Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
ذكر سنة أربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين.
وفيها دخل البساسيرى بغداد وملكها من قبل المستنصر خليفة مصر، وأمر بنهب القصر ساعة، ثم كفّ عنه، وأخرج الإمام القائم بالله راكبا على فرس أدهم، وعليه حلّة سوداء وعمامة سوداء.
فنزل ووقف بين يدى البساسيرى. ثم أمر بقتل الوزير وقاضى القضاة فقتلا. وخطب للمستنصر خليفة مصر فى بغداد. وكان ذلك فى شهر رجب من هذه السنة فى حديث طويل جدا هذا ملخصه.
وقيل: إنما أقيمت دعوة المستنصر ببغداد فى سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، وهذا فرط كثير بين التاريخين، والقريب من الصحيح أنّ ذلك كان فى هذه السنة والله أعلم. (ص ٢١٠)
стр. 2837
ذكر سنة إحدى وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو بويه بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر. وقبض على الوزير أبى البركات فى شوّال.
وكان قد كثر جوره وظلمه وعسفه، وتسلّط على أخذ أموال الناس بالجور والمصادرات.
وفيها صرف القاضى أبو محمد القاسم ابن النعمان وتولّى القضاء مكانه أبو محمد الحسن بن على اليازورى، ثمّ تولّى النظر والتدبير فى مصالح الدولة أبو الفضل صاعد بن مسعود.
وفيها كان مطر بتمّوز فى القيظ وبرد، ونزل مع المطر ضفادع ورمل أصفر، أقام كذلك يوم كامل، وأكثر ما كان كذلك بدمشق.
стр. 2838
ذكر سنة اثنين وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة سبعة عشرة ذراعا وستة عشرة إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو بويه بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر.
وفى المحرّم من هذه السنة صرف أبو الفضل صاعد بن مسعود عن النظر.
ووزر أبو محمد الحسن بن على اليازورى القاضى، وجمع له بين القضاء والوزارة.
وهذا القاضى كان أبوه من أهل يازور، وهى ضيعة من عمل الرملة، فترقّى به الحال حتى ولى هاتين الرياستين، (ص ٢١١) وكان
стр. 2839
فاضلا، لا يستبدّ برأيه، ولا يأنف من مشاورة ثقاته. وكان إذا ركب يغمض عينه الواحدة فقط لفرط حيائه. هكذا ذكر القاضى ابن خلّكان. وولى الوزارة فى السابع من المحرم من هذه السنة، واستخلف ولده الأكبر فى الحكم، وهو أبو الحسن محمد، ولم يزل أمره مستمرّا حتى قبض عليه فى تاريخ ما يأتى من ذكره إن شاء الله.
стр. 2840
ذكر سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا. واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو بويه بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر، والوزير أبو محمد الحسن بن على اليازورى القاضى.
وفيها فتح السلطان ركن الدين طغريل بك بن سلجوق إصبهان وكرمان، واتصل سلطانه بتلك الديار إلى ما وراء النهر وغيره.
ذكر سنة أربع وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع وأربعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
стр. 2841
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو بويه بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر، والوزير القاضى اليازورى مستمرّا.
وفيها ولدت بغلة بنابلس بغل أبيض ومهرة، وهما فى بطن واحد. ذكر ذلك العاضد فى كتابه «تحفة القصر فى عجايب مصر» والله أعلم. (ص ٢١٢)
ذكر سنة خمس وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع وأربعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو بويه بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر، والوزير القاضى اليازورى مستمرا على الحكم والوزارة.
стр. 2842
ذكر سنة ست وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو بويه بحالهم.
المستنصر خليفة مصر، والوزير القاضى اليازورى بحاله.
وفيها ظهر ناووسا بمدينة حمص، وفيه ميت، وفى رأسه ضربة ويده على رأسه. فإذا رفعوا يده عن رأسه يقطر الدم من تلك الضربة، وإذا أعادوا يده عليها انقطع الدم. فقال المسلمين: هذا منا. وقال النصارى: هذا منا. فحرّروا أمره فوجدوه من أصحاب الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه. فأخذوه المسلمين ليحفروا له
стр. 2843
ويدفنوه ويبنوا عليه مسجدا، فسرقوه النصارى ورموه فى العاصى.
وفيها دخل السلطان ركن الدين طغريل بك ابن سلجوق بغداد وقتل الملك العزيز بن بويه الديلمى، وهو آخر ملوك بنو بويه.
وانقرضت دولتهم حتى كأنهم ما كانوا، واستولى على دار السلطنة ببغداد طغريل بك بن سلجوق، وهو أوّل ملوك آل سلجوق (ص ٢١٣) ببغداد، ثم استمرّ حكمهم على حكم الخلفاء بأعظم مما كانوا عليه بنو بويه.
стр. 2844
ذكر عدّة الملوك من بنى بويه
الذين ملكوا بغداد
فأولهم: معزّ الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه.
الثانى: عزّ الدولة أبو منصور بختيار ولده.
الثالث: عضد الدولة أبو شجاع فنّاخسرو بن ركن الدولة.
ثم ولده صمصام الدولة أبو كاليجار.
الرابع: شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيك ولد عضد الدولة أخوه. <صمصام الدولة>
الخامس: بهاء الدولة أبو نصير فيروز خره أخوهما.
السادس: سلطان الدولة أبو شجاع فناخسرو بن بهاء الدولة.
стр. 2845
السابع: جلال الدولة أبو طاهر فيروز خره بن بهاء الدولة.
الثامن: [عماد الدولة] الملك أبو كاليجار [المرزبان] ابن سلطان الدولة.
التاسع: الملك الرحيم أبو نصر بن أبى كاليجار.
العاشر: شرف الدولة أبو على الملك العادل تغلبك.
الحادى عشر: الملك العزيز صمصام الدولة المورانى آخرهم وهو الذى قتله السلطان بركوب طغريل بك بن سلجوق حسبما ذكرناه والله أعلم.
стр. 2846
ذكر سنة سبع وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين.
وسلطان بغداد طغريل بك بن سلجوق، وجلس ألب أرسلان ابن سلجوق على تخت الملك بخراسان.
ذكر سنة ثمان وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر إصبعا.
стр. 2847
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وسلطان بغداد طغريل بك.
وفيها كان الوباء والقحط ببغداد والشام ومصر وساير الدنيا، حتى كانوا الناس يأكلون الميتة. وهبط نيل مصر سريعا قبل الانتفاع به، وكان أول الغلاء العظيم بمصر كما يأتى من ذكره فى تاريخه. وكان مع الغلاء وباء عظيم لم يعهد بمثله، حتى كان يموت ببغداد فى كلّ يوم ما يزيد عن خمسين ألف نفس. ثم ارتفع من الشرق ووقع بديار مصر، كما يأتى من ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة تسع وأربعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع فقط.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين. وسلطان بغداد طغريل بك بن سلجوق.
стр. 2848
وفيها بلغ الخبز ببغداد كلّ اثنى عشر رغيفا بدينارين، واشتد بالناس الغلاء والقحط حتى كادوا الناس يفنوا جميعا.
وفيها توفى أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعرّى الشاعر صاحب كتاب «سقط الزند»، وسيأتى ما استطرف من شعره الداخل فى طبقتى المرقص والمطرب آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
ذكر سنة خمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الحكام.
والمستنصر خليفة مصر، وقبض على الوزير القاضى اليازورى ونفى إلى مدينة تنّيس وقتل بها.
стр. 2849
وفيها اشتدّ الغلاء بمصر وكثر الوباء، وكان يموت فى كلّ يوم مما يحصيه ديوان المواريث نحو العشرة آلاف خارجا عمن لا يعرف من صعاليك الناس. وبلغ القمح بثمان الدنانير عين مصرية الأردبّ المصرى، وبلغ الشعير والفول خمسة دنانير والحمص تسع الدنانير.
وروى أنّ بمصر درب فيه عدة دور مساكن يعرف بدرب طبق. وإنما يعرف بذلك لأنّه أبيع فى هذه السنة بطبق من خبز، والدور التى فيه تساوى ألوف عدة، وبمصر أيضا دارا تسمّى دار رغيف، أبيعت أيضا فى غلاء المستنصر، وهو فى هذه السنة المذكورة، برغيف خبز، وأكل الناس فى هذه الأيّام جلود الكتب، وعاد الكلاب يدخلون (كذا) بيوت الناس فيأكلون (كذا) الولد قدّام أبوه وأمه، وليس فيهم من المنعة أن يمنعوه (كذا) عن ذلك.
وعاد الحمام والعصفور واليمام وما شاكل ذلك يتساقط ميتا من الجوع، ولا يجد ما يأكله. وإنّ المستنصر انحلّ أمره وضعف سلطانه وتقهقرت دولته، حتى إنه ترك القصر وخرج إلى الجامع
стр. 2850
الأزهر، وجلس فى المقصورة التى على يمين المدخل من باب الأعمدة.
ولم يزل أمره كذلك حتى أتاه (ص ٢١٦) بدر الجمالى المستنصرى المعروف بأمير الجيوش، وكان عبدا أرمنيا اشترى بثلاثة عشر دينارا، ولم تزل تترقى به الأحوال إلى أن نعت بأمير الجيوش حسبما يأتى من ذكره فى تاريخ دخوله مصر.
وفى هذه السنة تولّى الوزارة بالديار المصرية عميد الخلافة عبد الله ابن محمد البابلى فى المحرّم منها، ثم صرف بعد مدّة شهرين وأربعة عشر يوما.
ثم وليها أبو الفرج محمد بن جعفر المغربى فى شهر ربيع الآخر.
وولى القضاء فى هذه السنة القاضى أبو على أحمد بن عبد الحاكم فى ثالث وعشرين صفر. ثم صرف فى تاسع ذى الحجة.
وولى القضاء عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمان.
وفيها عاد البساسيرى ودخل الموصل وخطب للمستنصر بها.
стр. 2851
ذكر سنة إحدى وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين. وطغريل بك بن سلجوق سلطان بغداد والمشرق بكماله، مع خراسان إلى ما وراء النهر، إلى حدّ الصين الأعلى فى ممالكهم.
والمستنصر خليفة مصر؛ والوزير [محمد] بن جعفر المغربى، والقاضى بحاله.
وفيها قصد البساسيرى بغداد، وخرج إليه طغريل بك وضرب معه مصافا وكسره وانهزم البساسيرى.
стр. 2852
ذكر سنة اثنين وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة: (ص ٢١٧)
الماء القديم خمسة أذرع واثنان وعشرين إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وطغريل سلطان بغداد.
والمستنصر خليفة مصر. وصرف الوزير ابن جعفر المغربىّ فى شهر رمضان. وكانت العادة أنّ الوزراء إذا صرفوا لم يتصرّفوا بعد الوزارة فى عمل ولا خدمة إلاّ إن أعيد (كذا) إلى الوزارة. فاقترح هذا الوزير المغربى عند صرفه وسأل أن يولّى بعض الدواوين. فولّى ديوان الإنشاء. ثم صارت عادة فى استخدام الوزراء بعد الصرف. وسئل عن سبب سؤاله فى توليته فقال: فعلت ذلك حقنا لدمى ودم جميع من سار هذا السير من الوزراء.
ثم تولّى الوزارة بعده أبو الفرج [عبد الله بن محمد] البابلىّ المقدّم ذكره.
وفى الحادى عشر من رجب صرف القاضى عبد الحاكم بن وهيب، وولّى القضاء مكانه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يحيى.
وفيها كانت زلازل وخسف.
стр. 2853
ذكر سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة.
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين، وطغريل بك سلطان بغداد.
والمستنصر خليفة مصر، وصرف الوزير البابلى.
وولى الوزارة بعده بالديار المصريّة عز الدين عبد الله بن يحيى ابن مدبّر، وذلك فى شهر صفر من هذه السنة. ثم صرف فى شهر رمضان.
وولى (ص ٢١٨) الوزارة فخر الوزراء قاضى القضاة عبد الكريم ابن عبد الحاكم ابن سعيد الفارقى فى شهر رمضان المذكور.
وفيها توفى القاضى أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يحيى سادس ربيع الأول. وولى القضاء أبو على أحمد بن عبد الحاكم فى الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
стр. 2854
ثم صرف فى الرابع من رجب، وأعيد الحاكم بن وهيب ولايته الثانية.
ثم صرف فى الحادى عشر من رمضان، وأضيف الحكم فى القضاء إلى الوزير عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقى.
وفيها كسفت الشمس بعقدة الرأس، وظهرت النجوم، والله أعلم.
ذكر سنة أربع وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وطغريل بك سلطان بغداد.
والمستنصر خليفة مصر.
وفى المحرّم منها ولى القضاء أبو على بن عبد الحاكم ولايته الثانية، ثم صرف فى الثانى والعشرين من صفر.
وولى بعده عبد الحاكم بن وهيب الولاية الثالثة، فى شهر صفر.
стр. 2855
ثم ولى الوزارة أبو على أحمد بن عبد الحاكم الذى كان قاضيا، فأقام فيها سبعة عشر يوما وعزل.
وولى الوزارة مكانه معزّ الدين أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الملقب بذى الكفايتين، فى الثانى من ربيع الأوّل. وكان فى وزارته وقعة القصر المعروفة بين العبيد والأتراك، وكانت فتنة عظيمة.
ثم صرف فى شعبان.
وولى الوزارة بعده جلال الملك أبو الفرج بن عبد الله البابلى وهى وزارته الثالثة. ثم طلب الإعفاء فأعفى.
وولى بعده (ص ٢١٩) الوزارة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم ولم يزل إلى السنة الأخرى.
стр. 2856
ذكر سنة خمس وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وطغريل بك بن سلجوق بحاله.
والمستنصر خليفة مصر، وصرف الوزير ابن عبد الكريم.
وولى الوزارة تاج الرياسة أبو غالب عبد الظاهر بن فضل المعروف بابن العجمى، وذلك فى جمادى الأولى، وصرف بعد ثلاثة أشهر.
وولى بعده قاضى القضاة الحسن ابن القاضى ثقة الدولة المعروف بابن أبى ذكيّة فى شعبان، وصرف فى ذى الحجة.
وفيها صرف القاضى ابن وهيب فى سادس عشر المحرّم.
وولى وأعيد ابن عبد الكريم، وهى الولاية الرابعة. ولم يزل إلى أن قبض عليه فى السابع عشر من ربيع الأول.
ثم أعيد عبد الحاكم بن وهيب ولايته الرابعة.
وفيها توفى السلطان ركن الدين طغريل بك بن سلجوق إلى رحمة الله تعالى. وكانت قد زفت له ابنة الإمام القائم بالله، وكانت وفاته بالرىّ.
وجلس بالمملكة السلجوقية ألب أرسلان بن سلجوق.
стр. 2857
ذكر سنة ست وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم.
والمستنصر (ص ٢٢٠) خليفة مصر.
وولّى الوزارة ذخيرة الملك أبو المكارم أسعد، وذلك فى صفر، وصرف فى ربيع الأوّل.
ثم أعيد إلى الوزارة أبو غالب بن العجمى، وهى الوزارة الثانية، فى الشهر المذكور، ثم صرف بعد ثلاثة أشهر.
وولى العميد علم الكفاة أبو على الحسين بن إبراهيم بن سهل التسترى. وكان يهوديّا فأسلم. فأقام فى الوزارة عشرة أيام واستعفى فأعفى.
стр. 2858
ثم ولى الوزارة محمد بن هبة الله الرغبانى بقية هذه السنة. وجميع هذه الأحوال مع فتن وشرور وعدم تدبير وانحلال أمر مصر، فى أشدّ ما يكون من سوء الحال، وكلّ من قوى على صاحبه أكله، ولا يجد من يشتكى إليه، حتى كثير من المساتير نهبوا. وعادوا الناس فى بيوتهم لا يخرجون إلا لضرورة قادحة، لعدم من يشار إليه، هذا مع غلاء الأسعار وعدم الجالب من سائر الأصناف، وتأخرت التجّار، وانقطع الكارم.
стр. 2859
ذكر سنة سبع وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الحكام.
والمستنصر خليفة مصر، وعزل الوزير الرغيانى المقدم ذكره، وولى الوزارة الأثير كافى الكفاة أبو الحسن علىّ بن الأنبارى.
وتزايد الأمر فى فساد الأحوال وقلّة الحرمة جدا، حتى إن ولاة الأعمال استبدّ كلّ أحد بما فى يده، ولا عاد يرجع بما يؤمر به من قبل الخلافة، وانحلّ نظام الملك إلى الغاية القصوى، والرعايا تحت لطف الله (ص ٢٢١)
стр. 2860
ذكر سنة ثمان وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الحكام.
والمستنصر خليفة مصر. وصرف الأنبارى، وولى الوزارة علم الدين أبو على الحسن الماشكى، وذلك عند استحكام فساد الدولة.
وقلّت الهيبة واختلّ النظام إلى الغاية. فأقام أيام قلائل ثم صرف.
وولى الوزارة بعده أبو شجاع محمد ابن فخر الملك أبى غالب محمد ابن الأشرف البغدادى. وكان قد وصل إلى مصر. فتقرّرت له الوزارة. وكان والده قد وزر لبهاء الدولة أبى نصر ابن عضد الدولة فناخسرو ابن بويه سلطان بغداد.
стр. 2861
قلت: وهذا فخر الملك جرت له حكاية مستطرفة أيام وزارته لبهاء الدولة المذكور، وذلك أنه كان فاضلا أديبا يحب المديح ويجيز عليه. فقدم عليه أعرابى من البادية وامتدحه بأبيات، فلم يلتفت إليه فخر الملك ولا عبأ به، ولا أجازه بشئ.
وكان فى عصره ابن نباته السعدى الشاعر المشهور وهو غير ابن نباتة صاحب الخطب البليغة.
قال راوى هذه الحكاية: وكان ابن نباتة الشاعر المذكور ذو نباهة ورياسة، وهو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد ابن نباتة بضم النون التميمى السعدى. فلم يشعر وهو جالس على باب داره بين حفدته وجلسائه إلاّ وذلك الأعرابى وبصحبته رسول من جهة قاضى الحكم يطلب ابن نباتة إلى مجلس الحكم، أو يخرج من حق ذلك الأعرابى. فلما رآه ابن نباته لم يعرفه، وتعجّب من ذلك، فإنّه لم يكن قطّ رآه قبل تلك الساعة. فقال له: يا أخا العرب! مالى ولك؟ هل تعرفنى قط قبل اليوم؟ هل علىّ من طلب أو دين؟
فقال الأعرابىّ: أطالبك أصلحك الله بضمان لم تف به. فقال:
وما هو؟ فقال ألست القائل:
لكل فتى قرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين
стр. 2862
أنخ بفنائه واحلل عليه ... على حكم المنى وأنا الضمين
فقال ابن نباته: بلى والله، أنا القائل ذلك.
فقال الأعرابى: فإننى قطعت إليه من بادية أرض كذا، وسرت كذا ليلة، وامتدحته بكيت وكيت فلم يلتفت إلىّ، ولا أجازنى بشئ.
وأنت الضامن وعليك الغرامة.
قال: فأعجب ابن نباتة من الأعرابىّ ذلك. وقال: ارفع الرسول ولك الرضا. وركب لوقته بصحبة الأعرابى، وأتى إلى فخر الملك وقصّ عليه خبر الأعرابى فاستملحه ووصله فوق أمله.
قلت: نسخت هذه الحكاية من مجموع. وابن نباتة هذا كان معاصر سيف الدولة ابن حمدان. وهو من الشعراء المعدودين فى الطراز المذهب من شعراء المئة الرابعة. وله فى سيف الدولة ابن حمدان نخب القصائد. فمن ذلك وقد أنعم عليه بفرس أدهم أغرّ محجّل فقال:
يا أيّها الملك الذى أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رأيه
قد جاءنا الطرف الذى أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
ومنها ولعله معنى مبتكر:
فكأنّما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
متمهّلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه
لا تعلق الألحاظ فى أعطافه ... إلاّ إذا كفكفت من غلوائه
ما كانت النيران تمكن حرّها ... لو كانت النيران بعض ذكائه
стр. 2863
لا يكمل الطرف المحاسن كلّها ... حتى يكون الطرف من أسرآئه
ولعمرى لقد أجاد فى وصفه. وأحسن منه قول الآخر يصف فرسا:
خير ما استطرف الفوارس طرف ... كل طرف لحسنه مبهوت
هو فى الجوّ عقاب وفى ال ... جبال وعل وفى المعابر حوت
فوصفه بأعظم ما فى الأربعة حيوانات (كذا).
وكلّ ذلك يقصر عن قول امرئ القيس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل
وهذا من التغالى والإعنات الذى لا يمكن أن يكون أبدا لقوله معا. فإنّ معا تكون فى وقت واحد لا يفرق بينهم شيئا. حتى لو كان بين الحالتين طرفة جفن لم يكن معا، فلذلك أنه لا يمكن ذلك. والله أعلم.
ذكر سنة تسع وخمسين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
стр. 2864
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر، وصرف الوزير ابن فخر الملك البغدادى.
وولّى الوزارة بعده أبو الحسن طاهر بن زبر من أهل طرابلس الشام، وصل إلى مصر وخدم كاتبا فى ديوان الإنشاء. فتقرّرت له الوزارة فأقام أيّاما وانصرف.
وولى بعده العادل شمس الأمم أبو عبد الله محمد (ص ٢٢٤) ابن أبى حامد التنّيسى. وصل إلى مصر زمن الفتن فاستقرّت له الوزارة يوما واحدا ثم قتل.
وولى بعده عميد الخلافة أبو سعيد منصور المعروف بابن زنبور.
فأقام فى الوزارة أيام قلايل، ثم طالبوه الجند بأرزاقهم فوعدهم وهرب مع اللواتين وبطل أمره.
ثم ولى بعده مكين الدولة أبو العلاء عبد الغنى نصر بن سعيد الضيف. ونظر فى الأمور وساطة لا وزارة، إلى أن وصل بدر الجمالى أمير الجيوش.
هذا والغلاء مستمرّا، والهيبة ساقطة والنظام محلول.
стр. 2865
ذكر سنتى ستين وإحدى وستين وأربع مئة
النيل المبارك فى هاتين السنتين:
الماء القديم لستين أربعة أذرع وثلاثة أصابع.
ملبغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة أصابع.
الماء القديم لإحدى وستين ستة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
فى سنة ستين وأربع مئة زلزلت فلسطين زلزلة عظيمة.
وتوفى أبو جعفر الطوسى فقيه الشيعة.
والغلاء مستمرّا بمصر وعدم التدبير موجود.
فى سنة إحدى وستين وأربع مئة كثر الوخم والوباء بمصر، وعاد الطير المعروف بالرخم كثيرا جدا، حتى عاد فى سائر دور مصر يطرد فلا يبرح.
وعاد الناس يطلع فى حلوقهم صفة التخمة فيموتون بها. فقيل سنة الوخم والرخم والتخم. فنعوذ بالله من أنظارها.
стр. 2866
ذكر سنة اثنين وستين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط (ص ٢٢٥)
< ما لخّص من الحوادث >
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر، وناظر الدولة أبو العلاء بحاله.
وفيها أحرق جامع دمشق. وفتحت الروم منبج، وتسلّم اقسيس دمشق من المصريّين.
وفيها أشار صاحب حلب بالخطبة لبنى العباس. فلّما كان يوم الجمعة خرج الخطيب والمؤذنون السواد عليهم، فلما رأوهم الناس
стр. 2867
ارتاعوا لذلك، فإنّ عهدهم كان بعيدا من ذلك. فلما ذكر الإمام القائم نفروا وخرجوا من الجامع بغير صلاة. فلما كان الجمعة الأخرى رتّب محمود [بن صالح] صاحب حلب جماعة على أبواب الجامع، وقال لهم: من خرج من الجامع ولم يصلّ اقتلوه. ثم خطب الخطيب وصلّى الناس من تحت القهر.
ثم إنّ العامة تعاونوا وأخذوا حصر الجامع وقالوا: هذه حصر علىّ بن أبى طالب فأحضروا لأبى بكر وعمر وعثمان حصر. وأقام الناس مدة طويلة يصلّون على الأرض بغير حصر، والله أعلم.
стр. 2868
ذكر سنة ثلاث وستين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الحكام.
والمستنصر خليفة مصر، وناظر دولته أبو العلاء عبد الغنى بحاله.
فيها فتح تاج الدولة دمشق. وفتحت الروم صقلية وأخذوها من المسلمين.
وفيها كانت الوقعة العظيمة بين السلطان ألب أرسلان السلجوقى وبين ملك الروم.
وذلك أنّ ألب أرسلان لما توجّه من همدان فتح أرجيش وقصد (ص ٢٢٦) مناز كرد إلى ميّا فارقين. فنزل بتلّ بغداد.
стр. 2869
وكان يومئذ مدبّر الممالك الخليفية الوزير نظام الملك نصر بن مروان، فخرج إليه وهو خائف يترقّب. فلما حضر بين يديه قرّر عليه مئة ألف دينار يحملها وخلع عليه.
ثم إنّ نظام الملك أخرج للسلطان من الإقامات والتقادم والعلوفات شئ كثير. وكان ذلك على ميّافارقين. فبلغ السلطان أنّ جميع ذلك إنما أخذه الوزير نظام الملك من أموال الرعّية. فردّ الجميع عليه، وقال: ما لنا فى أموال الرعيّة من حاجة. وأمره بردّه على أصحابه، فأعاده، حتى قيل إنه ردّ على فلاح بيضة كانت أخذت منه.
ثم حمل نظام الملك الإقامات للسلطان من ماله وصلب حاله.
ثم إنّ السلطان ألب أرسلان فتح السويدا وحصون كثيرة إلى حرّان، ثم نزل على الرّها، ونصب المناجيق، وردم خندقها.
فبذلوا له خمسين ألف دينار على أن يعفيهم، فكفّ عنهم، ثم غدروا ولم يوفوا. ورحل السلطان طالبا للفرات، وتقاعدت عنه العساكر الذين كانوا من العراقين، وهو عسكر عمّه طغريل بك المقدّم ذكره، وخبثت نفوسهم لأجل تأخير أرزاقهم، ونزل على الفرات فى شرذمة يسيرة الخصّيصين به من عسكره. فلم يحفل به محمود صاحب حلب، ولا نزل إليه. فأضربت العساكر فى بلاد حلب تنهب، ووصلوا إلى القريتين من عمل دمشق أيضا. ثم نزل على حلب وحاصرها، فأرسل
стр. 2870
إليه محمود يطلب الموادعة، ووعده أن يدوس البساط. ثم إنّه خرج إليه فى الليل ووالدته معه ومسكته بيده وقدّمته للسلطان ألب أرسلان الملك العادل. وقالت: يا خوند هذا ولدى ومهجة فؤادى قد سلمته إليك افعل فيه (ص ٢٢٧) ما أحببت من جميل إحسانك. فرقّ لها وأكرمها وطيّب قلب ولدها. وقال: خد والدتك وعود إلى مكانك، وأخرج من الغد لترى ما أفعله معك. فعاد من الغد. فأمر الوزير نظام الملك والحجّاب أن يتلقوه، ودخل على السلطان فأكرمه وأجلسه وأخلع عليه بما يليق بمثله، وأنعم عليه بالخيول بالمراكب الذهب، وركّبه بالكوسات والصناجق.
ثم وردت الأخبار على السلطان ألب أرسلان أنّ ملك الروم خرج فى جموع عظيمة، وورد إلى منبج وأرجيش ومناز كرد. فرجع السلطان. وعدّا الفرات. وبلغ ملك الروم أنّ السلطان فى عسكر خفيف. فطمع فى لقائه. ووصل الخبر إلى السلطان بما عزم عليه ملك الروم وطمعه فيه لقلّة جيوشه. وكان قد بقى فى أربعة آلاف فارس.
فقال لوجوه عسكره: أنا صابر فى هذه الغزاة صبر المحتسبين، وصابر إلى مصير المخاطرين. فإن سلمت فذلك ظنّى بالله تعالى، وإن تكن الأخرى فأنا أعهد إليكم أن تسمعوا وتطيعوا لولدى ملك شاه، وتقيموه مقامى. فقالوا: سمعنا وأطعنا. وقصد الروم جريدة، مع كلّ غلام فرس يركبه وآخر يجنبه. وسار بنيّة خالصة لا يخالطها كدر لغزاة المشركين وقدّم قدّامه أحد حجّابه فى جماعة من الجند. فصادف عند
стр. 2871
أخلاط مقدمة الروم فى عشرة آلاف من الروم، فالتقاهم ذلك الحاجب، وكان فى ثمان مئة فارس. فنصره الله على تلك الجموع بمعونة الله تعالى، وأسر مقدّم الجيش وكان من الرءوس، وأخذ صليبهم وأنفذ الجميع إلى السلطان. فسرّه ذلك وعلم أنها علامة النصر.
ووصل ملك الروم إلى مناز كرد فى تلك الجموع العظيمة مما يزيد (ص ٢٢٨) عن مئة ألف فارس، ومئة ألف جرخى، وأربع مئة عجلة تجرّها ثمان مئة جاموسة، عليها نعال ومسامير برسم الخيول، وألف عجلة أخرى عليها السلاح والمناجيق وآلات الحصار. وكان فى خزائنه ألف ألف دينار، ومئة ألف ثوب إبريسم. وخرج فى نيّة أنه يطأ الأرض ويفتح مصر والشام. واقتطعها للبطارقة. وأوصى على بغداد وقال: لا يتعرّض أحد إلى دار الشيخ الصالح، يعنى الخليفة، فإنّه صديقنا.
وكان قد اجتمع مع السلطان ألب أرسلان تقدير عشرة آلاف من الأكراد والمجتمعة من سائر الناس. فلما كان نهار الجمعة قال السلطان وقد جمع وجوه أصحابه: إلى متى هذا التأخير؟ أريد أن أطرح نفسى عليهم هذا اليوم وقت الصلاة الذى الناس جميعهم من المسلمين يدعون لنا بالنصر على المنابر. فإن نصرنا الله عليهم وإلاّ متنا شهداء.
فمن أحبّ أن يتّبعنى فليتّبع، ومن أحبّ الحياة فلينصرف ولا عتب عليه. فما هاهنا اليوم سلطان، وإنما أنا واحد منكم.
стр. 2872
فقالوا جميعهم: لا حياة لنا بعدك، ومهما اخترته لنفسك اخترناه لأنفسنا.
فلما كان وقت الصلاة اصطفت العسكرين. فعندها قام السلطان فى سرجه ورمى القوس من يده؛ وتناول لتّ حديد. وفعل جميع أصحابه كفعله. وصاح. الله أكبر فتح الله ونصر. وحمل على الروم حملة صادقة، وحملوا جميع أصحابه بقلوب موافقة، فلم يقفوا الروم قدّامهم ولا طرفة عين لتلك الحملة المنكرة. ونصر الله الإسلام وكسروا عبدة الصلبان والأشخاص والأصنام، وركبوا أكتافهم قتلا وأسرا، وتبعهم السلطان بقيّة يوم الجمعة مع ليلة السبت (ص ٣٢٩) وهو يقتل ويأسر، فلم ينج منهم إلاّ القليل النادر. وغنم جميع ما كان معهم، ورجع إلى مكانه. فدخل عليه بعض الأمراء الذى له وقال: إنّ أحد مماليكى أسر ملك الرّوم. وكان هذا المملوك قد أعرض على نظام الملك فاحتقره ولم يجيز عرضه وأسقطه، وقال مستهزئا به:
لعلّه يأتينا بملك الروم! فأسر الله ملك الروم على يده لكسر قلبه.
فأمر السلطان بعض الخدّام الذين عنده ممن كان يعرف ملك الروم أن يتوجّه ويكشف عن حقيقة أمره فلما رآه عرفه. فعاد إلى السلطان وأخبره بذلك. فأمر له بخيمة فضربت له، ووكل به من يحفظه،
стр. 2873
وأحضر السلطان الغلام الذى أسره وأخلع عليه وأعطاه وقدّمه، وأقطعه غزنة، وجعله من خاصّته.
ثم إنّ السلطان أحضر ملك الروم يرفل بقيوده. فرفسه برجله.
ثم قال له: ما الذى تريدنى أفعل بك؟ قال: إحدى من ثلاث:
الأولى قتلى وإعدامى الحياة. والثانية إشهارى وسجنى، والثالثة:
لا فائدة من ذكرها فإنّك لا تفعلها. قال السلطان: وما على؟ قال:
تعفو عنى وتصطنعنى وتتّخذنى خادما ما بقيت من عمرى. فقال السلطان:
إنى لم أنو إلاّ العفو عنك. فاشتر الآن نفسك. فقال: يقول السلطان ما شاء. فقال: ألف ألف دينار. ثم استقرّ بينهما الحال على ما أحبّ السلطان وهو ألف ألف دينار، وللهدنة ثلاث مئة ألف.
وأن يسيّر فى كلّ سنة عشرين ألف دينار، وأن يتقدّم إلى عساكر الروم بجميع ما يحتاج إليه المسلمون من سائر ما فى بلاد الروم. ثم حلّ وثاقه وأخلع عليه ونصب له سرير إلى جانب سريره. فقال ملك الروم: عجّل بإنفاذى (ص ٢٣٠) قبل أن تقيم الروم لهم ملكا غيرى.
فقال له السلطان: أريد أن تعيد إلينا ما أخذته من بلادنا، وهو الرّها ومنبج، ومناز كرد، وتطلق سائر أسير عندك من المسلمين.
فقال: أمّا البلاد فإذا وصلت سالما إلى بلدى أنفدت بتسليمها إليكم.
فإنّ الآن لا يسمعون منى. وأمّا أسارى المسلمين فإنى فكنت عاهدت
стр. 2874
الله ونذرت من قبل أن تعفو عنى، أنى متى ردّيت إلى بلادى سالما أعتقت كلّ أسير عندى. وأنا فاعل ذلك.
ثم إن السلطان ردّه إلى خيمته، ورتّب له ما يصلح لمثله من سائر ما يحتاج إليه. ثم إنه اقترض عشرة آلاف دينار وفرّقها على الحاشية.
فلما كان بعد ثلاثة أيام أحضره السلطان وتلقاه وقام له قائما وأجلسه على سريره الذى كان له وكسب منه، وأخلع عليه ثانيا بأحسن من الأولى، وعقد له راية بيضاء مكتوب عليها بالسواد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنفذ معه حاجبين ومئة غلام، مع سائر ما يحتاج إليه الملوك من الآلات، وركب معه بنفسه وشيّعه مقدار فرسخ، وتعانقا وتودّعا وسار إلى القسطنطينية.
ثم إنّ السلطان كتب إلى الخليفة الإمام القائم بالله أمير المؤمنين يشرح له جميع ما جرى. وزيّنت بغداد، وعملوا القباب وكان فرحا عاما عند سائر الناس بجميع الأقاليم.
وأمّا ملك الروم فإنّه وصل إلى بلاده سالما، وأوفى بجميع ما أوعد به، وزاد فى هداياه أضعاف ما كان فى الظنّ، واستقرّ حال المسلمين معه طول أيام حياته.
стр. 2875
ذكر سنتى أربع وخمس وستين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنتين (ص ٢٣١):
الماء القديم لسنة أربع: أربعة أذرع وعشرة أصابع.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
الماء القديم لسنة خمس: ثلاثة أذرع وسبعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
الحوادث
الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين مستمرّا فيهما (كذا) وكذلك المستنصر.
وفى سنه أربع كان زيادة الماء بكلّ أرض، حتى خيف منه، وظن أنه طوفانا.
وقيل بل كان ذلك فى سنة ستّ التى غرقت فيها بغداد حسبما يأتى من ذكر ذلك فى سنة ست.
следующие страницы →