← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ذكر سنة إحدى وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وسبعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين بحاله، وكذلك بنو سلجوق، والآمر خليفة مصر مدبّر أمور مملكته بنفسه. وفيها توفى القاضى الأندلسى. وتولّى القضاء مكانه أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر القيسرانى. وفيها دخل أتابك الموصل، وتوفى (ص ٢٨٠) مسعود بن البرسقى وتسلم المختص الرحبة. وفيها كان أوّل:

стр. 2977

مملكة أتابك زنكى هو عماد الدين أتابك زنكى السلجوقىّ أبو نور الدين محمود، صاحب الشام. وهو أوّل من ملك بيت زنكى الموصل. وأتابك زنكى هو ابن قسيم الدولة آقسنقر الحاجب. [كان] مملوكا للسلطان العادل عضد الدولة ألب أرسلان ابن داود بن ميكاييل ابن سلجوق. ثم كان فى خدمة ولده جلال الدولة ملكشاه، وترقّت به الأحوال حتى ملك حلب وكثير من الشام والشرق، إلى أن قتل فى سنة سبع وأربعين وأربع مئة، فى معركة الحرب بينه وبين السلطان تاج الدولة السلجوقى، صاحب دمشق يومئذ. وكان قسيم الدولة المذكور قايم فى ذلك وفآء بابن أستاذه ركن الدولة بركياروق بن السلطان ملكشاه. ولما قتل قسيم الدولة آقسنقر كان زنكى يومئذ دون البلوغ، اجتمع عليه مماليك أبيه منهم زين الدين على كوجك صاحب إربل. وتنقّلت بزنكى الأحوال حتى صار منه ما يذكر. قال ابن واصل: إنه لما قتل آقسنقر البرسقى-وهو غير آقسنقر

стр. 2978

أبى زنكى-وكان صاحب الموصل، قتلوه الباطنية سنة عشرين وخمس مئة-[فوّض السلطان الأمر بعده بالمحصل إلى ولده عز الدين مسعود بن آق سنقر. فلم تطل أيامه وتوفى سنة إحدى وعشرين وخمس مئة] وولى [بعده] أخ له، وقام بتدبير الملك مملوك لأبيه يقال له جاولى. فأرسل إلى السلطان محمود يطلب تقرير البلاد [على ولد آق سنقر البرسقى]، وبذل فى ذلك الأموال الجمة. وكان سيّئ السيرة. وسيّر الرسول فى ذلك القاضى بهاء الدين على بن القاسم [الشهرزورى]. فلما اجتمع بالديوان السلطانى حسّن الأمر، وسعى لزنكى بن آقسنقر قسيم الدولة، لما كان يعلم من شهامته وحسن سيرته، وبذل عنه الأموال الكثيرة، فأجيب إلى ذلك، وولى البلاد، وكتبت له المناشير السلطانية، وضم إليه ولد السلطان محمود ألب أرسلان -المعروف بالخفاجى-وجعل زنكى أتابكه، فمن ثمّ قيل أتابك زنكى. فلما وصل إليه المنشور قام بالأمر أتم قيام. ولما قرب من الموصل خرج إليه جاولى وتلقّاه، ونزل عن فرسه، وقبّل الأرض، وعلا فى خدمته إلى الموصل. فدخلها فى شهر رمضان، وأقطع جاولى الرحبة وولى نصير الدين دودارية الموصل، وجعل صلاح الدين محمدا بن أمير

стр. 2979

حاجبه، وبهاء الدين قاضى القضاة [فى البلاد جميعها]، فإنهما كانا السبب فى ولايته. ثم لما استقرّت قواعده بالموصل توجّه إلى جزيرة ابن عمر وبها يومئذ مماليك آقسنقر البرسقى. فامتنعوا عليه، فحصرهم حتى أجابوه، ثم امتنعوا، فلم يزل عليها حتى فتحها عنوة بالسيف، ثم تنقّلت أحواله حسبما يأتى من ذكره. وفيها ملك حلب فى حديث طويل. واستوثق أمره وعلا ذكره، قال ابن واصل: لما قتل قسيم الدولة لم يكن له ولد غير زنكى، وخلّفه وعمره يومئذ عشر سنين. وكان تاج الدولة لما قتل أيضا فى اعتقاله أمير يقال له كربوقا، فخرج من الاعتقال، وملك الموصل، وأحضر زنكى إليه، وأحسن تربيته لأنه كان ابن خشداشه. وتوفى كربوقا، وملك الموصل موسى التركمانى. ثم وليها شمس الدين جكرمش أحد مماليك ملكشاه. فقرّب عماد الدين زنكى، وعاد كالوالد. وتوفى جكرمش فى سنة خمس مئة، فولى بعده جاولى. ثم كانت ولاية عماد الدين زنكى حسب ما ذكرناه من أول الكلام.

стр. 2980

ذكر سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين بحاله، وبنو سلجوق حكّام البلاد بحالهم. وتوفى أتابك طغتكين، وملك أتابك زنكى جزيرة ابن عمر وإربل، وعدّة بلاد وقلاع بالشرق، وقوى سلطانه، وكثفت جيوشه، وعلا شأنه فى سائر تلك البلاد، وهادنوه الملوك أرباب الممالك والقلاع، وخافوه على ما بأيديهم من ممالكهم.

стр. 2981

ذكر سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وستة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراع وإصبعان. ما لخّص من الحوادث الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد، والآمر خليفة مصر ومدبّر مملكته بنفسه. فيها قتل المزدقانى وقتل معه من الإسماعيلية عشرين ألف، ما بين برئ وسقيم (؟) فى حديث طويل. وفيها وصل سوار وأرسلان دغمش بالتركمان، واتفقوا مع الفرنج على دمشق وكسروهم كسرة عظيمة.

стр. 2982

وكذلك كسر أيل غازى الفرنج على المعلاّة بأرض حلب، وكانت سنة شديدة على الملاعين. وفى سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة تزوج أتابك زنكى خاتون بنت الملك رضوان بن تاج الدولة تتش السلجوقى كان صاحب دمشق. ذكر سنة أربع وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والآمر خليفة مصر، حتى قتل فى هذه السنة. وذلك أنّه خرج يوم الثلاثآء الثالث من ذى القعدة ونزل مصر، وطلع الحرّاقة، وعدا إلى الجزيرة، فكمن له قوم اتفقوا على قتله. وكان ذلك بتدبير بنى عمّه. فغيّبوا تلك الأقوام أنفسهم فى فرن

стр. 2983

هناك، فلما وصل الآمر إلى عندهم ومعه عدة يسيرة من حاشيته، وهو آمن من نوائب الدهر، راكن إلى غرّة الليالى وصفوها، فوثبوا عليه بأسيافهم ضربا (ص ٣٨٢) فجرحوه جراحات قاتلة، ولم يمت فى ساعته الراهنة، بل حمل من ذلك المكان وأعيد إلى قصره، فمات من ليلته، ولم يعقب. وهو كان العاشر من صلب عبيد الله المهدى، أول خلفاء هؤلآء القوم، وقيل إنّ الذين دبّروا فى قتله بقية من عترة محمد بن فاتك المقدّم ذكره. عمره يوم قتل أغلاق أربعون سنة. وخلّف بعض حضاياه حامل فقال قوم: نبايع للحمل. وأبى آخرون. ثم اتّفق أمرهم على مبايعة أبى الميمون عبد المجيد. فبايعه قوم وامتنع آخرون. ثم اتفق الحال أن تكون البيعة بشرط أن يرى على الحمل. فإن وضعت ذكرا كان الأمر إليه، وإلاّ فله. فاستقرّت كذلك، ثمّ لم يظهر للحمل بعدها خبر. وكانت خلافته فى قول ثمان وعشرين سنة. وقيل: أربعة وعشرين سنة، وثمانية أشهر، وخمسة عشر يوما.

стр. 2984

ذكر خلافة الحافظ أبو الميمون بن أبى القاسم وما لخّص من سيرته هو أبو الميمون عبد المجيد بن أبى القاسم بن المستنصر بالله، وباقى نسبه قد تقدّم. ولد فى سنة ستّ وستين وأربع مئة. بويع له يوم قتل الآمر، وفى غد ذلك اليوم نصب فى النظر لأمور المملكة أبو على أحمد بن الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش، ثم إنه غلب على الأمر، واعتقل الحافظ عبد المجيد، وأقام متغلّبا على الأمر مستوليا مستبدّا بالأمور إلى النصف من شهر المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمس مئة. فوثب عليه من صبيان الخاصّة من قتله على باب البستان ظاهر القاهرة. وأخذت رأسه فدخل بها إلى القصر، وأخرج ولىّ العهد الحافظ لدين الله من الاعتقال، وتقررت الوزارة ليانس، ولقّب بألقاب أمير الجيوش بدر الجمالى، وجدّدت البيعة للحافظ لدين الله، واستمرّ نظر يانس إلى أن توفى اليوم الثانى من ذى القعدة سنة ستّ (ص ٢٨٣) ثم لم يستوزر بعده الحافظ أحد.

стр. 2985

قلت: هذا القول الذى ذكرناه على ما سيّره الشيخ أبو القاسم علىّ بن منجب بن سليمان الكاتب ﵀. وأما نسخة الأصل من التاريخ الذى وضعته فإنّ الحافظ لما ولى واستوزر أبا علىّ بن الأفضل شاهنشاه أقام فى الوزارة ثمانى سنين، والحافظ تحت حجره حتى قتل حسبما ذكرناه. ثم وزر أخوه أبو الفتح. أقام سنتان وثمانية أشهر. يقال إنه سمّ فى ماء استنجى به فمات. ثم استوزر الحافظ بهرام الأرمنى. أقام سنة واحدة وعشرة أيام، ثم استعفى وترهّب ولبس الصوف، وبنى له فى القصر مكانا يتعبّد فيه حتى مات. ثم استوزر رضوان بن الوبحشى (كذا) سنتين وخمسة أشهر. ثم كان نجم الدين بن مصال يدبّر أمور المملكة، إلى أن توفى الحافظ، كما يأتى بيان ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى. وفى سنة أربع وعشرين أخذ عماد الدين أتابك زنكى حماة من صاحبها، وهو يومئذ بهاء الدين سونج بن تاج الملوك بورى ابن طغتكين صاحب دمشق.

стр. 2986

ذكر سنة خمس وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والحافظ ولىّ العهد بالشرط المقدّم ذكره. والوزير الغالب على الأمر أبو علىّ أحمد بن الأفضل شاهنشاه، ونعت نفسه بنعوت أبيه وجدّه، واعتقل الحافظ عبد المجيد، وضرب السكة باسم القايم المنتظر، وذكره فى الخطبة، وردّ على التجار ما كان اغتصبه الراهب بهرام الأرمنىّ منهم من أموالهم ورباعهم، واستقر الحال كذلك. وفيها توفى السلطان محمود بن محمد السلجوقى لأربع عشرة ليلة بقيت من شوّال. وكان عند الملك زنكى ولدان للسلطان: أحدهما ألب

стр. 2987

أرسلان الخفاجى، يكنى أبا طالب. فأرسل أتابك زنكى إلى الخليفة يسومه أن يخطب ببغداد لأبى طالب المذكور. فاعتذر الخليفة بأنّه صبىّ، وأن السلطان عهد بالسلطنة لولده داود بن محمود، وهو بإصبهان، وقد وردت رسل الأطراف بالخطبة له، ونحن منتظرون كتاب السلطان سنجر بن ملكشاه فإنّه عمّ القوم. ولما مات السلطان محمود خطب بهمذان وإصفهان وأذربيجان والجبال لولده داود، وجرى له حروب كثيرة مع عمه السلطان مسعود ابن محمد إلى سلخ المحرم من السنة الأخرى. ذكر سنة ست وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم مستمرّون بالحكم.

стр. 2988

والحافظ ولىّ العهد بخلافة مصر، وأمير الجيوش أبو على بن الأفضل. وفيها كسر شمس الملوك الفرنج وفتح بانياس عنوة بالسيف. وفى سنة ستّ وعشرين كانت الوقايع العظيمة بين ملوك السلجوقية، وانتصر أتابك زنكى الخفاجى، وضرب مع الخليفة مصافين انكسر فيهما جميعا. وكان قد وصل إلى الموصل هاربا وبها يومئذ-على ما قال ابن واصل -نجم الدين أيّوب. ثم قال: بل كان بتكريت فى النوبة الأولة. ووصل أتابك زنكى مهزوما من المسترشد، فأصلح له الطرقات والمعابر، ووفى أتمّ وفاء له. وفيها وصل السلطان سنجر وكانت الوقعة بينه وبين أولاد أخيه، ثم آل الأمر أن اصطلح الأخوان مسعود وسلجوق بناء على أن تكون السلطنة لمسعود، ويكون سلجوق ولىّ عهده. وكان ذلك فى جمادى الأولى من هذه السنة المذكورة. ثم لما حضر السلطان سنجر وكان بينهم ما كان من الحروب العظيمة، أجلس طغريل بن محمد وأمر بالخطبة له فى ساير الممالك. وفيها وصل الخليفة إلى الموصل وحاصرها أشدّ حصار، وعاد إلى بغداد ولم يحصل له غرض.

стр. 2989

ذكر سنة سبع وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد، والحافظ ولىّ عهد الخلافة بمصر، حتى قتل أبو على بن الأفضل فى هذه السنة، فى رواية، بظاهر القاهرة، فى غرّة المحرّم. وسبب ذلك أنه كان لمّا أبطأ عليه أمر خبر الحمل طالب به، فلم يجد لصاحب الحمل خبرا، فعلم أنّ الحافظ كان سبب ذلك، فهدّد وتوعّد، فخيف من شرّه، فوثب عليه صبيان الخاصة فقتلوه، وقتل منهم عدّة. وولى الوزارة يانس، فأقام إلى آخر هذه السنة، ثم توفى مسموما حسب ما ذكرناه. وفيها صرح الحافظ بتوليته الخلافة، وخطب باسمه، وانقطع ذكر القايم المنتظر. ولم يكن ولى الخلافة أحد لم يكن أبوه خليفة قبل الحافظ.

стр. 2990

ثم كان العاضد أيضا كذلك حسب ما (ص ٢٨٥) سقناه من ذلك، واستقرّ الحافظ لدين الله خليفة مصر، ولقّب بأمير المؤمنين، وولى العهد ولده الأمير حيدرة. ولما توفى يانس وزر بهرام الأرمنى. فأقام إلى سنة تسع وعشرين، ثم ترهّب وانقطع بمكان بنى له فى القصر حسب ما يأتى. وفيها كانت الوقعة بين الملك زنكى وبين ولدى أرتق، وهما داود وأخوه، وكسرهما كسرة شنيعة، وأسر من رجالهم خلقا كثيرا، وأباع كلّ واحد منهما بكلب صيد، فى كلام طويل هذا ملخصه. قال ابن واصل: كان سبب وقعة عماد الدين مع ابن أرتق داود بن سقمان صاحب حصن كيفا، أنّ الأمير حسام الدين تمرتاش ابن ايلغازى بن أرتق قصد عماد الدين واتفق معه، وقصدا مدينة آمد وحصراها. فأرسل صاحبها إبراهيم بن كيكدى إلى الأمير ركن الدين داود المذكور يستنجد به فأنجده، والتقوا على باب آمد فحاصراها، ثم عادا منها من غير بلوغ غرض. ثم قصد عماد الدين قلعة الصور من ديار بكر فحاصرها وملكها فى رجب.

стр. 2991

ذكر سنة ثمان وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكام البلاد. والحافظ خليفة مصر مستقلاّ، والوزير بهرام الأرمنى. وكان قد ولى القضاء بعد النابلسى أبو الفخر بن مبشّر صالح ابن عبد الله بن رجا، ثم القاضى سراج الدين أبو الثريّا نجم بن جعفر. فقتل فى هذه السنة. وولى مكانه سناء الملك بن مبشّر. وفى هذه السنة توفى محمد بن تومرت المهدىّ صاحب القيام بأمر المغرب. وقام بالأمر عبد المؤمن بن على الآتى ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 2992

وفيها توفى الشيخ أبو على الحسن شيخ ابن عصرون. وفيها ولد السلطان صلاح يوسف بن أيوب بن شادى بن مروان بمدينة تكريت. وفيها سألت الأجناد المصريون الحافظ أن يجعل ولده حيدرة المسمّى بحسن واسطة بينهم (ص ٢٨٦) وبينه، وأخرجوا الأمير حسن من القصر الغربى بغير رضى الحافظ وألزموه أن يوليه. فقال لهم: رضيتموه. فقالوا: نعم. وظلّ يراوغ بهم الأمر تسعة أشهر، فلما غلب سلّط عليهم السودان. وكان لهم زعيما يعرف بالأحاوى. فقتلوا من الجند خلقا كثيرا، وكانت فتنة كبيرة، وأبدعوا (كذا) السودان فيهم وأخرجوهم من مواطنهم وبيوتهم، وحشروهم فى طرف القاهرة بالحارة المعروفة بالبرقية أيّاما، واستولى السودان على القاهرة. فخرج بعض الجند إلى المحلّة مستصرخا بالوالى. وكان واليها يومئذ رجلا أرمنيّا وهو بهرام الأرمنى المقدّم ذكره. وكان رجلا سليم الباطن جيدا فى نفسه. وكان نصرانيّا على دينه، باقيا على ملّته، فانضوى إليه جماعة من الجند والعساكر مع جند الأرياف، وسار طالبا للقاهرة. فوصل إليها، فغلّقت الأبواب فى وجهه، فأحرق باب القنطرة، وباب الخوخة، وباب سعادة، وباب زويلة، وباب البرقيّة، ودخل ووضع السيف

стр. 2993

على السودان. فقتل خلقا كثيرا. وأمّا الأمير حسن فإنّه ساعد السّودان على الأجناد، وقتل من الجند جماعة. فقالوا للحافظ: سلّم لنا ولدك حسن وأنت آمن. فتمنّع وعظم عليه تسليم ولده، وعلم أنّه إن لم يسلّمه قتلوه معه. فسقاه سمّا فمات. ودخل الأجناد فوجدوه ميتا. فقنعوا بذلك. وتولّى الوزارة بهرام الأرمنى. فهذا كان سبب وزارته والله أعلم. قال ابن واصل فى هذه السنة، أعنى سنة ثمان وعشرين قتل الخليفة المسترشد بالله ومنيته قال: لما أراد الخروج لقتال السلجوقيّة، والسلطان يومئذ مسعود بن محمد، دخل عليه الوزير شرف الدين علىّ ابن طراد الزينبى وكمال الدين صاحب المخزن. قال ابن واصل: وأنا معهما. فقال له الوزير شرف الدين: يا مولانا، فى نفس المملوك شئ، فهل تأذن لى فى المقال. فقال: قل. فقال: إلى أين تمضى؟ وبمن تعتضد؟ وإلى من تلتجئ؟ وبمن تستنصر؟ ومقامنا ببغداد [أمكن لنا، ولا يقصدنا أحد، والعراق] فيه لنا الكفاية. مع كلام كثير.

стр. 2994

فقال لى الخليفة: [ما تقول يا كاتب؟. فقلت: يا مولانا، الصواب المقام. وما رآه الوزير فهو الرأى. ولا يقدم علينا أحد، وليت العراق يبقى لنا. فقال لصاحب المخزن: يا وكيل، ما تقول؟ فقال: فى نفسى ما فى نفس مولانا. فأنشد الخليفة] قول المتنبى: وإذا لم يكن الموت بدّ ... فمن العجز أن تموت جبانا ثم إنه [تجهّز وجمع] خدم جماعة من الأمراء الأتراك وغيرهم، ووقع المصاف بينه وبين السلطان مسعود بمكان يسمى دامرك من أرض همذان. فلما اصطفت العساكر تركه جميع الأتراك ومالوا إلى السلطان مسعود. ثم وقع القتال فانهزم الخليفة ثم أسر وقبض عليه، وقتل جلّ أصحابه، وسار مع السلطان تحت الاحتياط إلى بلاد أذربيجان، فلما وصلوا إلى مراغة هجم عليه ثلاثة نفر من الملاحدة الباطنية فقتلوه وقتلوا معه ابن سكينة، وكان يصلّى [به]، وذلك يوم الخميس لأربع بقين من شهر ذى القعدة [سنة تسع وعشرين وخمس مئة] والله أعلم.

стр. 2995

ذكر سنة تسع وعشرين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين إلى أن قتل فى هذه السنة، قتلوه الباطنيّة سابع عشر ذى القعدة. وكانت خلافته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر: الغالب فى أيامه على الأمر بنو سلجوق. وزيره أبو على الحسين بن على بن صدقة. صفته: أسمر، ربعة، أسود الشعر، سبطه. نقش خاتمه. . . لقبه. . . والله أعلم.

стр. 2996

ذكر خلافة الراشد بالله بن المسترشد بالله وما لخّص من سيرته هو أبو جعفر المنصور بن أبى المنصور الفضل بن أحمد المستظهر بالله، وباقى نسبه قد علم. أمه أمّ ولد يقال لها صبا. مولده سنة خمس مئة. ولّى بعهد من أبيه فى حياته له، وجلس للأمر يوم وفاة والده. والحافظ خليفة مصر، والوزير تاج الدولة بهرام الأرمنى، إلى أن استعفى وترهّب ولبس الصوف حسب ما سقناه، وأقام كذلك إلى أن توفى سنة خمس وثلاثين وخمس مئة، وكان لبهرام أخ يسمى باسك، وبه سميت منية الباسك فإنها كانت من إقطاعه. وفيها قتلت ياقوت خاتون ولدها شمس الدولة قدامها وهى قائمة على رأسه حتى مات فجعلته فى ناحية من المكان، وأمرت الجند فدخلوا فنظروه ميتا، ثم أجلست أخا له صغيرا يسمى محمود، وأنفذت إلى الحاجب يوسف بن فيروز فأحضرته وسلّمت إليه دمشق. وأقام مدّة يسيرة فاعترضه إنسان يقال له بزاوش، وهو فى الميدان،

стр. 2997

فضربه بخنجر فقتله. وتفرّقت الجند. فقوم اجتمعوا على بزاوش، وقوم توجّهوا إلى منازلهم. وكان أمين الدولة صاحب بصرى حاضرا. فأرادت قتله فهرب إلى بصرى. ثم حضر أتابك زنكى ونزل على دمشق يحاصرها، ثم تقرّر بينهم الصلح. قال ابن واصل: وكان سبب قتل أمّ شمس الدولة، وقيل شمس الملوك-واسمه إسماعيل بن بورى بن طغتكين-ولدها المذكور أنه كان سىّء السيرة إلى الغاية القصوى [مع بخل زائد ودناءة نفس] فكرهه أصحابه وأهله ورعيته، [فلما استشعر بغض أصحابه له وخاف منهم راسل] عماد الدين وقال: إن لم تسرع بالحضور سلّمت المدينة للفرنج. أعنى دمشق. فلما تحقّقت أمّه من أهل الدولة بكمالهم خافت على زوال الملك من بيتها، جمعت كبار القوم وقررت معهم أنها تقتله وتقيم أخوه (كذا)، فكان ما ذكرناه.

стр. 2998

نكتة [ولدت الجارية غلاما فسرّ به المسترشد وسماه أمير الجيوش .] قال ابن واصل: إن الخليفة المسترشد بالله كان قد أعطى لولده الراشد، وعمره أقلّ من تسع سنين، عدة جوار وأمرهن أن يلاعبنه ويمكّنّه من أنفسهنّ. وكانت فيهنّ جارية صفرآء حبشيّة، فحملت من الراشد بالله، فلما ظهر الحمل وبلغ ذلك المسترشد أنكره، وأحضر الجارية وتهدّدها. فقالت. والله ما تقدّم إلىّ سواه. وإنّه قد بلغ الحلم. فسأل عن ذلك بقية الجوارى، فقلن مثل ذلك. فأمر أن تحمّل الجارية قطنا ثم وطئها الراشد. فنظروا القطن والمنىّ عليه. وهذا من غرايب الأحوال. ولم يسمع بمثل هذا. إلاّ قيل إنّ نساء تهامة من الحجاز يحضن لتسع سنين ويبلغ صبيانها لتسع. ثم ولدت الجارية غلاما فسرّ به المسترشد وسماه أمير الجيوش.

стр. 2999

ذكر سنة ثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الراشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والحافظ خليفة مصر. ووزر أبو الفتح رضوان ولقّب بالأفضل، وجرت له أمور يطول شرحها، ملخصها أنّه هرب من مصر إلى الشام بعد فتن كثيرة، ثم عاد إلى مصر، ثم خرج إلى الشام يستجيش على الحافظ، فلم يزل يرسل إليه ويداهيه ويطمعه ويرغّبه حتى استقدمه. فسجنه فى قصره، فأقام مدّة، ثم نقب القصر وخرج، فعلم به فاتّطلبه الحافظ حتى وقع عليه فقتله. ثم لم يستوزر الحافظ بعدها أحدا غير ابن مصال نجم الدين، فإنّه أقامه ناظرا فى الأمور من غير أن يطلق عليه اسم الوزارة. والله أعلم.

стр. 3000

وفيها توفى شهاب الدين صاحب قلعة جعبر، وتولّى ولده شرف الدولة. وفيها تسلّم أتابك زنكى الرقّة من زعيم الدولة. وفيها طلع سحاب أسود أظلمت الدنيا منه، حتى صار الوقت كالليل المظلم، طلع بعده سحاب أحمر، فاحمرّت الدنيا منه، حتى عاد الجو كأنّه نار تشتعل، وكان قد هبّ قبل ذلك ريحا عاصفا وأهلكت شئ كثير من الشجر. ولم يزل كذلك إلى الليل، فمطرت مطرا عظيما إلى أن زادت منه الأنهر، وكادت دمشق تغرق، وكان ذلك فى الرابع والعشرين من أيّار. والله أعلم. قال ابن واصل: فى هذه السنة-[أعنى سنة ثلاثين وخمس مئة]- كانت البيعة للمقتفى لأمر الله ببغداد. وذلك أن المسترشد قتل وبويع الراشد ببغداد، فلم يوافق على ذلك السلطان مسعود وقال: هذا يكون كاينة فى معاندتنا. وأجمع رأيه مع كبار الدولة على المقتفى. وكان الراشد قد أرسل إلى أتابك زنكى يستقدمه، وجعل له الشحنكية ببغداد، والملك والسلطنة لألب أرسلان الذى عنده. فلما قدم أتابك زنكى واتقع (كذا) مع السلطان مسعود وانكسر ورجع هاربا. فلما كان ذلك خرج الراشد من بغداد هاربا ولحق بأتابك زنكى بالموصل

стр. 3001

واستقرّ بها إلى سنة اثنتين وثلاثين، والخطبة له ببلاد الموصل وما والاها. وأما بغداد وساير الأعمال للمقتفى بحكم إجماع الناس على خلعه. ثم سيّر إلى الأتابك زنكى ما أرضاه به من جهة المقتفى من الإقطاعات وغيرها فوافق، وخطب للمقتفى بالموصل. وفارقه الراشد بالله وتوجّه نحو همذان، فوثب عليه الباطنيّة فقتلوه. وكان ذلك يوم الثلاثاء سادس رمضان المعظم سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة.

стр. 3002

ذكر خلافة المقتفى لأمر الله ابن المستظهر بالله وما لخّص من سيرته هو أبو عبد الله محمد بن أبى العبّاس أحمد المستظهر بالله، وباقى نسبه قد علم. أمه أمّ ولد لم أقف على اسمها. بويع بعد قتلة الراشد بيومين. هكذا ذكر أبو المظفر عن بيعة المقتفى أنها بعد قتلة الراشد وليس كذلك، والصحيح ما ذكره القاضى جمال الدين بن واصل من ذلك، وقد ذكرنا بتلخيصه فى الحاشية التى قبل هذه الحاشية. وكلّ ما حشيّته فى جميع هذا التاريخ وفى أجزائه مقابلا (كذا) على نسخ المؤرّخين يحقق الضبط، فزاد هذا التاريخ إحسان، ولم يشنه بل له زان. أقام خليفة أربعا وعشرين سنة. وقيل خمس (كذا) وعشرين وثلاثة أشهر ونصف شهر. وكان شيخا أبيض الرأس واللحية. وقبض على كثير من أفراد بطانته وأمرائه. وكان يحبّ المال وتحصيله وجمعه، ولم يزل كذلك إلى أن توفى فى تاريخ ما يأتى ذكره.

стр. 3003

قال الفقيه أبو محمد أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عمر صاحب «التاريخ»: كانت دعوة المقتفى لأمر الله <فى> العراق والشام والحجاز وحرّان. ذكر سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: (ص ٢٨٩) الماء القديم ستة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الراشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والحافظ خليفة مصر، والوزير رضوان مدبّر الممالك المصرية. وفيها استولى الصوفىّ على دمشق وملكها من ياقوت خاتون. وفيها نزل ملك الروم على أنطاكية وحاصرها وشدّد عليها ذلك. وفيها نفى القاضى سناء الملك إلى تنّيس، وولى الحكم القاضى ابن أبى عقيل. وفيها فتح أتابك زنكى المعرّة وكفر طاب بعد فتح بارين من

стр. 3004

الفرنج، وأعاد كلّ ملك إلى صاحبه من المسلمين. وهذا ما يحكى من جملة عدله ﵀. قال ابن واصل: وفى هذه السنة، أعنى سنة إحدى وثلاثين، تزوّج أتابك زنكى بصاحبة دمشق وسماها زمرد خاتون. وهى أمّ الذى قتلته شمس الملوك ولدها، ظنّا منه أنها تسلّمه دمشق فلم توافق. وقال ابن واصل أيضا: وفى هذه السنة ملك ملك الروم بزاعة بالأمان من أهلها، ثم غدر وقتل جميع أهلها عدّة خمسة آلاف ومات نفر. قال: وتنصّر قاضيها وجماعة من أعيانها نحو أربع مئة نفس، واختفى جماعة فى مغارة فدخّن عليهم فماتوا أجمعهم. ذكر سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وإصبع واحد. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.

стр. 3005

ما لخّص من الحوادث الخليفة الراشد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد بحالهم. والحافظ خليفة مصر، والوزير رضوان. وفيها هرب إلى الشام الهربة الأولى حسبما ذكرناه. وفيها دخل أتابك زنكى دمشق، واستقرّ ملكه بها بعد ما كسر الفرنج كسرة عظيمة، وقتل بزواش الذى كان متغلّبا على دمشق. ثم إنه انتقل إلى حمص وملكها فى هذه السنة، وولده نور الدين محمود بالشرق فى ممالك أبيه زنكى، واستقرّ الملك زنكى بدمشق. وفيها قتل الإمام الراشد بالله أمير المؤمنين غرّة رمضان من هذه السنة. وكانت خلافته سنتين وعشرة أشهر. وكان جبارا قوىّ النفس جريثا على سفك الدماء بحقّ وبغير حق. صفته عفا الله عنه: أشقر، كبير العينين، بيّن الزرقة والشهولة، ربعة. نقش خاتمه. . . . لقبه. . . والله أعلم.

стр. 3006

ذكر سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق ملوك البلاد. واستبدّ الحافظ بالأمور وقام فيها بنفسه. وفيها توفى القاضى ابن أبى عقيل ﵀، وأقامت القاهرة ومصر بغير قاض ثمانية شهور. ثم تولّى الحكم القاضى هبة الله بن خير الأنصارى. وفيها خرج ملك الروم إلى الشام وفتح بزاعة، وأسر خلق كثير عدة عشرة آلاف نفر، وجعلهم فى خندق الآثارات يخرجون كل يوم يرعون الفول الأخضر ثم يعودون إلى الخندق، مع موكّلين بهم، ثم

стр. 3007

رحل طالبا شيزر، ونزل عليها، فخرج عليه سيف الدين سوار ابن ألدكز فى خيل من عسكر حلب، فخلّص الأسرى جميعهم ما خلا ولده وكان فى جملة الأسرى، وكانوا ثلاث مئة وخمسين نفرا. ثم رحل ونزل بزاعة وتسلّمها من الفرنج. وفيها زلزلت الحيرة عشر فراسخ فى مثلها وأهلكت ألف إنسان، وخسف بها وصار مكانه ماء أسود، وقدموا الغايبين من أهلها ولازموا البلد يبكون على أهاليهم وأموالهم التى عدمت لهم فى ذلك الخسف. وذكر أبو العلاء القلانسى أنّها كانت عامة، وأنها كانت فى حلب أقوى وأعظم، فإنها تواترت ثمانين مرة فى يوم وليلة، ورمت أبراج القلعة وأسوار البلد، وهرب جميع أهلها إلى ظاهرها. فهذه الزلزلة التى ذكرناها فيما تقدم ونبهنا على أمرها فإنها غير زلزلة شيزر المقدّم ذكرها أيضا. وفيها قتل الأمير شهاب الدين محمود بن بورى بن طغتكين صاحب دمشق ليلة الجمعة لثلاث بقين من شوّال، قتله غلامه البقش ويوسف الخادم والفرّاش الخركاوى، وصبيحة قتله وصل أخوه جمال الدين محمد بن بورى وملك دمشق، وقام بتدبير دولته الأمير معين الدين

стр. 3008

أنر مملوك جده طغتكين، ووصل أتابك زنكى إلى دمشق، وكانت الحرب بينه وبين الدماشقة، ولم يزل الحصار عليها إلى شعبان من هذه السنة. فتوفى جمال الدين صاحبها وهو كان آخر ملوك دمشق. وملك بعده مجير الدين آبق آخر من ملك دمشق من بيت الأتابك طغتكين، وقام بتدبير الملك معين الدين أنر، إلى أن ملكها أتابك زنكى. قال ابن واصل: وفى هذه السنة تسلم أتابك زنكى دمشق، وذلك لما قتل شهاب الدين محمود بدمشق حزنت عليه أمّه زمرّد خاتون فكاتبت أتابك على طلب دمشق. وكان بها معين الدين أنر، وكان قد خرج عن طاعة زمرّد خاتون. فحضر جمال الدين من بعلبك بقصد دمشق، واستنجد معين الدين بالفرنج، وجرت حروب كثيرة، وعاود دمشق عدة دفوع حتى دخلها على حين غفلة من أهلها فملكها. ثم قال ابن واصل فى مكان آخر: إنه لم يملكها فى هذه السنة. والله أعلم.

стр. 3009

ذكر سنة أربع وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والحافظ خليفة مصر قائم بأمور نفسه وتدبير ممالكه. وعزل القاضى عبد الله وتولّى الحكم أبو الطاهر إسماعيل بن أبى سلامة الأنصارى. وفيها كانت وقعة الزيتون مع أتابك زنكى، وكسرهم أتابك زنكى كسرة عظيمة، وقتل من الفرنج عشرين ألف نفر على تلّ الثعالب، وكان قبل ذلك وصلوا (كذا) الملاعين إلى بانياس، ووصلوا إلى داريّا ظاهر دمشق.

стр. 3010

قال ابن واصل ﵀: ولما رجع ملك الروم خائبا امتدح عماد الدين أتابك زنكى مسلم بن خضر بن قسيم الحموى بقصيدة منها يقول: بعزمك أيّها الملك الرحيم ... تذلّ لك الصّعاب وتستقيم ألم تر أنّ كلب الروم لمّا ... تبيّن أنّك الملك الرحيم فولّى يطبق الفلوات جبنا ... كأنّ الجحفل الليل البهيم منها: كأنّك فى العجاج شهاب نور ... توقّد وهو شيطان رجيم ومنها: أراد بقاء بهجته فولّى ... وليس سوى الحمام له حميم (ص ٢٩٢) وفيها قتل أتابك زنكى من أهل العريش ألف رجل كانوا اتفقوا مع الفرنج أن يسلّموهم بلاد المسلمين فقتلهم بسبب ذلك. ذكر سنة خمس وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.

стр. 3011

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والحافظ خليفة مصر يدبّر أموره بنفسه. فيها وصل أتابك زنكى بمرج الزّبدانى ووصل البقاع، وخطب له بدمشق وحمص وغيرهما. وفيها قتل سنجر شاه صاحب أذربيجان. وفيها كانت الزلزلة بشيزر، وأخرجت القلعة، وتسلّم أتابك الموزر. وفيها توفى بهرام بن أسد الأرمنى المترهّب المقدّم ذكره فى ذكر وزارة مصر. ذكر سنة ستّ وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.

стр. 3012

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والحافظ خليفة مصر مدبّر أموره بنفسه. وفيها توفى كند أسطيل (كذا) ملك الروم. وفيها كانت وقعة بين سنجر سلطان [الشرق] وكافر ترك [الواصل من ناحية الصين] وسبب ذلك أنه كان مما وراء النهر طائفة من الملوك يقال لهم العمرة ينزلون بنواحى سمرقند فى مروجها، ولهم أموال كثيرة ومواشى (كذا) كثيرة، وأهل تلك النواحى ينتفعون بهم، وهم قوم يعفّون عن مال غيرهم ولا يؤذون أحدا، فبلغ خبرهم سنجر سلطان فنفذ إليهم العساكر فأوقعوا بهم، ونهبوا أموالهم، وهتكوا حريمهم، وسبوا بناتهم، وقتلوا منهم خلق كثير. فانزاحوا إلى ناحية أورجيد. ثم نفدوا مشايخهم وكبراءهم بتقادم حسنة من أموالهم إلى سنجر سلطان وقالوا: نحن قوم أهل برارى وصحارى وخراب من الأرض، ولا لنا أذية إلى مخلوق، ونحن نسأل السلطان أن يكفّ عنا، ونجعل له علينا فى كلّ سنة خمسة آلاف فرس، وثلاثين ألف رأس من الغنم، ومن المال كذا وكذا. فلم يلتفت إليهم ولا أجابهم ولا إلى شئ من ذلك. فلما عادوا مشايخهم بالخيبة أجمعوا رأيهم

стр. 3013

وتوجّهوا إلى خاقان ملك الخطا مستصرخين به ومستجيرين بسلطانه. فحشد خاقان جموعه وجيوشه فى سبع مئة ألف مقاتل، وانضمّ خوارزم شاه إليه لمصاهرة كانت بينهما ومعاداة بين سنجر سلطان وبين خوارزم شاه. وكان عدّة عسكره خمسين ألف مقاتل، فلما بلغ سنجر سلطان ذلك حشد وجمع جموعه وقطع النهر فى ثلاث مئة ألف مقاتل، والتقوا فى صحراء سمرقند، وكان يوما عظيما لم ير مثله فى جاهلية ولا إسلام، واقتتلوا ثلاثة أيّام ليل نهار، فانكسر سنجر سلطان وانهزم، وهرب فى ستة نفر، وأسروا زوجته وأولاده، وهتكوا حريمه، وقتل عامة أمرائه، وقتل من أعيان دولته نحو المئة ألف. ودخل خوارزم شاه إلى بلخ، ونهب وقتل وسار. ومضى سنجر سلطان إلى فرهد (كذا) فلما دخلها لم يجد بها أحد (كذا) فسأل عن ذلك فقالوا: قتلوا جميعا. (ص ٢٩٤) وأخذت خزائنه وأمواله وذخائره، وأقام أيّاما لا يأكل ولا يشرب. فهذه وقعة سمرقند المشهورة. والله أعلم. قال ابن واصل: إن فى سنة ست وثلاثين تسلم أتابك زنكى إربل، وكانت إربل وجميع أعمالها لأبى الهيجاء الكردى الهذبانى ولورثته من بعده، ثم تغلّبت دولة الأتراك السلجوقية عليها وعلى غيرها، وتنقلت إلى أن صارت للسلطان مسعود بن ملكشاه، وهو يومئذ

стр. 3014

صاحب بزاعة قبل أن تصير إليه السلطنة. وكان <فيها> نائب من قبله، فسار إليها عماد الدين أتابك زنكى ونازلها فى هذه السنة المذكورة، أعنى سنة ست وعشرين وخمس مئة، فسار إليه السلطان محمود من مراغة، فرحل عنها عماد الدين فترك الزاب وترددّت الرسل بينهم إلى أن استقرّ أن يسير عماد الدين فى خدمة السلطان مسعود ليجلسه فى السلطنة، ويكلّف الإمام المسترشد أن يخطب له، ويسلّم إليه السلطان إربل. فتسلّمها على ذلك الشرط. فسلّمها عماد الذين لزين الدين كوجك، ثم سار عماد الدين إلى بغداد غربىّ الماء، وسار السلطان مسعود شرقىّ الماء، وتواعدا أن يلتقيا ببغداد. فوصل من بغداد قراجا الساقى وكبس عماد الدين، فكسر العسكر وأسر كلّ من فيه، ولم ينج سوى عماد الدين فإنه قطع الشطّ فى زورق وهو مجروح، فوصل إلى الموصل. واستقرّت حلب فى يد زين الدين كوجك وولده بعده إلى آخر أيّام الملك المعظّم مظفر الدين كوكبورى حسب ما يأتى من ذكره. قال ابن واصل: فى هذه السنة، أعنى سنة ست وثلاثين وخمس مئة، ملك عماد الدين أتابك زنكى الحديثة، ونقل من كان بها [من آل مهراش] إلى الموصل. وفيها خطب لعماد الدين بمدينة آمد، ودخل صاحبها فى جماعته،

стр. 3015

وكان قبل ذلك موافقا للأمير ركن الدين داود الأرتقى صاحب حصن كيفا. فلما رأى قوّة الملك زنكى رجع إلى طاعته. وفيها أغار عسكر حلب من جهة أتابك على الفرنج وقتلوا منهم خلقا كثيرا. ذكر سنتى سبع وثمان وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة سبع ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط. الماء القديم لسنة ثمان خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم.
следующие страницы →