← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ذكر سنة سبع وتسعين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث (ص ٢٦٤) الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل مدبّر الممالك المصرية. وفيها ملكت الفرنج خذلهم الله عكّا من المسلمين، وقتلوا من كان بها بعد ما أمنوهم. وفيها توفى الملك دقاق بن تتش السلجوقىّ صاحب دمشق فى شهر جمادى الآخرة من هذه السنة. وفيها ظهر كوكب عظيم بالشرق أبيض كأنّه القمر، له ذؤآبة من شرقيّه، تقدير طولها مئة وخمسين ذراعا، وله شعاع وضوء كالقمر الزاهر، وأقام يتردّد مدّة أيّام وليال. وكان إذا كان مع القمر يظنّ الناس أنّهما قمران، لولا ما فضل القمر بذؤآبته، وكان من الأعاجيب السمائية (كذا).

стр. 2942

ذكر سنة ثمان وتسعين وأربع مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق حكّام البلاد. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالى المستنصرىّ، والقاضى النابلسى بحاله. وفيها نزل أتابك طغتكين على دمشق خامس عشر جمادى الأولى فأقام محاصره إلى المغرب (كذا) من جمادى الآخرة. فملكها بالأمان ودخل إليها وصلّى تلك الجمعة بجامعها، فقفز عليه إسماعيل ليقتله فضربه مملوك كان خلفه بلتّ حديد فقتله، وسلم أتابك.

стр. 2943

ذكر سنتى تسع وتسعين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة تسع وتسعين ثمانية أذرع فقط. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. الماء القديم لسنة خمس مئة ثمانية واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. الحوادث الخليفة فيهما المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل شاهنشاه مدبّر الممالك المصرية. وفى سنة تسع وتسعين استولى الملك رضوان صاحب حلب على فامية، وكسر الفرنج على أرتاح، واستولى طغتكين أتابك على بصرى وصرخد. وفيها توفى يوسف بن تاشفين صاحب المغرب. وفى سنة خمس مئة قتل قلج أرسلان لسيف الدولة علىّ بن بسام صاحب الرقة. وفيها استعادوا الفرنج فامية من المسلمين.

стр. 2944

ذكر سنة إحدى وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكام البلاد. ووزير الخلافة ابن جهير عميد الدولة، إلى أن توفى فى هذه السنة. ووزر أخوه أبو القاسم علىّ ولقّب زعيم الدولة. والآمر خليفة مصر وأمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالى،

стр. 2945

واستكمل دار الملك وجعلها دار إقامته، وهى دار الوكالة اليوم بمصر فى هذا التاريخ. ونقل إليها من الأموال والتحف والأمتعة ما يعجز عن بعض وصفه اللسان. قال الشيخ شمس الدين ابن خلّكان رحمه الله تعالى فى تاريخه: كان بهذه الدار عشرة مجالس مفروشة (ص ٢٦٦) بأنواع الفرش الديباج والبسط الحرير. وكان فى كلّ باب من أبواب هذه المجالس العشرة مسمار ذهب بحلقة زنته مئة دينار، معلّق فيه منديل زركش يتناول منهم (كذا) ما شاء. وقيل إنّ الأفضل وقع له كنز يعرف بكنز الحمارة، ذكر ذلك صاحب كتاب «حلّ الرموز فى علم الكنوز». حكى أنه كان بمصر رجل أحدب إسكاف يرقّع العتيق من المداسات، فاجتمع له ثمانين درهم، ففكّر أنّه يشترى بها حمارا يكون يركبه إذا فرغ من شغله. فخرج إلى سوق الدوابّ، فوجد حمارة تباع بسائر عدتها بثمانين درهم. وهى من تركة إنسان توفى فشراها. فلما كان بكرة ذلك اليوم ركبها الأحدب وخرج نحو القرافة،

стр. 2946

وهى تسرع به المشى من غير أن تكلّفه لضربها. فأعجبه منها ذلك، واستمر كذلك إلى بساتين الوزير، فعرّجت طالعة نحو الجبل وهى تسرع أشدّ إسراع، ولا عاد يقدر على منعها. فلم تزل به كذلك إلى أن وصلت به فى الجبل إلى مكان فيه مدود مبنى وبه أثر شعير وتبن وقصريّة وجرّة ومقود بهيمة مشدود إلى مكتوم. فوقفت على ذلك المدود. فتعجّب الأحدب ونزل من عليها، فوجد إلى جنب المدود طابق بدرج، فجعل البهيمة فى ذلك المقود ونزل فى تلك الدرج، فأوصلته إلى قاعة حسنة بأربع أواوين متقابلة، فيها من الأموال ما لا يحصره لسان. ووجد فى زاوية المكان شعير وتبن فأخذ منه كفاية الهيمة وطلع أرماه لها، ونزل وصار يرقص ويصفّق وقد خرج من عقله فرحا. ثم إنه نظر إلى زنبيل معلّق فحطّه فوجد فيه مأكول مشوى وخبز وحلوى. فأكل، وفى وسط تلك القاعة بركة ماء كأحلى ما يكون وأعذب، (ص ٢٦٩) فشرب منه، وسقى البهيمة، وأخذ من ذلك الذهب فى خرجه شى تطيق البهيمة حمله، وركب وعاد إلى مصر مع عشى (كذا). ثم إنه اكترى قاعة حسنة فى

стр. 2947

مكان لا يعلم به، وصرف من الذهب قليل، وعاد يكسى (كذا) تلك القاعة أوّل فأوّل، حتى أعادها كأحسن ما يكون من آدر الأمراء الكبار، وكذلك صنع لنفسه من كلّ ملبوس حتى يلبسه إذا خلا بنفسه فى تلك القاعة، وهو مع ذلك لا يفارق ما كان عليه من خلقانه وهو فى دكّانه على حاله، ويعاود المكان ينقل منه أوّل بأوّل. قال: وكن جوارى الأفضل إذا أردن الجواز إلى الحمّام عبرن من عليه، وكان فيهن جارية من حضاياه تعبث بالأحدب إذا مرّت به وتضحك عليه، فيقول لها: والله لو زرتنى لنظرتى (كذا) عندى ما لا نظرته عند الأفضل. فلما تكرّر عليها القول قالت: يا أحدب تقول هذا الكلام هزل أم جد؟ فقال: لا والله يا نور عينى ما أقوله إلاّ جد. فقالت: جهّز أمرك لمثل هذا اليوم أنا عندك. فلما كان ذلك اليوم حضرت إليه متنكّرة وحدها، فأخذها وأتى بها القاعة، فنظرت إلى زىّ حسن، ثم قدّم لها مأكل عنده ومشروب فى أوانى عجيبة، لم تنظر عند الأفضل مثلها. وقدّم لها كيس فيه ألف دينار. وأقامت عنده إلى آخر النهار، وخرجت إلى منزلها وقد

стр. 2948

تعجّبت من أمر الأحدب. ثم إنها صارت تعاوده وكلّما انتهت إليه يعطيها كيس فيه ألف دينار. وامتحن الأحدب بها، فلما علمت الجارية أنّها أخذت بقلبه سألته عن أمره، ولم تزل به حتى اعترف. فقالت: أشتهى أتوجّه معك وأتفرّج فى هذا المكان. فأنعم لها بذلك. وأردفها خلفه على تلك البهيمة وأتى إلى المكان. فنظرت الجارية إلى ما أبهر عقلها. ثم إنها نظرت إلى بدنة لؤلؤ كبار مفصّلة بقضبان الزمرّد وقطع الياقوت البهرمان وقطع البلخش. فقالت: لابدّ لى من هذه البدنة. فقال الأحدب: وقد غلب عليه هواه لشقاه: هى لك. فأخذتها وافترقا. ثم إنه كان قد ولد للأفضل مولودا، فعمل له مهمّ كبير اجتمع فيه سائر نساء كبار الدولة. فلبست تلك الجارية تلك البدنة فوق سائر قماشها. فعادت تشتعل كالجمر. فلما رأوها بقية الحضايا عرّفوا الأفضل، فأمر بإحضارها، واستقرّها فاعترفت على الأحدب. فأحضر، وتوجّه الأفضل معه وتسلّم الكنز، ولم ير بعدها الأحدب. فكان هذا سبب سعادة الأفضل التى يخامر العقول ذكرها، كما يأتى بعض شئ من ذكر ذلك مما وجد فى تركته عند وفاته مما أثبت ذلك جماعة <من> المؤرخين منهم القاضى ابن خلّكان ﵏.

стр. 2949

وذكر أنّ بعض حاشية المستنصر اطّلع على أمر هذا الكنز فكتب إلى المستنصر رقعة يسأل المثول فى خلوة من الأفضل. فبينا هو يحدّث المستنصر عن الكنز وسببه ووصول الأفضل إليه لم يشعر إلاّ وهو قد دخل على المستنصر بغير إذن. وكان الأفضل إذا غضب على أحد قطع سائر أعضائه. فنظر إلى ذلك الرجل وهو يحدّث المستنصر عن الكنز، فأشار إليه أن لا بدّ ما أقطع أعضاءك. فلم يزل الرجل فى حديثه حتى انتهى. وقال: فإنى كذلك يا أمير المؤمنين، وإذا بحيّة عظيمة خرجت علىّ من ذلك الكنز فصرخت صرخة عظيمة أنبهتنى زوجتى، فانتبهت مرعوبا. فقال المستنصر: ما هذا ويلك؟ أكان ذلك رأيته فى منامك؟ قال: نعم يا مولانا. فقال قبّحك الله! اصفعوه. فقال الرجل: الحمد لله! بالتصفيع ولا بالتقطيع. (ص ٢٧١). وسيأتى من ذكر الأفضل عند وفاته شيئا آخر إن شاء الله.

стр. 2950

ذكر سنة اثنتين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل مدبّر الممالك المصرية. وفيها سلّمت الموصل لممدود. وملكت الفرنج طرابلس، وحلبا (؟) من العرب، وهو ابن عمار، بعد أن حوصر سبع سنين، كما يأتى من خبره عند ذكر فتح طرابلس إن شاء الله تعالى.

стр. 2951

وفيها أهدى الأفضل للآمر هدايا حسنة فى يوم خميس العدس، من جملتها قطعة مرجان عزيزة الوقوع خطرة المقدار، فحضر الجوهريّون وقالوا: هذه يعمل منها دواة قطعة واحدة، لم ير الناس أحسن منها. فجرّدوا العناية فى عملها فى أسرع وقت. فجاءت شئ عظيم القدر. فلم يحسن أحدا من الشعراء على أن يأتى بما يناسب ذلك فى القول، إلى أن حضر أحمد بن منصور فقال: ألين لداود الحديد تكرّما ... يقدّره فى السرد وهو شديد ألين لك المرجان وهو حجارة ... على أنّه صعب المراس بعيد فأمر له بجائزة سنّية وملبوس ومركوب، واستحسن ذلك منه. ذكر سنتى ثلاث وأربع وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة ثلاث ستة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. (ص ٢٧٢)

стр. 2952

الماء القديم لسنة أربع سبعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. الحوادث الخليفة فيها المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش والأفضل مدبّر الممالك المصريّة بحاله. وفى سنة ثلاث تسلّمت الفرنج خذلهم الله بيروت من المسلمين. وفى سنة أربع تسلّموا أيضا صيدا من المسلمين. وتوفى هبة الله بن الموصلى بحلب. وفيها هبّت ريح سودآء بمصر، وطلع سحاب أسود أخذ أنفاس العالم، وأظلمت منه الدنيا، وظنوا أنّ القيامة قد قامت، والريح تسفى الرمل فى أعين الناس، حتى يأست العالم من أرواحهم، ثم تجلّى ذلك الظلام وتقشّع إلى الحمرة، ثم إلى الصفرة، وظهر للناس الكواكب، وخرجت الناس من منازلهم يستغيثون إلى الله عزّ

стр. 2953

وجلّ، ولم تزل كذلك من بعد العصر إلى أذان المغرب، وهذه أخرى غير الأوّلة التى سقناها فى سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، فلا يظنّ أنها تلك، والله أعلم. ذكر سنتى وخمس وستّ وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة خمس سبعة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. الماء القديم لسنة ستّ ثمانية أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعان. الحوادث الخليفة فيها المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل مدبّر الممالك المصرية بحاله.

стр. 2954

وفى سنة خمس كان بمصر وباء عظيم وموت، إلى أن عجزت المواريث (٢٧٣) عن إحصاء من مات. وفى سنة ست تسلّم أتابك صور من المصريّين. وفيها توفى على كرد صاحب حماة. وقتل مودود صاحب الموصل. قتلوه الإسماعيلية وهو راكب بالميدان وقتل قاتله. وفيها ملك عماد الدين قلاع الهكارية. ذكر سنتى سبع وثمان وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسبع ثمانية أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعان.

стр. 2955

الماء القديم لثمان سبعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع. الحوادث الخليفة فيهما المستظهر أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل مدبّر الممالك المصرية. وفى سنة سبع توفى الملك رضوان صاحب حلب، وملكها تاج الدولة. وفى سنة ثمان كسر أتابك الفرنج، وتسلّم صور من المصريين، وعاد طنطاش إلى قلعة جعبر. وفيها كانت زلزلة بحلب، وخسف بسميصاط ومرعش، وهلك أناس كثير منهما. والله أعلم.

стр. 2956

ذكر سنتى تسع وعشر وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لتسع سبعة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط. الماء القديم لعشر سبعة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. الحوادث الخليفة فيهما المستظهر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل شاهنشاه مدبّر الممالك المصرية (ص ٢٧٤). وفى سنة تسع نزل أتابك على فامية وتسلّمها، ثم توجّه إلى بغداد فى آخر هذه السنة.

стр. 2957

وفى سنة عشر احترقت المدرسة النظامية، وهى أوّل مدرسة بنيت فى الإسلام. وفيها قتل أحمد صاحب أذربيجان. وفيها اجتمع أتابك بالإمام الناصر وأخلع عليه، وطوّق. وعاد وهجم على حمص. وفيها قتل السلطان محمد بن طبر السلجوقى ببغداد وقام بالملك ابن عمه السلطان محمود بن محمد السلجوقى. ذكر سنتى إحدى عشرة واثنتى عشرة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لإحدى عشرة سبعة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا.

стр. 2958

الماء القديم لسنة اثنتى عشرة سبعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع. الحوادث الخليفة فيهما المستظهر أمير المؤمنين، إلى أن توفى فى سنة اثنتى عشرة. والآمر خليفة مصر، وأمير الجيوش الأفضل مدبّر الممالك المصرية. وفى سنة إحدى عشرة قتل كامل بن منقذ صاحب شيزر. وفيها سار أتابك إلى عسقلان، وسيّر إليه خليفة مصر الخلع العظيمة. وفيها هلك الملك بردويل الفرنجى. وكان قد قصد الديار المصريّة فى جموع عظيمة، فسار حتى وصل الفرما فدخلها وأحرقها، وأحرق جامعها وسائر مساجدها، ورحل عنها، فمرض فى الطريق فمات قبل وصوله إلى العريش بالسبخة، فشقّوا أصحابه جوفه، ونكثوا حشوه

стр. 2959

فى السبخة، وصبّروه وأتوا به قمامة فدفنوه بها. ولم يكن بالسبخة المعروفة به تحت ذلك الردم غير حشو جوفه. وكان بردويل هذا صاحب البيت المقدس وعكّا ويافا وعدة (ص ٢٧٥) من بلاد بالساحل، وكان جبار عنيد وكافر شديد، هائل المنظر، شديد البأس. وهو استرجع جميع هذه البلاد من المسلمين. وكان موته لطف من الله بأهل الديار المصرية. قال ابن واصل: وفى سنة إحدى عشرة ولد نور الدين محمود ابن عماد الدين زنكى بن قسيم الدولة آقسنقر المقدم ذكره. وفيها توفى السلطان محمد، وجلس ولده محمود بن محمد بالموصل. ثم ولاها لقسيم الدولة آق سنقر البرسقى، وهو غير آق سنقر والد عماد الدين أتابك زنكى، وذلك فى سنة خمس عشرة وخمس مئة. وأمره السلطان بحفظ عماد الدين رعاية لخدمة أبيه آق سنقر. فقام بذلك، وكان لا يقطع بأمر دونه. وفيها أخرب السيل سنجار. وفى سنة اثنتى عشرة تسلّم نجم الدين ألب غازى حلب.

стр. 2960

ذكر وفاة الإمام المستظهر بالله توفى ثانى عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وخمس مئة. وله اثنان (كذا) وأربعون سنة. وكانت خلافته ستا وعشرون (كذا) سنة وأربعة أشهر. وزر له عميد الدولة أبو منصور محمد بن محمد بن جهير، إلى أن توفى فى تاريخ ما تقدم. ثم وزر له أخوه زعيم الدولة أبو القاسم. صفته: طويل جسيم، أبيض، أزرق، أشقر، حسن السيرة، جميل الذكر، الغالب على جميع أيّامه بنى سلجوق. نقش خاتمه: المستظهر بالله عبد الله.

стр. 2961

ذكر خلافة المسترشد بالله بن المستظهر بالله وما لخّص من سيرته هو أبو منصور الفضل بن أحمد المستظهر بالله، وباقى نسبه قد علم. أمّه أمّ ولد تدعى حبش. بويع له ثالث عشر ربيع الأول من هذه السنة. لم يزل خليفة سبع عشرة سنة وتسعة أشهر. ووزر له أبو على الحسين بن على بن صدقة، وبنى سلجوق الحكّام على الأمر.

стр. 2962

ذكر سنتى ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس مئة الماء القديم لسنة ثلاث عشرة: ستة أذرع واحد وعشرين إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وسبع أصابع. الماء القديم لسنة أربع عشرة: سبعة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع. الحوادث [الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم]. [والآمر خليفة مصر]. وفى سنة ثلاث عشرة كسر سنجر شاه لمحمود ابن أخيه. وفيها كسر أتابك الإفرنج على جبل السمّاق كسرة عظيمة،

стр. 2963

وكسرهم أيضا أيل غازى على البلاطة من أعمال حلب. وفيها تسلّم أتابك طغتكين تدمر والشقيف. ومضت سنة أربع عشرة لم يتجدد فيها شئ بحكم التلخيص. ذكر سنة خمس عشرة وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر. وفيها قتل أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى المستنصرى فى سلخ رمضان من هذه السنة.

стр. 2964

وثب عليه على جسر مصر أقوام من المشارقة فجرحوه، ومسك بعضهم وهرب البعض، وحمل فى عشارى إلى بيته بدار الملك، وأخفى أمره. ثم نزل الخليفة الآمر إلى دار الملك وأمر أن لا يتحدّث أحدا بموته. ثم نقل منها أموالا لا تحصى وتحف وأمتعة ما يعجز عن حصرها. قال القاضى شمس الدين ابن خلّكان ﵀ فى تاريخه: إنه لما مات وجد له من جملة ما وجد ست مئة ألف [ألف] دينار عين مصرية ومئتان وسبعون أردبا دراهم نقد مصر، [وخمسة وسبعون ألف ثوب ديباج أطلس، وثلاثون راحلة أحقاق ذهب عراقى، ودواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار، ومئة مسمار من ذهب، وزن كل مسمار مئة مثقال] وخمس مئة صندوق قماش من دقّ تنّيس [ودمياط]، وشئ لا يحصيه إلاّ الله تعالى. . . ومن جملة ما وجد له صندوقين ملئا إبر ذهب برسم الجوارى. وكان ضمان ألبان مواشيه من أغنام وأبقار وجواميس فى السنة ثلاثين

стр. 2965

ألف دينار، وأشياء لا يحملها العقل (ص ٢٦٧) كثرة. وأما الجواهر والفصوص والأوانى المرصّعة فشئ عظيم. والله لقد أضربت عن ما نقله ابن واصل ﵀ من عظيم ذلك، لأنّى رأيته لا يصدّقه من وقف عليه. وأمره فى ذلك إلى الله . وكان مدة وزارته وأبوه ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر، وأحد عشر يوما. وعمّر فى مدة حياته عدّة عماير منها: التاج والسبع وجوه، وذكر أنّ من التاج إلى السبع وجوه عقدا مبنيّا من تحت الأرض يمشى فيه الفارس برمحه، أزجّ معقودا، وقيل إنّ فيه له كنزا مدفونا إلى الآن، وإنّ فيه أكثر ذخائر الكنز الذى وجده. وعمّر بالروضة عدّة عماير ومناظر، وكذلك بظاهر مصر، والسوق الذى داخل باب القنطرة المعروف بسويقة أمير الجيوش، وبستان البقل مع عدة بساتين أخر، ومستنزهات عدّة. وأضربت عن كثير مما نقل عن أمواله وأحواله طلبا للايجاز وقصدا للاختصار. واستبد الآمر بالأمور بنفسه.

стр. 2966

ثم وزر الأمير محمد بن فاتك البطايحى وأنعت بالمأمون. وهو أبو عبد الله محمد بن نور الدولة أبى شجاع فاتك، وطوّق بطوق ذهب مرصّع بجواهر، وتوّج بتاج مكلّل، وكتب له سجلّ بنعوته وأوصافه. فمن ذلك: السّيد، الأجلّ، المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنائع، أمير الجيوش، ناصر الإمام، وسيف الإسلام، كامل قضاة الدين، هادى دعاة المؤمنين، نظام الوجود، خالصة أمير المؤمنين، أعانه الله على مصالح المسلمين، ووفّقه لخدمة أمير المؤمنين، وعضد بسموه ورثته (كذا) الدنيا والدين، وأدام قدرته وأعلا كلمته. وفيها كسر أتابك الفرنج على تل حورى. وفيها هبت ريح سودآء بمصر وأقامت ثلاثة أيّام، وهلكت أناس كثيرة وحيوان كثير (كذا). وفيها توفى أبو محمد القاسم بن علىّ الحريرى صاحب المقامات البديعة التى ما عمل مثلها إلى حين تسطير هذا التاريخ رحمه الله تعالى.

стр. 2967

وقفت على مقامات الشيخ الحافظ ابن الجوزى، وهى خمسون مقامة، ولعلهنّ مما يضاهين مقامات الحريرى، وإنما نفس الحريرى ﵀ نفس فاضل أديب، ونفس ابن الجوزى ﵀ نفس واعظ أريب، وكلّ منهما ففى معناه مصيب. وفيها أقطع أتابك زنكى شحنكية البصرة، وعظم شأنه وكبر سلطانه وهابه الأمير دبيس بن صدقة صاحب الحلّة حسبما ذكرنا من قبل. ذكر سنة ست عشرة وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستّة أذرع وستة عشر ذراعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.

стр. 2968

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر. وأمير الجيوش محمد بن فاتك. وفيها مات ملك الخزر واسمه داود، وكان فتح تفليس، وكان له نظر عظيم فى الإسلام. وجرى له مناظرات مع القاضى الكنجى فى الكلمة هل هى مخلوقة أو قديمة. وفيها أكل القطا زرع الشام. وفيها كسر دبيس البرسقى، وتوفى الحاجب فيروز، وقبض المصريون على الأمير سعود والى صور عن أتابك طغتكين. وفيها توفى أيل غازى ابن أرتق صاحب ماردين، ونزلت الفرنج خذلهم الله على بالس وحاصروها، وزلزلت مدينة الحيرة المدعوة كنجة من بلاد تجاور الكرج، وانخسف طرف منها، وانهدم سورها. فسار إليها ملك الكرج ودخلها وعادت فى مملكته. والله أعلم. وفى سنة ست عشرة [وخمس مئة] أقطع عماد الدين شحنكيّة

стр. 2969

البصرة [وواسط]، وعظم شأنه، وهابه الأمير دبيس بن صدقة صاحب الحلّة، وهمّ دبيس بقصد بغداد، فسار إليه آقسنقر البرسقى بنفسه، وتبعه الإمام المسترشد [بالله] فانهزم عسكر دبيس، وقتل وأسر منهم خلق كثير. وكان لعماد الدين أثر حسن فى هذه الوقعة. وذلك فى أوّل المحرّم سنة سبع عشرة وخمس مئة. ولحق دبيس بالسلطان طغرل ابن السلطان محمد وكان معه عاصيا على السلطان محمود، [وأمر السلطان لآق سنقر البرسقى أن يرجع إلى الموصل فعاد]. ثم إن عماد الدين ابن زنكى قال لأصحابه: قد ضجرنا مما نحن فيه، كلّ يوم فى مكان. وجمع رأيه وسار من البصرة إلى خدمة السلطان محمود. وأقام عنده فى منزله، وكان يقف إلى جانب الملك عن يمينه، لا يتقدّم عليه أحد، وهو مقام والده قسيم الدولة من قبله، [وبقى لعقبه من بعده]. ثم إنّه بلغ السلطان انحلال البصرة ونهبها. فأمر عماد الدين زنكى بالمسير إليها، وأقطعه إيّاها. فقام بأمرها أتمّ قيام، وعظم عند السلطان وزاد محله. وجرى بين برتقش شحنة بغداد وبين الخليفة المسترشد نفرة، فهدّده الخليفة، فسار عن بغداد شاكيا للسلطان من الخليفة. وقال: إنه قد جمع العساكر، وعزمه منعك من السلطنة ببغداد والعراق، فسار السلطان إلى بغداد، وجرت حروب

стр. 2970

كثيرة ثم جعل عماد الدين زنكى على شحنكية بغداد والعراق مضافا إلى ما كان بيده من البلاد والإقطاع. وسار السلطان من بغداد. ذكر سنة سبع عشرة وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: (ص ٢٧٧) الماء القديم ثمانية أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر. وأمير الجيوش محمد بن فاتك إلى أن قبض عليه <فى> الرابع من شهر رمضان من هذه السنة. وكان قد أسآء السيرة، وظلم وعسف، وتعاظم فى نفسه، وأراق الدماء، وكسر العظم، وافترد برأيه.

стр. 2971

ويقال إنّه كان فرّاشا، ورأوه الناس وهو يرشّ الماء بين القصرين، والله أعلم. قبض عليه فى القصر الغربىّ بعد صلاة المغرب. ثم إنّ الخليفة الآمر استبدّ بالأمور، وقام بتدبير الدولة بنفسه، وأحسن عيار الذهب، ولم يسبقه إلى ذلك أحد غير الحجّاج بن يوسف الثقفى، وقد تقدّم ذلك. وفيها تسلم أتابك حماة وعادت فى مملكته والله أعلم. وفيها ولى أتابك زنكى شحنكيّة العراق من قبل السلطان محمود ابن محمد السلجوقى، وتزايدت هيبة أتابك حسبما تقدّم من ذكر ذلك. ذكر سنة ثمان عشرة وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع.

стр. 2972

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر. مدبّر أمور مملكته بنفسه. وفيها ملك دبيس البرسقى حلب. وهبت ريح حملت من رمل الرصافة إلى قلعة جعبر، وفتحت الفرنج صور فى هذه السنة، وتوفى حسن الصبّاحى، وكان رئيس الإسماعيلية بعد سنان، وكان رفيق الإمام أبى حامد الغزالى فى قراءة بعض العلوم. وقتل القاضى الهروىّ (ص ٢٧٨) وولده ببغداد. وفيها نزل دبيس البرسقى (كذا) الملقّب سيف الدولة وصحبته ملوك الفرنج على حلب فجاءهم كنجاك الرشيقى صاحب الموصل ورحّلهم عن حلب وتسلّمها. وكانت الفرنج قد أشرفوا على أخذها، لأنها كانت خلت من الرجال، ولم يبق فيها غير مئتى وستين رجلا.

стр. 2973

وكانوا تخيّلوا بالنساء على الأسوار فى زىّ الرجال. فأقاموا الفرنج عليها تسعة أيّام. فلما كان اليوم العاشر تشاوروا أهل حلب على أنهم يخرجون ويطلبون الأمان من القتل. فلما كان بعد العصر أرسل الله سيلا عظيما أخذ الفرنج ودوابهم وجميع مالهم، ووصل كنجاك الرشيقى (كذا) أوّل الليل وأصبح فكسرهم وتسلّم حلب. وفيها حاصروا الفرنج خذلهم الله صور وأخذوها. ذكر سنة تسع عشرة وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم تسعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع واحد. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم.

стр. 2974

والآمر خليفة مصر مدبّر أمور مملكته بنفسه. وقيل فى هذه السنة كان قتل الوزير فاتك وخمسة نفر من إخوته. وفيها أخذ ملك الخزر مدينة دون، وقتل منها عالم عظيم لا يحصى عددهم إلا الله . وفيها مات ناصر الدولة ابن طرخان صاحب بالس. وفيها انكسرت المسلمين على مرج الصفّر على ضيعة (ص ٢٧٩) تسمى شرخوب، وقتل من أهل دمشق خلق كثير. وكان الرشيقى (كذا) صاحب دمشق يومئذ. وقتل ذلك اليوم علىّ وصالح أولاد عامر النويرى، وكذلك قتل محمود بن قراجا وكان صاحب حماة. وقتل علىّ بن سلام النميرى، وكانت نوبة صعبة على المسلمين. ذكر سنة عشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا.

стр. 2975

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر يدبّر أمور مملكته بنفسه. وفيها قتل البرسقى، قتله <الباطنية، ونهض> أتابك وتسلم تدمر والسخنة إلى ما معهما. وقيل فيها دخل محمد بن تومرت بغداد فى طلب العلم، فحصّل فى المدة القريبة ما لم يحصّله غيره فى الزمان الطويل. وفى سنة عشرين وخمس مئة قتل آقسنقر البرسقى، قتلوه (كذا) الباطنية. وكان بيده الموصل وحلب، ففوّض السلطان الأمر بعده لولده عزّ الدين مسعود، فلم تطل أيّامه، وتوفى سنة إحدى وعشرين، وولّى أخ له، وقام بتدبير أمره الجاولى. فكان من ولاية عماد الدين ما ذكرناه فيما يأتى إن شاء الله.

стр. 2976

ذكر سنة إحدى وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين بحاله، وكذلك بنو سلجوق، والآمر خليفة مصر مدبّر أمور مملكته بنفسه. وفيها توفى القاضى الأندلسى. وتولّى القضاء مكانه أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر القيسرانى. وفيها دخل أتابك الموصل، وتوفى (ص ٢٨٠) مسعود بن البرسقى وتسلم المختص الرحبة. وفيها كان أوّل:

стр. 2977

مملكة أتابك زنكى هو عماد الدين أتابك زنكى السلجوقىّ أبو نور الدين محمود، صاحب الشام. وهو أوّل من ملك بيت زنكى الموصل. وأتابك زنكى هو ابن قسيم الدولة آقسنقر الحاجب. [كان] مملوكا للسلطان العادل عضد الدولة ألب أرسلان ابن داود بن ميكاييل ابن سلجوق. ثم كان فى خدمة ولده جلال الدولة ملكشاه، وترقّت به الأحوال حتى ملك حلب وكثير من الشام والشرق، إلى أن قتل فى سنة سبع وأربعين وأربع مئة، فى معركة الحرب بينه وبين السلطان تاج الدولة السلجوقى، صاحب دمشق يومئذ. وكان قسيم الدولة المذكور قايم فى ذلك وفآء بابن أستاذه ركن الدولة بركياروق بن السلطان ملكشاه. ولما قتل قسيم الدولة آقسنقر كان زنكى يومئذ دون البلوغ، اجتمع عليه مماليك أبيه منهم زين الدين على كوجك صاحب إربل. وتنقّلت بزنكى الأحوال حتى صار منه ما يذكر. قال ابن واصل: إنه لما قتل آقسنقر البرسقى-وهو غير آقسنقر

стр. 2978

أبى زنكى-وكان صاحب الموصل، قتلوه الباطنية سنة عشرين وخمس مئة-[فوّض السلطان الأمر بعده بالمحصل إلى ولده عز الدين مسعود بن آق سنقر. فلم تطل أيامه وتوفى سنة إحدى وعشرين وخمس مئة] وولى [بعده] أخ له، وقام بتدبير الملك مملوك لأبيه يقال له جاولى. فأرسل إلى السلطان محمود يطلب تقرير البلاد [على ولد آق سنقر البرسقى]، وبذل فى ذلك الأموال الجمة. وكان سيّئ السيرة. وسيّر الرسول فى ذلك القاضى بهاء الدين على بن القاسم [الشهرزورى]. فلما اجتمع بالديوان السلطانى حسّن الأمر، وسعى لزنكى بن آقسنقر قسيم الدولة، لما كان يعلم من شهامته وحسن سيرته، وبذل عنه الأموال الكثيرة، فأجيب إلى ذلك، وولى البلاد، وكتبت له المناشير السلطانية، وضم إليه ولد السلطان محمود ألب أرسلان -المعروف بالخفاجى-وجعل زنكى أتابكه، فمن ثمّ قيل أتابك زنكى. فلما وصل إليه المنشور قام بالأمر أتم قيام. ولما قرب من الموصل خرج إليه جاولى وتلقّاه، ونزل عن فرسه، وقبّل الأرض، وعلا فى خدمته إلى الموصل. فدخلها فى شهر رمضان، وأقطع جاولى الرحبة وولى نصير الدين دودارية الموصل، وجعل صلاح الدين محمدا بن أمير

стр. 2979

حاجبه، وبهاء الدين قاضى القضاة [فى البلاد جميعها]، فإنهما كانا السبب فى ولايته. ثم لما استقرّت قواعده بالموصل توجّه إلى جزيرة ابن عمر وبها يومئذ مماليك آقسنقر البرسقى. فامتنعوا عليه، فحصرهم حتى أجابوه، ثم امتنعوا، فلم يزل عليها حتى فتحها عنوة بالسيف، ثم تنقّلت أحواله حسبما يأتى من ذكره. وفيها ملك حلب فى حديث طويل. واستوثق أمره وعلا ذكره، قال ابن واصل: لما قتل قسيم الدولة لم يكن له ولد غير زنكى، وخلّفه وعمره يومئذ عشر سنين. وكان تاج الدولة لما قتل أيضا فى اعتقاله أمير يقال له كربوقا، فخرج من الاعتقال، وملك الموصل، وأحضر زنكى إليه، وأحسن تربيته لأنه كان ابن خشداشه. وتوفى كربوقا، وملك الموصل موسى التركمانى. ثم وليها شمس الدين جكرمش أحد مماليك ملكشاه. فقرّب عماد الدين زنكى، وعاد كالوالد. وتوفى جكرمش فى سنة خمس مئة، فولى بعده جاولى. ثم كانت ولاية عماد الدين زنكى حسب ما ذكرناه من أول الكلام.

стр. 2980

ذكر سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين بحاله، وبنو سلجوق حكّام البلاد بحالهم. وتوفى أتابك طغتكين، وملك أتابك زنكى جزيرة ابن عمر وإربل، وعدّة بلاد وقلاع بالشرق، وقوى سلطانه، وكثفت جيوشه، وعلا شأنه فى سائر تلك البلاد، وهادنوه الملوك أرباب الممالك والقلاع، وخافوه على ما بأيديهم من ممالكهم.
следующие страницы →