← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

نسخة كتب اللّعين الحسن بن زكرويه إلى عمّاله بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المهدى المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله، الداعى إلى كتاب الله، الذابّ عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين (ص ٥٥) وخليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المستبصرين، ومشتّت المخالفين، والقائم بسنّة <سيّد> المرسلين، ولد خير الوصييّن، صلّى الله عليه وعلى آله الطّيبين الطاهرين وسلّم. كتاب إلى جعفر بن حميد الكردى: سلام عليك. فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّى على محمد جدّى رسول الله. أما بعد. فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعيث والفساد فى الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى هناك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائنا الظالمين الذين يسعون فى الأرض فسادا. وقد أنفذنا عطيرا داعيا مع جماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، ونحن فى إثرهم، وأمرهم بالمصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا. ونحن نرجو أن يجزينا الله على أحسن عوائده، فتشدّ قلبك وقلوب من انتقل من أوليائنا إليك،

стр. 2557

وتثق بالله وبنصره. وتبادر إلينا بالأخبار وما يحدث بناحيتك. ولا تخف علينا شيئا من أمر ذلك (﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْااهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾). وصلّى الله على جدّى رسوله، وعلى أهل بيته وسلّم كثيرا. وكان سائر عماله يكاتبونه بمثل هذا الصدر، وكان ذلك كذب وخبث من اللعين وفجور من الخبيث. وذلّ بنو القليص بعد هذه الحادثة ولزموا السّماوة. وسلم القاسم بن أحمد المسمّى بأبى الحسين، خليفة اللعين. فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه بن مهرويه أبى الملعون. فأخبره بخبر ابنه وقومه، وأنّ القوم الذين استخلفه ابنه عليهم (ص ٥٦) اضطربوا عليه، فخافهم وتركهم، وانصرف. فلامه على قدومه لوما شديدا وانحرف عنه. وكان زكرويه لعنه الله فى ذلك الوقت فى غاية الخوف من طلب السلطان من وجه، ومن طلب أصحاب عبدان الذى تسبب فى قتله من وجه. ثم إنه نفذ فى سنة ثلاث وتسعين ومئتين رجلا من أصحابه يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد، وكان معلما فى الدابوقة، ويكنى بأبى غانم

стр. 2558

فتسمى نصرا ليعمّى أمره على عادتهم، وأمره يدور أحياء كلب ويدعوهم. فتوجّه فلم يجبه أحد، إلاّ رجل من بنى زياد يعرف بمقدام بن الكمال. ثم استجاب له طوائف من الإصبعيين الذين يعرفون بالفواطم، وقوم من بنى العلّيص، وصعاليك من كلب. فسار بهم نحو الشام. وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهم بنواحى مصر على حرب ابن الخليج، حسبما تقدم من أمره وذكرناه فى الجزء الذى قبله، فاغتنم ذلك نصرا هذا. فصار إلى مدينتى بصرى وأذرعات فحارب أهلها ثم أمّنهم. فلما استسلموا قتل مقاتليهم وسبا ذراريهم، وأخذ جميع أموالهم، وسار نحو دمشق. فخرجت إليه الشحنة من جند المصريين مع صالح بن الفضل خليفة ابن كيغلغ. فاثخنوا فيهم، وظهروا عليهم. ثم اغتروهم ببذل الأمان، ثم غدروا بهم وقتلوا صالحا وعسكره، وطلبوا دخول دمشق فدفعهم عنها أهلها. فانصرفوا قاصدين طبرية. فلقيهم يوسف بن إبراهيم عامل ابن كيغلغ على الأردنّ فهزموه وبذلوا له الأمان. ثم غدروا به فقتلوه ونهبوا طبرية. وبلغ المكتفى بالله أمرهم فأنفذ الحسين بن حمدان فى طلبهم، مع وجوه القواد. فدخل دمشق والقرامطة بطبرية.

стр. 2559

فلما علموا بذلك عطفوا نحو السماوة، واتبعهم (ص ٥٧) الحسين بن حمدان فى البرية. فأقبلوا ينتقلون من ماء إلى ماء ثم يغوّرون ما يرحلون عنه من الماء. فلم يزالوا كذلك حتى وردوا الماءين المعروفين بالدّمعانة والحالّة، فانقطع عنهم لعدمه الماء. فمال نحو رحبة مالك بن طوق، وأسرى عدو الله القرمطى حتى وافى هيت لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين ومئتين طلوع الشمس. فنهب ربض هيت والسفن التى فى الفرات، وقتل نحو مئتى إنسان، وأقام هناك يومين، والقوم متحصّنون. ثم رحل بجميع ما أخذ. فلما اتصل الخبر بالمكتفى بالله أنفذ إلى هيت محمد بن إسحاق ابن كنداج، ومعه جماعة من القوّاد، ثم أتبعه بمؤنس الخازن. فوجدوهم قد غوّروا المياه. فأنفذ إلى بغداد وأحضر الروايا والمزاد. وكتبوا إلى الحسين بن حمدان يوافيهم. فلما أحسّوا بذلك ائتمروا بينهم. فوثب عليه رجل من أصحابه يقال له الديب بن القائم فقتل اللعين نصرا وأخذ رأسه وشخص بها إلى بغداد، متقرّبا بذلك للخليفة. فأسنيت له الجايزة، وكفّ عن طلب قومه. فمكث أياما ببغداد ثم هرب. ثم إنّ قوما من بنى كلب أنكروا ما فعله الديب من قتل المعلم

стр. 2560

نصرا، ورضوا آخرون. فتحزّبوا أحزابا واقتتلوا قتالا شديدا. ثم افترقوا، فصارت الفرقة التى رضيت قتله إلى ناحية عين التمر، وتخلّف على الماء الذى كانوا عليه من كره قتله. واتصل الخبر بزكرويه لعنه الله، والقاسم بن أحمد عنده، فردّه إليهم لمعرفته بهم. فلما ورد عليهم جمعهم ووعظهم، وقال: أنا رسول وليّكم، وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الديب. فاعتذروا له وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم. وذكروا ما جرى بينهم وبين أصحابهم وأهاليهم بسببه. فقال لهم: قد (ص ٥٨) جيتكم الآن بما لم يأتكم به أحد ممن تقدمنى. وإنّ وليكم يقول لكم: قد حضر أمركم، وآن ظهوركم. وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا، ومن أهل سوادها أكثر، وهاهو صائر إليكم. وقد أمرنى أن أقول لكم: إنّ (﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾) فأجمعوا أمركم وسيروا إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها. ومنجز وعدى الذى جاءتكم به رسلى. فسرّوا بذلك وارتحلوا نحو الكوفة.

стр. 2561

ذكر خبر زكرويه لعنه الله وقتله فلما وردوا القطقطانة، وهى قرية خراب فى البرّ، بينها وبين الكوفة ستة وثلاثون ميلا، وذلك يوم الأربعاء قبل يوم عرفة بيوم، من سنة ثلاث وتسعين ومئتين خلّفوا بها الخدم والأموال والسواد والحريم. ثم أمرهم أن يلحقونه <إلى> عين الرحبة، على ستة أميال بين الكوفة <و> القادسية. ثم اشتوروا كيف يكون هجومهم الكوفة. فقال قائل: ليلا فلا يتحرك أحد إلا قتلناه، ويخرج إلينا وإليها فى قلة فنأخذه أو نقتله. وقال آخر: نمهل إلى أن يدخلها عشية فى يوم العيد والجند سكارى والبلد خال. فنقصد باب إسحاق واليها وهو غافل فنأخذه. فهو أذل لهم ولا يقاومنا بعده أحد. وكانت شحنة الكوفة يومئذ سبعة آلاف رجل، إلا أنّ المقيم بالكوفة يومئذ أربعة آلاف من المصريين والشاميّين وغيرهم. والناس بها أحياء، والبلد على غاية الاجتماع والحسن وكثرة الناس، والحاج بمكة قد خرجوا على أحسن حال.

стр. 2562

وقال آخرون من القرامطة: نسير ليلتنا ثم نكمن فى النّجف، ثم نريح الخيل وننام، ونركب عمود الفجر فنشنّها غارة على أهل المصلّى، ونضع السيف وهم آمنون ليس فيهم (ص ٥٩) من معه سلاح. فقال اللعين: هذا هو الرأى. ففعلوا ذلك، حتى إذا حصلوا على المكان الكمين، ناموا لما يريده الله تعالى من سلامة الناس، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد، لطفا من الله . ومن ألطاف الله أيضا أنّ إسحاق بن عمران المتولّى كان قد أحدث مصلّى بالقرب من طرف البلد فصلّى فيه. وكان الرجوع منه إلى البلد سهلا، فقصدت القرامطة المصلّى العتيق على ما كانوا يقدّرون أنّه مصلاّهم فلم يصادفوا به أحد. فأقبلت خيل منهم من تلك الجهة فدخلت الكوفة من يمينها، فوضعوا السيف حتى وصلوا إلى حبسها ففتحوه، وقتلوا كثيرا من الناس، وجرحوا خلقا. فارتجّت الكوفة، وخرج الناس بالسلاح، وتكاثر الناس على من دخل الكوفة من القرامطة، فقذفوهم بالحجارة، ورمى عليهم بالسهام، فقتلوا جماعة. وأقبل جلّ القوم من الخندق فقتلوا ناسا، وناوشهم طوائف من الجند تخّلفوا فى الصحراء.

стр. 2563

وكان إسحاق بن عمران المتولّى قد انصرف إلى منزله فى أحسن زى. فلما سار فى بعض الطريق لحقه فارس من بنى أسد على فرس قد جرح، فخبّره أنّ قوما من الأعراب قد هجمت البلد فقتلت وسبت وخرجت إلى الصحراء، وإنّى لقيتهم ففعلوا بفرسى ما تراه. ثم إنه تحقق أمرهم فكان بينهم طول ذلك النهار حرب شديد. ورجع القرامطة إلى سوادهم بعد قتلا كثير فى الناس من أهل الكوفة وجماعة من القرامطة. وأبلى فى هذه النوبة إسحاق بن عمران بلاء حسنا، وعرف <الناس> منه ثباتا وشجاعة. ثم كتب من وقته كتابا إلى الوزير العباس بن الحسن يعرّفه بجميع ذلك، ويستصرخه بالجيوش. ولما وصلوا القرامطة إلى سوادهم بعين الرحبة رحلوا هم إلى (ص ٦٠) عين يسرة العذيب تعرف بعين عبد الله. ثم رحلوهم فنزلوهم بقرية تعرف بالصوان، على نهر هدّ من سواد الكوفة. فخرج إليه منها عند نزولهم إياها زكرويه بن مهرويه لعنه الله. وكان بها مستترا. فقال [أحمد بن القاسم] للعسكر: هذا صاحبكم وسيدكم ووليّكم الذى تنتظرونه. فترجّلوا بأجمعهم وألصقوا خدودهم بالأرض. وضرب لزكرويه مضرب عظيم وطافوا به، وسرّوا جدا، واجتمعت إليه جميع أهل دعوته من السواد وغيره. فعظم جيشه وتكاثفت عساكره.

стр. 2564

ولما وصل كتاب إسحاق بن عمران إلى الوزير العباس بن الحسن قلق وشاور أصحابه فى لقاء المكتفى بالله بذلك. فأشاروا عليه بتعجيله. فقال: كيف ألقاء بذلك مع ما يحتاج إليه من الأموال؟ ولعهدى به قد ناظرنى بالأمس فى دينار ذكر أنه فضل بقية نفقة دفعت إليه. فقال أصحاب الوزير له: اذكر له ذلك، فإن أسعفك وإلاّ ففى أموالنا فضل. فقال: لقد فرّجتم عنى. ثم إنه طالع المكتفى بالله. فقال له المكتفى: كأنى بك أيها الوزير قد قلت كيف أطالع أمير المؤمنين بمثل هذا، وبالأمس قد ناظرنى فى دينار! فقال: قد كان ذلك والله يا أمير المؤمنين. قال: إنما كان ذلك يقتضى لمثل ما كنا فيه، وأمّا هذا فلا نبخل بمال. امدد يدك بالإنفاق فى الرجال ليلا ونهارا، وجرّد الكبار من القوّاد. ففعل ذلك. ووصل أوائل الجيش الكوفة فى اليوم السادس من عيد النحر. قلت: ثم كان لهم بعد ذلك وقائع وحروب. وأخذوا القرامطة تلك السنة جميع الحاج القادم. وفعلوا من الأمور القباح ما يضيق عنه

стр. 2565

التلخيص، حتى بلغ من أمر المكتفى أنّه امتنع من الدخول إلى النساء، وكان يصوم (ص ٦١) نهاره سهوا لعظم أمرهم وفخامة حالهم. وكسروا جيوش الخليفة عدّة طرق. وقتلوا وأسروا كبار القواد، وفعلوا أمور تقشعرّ لسماعها الأبدان. ولم يزالون كذلك حتى نفذ المكتفى بالله سائر جيوشه مع خاصة نفسه يقدمهم محمد بن إسحاق بن كنداج وغيره. فنزلوا يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومئتين بقرية خراب يقال لها صماخ، كان يسكنها على قديم الزمان قوم من ربيعة يقال لهم بنو عنزة، وبينها وبين البصرة ثلاثة أيّام. فلقيهم قوم من الأعراب فخبّروهم أنّ القرامطة بالبنّى، وهو موضع من وادى ذى قار الذى كانت فيه وقعة العرب مع العجم فى أيام كسرى ابرويز، فظفرت العرب بالعجم. وهو واد كثير الماء العذب، وبينه وبين منزلة الجيش الخليفتى عشرة أميال. فبات الجيش بصماخ. وتراءت الطلائع فى عشى يومئذ. ورحل من غد زكرويه لعنه الله طامعا فى الظفر. فالتقوا بقرية خراب يقال لها إرم بينها وبين البنّى ثلاثة أميال، وذلك يوم الأحد لسبع بقين من ربيع الأول، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفئتين. ثم كانت

стр. 2566

الدائرة على اللعين زكرويه، فانهزم، وقتل من جيوشه أكثرها، وأسر منهم خلق كثير. وأفلت صعاليك من العرب على الخيل مجرّدين. ووصل إلى الملعون وهو فى القبة فى أوائل سواده، وقد كانوا قد تحمّلوا فأخذوا. وكان سبيا عظيما، فلم يؤبه إليه وظنوا أنّه فى الخيل المنهزمة فاتّبعوها. ثم إنّ رجل من الجيش الخليفتى قذف بنار فوقعت فى قبته، فخرج الملعون من ظهرها. فلحقه بعض (ص ٦٢) الرجالة وهو لا يعرفه. فأدركه بعض أصحاب للحيم وهو قد ضربه على رأسه ضربة أثخنه بها. فسقط إلى الأرض. فلما عرفه ذلك الرجل الذى أدركه قال لصاحبه: قد ظفرت يدك. هذا صاحب القوم. ثم أركبه نجيبا فارها وقال له: طر إن أمكنك. فإذا دخلت بغداد فعرّف الوزير أنك رسولى وسلّم إليه الخاتم واشرح له ما شاهدت. واعلم أنه إن علم محمد ابن إسحاق بن كنداج وإسحاق بن عمران بمكانك حبساك حتى يسبقك الخبر منهما إليه. فعمل بذلك. فكان ذلك الرجل أول بشير بالفتح على الوزير. ومضى لحيم إلى وصيف وابن سيما فعرّفهما. فاجتمعوا جميعا وكتبوا كتاب الفتح، وأخذ جماعة من آل زكرويه، ونهب الجيش عسكرهم.

стр. 2567

وأخذت زوج اللعين زكرويه <و> تسمى مؤمنة. وانصرفوا نحو الكوفة فمات الملعون بخفّان من جراحاته، وصبّر وكفّن، وشهر كذلك بمدينة السلام على جمل. وأدخلوا الأسرى ورؤوس من قتل على الجمال، والنساء فى الجوالقات. ومات خبر القرامطة وانقطع ذكرهم إلى سنة خمس وتسعين ومئتين.

стр. 2568

< ذكر أبى حاتم الزطى > خرج رجل زطّىّ من السواد يعرف بأبى حاتم الزطى فقصد أصحاب الثورانى خاصة. وكان الثورانى داعيا كما تقدم، وأصحابه يعرفون بالثورانية. فلما ظهر هذا المعروف فيهم بأبى حاتم حرّم عليهم الثوم والكرّاث والبصل والفجل، وحرّم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم أن يتمسّكوا بما هم عليه من مذهب الثورانى، وأمرهم بأشياء لا يقبلها إلاّ الأحمق السخيف من ترك الشرائع. وهؤلاء طائفة من القرامطة يعرفون بالبقليّة. وأقام أيضا هذا الملعون المعروف بأبى حاتم نحوا من سنة، ثم زال. ثم اختلفوا بعده. وكانوا أهل قرى بسواد (ص ٦٣) الكوفة، فقالت طائفة منهم: زكرويه بن مهرويه حىّ، وإنما شبه على الناس الذى قتل. وقالت طائفة منهم: الحجة لله محمد بن إسماعيل ابن جعفر حىّ. ثم خرج رجل من بنى عجل قرمطى يقال له محمد ابن قطبة فاجتمع له نحو من مئة رجل. فمضى بهم إلى نحو الحامدة من واسط فنهب وأفسد، فخرج إليهم أمير الناحية فقتلهم وأسرهم.

стр. 2569

ذكر أبو طاهر القرمطى لعنه الله ثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبى سعيد الجنّابى لعنه الله وعمل على أخذ البصرة. وذلك فى سنة عشر وثلاث مئة، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل مرقاة اثنان بزرافين إذا احتيج إلى نصبها، وتخلع إذا أريد خلعها، ثم وافى البصرة ليلا. فأخرجت الأسنة من زبل كانت فيها بحيث لا تصدأ، وركّبت على الرماح، وفرّقها على أصحابه، وحشيت غرائر بالرمل، وحملت على الجمال، وأشياء من حديد قد أعدّت لذلك. وساروا إلى السور قبل الفجر. فوضعوا السلالم، وصعد عليها قوم من جلداء أصحابه. فقتلوا سائر من تكلّم. ودفع إلى آخرين ما يكسرون به الأقفال، وفتحوا الأبواب. ودخل جيشهم. فأول ما عملوا طرحوا ذلك الرمل الذى كان على الجمال فى الأبواب نحو ذراع ليمنعوا غلقها، وكان الأمير على البصرة يوم ذلك شبل المفلحى. فركب مذعورا فى بعض غلمانه. فقتلوه من وقته وساعته. وفزع الناس وركبت الخيل. وكانت العامة قد منعها السلطان من حمل السلاح فاجتمعوا بالآجرّ. وحضر ابن شبل واجتمع عليه الناس. ووقعت الحرب فأصابت القرامطة جراحات. والقتل فى العامة كثير جدا. ولم يزل الأمر كذلك إلى آخر النهار (ص ٦٤) ثم

стр. 2570

خرجوا وقد قتلوا من الناس مقتلة عظيمة إلى خارج البلد، فباتوا خارج البلد. وخرج الناس بعيالاتهم فركبوا الأنهار. وباكر البلد. فنزل دار عبد السلام الهاشمى. وتفرق أصحابه فى البلد يقتلون من وجدوا وينهبون ما يجدون ويحمل ذلك إلى مكان قد عيّن لجمعه فيه. ثم إنهم رحلوا آخر النهار إلى الأحساء بلدهم. وتراجع الناس إلى دفن قتلاهم. فلما اتصل خبرهم بالسلطان أنفذ ابن نفيس فى عدّة وعدد. فشكر الناس. ثم قلّد أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان أعمال الكوفة وحبيلا وقصر ابن هبيرة والسواد وطريق مكة. فجرى بينه وبين الثورانى وقائع عظيمة يطول شرحها. وردّهم عن أعماله بشجاعته وصرامته، حتى إنه تعرض قوم من الأعراب للفساد فى عمله، فرحل فى إثرهم إلى قرب دومة الجندل حتى ظفر بهم. ولم يكن أحد قبله فعل ذلك. فهابوه وعمرت البلاد فى أيّامه، وصلحت الطرق، وأمنت الناس. فلما وقف القرمطى على ما <فعل> هاله ذلك. وكانت جواسيسه لا تنقطع عن العراق كثرة فى صور مختلفة. وأمره يطول شرحه مع وقائع جرت له مع أبى الهيجاء ابن حمدان، وأسره إيّاه فى حديث طويل جدا. ولم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ست عشرة وثلاث مئة. فدخل الكوفة. وكان عاد لا يمنعه عنها مانع. فدخلها يوم الجمعة

стр. 2571

لثلاث خلت من شهر رمضان من هذه السنة المذكورة. فأقام بها إلى مستهلّ ذى الحجة ولم يقتل بها أحد، ولا نهب شيئا، فساس الناس أمرهم معه، ولطفوا به وبمن معه، ثم رحل عن الكوفة فى ذى الحجة. فلما كان فى سنة سبع عشرة وثلاث مئة رحل بجيشه، فوافى مكّة. فدخلها يوم الاثنين لثمان خلون من ذى الحجة فقتل الناس فى البيت (ص ٦٥) قتلا ذريعا، ونهب البيت، وأخذ سلبه، وقلع ذهبه، ونزع بابه وستائره، وأظهر الاستخفاف به، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه، ولم يشكّ الملعون هو وأصحابه بجهلهم أنه قد بطل قول الله (﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾). وخلع الشكّ فى ذلك كثيرا من الناس عن دينه، ولم يعلم أنّ معنى ذلك أنه من دخله كان آمنا فى حكمى وفرضى. فأمّا أن يكون أخرج ذلك مخرج الأخبار فإنه غلط، لأن الآية جاءت على معهود كما بيّن . ولم يزل الحجر الأسود عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. فأرادوا أن يستميلوا أهل الإسلام بالمقاربة، وأراد الله أن يهتك أستارهم وأن يكذب ما قدّموه من دعوتهم، وأن يلجئهم إلى تناقض الأقوال

стр. 2572

والأفاعيل. فحملوا الحجر الأسود صغرة منهم وردّوه إلى الكوفة فنصبوه فيها. وكان قصدهم بذلك استمالة قلوب الناس. فنصبوه فى مسجد الجامع على الأسطوانة السّابعة فى القبلة مما يلى صحن المسجد. وكان فى ذلك آية عظيمة من آيات النبوة بيّن الله صدق رسوله ﷺ عند نجوم الأشكال فيه. فوطّى الله بذلك حجة نبوة محمد ﷺ ، ومكّن به صحة شريعته بأن جاء عنه فى الخبر أنّ الحجر الأسود يعلّق فى مسجد الجامع بالكوفة فى آخر وقت. وجاء الخبر بذلك منقولا مشهورا عن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵇. ومثل هذا لا يكون عن منّجم، ولا يوصل إليه إلاّ بخبر من رسول ربّ العالمين. فهذا ما جرى من أبى سعيد الجنّابى وولده فى تلك الديار. وهم شعب من القرامطة. وقد لخّصت من ذكرهم جدّ (ص ٦٦) الاجتهاد وجهد الطّاقة.

стр. 2573

<أبو عبد الله الخادم> وأتباعه وأمّا خراسان فإنّ الذى قدم بهذه الدعوة الخبيثة رجل يعرف بأبى عبد الله الخادم. وكان خادما لعبيد الله المهدى بالمغرب. فأوّل ما ظهرت بنيسابور. فكان أحد من أجابه رجل يعرف بأبى سعيد الشعرانى. فلما حضرت أبا عبد الله الوفاة جعله مقامه فى الأخذ على الناس، واستخلف الشعرانى بعده الحسين بن على المروزى. وأقام بعده المروزىّ محمد بن إسحاق النسفى صاحب كتاب «المحصول» والمقالة المقبولة فيه تعطيل الإسلام وغيره من الأديان، والجرأة على سفك الدماء وارتكاب المحارم وتعطيل الخالق. وكان الذى مكّن أمر هذه الدعوة المروزى بقوته وإمارته وتمكينه. ووزيره يومئذ محمد بن موسى البلخى. فاستدعى له ابن بابويه صاحب سجستان واستدعى النسفى خلقا كثيرا من الرؤساء أصحاب السلاح.

стр. 2574

< ذكر الحلاّج الداعى والحدّاد الداعى > وأما الرىّ مع بلاد فارس فإنه دخل إليها رجل يعرف بخلف الحلاّج، كان صاحب محلجة قطن، كان قد نفذ إلى الرىّ من قبل عبد الله بن ميمون القداح المقدم ذكره. فدعا بها خلقا، وهم يعرفون هناك بالخلفيّة. ولما هلك استخلف ابنا يكنى بأبى سعيد. فأفسد عقول أهل تلك النواحى مما يطول شرحه. وإنما ذكرنا أصول هؤلاء الملاعين وأصول دعاتهم فى كلّ وجه حسبما ذكره الشريف «أخى محسن» رضى الله عنه. وأما جبل السّماق فإن الدعوة الخبيثة انتشرت فيه من رجل يعرف بالحداد الداعى. وهؤلآء أصول هذه الدعوة الملعونة. وإذ قد بينّا ما كان من أمر الدّعاة، وما جرى على هذه الأمة منهم، فلنذكر الآن أصل الدعوة وشرحها، وكيف يجرى أمرها، وكيف رتّب باطنها وظاهرها.

стр. 2575

فصل يتضمن ذكر هذه الدعوة الخبيثة وهى تسع الدعوة الأولى: اعلم أنّ أوّل هذه الدعوة الملعونة بعد عمل الداعى بالزرق والمآتم وقوة إجابة المدعو من سائر الأمم أنّ أوّل ما يسلك به فى السؤال عن المشكلات مسلك الملحدين والشكّاك. ويكثر السؤال عن تأويل الآيات ومعانى الأمور الشرعيّات، وشئ من الطبائع، ووجوه القول فى الأمور التى يكثر فيها الشبه ولا يصل إليها إلاّ العالم المبرّز. فإن اتفق له عالم مجيب ممارس جدل سلّم إليه الداعى وعظّمه وكرّمه وحشّمه وصوّب قوله وداخله فيما يحب من أمر الشريعة التى يومى إليها. وكل ذلك ليقطع كلامه، لئلا يبين له ما هو عليه من المكر والخديعة، وما يدخل به على غيره من الجهّال من أمر الدعوة الخبيثة. وإن اتفق مغرور-وهم الأكثرون من الناس من المغفّلين الغليظين الحواس، ألقى إليه ما يشغله ويبليه بالفكر فيه، مثل قوله: إنّ الدين لمكتوم، وإنّ الأكثر له منكرون وبه جاهلون. ولو علمت هذه الأمّة ما اختصّها الله من العلم لم تختلف. ويوهم من سمع كلامه أنّ عنده علوما

стр. 2576

خفيّة لم يصل إليها. فتطّلع نفسه إلى معرفة بيان ما قال. فربّما وصل أمره مع من يجالسه واحدا كان أو جماعة بشئ من معانى القرآن، وذكر شرائع الدين من تأويل وتنزيل وكلام لا يشكّ المسلم العارف فى حقيقته، ويوهم المستمعين منه أنه قد ظفر بعلم، لو صادف له مسمعا لكان ناجيا منتفعا. ويقرّر عندهم أن الآفة التى نزلت بالأمة وحيرت؟ (ص ٦٨) فى الديانة وشتّت الكلمة وأورثت الأهواء المضلة ذهاب الناس عن أئمة نصبوا لهم وأقيموا حافظين لشرائعهم، يؤدّونها على حقائقها ويحفظون عليهم معانيها وبواطنها، وأنهم لما عدلوا عنهم ونظروا من تلقآء عقولهم، واتباعهم لما حسن فى رأيهم وسمعوه من أسلافهم وعلمائهم، تباع الملوك فى طلب الدنيا وحاملى العنا ومتبعى الإثم وأحشاد الظلمة وأعوان الفسقة، الطالبين العاجلة، والمجتهدين فى الرياسة على الضعفاء، ومن عاند رسول الله ﷺ فى أمته، وغيّر كتابه، وبدّل سنته، وقتل عترته، وخالف دعوته، وأفسد شريعته، وسلك بالناس غير طريقته، وعاند الخلفاء من بعده، وخلط بين حقه وباطل غيره، فتحيّر وحيّر من قبل منه، وصار الناس إلى أنواع الضلالات به وبأتباعه. وقالوا لهم حينئذ كالنصحاء الحكماء: إنّ دين محمد ﷺ لم يأت بالتحلّى ولا بالتمرّى، ولا بأمانى الرجال ولا شهوات الخلق،

стр. 2577

ولا بما خفّ على الألسنة وعرفته دهماء العامة. وإنما الدين صعب مستصعب، وأمر مستثقل، وعلم خفىّ غامض ستره فى حجّته، وعظّم شأنه عن ابتذال الأسرار له، فهو سرّ الله المكتوم وأمره المستور الذى لا يطيق حمله ولا ينهض بأعبائه وثقله، إلاّ ملك مقرّب، أو نبى مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. فى أمثال هذا الكلام. وتمويه على من لا يعلم بأنهم لو أظهروا ما عندهم من العلم لأنكره من يسمعه ويعجب منه، وكفّر أهله. وهذه تقدمة يجعلونها فى نفوس المخدوعين لهم ليواطؤونهم على أن لا ينكرون ما يسمعون منهم، ولا يدفعونه فيجعلوا (ص ٦٩) ذلك تأنيسا وتأسيسا لينخلع من الشرائع وترتيب أصولها، ويقلع عن الحرص فى طلبها. وربما قالوا لهم شيئا يموّهون به أن له تفسيرا وإنما هو تقليد فى الديانة. فمن مسائلهم: ما معنى رمى الجمار؟ وأعداده المحصورة فيه؟ والعدو بين الصفا والمروة؟ ولم قضت الحائض الصيام ولم تقض الصلاة؟ وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق لشئ طاهر منه البشر ولم يغتسل من البول النجس الكثير القذر؟ وما بال الله خلق الدنيا فى ستة أيام، أعجز عن خلقها فى ساعة واحدة؟ وما الصراط المضروب فى القرآن مثلا؟ والكاتبين الحافظين؟ وما بالنا لا نراهما

стр. 2578

أخاف ربنا لا نكابره ونجاده فأذكى العيون وأقام علينا الشهود وقيّد ذلك بالقرطاس والكتابة؟ وما تبديل الأرض غير الأرض؟ وما عذاب جهنم؟ وكيف يصحّ تبديل جلد يذهب بجلد لم يذهب ولم يذنب فيعذب؟ وما معنى (﴿يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾)؟ ولم لا كانوا أكثر أو أقل؟ وما ذكر الشياطين وما وصفوا به؟ وأين مستقرهم ومقدار قدرهم؟ وما يأجوج ومأجوج؟ وما هاروت وماروت؟ وما سبعة أبواب النار؟ وما ثمانية أبواب الجنة؟ وما شجرة الزقّوم الثابتة فى الجحيم؟ وما دابة الأرض؟ وما رؤس الشياطين والشجرة الملعونة فى القرآن؟ وما ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾؟ وما ﴿الْكُنَّسِ﴾؟ وما ﴿الْكَوْثَرَ﴾؟ وما معنى ﴿الم﴾؟ و ﴿المص﴾؟ وما معنى ﴿كهيعص﴾؟ و ﴿حم عسق﴾؟ وأمثال هذه المسائل. ولم جعلت السموات سبعا والأرضون سبعا؟ والمثانى من القرآن سبع آيات؟ ولم فجّرت العيون اثنتى عشرة عينا؟ ولم جعلت (ص ٧٠) الشهور اثنى عشر شهرا؟ وأمثال هذا من الكلام والأمور مما يوهمون أنّ فيه معانى غامضة وعلوما جليلة، وقالوا للمغرورين: ففكّروا أولا فى خلق أنفسكم،

стр. 2579

وكيف صوّرها، وأين مستقرّها، وما أول أمرها؟ والآن ما هو وما حقيقته؟ وما فرّق من حياته وحياة البهائم. وفصل ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات؟ وما بانت به الحشرات من حياة النبات؟ وما معنى قول رسول الله ﷺ : خلقت حوآء من ضلع آدم؟ وما معنى قول الفلاسفة: هو العالم الصغير؟ ولم جعلت قامة الإنسان منتصبة دون الحيوان؟ ولم جعل فى يديه عشر أصابع وفى رجليه عشر أصابع؟ ولم جعل فى أربع منها من يديه ثلاثة شقوق وفى الإبهام شقان؟ ولم جعل فى وجهه سبع ثقب وفى سائر بدنه ثقبان؟ ولم جعل فى ظهره اثنا عشر عقدة وفى عنقه سبع؟ ولم جعل رأسه فى صورة ميم، ويداه ح، وبطنه ميما أخرى، ورجلاه دالا، حتى صار ذلك كتابا مرسوما يترجم عن محمد؟ ولم جعلت أعداد عظامكم كذا وأسنانكم كذا؟ ولم صارت الرؤساء من أعضائكم كذا؟ وذكروا له شيئا من التشريح والقول فى العروق وفى الأعضاء ووجوه منافع الأعضاء. ويقولون لهم: ألا تفكرون فى حالكم وتعتبرون، وتعلمون أنّ الذى خلقكم حكيم غير مجاذف، وأنه فعل جميع ذلك بحكمة، وله فى ذلك أغراض باطنة خفيّة، حتى جمع ما جمعه، وفرّق ما فرّقه. وكيف يسعكم الإعراض عن هذه الأمور وأنتم تسمعون قول الله تعالى (﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾

стр. 2580

﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾) وقوله (﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾) ويقول (ص ٧١): (﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾) ويقول الله (﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾) فأىّ شئ رآه الكفار فى أنفسهم وفى الآفاق فعرفوا به الحق؟ وأىّ حقّ عرفه من جحد الديانة؟ أو لا يدلّكم على أنّ الله أراد أن يدلّكم على بواطن الأمور الخفيّة وأمور باطنة؟ ولو عرفتموه لزالت عنكم كلّ حيرة وشبهة، وحصلت لكم المعارف السنيّة، لولا ترون أنكم جهلتم أنفسكم التى من جهلها كان حريّا بأن لا يعلم غيرها. أو ليس الله تعالى يقول (﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾) وأمثال هذه الأمور مما يسئلون ويعترضون به من تأويل القرآن، وتفسير آيات كثيرة من ألفاظ السنن والأحكام. والجواب عن نصف معانى تفسيرها واضع الشرايع السمعيات فيما وقع منها وما نصب، وكثير من أبواب التعديل والتحوير مما يأتى فى المقالة الثانية إن شاء الله تعالى.

стр. 2581

فإن أوجب ذلك المسئول عنه شكّا وحيرة واضطرابا، وتعّلقت نفسه بالجواب عنه فتشوّف إلى معرفته، فسألهم عنه، عاملوه بمثل ما يعامل به صاحب الفال والزرّاق والقصّاص على العوّام عند امتلاء صدورهم بما يفخمون به أولا عند هم من أحوال قد عرفوها من أحوالهم إلى معرفتها أكثر الحاجة وعلقوا بمعرفتها أنفسهم، وعند بلوغ القصاص إلى ما يبلغون إليه، يقطعون الحديث لتتعلّق قلوب المستمعين بما يكون بعده. وهذه صفة هؤلآء الدعاة وحالهم: يقدّمون الكلام والمسائل، ثم يقطعون. فتتعلّق أنفس المغرورين بما قد أخّر من القول الذى قد قدموا له مقدمة. فإذا (ص ٧٢) خاطبهم المغرور على علم معرفته وبيان ذلك قالوا له: لا تعجل. فإنّ دين الله أجلّ وأكبر من أن يبذل لغير أهله، ويجعل غرضا للعب وما جانسه. ويقولون: قد جرت سنة الله جلّ وعزّ فى عباده عند شرع من نصبه أن نأخذ العهد ممن يرشده ولذلك قال: (﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ، وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾).

стр. 2582

وقال تعالى (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ.﴾ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾). وقال جلّ ذكره: (﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾). وقال تعالى: (﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾). وفى أمثال هذا خبّر الله أنه لم يملك حقه إلاّ لمن أخذ عهده، فأعطنا صفقة يمينك وعاهدنا بالتوكيد من إيمانك وعقودك أن لا تفشى لنا سرّا ولا تظاهر علينا عدوّا يطلب لنا غيلة، ولا تكتمنا نصحا ولا توال لنا عدوّا. وإنما غرضهم فى هذا كله أمور منها أن يستدلوا بظاهرها على ما يعطيهم المخدوع من الانقياد إليهم والطاعة لهم من باطن أمره دون شكّه واضطرابه، وكيف موقع ذلك منه وتمكنه. ومنها التوثيق بالأمن من كشف أحوالهم وانتشار أمورهم إلاّ بعد توطئة ما يريدونه حالا فحالا.

стр. 2583

ومنها أن يرسموه بالذلّ والطاعة لهم، والرضا منه بأن يكون منقادا تابعا ومعظّما لهم مكثرا. وإلاّ فإن نكث الأيمان وقلة الاكتراث بها والفكر فيها والاعتداد بأمرها هو دينهم عند البلوغ إلى غايتهم (ص ٧٣) التى يجرون إليها ويبلغون فيها. وإنما يجعلون ذلك مانعا لأهل هذه الطبقات ما داموا مستشعرين للعمل بالديانات. فإن سمح المدعو بإعطاء عهده وتصاغر لهم لقوّة اضطراب قلبه وشكّه قالوا له حينئذ: اعطنا جعلا من مالك وغرما نجعله مقدّمة أمام كشفنا لك الأمور وتعريفك إيّاها. فكان ذلك أيضا مما يستظهرون به عليه من الاستدلال على قوة شكّه وتعلّق نفسه، وظهريا لهم على الاستعانة على أمرهم، وتمكينهم لدعوتهم، ثم وسموا له وسما بحسب ما يراه الداعى فى أمره صلاحا. وإن امتنع عليهم المخدوع فى رتبة العهد وإعطاء الداعى رتبة الغرم وعطيتّه، أمسكوا عنه وزادوه أبدا فى شكّه وحيرته. فهذا حال الدعوة الأولى. قال العبد المولّف لهذا التاريخ أبو بكر عبد الله غفر الله له: قد اخترت الله تعالى وأضربت عن ذكر بقية المقالات، وهن ثمان بعد هذه المقالة، صيانة لكتابى، إذ لا أكتب بيدى ما صمّ له مسمعى واقشعرّ من هوله بدنى. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده شريك له،

стр. 2584

له الدين وله الحمد يحيى ويميت، وإليه المصير. وهو على كلّ شئ قدير. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فإنّى رأيت أنّ كتابى هذا جامع لأخبار الناس، فلا أشوبه بشئ يكون فيه التباس، وهذه المقالة كافية، والقصد منها أن تفهم لئلا يقع غرّ ولا جاهل، ويتحقق أنّ هذه المسائل والوهبات جميعها ابتداء الشر فى دينه ودنياه. فيجب على من أهدى الله قلبه للإيمان إذا وقع بمن يخاطبه ويداخله بشئ هذا مبتدأه أن يتجنّبه (ص ٧٤) ويتحقّق منه أنّ آخر أمره معه يؤول إلى التعطيل والإباحة نعوذ بالله منهما. وهذه الطائفة لم تزل من أول زمان تحت الذلّ والخوف والوجل، تضرب أرقابهم، ويرفعون على الخشب فى كلّ بلدة، وفى كل إقليم إذا ظهر أحد منهم. وربما أنّ فى هذا العصر عند وضعى لهذا التاريخ أناس يعتقدون ما قد ذكرناه. غير أنهم لم يصلون إلى هذه الرتبة واحتاجون إليها لقرب مأخذهم بعقول من صبا إليهم، وأنهم يوهمون المغرورين أنهم رسل رجال الغيب، وأنّ رجال الغيب هم المتصرفون فى هذا الوجود

стр. 2585

بما شاؤا، يعطون من أحبّوا، ويمنعون من خالفهم. وذلك أنهم رأو الناس متكلّبين على حبّ الدنيا وطلب الرياسة والترقى إلى المراتب، فدخلوا عليهم بما أحبّوا. وقالوا: نحن رسل رجال الغيب المتصرّفين فى هذا العالم بالعطاء والمنع، ويوهموا المغرور ويذكروا له أناس كانوا سقاط قد صاروا أرباب مناصب، ويدّعون أنهم كانوا السبب فى ترقيهم. فيرى ذلك المغرور أن ذلك الرجل الذى ذكروه له كان أقلّ منه فى مبتدإ أمره، وأنه لم يكن أهلا لما قد صار إليه، فتطمع آماله ويرتبط عليهم ويستعبدونه بما شاؤا. فهم عند ذلك المخيّرون. فهم إن شاؤا أخرجوهم عن دينهم وإن شاؤا استمدوا من أموالهم أوّلا فأولا. وقد بلغنى عن رجل عظيم القدر لا يمكننى ذكره أنهم لعبوا به حتى ركّبوه ثورا ووجهه إلى ذنبه، وطلعوا به الجبل حتى يجمعوا بينه وبين رجال الغيب وهم يمشون به ووجهه إلى دبر الثور. وقالوا له: إنك لا تصل إليهم إلاّ بهذا الثور، فإنه الذى يسقى عليه أرضهم التى يقتاتون بها لاجل أكل الحلال. فانظر إلى. . . (ص ٧٥). . . . . .

стр. 2586

ذكر خلافة عبيد الله المهدى بالمغرب وما لخّص من سيرته هو أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن عبيد الله. وباقى نسبه قد تقدّم عند الاختلاف فيه. ولد بالعراق فى سنة ست وستين ومئتين. وقال صاحب تاريخ القيروان: كانت ولادة المهدى فى سنة تسع وخمسين ومئتين. وقيل بل سنة ستين بسلمية، وقيل بالكوفة. ودعى له على منابر رقّادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من شهر ربيع الأول سبع وتسعين ومئتين. وكان ظهوره بسجلماسة لسبع خلون من ذى الحجة سنة ست وتسعين ومئتين. واستولى على المغرب، وبنى المهديّة، وأخرج الأغالبة فى سنة اثنتين وثلاث مئة. كان بناؤه المهديّة فى سنة ثلاث وثلاث مئة. وكان أول شروعه فى بنائها فى شهر ذى القعدة من هذه السنة. وبنى سور تونس وأحكم عمارتها، وجدّد بها مواضع.

стр. 2587

وتوفى بالمهديّة صلاة المغرب من ليلة الثلاثاء من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وله ثمان وستون سنة، وقيل اثنتان وستون سنة. وكانت خلافته بالمغرب خمسا وعشرين سنة. وكان يتولّى الأمور بنفسه. ليس له وزير ولا حاجب فيذكرا، والله أعلم.

стр. 2588

ذكر خلافة القائم بأمر الله بالمغرب ولد المهدى وما لخّص من سيرته هو أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدى. وما فى نسبه قد علم. وكان اسمه بسلمية عبد الرحمن. فلما صار بالمغرب مع أبيه تسمّى محمدا. ولد بسلمية سنة سبع وسبعين ومئتين. وقيل ولد فى المحرّم سنة ثمان وسبعين. قلت: وهذا غلط بيّن. كيف يكون ولادة أبيه فى سنة ست وستين وولادة ولده سنة سبع وسبعين فيكون بينهما إحدى عشرة سنة؟ والذى يمكن أن يكون فى ذلك أنّ مولد لمهدى سنة تسع وخمسين حسبما ذكره صاحب تاريخ القيروان. فذلك أقرب إلى الصحيح والله أعلم. بويع له فى النصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. وتوفى بالمهدية (ص ٧٧) آخر شهر شوال سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة. وله ثمان وخمسون سنة. وكنت خلافته بالمغرب اثنتى عشرة سنة وسبعة أشهر واثنى عشر يوما.

стр. 2589

وقيل فى عمره أربعة وخمسون سنة وتسعة أشهر وسبعة أيام. وهو الذى كانت له الوقائع مع المصريّين وجيوش الخليفة مع مؤنس الخادم وثمل فى البر والبحر. ودخل مصر وأقام بها ثمانية أيام. ثم خرج هاربا لا يلوى على شئ. وقد تقدم ذلك جميعه فى الجزء الذى قبل هذا فى تاريخ سنيه. قلت: قد تقدّم من العبد فى هذا الجزء فأذكر من مساوئ هؤلآء القوم وابتدأت بقولى إنى أذكر جميع ما وقفت عليه وطالعته من مدح لهم وهجو فيهم. وقد تقدّم من ذكر المساوئ ما فيه الكفاية والعهدة فى ذلك على ناقله فى الأصل. والعبد يبتدئ من هاهنا بذكر ما ذكر من محاسنهم وما ذكروه المتغالين فى محبتهم. وأقلّد كل إنسان ما ذكره بحيث يتحقق الواقف عليه أنى برئ من جميع الأغراض، ليس لى مع طائفة من الفريقين ميل ولا إعراض، وإنما أمرهم إلى الله يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون. فمن سير التاريخ اختصار الشيخ أبى القاسم على بن منجب بن سليمان الكاتب ما وقفت عليه بخطه ما ذكر أنّه من تأليف أبى القاسم الطيب ابن على بن أحمد التميمى رحمهما الله تعالى:

стр. 2590

فصل فى التنبيه على أن الإمام المهدى بالله هو حجة الله وقايم آل رسول الله ﷺ (ص ٧٨) قيل: سئل موسى الكاظم بن جعفر ﵉ عن ظهور القائم متى يكون. فقال: إنّ ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى الأرض، رأسه بالمغرب وأسفله بالمشرق. فكذلك بداية هذا الأمر من المغرب وانتهاؤه إلى المشرق. فكان ظهور الإمام المهدى بالله بسجلماسة فى ذى الحجة من سنة ستّ وتسعين ومئتين. وهى أقصى مسكون المغرب. وستظهر دعوته الهادية بإذن الله تعالى أقصى مسكون المشرق. وقد كان الإمام المستنصر بالله دعى له ببغداد فى سنة إحدى وخمسين وأربع مئة كما يأتى ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى. وكان على بن محمد بن موسى الكاظم ﵈ يقول: فى سنة أربع وخمسين ومئتين تنكشف عنكم الشدّة ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة اثنين وأربعين.

стр. 2591

وهذا كلام فيه إيجاز وألغاز، وذلك أنّ إشارته أن تكون البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومئتين، وفيها كان ظهور الإمام المهدى. وكان أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵉ بعث إلى المغرب فى سنة خمس وأربعين ومئة رجلين يعرف أحدهما بأبى سفيان والآخر بالحلوانى، وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمة صلوات الله عليهم، وأن لا يتجاوزا أفريقية، ثم يفترقان فينزل كل واحد منهما ناحية. فامتثلا ما أمرهما به. فكان الحلوانى يقول: بعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا اذهبا إلى المغرب فإنّكما تأتيان أرضا بورا فاحرثاها وكرّباها وذلّلاها إلى أن يأتيها صاحب البلد فيجدها مذلّلة فيبدر فيها حبه. وكان بين دخولهما المغرب وبين صاحب (ص ٧٩) البدر، وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا، مئة وخمس وثلاثون سنة. فلما دخل أبو عبد الله وظهر لأهل المغرب علمه وفضله قال أحد الأولياء لأصحابه: لولا واحدة كان الحلوانى يقولها ما خامرنى الشك أنّ هذا الرجل هو صاحب البدر الذى كان الحلوانى يبشّر به. قالوا: وما هى؟ قال: كان إذا وصفه قال فى فيه إصبع. فبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال: هذا لا يكون. ولما أخذ العهد بعد ذلك واشترط الكتمان وضع إصبعه على فيه وقال: هذا هو الإصبع الذى أشار إليه الحلوانى. أمركم بالصمت والكتمان. فأمّا أن يكون فى فم رجل إصبع فلا. قالوا: كذلك والله هو.

стр. 2592

وممّا يناظر ذلك فى الأئمة والبعث على الكتمان ما فسّر به أبو عبيد القاسم بن سلام قول الشاعر: وكلّ حديث جاوز الإثنين شائع قال: أراد بالإثنين الشفتين. وقال غيره: النهى عن الحديث مع ثالث. قلت: ثم ساق صاحب هذا الكلام محاسن الخلفاء الفاطميين مما يأتى بعض شئ فى تاريخه عند ذكر كل خليفة منهم وما قيل من مدائحهم.

стр. 2593

فمن مدايح المهدى بالله قول الورحيلى: كفى عن الشتط أنّى زاير ... من أهل بيت الوحى خير مزور هذا أمير المؤمنين تضعضعت ... لقدومه أركان كلّ أمير هذا الإمام الفاطمىّ ومن به ... أمنت مغاربها من المحذور والشرق ليس بشامه وعراقه ... من مهرب من جيشه المنصور حتى يفوز من الخلافة بالمنى ... ويغار منه بعدله المنشور ومن المدائح القائمات (ص ٨٠) قول أيوب بن إبراهيم: يا ابن الإمام المرتضى وابن ال ... وصىّ المصطفى وابن النبىّ المرسل الله أعطاك الخلافة واهبا ... وأراك للإسلام أمنع معقل نلت الخلافة وهى أعظم رتبة ... نيلت وليست من علاك بأفضل فمنعت حوزتها وحطت حريمها ... بالمشرّفية والوشيج الذبّل خليل بن إسحاق لما بعثه لحرب محمد بن كيداد: وما ودّعت خير الخلق طرّا ... ولا فارقته عن طيب نفس ولكنى طلبت به رضاه ... وعفو الله يوم حلول رمس فعاش مملّكا ما لاح نجم ... على الثقلين من جنّ وإنس

стр. 2594

ذكر خلافة المنصور بالله بالمغرب وما لخّص من سيرته هو أبو الطاهر إسماعيل بن محمد القائم بالله بن عبيد الله المهدى بالله وباقى نسبه قد علم. ولد بالمغرب سنة إحدى وثلاث مئة. وقيل فى سنة ثلاث مئة، فى أول ليلة من ذى القعدة. وقيل بل من شهر جمادى الآخرة. بويع له فى شوال سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة. توفى آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة. وله إحدى وأربعون سنة وخمسة أشهر. وكانت خلافته ثمانى سنين. وقيل سبع سنين وعشرة أيام.

стр. 2595

فمن مدائحه لما أظهر أبوه القائم بأمر الله بيعته فى سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة فقال التونسى: أما والقنا الظمآن حلفة مغرم ... وجرد المذاكى والصفيح المقوّم وشهباء من نسج الحديد كأنّما ... تكلله تحت العجاج بأنجم مسوّمة راحت رواحا وأربحت ... لإدراك ثأر أو لإحراز مغنم (ص ٨١) لقد سنّ إسماعيل سنّة جدّه ... لكلّ فصيح فى البلاد وأعجم وقلّد حقّ المسلمين بحقّه ... فتّمت به النعما على كلّ مسلم وكان بحمد الله أمنا لخائف ... وعزّا لمغلوب وغيثا لمعدم فيا بهجة الدنيا بأيّامه ابهجى ... ويا بيضة الملك اسلمى ثمّت اسلمى ويا جمرة الحرب العوان قد انبرى ... لك البحر زهوا فاخمدى أو تضرّمى وقد قيم بالدين والدنيا فاستوت ... أمورهما من هاشم خير قيّم من الفاطميّين الذين إذا انتموا ... إلى المجد غطّى رأسه كلّ منتم مليك إذا سلّ السيوف على العدى ... دجا الليل أو تروى السيوف من الدم بديهته فينا كفكرة غيره ... إذا هو أمضى الأمر لم يتندّم
следующие страницы →