← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وهذا كلام فيه إيجاز وألغاز، وذلك أنّ إشارته أن تكون البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومئتين، وفيها كان ظهور الإمام المهدى. وكان أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵉ بعث إلى المغرب فى سنة خمس وأربعين ومئة رجلين يعرف أحدهما بأبى سفيان والآخر بالحلوانى، وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمة صلوات الله عليهم، وأن لا يتجاوزا أفريقية، ثم يفترقان فينزل كل واحد منهما ناحية. فامتثلا ما أمرهما به. فكان الحلوانى يقول: بعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا اذهبا إلى المغرب فإنّكما تأتيان أرضا بورا فاحرثاها وكرّباها وذلّلاها إلى أن يأتيها صاحب البلد فيجدها مذلّلة فيبدر فيها حبه. وكان بين دخولهما المغرب وبين صاحب (ص ٧٩) البدر، وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا، مئة وخمس وثلاثون سنة. فلما دخل أبو عبد الله وظهر لأهل المغرب علمه وفضله قال أحد الأولياء لأصحابه: لولا واحدة كان الحلوانى يقولها ما خامرنى الشك أنّ هذا الرجل هو صاحب البدر الذى كان الحلوانى يبشّر به. قالوا: وما هى؟ قال: كان إذا وصفه قال فى فيه إصبع. فبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال: هذا لا يكون. ولما أخذ العهد بعد ذلك واشترط الكتمان وضع إصبعه على فيه وقال: هذا هو الإصبع الذى أشار إليه الحلوانى. أمركم بالصمت والكتمان. فأمّا أن يكون فى فم رجل إصبع فلا. قالوا: كذلك والله هو.

стр. 2592

وممّا يناظر ذلك فى الأئمة والبعث على الكتمان ما فسّر به أبو عبيد القاسم بن سلام قول الشاعر: وكلّ حديث جاوز الإثنين شائع قال: أراد بالإثنين الشفتين. وقال غيره: النهى عن الحديث مع ثالث. قلت: ثم ساق صاحب هذا الكلام محاسن الخلفاء الفاطميين مما يأتى بعض شئ فى تاريخه عند ذكر كل خليفة منهم وما قيل من مدائحهم.

стр. 2593

فمن مدايح المهدى بالله قول الورحيلى: كفى عن الشتط أنّى زاير ... من أهل بيت الوحى خير مزور هذا أمير المؤمنين تضعضعت ... لقدومه أركان كلّ أمير هذا الإمام الفاطمىّ ومن به ... أمنت مغاربها من المحذور والشرق ليس بشامه وعراقه ... من مهرب من جيشه المنصور حتى يفوز من الخلافة بالمنى ... ويغار منه بعدله المنشور ومن المدائح القائمات (ص ٨٠) قول أيوب بن إبراهيم: يا ابن الإمام المرتضى وابن ال ... وصىّ المصطفى وابن النبىّ المرسل الله أعطاك الخلافة واهبا ... وأراك للإسلام أمنع معقل نلت الخلافة وهى أعظم رتبة ... نيلت وليست من علاك بأفضل فمنعت حوزتها وحطت حريمها ... بالمشرّفية والوشيج الذبّل خليل بن إسحاق لما بعثه لحرب محمد بن كيداد: وما ودّعت خير الخلق طرّا ... ولا فارقته عن طيب نفس ولكنى طلبت به رضاه ... وعفو الله يوم حلول رمس فعاش مملّكا ما لاح نجم ... على الثقلين من جنّ وإنس

стр. 2594

ذكر خلافة المنصور بالله بالمغرب وما لخّص من سيرته هو أبو الطاهر إسماعيل بن محمد القائم بالله بن عبيد الله المهدى بالله وباقى نسبه قد علم. ولد بالمغرب سنة إحدى وثلاث مئة. وقيل فى سنة ثلاث مئة، فى أول ليلة من ذى القعدة. وقيل بل من شهر جمادى الآخرة. بويع له فى شوال سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة. توفى آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة. وله إحدى وأربعون سنة وخمسة أشهر. وكانت خلافته ثمانى سنين. وقيل سبع سنين وعشرة أيام.

стр. 2595

فمن مدائحه لما أظهر أبوه القائم بأمر الله بيعته فى سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة فقال التونسى: أما والقنا الظمآن حلفة مغرم ... وجرد المذاكى والصفيح المقوّم وشهباء من نسج الحديد كأنّما ... تكلله تحت العجاج بأنجم مسوّمة راحت رواحا وأربحت ... لإدراك ثأر أو لإحراز مغنم (ص ٨١) لقد سنّ إسماعيل سنّة جدّه ... لكلّ فصيح فى البلاد وأعجم وقلّد حقّ المسلمين بحقّه ... فتّمت به النعما على كلّ مسلم وكان بحمد الله أمنا لخائف ... وعزّا لمغلوب وغيثا لمعدم فيا بهجة الدنيا بأيّامه ابهجى ... ويا بيضة الملك اسلمى ثمّت اسلمى ويا جمرة الحرب العوان قد انبرى ... لك البحر زهوا فاخمدى أو تضرّمى وقد قيم بالدين والدنيا فاستوت ... أمورهما من هاشم خير قيّم من الفاطميّين الذين إذا انتموا ... إلى المجد غطّى رأسه كلّ منتم مليك إذا سلّ السيوف على العدى ... دجا الليل أو تروى السيوف من الدم بديهته فينا كفكرة غيره ... إذا هو أمضى الأمر لم يتندّم

стр. 2596

فنعم ملاذ المسلمين وكهفهم ... إذا ما خطوب الدهر جاءت بصيلم ونعم خطيب الناس فى كلّ فيصل ... إذا الخطب فيه شدّ باب التكلم وقوله: وقد كانت الأيام خرسا فأصبحت ... لها ألسن بالشكر لله تنطق فما بعد هذا للوسائل ملجأ ... ولا للمنى فى غيره متعلّق فقد وضعت تلك المواعيد حملها ... تماما وكانت قبل ذلك تطلق

стр. 2597

ذكر خلافة المعز لدين الله بالمغرب إلى حين دخوله مصر هو أبو تميم معدّ بن إسماعيل المنصور بالله محمد القائم بأمر الله ابن المهدى، وباقى نسبه قد علم. ولد بالمغرب بالمهديّة بعد مضى أربعة ساعات وأربعة أخماس ساعة من نهار يوم الاثنين الحادى والعشرين من شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاث مئة. بويع له يوم الجمعة ليلة بقيت من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة. (ص ٨٢)

стр. 2598

ذكر سبب دخول جوهر القائد مصر قال العبد الفقير إلى الله أضعف عباد الله وأحوجهم إلى عفو الله، وإن كان الخلايق بأجمعهم إلى عفوه محتاجين، وعلى رحمته متّكلين، أبو بكر بن عبد الله مؤلّف هذا التاريخ، الكثير الفنون المشنّف للسمع والمنزّه للعيون: قد تقدم القول فى الجزء الذى قبل هذا وهو الجزء الرابع ذكر دخول القائد جوهر مصر فى تاريخ سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. وهو آخر ما انتهى فيه الكلام فى ذلك الجزء وجميع ما قدّمنا فى هذا الكلام فهو توطئة لسياقة سنى التاريخ. ونحن نبتدئ الآن بسياقة السنين على التوالى حسبما أسّسناه فى جميع ما تقدّم من الأجزاء، ونقدم قبل ذكر سنة تسع وخمسين ما كان تبقّى فى سنة ثمان وخمسين، ليكون الكلام عليه طلاوة وله ذوق وحلاوة إذا أتى على السلاوة. وذلك أنه لما قام بأمر الإخشيدية بعد وفاة الأستاذ كافور الإخشيدى أحمد بن على بن الإخشيد، حسبما تقدم من ذكره، كان بالرملة الحسن بن عبد الله بن طغج. فطمع أن يسبق فيكون صاحب الدولة. فسار إلى مصر فاستقبله كبراء الدولة. فرام الجلوس، فقالوا له: إنّ ابن عمّك أحمد قد عقد له الأمر، وقد اجتمع عليه أهل الدّولة. فطمع فى مال يأخذه، فقال لوزير عمه، وهو يومئذ جعفر بن حنزابة،

стр. 2599

وكان المتحدّث فى الوزارة، لأحمد: احمل إلى مال. فقال: ما عندى مال. فأمر به فجرى عليه مكروه، وتوعّده بالقتل. فحقد فى نفسه. ثم إنّ الحسن بن عبيد الله رجع إلى الشام، وهو يومئذ ملكها، وضمر فى نفسه أن يحشد ويعود فيأخذ مصر. وحسّ (ص ٨٣) جعفر بن حنزابة منه بذلك، فخشى على نفسه منه. فكتب إلى المعزّ أبى تميم، وهو يومئذ بالقيروان، يحثّه على الحضور ليملّكه البلاد. وكانت أيضا كتب كبار المصريّين قد وردت عليه بذلك. ومن جملة ما كتب إليه الوزير جعفر: إن كنت تخشى أنك لا تحضر بنفسك فابعث من تثق به يتسلّم البلاد ويعلم صحة المناصحة. فأنفذ المعزّ عبده جوهر. فحشد الناس من المدن والقرى وسار فى جيش عظيم. فلقى الإخشيدية وهزمهم. فبعض استأمن وبعض قتل. وتمكّنت المغاربة من الأنفس والأموال والثمرات. ودخل جوهر القائد مصر يوم الثلاثاء الثانى عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. ولما سار الحسن بن عبيد الله بن طغج فى ذلك الوقت إلى الشام نزل على ظاهر دمشق. فأقام شهورا يجمع فى الناس. ثم بلغه دخول المغاربة مصر فيئس من مصر، وخشى على ما بيده من بلاد الشام.

стр. 2600

فسار من دمشق فى شهر رمضان من هذه السنة واستخلف عليها شمولا غلام عمّه الإخشيد. وكان فى نفس شمول منه حقد، فكان على ما ذكر يكاتب جوهرا بمصر. ونزل الحسن بن عبيد الله الرملة وأخذ أهبته للحرب ممن يسير إليه من المغاربة. فوردت عليه الأخبار بأنّ القرامطة قد ساروا من بلدهم قاصدين إليه، وقد كان فى قلوب المغاربة منه هيبة عظيمة، لم يجسروا أن يخرجوا إليه جيشا، فكان مما اتفق من الأمور المقدّرة أنّ القرامطة وافت إلى ظاهر الرملة، فلقيهم الحسن بن عبيد الله، فانهزم، ثم جرى بينهم بعد ذلك الصلح. ومكث جيش القرامطة على الرملة ثلاثين يوما (ص ٨٤). وكانت هذه الوقعة بين الحسن بن عبيد الله وبين القرامطة فى شهر ذى الحجّة سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. ثم رحلوا القرامطة عن الرملة. فلما بلغ المغاربة كسرة الحسن بن عبيد الله من القرامطة داخلهم الطمع فيه واستضعفوه، وكاتبوا من كان قبله من العمّال والولاة ووعدوهم الإحسان إليهم ليقعدوا عنه، وجهّز لحربه من مصر جعفر ابن فلاح فى عسكر من المغاربة. وقد كان الحسن بن عبيد الله يكاتب شمولا الذى خلفه على دمشق بأن يسير إليه بمن معه وبمن يستخدمه

стр. 2601

ليجتمعوا على حرب المغاربة، فكان يتقاعد عنه لما بينه وبين جوهر القائد من المكاتبات. وكان أيضا قد نفذ إلى الصباحى وهو والى بيت المقدس بأن يجمع له الرجال من تلك النواحى والجبال ويسير إليه. وقربوا المغاربة منه وتقاعد عنه الفئتين من دمشق والمقدس. فلما يأس ممن ينجده من نوّابه التقاهم بمن كان معه. فانهزم وأخذه السيف. فقتل كثير من أصحابه، وأخذوه أسيرا. وتمكّن جعفر بن فلاح من الرملة وذلك فى النصف من رجب سنة تسع وخمسين وثلاث مئة.

стр. 2602

ذكر سنة تسع وخمسين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى عشر أصبعا. ما لخّص من الحوادث: الخليفة ببغداد والعراق مع الشرق كلّه إلى حدود الشام المطيع لله أمير المؤمنين. ومصر يومئذ فى ولاية المعز لدين الله مع سائر المغرب خلا الأندلس، وقد اتصل أمره إلى أطراف الشام. (ص ٨٥) وجوهر القائد الأمير يومئذ بمصر من قبل المعزّ المذكور. والوزير بها أبو الفضل جعفر بن حنزابة على ما كان عليه فى أيام الإخشيدية. والقاضى بمصر يومئذ أبو طاهر.

стр. 2603

وفيها فى الثامن من شهر جمادى الأولى يوم الجمعة حضر القاضى النعمان المغربى والقائد جوهر إلى جامع ابن طولون وأمّر أن يؤذّن بحىّ على خير العمل. وهو أوّل يوم أذّن بذلك فى مصر. وفيها كان النواح على الحسين ببغداد على الرسم والعادة على ما تقدّم من شرحه فى الجزء الذى قبله. وفيها وجّه القائد جوهر الإخشيديّة إلى المغرب. ولما انكسر الحسن بن عبيد الله بن طغج وأسر انتقل جعفر بن فلاح من الرملة إلى طبرية. وابتدأ يبنى قصرا عند جسر الصيرة. وكان بها يومئذ فاتكا غلام ملهم، واليا عليها من قبل كافور الإخشيدى ﵀. وقد كان ابن فلاح راسله وخدعه حتى قعد عن نصرة الحسن بن عبيد الله-وكانت بنو عقيل على حوران والبثنيّة من قبل الإخشيدية حين ولى كافور مروان وظالما وملهما تلك الديار. فلما تمكن جعفر بن فلاح من طبريّة ومن الملاهمة أراد أن يقلع الجميع من تلك الديار. فاستجلب إليه مرّة وفزارة من العرب وقرر معهم قتل فاتكا غلام ملهم والى طبرية. فرتبوا له رجالة من المغاربة فظفروا به غفلة. فلما رآهم قد أحاطوا به يأس من الحياة. فجرّد سيفه وقال: غدرتم ونقضتم الأيمان. وضرب رجلا منهم على وجهه فعبر السيف فيه فرمى نصف رأسه، وأدركه بقية القوم فقتلوه.

стр. 2604

ثم إنّ جعفر بن فلاح أظهر عدم الرضى بقتله، وأنّ ذلك كان بغير إرادته، وقبض على الذين (ص ٨٦) قتلوه فأوثقهم، وبعث بهم إلى ابن ملهم. وقال له: هؤلآء الذين قتلوا غلامك. فقال: هو غلامى وقد وهبته. وأطلق الذين قتلوه. وقد علم أنه هو الذى أمر بقتله ولو قتلهم قتله بهم. وكان مما اتفق لدمشق من الأمر المذموم أنّ مشايخ من أهلها ساروا إلى طبرية يتلقّون جعفر بن فلاح، فيهم عقيل بن الحسن بن الحسين العلوى، وابن أبى يعلى العبّاسى. فأدركوا يوم دخولهم طبريّة قتل فاتك، والفتنة ثائرة والمغاربة قد ركبوا يأخذون الناس. فوجدوا القوم المشايخ الذين قدموا من دمشق. فأخذوهم وجرّدوهم عن ثيابهم وتواعدوهم وضربوهم. وقالوا: أو ذا نحن سائرين إليكم. فرجعوا إلى دمشق فى أسوأ الأحوال وأخبروا بما جرى عليهم من قوم جفاة قباح المناظر والزىّ والكلام، ليس لهم عقول يرجعون إليها. فلما سمع الناس ذلك ارتاعوا منه وتوحّشت قلوبهم. وكان شمول قد سار من دمشق فلقى جعفر بن فلاح بطبرية قبل ذلك، وخلا البلد من سلطان. فطمع الطامع وكثر الدعّار وحمّال السلاح. ولما قتل جعفر بن فلاح فاتكا عمل على قلع بنى عقيل من حوران والبثنيّة. فأنفد إليهم مرة وفزارة ليقلعهم من الدار، وبعث

стр. 2605

خلفهم عسكر من المغاربة. فلما التقى القوم كانت عقيل أقوى من مرّة وفزارة. فأنجدتهم المغاربة، فانهزم العقيليّون، فتبعوهم إلى أرض حمص، ثم رجعوا عنهم. فمالوا على جبل سنير فنهبوا وهتكوا الحريم، ونزلوا إلى الغوطة فجالوا فيها. فخرج إليهم أهلها فمنعوهم النهب. فساروا حتى نزلوا على نهر يزيد نحو الدكّة ومعهم ما نهبوه من جبل سنير. فثار عليهم أهل البلد فقاتلوهم وقتلوا منهم كبيرا (ص ٨٧) من العرب يقال له عيسى بن هواش الفزارى. وأهزموهم عن دمشق. فلما كان لثمان خلون من ذى الحجّة من هذه السنة أقبلت طلائع ابن فلاح. فخرجت الناس إليهم مستعدّين للحرب فى خيل ورجل. فاقتتلوا يومهم ذلك بأجمعه، ثم انصرفوا، ثم كانت بينهم حروب شديدة تشيّب الأطفال. وأهل دمشق صابرين على ما نزل بهم من البلاء، وأصبح القتال إلى يوم عيد الأضحى، ولم يعيّد أحدا ولا صلّوا صلاة العيد. والحرب قائمة على ساق وقدم. فانهزموا أهل دمشق وتبعتهم المغاربة قتلا وأسرا، وجرت أمور يطول شرحها. وآخر الأمر أن اتفق بينهم المراسلة، وأن فلاح لا يعفو عنهم أو تخرج النساء

стр. 2606

مكشوفين الوجوه منشورين الشعور ففعلوا. وهو مع ذلك لا يرتد إلى توعد وترهيب. ثم قرّر على البلد جباية أموال عظيمة. كانت سبب فقر البلد إلى آخر وقت. ثم قال: نعبر يوم الجمعة نصلّى بالجامع. فدخل يوم فى عسكره، وسار حتى صار فى سوق الدوابّ، فوقف فى جماعة من أصحابه. ودخل عسكره البلد. فلما خرجوا من الجامع وضعوا ينهبون، حتى استوسقوا، ثم عطفوا يريدون الأزقّة والدور. فثار الناس عليهم فقتلوا جماعة من الرجالة. ثم إنّ مشايخ البلد خرجوا بعد ذلك لابن فلاح. فرهّب عليهم وتوعّدهم بحرق البلد ووضع السيف. وقال لهم: دخل رجال أمير المؤمنين إلى الصلاة فقتلتموهم. فلطفوا به وداروه. فأومأ إلى مال يأخذه وقال: دية رجال أمير المؤمنين. فأجابوه. وكان فى الجماعة أبو القاسم أحمد ابن الحسين العقيقى العلوى، وابن هشام وكان يتولّى الكلام فى ذلك. (ص ٨٨) ثم قسط المال فعمّ الناس البلاء فيه.

стр. 2607

ثم إنّه نزل الدكّة فوق نهر يزيد، فأكثر فيها البنيان، وبنى أصحابه من حوله مساكن، وصار فيها أسواق. ثم إنه بنى بها قصرا عجيبا بالحجارة العظيمة، ولم يزل حتى هدمه ابن أبى المنجّا لما ملكت القرامطة حسبما يأتى من خبرهم فى سنة ستين وثلاث مئة. ولما استقرّ بابن فلاح النزول طلب حمّال السلاح، فظفر بقوم منهم فشدّهم فى الأدهم أياما، ثم ضرب أعناقهم وكانوا اثنى عشر إنسانا.

стр. 2608

ذكر سنة ستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واحد وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المطيع لله أمير المؤمنين. ومدبّر الممالك الخليفية ببغداد عزّ الدولة أبى منصور بختيار ابن معزّ الدولة ابن بويه الديلمى. والمعزّ صاحب المغرب وديار مصر والشام، وهو مقيم بالقيروان. وجوهر القائد بمصر من قبله. وجعفر بن فلاح بالشام من قبلهما إلى أن قتل فى هذه السنة على يد القرامطة حسبما يأتى من ذكر ذلك. وفى هذه الأيام الفتن تغّلب نقفور الدمستق ملك الأرمن على كثير

стр. 2609

من ثغور المسلمين. وملك حلب، وأقام بها أيّاما. وسبى من المسلمين بضعة عشر ألفا. وقتل ملك الروم وتزوّج زوجته. وعزم على أن يخصى ولديه. فأدارت عليه الحيلة وقتلته ليلة الميلاد فى شهر ربيع الأوّل سنة تسع وخمسين وثلاث مئة. وفيها سلّمت الدواوين بالديار المصريّة إلى عسلوج وأبو الفرج يعقوب بن كلّس، والقاضى بمصر أبو طاهر. وابن ثوبان يقضى بين المغاربة. (ص ٨٩) وفيها توفى أبو الفضل ابن العميد صاحب البلاغة، وقد قيل: ابتدأت البلاغة بعبد الحميد وانتهت بابن العميد. وفيها وصلت القرامطة دمشق.

стр. 2610

ذكر سبب خروج القرامطة إلى دمشق وكان لما انهزمت أهل دمشق من المغاربة خرج ابن أبى يعلى إلى الغوطة، ثم طلب البريّة يريد بغداد يستصرخ بالخليفة على المغاربة، حتى إذا صار نحو تدمر لحقه ابن عليّان العدوى فأخذه وردّه إلى جعفر ابن فلاح. فشهره فى عسكره على جمل ثم حمله إلى مصر. وكان محمد بن عصودا انهزم وخفى أمره، وتوصّل حتى صار إلى الأحساء إلى القرامطة. وقد كان استقرّ من أمرهم أن يأخذوا الخفائر من سائر الأقاليم ومن خليفة بغداد، ويقال خفارة الحاج، بعد أمور كثيرة جرت لو أثبتها كانت عدة أجزاء. وكان قد صار إليهم قبل محمد بن عصودا ظالم العقيلى لمّا انهزمت بنو عقيل أوّلا من حوران. وكان يحثّهم على المسير إلى الشام. وردفه ابن عصودا فوقع ذلك منهم بالموافقة، لأنّ المال الذى كان تقرر على الإخشيدية لهم بسبب الخفارة حسبما ذكرنا انقطع لمّا زالت دولتهم وملكت المغاربة. فكانوا على المسير إلى الشام من غير محرّك ولا محثّ. وكان جعفر بن فلاح لما تمكّن من دمشق وأخذ منها الأموال، وكبرت أحواله، طمع فى أخذ انطاكية. وظن أن ليس بها من يمنع. وكان لها نحو من ثلاث سنين مذ أخذها الروء من المسلمين. فأنفذ إليها عسكرا عليه غلام له يقال له فتوح. وكان ذلك فى شهر صفر

стр. 2611

أو فى ربيع الأوّل سنة ستين وثلاث مئة. وحشد الناس من أعمال دمشق وغيرها (ص ٩٠) وأنفذ عسكرا بعد عسكر. وكان ذلك بدوّ الشتاء. فقاسوا الناس مشقّة عظيمة من قوّة البرد وانكلاب الشتاء. ولم يزالو كذلك حتى أقبل الربيع. وقاتلوهم أهل أنطاكية أشدّ قتال، فلم يبلغوا منها أرب. وكان على الإسكندرونة عسكر للروم ذكر أنّه عسكر الطربارى. فجهّز إليهم ابن فلاح سرية فيها أربعة آلاف عليها كبير من المغاربة يقال له عراس، ومعه ابن الزيات أمير الطرسوسيّين. فساروا حتى أشرفوا على معسكر الروم. فنظروا إلى مضارب الروم فى مرجها وفيها خيم من الديباج. فتسرّعوا إلى النهب. وكان الطبربارى أحسّ بهم فأخذ المقاتلة من عسكره وتنحّى عن السواد. فلما دخلت المغاربة الخيام للنهب حمل عليهم الطبربارى. فانهزموا وأخذهم السيف من كل جانب. وادر ابن الزيات فأخذ عراس وصعد به الجبل فأفلت. وهلك من كان منهم فى المضيق. فكانت هذه أول خمولهم. وانكسرت قلوبهم، وبدأ أمرهم ينحلّ. وكانت الأخبار قد وردت على ابن فلاح أنّ القرامطة سائرون إلى الشام وأن ظالما المقوّى لهم. فورد عليه من ذلك مورد عظيم.

стр. 2612

ثم إن القرامطة خرجوا من بلدهم متوجهين إلى أرض الكوفة، ثم كانت لهم إلى بغداد مراسلات. وأنفد إليهم خزانة سلاح من بغداد وتوقيع بأربع مئة ألف درهم على أبى تغلب بن ناصر الدولة ابن حمدان. ورحل القرمطىّ عن الكوفة فنزل الرحبة. وكان عليها أبو تغلب المذكور فى قصة له. فحمل إليهم العلوفة، وحمل إليهم المال الذى كتب لهم به، وأرسل إلى سيد القرامطة-وهو يوم ذاك الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الجنّابى المقدّم ذكره-يقول له: هذا شئ (ص ٩١) أردت أن أسير إليه بنفسى، وأنت تقوم مقامى فيه، وأنا مقيم فى هذا المقام إلى أن يرد علىّ خبرك. فإن احتجت إلى مسيرى سرت إليك. ونادى فى عسكره: من أراد المسير من الجند الإخشيديّة وغيرهم إلى الشام فلا حجر عليه، فليسر مع السيد الحسن ابن أحمد، فالعسكران واحد. فخرج إلى عسكر القرمطىّ جماعة كبيرة من عسكر أبى تغلب. وكان فيه كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين. ولما بلغ القرمطىّ ذلك سرّه وزاده قوّة. وسار إلى الرحبة طالبا لعسكر ابن فلاح. فلما كان يوم الخميس لست خلون من ذى القعدة سنة ستين

стр. 2613

وثلاث مئة، وهى هذه السنة، التقيا القرمطىّ وجعفر بن فلاح. وكانت الكسرة على المغاربة. وتمزقوا كلّ ممزّق، وتفرقوا فرقا، وانهزم كثير منهم مع جعفر بن فلاح يريدون الدكّة بدمشق. فكثرت عليهم العرب، وثار العثار فلم يعرف الكبير منهم من غيره، وقتل جعفر بن فلاح فى المعمعة وهم لا يعرفونه. ثم انهزم الذين كانوا معه، يطلبون وادى الريح. وتسلّقوا فى الجبل واشتغل عنهم بالنهب، حتى استوسقوا، حتى جنّهم الليل. فلما كان بعد الوقعة عبر بجعفر بن فلاح من عرفه وهو مقتول مطروح على الطريق. فجاءه ابن عصودا فأخذ رأسه وصلبه على حائط فى داره. أراد بذلك أخذ ثار أخيه الذى كان قتله مع تلك الجماعة من حمّال السلاح. ثم إنّ القرمطىّ نزل بعد الوقعة على ظاهر المزّة، فجبى له مالا من البلد، وسار يريد الرملة. وكان قد أنفد إليها جوهر القائد من مصر رجلا من المغاربة يقال له سعادة ابن حيّان ذكر أنّه فى إحدى عشر ألفا. فلما بلغ

стр. 2614

(ص ٩٢) ابن حيان الخبر تحصّن فى يافا. فنازله القرمطىّ بجيوشه وحصره بها. ثم ترك على حصاره أبا المنجّا وظالم العقيلى وتوجّه القرمطى يريد مصر، حسبما يأتى ذكره فى تاريخه. وفيها كان النواح ببغداد على العادة المستقرة حسبما ذكر.

стр. 2615

ذكر سنة إحدى وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة المطيع لله أمير المؤمنين. ومدبّر الدولة الملك بختيار بن بويه. والمعزّ بالقيروان. وجوهر القائد بالديار المصريّة. وفيها بنيت القاهرة. ذكر بناية القاهرة المحروسة وخططها وقعت على مسوّدة مجلّدة بخطّ يد القاضى ابن عبد الظاهر ﵀ يقول فى أولها: «الروضة البهيّة فى خطط القاهرة المعزيّة». جمع الفقير إلى الله تعالى فى سنة ٦٤٧.

стр. 2616

ثم يقول بعد التحميدة والتوطئة ويذكر بدوّ نسب المعزّ ويذكر الخلاف فيه، كلّ ذلك ملخصا. ولعلّه كان يريد بسط القول بعد ذلك فى ما أخلاه من البياض فى المسوّدة فأدركه أجله قبل ذلك ﵀. قال: ولما تحقّق المعزّ وفاة كافور الإخشيدى ﵀ واضطراب الأمور بمصر، ومكاتبات الأعيان منها إليه، جهّز جوهر، وهو غلام رومىّ الجنس، وصحبته العساكر. ثم برز بموضع يعرف برقّادة، وخرج فى أكثر من مئة ألف وبين يديه أكثر من ألف صندوق مال. ثم ركب إليه المعزّ عند وداعه. فجلس، وقام جوهر بين يديه. فالتفت المعزّ إلى المشايخ الذين وجّههم معه وقال: والله لو خرج جوهر هذا وحده (ص ٩٣) ليفتحن مصر، وليدخلنّها بالأردية من غير حرب ولينزلنّ فى خرابات ابن طولون ويبنى مدينة تسمىّ القاهرة تقهر الدنيا. قال القاضى ابن عبد الظاهر ﵀: هذا ما ذكره القاضى الأكرم ابن القفطى وزير حلب ﵀ فى أخبار الديار المصرية.

стр. 2617

ذكر أشياء من خطط القاهرة مما لم يسبق إليها أحد قال: ونزل القائد جوهر فى مناخه موضع القاهرة الآن، يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. واختطّ فى تلك اليلة القصر. فلما أصبح المصريون حضروا للهناء، فوجدوه وقد حفر الأساس بالليل. وكانت فيه ازورارات غير معتدلة. فلما شاهد جوهر ذلك لم يعجبه. ثم قال: دعوه. فإنه حفر فى ليلة مباركة وساعة سعيدة. وتركه على حاله. وكان قصر الشوك قبل بناية القاهرة يعرف بذلك، وكان منزلا لبنى عذرة، فجعل أحد أبواب قصر جوهر. ثم خطت خطط القاهرة بعد ذلك. وحدّ القاهرة من مصر السبع سقايات. ولما بنى جوهر القصر أدخل فيه دير العظام. وهو الآن المعروف بالركن المخلّق قبالة حوض جامع الأقمر، وبقربه بئر العظام. والمصريّون يقولون بئر العظمة. فكره جوهر أن يكون فى القصر دير فنقل

стр. 2618

العظام التى كانت به والرمم إلى دير فى الخندق، لأنّه يقال إنها عظام جماعة من الحواريّين. وبنى مكان الدير مسجدا من داخل القصر. ولما نزل جوهر هذه المنزلة وبنى القصر، اختطت كلّ قبيلة خطة عرفت بها. فأوّل من اختطّ أهل زويلة. فعرفت بحارة زويلة. وكذلك البئر التى تعرف بها وهى بئر زويلة بالمكان الذى تعمل فيه الروايا الآن. وكذلك البابان المعروفان ببابى زويلة. البرقية: ثم اختطت أهل برقة خطة فعرفت (ص ٩٤) بهم. حارة كتامة: ثم جاورهم قبيلة كتامة فاختطّوا خطة عرفت بهم. الباطليّة: قال ابن عبد الظاهر ﵀: هؤلآء قوم كان المعزّ لما حضر إلى مصر قسم العطاء للناس. فجاءت طائفة فسألت العطاء. فقيل: فرغ ما كان حاضرا، ولم يبق شئ. فقالوا: الحقّ باطل. فسموا الباطليّة، فجاوروا كتامة فعرفت بهم. قلت: رأيت فى مسوّداتى أنّ هؤلآء قوم يعرفون بالباطنية وكانوا شديد التشيّع، وكانوا يثبون على من جهّزوا له كالفداوية، ويقتلون بالسكّين، ويقولوا فى حب علىّ وبنيه. وكانت لهم أرزاق سنيّة

стр. 2619

على الخلفاء المصريّين. ثم لما طال العهد قيل الباطليّة. فقلبت النون عينا والله أعلم. حارة الديلم: هؤلآء قوم قدموا مع أفتكين غلام معزّ الدولة ابن بويه ديلميّة. وكان صحبته أولاد سيده. وجرى له مع العزيز بن المعزّ أمور كثيرة وحروب شديدة يأتى ذكرها فى مكانها فى تاريخها، فنزلوا هذه الخطة فعرفت بهم. حارة الروم: قال ابن عبد الظاهر ﵀: هما حارتان. حارة الروم التى داخل باب زويلة، وحارة الروم الجوّانية داخل باب النصر. فلما صار الناس يقولون حارة الروم الجوّانية خففت فقيل الجوانيّة. قال: وقال لى القاضى زين الدين ﵀ الله الله: إنّ الجوّانية منسوبة للأشراف الجوانيّين. منهم الشريف النسّابة الجوّانى كما أنّ كتامة منهم خير الكتامى. الوزيرية: منسوبة إلى الوزير أبى الفرج يعقوب ابن كلّس كما يذكر من خبره فى تاريخه. وداره دار الديباج التى هى الآن مدرسة الصاحب صفىّ الدين عبد الله بن علىّ. أوقفها على المالكية.

стр. 2620

حارة برجوان: منسوبة للأستاذ برجوان الخادم. وكان خادم القصور فى أيّام العزيز. جعل ولده الحاكم فى حجره فتمكّن وكثرت أمواله. فنزل هذه الحارة فعرفت به. وسيأتى ذكره فى تاريخه إن شاء الله تعالى. قلت: هذا ما لخّصته من كتاب الخطط. وهو مسوّدة بغير ترتيب، ولا هى كلام متوالى. وقصدى إن فسح الله فى الأجل بعد تكملة هذا التاريخ أن أنشئ كتابا يتضمّن خطط القاهرة أسمّيه «الروضة الزاهرة، فى خطط القاهرة»، آتى فيه بما لم أسبق إليه من فنون، تشنف السامع وتنزّه العيون، وذلك لمّا استضويت بهذه الأنوار، المفترعة من أبكار الأفكار، فيكون ذلك أسسا للبناية، ونورا للهداية، والمرجو من الله تعالى إدراك هذه النيّة، وبلوغ هذه الأمنية، إنه بالإجابة جدير، وهو على كلّ شئ قدير. ولما بنى جوهر القصور وحضر المعزّ وسكنها امتدحه بعض شعراء المغاربة بقصيدة أوّلها، يقول:

стр. 2621

أعليت فى الدنيا القصور القاهرة ... وكذا قصورك فلتكن، فى الآخرة وقررت عينك بالأمانى والهنا ... وسخنت عين حواسديك الساهرة وهذه لم تكن فى مسوّدة ابن عبد الظاهر. وستأتى بكمالها فى الكتاب الذى عزمت على إنشائه إن شاء الله تعالى. (ص ٩٥) وفيها دخل النقفور دمستق إلى نصيبين. وكانت سنة قران. وفيها وصلت القرامطة الديار المصرية. وكان القائد جوهر قد خندق خندقا عظيما ظاهر السور، وقد ارتفع البناء من القاهرة ما يغطّى الفارس، وكان قدوم القرمطىّ مستهلّ ربيع الأوّل من هذه السنة. فقاتلوا المغاربة الخندق أشدّ قتال. وقتل كثير من خارج الخندق. ودام القتال والمحاصرة ثلاثة أشهر. ثم إنّ القرمطىّ رحل بغير سبب، ولا علم له خبر. فلما تيقّنت المغاربة وجوهر أنّ القرمطىّ عاد إلى دياره أنفذ إبراهيم ابن أخته فى جيش إلى يافا ليدرك ابن حيّان وينجده. وبلغ من عليها من المحاصرين رحيل القرمطىّ عن مصر، ومسير النجدة من قبل جوهر

стр. 2622

إلى ابن حيّان بيافا. فسار القوم عنها، وتوجّهوا نحو دمشق، فنزلوا بعسكرهم ظاهرها. ثم جرى بين أبى المنجّا وبين ظالم العقيلى كلام وخلاف بسبب أخذ الخراج. وكان كلّ واحد منهما يريد أخذه لنفسه، وللنفقة فى رجاله. وكان أبو المنجّا له وجاهة عند القرمطىّ، فتلقّاه إلى الرملة وعرّفه ما كان من ظالم العقيلى. فقبض عليه وحبسه، ثم ضمنه شبل بن معروف فخلّى سبيله. فهرب إلى شطّ الفرات. ثم إنّ الحسن بن أحمد اعتدّ للعودة إلى مصر. وقد كان جوهر يكتب إلى المعزّ بكل ما جرى من القتال مع القرامطة، وأنّ الحسن ابن أحمد القرمطى قد أشرف على أخذ مصر. فقلق لذلك قلقا شديدا، وجمع من يقدر عليه وتوجّه إلى نحو مصر، وهو يظن أنّها ستخرج عن يده قبل وصوله إليها. فلم يزل يجدّ السير حتى دخلها فى سنة اثنتين وستين فى تاريخ ما يذكر.

стр. 2623

ذكر دخول المعز بالله إلى مصر فى سنة اثنتين وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم: خمسة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المطيع لله أمير المؤمنين. وفيها دخل المعزّ بالله الديار المصرية. قال القاضى ابن خلّكان رحمه الله تعالى فى تاريخه: لما قرب المعزّ بالله من البلد أمر جوهر القائد وجوه المصريين بالخروج إلى لقائه، فخرجوا جماعة من الأشراف الحقيقين الأنساب، فيهم عبد الله بن أحمد ابن علىّ بن الحسن بن إبراهيم ابن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ﵇ الحجازى الأصل. المصرى الدار والوفاة رحمة الله عليه.

стр. 2624

وكان سيدا طاهرا كريما فاضلا عالما صاحب رباع وضياع وسعادة ضخمة ونعمة ظاهرة وأموال جزيلة وعبيد وحاشية، كثير النعم والأنعام. قال: فمن جملة سعة رزقه وسماحة نفسه أنه كان فى دهليزه رجل برسم كسر اللوز والفستق، له كل يوم ديناران، وذلك برسم الحلوى التى كان ينفذها لوجوه أهل مصر وأمرائها وكبارها من الإخشيديّة وغيرهم. وكان يرسل إلى كافور الإخشيدى فى كل يوم جامين حلوى ورغيف خبز. فحسده عند كافور بعض من قال له: الجامين الحلوى لا بأس بهما فما الضرورة إلى الرغيف الخبز؟ فنفذ إليه كافور يقول: يجرينى الشريف على العادة فى الحلوى، ويترك الرغيف الخبز. ففهم السيّد أنّهم أغروه بذلك. فركب إليه وقال (ص ٩٧): حفظك الله. إنى لم أنفذ الرغيف استكثارا ولا استكبارا وإنما هى صبيّة حسنيّة من الأشراف تعجنه بيدها وتخبزه بيدها، فأحببت لك بذلك البركة. فقال كافور: والله لا عاد لى قوتا سواه. عاد القول إلى ذكر المعزّ بالله. فلما تمادى فى السير مع المعز قال الشريف ابن طباطبا للمعز: إلى من ينتسب مولانا أعزّه الله؟ فقال له المعزّ: سنعقد مجلسا ونجمعكم فيه ونسرد عليكم نسبا إن شاء الله تعالى.

стр. 2625

فلما استقرّ المعزّ بالقصر-وكان دخول المعزّ بالله إلى قصره بالقاهرة المعزية الخامس من شهر رمضان يوم الثلاثاء من هذه السنة. فلما كان بعد ذلك واستقرّ بقصره جمع الناس فى مجلس عام وجلس لهم. وقال: هل بقى من رؤسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق معتبر. فسلّ عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبى. ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال: وهذا حسبى. فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا. قلت: وقد رأيت فى بعض مسوّداتى أنّ الشريف الذى جرى للمعز معه هذا السؤال هو أبو جعفر مسلم بن عبد الله الحسينى والشريف أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الحسنى الزينبى. فإنّ وفاة السيّد ابن طباطبا مقدّمة على جواز المعزّ مصر. فإنّ وفاته فى رابع رجب سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة، وكانت ولادته سنة ست وثمانين ومئتين. وصلّى عليه فى مصلّى العيد لكثرة العالم، ودفن بالقرافة. وقبره معروف مشهور بإجابة الدعوة. رحمة الله عليه. ولعلّ يكون صاحب هذه الواقعة بعض ولده. والله أعلم.

стр. 2626

< المعز والحسن القرمطى > قال الشريف أبو الحسين المعروف بأخى محسن فى كتابه المختصّ (ص ٩٨) بذكر هؤلاء القوم: وكان المعزّ شديد الخوف من الحسن ابن أحمد القرمطىّ. فلما نزل مصر واستقرّ بها ملكه عزم على أن يكتب إليه كتابا يعرّفه فيه أنّ المذهب واحد، وأنّهم منهم استمدوا، وهم ساداتهم فى هذا الأمر، وبهم وصلوا إلى هذه الرتبة. ورهّب عليه فيه. وكان غرضه فى ذلك أن يعلم من جواب كتابه ما فى نفس الحسن بن أحمد هل خافه لما وافى مصر أم لا. وكان الحسن بن أحمد يعلم المذهب أنّه واحد، ولم يخف عليه شئ مما كاتبه به كونه يعلم الظاهر منهم والباطن. لأنّ مذهب الجميع متفقين على التعطيل والأخذ بالإباحة. وإذا تمكّن بعضهم من بعض يرى قتله، ولا يبقى عليه، لعدم الأمان بينهم. فهم كما قال الله (﴿كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾).

стр. 2627

ذكر نسخة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله ووليّه، وخيرته وصفيّه، معدّ أبى تميم ابن إسماعيل، المعزّ لدين الله، أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيّين، ونجل علىّ أفضل الوصيين. إلى الحسن بن أحمد. أما بعد، فإنّ رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأصفياء، السالف والآنف منا، صلوات الله علينا، وعلى آبائنا، أولى الأيدى والأبصار، فى متقدّم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، فى أهل الشقاق والآصار، لتكون الحجّة على من خالف وعصى، والعقوبة على من باين وغوى، حسب ما قال الله (﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾) (ص ٩٩) وقوله سبحانه (﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾). (﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾).

стр. 2628

أمّا بعد أيّها الناس، فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجّده بأحسن مماجده، حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغى إليه الوسيلة، بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد فى نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى، والزّيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات، وإفاضة البركات، وطيّب التحيّات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منا ومن آبآئنا الراشدين المهديين، المنتخبين، الذين قضوا بالحق وبه يعدلون. أيّها الناس! قد جاءكم بصائر من ربّكم، (﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾) ليذّكر من يتذكر، وننذر من أبصر فاعتبر. أيها الناس إنّ الله جلّ وعزّ إذا أراد أمرا أقضاه، وإذا أقضاه أمضاه. وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة مالكين، وبالقوّة قادرين، حين لا سماء مبنيّة، ولا أرض مدحيّة، ولا شمس تضئ، ولا قمر يسرى، ولا كوكب يجرى، ولا ليل يجنّ، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوّار، ولا نجم سيّار. فنحن أول الفكرة وآخر العمل، بقدر مقدور، وأمر فى القدم مبرور. فعندما تكامل الأمر وصحّ العزم أنشأ الله عز وجل

стр. 2629

المنشآت وأبدأ الأمّهات من هيولانا وطبعنا أنوارا وظلما، وحركة وسكونا. فكان من حكمه السابق فى علمه ما ترون (ص ١٠٠) من فلك دوّار، وكوكب سيّار، وليل ونهار، وما فى الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما فى الأقطار من الآثار، وما فى النفوس من الأجناس، والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم، وباطن وظاهر، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع. كلّ ذلك لنا، ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدى الله به من كان له لبّ سجيح، ورأى صحيح، قد سبقت له منا الحسنى، فدان بالمعنى». ثم ذكر كلاما كثيرا واستشهد بآيات من القرآن العظيم حرّفها عن مواضعها وفسّرها بخلاف معانيها. ثم قال: وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدما، ولا نضع قدما، إلاّ بعلم موضوع، وحكم مجموع، [وأجل معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق. فلما دخلنا وقد] قدّر المرجفون من أهلها أنّ الرجفة تنالهم، والصعقة تحلّ بهم، تبادروا وتعادوا شاردين، وخلّوا

стр. 2630

عن الأهل والحريم، والأموال والرسوم، وإنّا ل (﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾) (﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾). فلم أكشف لهم خبرا، ولا قصصت لهم أثرا، ولكنى أمرت بالنداء، وأذنت بالأمان، لكل باق ونافر، وباد وحاضر، ولكلّ منافق ومشاقق، وعاص ومارق، ومعاند ومسابق، ومن أظهر صفحته وأبدى إلىّ سوءته، فاجتمع المخالف والموافق، والمباين والمنافق، فقابلت الوفىّ بالإحسان، والمسئ بالغفران، حتى [رجع النادّ والشارد، و] تساوى الفريقان، واتفق الجمعان، وانتشرت البركات، فتكاثرت الخيرات، كلّ ذلك بقدرة ربّانيّة، وأمور برهانية. ثم قال: وأمّا أنت أيّها الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ من دين (ص ١٠١) أسلافه وأنداده، الموقد لنار الفتنة، الخارج عن الجماعة والسنّة، فلم أغفل أمرك، ولا خفى عنى خبرك، ولا استتر دونى أثرك، وإنّك منى بمنظر ومسمع، كما قال الله (﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾)
следующие страницы →