Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
وبأموالنا؟ اخرج عنّا، ولا تقصد ضررنا. فخرج ولحق زيادة الله. وهذا السبب فى تغيّره عليه.
وقيل: إنّه كان سمع قديما أنّ بنى الأغلب أوّلهم إبراهيم وآخرهم إبراهيم.
فلما بويع إبراهيم هذا صدق الناس.
ذكر ابن الجزّار أنّ مملكة بنى الأغلب كانت مئتى سنة واثنتى عشرة سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما.
وعدّة ملوكهم اثنى عشر نفر بإبراهيم هذا. وانقطعت دولتهم، واستولى المهدىّ عبيد الله حسبما يأتى ذلك من بعد ذكر الدعاة الذين منهم القرامطة. وبالله التوفيق.
стр. 2522
ذكر القرامطة دعاة العبيدين
وبدوّ شأنهم ومبتدأهم
قال الشريف أبو الحسين فى كتابه الذى بيّن فيه أصول هؤلآء القوم على ما نقلته من أمرهم: وقد تقدّم القول أنّ الحسين الأهوازى كان قد بعث داعيا إلى سواد الكوفة. فلما صار فى سواد الكوفة قصد طريق قرية تعرف بقس بهرام، فلقى فى الطريق رجلا يقال له حمدان بن الأشعث، ويعرف بقرمط، لأنه كان رجلا قصيرا ورجلاه قصيرتين، وخطوه متقاربا، فلقّب بقرمط. ومعه ثور ينقل عليه، فقال له الحسين الأهوازى: كيف الطريق إلى قسّ بهرام؟ فقال قرمط: هى قريتى، وأنا قاصدا. إليها فترافقا. ثمّ سأله الأهوازىّ عن قرية تعرف ببانثورا؟؟؟ فى السواد. فذكر أنها قريبة من قريته التى هى مسقط رأسه.
وكان حمدان قرمط أصله من قرية تعرف بالدور على نهر هدّ من رستاق مهرونقيا من طسوج فرات نادقلى؟؟؟. فتماشيا ساعة. فقال له حمدان:
إنى أراك جئت من سفر بعيد وأنت معى، فاركب ثورى هذا. فقال الحسين: إنى لم أؤمر بذلك. فقال له حمدان: كأنك تعمل بأمر قد
стр. 2523
أمّر لك. قال: نعم. قال: من يأمرك وينهاك؟ قال: مالكى ومالكك ومن له الدنيا والآخرة. قال: فبهت حمدان قرمط يفكر، وأقبل ينظر إليه. ثم قال له: يا هذا؟ ما يملك الدنيا والآخرة إلاّ الله.
قال: صدقت. والله يهب ملكه من يشاء.
قال حمدان قرمط: فما تريد فى القرية التى سألتنى <عنها>؟ قال:
دفع إلىّ جراب فيه علم سرّ من أسرار الله، وأمرت أن أشفى أهل هذه القرية وأغنى أهلها وأستنقذهم وأملّكهم (ص ٣١) ممالك الدنيا من أيدى أصحابهم.
وابتدأ بدعوته ومكره لمّا رأى إصغاء قرمط إليه.
فقال له قرمط: يا هذا، نشدتك الله هلاّ دفعت إلىّ من هذا العلم العظيم شيئا، وأنقذنى ينقذك الله.
قال له: لا يجوز ذلك حتى تغتسل وتتطهّر وآخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيّين والمرسلين. ثم ألقى إليك ما ينفعك.
قال: فأتيا إلى نهر فاغتسل فيه قرمط، ولم يزل يضرع له حتى أخذ عليه العهد، ثم قال له: ما اسمك؟ قال: قرمط. فقال: قد أفلح وجهك.
فقال له قرمط: أنا أسألك بحقّ من بعثك وأمرك ونهاك إلاّ ما صرت معى إلى منزلى حتى تجلس فيه، فإنّ لى إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدى.
فصار معه إلى منزله. فأخذ على الناس العهد هناك. وأقام فى منزل حمدان قرمط فأعجبه أمره، وعظّمه وكرّمه، وكان على غاية ما يكون من الخشوع،
стр. 2524
صائما نهاره قائما ليله. فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة. وكان ربّما خاط لهم الثياب ويتكسّب بذلك. وكانوا يتبرّكون بخياطته.
وأدرك الثمر، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوىّ إلى حراسة ثمره. وكان هذا الرجل من وجوه أهل الكوفة ومن أهل العلم والفضل والتوحيد. فوصف له هذا الرجل. فنصبه لحفظ ثمره والقيام على حضيرته.
فأحسن حفظها واحتاط فى حفظ الأمانة، وظهر منه من التشدّد فى ذلك ما خرج به عن أحوال الناس فى تساهلهم فى كثير من الأمور. وذلك فى سنة أربع وستين ومئتين. فاستحكمت ثقة الناس به وثقته بحمدان قرمط وسكونه إليه.
فأظهر له أمره وكشف له الغطاء. وكلّ ما كان (ص ٣٢) يفعله هذا الخبيث من الثقة والأمانة وإظهار الخشوع والنسك إنما كان حيلة ومكرا وخديعة وغشا، وليس هو من أهل ذلك كله. فلمّا حضرته الوفاة جعل مقامه حمدان قرمطا. فأخذ على كثير من أهل السواد وكان ذكيّا خبيثا.
وكان ممن أجابه مهرويه بن زكرويه السلمانى، وجلندى الرازى، وعكرمة البابلى، وإسحاق السورانى، وعطيف النبلى وغيرهم. وبثّ جميع دعاته فى السواد يأخذون على الناس.
وكان أكبر دعاته عبدان. وقيل إنّه كان متزوجا أخت قرمط أو قرمط متزوّجا أخته. وكان عبدان رجلا ذكيّا خفيفا فطنا خدّاعا، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل السواد، ذا فهم وعقل وخبث. فكان يعمل عند نفسه على
стр. 2525
حدّ نصب له، ولا يرى أنه يجاوز به إلى غيره من خلع الإسلام، ولا يظهر غير التشيّع والعلم، وأنه يدعو إلى الإمام من آل رسول الله ﷺ محمد بن إسماعيل بن جعفر. وكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه الآتى ذكره وذكر ابنه فى هذا الكتاب. وكان زكرويه هذا شابا فيه ذكاء وفطنة. وكان من قرية بسواد الكوفة يقال لها الميسانية. تلاصق قرية تعرف بالصوان. وهاتان القريتان على نهر هدّ. فنصبه عبدان على إقليمه داعية، وأقام من قبله دعاة متفرقين فى الأعمال، وكان داعية عبدان على فرات نادقلى وإقليم نهر الميمى وإقليم نهر الرمان رجلا يقال له الحسن بن أيمن من أهل قرية من سواد الكوفة يقال لها معرزيا من إقليم فرات نادقلى. وكان داعية على طسوج تستر المعروف بالثورانى، وإليه تنسب الثورانية. وكان داعية (ص ٣٣) على؟؟؟ الجنه والبداء المعروف بوليد. وكان داعية بسورا وبريسما المعروف بأبى الفوارس، هؤلآء كلهم رؤساء دعاة عبدان، ولهم دعاة تحت أيديهم. وكان كلّ داع منهم يدور فى عمله ويتعاهده فى كلّ شهر مرّة. وكلّ ذلك بسواد الكوفة. ودخل فى دعوته من العرب من بنى ضبيعة بن عجل، وهم من ربيعة، رجلان أحدهما يعرف برباح والآخر يعلى بن يعقوب، فأنفذهما دعاته إلى العرب فى أعمال الكوفة. ودخل فى دعوته من العرب أيضا من رفاعة من بنى يشكر، ثم من بكر بن وائل رجل يعرف بسيد، وآخر يعرف بهارون.
стр. 2526
فجعلهما دعاته بجبيلا وما والاها فى العرب خاصة إلى حدود واسط. فمال إليه هذان البطنان ودخلا فى دعوته. فلم يكد يتخلّف عن ذلك رفاعىّ ولا ضبعى، ولم يبق فى البطون المتّصلة بالكوفة بطن إلاّ دخل فى الدعوة منه ناس كثير.
وكذلك من بنى عايش وذهل وغيره وبنى عنز وبنى تيم الله وبنى ثعل وغيرهم، وكانوا أكثر من فى سواد الكوفة وما يقاربهم، وفيهم نفر من بنى شيبان.
وقوى قرمط واشتد طمعه، فشرع فى أخذ أموالهم. فابتدأ ففرض عليهم وامتحنهم أنّ على كلّ إنسان منهم درهم. وسمى ذلك الفطرة، من كل رأس من الرجال والنساء والصبيان. فسارعوا إلى ذلك. فتركهم مدّة ثم فرض عليهم الهجرة، وهى على كلّ رأس أدرك الجنب دينار، وتلا قوله تعالى:
(﴿خُذْ مِنْ أَمْاالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾).
وقال: هذا تأويل هذا. فدفعوا إليه ذلك (ص ٣٤) وسارعوا إليه، وتعاونوا عليه، فمن كان فقيرا أسعفوه. فتركهم مديدة ثم فرض عليهم البلغة وهى سبعة دنانير. وزعم أن ذلك هو البرهان الذى أراد بقوله (﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾).
стр. 2527
وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان والدخول فى السابقين السابقين (﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾).
ثم إنه صنع طعاما حلوا لذيذا وجعله على قدر البنادق، يطعم كلّ من أدّى إليه سبعة دنانير منها واحدة، وزعم أنّه طعام أهل الجنة ينزل إلى الإمام.
واتخذ ذلك وإنه ينفذ إلى الداعى منها مئة بلغة، ويطالبه بسبع مئة دينار، لكلّ واحدة منها سبعة دنانير. وقد كان عمل مثل هذا الطعام المبندق بدمشق فى أيام ابن الأشعث الداعى، وأكله كثير من المتصلة.
قال أبو عبد الله بن إسماعيل القادسىّ: إنه أكله فكان أطيب طعام يعرف، وأنّه لا يعرف مما كان يتّخذ. وكان أبو عبد الله هذا من أهل القادسية يخبر أمورهم وما هم عليه.
فلما توطأ له الأمر الذى قدمه جميعه فرض عليهم أخماس جميع ما يملكون وما يتكسّبون، وتلا عليهم قوله تعالى: (﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾) الآية. فبادروا فقوّموا جميع ما يملكونه وأدّوا ذلك إليه.
فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزله، والرجل يخرج خمس ما يكسبه.
فلما تمّ له ذلك واستقرّ فرض عليهم الألفة. وهو أن يجمعوا أموالهم فى موضع واحد وأن يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه فى
стр. 2528
ملك يملكه. وتلا عليهم قوله تعالى: (﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْااناً﴾. . . ﴿آياتِهِ﴾) وتلا عليهم (ص ٣٥) (﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾).
وعرّفهم أن لا حاجة لهم بأموال تكون معهم، لأنّ الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم. وقال لهم: هذه محنتكم التى امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون. ثم أمرهم بشرى السلاح وإعداده.
وذلك كلّه فى سنة ستّ وسبعين ومئتين.
وأقام الدعاة فى كلّ قرية رجلا مختارا من ثقاتهم. فجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره. وكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم، فلا يبقى فقيرا بينهم ولا محتاجا ضعيفا. وأخذ كل رجل منهم بالانكماش فى صناعته والكسب بجهده ليكون له الفضل فى رتبته. فجمعت إليه المرأة كسبها من مغزلها، والصبىّ أجرة نظارته وحراسته. فلم يملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه. فلما استقام له ذلك كلّه وصبوا إليه وعملوا به أمر الدعاة أن يجمعوا النساء فى ليلة معروفة ويختلطن بالرجال ويتراكبن ولا يتفارقن،
стр. 2529
فإنّ ذلك من صحّة الودّ وعظم الألفة بينهم. عمل بذلك الثورانى والوليد وصاحب اليمن. فأمّا بذل الرجل لأخيه امرأته متى أحبّ.
قال الشريف: ولقد بلغنى وأنا مقيم بدردا أنّ على الفرات الكبير جماعة كبيرة تعمل بذلك إلى آخر وقت.
فلما تمكن من عقولهم ووثق بطاعتهم أخذ فى تدريجهم إلى الضلالة، وأتاهم بحجج من مذهب الثنويّة، فسلكوا معه فى ذلك، حتى خلعهم من الشريعة ونقض عليهم ما كان أمرهم به فى مبتدإ أمورهم من الخشوع والورع والتقى، وظهر منهم بعد تديّن كثير إباحة الأموال والفروج (ص ٣٦) والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض، وأنّ ذلك كلّه موضوع عنهم، وأنّ أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأنّ معرفة صاحب الحقّ تغنى عن كلّ شئ، ولا يخاف معه إثم ولا عدوان، يعنى معرفة إمامه الذى يدعو إليه.
وكان مبتدأ هذه الدعوة الخبيثة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر بزعمهم، ولم يكن له والله فى ذلك منها شئ قل ولا جلّ. وإنما أقاموه اسما يدعون إليه من استضعفوه من أهل العقول النحيفة. وقالوا: إنّه الإمام المهدى الذى يظهر آخر الزمان ويقيم الحقّ، وأنّ البيعة له، وأنّ الداعى إنما يأخذها على الناس له، وأنّ جميع ما يجمع من الأموال مدّخر له إلى أن يظهر. ولم تزل هذه الدعوة
стр. 2530
إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر مرتبة على ما كانت رتبت إلى أن هرب سعيد المتسمّى بعبيد الله الملقّب بالمهدى إلى المغرب من سلمية، حسبما سقناه أوّلا.
فصار هو الإمام، وصار من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر. فجعلوا الدعوة إليه.
وكانت الدعوة لمحمد بن إسماعيل، وأنه حى لم يمت، وأنه يظهر فى آخر الزمان وأنه مهدىّ الأمة. ولم يكن غرض هذا المحتال أن يرفع إلى محمد بن إسماعيل الدعوة، إلاّ ليتمكن من عقول قد أضلّها الله، وتتم له خديعته من سنىّ كان أو شيعى.
ولما استقت أمور ذلك اللعين وظهر منه ومنهم الفجور، وبسط أيديهم بسفك الدماء، وقتل جماعة ممن أظهر الخلاف عليهم من مجاوريهم، خافوهم ودخلوا فى بيعتهم كرها أو طوعا.
ثم إنّ الدعاة اجتمعوا واتّفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا لهم ودار هجرة يهاجرون إليها ويجتمعون بها. فاختاروا من سواد الكوفة فى طسّوج الفرات من ضياع؟؟؟ النلطبن (ص ٣٧) المعروفة بالقاسميات قرية تعرف بمهتماباد. فجازوا إليها صخرا عظيما وبنوا حولها سورا منيعا، عرضه ثمان أذرع. وجعلوا من وراء ذلك خندقا عظيما حصينا. وفرغ من ذلك فى أسرع وقت. وبنوا فيه البنيان العظيم، وانتقل إليه النساء والرجال والأولاد، وسميت دار الهجرة.
стр. 2531
وذلك فى سنة تسع وتسعين ومئتين.
فلم يبق بعد هذا أحد إلاّ خافهم، ولا بقى أحد يخافونه لقوّتهم وتمكّنهم فى البلاد.
وكان الذى أسعدهم فى ذلك الوقت تشاغل السلطان عنهم بفتن الخوارج من صاحب الزنج المقدّم ذكره فى الجزء الذى قبله المختصّ بذكر الخلفاء من بنى العباس الذى هذا الجزء تلوه.
وهو صاحب الزنج المدّعى أيضا أنه من ولد زيد بن على بن الحسين.
وكان أمره قد زاد وهو يومئذ بالبصرة، حتى عاد يعرف بعلوىّ البصرة وقصّر يد السلطان، وخرب العراق. وترك الخليفة الركوب، وتركب الأعراب من كل وجه، مع قلّة رغبة من يلى البلاد من العمّال فى تدبير الأمور والنظر بعين الصلاّح. فتمكن هؤلاء الدّعاة ومن تبعهم بهذا السبب.
فمكثوا على ذلك سنين. وقد كان رجل منهم يعرف بمهرويه من دعاتهم. وكان فى مبدأه ناطورا ينطر النخل. وكان يأخذ أجرته تمرا، فينزع منه النوى ويصّدّق به. ويأخذ النوى يبيعه ويتقوّت به. فعظم فى أعين الناس قدره، وصارت له مزية فى الثقة والدين، يريد بذلك تجمّع الناس عليه ليظهر بهم ويخدعهم بالدعوة الخبيثة.
стр. 2532
ثم إنّ مهرويه هذا سمع بعلوىّ البصرة أنه قد ظهر على السلطان، فسار إليه ليخدعه. فلما وصل إليه قال له: ورائى مئة ألف ضارب سيف (ص ٣٨) أعينك بهم. أراد بذلك أن يطمّعه ليتمكّن منه. فلم يلتفت إليه المسمّى بعلوىّ البصرة، ولا سمع قوله، ولم يجد فيه مطمعا. لأن ذلك أيضا بيدعو إلى نفسه، وهو أخبث منه، ويدّعى أنه من ولد زيد بن على بن الحسين. ولم يكن كذلك حسبما تقدم من ذكره ونسبه. فرجع من عنده خائبا.
ثم إنّ أمره عظم بعد ذلك فى السواد، وانقاد له خلق كثير. فقال:
أنا من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر. فقيل له: إنّ محمد بن إسماعيل لم يكن له ولد اسمه عبد الله. فكفّ عن ذلك. وعاد يدعو للسيّد. وبقى فى قبة على جمل. وقد ذكره الطبرى ﵀ فى تاريخه.
ثم كان ابنه زكرويه حسبما يأتى من ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 2533
ذكر أخبار أبى سعيد الجنّابى الداعى
كان رجلا من أهل قرية جنّابا يعمل الفراء يقال له أبو سعيد الحسن ابن بهرام. أصله من الفرس. فسافر إلى سواد الكوفة، فتزّوج بقرية يقال لها القربى من سواد الكوفة إلى قوم يقال لهم بنو القصّار. وكانوا أصولا فى هذه الدعوة الخبيثة.
وأكثر الحكايات عن أبى سعيد هذا أنه أخذ الدعوة عن عبدان نفسه.
قال الشريف: قال أبو عبد الله محمد الكوفى لى إن أبا سعيد الجنّابى أخذ الدعوة عن قرمط نفسه.
ثم إنه نزل القطيف، وهو حينئذ مدينة عظيمة، فجلس هناك يبيع الدقيق، ولزم الوفاء والصدق. وكان أوّل من أجابه إلى دعوته الحسين بن سنتر وعلى بن سنتر وحمدان بن سنتر، وقوم ضعفاء ما بين قصّاب وجمّال وأمثال هؤلاء. ثم قويت يده، واستجاب له الناس، ووجد بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا الضمامى كان عبدان الداعى أنفذه (ص ٣٩) قبل أبى سعيد إلى القطيف وما والاه. فلما تبيّن أمره أبو سعيد الجنّابى عظم عليه أن يكون فى البلد داع غيره. فقبض عليه وحبسه فى بيت حتى مات هزلا.
وقد ذكر أنّ هذا الداعى كان أخذ على بنى سنتر قبل أبى سعيد. فعاد
стр. 2534
فى أنفسهم حقد على أبى سعيد لقتل أبى زكريا الضمامى. واتفق لأبى سعيد أنّ البلد الذى قصده بلد واسع كثير الناس. ولهم عوائد بالحروب، وهم رجال شداد جهّال غفل القلوب، بعيدون من شريعة الإسلام ومعرفة نبوّة أو حلال أو حرام. فظفر بدعوته فى تلك الديار، ولم يناوئه مناوئ.
فتمّ أمره، وقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدّت شوكته جدا.
وكان لا يظفر بقرية إلاّ قتل أهلها ونهبها. فهابه الناس، وأجابه كثير منهم طلبا للسّلم، ورحل من البلد خلق كثير إلى نواحى مختلفة، ولم تمتنع عليه إلاّ هجر، وهى مدينة البحرين، ومحلّ سلطانها. فقاتل أهلها ونازلها شهورا. فلما طال عليه أمرها ابتنى بالأحساء دارا، وبينها وبين هجر ميلان، واتخذها منزلا. وأجابه كثير من العرب كبنى الأضبط ابن كلاب، لأنّ عشيرتهم كانوا أصابوا فيهم دما، فساروا إليه بحريمهم وأموالهم فنزلوا الأحسآء، وأطمعوه فى بنى كلاب وسائر من بقربهم من الأعراب، وطلبوا منه أن يضمّ إليهم رجالا من قبله. ففعل ذلك، ولقوابهم عشيرتهم، فاقتتلوا، فهزمتهم القرامطة وأخذوا الحريم والأموال وعادوا إلى الأحسآء. فاضطّر المغلوبين إلى أن دخلوا فى طاعته. ثم إنه وجّه بجيش آخر إلى بنى عقيل فظفر بهم. فدخلوا أيضا فى طاعته. فملك سائر تلك البلاد، وجمع من أولاد (ص ٤٠) الأعراب من لم يبلغ أربع سنين، وجعلهم فى دور، وأقام عليهم قوما يقومون بجميع مصالحهم، ووسم جميعهم على الخدود لئلاّ يختلطون بغيرهم، وعرّف عليهم عرفاء، وشرع فى تعليمهم
стр. 2535
الفروسية، فنشّئوا لا يعرفون غيره، وغير دعوته طبعا لهم. وقبض الأموال من جميع تلك النواحى والثمار والغلال، ورتّب الرّعاة فى الإبل والمواشى، ورتّب قوما لحفظها.
ثم تفرّغ لهجر وحاصرها، حتى بلغ بهم الجهد، وأكلوا السنانير والكلاب. وكان حصارهم يزيد على عشرين شهرا. وآخر أمرهم أنه عمل الحيلة حتى قطع عنهم الماء الواصلة إليهم فى حديث طويل. فلما انقطع عنهم المياه أيقنوا بالهلاك، فهرب بعضهم نحو البحر فركبوه إلى الجزيرة وإلى سيراف وغيرهما. ودخل قوم منها فى دعوته فنقلهم إلى الأحسآء. ثم إنّه أخربها دكّا فهى إلى الآن خراب. وعادت الأحسآء مدينة البحرين.
واتصلت أخباره بالمعتضد بالله أمير المؤمنين، وعظم ما ركبه. فأنفذ العبّاس بن عمرو الغنوى فى ألفى رجل وولاّه البحرين. فورد البصرة وخرج منها نحو هجر، وبينهما بضع عشرة ليلة فى فلاة مقفرة، وذلك فى سنة تسع وثمانين ومئتين، وتبعه من مطوّعة البصرة نحو من ثلاث مئة رجل من بنى ضبّة وغيرهم. وعرف أبو سعيد خبره فسار نحوه. وقدّم قدّامه مقدمة. فكانت بينهم حملات إلى أن حجز الظلام بينهم، فانصرفوا على سوآء. فلما جاء الليل انصرفت مطوّعة البصرة ومن معهم من بنى ضبّة. فانكسرت قلوب جيش السلطان. وأصبحوا فالتقوا،
стр. 2536
فكانت الكسرة على أصحاب السلطان. وأسر العباس بن عمرو مع عدّة من أصحابه (ص ٤١) واحتوى القرمطىّ على عسكره، ثم قتل من غد يومه جميع الأسرى، ثم أحرقهم. وترك العباس بن عمرو. فلما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له: تحبّ أن أطلقك؟
قال: نعم.
قال: على أن تبلّغ عنى ما أقول صاحبك.
قال: أفعل.
قال: تقول له إنّ الذى أنزل بجيشك ما أنزل بغيك وتعدّيك.
هذا بلد كان خارج عن يدك، غلبت عليه وأقمت به. وكان فىّ من الفضل ما آخذ غيره. فما عرضت لما كان فى يدك، ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء، فتوجيهك إلىّ الجيوش لأىّ سبب؟ اعلم أنّى لا أخرج عن هذا البلد ولا يوصل إليه وفىّ وفى هذه العصابة التى معى روح. فاكفنى نفسك ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر».
ثم أطلقه وأرسل معه من يوصله إلى مأمنه.
ووصل العباس إلى بغداد فى شهر رمضان. فكان الناس يعظّمون شأنه ويكثرون ذكره ويسمّونه قائد الشّهداء.
стр. 2537
فلما وصل إلى المعتضد عاتبه على تركه الاستظهار. فاعتذر بهروب المطوّعة وبنى ضبّة، ثم عرّفه جميع ما قال القرمطى. فقال: صدق، ما أخذ شيئا كان فى أيدينا. ثم أطرق مفكّرا، ثم رفع رأسه. فقال:
كذب عدوّ الله الكافر. المسلمون كلّهم رعيتى حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بى عمر لأسيرنّ بنفسى إلى البصرة وجميع غلمانى، ولا أبرح أسيّر إليه جيش بعد جيش، حتى أقلع شأفته إن شاء الله أو يحكم الله بينى وبينه.
وشغله بعد ذلك أمر وصيف غلام ابن أبى الساج. وخرج فى طلبه وهو عليل. وذلك فى شوّال من هذه السنة المذكورة. (ص ٤٢) فأخذه وعاد إلى بغداد. فدامت علّته حتى توفى فى تاريخ ما تقدم من ذكره فى الجزء الذى قبله.
قال الشريف «أخى محسن» ﵀: ثم إن أبا سعيد القرمطى بعد إطلاقه العباس بن عمرو أقبل على جمع الخيول، وإعداد السّلاح، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، ونسج الدروع والمغافر، ونظم الجواشن، وضرب السيوف والأسنّة، واتخاذ الروايا والمزاد والقرب، وتعليم الصبيان الفروسية. وطرد الأعراب عن قربه، وسدّ الوجوه التى يتعرّف منها أمر بلده وأحواله، وعمد إلى إصلاح المزارع وأصول النخل وعمارته،
стр. 2538
ونصب الأمناء على ذلك، وأقام العرفاء على الرجال، والاحتياط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقّده واحتياطه أنّ الشاة كانت تدبح فيسلّم اللّحم إلى العرفاء ليفرّقوه على من رسم لهم به، ويدفع الرأس والأكارع والبطون إلى العبيد والإماء، ويجزّ الصّوف والشعر من المعز ويفرّقه على من يغزله، ثم يدفع إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات، ويفتل منه حبال، ويسلّم الجلد إلى الدباغ. فإذا خرج سلم إلى خرّازى القرب والروايا والمزاد. وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفافا عمل منه، ثم يجمع ذلك كلّه إلى خزائن معدّة لذلك. وكان ذلك دأبه لا يغفله.
وكان يوجّه فى كل مديدة بخيل إلى ناحية البصرة فيأخذ من وجد، فيستعبد، حتى زاد بلاؤه وعظمت هيبته فى صدور الناس. وقد كان واقع بنى ضبّة-لما كان فى نفسه منهم حين أعانوا العباس بن عمرو- وقائع مشهورة بالشدّة والعظم، ثم ظفر بهم فأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما، وتركهم فيه حتى موّتوا جوعا وعطشا، وزاد بلاه حتى قتل.
стр. 2539
ذكر مقتل أبى سعيد
وكان لمّا أسر العبّاس بن عمرو أخذ من عسكره خادما فاستخصّه لنفسه وجعله على طعامه وشرابه. فمكث لذلك مدّة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها يصلّى صلاة واحدة، ولا يصوم شهر رمضان ولا فى غيره يوما واحدا، ولا يذكر الله ، ولا يعرف شريعة، ولا يرجع إلى دين من سائر الأديان. فأضمر فى نفسه قتله. فدخل معه الحمّام، وقد كان الحمّام فى داره، وأخذ معه خنجرا ماضيا. وكان الحمّام خاليا. فلما تمكّن منه ذبحه. ثم خرج فقال: يدعى فلان، لبعض بنى سنتر. فقال: ادخل. فدخل. فقبض عليه وذبحه. ولم يزل يدعو واحدا بعد واحد وهو يفعل بهم ذلك من رؤساء الوجوه إلى أن دخل بعضهم، فنظر عند دخوله إلى الدماء تسيل سيلا، فكرّ راجعا وضجّ فى الناس. وعمد الخادم فأغلق الباب. فلم يزل حتى أخذوه، ووجدوا تلك الجماعة مذبّحين.
وذلك فى سنة إحدى وثلاث مئة ونحوها.
وخلف من الأولاد: أبا القاسم سعيدا، وأبا طاهر سليمانا،
стр. 2540
وأبا منصور أحمد، وأبا إسحاق إبراهيم، وأبا العبّاس محمّد، ويوسف أبا يعقوب.
وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء أهل دولته من بنى زبرقان وبنى سنتر. وكان متزوّجا إليهم، وهم أخوال بنيه، وبهم قامت دولته وقوى أمره. وأوصى إليهم إن حدث به حادث الموت يكون القيّم بأمركم أبا القاسم سعيدا ابنه، إلى أن يكبر أبو طاهر سليمان فيكون المدبّر لأمورهم. فلما قتل جرى الأمر على ما وصّاهم به. وكان قد قال لهم:
سيكون الفتوح له. وجلس يدبّر أمورهم بعد قتل (ص ٤٤) أبيه. ثم إنه دعى بالخادم وشدّ <هـ> بالحبال، ثم قرض لحمه إلى أن مات ﵀.
ولما كان فى سنة خمس وثلاث مئة سلّم سعيد إلى أخيه سليمان الأمر، فدبّره. وعمل أشياء موّه بها على عقول أصحابه فقبلوها وعظّموا أمر جهلا منهم. وكان مبدأ أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى بالقطيف وما والاه فى سنة ست وثمانين ومئتين.
стр. 2541
ذكر الصّناديقى الدّاعى القرمطى باليمين
هو ابن أبى الفوارس داعى عبدان، يدعى بأبى القاسم. وكان هذا الصناديقى من موضع يعرف بالنرس، وكان يعمل فيه الثياب النرسيّة، وقيل إنّه كان يعمل فى الكتّان. فلما صار إلى اليمين أجابه رجل من الجند يعرف بابن الفضل فقوّى أمره على إقامة الدعوة الخبيثة. فدخل فيها خلق كثير، فخلعهم من الإسلام وأظهر العظائم، وقتل الأطفال، وسبى النساء، وتسمّى الملعون بربّ العزّة. وكان يكاتب بذلك.
وأظهر شتيمة النبىّ ﷺ وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم.
واتخذ دارا أسماها دار الصفوة. وكان يأمر الناس بجمع نسائهم من أزواجهم وبناتهم وأخواتهم إلى تلك الدار، ويأمرهم بالاحتياط بهنّ ليلا ووطئهنّ، ويحتفظ بمن تحبل منهن فى تلك الليلة وبمن تلد بعد ذلك، يتخذهم لنفسه خولا ويسمّيهم أولاد الصفوة. وعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه. وأجلى السّلطان. وقاتل القاسم بن أحمد بن يحيى بن الحسين ابن القاسم بن إبراهيم الحسنى المعروف بالهادى، وقلعه عن عمله بصعدة، وألجأه إلى أن هرب بعياله إلى الرسّ حذرا منه لقوّته عليه. فلما زاد شرّه وتعاظم بلاه أعان <الله> عليه الهادى وظفر به فهزمه. وكان ذلك بلطف (ص ٤٥) من ألطاف الله ﵎.
стр. 2542
وسبب ذلك أنه ألقى على عسكره، وقد بايته الهادى ليصبحوا للقتال، بردا وثلجا، قتل به أكثر أصحابه فى ليلة واحدة دون عسكر الهادى، وقلّ ما يعرف ذلك من البرد والثلج فى تلك الديار. فهزمه الهادى، وعاد مكسورا. ثم قتله الله بالأكلة. وأنزل بالبلدان التى غلب عليها بثرا قاتلا، كان يخرج على كفّ الرجل منهم بثرة فيموت فى سرعة. فسمى ذلك البثر إلى الآن حبة القرمطى. وأخرب الله تعالى أكثر تلك الديار، وأفنى أهلها بموت ذريع. واعتصم ابنه من بعده بجبال وقلاع. ولم يزل بها مقيما. وكانت أهل ملته يعنونون كتبه: من ابن ربّ العزة، ثم أهلكه الله ، وبقى منهم بقية فاستأمنوا إلى الهادى. ولم يبق لذلك الملعون بقية ولا لمن كان على مذهبه.
стр. 2543
عاد القول إلى ذكر قرمط والدّعاة
وقد كان قرمط يكاتب من بسلمية من الطواغيت. فلما توفى من كان فى وقته، وجلس ابنه من بعده كتب إلى حمدان قرمط.
فلما ورد عليه الكتاب أنكر ما فيه لألفاظ كان يعهدها، فتغيّرت عليه، فاستراب ذلك. وأمر قرمط ابن مليح، وكان داعيا من دعاته، أن يخرج إلى سلمية ويتعرّف له الخبر. فامتنع واعتذر إليه.
فأنفذ داعيا غيره يقال له عبدان. فلما وصل إلى هناك عرف بموت ذلك الطاغية الذى كانوا يكاتبونه، ووجد ابنه. فسأله عن الحجة ومن الأمام بعده؟ فقال الابن: ومن هو الإمام؟ قال عبدان:
الامام محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان الذى كان أبوك يدعو إليه وكان حجته. فأنكر ذلك كلّه، وقال: محمد بن إسماعيل (ص ٤٦) لا أصل له، ولم يكن الإمام غير أبى، وهو من ولد ميمون بن ديصان، وأنا أقوم مقامه. فعرف عبدان القصّة واستقصى الصّورة، وعلم أنّ محمّد بن إسماعيل ليس له فى هذا الأمر شئ، وإنّما هو شئ يحتالون به على الناس، وأنّ ذلك كلّه كان خديعة من اللّعين، وأنّه ليس من ولد عقيل بن أبى طالب. فرجع عبدان إلى قرمط فعرّفه الخبر. وأمره قرمط أن يجمع الدعاة ويعرّفهم صورة الأمر وما تبيّن له منه، ويقطع الدعوة لمن بسلمية. ففعل عبدان ذلك.
стр. 2544
وعلموا أنّ محمد بن إسماعيل كان لهم فى مبدأ الدعوة مثل الصانع الذى معه الأداة يعمل بها، فلما ترك أداته بطل صنعته. ولما قطعوا الدعوة من بلادهم لم يمكنهم أن يقطعونها من غير ديارهم، لأنها كانت قد امتدّت فى سائر الأقطار وكثر شرّها وتزايد خبثها. وقد تحوّلت عن الرسم الأوّل مذ هلك سعيد المسمّى بعبيد الله الملقّب بالمهدى بالمغرب.
ثم إن الدعاة قطعوا مكاتباتهم إلى من بسلمية بهذا السبب.
وكان رجل منهم قد توجّه إلى الطالقان. وكانوا ربما يكاتبونه أيضا.
فلما انقطعت المكاتبة عن جميع ولد عبد الله بن ميمون القدّاح انقطعت عنه أيضا. فتوصّل حتى نزل على عبدان، وعاتبه بسبب انقطاع مكاتباته.
فعرّفه عبدان قطعهم الدعوة، وأن أباه كان استغرّهم وادّعى نسبا ليس بصحيح، وأنه دعا لمحمد بن إسماعيل المهدى «فكنا نعمل على ذلك.
فلما تبيّنا أن لا أصل لذلك كلّه وعرفنا أنّ أباك من ولد ميمون بن ديصان، وأنه صاحب الأمر تبنا إلى الله ممّا عملناه، وحسبنا ما كفّرّنا أبوك، فتريد أن تردّنا كفار؟ انصرف عنا إلى موضعك».
وكان عبدان قد تاب من هذه (ص ٤٧) الدعوة الخبيثة بالحقيقة.
فلما أيس منه صار إلى زكرويه بن مهرويه وعرّفه خبر عبدان.
فلقيه زكرويه بكل ما يحبّ. وقدّر أن ينصبه داعيا مكان أبيه
стр. 2545
فيستقيم له أخذ أموال الناس الداخلين فى الدعوة. واتفق معه على قتل عبدان. فإنه لا يتم لهما أمر إلاّ بقتله. فوجّه زكرويه إلى رجل من بنى تميم بن كليب وأخ له كانا من أهل دعوة زكرويه، وأحضر جماعة من دعاته وقراباته وثقاته وأظهرهم على ابن الخبيث وعرّفهم أنه ابن الحجّة، وأن الحجة توفى. فعظّموه وقبلوه، وقالوا له:
مرنا بأمرك. فأمرهم بقتل عبدان. وقال: إنّه نافق وعصى وخرج عن الملّة.
فساروا إليه من ليلتهم إلى ناسورا وهو نازل بها فقتلوه.
وكان زكرويه هذا داعيا من تحت يد عبدان. وشاع فى الناس أن زكرويه قتل عبدان. فطلبوه سائر أصحابه وأصحاب قرمط بدمه.
فاستتر. وخالفه القوم بأسرهم إلاّ ثقاته وأقاربه. فلما لم يرى أن أمره يتم قال لابن الخبيث: قد ترى ما قد حدث، ولا آمن عليك وعلى نفسى، فارجع إلى بلدك ودعنى، فإنى أرجو أن يتغيّر الأمر وأتمكّن من الناس وأدعوهم إليك. فانصرف ابن الخبيث إلى الطالقان.
ويقال إنّ الأصل كان بسلمية مقيما، وكان يخفى أمره بذكر من بالطالقان لأنهم كانوا تحت مخافة بعد ذلك. ثم تخفّى زكرويه خوفا من طلبه بدم عبدان.
стр. 2546
وذلك كلّه فى سنة ستّ وثمانين ومئتين.
فمكث لذلك يتخفّى إلى سنة سبع وثمانين ومئتين. فلما طال أمره ورأى انحراف أهل السواد عليه، نفذ ابنه الحسن فى سنة ثمان وثمانين ومئتين إلى الشام، وصحبته رجل من القرامطة (ص ٤٨) من أهل نهر ملحابا يسمّى الحسن بن أحمد ويكنى بأبى الحسين، وأمره أن يقصد بنى كليب وينتسب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويدعوهم إلى الإمام من ولده.
فاستجاب له فخذ من بنى العلّيص بن ضمضم بن عدىّ بن حباب بن كلب بن وبرة ومواليهم. وانضاف إليه طائفة من بنى الإصبع من كلب، وتسمّى هؤلآء بالفاطميين وبايعوه.
стр. 2547
ذكر صاحب الناقة ابن الخبيث
وكان الخبيث ابن الخبيث لما رجع من عند زكرويه إلى الطالقان كتب إليه يستأذنه فى القدوم عليه. فأجابه بالتوقّف. فخرج نحو العراق ثم قدم على زكرويه فوجده مختفيا، فلم يزل حتى اجتمع به واستأذنه بالتوجّه إلى ابنه، لما بلغه من استجاب له من الناس. فأذن له، وضمّ إليه ابن أخت عيسى بن مهرويه، وتسمى بالمدّثر لقبا، وبعبد الله اسما، وتأوّل أنّه المذكور فى القرآن بالمدثّر، كذب لعنه الله، وأصحبهما غلاما من بنى مهرويه يلقّب بالمطوّق، وكان سيّافا.
وكتب على أيديهم: كتب إلى ابنه الحسن يعرفه أنّه ابن الحجة، ويأمره له بالسمع والطاعة.
فسار اللعين حتى نزل فى كلب. فلقيه الحسن بن زكرويه وعظّمه وسرّ به، وعرّف جموعه أنه صاحب الأمر. فامتثلوا أمره وقالوا له:
مرنا بأمرك لنسارع إليه. فقال لهم: استعدوا للحرب، فقد أظلّكم النصر. ففعلوا. واتصلت أخبارهم بشبل الديلمى وهو يومئذ أمير الشام بالرصافة، وهو مولى المعتضد بالله. وذلك فى سنة تسع وثمانين ومئتين.
فقصدهم، فكسروه وقتلوه. وكانت الوقعة بالرصافة غربى الفرات. ودخلوا الرصافة وأخربوها وأحرقوها ونهبوها. وأصعدوا نحو الشام (ص ٤٩) واعترضوا الناس بالقتل والحريق ونهب القرى، إلى أن وردوا أطراف دمشق. وكان
стр. 2548
هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ردّ أمرها إلى الأمير طغج بن جفّ الفرغانى. فلقيتهم عساكره. فانهزموا من القرامطة ولم يثبتوا قدّامهم. وقتل كثير منهم وأخذوا منهم ما قدروا عليه. ولم يزالوا حتى نازلوا دمشق وحصروا طغج بها. وكان الخبيث ابن اللعين يحضر على ناقة فى الحرب ويقول لأصحابه: لا تسيروا فى مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا، فإنّه لا تردّ لكم راية إذ كانت مأمورة.
فسمّى بذلك صاحب الناقة.
وحصر طغح بدمشق سبعة أشهر، وكتب إلى مصر يعرّف من قتل من أصحابه، وأنه محصور، وقد فنى أكثر الناس، وقد خرب البلد.
فأنفدوا إليه بدرا الكبير غلام ابن طولون المعروف بالحمامى. فسار حتى قرب من دمشق. وخرج إليه طغج واجتمعا على قتال اللعين. والتقوا بموضع قريب من دمشق. فأصاب اللّعين سهم فذبحه وعجّل الله بروحه إلى سقر. وحمى أصحابه اللعين الثانى ابن زكرويه. فقاتلوا أشدّ قتال شبهد، حتى انحازوا عنهم وانصرفت القرامطة. وكان هذا اللعين المقتول قد ضرب دراهم ودنانير كتب على السكة من وجه (﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾). وعلى الوجه الثانى: لا إله إلا الله (﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾).
стр. 2549
ذكر الحسن بن زكرويه لعنه الله
ولما انصرفت القرامطة عن دمشق بعد قتلة الطاغية بايعوا الحسن ابن زكرويه. فساربهم حتى افتتح عدّة من مدن الشام. وظهر (ص ٥٠) على جند حمص، وقتل خلقا من جند المصرييّن، وتسمّى بأمير المؤمنين. وخطب له بذلك على المنابر. ثم سار إلى نحو الرقة. فخرج إليه مولى الإمام المكتفى بالله، فقتله وهزم جيوشه، واستباح عسكره.
ورجع يريد دمشق، وجموعه ينهبون جميع ما مرّوا عليه من القرى والضياع. فلما قاربوا دمشق أخرج إليهم طغج جيشا كثيفا عليه غلام له يسمى بشير، فهزموه وقتلوه مع خلق من أصحابه. فلما اتصل بالمكتفى قتل غلامه وكسر جيوشه وكثرة فسادهم، ندب لحربهم أبا الأغرّ السّلمى، وضمّ إليه عشرة آلاف فارس من الجند والموالى والأعراب، وخلع عليه لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة تسعين ومئتين.
فسار حتى نزل حلب، ثم نزل وادى بطنان. فتفرّق الناس فى ذلك الوادى، ودخل قوم منهم الماء يتبرّدون، وكان ذلك فى القيظ، فلم يشعروا إلا بالقرامطة على حين غفلة منهم يقدمهم المسمى بالمطوّق. فعاد كلّ إنسان يحذر على نفسه وينجو من السيف. وركب أبو الأغرّ فرسه وصاح فى الناس. فثار إليه جماعة لقى بهم أوائل الخيل، ولم يلبث إلا اليسير حتى انهزم. وركبت القرامطة أكتاف الناس قتلا وأسرا،
стр. 2550
حتى حجز بينهما الظلام وقد أتوا على عامة العسكر، وسلم منهم القليل. ولحق أبو الأغرّ فى جميع من معه بحلب، ثمّ تلاحق به من سلم، حتى عاد فى نحو ألف رجل. ووافت القرامطة فنازلوا حلب. فحاربهم أبو الأغرّ، فلم يقدروا منه على شئ، فانصرفوا. وجمع طاغيتهم الحسن بن زكرويه أصحابه، وكان قد اتصل به خلق كثير من اللصوص والمتجرّمة، وخلق من بنى كلب. فسار حتى نزل حمص، فخطب له على منابرها. ثم نهض (ص ٥١) إليها فأعطاه أهلها الطاعة وفتحوا له، فدخلها. ثم سار إلى حماة ومعرّة النّعمان وغيرهما. فقتل الرجال وسبى الدّرارى والأطفال، ثم رجع إلى بعلبكّ فقتل عامة أهلها، ثم صار إلى سلمية فحاربه أهلها وامتنعوا منه، فأعطاهم الأمان ففتحوا له، فمن فيها من بنى هاشم فبدأ به فقتلهم أجمعين، ثم كرّ على جميع أهلها فقتلهم بأسرهم، ولم يبق على أحد منهم، وخرج عنها ولا بها عين تطرف. وكان مع ذلك لا يمرّ بقرية فيدع بها مخبر، حتى أخرب البلاد وسبا الحريم، ولم يقم له أحد.
ووردت كتب التجّار والناس من دمشق وغيرها مستصرخين بالويل والثبور لما نزل بهم، حتى كثر الضجيج بمدينة بغداد، واجتمعت الناس إلى يوسف بن يعقوب القاضى وسألوه مخاطبة الخليفة فى أمور
стр. 2551
الناس. فلما علم المكتفى بالله ما الناس فيه من شدّة البلاء، جهّز الجيوش وخرج بنفسه إلى مضربه بباب الشماسيّة فى قوّاده وجنده، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وسلك طريق الوصول ومضى نحو الرقة ونزل بها، وانبّثت الجيوش بين حلب وحمص، وقلّد محمد بن سليمان حرب اللعين الحسن بن زكرويه، وضمّ إليه جيشا كثيفا. وكان محمد صاحب جيش العطاء، فى الديوان المقدّم ذكره فى الجزء الذى قبله.
فلما دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين سار محمد بن سليمان لمناهضة القرامطة. وألتقى الجمعان لست خلون من المحرّم بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز بينهم الليل، وكان الظفر للجيوش الخليفية، وقتل من الطواغيت كماتهم وكبارهم فى حديث طويل هذا (ص ٥٢) ملخّصه.
وكان الحسن بن زكرويه، لعنه الله، لما أحسّ بالجيوش، قد اصطفى المقاتلة. أخرج من معه من الرجال والشجعان عن الضعفة والسواد وعرضهم حتى رضى سلاحهم ورتّب أحوالهم. وقد امتلأ صدره من أمر المكتفى بالله وجيوشه، وهو ضابط لأمره وكاتم لذات نفسه. وأنفذ الجيش وتخلّف فى السّواد والضعفة. فلما انهزم أصحابه ارتاع لذلك، ورحل من وقته بسواده، وسار خوفا من الطلب. وتلاحق من أفلت، فخاطبهم بأنهم
стр. 2552
أوتوا من قبل أنفسهم وذنوبهم، وأنهم لم يصدقوا الله، وحرّضهم على المعاودة إلى الحرب. فلم يجبه منهم أحد إلى ذلك، واعتلّوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم. فلما أيس منهم قال لهم: قد كاتبنى خلق من أهل بغداد بالبيعة لى ودعائى نحوها لأظهر بها. وأنا مستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد صاحبى. وكتبى ترد إليه بما يعمل به، فاسمعوا له وأطيعوا أمره. فضمنوا له ذلك.
وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمّى بالمدّثر، وصاحبه المطوّق، وغلام له رومى. وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق. وساروا يريدون سواد الكوفة. وسلك البرّ وتجنّب المدن والقرى، حتى إذا صار قريبا من الدالية نفد زاده. فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بهم بالقرب منها، خلف رابية. ووجّه بعض من كان معه لابتياع ما يحتاجون إليه. فلما دخلها أنكرونه وقبضوا عليه، وأتى به إلى واليها، وكان يعرف بأبى حبرة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات. والدالية قرية من عمل الفرات. فقرّره فاعترف على رفقته. فسار (ص ٥٣) المتولّى إليهم فى جمع فأخذهم وشدّهم وثاقا، وتوجّه بهم إلى صاحبه ابن كشمرد. فصار بهم إلى المكتفى بالله، وهو يومئذ نازل بالرقّة. فأمر أن يشهروا بها. ففعل بهم ذلك، وعلى الحسن
стр. 2553
ابن زكرويه درّاعة ديباج وبرنس حرير، وكذلك المدّثر والمطوّق، وهما على جمال مشهورين.
وذلك فى يوم الأربعاء لأربع بقين سنة إحدى وتسعين ومئتين.
وقدم محمد بن سليمان بالجيوش بعد أن تتّبعوا القرامطة وما بقى منهم، وقتلوا وأسروا، وخلّف المكتفى بالله عساكره مع محمد بن سليمان بالرقة وشخص فى خاصته وغلمانه ومعه القاسم بن عبيد الله الوزير إلى بغداد. ودخل القرمطى وأصحابه معه. وذلك فى أول يوم من صفر من هذه السنة.
فلما صار إلى بغداد عمل له كرسيا سمكه ذراع ونصف، وركّبه على فيل. ودخل المكتفى بالله وهو بين يديه مع أصحابه الأسرى، والمطوّق فى فيه خشبة مخروطة قد شدّت إلى قفاه كالّلجام. وكان لما دخل الرقة عاد يشتم ويبصق. ففعل به ذلك عند عبوره بغداد، ثم وصل محمد بن سليمان بالجيوش وقد تلقط جماعة من القرامطة، ودخل فى زىّ حسن، وخلع عليه، وطوّق وسوّر. وكذلك سائر من كان معه من القوّاد خلع عليهم وأنعم.
ثم أمر المكتفى بالله ببناء دكة فى المصلّى العتيق من الجانب الشرقى مربّعة ذرعها عشرون ذراعا فى مثلها، وارتفاعها عشرة أذرع بدرج يصعد إليها.
стр. 2554
فلما كان يوم الاثنين لأربع بقين من ربيع الأول أمر المكتفى بالله القوّاد وجميع الغلمان وصاحب جيشه محمد بن سليمان وصاحب شرطته أن يحضروا إلى تلك الدكّة، وصعدها الوجوه، وحضر الباقون على دوابهم، وخرج (ص ٥٤) سائر أهل بغداد. وكان يوما مشهودا.
وحملوا الأسرى كلّهم مع خلق كثير أتوا من سائر البلاد من القرامطة ممن مسك وحمل إلى بغداد ممّن كان على مذهبهم، فقتلوا جميعا.
وعدتهم ثلاث مئة وستون نفرا.
ثم قدّم الحسين بن زكرويه وعيسى ابن أخت مهرويه وهما زميلان على بغل فى عمّرية قد أرسل عليهما أغشيتها. فأصعدا إلى الدكّة فأقعدا. وقدم أربعة وثلاثون إنسانا من الأسرى من وجوه القرامطة ممن <عرف> بالنكاية والعداوة للإسلام، والكلب على سفك الدماء وسبى الحريم. فكان كل واحد منهم يبطح على وجهه فتقطع يده اليمين ويرمى بها إلى أسفل الدكة ليراها أهل المشهد من الناس، ثم تقطع رجله اليمنى، ثم يده اليسرى، ثم رجله اليسرى، ثم تضرب عنقه. حتى فعل ذلك بجميعهم. ورمى بأعضائهم إلى أسفل الدكة.
فلما فرغ من تلك العدّة قدّم المدّثر بزعمه لعنه الله ففعل به مثل ذلك، وكوى بالمكاوى قبل ضرب عنقه ليعذب. ثم المطوّق فعل به
стр. 2555
كذلك. ثم قدّم الحسن بن زكرويه لعنه الله فضرب مئتى سوط، ثم كوى بالمكاوى، ثم قطعت ساير أعضائه، وضربت رقبته، ورفع رأسه على خشبة. وكبّر من على الدكّة، وكبّر الناس وانصرفوا.
وحملت الرؤوس فنصبت على الجسر. وصلب بدن القرمطى، فمكث مصلوبا نحو من سنة، ثم سقط عليه حائط.
стр. 2556
نسخة كتب اللّعين الحسن بن زكرويه إلى عمّاله
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المهدى المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله، الداعى إلى كتاب الله، الذابّ عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين (ص ٥٥) وخليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المستبصرين، ومشتّت المخالفين، والقائم بسنّة <سيّد> المرسلين، ولد خير الوصييّن، صلّى الله عليه وعلى آله الطّيبين الطاهرين وسلّم.
كتاب إلى جعفر بن حميد الكردى:
سلام عليك. فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّى على محمد جدّى رسول الله.
أما بعد. فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعيث والفساد فى الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى هناك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائنا الظالمين الذين يسعون فى الأرض فسادا. وقد أنفذنا عطيرا داعيا مع جماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، ونحن فى إثرهم، وأمرهم بالمصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا. ونحن نرجو أن يجزينا الله على أحسن عوائده، فتشدّ قلبك وقلوب من انتقل من أوليائنا إليك،
стр. 2557
وتثق بالله وبنصره. وتبادر إلينا بالأخبار وما يحدث بناحيتك. ولا تخف علينا شيئا من أمر ذلك (﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْااهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾).
وصلّى الله على جدّى رسوله، وعلى أهل بيته وسلّم كثيرا.
وكان سائر عماله يكاتبونه بمثل هذا الصدر، وكان ذلك كذب وخبث من اللعين وفجور من الخبيث.
وذلّ بنو القليص بعد هذه الحادثة ولزموا السّماوة.
وسلم القاسم بن أحمد المسمّى بأبى الحسين، خليفة اللعين. فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه بن مهرويه أبى الملعون. فأخبره بخبر ابنه وقومه، وأنّ القوم الذين استخلفه ابنه عليهم (ص ٥٦) اضطربوا عليه، فخافهم وتركهم، وانصرف. فلامه على قدومه لوما شديدا وانحرف عنه.
وكان زكرويه لعنه الله فى ذلك الوقت فى غاية الخوف من طلب السلطان من وجه، ومن طلب أصحاب عبدان الذى تسبب فى قتله من وجه. ثم إنه نفذ فى سنة ثلاث وتسعين ومئتين رجلا من أصحابه يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد، وكان معلما فى الدابوقة، ويكنى بأبى غانم
стр. 2558
فتسمى نصرا ليعمّى أمره على عادتهم، وأمره يدور أحياء كلب ويدعوهم.
فتوجّه فلم يجبه أحد، إلاّ رجل من بنى زياد يعرف بمقدام بن الكمال. ثم استجاب له طوائف من الإصبعيين الذين يعرفون بالفواطم، وقوم من بنى العلّيص، وصعاليك من كلب. فسار بهم نحو الشام.
وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهم بنواحى مصر على حرب ابن الخليج، حسبما تقدم من أمره وذكرناه فى الجزء الذى قبله، فاغتنم ذلك نصرا هذا. فصار إلى مدينتى بصرى وأذرعات فحارب أهلها ثم أمّنهم. فلما استسلموا قتل مقاتليهم وسبا ذراريهم، وأخذ جميع أموالهم، وسار نحو دمشق. فخرجت إليه الشحنة من جند المصريين مع صالح بن الفضل خليفة ابن كيغلغ.
فاثخنوا فيهم، وظهروا عليهم. ثم اغتروهم ببذل الأمان، ثم غدروا بهم وقتلوا صالحا وعسكره، وطلبوا دخول دمشق فدفعهم عنها أهلها.
فانصرفوا قاصدين طبرية. فلقيهم يوسف بن إبراهيم عامل ابن كيغلغ على الأردنّ فهزموه وبذلوا له الأمان. ثم غدروا به فقتلوه ونهبوا طبرية.
وبلغ المكتفى بالله أمرهم فأنفذ الحسين بن حمدان فى طلبهم، مع وجوه القواد. فدخل دمشق والقرامطة بطبرية.
стр. 2559
فلما علموا بذلك عطفوا نحو السماوة، واتبعهم (ص ٥٧) الحسين بن حمدان فى البرية. فأقبلوا ينتقلون من ماء إلى ماء ثم يغوّرون ما يرحلون عنه من الماء. فلم يزالوا كذلك حتى وردوا الماءين المعروفين بالدّمعانة والحالّة، فانقطع عنهم لعدمه الماء. فمال نحو رحبة مالك بن طوق، وأسرى عدو الله القرمطى حتى وافى هيت لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين ومئتين طلوع الشمس. فنهب ربض هيت والسفن التى فى الفرات، وقتل نحو مئتى إنسان، وأقام هناك يومين، والقوم متحصّنون. ثم رحل بجميع ما أخذ.
فلما اتصل الخبر بالمكتفى بالله أنفذ إلى هيت محمد بن إسحاق ابن كنداج، ومعه جماعة من القوّاد، ثم أتبعه بمؤنس الخازن.
فوجدوهم قد غوّروا المياه. فأنفذ إلى بغداد وأحضر الروايا والمزاد.
وكتبوا إلى الحسين بن حمدان يوافيهم. فلما أحسّوا بذلك ائتمروا بينهم. فوثب عليه رجل من أصحابه يقال له الديب بن القائم فقتل اللعين نصرا وأخذ رأسه وشخص بها إلى بغداد، متقرّبا بذلك للخليفة. فأسنيت له الجايزة، وكفّ عن طلب قومه. فمكث أياما ببغداد ثم هرب.
ثم إنّ قوما من بنى كلب أنكروا ما فعله الديب من قتل المعلم
стр. 2560
نصرا، ورضوا آخرون. فتحزّبوا أحزابا واقتتلوا قتالا شديدا.
ثم افترقوا، فصارت الفرقة التى رضيت قتله إلى ناحية عين التمر، وتخلّف على الماء الذى كانوا عليه من كره قتله. واتصل الخبر بزكرويه لعنه الله، والقاسم بن أحمد عنده، فردّه إليهم لمعرفته بهم. فلما ورد عليهم جمعهم ووعظهم، وقال: أنا رسول وليّكم، وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الديب. فاعتذروا له وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم. وذكروا ما جرى بينهم وبين أصحابهم وأهاليهم بسببه. فقال لهم: قد (ص ٥٨) جيتكم الآن بما لم يأتكم به أحد ممن تقدمنى. وإنّ وليكم يقول لكم:
قد حضر أمركم، وآن ظهوركم. وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا، ومن أهل سوادها أكثر، وهاهو صائر إليكم. وقد أمرنى أن أقول لكم: إنّ (﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾) فأجمعوا أمركم وسيروا إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها.
ومنجز وعدى الذى جاءتكم به رسلى.
فسرّوا بذلك وارتحلوا نحو الكوفة.
следующие страницы →