← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

< المعز والحسن القرمطى > قال الشريف أبو الحسين المعروف بأخى محسن فى كتابه المختصّ (ص ٩٨) بذكر هؤلاء القوم: وكان المعزّ شديد الخوف من الحسن ابن أحمد القرمطىّ. فلما نزل مصر واستقرّ بها ملكه عزم على أن يكتب إليه كتابا يعرّفه فيه أنّ المذهب واحد، وأنّهم منهم استمدوا، وهم ساداتهم فى هذا الأمر، وبهم وصلوا إلى هذه الرتبة. ورهّب عليه فيه. وكان غرضه فى ذلك أن يعلم من جواب كتابه ما فى نفس الحسن بن أحمد هل خافه لما وافى مصر أم لا. وكان الحسن بن أحمد يعلم المذهب أنّه واحد، ولم يخف عليه شئ مما كاتبه به كونه يعلم الظاهر منهم والباطن. لأنّ مذهب الجميع متفقين على التعطيل والأخذ بالإباحة. وإذا تمكّن بعضهم من بعض يرى قتله، ولا يبقى عليه، لعدم الأمان بينهم. فهم كما قال الله (﴿كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾).

стр. 2627

ذكر نسخة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله ووليّه، وخيرته وصفيّه، معدّ أبى تميم ابن إسماعيل، المعزّ لدين الله، أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيّين، ونجل علىّ أفضل الوصيين. إلى الحسن بن أحمد. أما بعد، فإنّ رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأصفياء، السالف والآنف منا، صلوات الله علينا، وعلى آبائنا، أولى الأيدى والأبصار، فى متقدّم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، فى أهل الشقاق والآصار، لتكون الحجّة على من خالف وعصى، والعقوبة على من باين وغوى، حسب ما قال الله (﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾) (ص ٩٩) وقوله سبحانه (﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾). (﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾).

стр. 2628

أمّا بعد أيّها الناس، فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجّده بأحسن مماجده، حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغى إليه الوسيلة، بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد فى نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى، والزّيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات، وإفاضة البركات، وطيّب التحيّات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منا ومن آبآئنا الراشدين المهديين، المنتخبين، الذين قضوا بالحق وبه يعدلون. أيّها الناس! قد جاءكم بصائر من ربّكم، (﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾) ليذّكر من يتذكر، وننذر من أبصر فاعتبر. أيها الناس إنّ الله جلّ وعزّ إذا أراد أمرا أقضاه، وإذا أقضاه أمضاه. وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة مالكين، وبالقوّة قادرين، حين لا سماء مبنيّة، ولا أرض مدحيّة، ولا شمس تضئ، ولا قمر يسرى، ولا كوكب يجرى، ولا ليل يجنّ، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوّار، ولا نجم سيّار. فنحن أول الفكرة وآخر العمل، بقدر مقدور، وأمر فى القدم مبرور. فعندما تكامل الأمر وصحّ العزم أنشأ الله عز وجل

стр. 2629

المنشآت وأبدأ الأمّهات من هيولانا وطبعنا أنوارا وظلما، وحركة وسكونا. فكان من حكمه السابق فى علمه ما ترون (ص ١٠٠) من فلك دوّار، وكوكب سيّار، وليل ونهار، وما فى الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما فى الأقطار من الآثار، وما فى النفوس من الأجناس، والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم، وباطن وظاهر، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع. كلّ ذلك لنا، ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدى الله به من كان له لبّ سجيح، ورأى صحيح، قد سبقت له منا الحسنى، فدان بالمعنى». ثم ذكر كلاما كثيرا واستشهد بآيات من القرآن العظيم حرّفها عن مواضعها وفسّرها بخلاف معانيها. ثم قال: وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدما، ولا نضع قدما، إلاّ بعلم موضوع، وحكم مجموع، [وأجل معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق. فلما دخلنا وقد] قدّر المرجفون من أهلها أنّ الرجفة تنالهم، والصعقة تحلّ بهم، تبادروا وتعادوا شاردين، وخلّوا

стр. 2630

عن الأهل والحريم، والأموال والرسوم، وإنّا ل (﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾) (﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾). فلم أكشف لهم خبرا، ولا قصصت لهم أثرا، ولكنى أمرت بالنداء، وأذنت بالأمان، لكل باق ونافر، وباد وحاضر، ولكلّ منافق ومشاقق، وعاص ومارق، ومعاند ومسابق، ومن أظهر صفحته وأبدى إلىّ سوءته، فاجتمع المخالف والموافق، والمباين والمنافق، فقابلت الوفىّ بالإحسان، والمسئ بالغفران، حتى [رجع النادّ والشارد، و] تساوى الفريقان، واتفق الجمعان، وانتشرت البركات، فتكاثرت الخيرات، كلّ ذلك بقدرة ربّانيّة، وأمور برهانية. ثم قال: وأمّا أنت أيّها الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ من دين (ص ١٠١) أسلافه وأنداده، الموقد لنار الفتنة، الخارج عن الجماعة والسنّة، فلم أغفل أمرك، ولا خفى عنى خبرك، ولا استتر دونى أثرك، وإنّك منى بمنظر ومسمع، كما قال الله (﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾)

стр. 2631

(﴿ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾) فعرّفنا على أىّ رأى أنت، وأىّ طريق سلكت. أما كان لك بجدّك أبى سعيد أسوة، وبعمّك أبى طاهر قدوة؟ أما نظرت فى كتبهم وأخبارهم؟ أما قرأت وصاياهم وأسفارهم؟ أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم؟ ألم تعلم أنّهم كانوا عبادا لنا أولى بأس شديد، وعزم شديد، وأمر رشيد، وعمل حميد؟ تفيض عليهم بركاتنا، وننشر عليهم موادنا، حتى ظهروا على الأعمال، وعادوا لنا عمال، ودان لهم كلّ أمير ووال، ولقّبوا بالسادة فسادوا، وبالمنحة منا واسم من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، واستعلت كلمتهم، واشتدّ عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق، وامتدت نحوهم الأحداق، وخضعت لهيبتهم الأعناق، وحسم بهم مادة الفساد والعناد، فكانوا لبنى العباس أعداء وأضداد. ثم قال بعد كلام كثير: فيا أيها الناكث الحانث، ما الذى أرداك، وصدّك وأغواك؟ أشئ شككت فيه، أم أمر استربت منه؟ أم كنت خاليا من الحكمة، وخارجا عن الكلمة، فأزلك هذا وصدّك، وعن سبيل الحقّ ردّك، إن هى إلا (﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾)

стр. 2632

وأيم الله لقد كان الأعلى لجدك، والأرفع لقدرك، والأفضل لمجدك، والأوسع لرفدك، والأبصر لغورك، والأحسن لعذرك، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت عليك، والقفو لآثارهم وإن عميت لديك، لتجرى على سنتهم (ص ١٠٢) وتدخل فى مهنتهم، وتسلك فى مذهبهم، أخذا بأمورهم فى وقتهم، وفى زيّهم فى عصرهم، فتكون خلفا قفا سلفا بجد، وعزم مؤتلف، وعزم غير مختلف. لكن غلب الران على قلبك، والصدى على لبّك، فأزالك عن الهدى، وأزاغك عن البصيرة، والضياء، وأمالك عن مناهج الأولياء، وكنت من بعدهم كما قال الله (﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَااتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾) ثم ذكر كلاما كثيرا جدا لا حاجة لنا بإثبات جملته، وقرّعه فيه بقتل جعفر بن فلاح، ومحاصرة ابن حيّان بيافا، ومأتاه إلى الفسطاط. ثم قال بعد ذلك: وإن كنت على ثقة من أمرك، ومهل فى أمن عصرك، وعمرك، فاستقرّ بمركزك، فليأتينّك منّا وينالك من جندنا، ما نال من كان قبلك ممن تمرّد تمرّدك، كعاد وثمود (﴿وَأَصْحابُ﴾)

стр. 2633

(﴿الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ، كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾)، (فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها، ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون)، بأولى بأس شديد وعزم شديد (﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾). بقلوب نقيّة، وأرواح تقيّة، وأنفس أبية، يقدمهم النصر، ويشملهم الظفر، وتمدّهم الملائكة الغلاظ الشداد (﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾) فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم، أو مراح غنم، (فإمّا نرينّك ما نعدهم فإنّا عليهم قادرون). وأنت فى القفص مفصودا، وسوقتك فالينا مرجعهم، فعندها تخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى، لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾)، (﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ﴾)

стр. 2634

(﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾) (ص ١١٣) فليتدبر من كان ذا تدبير، ويتفكّر من كان ذا تفكير، يوم القيامة يوم الحسرة والندامة (﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾) وياليتنا (﴿نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾). هيهات غلب عليكم شقاؤكم، وكنتم قوما بورا (﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى﴾) وسلم من عواقب الردى، وانتهى إلى الملأ الأعلى، وحسبنا الله وكفى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير. الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على جدّنا محمد وآله الطيبين وسلم تسليما. الجواب بسم الله الرّحمن الرّحيم. من الحسن بن أحمد القرمطىّ الأعصم. أمّا بعد فقد وصل إلينا كتابك الذى كثر تفصيله وقلّ تحصيله ونحن سائرون على إثره والسّلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2635

وفيها لم يكن النواح ببغداد على الحسين ﵇. وسبب ذلك ما جرى على المسلمين من ملك الروم، فإنه فتح فى هذه السنة الجزيرة وأكثر مدنها وبلادها، واستأسر ما يزيد عن مئة ألف أسير. وكان الحاجب سبكتكين مع عزّ الدولة ابن معزّ الدولة بن بويه بواسط، ولم يكن ببغداد جيوش تخشى الروم منها. وكان أيضا الخليفة المطيع معهما فى قتال الدّيلم بواسط، فحصل الطمع من الروم بسبب ذلك.

стр. 2636

ذكر سنة ثلاث وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث (ص ١٠٤) الخليفة المطيع لله أمير المؤمنين إلى حين خلع نفسه من ولاية الأمر فى يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذى القعدة من هذه السنة. وذلك أنه استدعى فى هذا التاريخ القاضى عبيد الله بن أحمد المعروف بابن معروف وكبار عدول بغداد وأشهدهم على نفسه أنه قد خلع نفسه من الخلافة، وجعلها فى ابنه عبد الكريم. وذلك عند انحداره مع سبكتكين مولى معزّ الدولة، لمّا وقع الخلف بينه وبين عز الدولة بختيار، وتغلّب على الأمر عضد الدولة حسبما يأتى من تلخيص ذكر ذلك فى تاريخه. والمعزّ بمصر.

стр. 2637

وعسلوج ويعقوب بن كلّس إليهما أمر الوزارة شركة. وفيها سلخ ابن النابلسى وصلب. وفيها توفى القاضى النعمان. وكان يلى القضاء بالقاهرة. وولى ولده مكانه. وأبو ظفر يلى قضاء مصر بحاله. وفيها وصل الحسن بن أحمد القرمطىّ إلى الديار المصرية بجيوش عظيمة. فنزل بعساكره عين شمس، وناشب المغاربة القتال، وانبثت سراياه فى أرض مصر، وبعث عمّالا على الصعيد فجبى جميع خراجه وضيّق على المعزّ والمغاربة ضيقة عظيمة، وداومهم القتال على خندق مدينتهم، ولزمهم حتى ألجأهم إلى خلف الصور، وعظم ذلك على المعزّ وحار فى أمره، ولم ينفعه كتابه ولا ترهيبه، ولم يجسر يخرج إليه برّا السور. وكان ابن الجراح الطائى فى عسكر القرمطىّ. وكان قوة عسكره معه ومقدمه، فكاتبه المعزّ ورغّبه فى المال وبذل له مئة ألف دينار على أن يغلّ لهم جيشه، فأجابهم إلى ذلك. ثم إنّ المعزّ فكّر فى المال فاستعظمه. فعملوا دنانير من نحاس وطلوها بالذهب الكثير وجعلوها فى أكياس، وجعلوا على رأس كلّ كيس منها (ص ١٠٥) دنانير يسيرة ذهب تغطّى ما تحتها، وحملوها إلى ابن الجرّاح بعد ما استوثقوا منه بالأيمان. فلما صحّ له المال عمل

стр. 2638

فى فلّ العسكر. فلما كان من الغد واشتدّ الحرب ولّى ابن الجراح منهزما، واتبعه أصحابه. فلما نظر ابن القرمطى إلى ذلك تحيّر ولزمه أن يقاتل وهو وأصحابه، واجتهد فى القتال حتى يخلص هو ومن معه، وانهزم وتبعوه قومه. ودخل المغاربة عسكره فظفروا بتبع وباعة نحو من ألف وخمس مئة نفر فأخدوهم أسرى وضربوا بعد ذلك أعناقهم. وذلك فى شهر رمضان فى هذه السنة. ثم إنّ المعزّ جرّد خلف القرمطى أبا محمود بن جعفر بن فلاح فى عشرة آلاف فارس وثقّل السير خوفا أن يرجع عليه القرمطى. ثم نفذ أبا المنجّا فى طائفة من الجند إلى دمشق. وقد كان لما علموا المغاربة قصة ظالم وقبض القرمطى عليه حسبما تقدم فى القول من ذلك، ثم خلص ظالم وهرب إلى حصنه بحافة الفرات، واتفقت هذه الأمور، راسلوه ليسوسوا به أمرهم. فسار إلى أن وصل بعلبكّ، فبلغه هزيمة القرمطىّ. ونزل أبو المنجّا دمشق. وسار القرمطىّ يريد بلده وفى نيته المعاودة. ونزل أبو محمود أذرعات، وسار ظالم نحو دمشق، وذكر أن كان بينه وبين أبى محمود مراسلات على أن يتّفقا على أبى المنجّا. وبلغ أبا المنجّا مسير ظالم إليه، وكان فى شرذمة يسيرة، وربما أنّ الجند كانوا طالبوا لأبى المنجا برزقهم، فسوّف بهم، فحقدوا

стр. 2639

عليه، ونزل ظالم عقبة دمّر، وراسل لأبى المنجا إنى لم آت مقاتلا، (ص ١٠٦) ولكنّى مستأمنا. ثم إنّ جماعة من الجند خرجوا فأتوا إلى ظالم مستأمنين، وتبعهم قوم بعد قوم، فطمع ظالم فدخل دمشق، وقبض على أبى المنجّا وابنه، وانقلب العسكر إلى ظالم وملك البلد. وذلك لعشر خلون من رمضان من هذه السنة. ثم إنّه قبض على جماعة من أصحاب أبى المنجّا واستأصل أموالهم. ثم إنّه طلب ابن النابلسى المقدّم ذكره أنه سلخ وصلب، وهذا ابن النابلسى يقال له أبوبكر. وهو رجل عالم فاضل من أهل الرملة كان يرى بقتال المغاربة وبغضهم أنه واجب على كل مسلم. وكان قد انهزم من مصر لمّا ملكوا المغاربة خوفا منهم، فطلبه ظالم واعتقله تقرّبا للمغاربة. ونزل بعد ذلك أبو محمود بن جعفر بن فلاح على دمشق يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان المعظّم. فلقيه ظالم، وأنس به أبو محمود لما كان فى قلبه من خوف رجوع القرمطى. ثم إنّ أبا محمود نزل الدكّة. فأخرج إليه أبا المنجّا وابنه وابن النابلسى. فتقرّب بذلك إلى جميع المغاربة. فعمل لكل واحد منهم قفص من خشب، وحملهم إلى مصر. فحبس أبو المنجّا وابنه

стр. 2640

وأخذ ابن النابلسى فقالوا له: أنت قلت: لو أنّ معى عشرة أسهم لرميت تسعة فى المغاربة وواحد فى الروم؟ فاعترف بذلك. وسب المعزّ وشتم. فأمر به فسلخ وحشى جلده تبنا وصلب. ولما نزل أبو محمد البلد <ة> اضطرب أهلها، ومدّت المغاربة أيديهم فى أخذ من يلقونه فى الطرق من الناس. ثم امتدوا إلى نهب القوافل والقرى والضّياع. وقصرت يد أبو محمود عن دفعهم، فإنّه لم يكن معه مال يعطيهم. ثم كثر النهب والأذى والقتل. ولم يزل ذلك البلاء على الناس من المغاربة إلى السابع عشر من ذى القعدة. فوقعت الحرب بين أهل (ص ١٠٧) مدينة دمشق والمغاربة، وحصلت بينهم من الوقائع والحروب ما يطول شرحه، وقتل بينهم خلق عظيم. وأحرقوا أكثر دمشق بالنار، ولم يزالوا كذلك فى أشد الحروب يقتتلون فى كل صباح إلى أن هلّت سنة أربع وستين وثلاث مئة حسبما يأتى من بقية الكلام فى ذلك. وفيها أعاد عزّ الدولة النواح على الحسين على ما جرت به العادة. وتوفى الإمام المطيع لله أمير المؤمنين بواسط. وردّ تابوته فى ثامن عشر المحرّم من سنة أربع وستين وثلاث مئة. وكانت خلافته تسعا وعشرين سنة وأشهرا. وله يوم مات ثلاث وستون سنة وأيام، واستقرّ بالخلافة الطائع لله حسبما يأتى من ذكره.

стр. 2641

وزراؤه أبو الحسن علىّ بن محمد بن محمد بن علىّ بن مقله. ثم: أبو أحمد الشيرازى. وكان يتولّى الأمور كتّاب معزّ الدولة بن بويه. وهم: أبو جعفر الضمرى. ثم أبو أحمد المهلبى. ثم أبو الفضل الشيرازى. وأبو الفرج محمد بن العباس الشيرازى. ثم كتب لابنه بختيار بعد هذين: محمد بن محمد بن بقيّة، ولقّب الناصح. حاجبه: عبد الواحد بن أبى عمرو. صفته: أبيض تعلوه صفرة، أقنى، جميل الوجه.

стр. 2642

ذكر سنة أربع وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث ذكر خلافة الطّائع لله ابن المطيع لله وما لخّص من أخباره وسيرته. هو أبو بكر عبد الكريم الطائع لله بن أبى العبّاس الفضل المطيع الله وباقى نسبه قد تقدم. أمّه أمّ ولد يقال لها عتب. بويع له فى (ص ١٠٨) يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة. ولم يزل خليفة سبع عشرة سنة وتسعة أشهر، إلى أن خلع فى تاريخ ما يأتى من ذكره إن شاء الله تعالى. كان مدبّر الملك فى أول خلافته عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة، إلى أن غلبه ابن عمّه أبو شجاع فنا خسرو الملقّب بعضد الدولة ابن ركن الدولة بن بويه فى هذه السنة. واستمرّ فى الملك إلى أن مات فى ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة.

стр. 2643

وولى الملك بعده ولده صمصام الدولة أبو كاليجار. ثم قبض عليه وسمل. وولى بعده أخوه شرف الدولة أبو الفوارس إلى أن توفى. فولى أخوه بهاء الدولة أبو نصر. وهو الذى قبض على الإمام المطيع وخلعه فى تاريخ ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى. والمعزّ لدين الله بالديار المصرية. وابن كلّس الوزير بها. وابن النعمان القاضى بالقاهرة. وأبو طاهر القاضى بمصر. وكان المعزّ قد أخفى نفسه أربعين يوما بعد ما جعل له فى بيت كلّ كبير ورئيس من أهل مصر عينا من جهته يخبروه بما يتجدّد لذلك الرجل فى بيته من سائر أحواله. ثم ظهر لهم وقال لهم: إنّنى رفعت إلى السماء الدنيا، وكنت أشاهد جميع ما صنعتم. وذكر لكلّ واحد ما فعله. فمنهم من صدّق زعمه، والعقلاء من الناس راءوه فى الظاهر وكفّروه فى الباطن. وكانت له أشياء من هذه الخزعبلات يرجع إليها أولى العقول الناقصة، وينكرها أصحاب العقول الوافرة.

стр. 2644

هذا ودمشق فى أسوأ الأحوال. وقد ملكوهم المغاربة بعد حرب شديد تجرّت فيه الشطّار والمشالح والحراميّة، ولم يبق لأهل دمشق مع الطائفتين لا مال ولا حريم ولا روح. والناس (ص ١٠٩) تحت رحمة الله تعالى. وجرت أمور يطول شرحها. وكان كبير الشطّار بدمشق يعرف بابن الماورد، وقد التفّ عليه جماعة من نظرائه. ثم إنّ قوما من مشايخ دمشق خرجوا إلى أبى محمود وتضرّعوا له وعرّفوه ما الناس فيه من البلاء والجور. وكان قد ولى الشرطة بدمشق رجل مغربى يعرف بابن حمزة. ففعل كلّ قبيح فى البلد. فصرفه عن البلد وولّى رجل كردى يقال له أبو الثريا. ومعه جماعة من الأكراد يرمون بالنشّاب. وقرّر معه مسك ابن الماورد رأس الشطّار. وكان ذلك فى شهر صفر من هذه السنة. وبلغ ابن الماورد ذلك فكمن هو وأصحابه فى الدكاكين التى عند فندق ابن زكريا. فلما وصل إلى هناك ذلك الرجل الكردى المسمّى بأبى الثريّا وثب عليه ابن الماورد مع أصحابه، فوضعوا على أصحاب أبى الثريّا القتل. فولّوا منهزمين، وكذلك هو نفسه، وخرج إلى أبى محمود وعرّفه، فكانت بعد ذلك

стр. 2645

حروب وقتال شديد بين المغاربة وأهل دمشق وعاد الحاكم فى دمشق الشاطر ابن الماورد. وجرت أحوال يطول الكلام فيها. وكان لمّا جرت الفتن أيضا ببغداد بين بنى بويه وبين سبكتكين الحاجب، وكانت الأتراك تتعصّب مع سبكتكين يجمعهم على ذلك الجنسية، وغلب على بغداد وأخرج بختيار منها قهرا، وانتصر بختيار بابن عمّه عضد الدولة، وحضر إليه فى الديالمة، وخرج المطيع لله مع سبكتكين، وكان قد ولاّه تدبير الملك ولقّبه نصير الدولة وطوّقه وسوّره، ثم قهر سبكتكين وقتل، وخلع المطيع، وتولّ الطائع حسبما تقدم. وكان سبكتكين قد أقام خليفته على الأتراك هفتكين الشرابىّ وكان فيه شجاعة وشدّة وبأس (ص ١١٠). فلما انتصرت الديلم على الأتراك تشتت شملهم، فأخذ قوم منهم نحو أبى تغلب بن حمدان إلى الموصل فاستأمنوا إليه، وقوم منهم استأمنوا إلى عضد الدولة فناخسرو. وبقى هفتكين فى نحو من أربع مئة فارس من الأتراك، وهم شجعانهم. فأخذ على الفرات حتى نزل الرحبة، ثم انتقل فى البرّ حتى نزل على جوسية. وكان يسايره فى البرّ خلق كثير من العرب طمعا فى أخذه، فكان فيه من الضبط واليقظة والشجاعة والهيبة ما لم يجسر عليه أحد.

стр. 2646

وكان ظالم أيضا لمّا رأى تغلّب المغاربة على دمشق قد انزوى فى بعلبكّ، فى حديث طويل. فبلغه خبر الهفتكين التركىّ. فطمع فى أخذه. فجمع إليه من انضوى من العرب. وأنفذ إلى أبى محمود بدمشق يقول له: إنّ تركيّا قد جاء من بغداد وهو يريد عملك. فأنفذ إلىّ عسكرا حتى آخذه به من قبل أن يدخل عملك. فأنفذ إليه أبو محمود عسكرا. فاجتمع له نحو من ألفين فارس. فسار بعضهم إليه بخبر الأتراك ونزولهم جوسية، وسار ظالم إلى قرب منه. ولبس هفتكين وأصحابه الحديد وتطرّحوا على خيلهم التجافيف. فلمّا وقعت عينهم عليهم أرموا عليهم النشّاب. وكان قد وصل إلى هفتكين التركىّ من جهة أبى تغلب بن حمدان بشارة الخادم فى ثلاث مئة رجل، بكلام لطيف من جهة ابن حمدان. فوصل إليه وقد صفّ خيله لظالم العقيلى. فلما رآه فى زىّ حسن ظنّ أنّه ابن حمدان نفسه. فتلقّاه. فكان بينهما (ص ١١١) كلام حسن. وأوعده عن الأمير أبى تغلب بكلّ جميل. وأنفذ بشارة من وقته رسولا إلى ظالم يقول له: لا تفسد فى عملنا ولا تدخله. فقال: ما جئت لأفسد فى عملكم، وإنما جيت من أجل هذا التركىّ لأصدّه. فردّ عليه: هذا رجل فى عملنا، وإلينا قصد، ونحن ما نتخلّى عنه. ونظر ظالم إلى جماعة هفتكين وما هم عليه

стр. 2647

من الشدّة والبأس والحديد وقد انضمّ بشارة فى تلك العدّة. فانقطع طمعه ورجع طالب بعلبكّ. ثم إنّ بشارة الخادم أخذ هفتكين التركى وأتى به إلى أبى تغلب ابن حمدان فأقبل عليه وأقطعه المعرّات وكفر طاب، وأن يكون تبعا لأبى تغلب. فلم يلبث هفتكين أن ورد عليه رسول ابن الماورد رأس الشطّار بدمشق يقول له: تسير إلينا، فنخرج نحن من داخل البلد، وأنت من خارج على المغاربة وتملك البلد. فوقع ذلك الكلام بالموافقة لغرض هفتكين. وكان لما بلغ المعزّ أحوال دمشق مع أبى محمود قد سيّر إلى نائبه بطرابلس يسمى ريّان الخادم يقول له: تتوجه إلى دمشق وتعزل عنها أبى محمود، وتأمره أن يكون بطرابلس. فلما وصل هفتكين إلى دمشق لم يجد بها أحدا من المغاربة. وكان قد وردت الأخبار أن العدوّ من الروم وهو ابن الشمشقيق وهو يومئذ دمستق الرّوم، قد خرج يريد البلاد. ووصل هفتكين إلى ظاهر دمشق. وذلك لأيّام بقيت من شعبان من هذه السنة، وهى سنة أربع وستين وثلاث مئة.

стр. 2648

ونزل حول مسجد إبراهيم. وخرج إليه الناس واستبشروا به، وكذلك ابن الماورد، وأخرجوا له الإقامة والعلوفات، وفرحوا به لإزاحة المغاربة عنهم. وأقام هفتكين أيّاما بدمشق. وشاع خبر العدو. ووصل بعلبك جيوش الروم وافتتحتها. وأخذ أهلها أسرى. فلما بلغ هفتكين الخبر وعلم أنه لا قبل له بجيوش الروم أحسن التدبير والسياسة، واجتمع بالدمستق وعرّفه أنّ دمشق بلد خراب من المغاربة وإنما له بها أيام قليلة. وأحسن الكلام والتلطّف. فأعجب الدمستق أدبه ومخاطبته، وقرّر مال يأخذه، ولا يتعرّض لأهل دمشق. فكان ذلك. وأقام الدمستق على دمشق أيّاما من غير أن وصلت منه أذية لأهلها، حتى جبى له ثلاثون ألف دينار، فأخذها وترك الباقى لهفتكين، وعاهده وهادنه. فأعجب ذلك أهل دمشق من فعل هفتكين وحسن سياسته. ورحل الدمستق ونزل بيروت. وكان بها خادم من جهة المغاربة يقال له نصير فى سبع مئة رجل من المغاربة. فاستعدّوا للقتال على الأسوار. فلما عاينوا كثرة جيش الروم علموا أن لا طاقة لهم بذلك.

стр. 2649

فراسلهم الدمستق: إنى لا أحبّ خراب بلدكم، ولا أريد قتالكم، وإنّما أريد أن تسلّموا إلىّ هذا الخادم ومن معه، وأجعل عندكم من جهتى ذروار يكون يدفع عنكم من يطمع فيكم. فوجد الخادم ومن معه فى ذلك فرجا كبيرا يمنعهم القتل. فنزل إليه الخادم من ذاته وجميع من معه. وتسلّم الدمستق البلد وجعل فيها ذروارا من قبله. وسار عن بيروت فنزل على طرابلس، وكان بها ريّان الخادم المقدّم ذكره الذى أخذ أبو محمود من على دمشق، وهو يومئذ فى خلق كثير من المغاربة. فقاتلوا أشدّ قتال. فعمل على أن يبنى حولها ويرفع عليها العرّادات والمناجيق، وابتدأ فى البناية. فلحقته علّة، فرحل عنها إلى بلده، فهلك فى الطريق. ولما تمكّن هفتكين من دمشق وكان قد نمّ (ص ١١٣) على ابن الماورد عند ملك الروم وقال هذا الذى لا يمكّنى من جباية مالك، فقبض عليه الدمستق واستصحبه معه فى حديث طويل أيضا هذا ملخصه. فلما صفا أمر دمشق للهفتكين نفذ شبل بن معروف نحو طبرية. فهرب من كان بها من المغاربة إلى الرملة، وقائدهم أبو محمود. فسارت العرب تطلب الأعمال، واجتمعوا وكثروا، وكان معهم رجالا من

стр. 2650

جهة هفتكين معونة لشبل بن معروف العقيلى. وكانت المغاربة أيضا قد التقوا وتجمعوا، فالتقوا بأرض بيت المقدس. فظهرت على المغاربة، فانهزموا، وأخذهم السيف فقتل منهم خلق كثير، وأخذ من ظفر به فسيّروه إلى دمشق فطوّفوهم فى الأسواق على الجمال وملّوا منهم الحبوس، ثم ضربوا أرقاب كثير منهم والله أعلم.

стр. 2651

ذكر سنة خمس وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وواحد وعشرين إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربعة وعشرون أصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين. ومدبّر الممالك الخليفية عضد الدولة ابن ركن الدولة ابن بويه. وقد استقامت أمور المملكة فى أيّامه بحسن ضبطه وسياسته. وتوفى المعزّ لدين الله فى الحادى عشر من ربيع الآخر، وقيل لسبع منه من هذه السنة. وكانت مملكته أربعا وعشرين سنة منها بمصر منذ دخول جوهر القائد ستّ سنين وثمانية أشهر إلا أيام، ومنذ دخوله سنتين وستة أشهر وأيام. عمره ثمان وأربعون سنة وخمسة أشهر. وقيل خمس وأربعون سنة وسبعة أشهر وأيام. وزيره يعقوب بن كلّس. قاضيه ابن النعمان.

стр. 2652

ذكر خلافة العزيز بالله بن المعز لدين الله بمصر وما لخص من سيرته هو أبو منصور نزار بن معدّ المعزّ لدين الله، وباقى نسبه قد علم. ولد فى المحرّم لسبع بقين من ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. بويع بولاية الأمر يوم وفاة أبوه. وقلد الوزارة أبو الفرج ابن كلّس. وقلّد القضاء لأبى الحسين على بن النعمان. وقلّد السيف الذهب والطوق الذهب. وحمل على مركوب بمحمل ذهب. وقرئ سجلّه بالقاهرة. فكان فى جملته: وإذا تداعى الخصمين، إليك أحدهما والآخر إلى غيرك ردّا إليك جميعا من أقصى الآفاق. فلما بلغ ذلك أبو طاهر، وهو يومئذ قاضى مصر، فرفع يده عن الأمر.

стр. 2653

وركب العزيز إلى المقياس بالمظلّة، وعبر على الحمرا، فأمر ببناء القنطرة التى كانت متهدّمة. فشرع فيها. وهذه القنطرة كان بناها عبد العزيز بن مروان فى سنة تسع وستين ومئة. فتهدّمتّ. فجدّد العزيز بناءها. واستقرّ بالوزارة أبو الفرج بن كلّس. وكان أصله كاتبا يهوديّا ضامنا لنفسه. وخدم كافور الإخشيدىّ، فحمد خدمته. وأسلم فى خدمته. ثمّ سار إلى المغرب، وخصّ بخدمة المعزّ. فقدم حتى وزر. وفيها مات القاضى أبو طاهر رحمة الله عليه. وفيها قدمت القرامطة على هفتكين بدمشق. وكان الذى وافى منهم إسحاق وكسرى وجعفر. فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية. ووافى معهم كثير من العجم ممن كان من أصحاب هفتكين وقد تشتّتوا فى البلاد فى وقت وقعته على نهر دالى مع الديلم. فاجتمعوا إلى القرامطة بالكوفة فأكرموهم وأركبوهم معهم، وساروا بهم إلى دمشق، فكساهم هفتكين وأركبهم الخيول (ص ١١٥) وقوّى عسكره بهم. ولقى هفتكين القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم، وأمن من الخوف. وأقاموا على دمشق أيّاما ثم رحلوا متوجّهين إلى الرملة، وكان بها أبو محمود إبراهيم ابن جعفر الذى تقدم ذكره. فلما علم بهم تحصّن بيافا. فسارت

стр. 2654

القرامطة فنزلوا الرملة، ونصبوا للقتال على يافا، حتى كلّ الفريقان من القتال. وصار يحدّث بعضهم بعضا. واستقرّ القرامطة بالرملة يجبون المال. فلما أمن هفتكين من نحو مصر والرملة، وعلم أنّ القرامطة كفوه ذلك الوجه، عمل على أخذ السّاحل. فسار بمن اجتمع إليه ونزل صيدا. وكان بها ابن الشيخ واليا ومعه رؤساء من المغاربة، ومعهم ظالم العقيلى. فقاتلوا هفتكين أشدّ قتال. وكانوا كثرة. فاحتال عليهم هفتكين أنه جزعا منهم وأظهر لهم أنه مهزوما منهم. فخرجوا يتبعونه. فقال لهم ظالم: لا تتبعونه لئلا يكون مكيدة منه ليستخرجكم من حصنكم. فسمعه ابن كرامة المغربى فقال له: يا شيخ أنت دسيس على أمير المؤمنين. فلما استدرجهم هفتكين من حصنهم أميالا عطف عليهم عطفة، فلم يسلم منهم غير المخفّين. وانهزم ظالم إلى صور. وقتل شيخهم ابن كرامة. ثم عدّ القتلى منهم فكانوا أربعة آلاف نفر. فحملت رؤوسهم وأتوا بها دمشق ونصبت. ثم إنّ هفتكين طمع فى أخذ عكّا. وكان بها جمع من المغاربة. فقاتلوه من خلف الأسوار. وكان العزيز بالله قد ندب القائد جوهر للقتال والخروج إلى الشام. فسار فى جيوش كثيفة لم يخرج لهم قبل ذلك مثلها، وتواترت الأخبار على هفتكين بسيره وهو على عكّا.

стр. 2655

والقرامطة بالرملة. وأرسلوا إلى هفتكين يخبروه بعظم الجيش (ص ١١٦) القادم مع جوهر القائد. وليس معهم من الرجال ما يلقونه. فسار هفتكين من ظاهر عكّا، فنزل طبرية. وانطردت القرامطة من الرملة ونزلها جوهر. وسار من القرامطة إسحاق وكسرى إلى الأحساء، بلدهم. وبقى جعفر منهم لم يسر. وصار إلى هفتكين التركى فاجتمعوا بطبرّية، وجمع هفتكين غلال حوران والبثنيّه ونفذها إلى دمشق. وقرب جوهر من طبرية. فرحل هفتكين طالبا دمشق. وسار جوهر حتى نزل بظاهر دمشق بالشماسيّة لثمان بقين من ذى القعدة من هذه السنة. وجمع هفتكين حمّال السلاح من أهل البلد، وأحسن إليهم من الشطّار والدعرة. ولم يكن فيهم أقدم ولا أشجع من المعروف بقسّام. وكانت له الرياسة على حمّال السلاح من الشطّار والدعّار، وكان ذكره قديما فى هذا الشأن. ثم انتشب القتال بين الفريقين بقية شهر ذى القعدة وشهر ذى الحجة إلى آخر هذه السنة.

стр. 2656

ذكر سنة ست وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين. ومدبّر ممالكه عضد الدولة فناخسرو بن بويه. والعزيز بمصر. ووزيره أبو الفرج ابن كلّس. والقاضى على مصر والقاهرة أبو الحسن على بن النعمان. والخراج بمصر لابن العدّاس. وجوهر القائد فى الحرب مع هفتكين التركى على دمشق إلى الحادى عشر من شهر ربيع الآخر من هذه السنة كانت الكسرة على هفتكين وأهل (ص ١١٧) دمشق فى حديث طويل. وهمّ هفتكين

стр. 2657

بالهروب إلى أنطاكية فى تلك الليلة. ثم إنّه استظهر بعد ذلك وقوى. ونظر جوهر إلى أحواله تنقص وقد هجم الشتاء. وقد ذهب ما كان معه من الأموال، وصار أكثر جيشه رجّالة، وهلكت دوابهم، ولم يصل إلى شئ. فراسل يطلب الصلح والمهادنة من هفتكين. فلم يجبه إلى ذلك. ثم اتفق الحال بينهم على أن يرحل جوهر ولا يتبعه أحد. وكان قد اتصل بجوهر خبر الحسن بن أحمد القرمطىّ أنّه سائر إلى الشام. وورد إلى ابن عمه جعفر القرمطى كتابا من عنده بذلك. ورحل جوهر عن دمشق يوم الخميس الثالث من جمادى الأولى من هذه السنة. فلما صار إلى طبرية خرج الحسن بن أحمد من البرّية إلى نحو طبرية. وكان خبره قد وصل إلى جوهر. فقحم خيله حتى صار بالرملة. ثم نزل زيتون الرملة متحّصنا به من الحسن بن أحمد، وكان هفتكين قد سار من دمشق إلى الحسن بن أحمد. فلحقه وهو مريض. وتوفى الحسن بن أحمد فى الرملة. وقام بأمر القرامطة بعده ابن عمه جعفر، ثم اقتتلوا مع جوهر بقية سنة ست وستين. ثم انفسد الأمر بين هفتكين وبين جعفر القرمطىّ. فأخذ جيوشه وعاد إلى بلاده بالأحساء. وكان ابن الجرّاح محاديا لجوهر. فلم ير مع هفتكين

стр. 2658

ما يحبّ، فانصرف عنه. وراسلته المغاربة فمايلهم. ولما اشتد الأمر بجوهر وكثر القتل فى رجاله خاف أن يهلك. فسار يريد الدخول إلى عسقلان ليكون المدد يجيئه فى البحر. وسار هفتكين يريده. فالتقوا، فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل (ص ١١٨) ثم انصرفوا وأصبحوا فى اليوم الثانى فاقتتلوا إلى الليل، وأصبحوا اليوم الثالث فاقتتلوا. فانهزم جوهر وأصحابه وأخذهم السيف. فخلّوا عن عسكرهم ودخلوا عسقلان. فأخذ من عسكرهم ما عظم قدره. فاستغنى منه ناس كثير. ونزل هفتكين على عسقلان فحاصر جوهر بها، ووردت الأخبار إلى العزيز نزار خليفة مصر، بذلك. فقال لوزيره: ما ترى؟ قال: أرى أن تخرج أنت بنفسك وإلاّ هلكت العساكر. فأقبل يجمع الجموع ويستخدم الجند المعطّلين من الإخشيدية وغيرهم، وأخرج الأموال وأنفق فى الجيوش.

стр. 2659

ذكر سنة سبع وستين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع، وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين. وعضد الدولة مدبّر المملكة بحاله. < الدولة السامانية > وفيها قام بأمر المملكة السامانية المقدّم ذكرها فى الجزء الذى قبله الرضى بن منصور بن نوح. كنيته أبو القاسم. <اسمه> نوح ابن منصور بن نوح بن عبد الملك بن نصر بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى المقدّم ذكر دولتهم وملوكهم. ولى مملكة خراسان بعد أبيه بولاية عهده له، وهو صغير غير بالغ، وحمل إليه اللوآء والتقليد والخلع من جهة الطائع لله أمير المؤمنين، وأخرج مع الخلع خادم من خدم الخلافة.

стр. 2660

وولّى حجبته لأبى العبّاس تاش. وعقد الإصفهسلاريّة لأبى الحسن السيمجورى ولقّبه ناصر الدولة. وولّى الوزارة لأبى الحسين عبيد الله بن أحمد العتبى. وأقام أبو الحسن فى (ص ١١٩) الإصفهسلارية إلى أن مات سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة. فقام بأمرها أبو على الأكبر من ولده. واضطر الرضىّ إلى تولية أبى علىّ بجميع ما كان إلى أبيه، ولقّبه عماد الدولة. وذلك فى شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة. واتفق خروج الخان وهو أبو موسى هارون من أيلك من أرض الترك طالبا مملكة الرضىّ. وكان أبو علىّ قد طرد فانق عن ولاية هراة. فتوجّه إلى الخان واستأمن له. وسار معه إلى بخارى. فهرب الرضىّ ووزيره العتبى. ودخل الخان بخارى فى سنة اثنتين وثمانين، وهرب الرضى إلى آمل. ثم مرض الخان وعزم على العود إلى بلاده وكان فى غاية العدل. فدعا عبد العزيز بن نصر السامانى فسلّم إليه البلاد، وسار فمات فى الطريق. وفيه قيل: يا قاهرا لملوك الأرض من قهرك؟ ... ويا عماد جميع الأرض من قبرك؟ عجبت ممّن أطاعته أنامله ... حتى سفى من تراب القبر ما سترك وعاد الرضىّ إلى بخارى، ولم يتم لعبد العزيز ولاية.

стр. 2661

وكان أبو علىّ الاصفهسلار، قد زاد تبسطه ومكره حتى إنّه كان يسمّى الرضىّ والى بخارى. وكان يخاطب مرّة بسيّد الأمراء المؤيّد من السماء، ومرّة يخاطب بصاحب العالم، ومرّة بوالى الدنيا، ومرّة بأمير جهان، ومعناه أمير الدنيا. فلما رأى الرضىّ ما قد صار إليه أبى على استنجد بسبكتكين الغازى أبى منصور. وكان قد تغلّب على غزنة وبست والرخّج. واجتمع معه، والتقوا مع أبى علىّ فى شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة فانهزم منهما، وأخذ جميع عسكره. ولقب الرضىّ سبكتكين ناصر الدولة، وابنه محمود سيف الدولة. ثم كانت بين أبى علىّ وبين السبكتكين (ص ١٢٠) حروب يطول شرحها. وآخر الأمر أنّه قبض على أبى علىّ وسلّم لسبكتكين فكان آخر العهد به. توفى الرضىّ فى رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مئة. وكانت مدّة مملكته إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر. أبو الحارث منصور بن الرضىّ وقام أبو الحارث منصور بن الرضىّ نوح. ولّى بعد أبيه بعهده إليه. وكان سبكتكين قد توفى، وقام بالأمر ابنه إسماعيل. وسار من غزنة طالبا للاصفهسلاريّة على ما كان عليه أبيه، وكان قد وليها

стр. 2662

بكتورون غلام أبى الحارث. وجرى لهما حروب ومكايد، آخرها أن خلع أبو الحارث وسمل فى صفر سنة تسع وثمانين. فكانت مدة مملكته سنة ونصف [سنة] ثم قام بالمملكة السامانية: أبو الفوارس عبد الملك بن الرضى نوح ولما خلع أبو الحارث ولى أخوه المذكور. فأظهر محمود الغضب للمخلوع ظلما، وزحف إلى بكتورون (؟) طالبا بثأر أبى الحارث المخلوع. فصالحوه على كور خراسان قاطبة بلخ وهراة. فانصرف، فاتّبعوه غادرين، ومعهم ابن قابوس وابن سمكين. فعطف عليهم أبو المظفر نصر بن سبكتكين فهزمهم هزيمة فاضحة. فكانت هذه الهزيمة معفية لآل سامان. ووصل أبو الحسن أرسلان آيلك وهو نصر بن على أخو الخان <ب> بخارى فى شهر ذى القعدة سنة تسع وثمانين وثلاث مئة. وقبض على جماعة آل سامان منهم أبى الحارث المخلوع، وإبراهيم المنتصر، وعلىّ أبى يعقوب أخى أبى الفوارس، وعلىّ أبى الفوارس فلم يتجاوز ملكه السنة.

стр. 2663

ثم قام: المنتصر إسماعيل بن الرضى بن نوح وكان قد قبض عليه فى جملة من قبض عليه من آل سامان. فاتفق له (ص ١٢١) أنه لبس جلد جارية وخرّج من محبسه، وسار إلى الجرجانيّة، وتجمّع إليه الجند السامانيّة فسار بهم، وكبس على الأتراك الخائنة فانهزموا عن بخارى، ودخلها المنتصر. وكانت بينهم أوجع حروب حتى استفحل أمر المنتصر إلى أن كرّ عليه الخان فقتل فى سنة خمس وتسعين وثلاث مئة. وانقطعت الدولة السامانية بقتله. فجميع ملوك آل سامان عشرة ملوك. أوّلهم إسماعيل بن أحمد ابن أسد بن سامان خداه وآخرهم المنتصر هذا. وجميع مدّة مملكتهم دون ولايتهم مئة سنة وستة أشهر وعشرة أيام. وكان لهم من البلاد فى أكثر الأوقات خراسان، وما وراء النهر، وسجستان، وغزنة، وبست، والرخّج، وكرمان، وجرجان، وطبرستان، والرىّ، وقومس. وفيهم يقول أبو الطيبّ الطاهرى: أودى ملوك بنى سامان فانقرضوا ... وأصبح الحبل ما ينفكّ ينتقض

стр. 2664

أضحت إمارتهم فيهم وجوهرها ... عبيدهم وهم فى عرضها عرض فليبك من كان فيهم باكيا أبدا ... فما لما فاتهم من ملكهم عوض وما أحسن ما وصف دولتهم بعض البلغاء فقال: «كانت الدولة السامانية كالدولة الساسانية طول مدّة وقلّة كفاء. وما أشبّهها إلاّ بالسماء التى رفعها الله بغير عمد». قلت: قد أنهيت القول فى جميع ملوك آل سامان كما انتهى القول فى جميع من تقدمهم من الملوك أرباب الدول وأصحاب الخول. وسقت هؤلآء الملوك من آل سامان على التوالى حتى لا يعود لنا التفات إلى غير ملوك مصر، كون هذا الجزء مختص بذكرهم دون غيرهم، إذ الشرط أن يكون كلّ جزء من هذا التاريخ يختصّ بدولة. (ص ١٢٢) ولنعود إلى ما كنا عليه بمعونة الله وحسن توفيقه. وفيها انتصر عزّ الدولة بختيار بأبى تغلب بن حمدان على قتال عضد الدولة فناخسرو. وسار فناخسرو إليهم، ولقيهم، فانهزموا وأخذ بختيار أسيرا فقتله. وانهزم أبو تغلب فدخل الزوزان. وسارا أخو بختيار أبو إسحاق وأبو طاهر ومرزبان بن بختيار إلى دمشق منهزمين من فناخسرو، وكانوا فى عسكر حسن. وكان هفتكين التركى

стр. 2665

بطبريّة. فبعث إليهم بوزيره ابن الحمارة. فأنفق فيهم الأموال وحمل إليهم الإقامات وسيّرهم إلى الهفتكين. فاجتمع العسكران بطبرية فى اثنى عشر ألفا. فساروا يريدون الرملة، وسار العزيز يريدهم بجموعه. فالتقوا بين اليهوديّة وكفر ساب. فحمل عليهم الهفتكين حملة بعد حملة. فقتل منهم نحوا من مئة رجل. فأقبل عليه عسكر العزيز فى نحو من سبعين ألف، فلم يكن إلاّ ساعة حتى دخلوا عسكره وملكوا رحاله. فصاحت الديلم الذين كانوا معه: بهار بهار، يريدون الأمان الأمان. واستأمن أبو إسحاق ومرزبان بن بختيار، وقتل أبو طاهر، وأخذ كثير منهم أسرى. ولم يكن القتل فيهم بكثير. فلما انهزم عسكر هفتكين طلبوه فى القتلى أو الأسرى فلم يجدوه. فخفى عليهم أمره. وكان فى وقت الهزيمة أخذ نحو الجبل ببيت المقدس. فوقف به فرسه فنزل عنه. وحبس تحت شجرة، فعبر به رجل من العرب يقال له راهب لا حال له ولا شجاعة فيه. فأخذه أسيرا وسار به إلى ابن الجرّاح الطائى فشدّ عمامته فى عنقه وساقه إلى نحو العزيز. قال صاحب هذا النقل: حدثنى أبو القاسم جعفر بن إسماعيل أنّ ابن الجراح قال: لما جئت بهفتكين إلى نزار (ص ١٢٣)
следующие страницы →