← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

أخلاط مقدمة الروم فى عشرة آلاف من الروم، فالتقاهم ذلك الحاجب، وكان فى ثمان مئة فارس. فنصره الله على تلك الجموع بمعونة الله تعالى، وأسر مقدّم الجيش وكان من الرءوس، وأخذ صليبهم وأنفذ الجميع إلى السلطان. فسرّه ذلك وعلم أنها علامة النصر. ووصل ملك الروم إلى مناز كرد فى تلك الجموع العظيمة مما يزيد (ص ٢٢٨) عن مئة ألف فارس، ومئة ألف جرخى، وأربع مئة عجلة تجرّها ثمان مئة جاموسة، عليها نعال ومسامير برسم الخيول، وألف عجلة أخرى عليها السلاح والمناجيق وآلات الحصار. وكان فى خزائنه ألف ألف دينار، ومئة ألف ثوب إبريسم. وخرج فى نيّة أنه يطأ الأرض ويفتح مصر والشام. واقتطعها للبطارقة. وأوصى على بغداد وقال: لا يتعرّض أحد إلى دار الشيخ الصالح، يعنى الخليفة، فإنّه صديقنا. وكان قد اجتمع مع السلطان ألب أرسلان تقدير عشرة آلاف من الأكراد والمجتمعة من سائر الناس. فلما كان نهار الجمعة قال السلطان وقد جمع وجوه أصحابه: إلى متى هذا التأخير؟ أريد أن أطرح نفسى عليهم هذا اليوم وقت الصلاة الذى الناس جميعهم من المسلمين يدعون لنا بالنصر على المنابر. فإن نصرنا الله عليهم وإلاّ متنا شهداء. فمن أحبّ أن يتّبعنى فليتّبع، ومن أحبّ الحياة فلينصرف ولا عتب عليه. فما هاهنا اليوم سلطان، وإنما أنا واحد منكم.

стр. 2872

فقالوا جميعهم: لا حياة لنا بعدك، ومهما اخترته لنفسك اخترناه لأنفسنا. فلما كان وقت الصلاة اصطفت العسكرين. فعندها قام السلطان فى سرجه ورمى القوس من يده؛ وتناول لتّ حديد. وفعل جميع أصحابه كفعله. وصاح. الله أكبر فتح الله ونصر. وحمل على الروم حملة صادقة، وحملوا جميع أصحابه بقلوب موافقة، فلم يقفوا الروم قدّامهم ولا طرفة عين لتلك الحملة المنكرة. ونصر الله الإسلام وكسروا عبدة الصلبان والأشخاص والأصنام، وركبوا أكتافهم قتلا وأسرا، وتبعهم السلطان بقيّة يوم الجمعة مع ليلة السبت (ص ٣٢٩) وهو يقتل ويأسر، فلم ينج منهم إلاّ القليل النادر. وغنم جميع ما كان معهم، ورجع إلى مكانه. فدخل عليه بعض الأمراء الذى له وقال: إنّ أحد مماليكى أسر ملك الرّوم. وكان هذا المملوك قد أعرض على نظام الملك فاحتقره ولم يجيز عرضه وأسقطه، وقال مستهزئا به: لعلّه يأتينا بملك الروم! فأسر الله ملك الروم على يده لكسر قلبه. فأمر السلطان بعض الخدّام الذين عنده ممن كان يعرف ملك الروم أن يتوجّه ويكشف عن حقيقة أمره فلما رآه عرفه. فعاد إلى السلطان وأخبره بذلك. فأمر له بخيمة فضربت له، ووكل به من يحفظه،

стр. 2873

وأحضر السلطان الغلام الذى أسره وأخلع عليه وأعطاه وقدّمه، وأقطعه غزنة، وجعله من خاصّته. ثم إنّ السلطان أحضر ملك الروم يرفل بقيوده. فرفسه برجله. ثم قال له: ما الذى تريدنى أفعل بك؟ قال: إحدى من ثلاث: الأولى قتلى وإعدامى الحياة. والثانية إشهارى وسجنى، والثالثة: لا فائدة من ذكرها فإنّك لا تفعلها. قال السلطان: وما على؟ قال: تعفو عنى وتصطنعنى وتتّخذنى خادما ما بقيت من عمرى. فقال السلطان: إنى لم أنو إلاّ العفو عنك. فاشتر الآن نفسك. فقال: يقول السلطان ما شاء. فقال: ألف ألف دينار. ثم استقرّ بينهما الحال على ما أحبّ السلطان وهو ألف ألف دينار، وللهدنة ثلاث مئة ألف. وأن يسيّر فى كلّ سنة عشرين ألف دينار، وأن يتقدّم إلى عساكر الروم بجميع ما يحتاج إليه المسلمون من سائر ما فى بلاد الروم. ثم حلّ وثاقه وأخلع عليه ونصب له سرير إلى جانب سريره. فقال ملك الروم: عجّل بإنفاذى (ص ٢٣٠) قبل أن تقيم الروم لهم ملكا غيرى. فقال له السلطان: أريد أن تعيد إلينا ما أخذته من بلادنا، وهو الرّها ومنبج، ومناز كرد، وتطلق سائر أسير عندك من المسلمين. فقال: أمّا البلاد فإذا وصلت سالما إلى بلدى أنفدت بتسليمها إليكم. فإنّ الآن لا يسمعون منى. وأمّا أسارى المسلمين فإنى فكنت عاهدت

стр. 2874

الله ونذرت من قبل أن تعفو عنى، أنى متى ردّيت إلى بلادى سالما أعتقت كلّ أسير عندى. وأنا فاعل ذلك. ثم إن السلطان ردّه إلى خيمته، ورتّب له ما يصلح لمثله من سائر ما يحتاج إليه. ثم إنه اقترض عشرة آلاف دينار وفرّقها على الحاشية. فلما كان بعد ثلاثة أيام أحضره السلطان وتلقاه وقام له قائما وأجلسه على سريره الذى كان له وكسب منه، وأخلع عليه ثانيا بأحسن من الأولى، وعقد له راية بيضاء مكتوب عليها بالسواد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنفذ معه حاجبين ومئة غلام، مع سائر ما يحتاج إليه الملوك من الآلات، وركب معه بنفسه وشيّعه مقدار فرسخ، وتعانقا وتودّعا وسار إلى القسطنطينية. ثم إنّ السلطان كتب إلى الخليفة الإمام القائم بالله أمير المؤمنين يشرح له جميع ما جرى. وزيّنت بغداد، وعملوا القباب وكان فرحا عاما عند سائر الناس بجميع الأقاليم. وأمّا ملك الروم فإنّه وصل إلى بلاده سالما، وأوفى بجميع ما أوعد به، وزاد فى هداياه أضعاف ما كان فى الظنّ، واستقرّ حال المسلمين معه طول أيام حياته.

стр. 2875

ذكر سنتى أربع وخمس وستين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنتين (ص ٢٣١): الماء القديم لسنة أربع: أربعة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع. الماء القديم لسنة خمس: ثلاثة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع. الحوادث الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين مستمرّا فيهما (كذا) وكذلك المستنصر. وفى سنه أربع كان زيادة الماء بكلّ أرض، حتى خيف منه، وظن أنه طوفانا. وقيل بل كان ذلك فى سنة ستّ التى غرقت فيها بغداد حسبما يأتى من ذكر ذلك فى سنة ست.

стр. 2876

وفى سنة خمس توفى السلطان ألب أرسلان السلجوقى إلى رحمة الله تعالى، وجلس على تخت الملك السلطان ملك شاه أبو الفتح ابن السلطان ألب أرسلان ابن سلجوق، وكان ملكا شجاعا هماما جوادا، وسيأتى من خبره طرف فى مكان يليق به إن شاء الله تعالى. وفيها توفى محمود بن شبل الدولة صاحب حلب. وقام بأمر حلب ولده نصر بن محمود. وفيها استولى تاج الدولة على دمشق، وأخرج الأقسيس منها من رواية أخرى. ذكر سنة ست وستين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة أصابع.

стр. 2877

ما لخّص من الحوادث الخليفة القائم بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الملوك بحالهم. والمستنصر خليفة مصر. وفيها دخل أمير الجيوش إلى الديار المصرية. وهو أبو النجم بدر الجمالى المستنصرى، وكان قبل ذلك بصور (ص ٢٣٢) وعكّا نايبا عن الظاهر بن الحاكم. فعقد يوم وصوله مجلسا عظيما عامّا اجتمع فيه أكثر الناس فاستفتح قارئا وقرأ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾) وقطع الآية. فقال المستنصر: لو أتم الآية أمرت بضرب عنقه. وممّا يعتد من مبادئ سعادة أمير الجيوش أنه حضر من بيروت فى البحر وأقلع منها فوصل منها إلى دمياط ثانى يوم، وصحت له هذه الصحوة حتى ضرب بها المثل، فقيل: صحوة أمير الجيوش. ونعت بالسيّد الأجلّ كافل أمير المؤمنين، وهادى قضاة المسلمين، وناصر دعاة الدين، أمتع الله ببقائه أمير المؤمنين. ثم إنّه دبر الأمور أحسن تدبير، وأرخص الأسعار بعد طول مدة غلائها فى تلك السنين الماضية. وذلك أنه نادى بإخراج الغلال وبيعها،

стр. 2878

وعاد يهجم على كلّ من بلغه أنّ عنده غلة خزين. فإذا وجد ذلك طلبه وكشف عن ما يكفيه وجميع عائلته من تلك الغلّة مدة سنة كاملة، ويأمر بالفاضل عنه فيباع ويصب فى العراص. فرخص السعر، وطابت نفوس الناس، ومشى الحال، وقويت الهيبة، وارتدع المفسد، وأمنت الطرق، وسافرت التجار، وورد الجالب. وفيها قبض على أبى العلاء عبد الغنى المعروف بالضيف الذى كان ينظر فى الأمور، وأمر بنفيه إلى قيسارية ثم نقل إلى تنيّس وقتل بها. وفيها ولى القضاء أبو العلاء حمزة العرقى من قبل أمير الجيوش، وعاد من متولى الحكم والدعوة من هذا التاريخ نائبا عن أمير الجيوش، وتقليدهم من مجلس حكمه. فكان نوابه فى القضاء من يذكر: أبو يعلى حمزة العرقى وكان وليه أصلا. أبو الفضل القضاعى. أبو القاسم على بن أحمد بن عمار. أبو الفضل بن نباتة. أبو الفضل بن عتيق. أبو الحسن بن الكحّال. وفيها كانت غزقة بغداد.

стр. 2879

قال القاضى ابن الأثير صاحب التاريخ: إن فى هذه السنة كانت غرقة بغداد. وذلك أنه جاءت أمطار وسيول، وجاء بأرض الموصل والجبال أمطار عظيمة، وزادت دجلة (ص ٢٣٣) زيادة لم يعهد بمثلها، وعاد يأتى على وجه الماء من الأفاعى من الحيّات والحشرات شئ كثير، حتى نظروا الناس على تلّ فى وسط الماء سبع ويحمور واقفين مذهولين عن بعضهما بعضا. ودخل الماء دار الخلافة من باب النوبى وباب العامة، ودخل الجامع وخرج الماء على الخليفة من تحت سريره، فنهض إلى الباب فلم يجد طريقا، فحمله خادم على ظهره إلى التاج، ولبس الخليفة البردة وأخذ القضيب بيده ووقف بين يدى الله تعالى يتضرّع، ولم يطعم فى يومه وليلته، وغرقت مقبرة أبرز وخرجت الموتى فى توابيتهم على الماء، وتهدّم الحريم وباب الأزج، وخرج رجل وعلى كتفه ولد له، فاجتهد أن يتخلّص فلم يقدر فرمى بولده وخلص بنفسه. وغرق من العالم والبهائم ما لا يحصى كثرة. وفيها تسلطن السلطان سنجر شاه.

стр. 2880

ذكر سنة سبع وستين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين، إلى أن توفى فى هذه السنة يوم الخميس ثانى عشرين شعبان، وعمره سبعون سنة. وكانت خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر. وتولى الخلافة المقتدى. ذكر خلافة المقتدر بأمر الله بن محمد بن القائم بالله وما لخّص من سيرته هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله القائم بالله ابن أحمد القادر بالله. وباقى نسبه قد تقدم ذكره.

стр. 2881

أمّه أمّ ولد تسمّى شراب. ومحمد والده يلقّب ذخيرة الدين. وكان ولى عهد أبيه القائم بالله فتوفى فى حياته (ص ٢٣٤). والمستنصر خليفة مصر. وأمير الجيوش بدر الجمالى مدبّر الممالك المصرية بأحسن التدبير. وصلحت أحوال الناس، وزال جميع ما كان من الشرور والفتن والخوف، ورخصت الأسعار، ومشت أحوال العالم. وكثر الجالب من سائر الأصناف. ذكر سنة ثمان وتسع وستين وأربع مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة ثمان: أربعة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. الماء القديم لسنة تسع: ثلاثة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.

стр. 2882

الحوادث الخليفة فيهما المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق الحكام. والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بدر الجمالى مدبّر الممالك المصرية. وفى سنة ثمان قتل محمود بن نصر بن شبل الدولة صاحب حلب، وجلس أخوه سابق بن محمود. ولم يتجدّد شئ فى سنة تسع بحكم التلخيص. ذكر سنتى سبعين وإحدى وسبعين وأربع مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة سبعين أربعة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.

стр. 2883

الحوادث الخليفة فيهما المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم حسبما تقدم. والمستنصر خليفة مصر. وأمير الجيوش بدر الجمالى مدبر الممالك المصرية. وفى سنة سبعين حاصر تاج الدولة حلب، وطمع فى أخذها من سابق. وفيها ولد المستظهر. وفى سنة إحدى وسبعين توفى نصر بن مروان صاحب ديار بكر (ص ٢٣٥). وفيها كانت عدة فتن بين الملوك يطول شرحها. ذكر سنتى اثنتى وثلاث وسبعين وأربع مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة اثنتين: خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.

стр. 2884

الماء القديم لسنة ثلاث: أربعة أذرع واحد وعشرون إصبع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. الحوادث الخليفة فيهما المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق بحالهم. والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بدر الجمالى مدبر ممالكه. وفى سنة اثنتى عاد تاج الدولة وحاصر دمشق وأخذها فى ربيع الآخر وقتل اتسز الذى كان تغلب عليها. وكانت مملكته بها ثلاث سنين وأربعة أشهر. وفى سنة ثلاث أخذ شرف الدولة حلب من سابق بن محمود. ذكر سنتى أربع وخمس وسبعين وأربع مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة أربع: خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا.

стр. 2885

الماء القديم لسنة خمس: ثمانية أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع. الحوادث الخليفة فيهما المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والمستنصر خليفة مصر. وأمير الجيوش بها بدر الجمالى مدبّر ممالكه. وفى سنة أربع توفى محمد بن ثابت الجحدى صاحب آلة النجوم الرصدية. وفى سنة خمس فتح تاج الدولة أنطرطوس وبانياس من الفرنج. وفيها سار السلطان ملك شاه السلجوقى إلى محاربة أخيه نقش شاه (ص ٢٣٦) وحصل بينهما الصلح من غير حرب ولا قتال.

стр. 2886

ذكر سنتى ست وسبع وسبعين وأربع مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة ست خمسة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. الماء القديم لسنة سبع خمسة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. الحوادث الخليفة فيهما المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بدر الجمالى بحاله. قال ابن واصل: فى سنة ست وسبعين وأربع مئة سيّر السلطان جلال الدولة السلجوقى سلطان بغداد فخر الدولة بن جهير إلى ديار بكر

стр. 2887

ليتسلّمها، وأعطاه الكوسات و [سيّر معه] العساكر [فسار إليها ونزل بنواحى آمد]. [وفى سنة سبع وسبعين وأربعمائة] أردفه بجيش كثيف من جملتهم الأمير أرتق بن أكسب-أبو الملوك الأرتقيّة-وكان صاحب ديار بكر يومئذ ابن مروان الكردى لما بلغه توجه العساكر إليه، توجّه إلى الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلى صاحب الموصل راغبا أن ينصره ويساعده فأجابه إلى ذلك. فلما علم فخر الدولة ذلك مال إلى الصلح ولم ير بتشتيت العرب مصلحة. فلما علمت التركمان منه ذلك تركوه، وركبوا ليلا وأحاطوا بالعرب، وذلك فى ربيع الأول، [والتحم القتال واشتد]، فانهزمت العرب، ولم يحضر هذه الوقعة فخر الدولة ولا الأمير أرتق. وغنم التركمان حلل العرب ودوابهم، وانهزم شرف الدولة العقيلى وتحصّن بمدينة آمد، ونازله فخر الدولة ابن جهير والأمير أرتق بالعساكر. فراسل شرف الدولة الأمير [أرتق] وبذل له مالا كثيرا. وكان أرتق على حفظ الطريق. فمكّنه من الخروج فخرج لتسع بقين من ربيع الأول، وقصد الرقّة.

стр. 2888

فلما بلغ جلال الدولة السلطان ببغداد [انهزام شرف الدولة وحصره بآمد، لم يشك فى أسره ف] خلع على عميد الدولة ابن فخر الدولة [بن جهير] وسيّره إلى أبيه فى جيش كثيف ومعه من الأمراء قسيم الدولة آقسنقر والد الأتابك محمود بن زنكى. وكان الأمير أرتق قد رجع إلى السلطان لمنافسة وقعت بينه وبين فخر الدولة ثم توجهت الجيوش إلى الموصل ونازلوها وفتحوها سلميّا. ثم حضر السلطان بنفسه وكانت [بلاده الموصل، وديار ربيعة أجمع، ومدينة حلب و] سائر تلك النواحى بالجزيرة والفرات ومنبج وغيرهما. قال ابن واصل: ثم إن شرف الدولة طلب الأمان من السلطان وحضر، وقدّم السلطان تقادم حسنة من جملتها فرسه المشهور المسمى بشّار، فسبق كلّ فرس كان عند السلطان فأعجبه، وأقبل على شرف الدولة وأعاده إلى ما كان عليه، وأعاد إليه الموصل. وكان صاحب قونية وأقصرا وما يتّصل بهما من البلاد الرومية للملك سليمان بن قطلمش، وهو ابن عم السلطان جلال الدولة ملكشاه. فقصد فى سنة سبع وسبعين وأربع مئة مدينة أنطاكية، وكانت يومئذ بيد الروم وكانوا ملكوها سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. قلت: وسيأتى ذكر ذلك متفصّلا فى تاريخ ما يأتى ذكره، لما فتحها السلطان الملك الظاهر البندقدار آخر وقت إن شاء الله.

стр. 2889

وملكها فى هذه السنة فى حديث طويل يأتى فى موضعه، ولما ملكها كتب إلى السلطان ملكشاه بذلك وعرّفه بما فتح الله على يديه. ثم إن شرف الدولة العقيلى صاحب الموصل كتب إلى سليمان يطالبه بالحمل إلى السلطان فأبى عليه. وقال: السلطان ابن عمى، وقد كتبت إليه بذلك. فأنت أيش بيننا؟ فركب شرف الدولة ونهب بلاد أنطاكية. فنهب سليمان بلاد حلب، وحصل بينهما وقعة وانهزم فيها شرف الدولة [ثم قتل فى نفس اليوم]. وسار سليمان إلى حلب وحصرها خامس ربيع الآخر، فلم يبلغ منها غرضا، فرحل عنها. وكان مع سليمان الأمير ارتق. فإنه خاف من فخر الدولة لما ينم عليه عند السلطان بما كان ما دار

стр. 2890

من شرف الدولة. ثم انتقل إلى خدمة جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان العادل عضد الدولة ألب أرسلان السلجوقى، وجلال الدولة تتش يومئذ صاحب دمشق. فلما وصل إليه الأمير أرتق أقطعه نابلس. وكان سليمان بن قطلمش قد ظفر بشرف الدولة وقتله وسيّر جيشه إلى حلب، وطلب تسليمها، فلم يحيبوا، والحاكم عليها يومئذ ابن الحتيتى العبّاسى. فكاتب لجلال الدولة صاحب دمشق وحسّن له ذلك الأمير أرتق. فركب والتقى سليمان. فانهزم أصحاب سليمان. قال فأخرج سكينا وقتل بها نفسه. واستولى جلال الدولة تتش على عسكره، ووصل إلى حلب وطلب تسلّمها فأبوا عليه أيضا، فخامر من أهلها أناس واطلعوا من عسكر جلال الدولة جماعة بالحبال، وشفع الأمير أرتق فى ابن الحتيتى حاكم حلب. وكان بالقلعة سالم بن مالك بن بدران العقيلى وهو ابن عم شرف الدولة

стр. 2891

المذكور، فحوصرت القلعة مدة سبعة عشر يوما، ثم بلغه توجّه أخيه السلطان ملكشاه إلى نحوه، فنزل حلب وعاد إلى دمشق مملكته وحضر السلطان من إصبهان، وجعل طريقه على الموصل فوصلها فى رجب، وسار عنها إلى حرّان، وأقطعها إلى محمد بن شرف الدولة المقتول. ثم سار إلى الرّها وملكها من الروم، وفتح قلعة جعبر، وأخذ صاحبها جعبر، وهو شيخ ضرير. ثم وصل إلى حلب وتسلّمها وتسلّم قلعتها، وعوّض سالم عنها قلعة جعبر، فلم تزل فى أيدى العقيليّين إلى أن أخذها منهم نور الدين الشهيد حسبما يأتى من ذكر ذلك إن شاء الله. وفيها كانت قتلة الصليحى الناجم باليمن، ولنذكر الآن بدو شأنه ونسبه.

стр. 2892

ذكر علىّ الصليحى الناجم باليمن وما لخّص من خبره هو أبو الحسن علىّ بن محمد بن علىّ الصّليحىّ القائم باليمن. وذلك ما رواه القاضى ابن خلّكان فى تاريخه عن الفقيه عمارة اليمنى الشاعر الآتى ذكره إن شاء الله تعالى عند ذكر السلطان صلاح الدين ابن أيّوب فى الجزء التالى لهذا الجزء، وهو المختصّ بذكر دولة بنى أيوب. قال القاضى شمس الدين ابن خلكان: قال الفقيه عمارة اليمنى فى ترجمة الصالح ابن رزّيك: كان الصّليحى المذكور أبوه قاضيا باليمن سنى المذهب. وكان أهل بيته وجماعته يطيعونه. وكان الداعى عامر ابن عبد الله الرواحى لم يزل يلاطفه ويركب إليه، لرئاسته وسؤدده وصلاحه وعلمه. ثم إن عامرا المذكور استمال قلب ولده علىّ المذكور، وهو يومئذ دون بلوغ الحلم، ولا حت لعامر من الغلام مخايل النجابة. وقيل كانت عند عامر حلية علىّ الصليحى فى كتاب [الصور]، ويقال إنّه من الكتب (ص ٢٣٧) العظيمة والذخائر العظيمة. فأوقفه منه على تنقّل حاله وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سرّا من أبيه وأهل بيته. ثم إنّ عامرا توفى إلى رحمة الله عن قريب وأوصى إلى علىّ

стр. 2893

الصّليحى بكتبه وعلومه، ورسخ فى ذهن علىّ من كلامه ما رسخ، وعكف على الدرس والاشتغال. وكان ذكّيا حاذقا، فلم يبلغ الحلم حتى تضلّع من معارفه التى بلغ بها وبالجدّ السعيد غاية الأمل. فكان فقيها فى مذهب الدولة الإماميّة مستبصرا فى علم التأويل، ثم إنه صار يحجّ بالناس دليلا على طريق السّراة والطائف، فأقام كذلك خمس عشرة سنة. وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، ويكون لك شأن عظيم، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع أنّه أمر قد شاع وذاع فى الناس وكثر على أفواه العالم. ولما كان فى سنة تسع وعشرين وأربع مئة ثار فى رأس مشار وهو أعلى ذروة تلك الجبال. وكان معه ستون رجلا قد حالفهم بمكّة فى موسم سنة ثمان وعشرين وأربع مئة على الموت، والقيام بالدعوة، وما منهم إلاّ من هو فى منعة من قومه وعشائره، وفى عدد جيّد. ولم يكن ثمّ برأس الجبل المذكور قلعة ولا ما يمنع. فلما ملك الذروة لم ينتصف النهار الذى ملكها فيه حتى أحاط به عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفّهوا عليه وسفهوا رأيه [وقالوا له]: تنزل طوعا وإلاّ قتلناك ومن معك جوعا وعطشا. فقال لهم: لم أفعل ذلك إلاّ خوفا علينا وعليكم أن يملكه غيرنا. فإنّ تركتمونى أحرسه وإلاّ نزلت. (ص ٢٣٨) فانصرفوا عنه. ولم يمض شهران من ذلك

стр. 2894

التاريخ حتى بناه وحصّنه وأتقنه، واستفحل أمره شيئا فشيئا. وكان يدعو للمستنصر خليفة مصر فى الخفية، ويخاف من صاحب تهامة المسمّى نجاح. فكان يلاطفه ويستكين لأمره. وفى الباطن يعمل الحيلة فى قتله. فلم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة كان أهداها له. وذلك فى سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة بالكدراء. وفى سنة ثلاث وخمسين كتب الصّليحىّ إلى المستنصر بمصر يستأذنه فى إظهار الدعوة. فأذن له، فطوى البلاد طيّا، وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين حتى ملك اليمن بأسره سهله ووعره، بره وبحره. وهذا أمر لم يعهد مثله فى جاهليّة ولا إسلام، حتى قال يوما وهو يخطب الناس فى جامع الجند: وفى مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن إن شاء الله تعالى. ولم يكن ملكها بعد. فقال رجل ممن حضر مستهترا: سبّوح قدّوس. فأمر بالحوطة عليه. وساعدت الصليحى المقادير فخطب تلك الجمعة بجامع عدن وهى الجمعة التى ذكرها. فقام ذلك الرجل وتغالى فى القول وأخذ البيعة على نفسه ودخل المذهب. ومن سنة خمس وخمسين استقرّ حاله فى صنعاء. وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ممالكهم وأسكنهم معه فى صنعاء. وولّى فى الحصون غيرهم، واختطّ بمدينة صنعاء عدّة قصور، فوزنت له زوجته أسماء

стр. 2895

عن أخيها سعد بن شهاب مئة ألف دينار. وكان أخوها من أمّها. فولاّه تهامة. وقال: مولاتنا (﴿أَنّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (ص ٢٣٩) ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾) فتبسم وعلم أنّ ذلك من خزائنه. فقبضه وقال: (﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾) [فقالت: (﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا] وَنَحْفَظُ أَخانا﴾). ولم يزل مستمر الملك نافذ الأمر إلى هذه السنة. فعزم على الحجّ. فاستصحب معه الملوك [الذين كان يخاف أن يثوروا عليه]، وكذلك زوجته، واستخلف مكانه ولده المكرم أحمد، وهو ولده أيضا منها. وتوجّه فى ألفى فارس فيهم من الصليحيين مئة وستون نفرا. حتى إذا كان بالمهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال لها: الدهيم وبئر أمّ معبد، وخيّمت عساكره والملوك الذين معه حوله لم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصّليحىّ. فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر. فكان سبب ذلك أنّ سعيد الأحوال بن نجاح صاحب تهامة الذى قتلته الجارية بالسّم بتدبير الصّليحىّ لما توفى أبوه واستولى الصليحىّ على ملك اليمن استتر فى زبيد. وكان أخوه جيّاش فى دهلك. فسيّر إليه وأعلمه أنّ الصليحىّ متوجه إلى مكة فتحّضر حتى تقطع عليه الطريق وتقتله إن شاء الله تعالى. فحضر جيّاش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلا بلا مركب ولا سلاح، بل مع كل

стр. 2896

واحد جريدة بآخرها مسمار من حديد، وتركوا جادة الطريق، وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجدّ. وكان الصليحىّ قد سمع بخروجهم، فسيّر خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين فى ركابه لقتالهم، فاختلفوا فى الطريق. فوصل سعيد ومن معه إلى [طرف] المخيم، وقد أخذ منهم التعب والحفاء وقلّة المادة. وظن الناس أنّهم من جملة عبيد العسكر. ولم يشعر (ص ٢٤٠) بهم إلاّ عبد الله أخو [علىّ] الصليحىّ. فقال لأخيه: يا مولانا اركب، فهذا والله سعيد بن نجاح. وركب عبد الله. فقال الصليحىّ لأخيه: إنّى لا أموت إلاّ ببئر أمّ معبد. معتقدا أنها بئر أم معبد التى نزل بها رسول الله ﷺ ، لما هاجر إلى المدينة. فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدهيم وبئر أمّ معبد. فلما سمع ذلك الصليحىّ زمع اليأس من الحياة، وبال فى مكانه، ولم يبرح زامعا بمكانه حتى قطع رأسه بسيفه، وقتل أخوه معه وسائر الصليحيّين. وذلك فى الثانى عشر من ذى القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة. وهو الصحيح، ليس فى هذه السنة. ثم جلس سعيد على فراش الصّليحىّ، وأرسل إلى الخمسة آلاف التى كان أرسلها الصّليحىّ إليه وقال لهم: إنّ الصّليحىّ قد قتل، وأنا رجل منكم. وقد أخذت بثأر أبى. فقدموا عليه ودخلوا تحت طاعته، واستعان بهم على قتال من تبقّى من الصليحيّين وجموعهم، واستظهر عليهم قتلا وأسرا، ثم رفع رأس الصليحى على عود المظلّة،

стр. 2897

وقرأ القارئ (﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾) الآية. ورجع إلى مدينة زبيد، وقد حاز [من] الغنائم ملكا عظيما. ودخلها فى سادس عشر ذى القعدة من السنة المذكورة. وملكها وملك بلادها وبلاد تهامة. ولم يزل كذلك حتى قتل فى سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، بتدبير الحرّة، وهى امرأة من الصليحيّين فى خبر طويل، لا يمكن استيعابه. ولما قتل الصليحىّ ورفع رأسه على عود المظلة كما تقدم، عمل فى ذلك القاضى العثمانى شعرا فمن ذلك: بكرت مظلته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجلّ سعيدها ما كان أقبح وجهه فى ظلّها ... ما كان أحسن رأسه فى عودها سود الأراقم قاتلت أسد الشرى ... وارحمة لأسودها من سودها قلت: وكان الصّليحىّ شجاعا بطلا مقداما عالما شاعرا فمن شعره: أنكحت بيض الهند سمر رماحهم ... فرؤوسهم عرض النثار نثار وكذا العلا لا يستباح نكاحها ... إلاّ بحيث تطلّق الأعمار وذكر العماد الإصبهانّى ﵀ فى «الخريدة» من شعر الصليحىّ يقول:

стр. 2898

وألذّ من قرع المثانى عنده ... فى الحرب ألجم يا غلام وأسرج خيل بأقصى حضر موت أشدها ... وزئيرها بين العراق ومنبج وذكر صاحب كتاب «دمية القصر» ممّا اختاره من شعر الصليحىّ: وسرجى فراشى والحسام مضاجعى ... وعدة حربى، لا ذوات الخلاخل ورمحى يعاطينى البعيد لأننى ... تناولت ما أعيا على المتناول ولى همة تسمو على كلّ همّة ... ولى أمل أعيا على كل آمل ولى من بنى قحطان أنصار دولة ... بطاريق من أنجاد كلّ القبائل ومما أجابه الحسين بن يحيى الحكّاك المكى فأحسن: رويدك ليس الحقّ ينفى بباطل ... وليس مجدّ فى الأمور كهازل كزعمك أنّ الدرع لبسك فى الوغى ... وذاك لجبن فيك غير مزايل وهل ينفعنّ السيف يوما ضجيعه ... إذا لم يضاجعه بيقظة باسل فهلاّ اتخذت الصبر درعا وجنة ... كما الصبر درعى فى الخطوب النوازل وتفخر أن أصبحت مأمول عصبة ... فأخسس بمأمول وأخسس بآمل وهل هى إلاّ فى تراث جمعته ... فهلاّ عدت فى بذل معروف ونائل كما همّنا فاعلم إجابة سائل ... وإسعاف ملهوف وإغناء عائل وختمها: ولا تغترر باللّيث عند خدوره ... فكم خادر فاجا بوثبة صائل

стр. 2899

ذكر سنة ثمانى وسبعين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بدر الجمالى مدبّر الممالك المصرية. وفيها كان ابتدآء دولة بنى منقذ بشيزر. قال العماد الإصفهانى ﵀ فى كتاب «السيل والذيل»: إن فى هذه السنة تسلّم أبو الحسن علىّ بن مقلّد بن نصر بن منقذ الكنانى الملقب بسديد الملك قلعة شيزر. وذلك أنّه كان شجاعا مقداما قوىّ النفس. وهو أول من ملك قلعة من بنى منقذ. وكان نازلا بجوار القلعة بالقرب من الجسر المعروف

стр. 2900

اليوم بجسر بنى منقذ. وكانت القلعة يومئذ فى يد الروم، فحدثته نفسه بأخذها. فنازلها بقومه وعشيرته وتسلّمها بالأمان. وقيل كان ذلك فى سنة أربع وسبعين وأربع مئة. ولم تزل فى يد بنيه إلى أن كانت الزلزلة العظيمة، فهدمت القلعة ومات أكثرهم تحت الردم، وشغرت، فجاءها نور الدين محمود ابن الملك زنكى صاحب الشام فى بقية سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة. وكانت هذه الزلزلة يوم الاثنين ثالث رجب من السنة المذكورة. وتسلّم نور الدين القلعة وعمرها بعد ذلك. وذكر القاضى بهاء ابن شدّاد صاحب «سيرة السلطان صلاح الدين» -رحمهما الله-فى السيرة المذكورة أنه جاءت زلزلة عظيمة بحلب، وأخربت كثيرا من البلاد. وأرّخ ذلك فى ثانى عشر شوال سنة خمس وستين وخمس مئة (ص ٢٤٣) وهذه زلزلة أخرى غيرها تيك، وسيأتى ذكرهما فى تاريخهما الآتى من الجزء التالى لهذا الجزء إن شاء الله تعالى. وكان سديد الملك بن منقذ المذكور مقصودا جوادا شجاعا، وخرج من بنيه جماعة نجباء أمراء فضلاء كرماء. ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخيّاط، والخفاجىّ، وشرف الدين ابن الحلاوى شاعر الموصل،

стр. 2901

وعبد المحسن الصّورى، وغيرهم. وسيأتى بعد ذكره شيئا من أشعارهم، وكان له شعر جيّد. فمنه قوله وقد غضب على مملوك له وضربه، وكان كثير الشغف به فقال: أسطو عليه وقلبى لو تمكّن من ... كفّىّ غلّهما غيظا إلى العنق وأستطير إذا عاقبته حنقا ... وأين ذلّ الهوى من عزّة الحنق وكان موصوفا بقوّة الفطنة. وتنقل عنه حكايات عجيبة. فمن ذلك ما ذكره الشيخ شمس الدين ابن خلكان ﵀ فى تاريخه قال: كان يتردّد إلى حلب قبل تملّكه شيزر، وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس، فجرى له أمر خاف سديد الملك على نفسه منه، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك ابن عمّار، فأقام عنده. فتقدّم صاحب حلب إلى كاتبه أبى نصر محمد بن على بن النحاس أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يتشوّقه ويستعطفه ويستدعيه إليه. وفهم الكاتب أنّه يقصد له شرّا. وكان صديقا لسديد الملك فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى إن شاء الله تعالى فشدّد النون وفتحها. فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمّار صاحب

стр. 2902

طرابلس ومن بمجلسه من خواصه، فاستحسنوا عبارة الكاتب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود (ص ٢٤٤) فيه وإيثار لقربه. فقال سديد الملك: إنى أرى فى الكتاب ما لا ترون. ثم إنّه أجابه عن الكتاب بما اقتضى الحال من جوابه، وكتب فى جملة الكتاب: أنا الخادم المقرّ بالإنعام وكسر الهمزة من أنا وشدّد النون. فلما وصل الكتاب إلى محمود وقف الكاتب عليه فسرّ بما فيه. وقال لأصدقائه: قد علمت أنّ الذى كتبته لا يخفى على سديد الملك. وقد أجاب بما طيّب به قلبى. وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى (﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾) فأجاب سديد الملك (﴿إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها﴾) ولنذكر الآن قصيدة ابن الحلاوى الفريدة، ذى المعانى المجيدة: حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلاّ وجنتاه وريقه هلال ولكن أفق قلبى محلّه ... غزال ولكن سفح عينى عقيقه وأسمر يحكى الأسمر اللّدن قدّه ... غدا راشقا قلب المحب رشيقه على خده جمر من الحسن مضرم ... يشبّ ولكن فى فؤادى حريقه

стр. 2903

منها: من الترك لا يصبيه وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير يشوقه له مبسم ينسى المدام بريقه ... ويخجل نوّار. الأقاحى بريقه تداويت من حرّ الغرام ببرده ... فأضرم من ذاك الحريق رحيقه منها: حكا وجهه بدر السماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس: هذا شقيقه وأشبه زهر الروض حسنا وقد بدا ... على عارضيه آسه وشقيقه على وجنتيه للعذار جديده ... وفى شفتيه للعقار عتيقه فما فاز إلاّ من يكون صبوحه ... شراب ثناياه ومنها غبوقه على مثله يستحسن الصب هتكه ... وفى حبه يجفو الصديق صديقه أحبة قلبى جيرتى نحو أرضكم ... يحنّ فؤادى ليس يخفى خفوقه وأشتاق هاتيك المنازل والحما ... ومن ذا الذى ذكر الحمى لا يشوقه ومما يدلّ على علو طبقة هذا الرجل الفاضل قوله: كتبت فلولا أنّ ذاك محرّم ... وهذا حلال قست لفظك بالدرّ فو الله ما أدرى أزهر خميلة ... بطرسك أم درّ يلوح على نحر فإن كان زهرا فهو صنع سحابة ... وإن كان درّا فهو من لجّة البحر وعلى معنى البيت الذى فى قصيدته القافية وهو: حكا وجهه بدر السماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس هذا شقيقه

стр. 2904

قول: خليلىّ ما أحلا صبوحى بدجلة ... وأطيب منها بالصراة غبوقى شربت من الماءين ماء وكرمة ... فكانا كدرّ ذائب وعقيق على قمرى أفق وأرض تقابلا ... فمن شائق حلو الهوى ومشوق فما زلت أسقيه وأشرب ريقه ... وما زال يسقينى ويشرب ريقى فقلت لبدر التمّ: تعرف ذا الفتى؟ ... فقال: نعم هذا أخى وشقيقى ومن القصايد البديعة الجارية كجرى السّلاف فى أعطاف اللطاف قصيدة عبد المحسن الصورى: عاد الفؤاد إلى قديم ضلاله ... ورأى الرجوع إلى وداد غزاله وخفى عليه الرشد حين أراده ... وتنافرا إذ ليس من أشكاله مطل العذول بصبره متوانيا ... وأجاب داعى الحب قبل سؤاله شغفا بمرتجّ الروادف أهيف ... كالغصن يثنيه نسيم شماله عظمت محاسنه فحين خبرته ... صغرت محاسنه لحسن فعاله هجراته كالدهر فى إدباره ... ووصاله كالسعد فى إقباله جمع الجمال فكلّ ما أبصرته ... من غيره فهو اختصار جماله للحسن إلف تابع ومساير ... من خلفه ويمينه وشماله لو أنّه يوما تمنّى حسنه ... ما كان يخطر كلّ ذا فى باله انظر إلى ما شئت منه فكلّه ... لمحبّه حجج على عذّاله يا من يقيس بوجهه البدر اعتذر ... مما جنيت فليس من أمثاله

стр. 2905

البدر يقصر عن حكاية كلّه ... لم يحكه إلاّ ببعد مناله إنّ الشقيق رأى محاسن وجهه ... فأراد أن يحكيه فى أحواله فأفاد حمرة لونه من خدّه ... وأفاد لون سواده من خاله يا أيّها البدر البديع جماله ... ارحم فتى أنت العليم بحاله لو سيل عن آماله من دهره ... ما كان غير رضاك من آماله قلت: لا أعلم ما يشاكل رقّة الخمر فى رقة الزجاج حتى تشاكلا فى الليل الداج، فهنالك تشاكل الأمر، أن يفرق بين الزجاج والخمر، كرقة هذا القصيد، الذى عاد لاختراع المعانى وصيد، وليس لها نظير، إلا قصيدة الوزير، أبى الوليد ابن زيدون، التى لولا التغالى لكانت حقيقه بكلمة الكاف والنون، وستأتى أبياتها، فى مكان يستحق إثباتها.

стр. 2906

ذكر سنة تسع وسبعين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. (ص ٢٤٧). والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بدر الجمالى بحاله. وفيها ملك سليمان بن قتلمش أنطاكية حسبما يأتى من ذكر ذلك عند فتوحها على يد السلطان الملك الظاهر البندقدارى أحد الملوك التركية، أدام الله أيّام سلطانها، وأعزّ نصره، وأعلا فى عليّين محله وقصره. وفيها تسلّم سكمان بن أرتق حصن ماردين. وفيها استولى الشريف حسن على حلب وغلب عليها والله أعلم.

стр. 2907

ذكر سنتى ثمانين وإحدى وثمانين وأربع مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة ثمانين ستة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. الماء القديم لسنة إحدى خمسة أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة أصابع. الحوادث الخليفة فيهما المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الحكّام. والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بها بدر الجمالى مدبّر الممالك المصرية. وفى سنة ثمانين تسلّم شرف الدولة خراسان، وقتل ابن حبلة (؟) بها وملك.

стр. 2908

وفيها سلّم السلطان أبو الفتح حلب إلى قسيم الدولة آق سنقر. وفى سنة إحدى فتح السلطان ملك شاه سمرقند وملكها بالسيف عنوة. وفيها هلك تكفور ملك الروم صديق السلطان ملك شاه. قال ابن واصل: فى هذه السنة كان تسليم السلطان جلال الدولة ملكشاه حلب بالسبب المقدم ذكره المكتوب على الحاشية ولما تسلّمها لحاجبه قسيم الدولة آقسنقر، فاستولى عليها وعلى أعمالها وعلى منبج واللاذقيّة وكفر طاب. وأقطع السلطان مدينة الرّها مجاهد الدين بزان، وأقطع أنطاكية الأمير ياغى سيان. ثم ظهرت كفاية الأمير قسيم [الدولة] آقسنقر، وعظمت هيبته فى جميع بلاده. ثم إن السلطان استدعاه بعد ذلك إلى العراق، فقدم عليه فى تجمّل عظيم. ولم يكن فى عسكر السلطان من يقاومه. فاستحسن السلطان ذلك منه وعظم محلّه عنده. ثم أمره بالعود إلى حلب. فعاد إليها فى سنة ثمانين وأربع مئة، ورخصت الأسعار فى أيّامه، وأمنت السّبل، وأقيمت الحدود الشرعية، وقتل المتطرفين إلى الفساد.

стр. 2909

وفى سنة إحدى وثمانين وأربع مئة جمع قسيم الدولة عسكره وقصد شيزر وحاصرها، وصاحبها يومئذ نصر بن على بن منقذ وضايقها ونهب ربضها ثم صالحه صاحبها وعاد إلى حلب. وفى سنة اثنتين وثمانين أسّس القاضى أبو الحسن الخشّاب منارة حلب. [وكان بحلب] معبد نار قديم [العمارة] وصار بعد ذلك أتون حمّام. فأخذ ابن الخشّاب حجارته، وبنى بها المنارة. فوشى به بعض حسّاده إلى الأمير قسيم الدولة فغضب على القاضى واستحضره وقال: هدمت معبدا هو لى وملكى. فقال: أيّها الأمير، هذا كان معبدا للنار قديما، وقد صار اليوم أتونا، فأخذت حجارته عمرت بها معبدا للإسلام يذكر فيه اسم الله وحده لا شريك له. وكتبت اسمك عليه، وجعلت الثواب لك. فإن رسمت غرمت ثمنه لك، ويكون الثواب لى، فعلت. قال: فأعجب الأمير كلامه واستصوب رأيه، وقال: بل الثواب لى وافعل ما شئت. وفى سنة أربع وثمانين تسلم قسيم الدولة حصن فامية. ثم سار وصحبته تاج الدولة إلى طرابلس فحاصرها، وبها صاحبها الأمير جلال الملك بن عمّار. فرأى جيشا لا يدفع إلاّ بالحيلة والسياسة. فراسل

стр. 2910

ابن عمّار وزير قسيم الدولة، وأوعده بحمله مال. فسعى مع صاحبه فى إصلاح أمره، وحمل إليه ثلاثين ألف دينار وتحف (كذا) بمثلها، وأبرز من يده منشورا من وزير السلطان ملكشاه بالبلد. فأنعم قسيم الدولة بقبول المنشور، ورحل عن طرابلس على كره من تاج الدولة. وكان تاج الدولة فى ذلك الوقت فى خدمة أخيه السلطان. فلما توفى السلطان ملكشاه ﵀ فى سنة خمس وثمانين حسبما ذكرناه فى الأصل، وبلغ ذلك تاج الدولة وهو بمملكته بدمشق حشد العساكر وخرج طالبا للسلطنة. فخرج إلى خدمة قسيم الدولة من حلب ودخل فى طاعته. وسيّر إلى ياغى سيان صاحب أنطاكية، وإلى بزان صاحب الرّها، وأشار عليهما بالدخول فى طاعة تاج الدولة حتى يروا ما يكون من الأمر. فأجابا إلى ذلك، واتفقوا على الخطبة له على منابر بلادهم. ثم إنّ تاج الدولة سار فى أبهة السلطنة ونزل الرحبة وملكها. ودخلت سنة ست وثمانين. ثم وصل إلى نصيبين وبها نواب العقيلى صاحب الموصل، فملكها بالسيف عنوة، وقتل من أهلها خلقا كثيرا، وفعل الأفعال القبيحة، ثم سلّمها لمحمد بن شرف الدولة [بن بدران] العقيلى، وسار
следующие страницы →