عرف قدره ليقام عذره، كيف تناظر أمير الرياحين فى كلّ وقت وحين، وإنّما أنت فاجر كما قال الشاعر (من الوافر): إذا عدل الأمير فلا عجيب ... إذا جارت رعيّته عليه فأنا نظرك بل كبيرك، فلو تعلّقت مثلك بهذه الرتب، وأسأت الأدب، لكان يحقّ لى أن أهتزّ، إذا سمعت قول ابن المعتزّ (من الطويل):

стр. 302

قضيب من الريحان شاكل (٤) ... لونه إذا ما تبدا للعين لون الزبرجد (١) فشبهته (٥) ... لما بدا متجعّدا عذار تبدا فى سوالف أغيد أو كالقول البديع لابن وكيع (من الكامل): وقضيب ريحان كأنّ نباته ... عذراء تمرح فى قميص أخضر قد توّجت بدم وضمّخ رأسها ... وتطيّبت من فوقه بالعنبر ولابن وكيع فى الريحان الحماحم (من المجتثّ): (٢) هذا الحماحم زهر ... فيه حياة النفوس كأنّه حين يبدو ... برادة الآبنوس وله فيه (من الوافر): (٣) وريحان يتيه (٦) ... بحسن زهر يطيب بشمّه شرب الكؤوس كسودان <كسوا> (٧) ... قمصان خزّ على قصب مغطّاة الرؤوس (٨) وأنشدنى بعض فضلاء العصر فى الريحان، ويعرف فى العرب بالحبق (من البسيط): إن كنت تنعت نبتا فابدأ بالحبق ... واستنشق المسك مفتوقا من الورق كأنّ أوراقه والقضب تحملها ... زمرّد العقد منظوما على عنق

стр. 303

وكقول من عزّ لما بزّ ابن المعتزّ (من الطويل): (١) وباقة (٣) ... ريحان كعقد زبرجد حوت منظرا للناظرين أنيقا إذا شمّها المعشوق حكت (٤) ... اخضرارها ووجنته فيروزجا وعقيقا وقوله (٢٦١) (من الوافر): (٢) وريحان بدا فى حسن زهر ... يطيب بشمّه شرب الكؤوس كسودان أتوا فى قمص خضر ... وانطلقوا مكاشيف الرؤوس البان هذا والبان، قد تفتق أكمامه فبان، فعاد كتوت علاه اخضرار، لولا تزغّب ثوبه مع الاصفرار، وكلّ إليهما الأنفس تائفة، هذا لمشتمّه وهذا لذائقه، فيا حسنه من زهر قد فاق، وعطّر بذكا شذاه الآفاق، زمانه أطيب الدهور، كما إنّه أشرف الزهور، وهو مع ذلك صاغى، لما بين الآس والريحان من التناغى، فلمّا فهم منهما ذلك المقال، تقدّم وقال: أراكما منذ اليوم تتناغيان، وأنّما باغيان، أما تعلما أن لولا رشاقة القدود، لما استحسنت حمرة الخدود، ولا تحقيق اليهود، ولولا لين المعاطف، لما استملحت خضرة السوالف، ولا استعذبت خمرة المراشف. وأنا الذى بمدحى يتحلاّ كل مادح، وعلى أغصانى تغرّد الطيور الصوادح، وبى يشبه كلّ قدّ فتّان، من القدود الحسان، من القيان والفتيان، فيقال لكلّ

стр. 304

قوام فتّان، كقضيب البان، فأمّا الذى شبّهنى بأذناب الثعالب، فإنّه أبعد ولم يقارب، فمن أين لتلك الأذناب القباح أرجى الفيّاح، الذى إليه كلّ النفوس ترتاح، وهو هذا البيت الفذّ، الذى ظنّ قائله أنّه ليس له ندّ (من الكامل): والبان شبه ثعالب ... مكسوحة قد كشّفت أذنابها وأمّا التشبيه المنصف، فقول المصنّف: (٢) كأنّ البان والتوت تشابها ... فى رؤية العين لا فى المخبر فهذا لنا ريحه عطرا ... وذاك لنا طعمه كالسكر (٢٦٢) وقوله: (٣) انظر إلى البان فى دوحه مائسا ... تميله الأرواح فى جنّة الخلد شبّهته لمّا انثنى فى رياضه ... قوام قدّك فى أغصانه الملد الأقحوان فقطع عليه الأقحوان وصاح: أين أنت يا صاح عن الإقاح، ذى الأرج الفيّاح، وزين الرّبى والبطاح، المتشبّه به ثغور الملاح، فلولا نقاء الثغور لم يكن حسن مذكور، فالثغور غاية الأمل، ومحلّ اللثم والقبل، فأنا التشبيه بالشعراء، وفى وصفى بالثغو أكثرت الشعراء، وكلّ لقوله انتصر، فمنهم من أجاد ومنهم من قصر، وأجمع أهل المعانى، أنّه لم يقل كهذين البيتين للنابغة الذبيانى (من الكامل): (١) تجلوا بقادمنى حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإثمد كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى

стр. 305

وفى التشبيه فيه (من البسيط): تبسّم الأقحوان الغضّ إذ خجلت ... خدود ورد بحسن اللون منعوت كأنّه عاشق قد سره محضر ... المعشوق فافتر عن بيض. . . (٢) وفيه والأقحوان مع الشقيق (من المتقارب): كأنّ الشقائق والأقحوان ... خدود تقبلهن الثغور فهاتيك يخجلهن الحياء ... وهاتيك يضحكهن السرور السوسن فقال السوسن، وقد يقق بياضه، وتقطّرت بشذاه أحواضه، وهو يميس، كخود فى ثوب نفيس، أو كخلق نضيف على جسم مليح، وقد لعبت بأذياله الريح وذلك الخلق النضيف، لبس المضيف، أنا شريكك فى اللون الأزهر، لكنّى أذكى منك وأعطر، فأنا الزهر النفيس، المتشبّه بى أذناب الطواويس، فاسمع ما قال الخليع، فى ذى المعنى البديع (من البسيط): (١) سقيا لأرض إذا ما نمت نبهنى ... بها (٣) الصبا وقرع النوانيس كأنّ سوسنها فى كلّ شارقة ... على الميادين أذناب الطواويس (٢٦٣) وسقيا وريّا لقول أبى زكريا (من المتقارب): مررت بسوسنة سحرة (٤) ... وقد رنّح الطلّ أهدابها

стр. 306

تريك بمقلوبها خيمة ... وقد مزّق الريح أطنابها وفى هديته (من السريع): بعثت بالسوسن لما غدا ... تصحيفه المبهج سوء «يبين» وقلت لما غدا رافعا ... أنمله يدعو بهذا آمين الياسمين فقال الياسمين وقد تطرّف بياضه بالاحمرار كشفق علا فى أوّل النهار أو كعضّة صبّ ذو لهيب فى أنامل الحبيب، فطاب حصاده لما حلّ فصاده، وعبق بنشره، فوجب مدحه وذكره، لما غلب على نشر كلّ زهر خدّاه بعطره وشذاه: أنا الياسمين، من بدائع خلقة ربّ العالمين، أيّها السوسن فلأنّك ملسّن فأنا منك أعطر وأحسن، بحضورى تطيب المجالس، وأنت قائم وأنا جالس، وأنا المشبّه بالكواكب، وبالنجوم الثواقب، وبنهود الكواعب، ولست أفارق حضرة الأجواد، واسمع ما قال فىّ ابن عبّاد (من المنسرح): (١) كأنّما ياسميننا الغضّ ... كواكب فى السماء تنقضّ (٢) والطرف (٣) ... المحمر فى جوانبه نهود عذراء مسها عضّ ومن المختار قول ابن الأبّار (من الوافر): حديقة ياسمين لا ... تهيم بغيرها الحدق إذا خفن الغمام بكى ... تبسّم ثغرها اليقق كأطراف الأهلّة سا ... ل فى أفنائها الشفق

стр. 307

ولابن الرومى إلى تشبّهى يومئ (من المنسرح): كأنّما الياسمين حين بدا ... من كفّ طيئ أتى به عجبا صلبان دير بدت معطرة ... ينشرها ذو الدلال أن لعبا أو درهم الصرف حين ينثره ... ذو جدّة يوم عرسه طربا (٢٦٤) الشقيق هذا والشقيق قد جلك وأقنّ، فجلّ من أبدع وأتقن فحمرته كالعقيق، أو كخدّ عاينه أنيق، وقد زيّن من المسك بخال، إذا كان من الخال خال، أو كشبه خود هتكت حجابها، لفقد أحبابها، وضمخت بالدماء أثوابها: (من الرجز): فشعرها كقلبه اسودادا ... وخدّها كلونه احمرارا أو ككؤوس من عقيق، بها بقيّة من أسود الخمر العتيق، أو كما قيل من البديع كقول ابن الرومى أو ابن وكيع (من السريع): يا هل ترى أطرف من يومنا ... قد قلّد الأفق جيد العقيق وأنطق الورق على عيدانها ... مرقصة كلّ قضيب وريق والشمس لا تشرب خمر الندا ... فى الروض إلاّ بكؤوس الشقيق وروى:. . . . . . . . . . . . . . . . . ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق ويروى: وأنطق الورق بعيدانها .... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأصحّ أنّه لأبى جعفر.

стр. 308

ومن التشبيه لابن الرومى فيه (من السريع): (١) شقيقة شقّت على الورد ما ... قد ألبست من بهجة (٤) الصبغ كأنّها من (٥) ... حسنها وجنة يلوح فيها طرف الصدغ وقول الآخر (من الخفيف): ما (٦) ... ترى الأرض خضراء من النبت وحمراء من نبات الشقيق كسماء من الزبرجد فيها ... طالعات كواكب من عقيق ومنه للمعرّى (من الكامل): (٢) هذا الشقائق قد أتانا زائرا ... (٧) من بعد جفوته وبعد مزاره فكأنّ أحمره وأسوده معا ... خدّ الحبيب ملاصقا بعذاره أو وجه زنجىّ بثوب أحمر ... لبس القميص فميق من أزراره ومنه لابن الرومى (من الكامل): (٣) حيّيته بشقائق فى مجلس ... ورأى الرقيب فشقّ ذاك عليه فاحمرّ من خجل فأنبت خدّه ... أضعاف ما دفعت يداى إليه

стр. 309

وله وأبدع (من الكامل): من شاء تشبيه الشقائق فليقل ... كنساء ثكلى قد خرجن نوائحا (٢٦٥) ألبسن أردية الدماء شناعة ... ونشرن شعرا ثم قمن صوائحا ولابن المعتزّ فى الشقيق وأبدع (من المجتثّ): قم سقّنى يا رفيقى ... من السلاف الرحيق أما ترى الظلّ يبدو ... على احمرار الشقيق كلآلئ ضمنتها ... مداهن من عقيق النيلوفر والنيلوفر قد أحسن كلّ الإحسان، وظهر فى عدّة ألوان، فعاد فى حسنه المنعوت، بين أحمر وأزرق كالياقوت، مع عدّة ألوان أخر، نزهة للبصر، يغيب وقت المغيب، وجلا من لحظ الرقيب، فإذا أمن من الظلام، ظهر ضاحكا ذو ابتسام، قد بات ليله فى عيش خصيب، إذ فاز بمعانقة الحبيب، أمنا من نظر الحسود الرقيب، فليله فى عناق، ونهاره ذات ألسن ظاهرة بنسيج الخلاّق، فلرقّة هذه المعانى قال فيه الإصفهانى (من السريع): (١) وبركة أحيا بها ماؤها ... من زهرها كلّ نبات عجيب كأنّ نيلوفرها عاشق ... نهاره يرمق وجه الحبيب حتى إذا الليل (٢) ... دنا جنحه وانصرف المحبوب خوف الرقيب أطبق جفنيه عسى فى الكرى ... يبصر من فارقه عن قريب

стр. 310

ومن ذلك ما الجماد له يهتزّ قول ابن المعتزّ (من السريع): (١) وبركة تزهو بنيلوفر ... نسيمه يشبه ريح الحبيب نهاره مبتسم ضاحك ... حتى إذا الشمس دنت للمغيب أطبق كميّه على رأسه ... وغاص فى البركة خوف الرقيب ولابن الرومى فيه (من السريع): ناولنى طاقة نيلوفر ... محشوة من شعر الزعفران وقال شبّهها فشبّهتها ... بحقّ ياقوت على خيزران وللملك السعيد ابن أرتق صاحب ماردين (من السريع): فى بركة الخابور أبصرت ... ما يقصر عنه كلّ إبلاغ ولاح نيلوفرها حاكيا ... تلوينه أنمل صبّاغ ولم يكن أكثر تلوينا من النيلوفر بالخابور. ولأبى إسحق الخولانى (من البسيط): نيلوفر شكله كشكلى ... يعوم فى أبحر الدموع مثل مسامير مذهبات ... فى حلقات من الدروع ولبعضهم وقيل هو الشافعى ﵀ (من البسيط): باكرت يوما إلى النيلوفر النضر ... إذ كان صبّا ورؤيا الصّبّ من وطرى فاصرن بكرا أجفانه برك ... قد بات منها غريق الدمع والسهر حتى إذا أيقضته (٢) ... الشمس طالعة وأطلع الرأس إطلاع الفتى الحذر عانبته أينام المستهام كذا ... حتى الصباح إن ذا منى أعجب الخبر

стр. 311

فقال لا رغبة فى النوم بل وعدوا ... طيفا فتمنيت لهم نوما منظر أما ترى بين أجفانى احمرار دمى ... إذ بتّ أغمضها غضبا على الاثر ولبعض المصريين ما فوق على الدرّ الثمين (من السريع): (١) وبركة حفّت (٣) ... بنيلوفر أوصافه بالحسن منعوته كأنّما كلّ قضيب له ... يحمل فى أعلاه ياقوته ومن القول النفيس لابن حمديس (٢٦٦) (من السريع): (٢) اشرب على بركة نيلوفر ... محمرّة الأوراق خضراء كأنّما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء ومن المستجاد قول أبى عبد الله الحدّاد (من السريع): رأيت فى الأزهار نيلوفرا ... وقد أرانى منظرا أزهرا تفاءلت نفسى بتصحيفه ... فعنده النبل لها والقرا وفى هديّته (من السريع): نيلوفر قدّمته متحفا ... فاقبله يا مولاى من عبدكا أهديته إذ لاح لى كلّه ... ألسنة تثنى على مجدكا النسرين والنسرين فاسمه إذا صحّفته تقرّ به العين، وإذا تفألت به كان يسرين، قد جمع بين الصفرة والبياض، فكأنّه العيون المراض، لولا الصفر بمكان السواد،

стр. 312

لكان هو القصد والمراد، فياحسنه من زهر ذكىّ الأنفاس، محبوب إلى قلوب الناس، كأنّما الطلّ على أوراقه، دموع كاعب آلمها إلفها بفراقه، فبياضه كدودها، ودموعها كطلّة لفقيدها، فياله من نبات لطيف، كما قال الطوسى الشريف (من السريع): كأنّما النسرين لما بدا ... يصفرّ فى الأبيض عند المغيب متيم فارقه محبوبه ... مستعجلا قبل حضور الرقيب الثامر وأمّا الثامر، ففى الربيع قد اضمحلّ، إذ ليس بزمانه، من بعد ما كان متلعّبا فى أغصانه، فعاد فى زهره مزرور، وهو فى أعالى شجره محصور، فهو بين الأزهار كالضيف، إلى أوان الصيف، فحينئذ يظهر فى (٢٦٧) لونه الأصفر كنبات الأصفر، وقد عطّر نشره وفاح، على رؤوس الربا والبطاح، فيا له من زهر طريف، كما قال الطوسى الشريف (من السريع): كأنّما الثامر فى روضة ... لو لم يكن ذا أرج طيّب مدّ به من شعر أصفر ... يومى بها أو ذنب الثعلب الجلّنار والجلّنار، قد زاد فى الاحمرار، وحكى خدّ معشوق ذى خمار، من شرب العقار، كأنّه أحقاق من عقيق، على قضبان زمرّد أنيق، أو كخود بمعجز زعفران عذرا، على غلالة حمرا، تمرح بين أرّابها، وتميس بإعجابها، تملك قلب العاشق من غمزة، فهى كما قال ابن حمزة (من الرجز):

стр. 313

وجلّنار مشرق ... على أعالى شجره (١) كأنّ فى رؤوسه (٣) ... أحمره وأصفره قراضة من ذهب ... فى خرق (٤) معصفره وما أحسن هذا الرجز لابن المعتزّ: (٢) ألا ترى البستان كيف نوّرا ... ونشر المنثور بردا أصفرا وفرج الخشخاش فيها (٥) ... وفتق كأنّه مصاحف بيض الورق أو مثل أقداح (٦) ... من البلّور تخالها تجسّمت من نور تبصره بعد انتثار الورد ... مثل الدبابيس بأيدى الجند وضحك الورد إلى الشقائق ... واعتنق الغصن (٧) اعتناق الوامق والسّوسن المونق (٨) ... منشور الحلل كقطن قد مسّه بعض بلل وجلّنار كاحمرار الخدّ ... أو مثل أعراف دبوك الهند وهى طويلة وهذا ملخّصها، والقصد منها ذكر الجلّنار.

стр. 314

(٢٦٨) المنثور والمنثور، كالدرّ المنثور، فى الرياض مبثور، قد جمع بين النور والنور، قد تنوّع فى صبغته، فسبحان من ذى الصبغة صبغته، وذى الصنعة صنعته، فهو بين أزرق سماء، وأبيض ماء، وأحمر قانى، وأصفر فاقع، يسرّ الناظرانى، مع عدّة ألوان ملهيات، متنوّعة من هذه الأمّهات، تنزّه الناظر، وتهيم الخاطر، فأصفرها كالدينار، وأحمرها كالجلّنار، وأبيضها يقق، على خضرة ذلك الورق، وكذلك الفيروزج الأزرق، وهو فى رياضه ملتزّ، كما قال ابن المعتزّ (من السريع): أصبح ذا المنثور منثورا ... يبهر فى الحسن الدنانيرا كأنّه منطقة فصلت ... تبرا وياقوتا وكافورا وقوله: (من السريع): انظر إلى المنثور ما بيننا ... وقد كساه الطلّ فصبّغا وقد أصاغته أيدى الحياء ... من سائر الياقوت صائغا وعلى هذا القياس لأبى نواس (من الطويل): وأنواع منثور تحاكى ... نعوته (٢) إذا ما بدا فأبيضه يحكى الوصال ... بمن (٣) غدا يعذبنى بالمطل وأصفره (٤) ... جسمى العليل بهجره وأحمره دمعى ادا ومن القول المعتدل لابن المعذّل (من الوافر): (١) ومنثور حططت إليه رحلى ... وقد طلعت لنا شمس النهار كأنّه جواهر من كلّ فنّ ... مخلطه صغار مع كبار (٥)

стр. 315

ومن غريب الأمثلة قول عرقلة (من السريع): (١) قد أقبل المنثور يا سيدى ... كالدرّ والياقوت فى نظمه ثناك لا زال كأنفاسه ... ومخّ من يسناك (٢) مثل اسمه (٢٦٩) رجع الكلام إلى التنين المسمى ظنين فلمّا انتهى تأمّله إلى تلك الرياحين والزهور، وفهم بمعقوله ما قيل فيها من منظوم ومنثور، فكان خاتمة هذا الفصل المنثور، رفع إلى العلوّ بصره، وحقّق نظره، فإذا الأشجار تميس، كأذناب الطواويس، وتلك الأشجار قد ثقل حملها بالأثمار، فالنخلة وجنيها، كالنحلة وجنيها، أو كالحبلة وجنيها، وكذلك سائر الأشجار، قد أوسقت من الثمار، ممّا ينزّه الأبصار، وتحيّر فى صفاته الأفكار، صنوان وغير صنوان، تسقى بماء واحد، فالويل كلّ الويل للكافر الجاحد، وإذا شجرات السرو بين تلك الربا والأزهار، كعرائس تجلا فى حلل الاخضرار، أو كغيد تجللوا بالشعور، وشمّروا أثوابهم عن سوقهم بين تلك المروج المنثور، أو كشموع مجلّلة، فى مشاهد مبجّلة، أو كرايات على سمر الرماح، كما قال ابن وضّاح (من الطويل): أيا سرو لا يعطش منابتك الحيا ... ولا يرعن أشجارك ورق النضر لقد كسيت أعطافك الملد مثلها ... يلفّ على الخطىّ رياته الخضر التفاح هذا، والتفّاح، قد عطر وفاح، وعاد فى خضرة أوراقه بين الأزاهر، كخضرة السماء وقد زيّنت بالنجوم الزواهر، فالأنفس إليه تتوق، إذ جمع بين لونى

стр. 316

عاشق ومعشوق، فيا حسنه من ثمر قد أينع، وأفنّ وافقع، وجمع من المحاسن صنوف وألوان، ما يكلّ لعدّتها لسان الإنسان، إن كان مأكولا، فكان مأكولا ظريف، أو مشموما، فكان مشموما لطيف، وإن بعث رسولا كان نجيح، وإن جعل نديما (٢٧٠) كان مليح، ترتاح إليه النفس، وتسكن إليه الحواسّ الخمس، فهو لذيذ المسّ، حسن الاسم فى الحسّ، حلو المذاق، عطر الاستنشاق، نزه المنظر، كأنّه خدّ معشوق أحمر، فلمّا كملت نعوته، وجب ان نذكر من منعوته (من الطويل): (١) فتى جمع العلياء علما وعفّة ... وبأسا وجودا لا يفوق فواقا كما جمع التفّاح حسنا ونظرة (٣) ... ورائحة محبوبة ومذاقا ومن النادر لعبد الله بن طاهر (من السريع): لم أر كالتفّاح فى مجلس ... أذكا ولا أقضى لحاجات إنّ الذى يأكل تفّاحة ... لجاهل حقّ التحيّات ولهذا يومئ ابن الرومى فى تفّاحة (من المنسرح): (٢) أرسلنى عاشق لحاجته (٤) ... فجئت بين الرّجاء والأمل (٥) لا تخجلنّى بالردّ حسبك ما ... ترى بخدّى من حمرة الخجل

стр. 317

وآخر (من المنسرح): (١) عضضت (٣) ... تفّاحة فعاتبنى فتّى (٤) رآها كخد معشوقه فقال خدّ الحبيب تأكله ... فقلت لا بل أمض من ريقه ولابن المعتزّ ممّا له يهتزّ (من الطويل): (٢) وتفّاحة من سوسن صيغ نصفها ... ومن جلّنار نصفها وشقائق كأنّ الهوى (٥) ... قد ضمّ من بعد فرقة بها خدّ معشوق إلى خدّ عاشق السفرجل ولا ينكر فضل السفرجل، إذ هو بين الأثمار الأمير الأجلّ، فعزّ خالقه وجلّ، فرياضه كرياض الجنان، وأشجاره كالحور الحسان، وزهره فى اللون كورد مضعف، وطعمه كالشهد حين يقطف، فإذا تكامل وراق، (٢٧١) وظهرت فواقع مفرداته بين اخضرار الأوراق، تخاله كأكزأ من عسجد، قد علت على كلّ غصن أملد، قد صاغها صانع بديع، حكيم عليم بصير سميع، قد أتقن ما صنع، وأحسن ما جمع، فألبسها ثوب من زغب، على حقّ من ذهب، تميس فى خضرة وشباب، تبصرة لأولى الألباب، فمن القول البديع لابن وكيع وقيل لابن حمزة وهو الصحيح (من المجتثّ): نصف السفرجل ثدى ... والشعار تحسب سرّه فمن أحبّ رآه ... فما يغادر درّه

стр. 318

وقوله وقد بدع (من الطويل): (١) ومصفرّة تختال فى ثوب نرجس (٢) ... وتعبق عن مسك ذكى التنفّس لها ريح محبوب وقسوة قلبه ... ولون محبّ حلّه السقم مكتسى (٣) فصفرتها من صفرتى مستعارة ... وأنفاسها فى الطّيب أنفاس مؤنس فلمّا استتمّت فى القضيب شبابها ... وحاكت لها الأوراق أثواب سندس مددت يدى بالطف أبغى اقتطافها ... لأجعلها ريحانة وسط مجلس ولمّا تعرّت فى يدى من لباسها ... ولم تبق إلاّ فى غلالة نرجس ذكرت لها من لا أبوح بإسمه ... فأذبلها فى الكفّ من حرّ تنفّس الكمثرى والكمثرى قد تخلّق، وراق وتعبّق، وعاد فى أعالى الأشجار، كنهود الأبكار، قد جمع بين العطريّة والطعميّة، فهو من أشرف الفواكه الشأميّة، على أنّه فى الوجود موجود، تخاله فى عوده حين يباع، ككوز من فقّاع، لكن الفقّاع مصنوع (٢٧٢) صنعه مخلوق من سكر وسذاب، والكمثرى صنعة خالق من ماء السحاب، فيا حسنه من ثمر رقّت معانيه، فسقيا وريّا لجانيه، ولقد أبدع ابن الرومى التشبيه فى معانيه (من الوافر): وكمّثرى حكى نهد الغوانى ... وقد لبست غلائل زعفران تميل غصو ميل السكارى ... وما شربت معتقة الدنان

стр. 319

ومن التشبيه لابن المعتزّ فيه (من الطويل): لنا مجلس يحكى المحاسن كلّها ... فما منه إلاّ لذّة وسرور ظللنا ندير الكأس والليل عاكف ... إلى أن بدا ضوء الصباح نذير نحيّا بكمّثرى جنّى كأنّه ... نهود عذارى مسّهنّ عبير وقوله (من الوافر): (١) وكمّثرى سبانى منه طعم ... كطعم المسك سيب بماء ورد لذيذ خلته لما أتانا ... نهود السمر فى لون وقدّ وقوله فى كمثراته (من السريع): (٢) حيّا بكمثراته لونها ... لون محبّ زايدا لصفره تشبه نهد البكر إن أقعدت ... وهى لها إن قلبت سرّه وفيه ويعرف فى الأندلس بالإجّاص لأبى حفص (من الكامل): أهديت يا من يهتدى نصابه (٣) ... من يافع الإجّاص أجمل منظر كنهود غيد لخلخت أو ضمّخت ... بالزعفران جماجم من سكر وله فى الإجّاص المعروف بعين البقر (من الكامل): فكّرت فى إتحاف مج ... دك من جنا ثمر الجنان فبعثت أحداق العيو ... ن لمن غدا عين الزمان وله فى الخيرى (من السريع): سار لك الخيرىّ يا سيّدى ... عنّى لما فاتنى السير وإنّ أولى تحفة أهديت ... ما كان فى أوّلها خير

стр. 320

ولأبى عامر فى الخيرى (من الطويل): (١) وخيريّة بين النسيم وبينها ... حديث إذا جنّ الظلام يطيب لها نفس تسرى مع الليل عاطرا ... كأنّ لها سرّا هناك ثريب يدبّ مع الإمساء حتّى كأنّما ... له خلف أستار الظلام حبيب وتخفى مع لإصباح حتّى كأنّما ... يظلّ عليه للصباح رقيب ولابن المعتزّ فى الإجّاص (من السريع): إنما الإجّاص فى صبغه ... يسترق فى اللون صبغ المهج كأكر العنبر ملمومة ... أو خرزات خرطت من سبج والإجّاص لمعروف بعين البقر لله طعمه ما أحلاه من ثمر، شبّهته لما ثناها فى العمر، نهود عذراء فى غلالة خمرى، فيا حسنه من تحفة زهيّة، وهديّة سنيّة، فهو كما قيل. (٢٧٣) المشمش والمشمش قد أفقع بالاصفرار، وأقنّ بالاحمرار، فنصف كعاشق دنف، ونصف معشوق صلف، وعاد فى قشره الأملس، كثوبى أطلس، أو كبيادق من خالص الإبرار، فسبحان من صاغه من إبليز، قد رقّ وراق، وتجلاّ بين اخضرار الأوراق، تخاله جلاجل من ذهب، أو نجوم ذات لهب، فمن القول البديع، لابن وكيع (من الطويل):
следующие страницы →