← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ذكر سنة سبع وسبعين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين. وقيل فى هذه السنة توفى شرف الدولة بن عضد الدولة وتولى أخوه بهاء الدولة حسبما تقدم من ذلك. والعزيز خليفة مصر والشام. وبكجور بدمشق من قبل العزيز. وقصد الوزير ابن كلّس أن يتحيّل على بكجور بمن يقتله غيلة. فأنفذ إلى غلام نصرانى عطّار يسمى ابن الكويّس من أهل دمشق فوعده أن يرفعه إن هو احتال على قتل بكجور. فاطّلع بكجور على ذلك. فقبض على ابن الكويّس مع جماعة من أصحابه فأكحلهم وصب

стр. 2697

ابن الكويّس، بعد ما استصفى ماله، ومعه رجلان يقال لأحدهما السويق والآخر يعرف بابن البازل صلبهما أيضا فماتوا جميعا. وذلك فى شهر رمضان، (ص ١٤٠) وضيّق على وكلاء الوزير ابن كلّس، فكانت أمورهم معه تجرى على ذلّ عظيم، وهم يكتبون بذلك إليه. وكان المتولّى لأمور السلطان بدمشق ابن أبى العود الصغير. وكان قد ولى الأمر بعد قتل أخيه. وكان بكجور قد جار بدمشق جورا عظيما. وكان مذ ولّى لم يترك القتل والصلب. وكانت الكتب ترد عليه من العزيز فيعمل بضدّها. ولم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة. وفى سنة سبع خرجت العساكر إلى الحجاز من مصر وعادت الحجاز بيد المصريّين. وعاد الجيش من الحجاز فى سنة ثمان وسبعين ومعهم رأس ابن أبى حازم. وفى سنة سبع كانت الزلزلة بمصر، وكذلك بالموصل، وهدمت آدر كثيرة من الإقليمين. وفيها تأخرت الأمطار إلى نصف كانون وتلف جميع ما بدروه الناس

стр. 2698

ذكر سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين. وبهاء الدولة ابن عضد الدولة مدبّر الممالك الخليفية. والعزيز بمصر. والوزير ابن كلّس بحاله مدبّر الدولة. وفيها خرج منير الخادم من مصر فى جيش عظيم بسبب بكجور وابن الجرّاح. وكتب إلى العرب من قيس وغيرها بالمسير مع منير وقلع ابن الجرّاح. وكانت العرب من قيس تنزل أرض عمّان. وسار منير فنزل الرملة، وجمع إليه الولاة والنوّاب من سائر الأعمال. وكان بكجور قد وقع بينه وبين بشارة والى طبرية. فأنزل ابن الجرّاح

стр. 2699

السواد وطمّعه فى ضياع ابن كلّس الوزير وكاشف بالعصيان. وأخلى بشارة لابن الجراح السواد خوفا منه. فلما قارب منير السواد تباعد ابن الجرّاح إلى أعمال دمشق. ثم إنّ بكجور جمع إليه بنى كلب واستعد للقتال. ونفذ منير سرية من بنى عقيل وفزارة فوقعوا على فرقة (ص ١٤١) من عرب ابن الجرّاح فأتوا عليها. ونزل منير الخادم على الفوّار شهرين ليس له جسارة على بكجور ولا على ابن الجرّاح. وكان ابن الجرّاح انهزم من سريتهم فطمعوا فيه. وكان المدبّر لعسكرهم ابن الفرّار اليهودى المقدم ذكره. فراسل بكجور: إنّا لم نجئ لقتالك، وإنما جئنا لنخرج ابن الجرّاح من العمل لفساده. فالواجب أن تكون أنت معين للسلطان عليه، ونسير بعد ذلك إلى حلب وأنطاكية. فعلم بكجور أنّ ذلك خديعة له. وكان قد اشتدّ خوفه وقلقه من أهل البلد لما كان أسداهم من قبيح السيرة فيهم. فسيّر إلى ابن عليّان العدوى، فأتاه فى خيل ورجل. وأضاف إليهم بكجور ثلاث مئة رجل من <بنى> جعفر بن كلاب. وأنفذهم ولم يخرج من المدينة خوفا من أهلها لا يمنعونه من العود إليها. وبلغ منير وبشارة مسير القوم إليهم، فقدّروا أنّ بكجور وابن الجراح والجمع بأسره يأتيهم. فشدّوا

стр. 2700

عليهم. وتقدّمت كلّ طائفة إلى الأخرى، فحملوا بجمعهم على الكلبيين والعدويّين فلم يثبتوا لهم. فهزموهم حتى لحقوهم بحيطان داريا. فرجعوا فى أسوإ حال إلى بكجور. فاشتدّ عند ذلك خوفه، وراسل القوم: إنى أسلم إليكم البلد وأرحل عنها. واتفق الحال بينهم على ذلك. فخرج ليلة الثلاثاء النصف من رجب من هذه السنة وسار بماله ورجاله إلى الرقّة، ورجع عنه عليّان العدوى وابن الجرّاح فدخلوا البرية. وكان منير وبشارة وابن الفرّار قد نفذوا إلى نزّال والى طرابلس بأن يأتيهم ليكونوا يدا واحدة على بكجور، فلم يأتيهم إلى يوم الخميس بعد خروج بكجور. وكان هذا سبب موافقتهم لبكجور على الخروج. فلما بلغ الوزير ابن كلّس ذلك (ص ١٤٢) وأن بكجور خرج سالما وصار بالرقة خشى عاقبته. ثم بلغه أنه قد ولى حمص من قبل أبى المعالى صاحب حلب فقال: يجاورنا بكجور وقد جاهرناه بالعداوة؟ وكان بكجور قد عاد إلى حمص بولاية أبى المعالى له. فكاتبه ابن كلّس بمكره وخديعته: إنّا لم نريد انتزاحك عن دمشق، وإنما كان المقصود ابن الجرّاح فتستمر على ضياعك وما كان مقررا لك بدمشق على عادتك، فإنّ أمير المؤمنين لم يأمر فيك بعزل. فقبض بكجور تلك السّنة مغلاّته وخراجه مع جميع ما كان له بأعمال دمشق من غير معارض له فى ذلك.

стр. 2701

ذكر سنة تسع وسبعين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع فقط. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المطيع لله أمير المؤمنين. وبهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة فناخسرو ابن بويه مدبّر الممالك الخليفية. والعزيز بمصر. ومدبّر دولته الوزير ابن كلّس بحاله. والجيوش مع منير الخادم، وبشارة على دمشق.

стр. 2702

وبكجور بحمص من قبل أبى المعالى سعد الدولة بن سيف الدولة ابن حمدان. فلما تحقّق ابن كلّس إقبال صاحب حلب وهو أبو المعالى المذكور على بكجور شرع فى الفتنة بينهما بمكاتباته وحيله، حتى حصلت الوحشة بينهما حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.

стр. 2703

ذكر سنة ثمانين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: (ص ١٤٣) الماء القديم ثلاثة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين. ومدبّر ممالكه بهاء الدولة ابن عضد الدولة، وقد وقع الوحشة بينهما. والعزيز خليفة مصر على حاله. وفيها توفى الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلّس ليلة الاثنين لخمس خلون من ذى الحجة. وصلى عليه العزيز بنفسه. وكان إقطاعه من العزيز فى كلّ سنة مئة ألف دينار، ووجد له من الجوهر بتركته ما قيمته أربع مئة ألف دينار، ومن الذهب العين خمس مئة ألف دينار، ومن الأوانى والمصاغات والمركوب والملبوس ما قيمته مثلها،

стр. 2704

ووجد له من المماليك والعبيد والغلمان أربعة آلاف غلام، وثمان مئة حضيّة خارجا عن جوارى الخدمة. وكان ابن كلّس هذا أصله يهوديا من أهل بغداد، صاحب دهاء ومكر، خبيرا بأحوال الناس، ذو ذكاء وفطنة وكتابة وعبارة. ثم إنه خرج إلى الشام فنزل الرملة فجلس وكيل للتجار بها. فلما اجتمعت عنده جملة من أموال التجار أخذها وهرب إلى مصر. وكان ذلك فى أيام كافور الإخشيدى صاحب مصر يومئذ. وكان إذا دخل ضيعة تعرّف جميع أحوالها على صحّة. ثم كثرت أحواله بمصر فكان لا يسأل عن شئ من أمور القرى والضياع فى إقليمى مصر والشام إلاّ أخبر بذلك عن صحّة. فبلغ خبره كافور. فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا. فبلغه ذلك. فطمع فى الوزارة. فدخل يوم جمعة الجامع بمصر وقال: أنا مسلم على يد الأستاذ كافور. (ص ١٤٤) فبلغ الوزير ابن حنزابة ما هو عليه، وما قصد أن يكون، وما قد طمع فيه، فقصده بالمكروه. فهرب منه إلى المغرب وقصد إلى يهودا كانوا مع أبى تميم، وهم المتولّين على أمره، فصارت له عندهم

стр. 2705

درجة. ونظروا منه إلى رجل فيه تدبير وفطنة وذكاء. فكان عندهم مقدّما. ولم يزل معهم إلى أن أخذ أبو تميم وهو المعزّ مصرا. فسار معه إليها. فلما توفى أبو تميم وجلس ولده نزار وهو العزيز على الأمر استوزره فى سنة خمس وستين وثلاث مئة، فلم يزل مدبّرا لأمره حتى توفى فى ذى الحجة من هذه السنة. قلت: وهذا هو الصحيح. فإنّ ابن كلّس لم يل الوزارة إلاّ فى أيّام نزار، ولم يكن له فى أيّام المعزّ وزارة. والله أعلم.

стр. 2706

ذكر سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السّنة: الماء القديم ثلاثة أزرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الطائع لله أمير المؤمنين إلى أن خلع فى هذه السنة، قبض عليه بهاء الدولة أبو نصر ابن عضد الدولة يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة. وهى هذه السنة المذكورة، وخلع نفسه بعد أن بويع للقادر بالله. وقطع شئ من إحدى أذنيه فيما يذكر. وتوفى يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. مدّة ولايته الأمر سبع عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام. صفته: ربعة، أبيض إلى صفرة، أجعد، كثّ، والله أعلم. نقش خاتمه: الطائع لله مطيع. وقد تقدم ذكر وزرائه.

стр. 2707

ذكر خلافة القادر بالله بن إسحاق بن المقتدر وما لخّص من سيرته هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر جعفر. وباقى نسبه قد تقدّم. أمّه أمّ ولد تسمّى تمنى. بويع له لتسع بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة هذه السنة، وأحضر من البطايح، وأدخل إلى دار الخلافة، وجدّدت له البيعة فى شهر رمضان من هذه السنة المذكورة. ولم يزل خليفة إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر. دبّر ممالكه فى أيامه بهاء الدولة إلى أن توفى. فولى ابنه سلطان الدولة إلى أن توفى. فولى أخوه أبو على مشرف الدولة حتى توفى. فولّى أخوهما جلال الدولة بغداد خاصّة، وباقى الأعمال أبا كاليجار ابن سلطان الدولة. والعزيز بمصر خليفة. والقاضى بها محمد بن النعمان. وولاة الخراج علىّ بن عمر، وموسى بن سهل، وجبريل. وفيها ضمن علىّ بن عمر المعروف بابن العدّاس مال الدولة والنفقات. فنظر فى الأمور جميعها، وجلس فى القصر فى حجرة أفردت له، وفرش له مرتبة ديباج.

стр. 2708

وفيها قتل بكجور. وسبب ذلك أنّ القول تقدم أن ابن كلّس كان قد ألّب بين أبى المعالى بن سيف الدولة صاحب حلب وبين بكجور، حتى طمع كلّ واحد منهما فى أخذ الآخر. فاحتال أبو المعالى على بكجور، وكتب إليه بعض أصحابه من خاصة أبى المعالى بأذنه له فى ذلك: أن سر إلينا حتى نأخذ حلب ونحن معك على صاحبنا. فظن أنّ ذلك حق. فجمع وسار إلى حلب. وخرج إليه أبو المعالى فالتقوا فى موضع يقال له دوّارة الحمار. فاقتتلوا، وانهزم بكجور. فأخذه رجل من العرب وأتى به إلى أبى المعالى فضرب عنقه. وكانت هذه الوقعة يوم السبت مستهل (ص ١٤٦) صفر من هذه السنة. ثم سار أبو المعالى إلى الرقّة فأخذ ما كان لبكجور بها، وملك فى هذه السنة الرحبة ورجع إلى حلب. وتوفى أبو المعالى بن سيف الدولة لمذكور فى هذه السنة فى شهر رمضان، وطمع منير الخادم فى أخذ حلب كما يأتى ذكر ذلك.

стр. 2709

ذكر سنة اثنين وثمانين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين. ومدبّر ممالكه بهاء الدولة ابن عضد الدولة. والعزيز خليفة مصر. وقبض على ابن العدّاس واعتقل. وفوّض الأمر فى تدبير الدولة إلى أبى الفضل جعفر بن الفرات، ثم رفعت يده فى شعبان، وتفرّق تدبير الأموال والأحوال جماعة من الكتاب. منهم ابن مهلون، وعيسى بن نسطورس، ويحيى بن تمام، وإسحاق بن المنشا وغيرهم.

стр. 2710

وفيها غلت الأسعار بالعراق حتى أبيع الرطل الخبز بالبغدادى بأربعين درهم. وهلك عالم عظيم من الجوع، وانكشفت فى هذه السنة أحوال كثيرة من مساتير بغداد. وكان بدمشق ابن أبى العود الصغير من قبل السلطان على الأموال، وكان شديد المعاندة لمنير الخادم. ويكاتب فى حقّه أنه عاصى، وأنه يكاتب بغداد. فلما كثرت مكاتبته بذلك إلى العزيز، وكان العزيز قد اصطنع تركيّا يقال له منجوتكين، فجهّزه بعسكر كثيف إلى الشام. فلما صحّ عند منير أن ابن أبى العود قد استجلب عليه عسكرا قتله، وكاشف (ص ١٤٧) بالعصيان، ونزل العسكر مع منجوتكين التركىّ الرملة، ووافاهم بشارة والى طبريّة، وكتبوا إلى نزّال والى طرابلس أن ينزل على دمشق. وكان منير الخادم قد جمع رجاله من أهل دمشق ممن يطلب الباطل واعتدّ للحرب. والتقى منير ونزّال بمرج عذرا. فانهزم منير، وذلك <فى> التاسع عشر من رمضان هذه السنة. ولما انهزم منير أخذ فى الجبال حتى خرج إلى أرض جوسية يريد حلب. فخرجت عليه أحلاف العرب فأخذوه، وأتوا به إلى منجوتكين وهو بدمشق. فشهرّه منجوتكين على جمل، وأركب معه قردا، وشهر معه من أصحابه نحو مئة رجل

стр. 2711

على الجمال، وعليهم الطراطير. وذلك أنهم انقطعوا فدخلوا بعلبكّ، فأخذهم وال بها يقال له جلّنار فأحضرهم. وكان من أمرهم ما ذكرنا. وأقام منجوتكين بدمشق. وطمعوا فى أخذ حلب بعد موت سعيد الدولة أبو المعالى. ثم نزل منجوتكين حلب بعد ما اجتمع إليه خلق كثير من جبل السمّاق وغيره، وأجلب بخيله ورجله، وذلك فى سنة أربع وثمانين وثلاث مئة حسبما يأتى من ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 2712

ذكر سنة أربع وثمانين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين. ومدبّر ممالكه بهاء الدولة ابن عضد الدولة. والعزيز خليفة مصر، وولاة الأمور على ما تقدم. (ص ١٤٨) وفيها كان الحصار على حلب، والحمدانيين بها من قبل أبو المعالى بعد وفاته، ومنجوتكين المحاصر لها. فحاصرها نحو من شهرين فى هذه السنة. فتجمّعت الروم بأنطاكية مع واليها البرجى يريدون النجدة لحلب، لما كان بينهم من المهادنة والشروط. وكان قد خرج إليهم من داخل الروم رئيس لهم فى جمع كثير يقال

стр. 2713

له أصابع الذهب، فساروا بجموعهم حتى نزلوا على الروج نحو فامية على النهر المقلوب. فسار منجوتكين إليهم، ونزل مقابلهم، وكان عسكره أكثر من عسكر الروم. فلما نظرت الروم إليهم قال البرجى لأصابع الذهب: الصواب أن لا نبرز إليهم لأنهم أكثر منا. وقد كانت الروم فى القديم يخرجون لكلّ رجل من المسلمين عشرة منهم فى الحرب. فخالفه أصابع الذهب لجهله بذلك. فكانت الكسرة على الروم، وكسبوا منهم أموالا عظيمة. وقتل منهم نحو من خمسة آلاف رجل، وانهزم البرجى إلى أنطاكية، وعاد منجوتكين إلى حصار حلب، واشتدّ بأهلها الحصار وأكلوا الميتات، وخرج منها خلق كثير من الضرّ فاستباحتهم المغاربة. ولم يزل البلاء والحصار على حلب بقيّة سنة أربع إلى أن دخلت سنة خمس حسبما يأتى من ذكر ذلك.

стр. 2714

ذكر سنة خمس وثمانين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين. ومدبّر الدولة بهاء الدولة بحاله. (ص ١٤٩) والعزيز خليفة مصر. وغلب حمدان على الصعيد، فخرج إليه ابن الزبير وواقعه وأخذه أسيرا، ودخل به مصر على جمل وعلى رأسه طرطور. وفيها توفيت السيّدة والدة العزيز. وعزل الجعفرىّ عن إمامة الجامع، ووليه سليمان بن رستم. والقاضى محمد بن النعمان بحاله.

стр. 2715

وفيها وصل صاحب الروم إلى نجدة أهل حلب، بعد أن كادوا يهلكون جميعا. وقطع ملك الروم وهو بسيل الملك من قسطنطينية إلى حلب فى سبعة عشر يوما مسافة تقطعها القوافل فى شهرين، ولم يعلم أنّ أحدا من ملوك الروم فعل ذلك. ولما أحسّ بذلك منجوتكين رحل إلى حلب وسبق نزول بسيل الملك عليها بيومين، وأغاث الله أهل حلب بنزول الروم عليهم فخرجوا، وكثر الداخل والخارج، وأتتهم القوافل بالطعام، وعاشوا بعد موت. لكن حصل الجفل فى سائر تلك الأراضى خوفا من الروم. وكانوا المغاربة الذين مع منجوتكين على الناس أصعب من الروم فى النهب والفساد.

стр. 2716

ذكر سنة ست وثمانين وثلاث مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين. وفيها توفى بهاء الدولة. وولى ولده سلطان الدولة أبو شجاع، وعاد مدبّر الممالك الخليفيّة. والعزيز خليفة مصر، وهو مبرّز على العباسيّة، وصحبته القاضى ابن النعمان، وخليفته بالقاهرة ياس الأستاذ. وفيها توفى العزيز (ص ١٥٠) ببلبيس فى الحمّام لليلتين بقيتا من شهر رمضان من هذه السنة. وله إحدى وأربعون سنة وشهور. وكانت خلافته مصر وما معها إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام.

стр. 2717

وقيل كان عمره اثنان وأربعون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام والله أعلم. قلت: قد تقدّم القول فى ذكر مدائح من تقدمه من آبائه وجدوده. ولنذكر الآن ها هنا طرفا مما مدح به المعزّ والده، وما مدح هو به أيضا مما اخترناه من حرّ المديح الذى إليه قلب كل ذو لب يستريح.

стр. 2718

المعزيّات ابن هانئ الأندلسى محمد الذى فضل فى الإحسان أبناء جنسه، وسلك فى مدح الخلفاء طريقا لم يأنس فيها بغير نفسه، وأتى من المجالس الباهرة بما لم يعرف من قبله، وأبان بإعرابه عن غزارة طبعه وسعة فضله. فمن ذلك قوله من قصيدة افتتحها منها: هل كان ضمّخ بالعبير الرّيحا ... مزن يهزّ البرق فيه صفيحا ومنها: ولقد تجهّمنى فراق أحبّتى ... وعدا سنيح الملهيات بريحا وبعدت شأو مطالب وركائب ... حتى امتطيت إلى الغمام الرّيحا حجّت بنا حرم الإمام ركايب ... ترمى إليه بنا السّهوب الفيحا فتمسّحت لمم به شعث وقد ... جئنا نقبّل ركنه الممسوحا هل إلى الفردوس من أرب وقد ... شارفت بابا دونها مفتوحا فى حيث لا الشّعراء مفحمة ولا ... شأو المدايح يدرك الممدوحا

стр. 2719

يمضى العطايا والمنايا وادعا ... تعبت له عزماته وأريحا وأميّة تحفى السؤال وما لمن ... أودى به الطوفان يذكر نوحا قلت: وعلى ذكر الطوفان فلقد أحسن القائل ولا أرويه فى مدح عامل طرابلس الشام. والمشهور من ذلك قول أبى الطيّب المتنبى: وخشيت منك على البلاد وأهلها ... ما كان أنذر قوم نوح نوح ومن قصيدة ابن هانى: أنفذ قضاء الله فى أعدائه ... لتراح من أوتارها وتريحا بالسّابقين الأوّلين يؤمّهم ... جبريل يعتنق الكماة مشيحا فكأن جدّك فى فوارس هاشم ... منهم بحيث يرى الحسين ذبيحا وقلت: وهذا أبلغ ما قيل فى إغراء. وقصائد ابن هانى ومدائحه كثيرة، وإنما نتبع ما قيل من حرّ المدائح. فمن ذلك قوله: أغير الذى قد خطّ فى اللوح أبتغى ... مديحا له إنّى إذا لعنود ومن أخرى: إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله ... فسائل به الوحى المنزّل تعلم

стр. 2720

فأقسم لو لم يأخذ الناس فضله ... عن الله لم يعقل ولم يتوهّم وأىّ قوافى الشّعر فيك أحوكها ... وهل ترك التنزيل من متردّم يقال ردم ثوبه إذا رقعه. والمعنى هل ترك التنزيل قولا لقائل. وقوله: من يشهد القرآن فيه بفضله ... وتصدّق التوراة والإنجيل فافخر فمن أنسابك الفردوس إن ... عدّت ومن أحسابك التنزيل قلت: وكان سبب صلة محمد بن هانى بالمعزّ حكاية من أطرف ما يسمع وألطف حديث يرفع، وإن كان فيه طول وخروج عن القصد فى تلخيص التاريخ فإنه كما قيل: (ص ١٥٢) إن كان طال فإنّه ... ليل الوصال بأنسه قد قصرا (كذا) وذلك أنّ محمد بن هانى الأندلسى المذكور لما بلغه سماحة جعفر ملك الزاب واشتماله على الشعراء والفضلاء قصده وقطع إليه البحر، وصنع فى طريقه القصيدة التى لم تجد قصيدة جمعت <من> أوصاف النجوم ما جمعته، مع ارتفاع الطبقة وسعادة الطالع فى اطّراد النظم وحسن التأتّى. وها أنا أثبتها إلى أول بيت مخلصها وأردفه بما حسن من مديحها، وإنها إلى

стр. 2721

هنالك كالبيت الواحد، حسن نسق وخفّة مؤنة على السمع واتصال غوص، وهى هذه: أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا ... وبتنا نرى الجوزاء فى أذنها شنفا وبات لنا ساق يصول على الدجى ... بشمعة صبح لا تقطّ ولا تطفا أغنّ غضيض خفّف اللّين قدّه ... وأثقلت الصهباء أجفانه الوطفا ولم يبق إرعاش المدام له يدا ... ولم يبق إعنات التثنّى له عطفا نزيف قضاه السكر إلاّ ارتجاجه ... إذا كلّ عنها الخصر حمّلها الرّدفا يقولون حقف فوقه خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدّت لنا الظلماء من جلدها لحفا فمن كبد تدنى إلى كبد هوى ... ومن شفة توحى إلى شفة رشفا بعيشك نبّه كأسه وجفونه ... فقد نبّه الأبريق من بعد ما أغفى وقد فكّت الظلماء بعض قيودها ... وقد قام جيش الفجر للّيل واصطفا وولت نجوم للثريّا كأنّها ... خواتيم تبدو فى بنان يد تخفى

стр. 2722

ومرّ على آثارها دبرانها ... كصاحب ردء كمّنت خيله خلفا وأقبلت الشّعرى العبور ملبّة ... بمرزمها اليعبوب تجنبه خلفا وقد بادرتها أختها من ورائها ... لتخرق من ثنيى مجرّتها سجفا تخاف زئير اللّيث قدّم نثرة ... وبربر فى الظلماء ينسفها نسفا كأن السّماكين اللّذين تظاهرا ... على لبدتيه ضامنان له حتفا فذا رامح يهوى إليه سنانه ... وذا أعزل قد عضّ أنمله لهفا كأنّ رقيب النجم أجدل مرقب ... يقلّب تحت الليل فى ريشه طرفا كأنّ بنى نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن فى مهمه خشفا كأن سهيلا فى مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا كأنّ سهاها عاشق بين عوّد ... فآونة يبدو وآونة يخفى كأنّ معلّى قطبها فارس له ... لواآن مركوزان قد كره الزحفا كأنّ قداما النّسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافى به ضعفا كأنّ أخاه حين دوّم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا كأنّ الهزيع الآبنوسىّ وهنة ... سرى بالنسيج الخسروانىّ ملتفّا

стр. 2723

كأنّ ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يكرعها صرفا كأنّ عمود الفجر خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشىّ فاستخفى كأنّ لواء الشمس غرّة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا ومن مليح مديحها الذى يهزّ الجماد قوله: إذا أصلدوا أورى وإن عجلوا ارتأى ... وإن بخلوا أعطى وإن غدروا وفّا فللمجد ما أبقى وللجود ما أفتنى ... وللناس ما أبدى ولله ما أخفى قلت: ولاشتهار هذه القصيدة واشتغال القلوب بحفظها والآذان بسماعها عمل الخفاجى قصيدة على وزنها ومعناها، فمن غزلها: (ص ١٥٤) وهاتفة فى البان تملى غرامها ... علينا، وتتلو من صباباتها صحفا عجبت لها تشكو الفراق جهالة ... وقد جاوبت من كلّ ناحية إلفا ومن مدحها: ولو صدقت فيما تقول من الجوى ... لما لبست طوقا ولا خضبت كفّا وأبلج أحيا دارس العدل بعد ما ... ثوى، وشفى المعروف من بعد ما أشفا جرى سابقا فى حلبة المجد وحده ... وقال المعدّى كان الغمام له ردفا

стр. 2724

ولنعود إلى حكاية ابن هانى مع جعفر ملك الزاب. وكان لجعفر وزير يحسد من يقرب منه من أهل الفضل البارع. فعلم ابن هانى أنه إن علم بمقدار فضله حجبه أو أبعده قبل الوصول إليه. فاحتال أن لبس ثياب البداة الجفاة والتفّ فى كسائه وأخذ فى يده كتف دابة باليا وكتب متمسخرا: الليل ليل والنهار نهار ... والبغل بغل والحمار حمار والديك ديك والدجاجة زوجه ... وكلاهما طير له منقار ووقف على باب الوزير واستأذن أحد الحجاب وقال: قل للوزير شاعر قد جاء بقصيدة للملك. فقال: وأين قصيدتك؟ قال: تراها فى هذا العظم. فضحك الخادم من زيّه، وأطرف بذلك الوزير فقال: ما نطرف الملك بشئ مثل هذا. وأحضره وسمع شعره. فكاد يغشى عليه من الضحك. وأعلم به جعفرا. فقال: أدركنا به. فأدخله ووقف لينشد ما فى العظم. فأنشد هذه القصيدة الفائيّة المقدّم ذكرها من صدره. فبهت جعفر وكلّ من حضر. وكان مجلس جعفر محشورا من ولد سام وحام، فإنّ المنهل العذب كثير الزحام. فلما وصل إلى أوّل بيت من مخلصها لم يصبر عليه جعفر حتى (ص ١٥٥) قال له: بحياتى

стр. 2725

أنت ابن هانى؟ قال: نعم. قال: وما حملك على هذا؟ قال: هذا الوزير الذى لا يترك ذا أدب يقرب منك. فقال: والله لقد أحسنت فى التحيّل والتوصّل أضعاف إحسانك فى قصيدك. ثم خلع عليه من ملبوس نفسه وصيّره من أقرب جلسائه إليه. وقال له يوما: أريد منك غزلا ومدحا فى بيتين فقال: المدنفان من البريّة كلّها ... جسدى وطرف بابلى أحور والمشرقات النيّرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر وأكثر من مدحه ومدح أخيه يحيى. وفيهما يقول هذه القصيدة المشهورة على ألسنة الناس التى منها: فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدّكم فلق الصباح المسفر وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر أبنى العوالى السّمهريّة والسيو ... ف المشرفيّة والعديد الأكثر من منكم الملك المطاع كأنّه ... بين الكتائب تبّع فى حمير جيش فوارسه الليوث وفوقها ... كالفيل من قصب الوشيج الأسمر

стр. 2726

فى فتية صدأ الحديد عليهم ... وخلوقهم خلق النجيع الأحمر لا يأكل السّرحان شلو صريعهم ... ممّا عليه من القنا المتكسّر فبلغ المعزّ عنه وهو يوم ذاك بالقيروان، فأمر بوصوله إليه. فوصّل، وامتدحه بمدائح جليلة غاص فيها كلّ الغوص وأبدع فيها أحسن إبداع. وقد تقدم من ذلك ما يؤيد القول فيه. ومن ذلك أيضا: وطفقت أسأل عن أغرّ محجّل ... فإذا الأنام جبلّة دهماء حتى دفعت إلى المعزّ خليفة ... فعلمت أنّ المطلب الخلفاء هو علّة الدنيا ومن خلقت له ... ولعلة ما كانت الأشياء فاستيقظوا من غفلة وتنبهوا ... ما بالصباح عن العيون خفاء ليست سماء الله ما ترونّها ... لكنّ أرضا تحتويه سماء الشمس ترجع عن سناه جفونها ... فكأنّها مطروفة مرهاء هذا الشفيع لأمة تأتى غدا ... وجدوده لجدودها شفعاء للناس إجماع على تفضيله ... حتى استوى اللؤماء والكرماء ضرّاب هام الروم منتقما وفى ... أعناقهم من جوده أعباء لولا انبعاث السيف وهو مسلّط ... فى قتلهم قتلتهم النعماء جهل البطارق أنّه الملك الذى ... أوصى البنين بسلمه الآباء

стр. 2727

فى الله يسرى جوده وجدوده ... وعديده والعزم والآراء نزلت ملائكة السماء بنصره ... وأطاعه الإصباح والإمساء ملك إذا نطقت علاه بمحفل ... خرس الوفود وأفحم الخطباء والدهر والأيّام فى تصريفها ... والناس والخضراء والغبراء أين المفرّ ولا مفرّ لهارب ... ولك البسيطان الثّرى والماء قلت: وهذا من أجمع ما جاء فى معناه وأمدحه. والأصل الذى تفرع منه قول النابغة الذبيانى يخاطب النعمان: فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع ومن قول ابن هانى يمدح المعزّ أيضا: هذا ابن وحى الله يأخذ هديه ... عنه الملائك بكرة وأصيلا والشمس حاسرة القناع وودّها ... لو تستطيع لتربه تقبيلا وعلى أمير المؤمنين غمامة ... نشأت تظلّل تاجه تظليلا أمديرها من حيث دار لشدّما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا ذعرت مواكبه الجبال فأعلمت ... هضباتها التكبير والتهليلا وكأنّما الجرد الجنايب خرّد ... سفرت تشوق متيّما متبولا

стр. 2728

يبدو عليها للمعزّ جلالة ... فيكون أكثر مشيها تختيلا ويجلّ عنها قدره حتى إذا ... راقته كانت نائلا مبذولا الأصل فى هذا قوله تعالى (﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾). وهى الجرائم والرغايب ما التقت ... إلاّ لتصفح قادرا وتنيلا قلت: لقد أحسن فى الحشو بقوله قادرا، وقد أجاد البحترى فى قوله: ولم ير يوما قادرا غير صافح ... ولا صافحا عن زلّة غير قادر قد جدت حتى أمّلتك أميّة ... لو أن وترا لم يضع تأميلا عجبا لمنصلك المقلّد كيف لم ... تسل النفوس عليك منه مسيلا سماه جدّك ذا الفقار وإنّما ... سمّاه من عاديت عزرائيلا وكأن به لم يبق وترا ضائعا ... فى كربلاء ولا دما مطلولا لعلمت من مكنون علم الله ما ... لم يؤت جبريلا وميكائيلا

стр. 2729

ولقد براك فكنت موثقه الذى ... أخذ الكتاب وعهده المسئولا حتى إذا استرعاك أمر عباده ... أدنى إليه أباك إسماعيلا وورثته البرهان والتّبيان وال ... فرقان والتوراة والإنجيلا لو كنت آونة نبيّا مرسلا ... نشرت لمبعثك القرون الأولى أو كنت نوحا منذرا فى قومه ... ما زادهم بدعائه تضليلا لولا حجاب دون علمك حاجز ... وجدوا إلى علم الغيوب سبيلا لولاك لم يكن التفكّر واعظا ... والعقل رشدا والقياس دليلا لو لم تكن سبب النجاة لأهلها ... لم يغن إيمان العباد فتيلا وقوله: لو لم تعرّفنا بذات نفوسنا ... كانت لدينا عالما مجهولا وقوله: ألم تريا الروض الأريض كأنّما ... أسرّة نور الشمس فيه سبائك وما تطلع الدنيا شموسا تريكها ... ولا للرياض الزّهر أيد حوائك ولكنما ضاحكننا عن محاسن ... جلتهنّ أيّام المعزّ الضواحك سقى الكوثر الخلدىّ روضة هاشم ... وحيّت معزّ الدين عنّا الملائك

стр. 2730

له نسب الزهراء دنيا يخصّه ... وسالف ما ضمّت عليه العواتك العواتك: اللاتى ولدن سيّدنا رسول الله ﷺ من قبل أبيه وأمّه، وهنّ اثنتا عشرة عاتكة، اثنتان من قريش، وواحدة من بنى مخلد بن النضر، وثلاث من سليم، وأسديّة، وهذليّة، وقضاعيّة، وأزدية. وأسماء آبائهن فى كتب الأنساب فأضربت عن ذكرهم للتلخيص. إمام رأى الدنيا بمؤخر عينه ... فمن كان منها آخذا فهو تارك ولم يحوه طول البلاد وعرضها ... ولكنّه فى مسلك الشمس سالك وما كنه هذا النور نور جبينه ... ولكنّ نور الله فيه مشارك لكم دولة الصدق التى لم يقم بها ... فتيلة والأيّام هوج ركائك نتيلة بنت حباب بن كليب امرأة عبد المطلب. ولدت منه العباس، رضى الله عنه، وضرارا. ومات ضرار قبل الإسلام. فعرّض فى قصيدته ببنى العباس. تردّ إلى الفردوس منكم أرومة ... يصلّى عليكم قدسها ويبارك وقوله: ثنائى على وحى الكتاب عليكم ... فلا الوحى مأفوك ولا أنا آفك

стр. 2731

وقوله: ولقد أتيت الأرض من أطرافها ... ووطئتها بالعزم فهى ذلول واستشعرت أجبالها لك هيبة ... حتى حسبنا أنّها ستزول نامت ملوك فى الحشايا وانثنت ... كسلى وطرفك بالسّهاد كحيل لن ينصر الدين الحنيف وأهله ... من بعضه عن بعضه مشغول لا تعدمنّك أمة أغنيتها ... وهديتها تجلو العمى وتنيل وكأنّ دولتك المنيرة فيهم ... ذهب على أيامهم محلول شهد البريّة كلّها لك بالعلى ... إنّ البرية شاهد مقبول وقال من قصيدة طويلة أوّلها: تجهّز إلى بغداد قد فتحت مصر ... وأنجز صرف الدهر ما وعد الدهر تقول بنو العبّاس قد بلغ المدى ... فقل لبنى العبّاس قد قضى الأمر وقد جاوز الإسكندريّة جوهر ... تطالعه البشرى ويقدمه النصر وقوله من أخرى: المدح فى ملك سواك مضيّع ... والقول فى أحد سواك تقوّل والمليح فى هذا المعنى قول التونسى وهو على بن محمد الايادى:

стр. 2732

كأنّ ملوك الأرض حول بساطه ... كواكب فى ضوء النهار غوارق والسابق إلى هذا المعنى النابغة بقوله فى النعمان: فإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب قلت: ومدائح ابن هانى كثيرة جدا فى المعزّ متى استوعبناها خرجنا عن الغرض فى التاريخ. وسيأتى من شعره شيئا آخر فى باب المرقص آخر هذا الجزء. ومن أحسن ما وقع له فى النسيب وهو الذى أخلّ به حتى قتل: يا عاذلى لا تلمنى إنّنى ... لم تصبنى هند ولا زينب لا كنّنى أصبو إلى شادن ... فيه خصال جمّة ترغب لا يرهب الطمث ولا يشتكى ... حملا ولا عن ناظر يحجب أراد بقوله غلام كان الأمير تميم يهواه، فتحيّل عليه حتى وجد فى بعض الأودية مخنوقا بتكته. وقيل: إنّه حسده لجودة شعره فقتله لذلك. والله أعلم بأمره.

стр. 2733

المدائح العزيزيّات مقداد بن حسن يقول: هذا الإمام وبغية الله التى ... ما جلّها خلق ولا مقضوب حرب الجيوش وعاد يحرب ماله ... بعطائه فكأنّه المحروب ومن هذا التركيب قول ابن شرف صاحب كتاب «أبكار الأفكار» (ص ١٦٠): ولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض <فيها> والسماء تذوب والكأس كاسية القميص كأنّها ... لونا وقدّا معصم مخضوب مشروبة للبّ شاربة وما ... شئ سواها شارب مشروب ولمقداد بن حسن أيضا فى العزيز: إمام إذا ما قدّر الأمر أبرمت ... سوابق علم الله ما كان قدّرا تردّى رداء النّصر حتى كأنّما ... تكنّى أبا المنصور حتما لينصرا وقوله: إمام تتوّج تاج الفخا ... ر فوافق مفرقه واعتدل يعزّ التراب إذا مشى ... عليه فتكثر فيه القبل سلمان بن فلاح يقول فى العزيز: فلأنثرنّ فرائد الدهر التى ... من حقّها فى وصفه أن تنثرا بل لا أزال مدى حياتى داعيا ... أن لا يزال مملّكا ومعمّرا والله أهل أن يجيب دعاء من ... لو أنّه يهديه كونا قصّرا

стр. 2734

ذكر خلافة الحاكم بأمر الله ابن العزيز بالله وأخباره وما لخّص منها هو أبو على منصور الحاكم بأمر الله ابن نزار العزيز بالله بن معدّ المعزّ، وباقى نسبه قد تقدّم. أمّه:. . . . . . . . . ولد فى شهر ربيع الأوّل من سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، أوّل ساعة من يوم الخميس لسبع بقين من الشهر المذكور، بالقاهرة المعزية. بويع له يوم وفاة أبيه، آخر شهر رمضان من هذه السنة. وقيل كانت بيعته يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رمضان المذكور. وله يوم ذاك أحد عشر سنة. وكان أمره راجع إلى الأستاذ أبى الفرج برجوان، وقيل إنه <إلى> ابن عمّار، وكان كبيرا فى المغاربة. وكان العزيز قد أوصى إليه بولده. فقام بالأمر (ص ١٦١) ودبّر الأحوال، وساس أمور الجند من المصطنعين والمغاربة، وأنفق الأموال، وأرضى جميع الطائفتين

стр. 2735

بعد أن كادت تكون فتنة بين الجند المصطنعين وبين المغاربة. فلما همّوا أن يتواقعوا أخرج الأستاذ برجوان الأموال وأرضى الجميع، وأصلح ذات البين، ورفع المغاربة وجعلهم فى ولايات الجند من الترك والعجم وغيرهم، وساس أيضا أمور الترك والعجم، ودبّر أحسن تدبير. ولم يزل الحاكم من صغره يشتغل بالآداب والدروس، والنظر فى دقائق العلوم: مثل علم النجوم والأرصاد والكيمياء والعزائم والطلسمات وسائر علوم الرياضيّات، حتى حصل له ما شاع وذاع. هذا فى ابتداء أمره، وأمّا فى نهايته وتمام أيامه فصدرت عنه أمور تلى إلى الجنون، لا بل هى الجنون بعينه، من خرافات دينيّة ودنياوية. فأمّا الدنياوية السيّئة التى صدرت عنه فتلخيص ذلك أنّه منع من بيع الزبيب، وأن لا يتّجر أحدا فيه. وجمع كلّ زبيب كان فى سائر ممالكه وأعماله وأمر بإحراقه فأحرق. قال المؤرّخون من الثقات المصريّين: حسب جملة ما أنفق على إحراق الزبيب فى ثمن الأحطاب التى أحرق بها فكانت ألف دينار عينا، ولم يبق للزبيب أثر فى سائر الأقاليم.
следующие страницы →