Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وكان أبو علىّ الاصفهسلار، قد زاد تبسطه ومكره حتى إنّه كان يسمّى الرضىّ والى بخارى. وكان يخاطب مرّة بسيّد الأمراء المؤيّد من السماء، ومرّة يخاطب بصاحب العالم، ومرّة بوالى الدنيا، ومرّة بأمير جهان، ومعناه أمير الدنيا. فلما رأى الرضىّ ما قد صار إليه أبى على استنجد بسبكتكين الغازى أبى منصور. وكان قد تغلّب على غزنة وبست والرخّج. واجتمع معه، والتقوا مع أبى علىّ فى شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة فانهزم منهما، وأخذ جميع عسكره.
ولقب الرضىّ سبكتكين ناصر الدولة، وابنه محمود سيف الدولة.
ثم كانت بين أبى علىّ وبين السبكتكين (ص ١٢٠) حروب يطول شرحها. وآخر الأمر أنّه قبض على أبى علىّ وسلّم لسبكتكين فكان آخر العهد به.
توفى الرضىّ فى رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مئة.
وكانت مدّة مملكته إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر.
أبو الحارث منصور بن الرضىّ
وقام أبو الحارث منصور بن الرضىّ نوح. ولّى بعد أبيه بعهده إليه. وكان سبكتكين قد توفى، وقام بالأمر ابنه إسماعيل. وسار من غزنة طالبا للاصفهسلاريّة على ما كان عليه أبيه، وكان قد وليها
стр. 2662
بكتورون غلام أبى الحارث. وجرى لهما حروب ومكايد، آخرها أن خلع أبو الحارث وسمل فى صفر سنة تسع وثمانين.
فكانت مدة مملكته سنة ونصف [سنة]
ثم قام بالمملكة السامانية:
أبو الفوارس عبد الملك بن الرضى نوح
ولما خلع أبو الحارث ولى أخوه المذكور. فأظهر محمود الغضب للمخلوع ظلما، وزحف إلى بكتورون (؟) طالبا بثأر أبى الحارث المخلوع.
فصالحوه على كور خراسان قاطبة بلخ وهراة. فانصرف، فاتّبعوه غادرين، ومعهم ابن قابوس وابن سمكين. فعطف عليهم أبو المظفر نصر بن سبكتكين فهزمهم هزيمة فاضحة. فكانت هذه الهزيمة معفية لآل سامان. ووصل أبو الحسن أرسلان آيلك وهو نصر بن على أخو الخان <ب> بخارى فى شهر ذى القعدة سنة تسع وثمانين وثلاث مئة. وقبض على جماعة آل سامان منهم أبى الحارث المخلوع، وإبراهيم المنتصر، وعلىّ أبى يعقوب أخى أبى الفوارس، وعلىّ أبى الفوارس فلم يتجاوز ملكه السنة.
стр. 2663
ثم قام:
المنتصر إسماعيل بن الرضى بن نوح
وكان قد قبض عليه فى جملة من قبض عليه من آل سامان.
فاتفق له (ص ١٢١) أنه لبس جلد جارية وخرّج من محبسه، وسار إلى الجرجانيّة، وتجمّع إليه الجند السامانيّة فسار بهم، وكبس على الأتراك الخائنة فانهزموا عن بخارى، ودخلها المنتصر. وكانت بينهم أوجع حروب حتى استفحل أمر المنتصر إلى أن كرّ عليه الخان فقتل فى سنة خمس وتسعين وثلاث مئة.
وانقطعت الدولة السامانية بقتله.
فجميع ملوك آل سامان عشرة ملوك. أوّلهم إسماعيل بن أحمد ابن أسد بن سامان خداه وآخرهم المنتصر هذا.
وجميع مدّة مملكتهم دون ولايتهم مئة سنة وستة أشهر وعشرة أيام.
وكان لهم من البلاد فى أكثر الأوقات خراسان، وما وراء النهر، وسجستان، وغزنة، وبست، والرخّج، وكرمان، وجرجان، وطبرستان، والرىّ، وقومس.
وفيهم يقول أبو الطيبّ الطاهرى:
أودى ملوك بنى سامان فانقرضوا ... وأصبح الحبل ما ينفكّ ينتقض
стр. 2664
أضحت إمارتهم فيهم وجوهرها ... عبيدهم وهم فى عرضها عرض
فليبك من كان فيهم باكيا أبدا ... فما لما فاتهم من ملكهم عوض
وما أحسن ما وصف دولتهم بعض البلغاء فقال:
«كانت الدولة السامانية كالدولة الساسانية طول مدّة وقلّة كفاء.
وما أشبّهها إلاّ بالسماء التى رفعها الله بغير عمد».
قلت: قد أنهيت القول فى جميع ملوك آل سامان كما انتهى القول فى جميع من تقدمهم من الملوك أرباب الدول وأصحاب الخول. وسقت هؤلآء الملوك من آل سامان على التوالى حتى لا يعود لنا التفات إلى غير ملوك مصر، كون هذا الجزء مختص بذكرهم دون غيرهم، إذ الشرط أن يكون كلّ جزء من هذا التاريخ يختصّ بدولة.
(ص ١٢٢) ولنعود إلى ما كنا عليه بمعونة الله وحسن توفيقه.
وفيها انتصر عزّ الدولة بختيار بأبى تغلب بن حمدان على قتال عضد الدولة فناخسرو. وسار فناخسرو إليهم، ولقيهم، فانهزموا وأخذ بختيار أسيرا فقتله. وانهزم أبو تغلب فدخل الزوزان. وسارا أخو بختيار أبو إسحاق وأبو طاهر ومرزبان بن بختيار إلى دمشق منهزمين من فناخسرو، وكانوا فى عسكر حسن. وكان هفتكين التركى
стр. 2665
بطبريّة. فبعث إليهم بوزيره ابن الحمارة. فأنفق فيهم الأموال وحمل إليهم الإقامات وسيّرهم إلى الهفتكين. فاجتمع العسكران بطبرية فى اثنى عشر ألفا. فساروا يريدون الرملة، وسار العزيز يريدهم بجموعه.
فالتقوا بين اليهوديّة وكفر ساب. فحمل عليهم الهفتكين حملة بعد حملة.
فقتل منهم نحوا من مئة رجل. فأقبل عليه عسكر العزيز فى نحو من سبعين ألف، فلم يكن إلاّ ساعة حتى دخلوا عسكره وملكوا رحاله. فصاحت الديلم الذين كانوا معه: بهار بهار، يريدون الأمان الأمان. واستأمن أبو إسحاق ومرزبان بن بختيار، وقتل أبو طاهر، وأخذ كثير منهم أسرى. ولم يكن القتل فيهم بكثير. فلما انهزم عسكر هفتكين طلبوه فى القتلى أو الأسرى فلم يجدوه. فخفى عليهم أمره. وكان فى وقت الهزيمة أخذ نحو الجبل ببيت المقدس. فوقف به فرسه فنزل عنه. وحبس تحت شجرة، فعبر به رجل من العرب يقال له راهب لا حال له ولا شجاعة فيه. فأخذه أسيرا وسار به إلى ابن الجرّاح الطائى فشدّ عمامته فى عنقه وساقه إلى نحو العزيز.
قال صاحب هذا النقل: حدثنى أبو القاسم جعفر بن إسماعيل أنّ ابن الجراح قال: لما جئت بهفتكين إلى نزار (ص ١٢٣)
стр. 2666
قام قائما فقبّل هامتى. ونال ابن الجراح بذلك نائلا كثيرا. وشهر هفتكين فى العسكر وتلطّمت المغاربة وجهه وأخذوا لحيته ورأى فى نفسه العبر. وكانت هذه الوقعة يوم الخميس لسبع بقين من المحرّم سنة ثمان وستين وثلاث مئة.
وفى سنة سبع وستين ولد أبى حامد الغزالى.
стр. 2667
ذكر سنة ثمان وستين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وعضد الدولة مدبّر المملكة الخليفية.
والعزيز قد انتصر على الهفتكين التركى.
وكان قد استخلف على مصر والقاهرة خير بن القاسم. وكان على الخراج علىّ بن عمرو، وعبد الله بن خلف.
وسار العزيز بهفتكين ومن معه من الأسرى عائدا إلى مصر.
وكان قد اصطنعه ومن معه وأحسن إليهم وجمعهم إلى هفتكين. وصار له بمصر عسكرا على رسم عسكر العراق. فلما نظر ابن كلّس الوزير ذلك خافه على نفسه فقتله بالسم على ما ذكر.
стр. 2668
وكان العزيز قبل عوده إلى مصر نفذ إلى دمشق واليا من العرب يقال له حميدان بن خراش العقيلى فى نحو من مئتى رجل. وكان بها يومئذ قسّام رئيس الشطّار المقدّم ذكره. وكانت كتب العزيز قد وردت عليه من قبل الانتصار على هفتكين. فلما جرى ما جرى أظهر قسّام الكتب وقرأها بالجامع، يعد فيها الرعية بالإحسان، ويترك الخراج إن هم منعوا هفتكين من الدخول إلى البلد. ثم ولى حميدان العقيلى، حسبما ذكرنا، وأتى دمشق. فكان (ص ١٢٤) من تحت أوامر قسّام، ثم إنه وقع بينه وبين حميدان، فطرده من البلد وأخرجه أقبح خروج، ونهب داره، وخرج هاربا لا يلوى على شئ. وقوى أمر قسّام، واجتمع إليه الرجال، وكثر ما كان بيده، وقوى طمعه فى البلد، وتسمّى بملك الرّجال. وكان معه عامل من جهة السلطان يقال له الآمدى.
ثم ولى البلد بعد حميدان أبو محمود. ودخل دمشق فى نفر يسير.
وعاد يقف على باب قسّام يمتثل أوامره.
стр. 2669
ذكر سنة تسع وستين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وعضد الدولة فناخسرو مدبّر الممالك الخليفيّة.
وكان قد تقدّم القول أنّ أبا تغلب لما كسر هرب إلى زوزان، فأنفذ خلفه عضد الدولة العساكر، فهرب من زوزان إلى آمد، ثم سار إلى الرحبة، وكتب إلى العزيز بمصر يطلب الدخول إلى عمله والإقامة فيه. ثم سار فى برارى وجبال وأودية حتى خرج من حوران، ثم سار حتى نزل دمشق. فقال قسّام: لا يدخل أحد من أصحابه دمشق.
وكان جواب كتاب أبى تغلب قد ورد عليه بما يحب، وكتب إلى قسّام أن يمنع أبا تغلب من البلد. فسأل أبو تغلب الآمدىّ عامل الخراج أن تكون أصحابه يتسوّقون من البلد. فكان ذلك. وكان
стр. 2670
أبو تغلب قد طمع أن يولّيه العزيز دمشق. وكان قسّام قد خاف من ذلك. وكان لمّا نزل أبو تغلب من ظاهر دمشق قال ابن كلّس الوزير (ص ١٢٥) للعزيز: إنّ هذا الرجل إن تمكّن عظم شرّه.
والصواب أن نعمل فى هلاكه. فكانوا يكتبون إليه بكلّ ما يحب، ويكتبون إلى قسّام: لا تمكّن هذا من شئ فيطمع فى البلد. فضربوا بينهما. وأقام أبو تغلب بظاهر المزّة شهورا. فثقل على قسّام مقامه.
فلما كان فى بعض الأيّام وقف رجل أعجمىّ فى باب الجابية وكان متنبّذا وهو من أصحاب أبى تغلب، فحرّك سيفه وقال: أين هذا العيّار؟ فعظم على قسّام، وتخوّف أن تكون لأبى تغلب سلطنة عليه فيهلكه ومن معه. فانفسد الحال بينهما. وقال قسّام لأصحابه: إذا دخل أصحاب أبى تغلب فخذوهم. فأخذوا منهم تقدير سبعين رجلا، وقتلوا جماعة منهم، وخرج الذين أفلتوا إلى أبى تغلب وقد أخذت ثيابهم ودوابّهم. فلم يقدر على شئ يفعله. وكتب إلى مصر بذلك.
فأعجب ذلك الوزير ابن كلّس وحسّنه للعزيز.
ولمّا جرى على أصحاب أبى تغلب ما جرى طلبوا قوما من أصحاب قسّام فى الغوطة كانوا يأخذون الخفارات. فهربوا وقوى خوفهم.
وكتب قسّام إلى مصر يذكر أنّ أبا تغلب قد حاصر البلد، وقد مدّ يده فى الأعمال ونحن فى الحرب معه. فخرج من مصر غلام للوزير
стр. 2671
ابن كلّس يقال له الفضل فى عسكر كبير للحيلة على أبى تغلب وعلى العمل فى هلاكه. فنزل الرملة، وأرسل إلى ابن الجرّاح سجلاّ بولاية الرملة، وقال: إنّ هذا أبا تغلب يريد أن يسير إليها فيأخذها بسيفه، وأنا معين لك عليه.
وكان أبو تغلب قد سار من دمشق فترك الفوّار. وسار الفضل فنزل طبرية، وأرسل إلى أبى تغلب: نريد نجتمع. وكان الفضل فى القديم يهوديا، وكان أبوه طبيبا. فكبرت (ص ١٢٦) نفس أبى تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة أنّه يهودىّ الأصل.
فاتفق الحال بينهما أن يجلس كلّ واحد على سرير. فكان ذلك.
فجرت بينهما مخاطبة على أنّ ولاية الرملة له. وأخرج له بذلك سجلاّ، وأنه يقلع ابن الجراح منها. وقال له: أنا معين لك على ابن الجرّاح إذا كان بينكما حرب.
وسار الفضل إلى دمشق فجبى الخراج، وقبّض الجند، وزادهم فى العطاء، وزاد فى عسكره رجالا كثيرا. وسار عن دمشق وأخذ طريق السّاحل. وكان أبو تغلب قد نزل الفوّار وفتح أهراء كانت بحوران والبثنيّة فى مواضع كان أبو محمود عمرها وجمع فيها. وكان قد اجتمع إلى أبى تغلب العرب من بنى عقيل ومعهم شبل بن معروف، فسار بهم إلى الرملة. فهرب ابن الجرّاح منها. وأقبل يجمع من أمكنة من
стр. 2672
العرب وهو واثق أن الفضل معينا له. وكذلك كان ظنّ أبو تغلب.
وسار الفضل فنزل عسقلان وعسكر بها. وأقبل ابن الجرّاح بجموعه والتقى مع أبى تغلب، واصطلى القتال بين الطائفتين من العرب، وأبو تغلب قائم فى مصافه لم يكن جنده بالكثير. وكان معه أيضا جماعة من المغاربة صاروا إليه. فلما حملت عرب ابن الجرّاح على عرب أبى تغلب تقهقروا، وسار الفضل من عسقلان فاجتمع عسكره مع عسكر ابن الجرّاح بالاتفاق الذى كان بينهما. فقالوا لأبى تغلب: إنّ عسكر الفضل صاروا إلى عسكر ابن الجرّاح. فقال: على هذا كانت الموافقة بينى وبين الفضل. فلما رأى مغاربة الفضل قد حملوا على جيشه، تحقّق المكيدة، وانهزم جميع من كان معه، ثم انهزم هو فلم يدر أين يأخذ. وكان عليه حديد مانع وسيف قاطع. وهو من الفرسان المعدودين فى الحرب (ص ١٢٧) وتحته فرس سابق. فذكر أنّه لم يتقدّم إليه رجل إلاّ قدّه، وهو مولى. فتبعه رجل من أصحاب ابن الجرّاح يقال له مشيع، فصاح إليه: يا إنسان! اسمع منى يا إنسان. أنا أنجو بك. فظنّ أنّ كلامه حقّ. فسمع كلامه، وهو منه على بعد، فقال له: هذه الخيل التى أمامك هى خيلنا، وهذه الخيل التى حولك هى لنا، ولو وقفت علىّ لنجوت بك، وتحلف
стр. 2673
لى على مال تعطينى إيّاه. وعاد يكلّمه وهو يقرب منه، وهو يظنّ أنه لا يقدر عليه. فلم يشعر به حتى طعن عرقوب فرسه. فوقف به الفرس، وأخذه أسيرا وأتى به إلى ابن الجرّاح. فأركبه جملا وأشهره بالرملة. ثم حبس فى مكان، فطلب شئ يتوسّد عليه فأتوه بشوك وقالوا له: يقول لك الأمير توسّد هذا. فأغلظ لهم فى القول وشتم ابن الجرّاح. فبلغه، فقتله صبرا وأحرقه بالنار.
وذلك لليلتين خلتا من صفر من هذه السنة.
وفيها كانت الفتنة بين عضد الدولة فناخسرو وابن أخيه. ونفد إليه الجيوش. وذلك الذى أشغله عن الشام ومصر وأخبارهما.
فلمّا أمن العزيز العساكر من جهة عضد الدولة نفد إلى دمشق سلمان بن جعفر بن فلاح فى أربعة آلاف من المغاربة، ووصل إلى دمشق فوجد قسّاما غالبا عليها. فنزل بستان الوزير فى زقاق الرمّان، وعسكره حوله. فثقل أمره على قسّام ورأى أميران تحكم فى البلد. وقد كان قسّام طمّع آماله وصنع أعلاما وطوارقا عليها صفة قحف. قيل إنه كان ترّابا زبّالا فجعل ذلك القحف رنكه.
وكان قسّام هذا أصله من قرية من جبل سنير يقال لها تلفيثا.
وكان من قوم يقال لهم الحارثيّون من بطن من العرب. فنشأ (ص ١٢٨)
стр. 2674
بدمشق. وكان يعمل على الدواب فى التراب والزبل وغيره. ثم إنّه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار ممن كان يطلب الباطل ويحمل السّلاح. فصار من حزبه، وترقّى أمره إلى ما ذكرنا.
وطال المقام على سلمان بن جعفر فى غير شئ، وليس فى يده ما ينفق. فأراد أن يظهر صرامة ليتمكّن من البلد. فقال لقسّام:
لا تحمّلن أحدا سلاحا. فأبوا عليه ذلك. فبعث إلى الغوطة من يسير فيها وينهى من يأخذ الخفارة أو يحمل السلاح. فعرّفوا قسّاما فقال: هذا ما لا يفكر فيه.
ثم إنّ أصحاب سلمان بن جعفر وجدوا رجلا يقال له حميد ومعه ثلاثة يحملون السلاح. وكان ممن يأخذ الخفارة لقسّام. فأخذوا رؤوسهم.
فكان ذلك سبب الحرب والقتال بين سلمان وبين قسّام.
ثم إنّ قسّاما جمع مشايخ البلد وكتب محضرا أشهد فيه على نفسه أنّه يحمى البلد ممن يحضر إليها من جهة عضد الدولة فناخسرو، ويمنعها منه. وأنفذه إلى مصر. فوقع ذلك بغرض العزيز بالموافقة.
وأنفذ رسلا من كتامة إلى سلمان أن يرتحل عن دمشق. فرحل عنها.
وكان مقامه بها شهورا من هذه السنة.
ورجع أبو محمود بعد مسير ابن فلاح إلى دمشق فى رسم وال، من طبرية، فى نفر يسير. وعاد أمر دمشق مستقّلا لقسام.
стр. 2675
وفيها كانت عدة زلازل عظيمة فى عدّة أماكن، حتى ظنّوا الناس أنها القيامة قد قامت.
وفيها توفى أبو عبد الله الحسين بن على البصرىّ، شيخ المعتزلة، ﵀.
стр. 2676
ذكر سنة سبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة: (ص ١٢٩)
الماء القديم أربعة وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وعضد الدولة فناخسرو بحاله.
والعزيز خليفة مصر.
والوزير مدبّر الدولة ابن كلّس بحاله.
وابن العدّاس على الخراج.
والقاضى ابن النعمان مستمر على ولايته.
ولمّا تمت للفضل الحيلة على أبى تغلب وقتل، عمدوا على الحيلة بابن الجرّاح وقسّام. فسار الفضل فى جيوشه وأظهر أنّه يريد حمص وحلب ليأخذهما من أيدى بنى حمدان. وكانتا، حمص وحلب، فى مدّة
.
стр. 2677
هذه السنين فى أيدى بنى حمدان حسبما يأتى من ذكرهم بعد ذلك.
فلم يزل الفضل حتى نزل دمشق. وعلم ابن الجرّاح أنّ المكيدة به واقعة. فتلطّف من جهة العزيز حتى عفا عنه، بعد أن أشرف على الأخذ فى حديث طويل.
وذلك فى صفر من هذه السنة.
وكانت البلاد قد خربت مع ابن الجرّاح، حتى كان الإنسان يدخل الرملة فيطلب شيئا يأكله فلا يجده، ويرى الفلاّحين والمزارعين فى الأسواق يسألون الناس. وكان هذا الخراب والمجاعة فى أكثر بلاد الشام ما خلا حمص وحلب. فإنّه كان بحمص غلام تركى يسمى بكجور قأحسن السياسة فعمرت بلاده.
стр. 2678
ذكر شئ من حديث بنى حمدان وبكجور
قد تقدم القول فى ذكر بنى حمدان، وكان أول من ملك حلب منهم الحسين بن سعيد أخى أبى فراس، انتزعها من أحمد بن سعيد الكلابى صاحب الإخشيد. ثم ملكها سيف الدولة أبو الحسن علىّ ابن عبد الله بن حمدان فى سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة. ثم صارت إلى ولده سعيد الدولة أبى المعالى.
(ص ١٣٠) وكان من حديث بكجور أنّه كان مملوكا لقرعويه التركى مملوك سيف الدولة بن حمدان. وكان قرعويه قد تغلّب على حلب بعد سيف الدولة وأخرج ابن أستاذه منها فى حديث طويل. فسار ابنه أبو المعالى لمّا غلبه قرعويه فنزل ما بين حماة وحصن برزويه بعسكره.
وكانت حمص فى ذلك الوقت قد أخربها الروم، فنزل أرقطاش التركى غلام سيف الدولة من حصن برزويه فلقى أبا المعالى مولاه، وأخرج له أموالا عمّر بها حمص، ونزلها أبو المعالى، وعمرت حمص. وكانت الروم دخلوها فى سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة وهى الدخلة الأولى، وزادت العمارة سنة فى سنة، وأبو المعالى يقوى بها. وكان قرعويه قد استناب غلامه بكجور.
فلما قوى قبض على قرعويه وحبسه فى قلعة حلب. وملك حلب.
وأقام بها نحوا من خمس أو ست سنين. وكوتب أبو المعالى من حلب وطمع فى أخذ البلد من رجال من أعوان قرعوية أن يكونوا معينين له
стр. 2679
على تسليم البلد من بكجور. فجمع بنى كلاب ومن أمكنه وسار حتى إذا صار على معرّة النّعمان فتحها، وأخذ منها غلاما يقال له توزين فقتله. وسار فنزل على حلب. وذلك فى سنة ست وستين وثلاث مئة.
فأقام بها نحوا من أربعة أشهر. ثم فتحها بالحيلة فى حديث طويل.
وتحصّن بكجور فى القلعة، ونزل عليها أبو المعالى، ثم توسطوا بينهما أن ينزل من القلعة بكجور ويولّيه حمص. وتعاهدا على ذلك. فنزل بكجور من القلعة، فوفى له بالعهد وولاّه حمص فى هذه السنة المذكورة. فعمّر وزاد وأحسن السياسة. وكان أمره كل يوم فى (ص ١٣١) زيادة.
وعمر الطرقات من حمص إلى دمشق. وضربت إليه بنو عدى فأحسن إليهم وأنزلهم من أرض حمص إلى أرض دمشق. وكانت تنزل خيلهم فى أطراف الغوطة فى أوقات. والناس معهم تحت الخوف إلاّ قافلة تسير فى طريق حمص. وعمد بكجور إلى الأماكن المخيفة فعمر فيها أماكن وأبرجة منها الغسولة. وكذلك فى طريق طرابلس من حمص. فحسن حال بلده، وكثر المسافر إليه. وأمنت المواضع المخيفة. وكان الناس يعدمون ذلك فى غير عمله. وكان بكجور يكاتب العزيز نزارا بمصر ويكاتبه. وكان قد سيّر إليه أن يوليه دمشق. وكان العزيز قد رغب فى الجند وحملة السلاح فاصطنعهم وأجرى لهم أرزاقا وقدّمهم على المغاربة.
وكان وزيره ابن كلّس قد أسّس له ذلك.
وفيها توفى عضد الدولة فناخسرو، وقيل فى سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة.
стр. 2680
ذكر سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ثلاثة أذرع وسبعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وعضد الدولة مدبّر المملكة إلى حين توفى فى هذه السنة فى شوّال.
وولى الملك مكانه ولده صمصام الدولة أبو كاليجار.
وورد الخبر بموته على الوزير ابن كلّس. فدخل إلى العزيز فبشّره فخلع عليه. وكان يخشاه ويخافه. فلما أمن من جهة عضد الدولة جهّزوا إلى الشام عسكرا وجعلوا (ص ١٣٢) عليه غلام يقال له المصطنع.
стр. 2681
وكان قد اتّفق لهم أنّ بشارة الذى تقدم ذكره فى هذا الكتاب أنفسد أمره مع مولاه أبى المعالى بن سيف الدولة بحلب. فهرب ومعه مئة رجل من أصحابه إلى مصر. وكان ذلك موافقا لابن كلّس. فأحسن إليه وأكرمه وولاّه طبرية فى هذه السنة. فلما ولى بشارة طبرية استجلب إليه الرجال من جند حلب، وضبط وعمر، وقوى أمره بها.
وابن الجرّاح فى فلسطين يخربه ويأخذ أمواله. ولم يزل الحال كذلك حتى دخلت سنة اثنين وسبعين وثلاث مئة.
стр. 2682
ذكر سنة اثنين وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ثلاثة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
وكان النيل فى سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة قد بلغ من الزيادة إلى خمس عشرة ذراعا وإصبعين. ثم نزل حتى بلغ أربعة عشر ذراعا لعشر خلون من توت. ثم ردّ زيادته وبلغ ما ذكرناه بعد الخوف والوجل، ووقع الهيج فى الناس.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع بحاله حسبما تقدّم من ذكر ذلك فى السنة الخالية.
والعزيز كذلك بمصر.
стр. 2683
وفيها كان الغلاء والوباء بمصر. وفنى عالم عظيم لا يعلم عدّتهم إلاّ الله . والعساكر مهتّمين للخروج وهم وجلين من ابن الجرّاح.
ثم إنّ ابن كلّس الوزير انتدب صبيا من الأتراك يقال له بلتكين التركى كان قد أهداه له هفتكين المقدّم ذكره. فولاّه أمر الجيش، وعزل المصطنع. فسار الجيش من مصر يجمع أجناس متفرّقة من عرب وعجم وترك وديلم ومغاربة ومصريّين وغير ذلك. فنزل الرملة، وهم تحت خوف ووجل. وتباعد ابن الجرّاح. وكان قد قوى جدا، ومعه أيضا عجم وجند يرمون بالنشّاب. وقد اجتمع إليه عرب كثير.
وسار بشارة من طبرية. فاجتمعت العرب من قيس مع المغاربة. ثم انتشب الحرب بين الفريقين (ص ١٣٣) فجرى بينهم قتال يشيّب الأطفال.
ثم إنّ بلتكين التركىّ، وهو مقدّم الجيش، انتدب معه جماعة من الترك وخرج على أصحاب ابن الجرّاح من خلفهم لمّا اشتد القتال.
فانهزموا، وأخذهم السيف، ونهب عسكرهم. وانهزم ابن الجرّاح نحو الشمال حتى أخذ إلى أرض حمص فى البرّية. وأخذ فى جبل ابن مسعود حتى نزل على أنطاكية فاستجار بصاحبها فأمّنه.
стр. 2684
وكان قد اتفق أنّ بادرس ملك الروم خرج من قسطنطينية فى عسكر عظيم يريد أرض الإسلام. وكان ابن الجرّاح لما نزل على أنطاكية خاف من الروم أن يقبضوا عليه ويشدّوه ويبيعوه إلى المغاربة أو لأبى المعالى ابن حمدان فيأخذه بما أسدى إليه من قتله أبى تغلب وإحراقه.
فكاتب عند ذلك بكجور خوفا على نفسه. وكان قد علم بخروج الروم. وكان بلتكين قد سرى خلف ابن الجرّاح حتى وصل عسكره إلى دمشق. وعلم أنّ ابن الجرّاح وصل أنطاكية. فرجع عن دمشق إلى حصن كان له فى أيام هفتكين نحو جبال الشراة يقال له الكرك.
فأخذه، وقتل من كان به. وكتب بذلك إلى مصر. فورد جوابه أن انزل على دمشق واجتهد فى أمر قسّام.
وتحقق قسّام ذلك وهو بدمشق. فجمع الرجال من الغوطة وغيرها ورمّ شعث السّور، وضبط الأبواب، ونصب العرّادات. ونزل بلتكين التركى دمشق، وذلك فى ذى الحجة من هذه السنة. وكان على العطاء بالجيش ميشا بن الفرّار اليهودى. فتلطّف فى أمر قسّام أن يجرى أمره على غير قتال فلم يمكنه. وكان مع قسّام بدمشق جيش من الصمصامة شبه والى (كذا) من تحت أوامر قسّام، ومعه طائفة من المغاربة.
стр. 2685
وكان قد ولى (ص ١٣٤) البلد بعد وفاة خاله أبو محمود سنة سبعين وثلاث مئة. فلما نزل بلتكين على ظاهر المزّة خرج إليه فسلّم عليه وعرّفه ما هو فيه من الضيقة مع قسّام، وأنّه قد انتدب للحرب. وكان بلتكين فى جيش كبير، ولم يكن خرج للمغاربة قبله أقوى منه، أكثرهم يرمون بالنّشاب. ثم كانت مراسلة بين ابن الفرّار وبين قسّام فى أن يسلّم البلد ويكون آمنا هو ومن معه، فلم يوافق على ذلك. ولم يزل الحال كذلك حتى دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة.
стр. 2686
ذكر سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع فقط
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبعان.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وبنى بويه على ما هم عليه بعد خلف كثير وقع بين أولاد عضد الدولة على الملك والرياسة. والمستقرّ منهم فى هذه السنة شرف الدولة أبو الفوارس.
وقبض على صمصام الدولة وسمل.
والعزيز بمصر.
وقبض فى هذه السنة على الوزير ابن كلّس وعلى سائر أصحابه، وعاد التدبير إلى أبى محمد بن عمشار المغربىّ. والخراج إلى ابن العدّاس، والقاضى ابن النعمان بحاله.
стр. 2687
فلما كان التاسع عشر من المحرّم وقع الحرب بين عساكر بلتكين وبين قسّام وأصحابه. وكان قد ورد كتاب من العزيز على بلتكين بحصار دمشق. فلما كان يوم الخميس ركب بلتكين وركب الجيش ووقع القتال، ولم يقاتل مع قسّام إلاّ من كان من حزبه من العيّارين ورجّالة القرى الذين جمعهم، وتنحوا (ص ١٣٥) عند أهل البلد لما فى قلوبهم منه، واستمرّ القتال والحصار إلى يوم الخميس الآخر. فكان مدّة هذا الحصار ثمانية أيام. ووقع الاتفاق أن يتسلم بلتكين البلد، ولا يتعرّض لقسّام ولا لأحد من أصحابه. وولّى البلد فى ذلك النهار حاجبا يسمى خطلخ فى خيل ورجل.
ثم إن قسّام تخوّف فاختفى. ونودى عليه بالمدينة فلم يوجد.
فدلّوا على زوجته وولده فوجدوهم فى كنيسة اليهود فأخذوا. وكان قسّام قد اختفى عند رجل فقير لا يؤبه إليه. فلما دخل الليل خرج إلى العسكر فوقف على خيمة ابن الفرّار اليهودى. فقال لمن حوله:
رجل يريد الاجتماع بالريّس. قالوا: ومن هو؟ قال: قسّام.
فدخل بعضهم فعرفه. ودخل عليه على أمان. ثم بعث إلى بلتكين:
قد جاءنى قسّام مستأمنا. فانفذ بلتكين من ساعته حاجبه فى جماعة معهم قيد، فأخذوا قسّاما وقالوا له: مدّ رجليك. فقال: أنا جئتكم فى أمان. فرفع الحاجب الدبّوس فضربه به ثلاثا، وقيّد. ثم حمل بعد ذلك إلى مصر فعفى عنه على ما ذكر.
стр. 2688
وقد تقدّم ذكره وأصله وسبب توصّله. وهذا هو الرجل الزبّال الذى يعنون الناس عنه أنّه ملك دمشق. وربما آثار رنكه القحف على الطوارق، وجدت بدمشق إلى حين عبور قازان البلاد، والله أعلم.
عاد القول إلى ذكر بكجور
ثم إنّ بكجور وقع بينه وبين أبى المعالى بن سيف الدولة فى هذه السنة. وكان تحت وعد العزيز أن يولّيه دمشق. وكان العزيز قد رضى على وزيره ابن كلّس وأعاده إلى ما كان عليه، ووهبه خمس مئة غلام من الباسية وألف من المغاربة. وكان العزيز قد كتب إلى بكجور بولاية دمشق وكتب إلى بلتكين أن يسلّمه (ص ١٣٦) دمشق. فتقاعد بلتكين عن تسليمه.
وكان قبل ذلك قد كتب بكجور إلى العزيز: أنفذ لى جيش آخذ لك حلب. فنفذ له. وكان بكجور قد جمع خلقا من بنى كلاب، فسار بجميع الجيوش حتى نزل حلب فحاصرها مدة يسيرة، وبادريس ملك الروم على أنطاكية. فعمل على أن يكبس على بكجور، وهو على حصار حلب. فكتب إليه ابن الجرّاح يحذّره ذلك. فارتحل عن حلب. وسار عسكر الروم خلفه. وسبق بكجور حتى نزل حمص.
وشال جميع ما كان يعزّ عليه ويملكه إلى بعلبكّ. وارتحل إلى جوسية
стр. 2689
ومعه خلق مجفلين. وسار بادريس فى إثر بكجور فنزل على ميماس حمص فلم يعرض للبلد، ودخل المدينة ونظر الكنيسة وخرج من البلد، ورحل يريد البقعة طالبا طرابلس. فذكر أنه أنفذ إلى حمص رسولا يقول لهم: نريد مالا. فقال أهل حمص: هذا بلد خراب ليس فيه مال. فرجع ونزل حمص وقال لأهلها: من خرج من البلد فهو آمن. فخرج قوم وجلس قوم. فدخل عسكره البلد فنهب وسبى وأحرق الجامع. ودخل كثير من الناس فى مغاير نحو الباب الشرقى، فدخّن عليهم فقتلهم الدخان. ولم يعرض للقرى، ولا لمن هرب إليها.
وكان دخول الروم حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، وهى دخلة الروم الثانية حمص.
وقال قوم: إنّ أبا المعالى ابن سيف الدولة خاف بكجور فبعث إلى بادريس أن أخرب حمص. فإنّ الروم كانوا مهادنين حلب وهى فى خفارتهم.
ولم يزل بلتكين يسوّف بكجور الأوقات فى تسليم دمشق بمكاتبات الوزير ابن كلّس إلى بلتكين. وكان الوزير لا يودّ أن يكون بكجور بدمشق، فلما علم العزيز أنّ بكجور ممنوع من التسليم (ص ١٣٧) وفهم أنّ ذلك من مكر الوزير أنفذ رجلا من الكتّاب يقال له ابن غياث ومعه خلع، وكتب إلى بلتكين وبكجور وسائر القوّاد. فخلع على بكجور
стр. 2690
وبلتكين وأمره بالمسير والتسليم لبكجور، فسلّم إليه البلد وعاد بلتكين متوجّها إلى مصر يوم الأحد مستهل رجب من هذه السنة.
ودخل بكجور يوم السبت لسبع خلون من رجب. وكان قد علم أنّ الذى كان صدّه هذه المدّة عن ولاية دمشق ابن كلّس الوزير.
وكان لابن كلّس بأعمال دمشق ضياع، ووكيله بها رجل يقال له ابن أبى العود. وكان يهوديا. فشرع فى معاندة الوكيل، وحطّ على جميع أملاك الوزير ابن كلّس، وعمل على الوكيل حتى ذبح فى بيته.
فلما بلغ الوزيز ذلك غمّه وقال للعزيز: هذا أول عصيان بكجور وسوف ترى ما يكون منه. وكان ابن الجرّاح قد قدم معه وصار فى جملته.
وقد أقام بكجور بالبلد يظلم ويجور ويعسف بالنّاس ويجمع الأموال لنفسه مدّة سنة أربع وسبعين وسنة خمس وسبعين إلى سنة ست وسبعين حسبما يأتى من ذكر ذلك.
وفيها غلت الأسعار جدا بمصر والشام والعراق، وجاع الناس مجاعة عظيمة، وبلغ الكيل الحنطة مالا جزيلا لا يصدّقة العقل.
وفيها توفى معين الدولة بجرجان والله أعلم.
стр. 2691
ذكر سنة أربع وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع فقط مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وشرف الدولة بن بويه مدبّر المملكة (ص ١٢٨).
والعزيز بمصر.
والوزير ابن كلّس مدبّر الدولة. وقد قوى أمره كأعظم مما كان.
والغلاء مستمرا، والناس فى مجاعة لا رأوا مثلها فى سائر الأقاليم.
وعمّ الغلاء حتى جزائر الفرنج مع بلاد الروم، وكانوا سنين صعبة.
стр. 2692
فنعوذ بالله من أمثالهم ونسأله الإعانة على ما بقى إنّه ولىّ ذلك والقادر عليه.
وفيها توفيا عقيل وتميم ولدى المعز بالله فى ذى القعدة منها.
وفى سنة أربع وسبعين توفى القاضى علىّ بن النعمان وولى مكانه أخوه أبو عبد الله محمّد.
стр. 2693
ذكر سنة خمس وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع واثنين وعشرين إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشرة ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطايع لله أمير المؤمنين.
وتوفى شرف الدولة ابن عضد الدولة.
وولى الأمر بتدبير الممالك الخليفية بهاء الدولة أبو نصر.
والعزيز بمصر.
والوزير ابن كلّس مدبّر دولته.
وفيها ولد الحاكم منصور ابن العزيز فى تاريخ ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 2694
ذكر سنة ست وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وبهاء الدولة أبو نصر مدبّر المملكة.
والعزيز بمصر.
والوزير ابن كلّس مدبّر الدولة العزيزية.
والخراج لابن العدّاس.
وصاحب الشرطة ميمون بن دية، وخليفته ابن سعد الحلولى المغربى.
والقاضى أبو عبد الله محمد بن النعمان. والله أعلم.
(ص ١٣٩) وفيها توفى شاذى الكردى صاحب آمد، وملك ابن أخيه مروان.
стр. 2695
وفيها أنفذ حاجب كان بالرقّة، ممن ولاّه فناخسرو، إلى بكجور بأن يسلّم الرقّة إلى العزيز خليفة مصر. وذلك أنّ أولاد فناخسرو لما اختلفوا من بعده خشى هذا الحاجب على نفسه من بهاء الدولة الذى تولّى منهم. فأنفذ إلى بكجور بسبب ذلك. فأنفذ بكجور إليها غلامه وصيقا فى عسكر فأخذها. ووجد الحاجب الذى بها عليلا فلم يلبث إلاّ القليل حتى مات الحاجب. فأخذ وصيف موضعه، وأقبل بكجور يسير إليه بما يجمعه بدمشق من الأموال والسلاح وغيره.
стр. 2696
ذكر سنة سبع وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وقيل فى هذه السنة توفى شرف الدولة بن عضد الدولة وتولى أخوه بهاء الدولة حسبما تقدم من ذلك.
والعزيز خليفة مصر والشام.
وبكجور بدمشق من قبل العزيز.
وقصد الوزير ابن كلّس أن يتحيّل على بكجور بمن يقتله غيلة.
فأنفذ إلى غلام نصرانى عطّار يسمى ابن الكويّس من أهل دمشق فوعده أن يرفعه إن هو احتال على قتل بكجور. فاطّلع بكجور على ذلك. فقبض على ابن الكويّس مع جماعة من أصحابه فأكحلهم وصب
стр. 2697
ابن الكويّس، بعد ما استصفى ماله، ومعه رجلان يقال لأحدهما السويق والآخر يعرف بابن البازل صلبهما أيضا فماتوا جميعا. وذلك فى شهر رمضان، (ص ١٤٠) وضيّق على وكلاء الوزير ابن كلّس، فكانت أمورهم معه تجرى على ذلّ عظيم، وهم يكتبون بذلك إليه.
وكان المتولّى لأمور السلطان بدمشق ابن أبى العود الصغير. وكان قد ولى الأمر بعد قتل أخيه. وكان بكجور قد جار بدمشق جورا عظيما. وكان مذ ولّى لم يترك القتل والصلب. وكانت الكتب ترد عليه من العزيز فيعمل بضدّها.
ولم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة.
وفى سنة سبع خرجت العساكر إلى الحجاز من مصر وعادت الحجاز بيد المصريّين. وعاد الجيش من الحجاز فى سنة ثمان وسبعين ومعهم رأس ابن أبى حازم.
وفى سنة سبع كانت الزلزلة بمصر، وكذلك بالموصل، وهدمت آدر كثيرة من الإقليمين.
وفيها تأخرت الأمطار إلى نصف كانون وتلف جميع ما بدروه الناس
стр. 2698
ذكر سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين.
وبهاء الدولة ابن عضد الدولة مدبّر الممالك الخليفية.
والعزيز بمصر.
والوزير ابن كلّس بحاله مدبّر الدولة.
وفيها خرج منير الخادم من مصر فى جيش عظيم بسبب بكجور وابن الجرّاح. وكتب إلى العرب من قيس وغيرها بالمسير مع منير وقلع ابن الجرّاح. وكانت العرب من قيس تنزل أرض عمّان. وسار منير فنزل الرملة، وجمع إليه الولاة والنوّاب من سائر الأعمال. وكان بكجور قد وقع بينه وبين بشارة والى طبرية. فأنزل ابن الجرّاح
стр. 2699
السواد وطمّعه فى ضياع ابن كلّس الوزير وكاشف بالعصيان. وأخلى بشارة لابن الجراح السواد خوفا منه. فلما قارب منير السواد تباعد ابن الجرّاح إلى أعمال دمشق.
ثم إنّ بكجور جمع إليه بنى كلب واستعد للقتال. ونفذ منير سرية من بنى عقيل وفزارة فوقعوا على فرقة (ص ١٤١) من عرب ابن الجرّاح فأتوا عليها. ونزل منير الخادم على الفوّار شهرين ليس له جسارة على بكجور ولا على ابن الجرّاح. وكان ابن الجرّاح انهزم من سريتهم فطمعوا فيه. وكان المدبّر لعسكرهم ابن الفرّار اليهودى المقدم ذكره. فراسل بكجور: إنّا لم نجئ لقتالك، وإنما جئنا لنخرج ابن الجرّاح من العمل لفساده. فالواجب أن تكون أنت معين للسلطان عليه، ونسير بعد ذلك إلى حلب وأنطاكية.
فعلم بكجور أنّ ذلك خديعة له. وكان قد اشتدّ خوفه وقلقه من أهل البلد لما كان أسداهم من قبيح السيرة فيهم. فسيّر إلى ابن عليّان العدوى، فأتاه فى خيل ورجل. وأضاف إليهم بكجور ثلاث مئة رجل من <بنى> جعفر بن كلاب. وأنفذهم ولم يخرج من المدينة خوفا من أهلها لا يمنعونه من العود إليها. وبلغ منير وبشارة مسير القوم إليهم، فقدّروا أنّ بكجور وابن الجراح والجمع بأسره يأتيهم. فشدّوا
стр. 2700
عليهم. وتقدّمت كلّ طائفة إلى الأخرى، فحملوا بجمعهم على الكلبيين والعدويّين فلم يثبتوا لهم. فهزموهم حتى لحقوهم بحيطان داريا. فرجعوا فى أسوإ حال إلى بكجور. فاشتدّ عند ذلك خوفه، وراسل القوم:
إنى أسلم إليكم البلد وأرحل عنها. واتفق الحال بينهم على ذلك.
فخرج ليلة الثلاثاء النصف من رجب من هذه السنة وسار بماله ورجاله إلى الرقّة، ورجع عنه عليّان العدوى وابن الجرّاح فدخلوا البرية.
وكان منير وبشارة وابن الفرّار قد نفذوا إلى نزّال والى طرابلس بأن يأتيهم ليكونوا يدا واحدة على بكجور، فلم يأتيهم إلى يوم الخميس بعد خروج بكجور. وكان هذا سبب موافقتهم لبكجور على الخروج.
فلما بلغ الوزير ابن كلّس ذلك (ص ١٤٢) وأن بكجور خرج سالما وصار بالرقة خشى عاقبته. ثم بلغه أنه قد ولى حمص من قبل أبى المعالى صاحب حلب فقال: يجاورنا بكجور وقد جاهرناه بالعداوة؟ وكان بكجور قد عاد إلى حمص بولاية أبى المعالى له. فكاتبه ابن كلّس بمكره وخديعته: إنّا لم نريد انتزاحك عن دمشق، وإنما كان المقصود ابن الجرّاح فتستمر على ضياعك وما كان مقررا لك بدمشق على عادتك، فإنّ أمير المؤمنين لم يأمر فيك بعزل.
فقبض بكجور تلك السّنة مغلاّته وخراجه مع جميع ما كان له بأعمال دمشق من غير معارض له فى ذلك.
следующие страницы →