← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والحافظ خليفة مصر يدبّر أموره بنفسه. فيها وصل أتابك زنكى بمرج الزّبدانى ووصل البقاع، وخطب له بدمشق وحمص وغيرهما. وفيها قتل سنجر شاه صاحب أذربيجان. وفيها كانت الزلزلة بشيزر، وأخرجت القلعة، وتسلّم أتابك الموزر. وفيها توفى بهرام بن أسد الأرمنى المترهّب المقدّم ذكره فى ذكر وزارة مصر. ذكر سنة ستّ وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا.

стр. 3012

ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والحافظ خليفة مصر مدبّر أموره بنفسه. وفيها توفى كند أسطيل (كذا) ملك الروم. وفيها كانت وقعة بين سنجر سلطان [الشرق] وكافر ترك [الواصل من ناحية الصين] وسبب ذلك أنه كان مما وراء النهر طائفة من الملوك يقال لهم العمرة ينزلون بنواحى سمرقند فى مروجها، ولهم أموال كثيرة ومواشى (كذا) كثيرة، وأهل تلك النواحى ينتفعون بهم، وهم قوم يعفّون عن مال غيرهم ولا يؤذون أحدا، فبلغ خبرهم سنجر سلطان فنفذ إليهم العساكر فأوقعوا بهم، ونهبوا أموالهم، وهتكوا حريمهم، وسبوا بناتهم، وقتلوا منهم خلق كثير. فانزاحوا إلى ناحية أورجيد. ثم نفدوا مشايخهم وكبراءهم بتقادم حسنة من أموالهم إلى سنجر سلطان وقالوا: نحن قوم أهل برارى وصحارى وخراب من الأرض، ولا لنا أذية إلى مخلوق، ونحن نسأل السلطان أن يكفّ عنا، ونجعل له علينا فى كلّ سنة خمسة آلاف فرس، وثلاثين ألف رأس من الغنم، ومن المال كذا وكذا. فلم يلتفت إليهم ولا أجابهم ولا إلى شئ من ذلك. فلما عادوا مشايخهم بالخيبة أجمعوا رأيهم

стр. 3013

وتوجّهوا إلى خاقان ملك الخطا مستصرخين به ومستجيرين بسلطانه. فحشد خاقان جموعه وجيوشه فى سبع مئة ألف مقاتل، وانضمّ خوارزم شاه إليه لمصاهرة كانت بينهما ومعاداة بين سنجر سلطان وبين خوارزم شاه. وكان عدّة عسكره خمسين ألف مقاتل، فلما بلغ سنجر سلطان ذلك حشد وجمع جموعه وقطع النهر فى ثلاث مئة ألف مقاتل، والتقوا فى صحراء سمرقند، وكان يوما عظيما لم ير مثله فى جاهلية ولا إسلام، واقتتلوا ثلاثة أيّام ليل نهار، فانكسر سنجر سلطان وانهزم، وهرب فى ستة نفر، وأسروا زوجته وأولاده، وهتكوا حريمه، وقتل عامة أمرائه، وقتل من أعيان دولته نحو المئة ألف. ودخل خوارزم شاه إلى بلخ، ونهب وقتل وسار. ومضى سنجر سلطان إلى فرهد (كذا) فلما دخلها لم يجد بها أحد (كذا) فسأل عن ذلك فقالوا: قتلوا جميعا. (ص ٢٩٤) وأخذت خزائنه وأمواله وذخائره، وأقام أيّاما لا يأكل ولا يشرب. فهذه وقعة سمرقند المشهورة. والله أعلم. قال ابن واصل: إن فى سنة ست وثلاثين تسلم أتابك زنكى إربل، وكانت إربل وجميع أعمالها لأبى الهيجاء الكردى الهذبانى ولورثته من بعده، ثم تغلّبت دولة الأتراك السلجوقية عليها وعلى غيرها، وتنقلت إلى أن صارت للسلطان مسعود بن ملكشاه، وهو يومئذ

стр. 3014

صاحب بزاعة قبل أن تصير إليه السلطنة. وكان <فيها> نائب من قبله، فسار إليها عماد الدين أتابك زنكى ونازلها فى هذه السنة المذكورة، أعنى سنة ست وعشرين وخمس مئة، فسار إليه السلطان محمود من مراغة، فرحل عنها عماد الدين فترك الزاب وترددّت الرسل بينهم إلى أن استقرّ أن يسير عماد الدين فى خدمة السلطان مسعود ليجلسه فى السلطنة، ويكلّف الإمام المسترشد أن يخطب له، ويسلّم إليه السلطان إربل. فتسلّمها على ذلك الشرط. فسلّمها عماد الذين لزين الدين كوجك، ثم سار عماد الدين إلى بغداد غربىّ الماء، وسار السلطان مسعود شرقىّ الماء، وتواعدا أن يلتقيا ببغداد. فوصل من بغداد قراجا الساقى وكبس عماد الدين، فكسر العسكر وأسر كلّ من فيه، ولم ينج سوى عماد الدين فإنه قطع الشطّ فى زورق وهو مجروح، فوصل إلى الموصل. واستقرّت حلب فى يد زين الدين كوجك وولده بعده إلى آخر أيّام الملك المعظّم مظفر الدين كوكبورى حسب ما يأتى من ذكره. قال ابن واصل: فى هذه السنة، أعنى سنة ست وثلاثين وخمس مئة، ملك عماد الدين أتابك زنكى الحديثة، ونقل من كان بها [من آل مهراش] إلى الموصل. وفيها خطب لعماد الدين بمدينة آمد، ودخل صاحبها فى جماعته،

стр. 3015

وكان قبل ذلك موافقا للأمير ركن الدين داود الأرتقى صاحب حصن كيفا. فلما رأى قوّة الملك زنكى رجع إلى طاعته. وفيها أغار عسكر حلب من جهة أتابك على الفرنج وقتلوا منهم خلقا كثيرا. ذكر سنتى سبع وثمان وثلاثين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة سبع ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط. الماء القديم لسنة ثمان خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم.

стр. 3016

والحافظ خليفة مصر مدبّر أمور ممالكه بنفسه. ومضت سنة سبع بغير حادث بحكم التلخيص. وفى سنة ثمان ظهر قوم يقال لهم بنو لام ومعهم جماعة من أهل الشرق فتوجهوا إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأحرقوا قبر عثمان بن عفّان رضى الله عنه، وأحرقوا معه قبور كثيرة. وكان هؤلاء القوم علويون ثم إنهم عادوا إلى بلادهم. وفيها غلب سيف الدين غازى بن أتابك على ملك الموصل من مملكة نور الدين محمود بن أتابك زنكى وأخرجه عنها فى شرح طويل هذا ملخصه: قلت: هذا غلط من أبى المظفر، وإنما الصحيح ما ذكره ابن واصل من ذلك المكتوب على الحاشية فى أمر بنى أتابك زنكى. وفيها فتح أتابك الرّها عنوة بالسيف وكذلك سروج أيضا. وفيها ملك نور الدين محمود بن زنكى سنجار وعادت فى ملكه والله أعلم. وقيل إن هذه الحوادث كانوا فى سنة تسع وثلاثين والله وأعلم.

стр. 3017

قال ابن واصل: وفيها فتح الرها. كان الفرنج-لعنهم الله-كثر شرّهم بالبلاد الجزريّة، وكانت لهم الرّها وسروج وألبيرة وغير ذلك. وكانت جميع هذه البلاد والأعمال لجوسلين. وكان أتابك زنكى يعلم أنه متى قصد الرّها اجتمع بها الفرنج ومنعوه منها. فاشتغل بقصد ديار بكر ليوهم الفرنج أنّه غير قاصد نحوهم. ثم إنه نادى على حين غفلة من الفرنج بالركوب. ومدّ خوان وقال: لا يأكل معى على مائدتى إلاّ من يطعن غدا معى باب الرها. فلم يتقدم إليه غير أمير واحد وصبى لا يعرف، وذلك لما يعرفون من شجاعته وقوة جسارته. . فقال ذلك الأمير للصبى: ما أنت وهذا [المقام] فقال له [عماد الدين]: دعه، فإنى والله أرى منه وجها لا يتخلّف عنى. فكان كذلك حتى فتح الله عليه. ذكر سنتى تسع وثلاثين وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة تسع ستة أذرع وأربعة عشر إصبعا.

стр. 3018

مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. الماء القديم لسنة أربعين أربعة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والحافظ خليفة مصر مدبّر أمور ممالكه بنفسه، وابن مصال ناظر فى المصالح. ومضت سنة تسع ولم يكن بها غير ما تقدم فى ذكر سنة ثمان، وفى سنة أربعين فتح عبد المؤمن مدينة مرّاكش. وفيها نزل أتابك زنكى على قلعة جعبر، وولده نور الدين دخل دمشق فأقام مدة يسيرة ثم عاد. ذكر سنتى إحدى واثنتين وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم لسنة إحدى ستة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 3019

الماء القديم لسنة اثنتين خمسة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والحافظ خليفة مصر مدبر أمور ممالكه بنفسه، ونجم الدين ابن مصال بحاله. وفى سنة إحدى بنى حسام الدين أرتق جسر قرمان فى أرض ميّافارقين. وفى سنة اثنتين قتل عبد المؤمن صاحب المغرب جميع من كان فى مرّاكش من المقاتلة، وأحضر اليهود والنصارى وقال لهم: إنّ الإمام المهدى أمرنى أن لا أقرّ الناس إلاّ على ملّة الإسلام، وأنتم تزعمون أنّ بعد الخمس مئة يظهر من يعضد شريعتكم، وقد انقضت المدة. فإمّا أن تسلموا وإمّا أن تلحقوا بدار الحرب. فأسلم منهم خلق كثير. ثم إنه أخرب الكنائس (ص ٢٩٦) وردها مساجد. ثم دخل بيت المال ففرّقه جميعه وكنسه وصلّى فيه، كما فعل الإمام علىّ بن أبى طالب

стр. 3020

كرّم الله وجهه، وأقام معالم الإسلام والحدود والأحكام على الوجه المرضىّ من الشرع، مع السياسة الكاملة، وأمر من ترك الصلاة ثلاثة أيّام أن يقتل، وأزال ساير المعسكرات، ونهى عن جميع المنكرات، وكان يصلّى بنفسه بالناس الصلوات الخمس، ويقرأ فى كلّ يوم سبعا من القرآن، ويصوم الخميس والاثنين، ويلبس الصوف. وسيأتى ذكر مبتدإ أمره ونسبه وما لخّص من أخباره فى الجزء الذى يتلو هذا الجزء، عند ذكر وفاته إن شاء الله تعالى. ورأيت فى بعض مسوداتى أنّ عبد المؤمن هذا الذى دخلت عليه حفصة بنت الحاج الشاعرة فقال لها: أنت حفصة الشاعرة؟ قالت: نعم، أصلحك الله. قال: أرينا شيئا من شعرك. فارتجلت تقول: امنن علىّ بطرس ... يكون للدهر عدّه تخطّ يمناك فيه ... والحمد لله وحده وكانت علامته على المناشير والتوقيع: الحمد لله وحده. فحسن ذلك الموقع منها. فكتب لها توقيعا بضيعتها وأكرمها. ومن ذلك فى ذكر حفصة الشاعرة المذكورة أن اتفق أنّه بات معها فى محاضرة وأدب أبو جعفر بن عبد الملك فى حور مؤمل، وهو أحسن أماكن النزهة بمدينة غرناطة.

стр. 3021

فقال أبو جعفر: رعى الله يوما لم يرح بمذمّم ... عشيّة وارانا بحور مؤمل وغرّد قمرىّ على الدوح وانثنى ... قضيب من الريحان من فوق جدول ترى الروض مسرورا بما قد بدا له ... عناق وضمّ وارتشاف مقبّل فأجابته بما لا يخفى إحسانها فيه على كل حاذق تقول: (ص ٢٩٧) لعمرك ما سرّ الرياض بوصلنا ... ولكنّه أبدى لنا الغلّ والحسد ولا صفّق النهر ارتياحا لقربنا ... ولا صدح القمرىّ إلاّ لما وجد فلا تحسن الظنّ الذى أنت أهله ... فما هو فى كلّ المواطن بالرّشد فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمر سوى كيما يكون لنا رصد وكانت أيضا بغرناطه نزهون الشاعرة. فهى ذات يوم تصحّح شئ (كذا) من اللفاظ العربية (كذا) على الشيخ أبو الحسن ابن أصحا الأعمى المخزومىّ، وكان أوحد أهل المئة السادسة فى علم العربية، وشاعرا مطبقا هجّاء فاضحا. فدخل عليه أبو بكر الكتندىّ ونزهون بين يديه، وكانت من الجمال بالموضع الوافر، فقال أبو بكر مستنطقا للأستاذ أبى الحسن: لو كنت تبصر من تكلّمه

стр. 3022

فأفحم الأستاذ ولم يقدر أن يجيزه. فقالت نزهون ارتجالا: لغدوت أخرس من خلاخله ... البدر يطلع من أزرّته والغصن يمرح فى غلائله ونزهون هذه التى استأذن عليها ابن قزمان المشهور بالإجادة فى الأرجال، فقالت له الجارية: من أنت حتى أستأذن لك: فقال قولى لستّك رجل من أخصّ أصحابك. فلما أعلمتها قالت: ارجعى إليه وقولى له: بالسين أو بالصاد؟ فأعادت عليه. فقال قولى لها: بصاد مثل كسّك. وكان فى غرناطة أيضا فى المئة السادسة حمدة بنت زياد القائلة وقد خرجت إلى بسيط غرناطة مع نساء، فيهن من تميل إليها. فلعبن وسبحن فى تلك الأنهار المتفرّقة. فقالت حمدة فى ذلك: أباح الدمع أسرارى بواد ... له فى الحسن آثار بوادى فمن نهر يطيف بكلّ روض ... ومن روض يرفّ بكلّ واد ومن بين الظباء مهاة أنس ... لها لبّى وقد سلبت فؤادى لها لحظ ترقّده لأمر ... وذاك الأمر يمنعنى رقادى إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر فى أفق السواد كأنّ البدر مات له شقيق ... فمن حزن تسربل بالحداد

стр. 3023

ومن شعرها: ولما أبى الواشون إلاّ فراقنا ... وما لهم عندى وعندك من ثار وشنّوا على أسماعنا كلّ غارة ... وقلّ حماتى عند ذاك وأنصارى لقيناهم من ناظريك وأدمعى ... ومن نفسى بالسيف والسّيل والنار قال ابن واصل: ولما كان فى سنة إحدى وأربعين قصد عماد الدين قلعة جعبر، وصاحبها يومئذ [مالك بن] سالم بن مالك العقيلى، وحاصرها، وسيّر إلى صاحبها رسولا يقول له فى جملة رسالة: من يمنعك عنى؟ وكان الرسول الأمير حسّان صاحب منبج لمودّة كانت بينهما. فلما أدّى الرسالة وقال له: يقول لك من يمنعك منى، فقال يمنعنى منه الذى يمنعك من الأمير بلك. قصد بقوله أنه لما نازل بلك بن بهرام بن أرتق منبج، بعد أن أسر حسّان هذا وهو صاحبها يومئذ، ولم يبق إلا أخذها، فجآءه سهم فوقع فى نحره فأهلكه وخلص حسّان منه. فكانت واقعة عماد الدين على قلعة جعبر كذلك، فإنّه أقبل عليها وخلصت من حصاره حسبما يأتى من ذكر ذلك فى الحاشية الأخرى من الوجه الآخر.

стр. 3024

قلت: وقد ورد عن الله تعالى حكاية يقول: أنا الله ربّ مكّة، وعزّتى لا أقمت لمقدّر أمرا. وقيل: إنه كان فى أتابك فى أوّل مبدإه ظلم، فسمع ليلة وهو نازل بحماة شخصا يغنى على شاطئ العاصى: اعدلوا ما دام أمركم ... نافذا فى النفع والضرر واحفظوا أيّام دولتكم ... إنكم منها على خطر قال: فبكى، فتبدلت نيته. قال ابن واصل: وفى سنة إحدى وأربعين قتل أتابك زنكى وهو محاصر لقلعة جعبر. دخل عليه صبى من غلمانه إفرنجى اسمه برتقش مع جماعة من مماليكه فقتلوه على فراشه وهربوا فى الوقت إلى قلعة جعبر. وكان ذلك ليلة الأحد لستّ مضين من ربيع الآخر، واستولى على الأمر بعد قتله ألب أرسلان السلجوقى الذى كان يدّعى أتابك زنكى أنه أتابكه. فدبّر عليه الوزير جمال الدين [الاصفهانى] مع صلاح الدين الياغسيائى وأحضروا سيف الدين غازى، وهو أكبر أولاد أتابك زنكى، وسلّموه الموصل، وملّكوه عوضا عن أبيه، وأعملوا

стр. 3025

الحيلة على ألب أرسلان حتى دخل الموصل فقبض عليه وكان آخر العهد به. وملك نور الدين محمود حلب، وهو نور الدين أبو القاسم محمود الشهيد حسبما يأتى من ذكره. [ولما قتل عماد الدين أتابك زنكى ﵀ قال الأمير مؤيد ابن منقذ: وكأنّ الشاعر المتنبى رثاه بقوله: وقد قاتل الأتراك حتى قتلنه ... بأضعف قرن فى أذلّ مكان ومن بعض ما يحكى عنه من قوة منطوية أنه مما امتحن به بعض علمائه أعطاه يوما فى تسليمه خشكنانكه وقال له: احفظ هذه. فبقيت نحوا من سنة وهى لا تفارقه سفرا وحضرا، خوفا أن يطلبها منه. فلما كان بعد ذلك قال له: أين الخشكنانكه؟ قال: فأخرجها له من منديل ثم قدّمها بين يديه. فاستحسن ذلك منه. وقال: مثلك ينبعى أن يكون مستحفظا بحصن. وأمره حينئذ بدزدارية قلعة كواشى. فبقى فيها ذلك الطشتدار إلى أن قتل عماد الدين. ومن جملة حزمه أنه تفرّس فى الأمير بهاء الدين ياروق التركمانى الشجاعة فجعل له ولاية حلب. فكان ياروق وأصحابه حصن حلب المانع حتى ضربت بشجاعته الأمثال.

стр. 3026

ذكر سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والحافظ خليفة مصر، مستبد بالأمور بنفسه، وابن مصال ناظر بحاله. وفى تاسع صفر من هذه السنة عزل القاضى أبو طاهر، وتولّى مكانه يونس بن محمد المقدسى. وفيها أخذت الفرنج عسقلان، سلّمها لهم عبّاس وزير مصر. وهذا غلط من صاحب هذا التاريخ الذى منه ننقل ذلك. فإنّ

стр. 3027

عباس لم يتوزّر للحافظ قطّ، ولعله غلط فى السنين، أو من ناسخ الجزء وقع السهو والله أعلم. ونحن نذكر الواقعة، ولعلّها كانت فيما يأتى من خلافة الظافر فنقول: كان سبب تسلم الفرنج عسقلان أنّ رأس الإمام الحسين بن على ابن أبى طالب ﵉ كان قد طيف به البلاد عند قتله، ودفن بعسقلان قريبا من حيط الجامع القبلى بين العمودين. فأقام من ذلك التاريخ إلى (ص ٢٩٩) هذه المدّة. فذكر لعباس المذكور فى حال وزارته للظافر وصحّ عنده الخبر وثبت ذلك إثباتا جيدا، فكاتب الفرنج واتفق الحال بينهم أن يسلّمهم عسقلان ويتسلّم الرأس الشريفة، فأحضرت (كذا) الرأس إلى القاهرة المعزية ودفن بالمشهد الحسينى فى شهر ربيع الأول، وقيل ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمس مئة وهو الصحيح، وأحضر صحبة تميم المعروف بالأمين. وقيل فى هذه السنة كانت وفاة الحافظ خليفة مصر، وولاية الظافر والصحيح أنّ ذلك فى سنة أربع وأربعين والله أعلم. وفيها نزل ملك الألمان على دمشق وخيّم من جهة باب الجابية،

стр. 3028

وكان فى خلق عظيم ما مقداره أحد عشر ألف مقاتل، وكان بدمشق أناس قليلة من الجند وكانوا شجعان. منهم: الحبق، وطرعق، وبلق، ومجاهد الدين بزان، وعين الخواص المسمى الزّىّ، وإسرائيل، والبصّارو، والسليمانى، وغيرهم من الأمراء الشجعان، فتحالفوا بالطلاقات أنهم لا يرجعوا عن الملاعين ولا يغلقون لدمشق باب ليلا ونهارا، ولا يحمل أحد منهم إلا ويواصل الضرب. ثم إنّ الفرنج ثانى يوم شربوا وطابوا وصلّوا صلاة الموت وقدّموا قدّامهم الأقسسة بالإنجيل، والذى حامله راكب حمار (كذا) وفى يده صليب الصّلبوت. ولم يزالوا كذلك إلى أن وصلوا القنوات قدّام باب الجابية. فرمى رجل من المسلمين يقال له كبك القسّيس الذى على رأسه الإنجيل بفردة ياشج فى صدره مرقت من ظهره، فوقع، وحمل آخر يقال له ابن جمّار، وضرب صاحب العلم الكبير فجدّله، فولّوا (كذا) الملاعين على أعقابهم مدبرين، وقتل أهل دمشق منهم خلقا كثيرا، وقتل (ص ٣٠٠) فى هذه النوبة الفقيه الفندلاوى المالكى، وكان يحمل على الفرنج ويقول: قد بعت نفسى عسى تشترى.

стр. 3029

قال ابن واصل: فى هذه النوبة قتل شاهنشاه بن [نجم الدين] أيوب شهيدا ولم يدرك ملك إخوته بنى أيوب، وهو جدّ الملوك بحماة والملوك ببعلبكّ. وقيل فى هذه السنة زاد النيل إلى أن بلغ تغليق تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع من العشرين، وغرقت سائر ضواحى مصر والقاهرة، وخشى الناس الغرق. وهذا لم أجده فى نسخة المسير، وإنما ذكره ابن واصل فى «تاريخه» فذكرته. والله أعلم. وفى هذه السنة حاصروا (كذا) الفرنج دمشق حصارا شديدا، وسيّر مدبّر الدولة بها يستنجد بسيف الدين غازى ابن أتابك زنكى صاحب الموصل وحضر فى جيوشه، ونزل إليه أخوه نور الدين محمود من حلب وتعانقا، واتّفقا. ولما سمعت الفرنج بحضور سيف الدين غازى خافوا ورحلوا عن دمشق. وفيها قتل شاهنشاه بن أيوب جدّ الملوك أصحاب حماة. قتلوه (كذا) الفرنج على دمشق فى هذه النوبة، وخلّف ولدين وهما الملك المظفر تقى الدين عمر والملك المنصور عز الدين فرّخشاه أبو الملك الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك، ودفن بالشرف ظاهر دمشق.

стр. 3030

ذكر سنة أربع وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق حكّام البلاد. والحافظ خليفة مصر إلى أن توفى يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة، ومدبّر دولته نجم الدين بن سليم بن مصال. ووصل علىّ بن السلاّر من ثغر الإسكندرية طالبا للوزارة فى جموع من المغاربة والقبايل، فلما سمع به نجم الدين خرج من القاهرة فى جماعة الريحانية والمغاربة المصريّين، ونزل بأرض دلاص من طرف صعيد مصر الأسفل. ودخل ابن السلاّر القاهرة فى جمع كثيف. وكان خروج ابن مصال من القاهرة فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء

стр. 3031

الرابع من شهر رمضان، وقيل شعبان وهو الصحيح، ودخل ابن السلاّر خامس الشهر المذكور. فتولّى تدبير الأمور، ونعت بالسيّد الأجلّ الأفضل، ثم نعت نفسه بالعادل بن أسبا سلار، ثم جمع نجم الدين ابن مصال جمعا كثيرا، فخرج له عباس، وكان يومئذ والى الأعمال الشرقية، والتقى مع نجم الدين، وكسره وقتله، وقتل من جمعه تقدير عشرة آلاف نفر، (ص ٣٠١) وأخذ رأسه ودخل به على عود عال إلى القاهرة، وذلك يوم الخميس ثالث عشرين ذى القعدة من هذه السنة. واستمرّ العادل ابن السلار فى تدبير المصالح، وتزوج بامرأة حسناء مفرطة فى الجمال كان عبّاس متولّى الشرقية قد ملك عليها، ولم يعبر بها. فبلغ ابن السلار ما هى عليه من الجمال فغلب عباس عليها وتزوّجها. وكان لها ولد يضاهيها فى الجمال يسمّى نصرا، فحصل بين <ابن> السلاّر وبين عباس الوحشة والتنافس، وخرج عباس إلى محل ولايته بالشرقيّة، وعاد كالعاصى على ابن السلاّر، وكلّ منهما يداهن الآخر ومحترز منه، وجرى بينهما أحوال كثيرة، فشرع عباس يراسل نصرا ابن زوجة ابن السلاّر ويداهنه ويوعده ويمنيه حتى استماله، وعمل الحيلة على زوج أمّه ابن السلار حتى قتله، وذلك يوم الخميس سنة ثمان وأربعين

стр. 3032

وخمس مئة، ووصل عباس يوم الجمعة صبيحة قتله ابن السلار، وخرجت له خلع الوزارة، ولقّب بالمظفّر عباس أمير الجيوش ولم يزل كذلك، وتزّوج أمّ نصر، وعاد لا يقطع أمرا دون ذلك الصبىّ نصر، إلى أن قتلا الظافر وقتلا بعده حسب ما يأتى: وفيها كسر نور الدين محمود بن الملك زنكى من الفرنج، كسروه على ريحه (؟) ثم جمع وحشد واهتمّ وخرج إليهم، وكان ملكهم يومئذ صاحب أنطاكية، فكسرهم كسرة شنيعة وأسر ملوكهم. وقتل فى هذه النوبة ملكهم البرنس، وقام مكانه ولده بيمند. وكان طفلا، فتزوّجت أمّه كبيرا من كبرائهم لتدبّر حال الطفل، فغزاهم أيضا نور الدين وكسرهم، واستأسر ذلك الكبير الذى تزوجته الملكة، فامتدحه محمد بن صغير القيسرانى: هذى العزائم لا ما تدّعى القضب ... وذى المكارم لا ما قالت الكتب وهذه الهمم اللاّتى إذا خطبت ... تعثّرت خلفها الأشعار والخطب صافحت يابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعى دونها التعب وهى طويلة وهذا ملخصها. وفيها نزل مسعود بن قليج أرسلان على مرعش، وأخذها بالسيف عنوة.

стр. 3033

وفيها استقر (كذا) مملكة نور الدين محمود بن أتابك زنكى بدمشق بعد وفاة أبيه أتابك ﵀، وملك أيضا حمص وفامية، واتّسع سلطانه. (ص ٣٠٢). وكان الجوسلين صاحب تلّ باشر وإعزاز وعينتاب والراوندان ورعتات وغيرهم من الحصون على المسلمين منه ضرر كبير مما يغار (كذا) عليهم، وكان شديد البأس، شجاعا فى الحروب، مقداما جسورا، وكان مولعا بحبّ النساء الحسان. فجهّز إليه الملك العادل نور الدين محمود جيشا كثيفا فكسره الجوسلين، ولم يفيد (كذا) فيه شئ. فعظم على نور الدين، فاحتال عليه ودسّ جماعة من التركمان وقال لهم: من أتانى به أو برأسه فله حكمه علىّ. فتجهز عليه طائفة من التركمان فنزلوا عينتاب وفيهم امرأة لم يكن أجمل منها، فجعلوها فى طريق الملعون جوسلين لعلمهم بولعه بالنساء الحسان، كأنها تحتطب، وكمنوا (كذا) له الرجال من التركمان. فلما بلغ جوسلين نزول التركمان بعينتاب خرج بنفسه وقد سكر بالخمر، ولم يستصحب معه أحدا لظنه بنفسه وشجاعته. فمر بطريقه إلى تلك الامرأة، فلما رآها ذهل عقله، فراودها فأنعمت له، وأتت به إلى تحت شجرة بالقرب من كمين التركمان. فلما صار عليها ضمّت رجليها عليه ويديها، وخرجوا عليه

стр. 3034

فأخذوه أخذا بالكفّ، وأتوا به إلى نور الدين وهو نازل على حمص، فأعطى التركمان عشرة آلاف دينار والمرأة ألف دينار. ثم إنّ نور الدين أخذ منه سائر ما كان بيده من القلاع والحصون، ثم قتله بعد ذلك وأراح الله المسلمين منه ومن شره. وفيها تسلّم نور الدين شيزر لمّا هدمتها الزلزلة، وانقطع ملك بنى منقذ، ووهب لأخيه نصرة الدولة حرّان وضياعها. وفيها مطرت باليمن مطرا كلّه دم عبيط، وانصبغت الأرض منه وكان آية عظيمة. وفيها أطلق الفرنج ابن أخت ملك الفرس، وكان أسيرا عند المسلمين، فحملوا (ص ٣٠٢) للمسلمين أشياء عظيمة القدر من جملتها خمس فروش لؤلؤ، وأفدوه بألفى وسبع مئة أسير وخمس مئة ثوب أطلس.

стр. 3035

ذكر خلافة الظافر ابن الحافظ وما لخّص من سيرته هو أبو المنصور إسماعيل بن أبى الميمون عبد المجيد الحافظ، وباقى نسبه قد تقدم ذكره. أمّه أمّ ولد تدعى ست الوفا. مولده فى المحرّم سنة سبع وعشرين وخمس مئة. بويع له يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة من هذه السنة، وله يومئذ سبع عشرة سنة وخمسة أشهر، وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر. ومدبّر دولته عبّاس المظفر، وابن زوجته نصر، وكاتبه الشيخ الموفق. كان شغوفا بمحبّة نصر ابن امرأة عباس المظفّر، فلم يكن له عنه صبر ليلا ولا نهارا. ودفع إليه من الأموال وخوّله من النّعم ما لا يحصى كثرة. ومن جملة ذلك ما ذكره الشيخ شمس الدين ابن خلكان ﵀ فى تاريخه: أنّه دخل عليه فى يوم خميس العدس فوهبه قليوب بجميع وجوه أموالها وأصناف غيطانها وخراجها، وقال: هذه وهبة الخميس، وقليلة فى حقّك يا نصر. وزادت المحبة حتى سمع عنهما

стр. 3036

أمور قباح. وكان الظافر يقول دائبا فى الملأ والخلا: عباس ونصر من أهل البيت. وهو يعنى عن التقرّب. فشنع عنه أنه من أهل البيت حقا، حتى لعب الشيطان بعقولهما، فقتلاه حسب ما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه. وفى سنة أربع وأربعين توفى سيف الدين غازى بن أتابك زنكى صاحب الموصل على فراشه فى جمادى الآخرة، وقام بمملكة الموصل أخوه مودود بن أتابك زنكى. وكانت مدة ولاية غازى ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما. وكان جميل الصورة. وكان عمره نحو أربع وأربعين سنة، لأنّ مولده فى سنة خمس، وتزوّج بابنة حسام الدين تمرتاش بن إيلغازى بن أرتق صاحب ماردين، ولم يدخل بها، فأخذها أخوه مودود لمّا ملك الموصل، واستولدها ولدين أحدهما سيف الدين غازى، والآخر عماد الدين مسعود وغيرهما. وكانت هذه الأمراء يحلّ لها أن تظهر بخمسة عشر ملكا من آبائها وأجدادها وأقاربها. وقام بتدبير ملك الموصل الوزير جمال الدين بن علىّ الإصبهانى والأمير زين الدين على كوجك أحسن قيام. وأقطع زين الدين على كوجك سنجار إلى ما بيده. وكان نور الدين محمود قد تحرّك لطلب الملك بالموصل لأنه أكبر من أخيه مودود، فلم يقدر على ذلك من هذين الأميرين مدبرى الدولة جمال الدين وزين الدين المذكورين.

стр. 3037

ذكر سنة خمس وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث (ص ٣٠٤) الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والظافر خليفة مصر، ومدبّر دولته المظفّر عباس، وابن مرته نصر. وفيها أحضر إلى نور الدين الشهيد من بلاد صرخد ذئبة ولدت جروا صفتة صفة الفهد، لكنه على صغره يقفز فى الهوا تقدير عشرين ذراعا. وقيل إنّه السّمعمع، وهو ولد الضبع من الديبة، وهو أخبث الوحوش وأعظمها قوّة وخفة. والعرب تقول إنه لا يموت حتف أنفه وإنما بآفة تعرض له. وقد تقدم ذكر ذلك فى الجزء الثالث من هذا التاريخ عندما ذكرنا بشّار بن برد الشاعر والله أعلم.

стр. 3038

ذكر سنتى ست وسبع وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لستّ ستة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع واحد. الماء القديم لسنة سبع ستة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخّص من الحوادث الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والظافر خليفة مصر، وعبّاس ونصر بحالهما، ومضت سنة ست لم يكن بها ما يذكر بحكم التلخيص. وفى سنة سبع كان ابتدآء الجراد العظيم بالموصل وبلاد الجزيرة، وأقام متتابعا سبع سنين حتى قحطت ديار بكر. وفيها عزل القاضى يونس وولى الحكم الفقيه مجلى.

стр. 3039

قال ابن واصل: وفى سنة سبع وأربعين كان تملك نور الدين دمشق وأخذها من صاحبها مجير الدين بن جمال الدين محمد بن تاج الملوك بورى بن طغتكين، وانقطع ملك بيت آل طغتكين. وكان مدبر أموره معين الدين قد توفى قبل ذلك، فهيّأ لنور الدين الأمر بعد موت معين الدين. والله أعلم. ذكر سنتى ثمان وتسع وأربعين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة ثمان خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. الماء القديم لسنة تسع ستة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 3040

الحوادث (ص ٣٠٥) الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والظافر خليفة مصر حتى قتل سنة تسع حسب ما يأتى من ذكر ذلك. وفى سنة ثمان غيّروا (كذا) الإسماعيلية دين الإسلام، وشربوا الخمور، وفجروا ببناتهم وأمهاتهم وخواتهم، وفعلوا كلّ محرّم فى شهر رمضان ليلا ونهارا، وأحرقوا الجامع وجميع المشاهد التى كانت عندهم والمنابر. وقيل فى هذه السنة ملكت الفرنج عسقلان، بعد قتال شديد وحرب أكيد، قتل فيه بين الفريقين خلق كثير. وطلبوا (كذا) المسلمين من الفرنج الأمان، وكان سبب ذلك أنّ المسلمين الذين كانوا بعسقلان عادوا لما عجزوا عن الفرنج وطالعوا إلى مصر عدة مطالعات يستصرخون ويطلبون النجدة، وهم فى أشدّ الأحوال منتظرين النجدة تأتيهم من مصر. وقد صبروا الصبر العظيم. فبينما هم كذلك وإذا بمركب صغير قد أقبل إليهم من قبل مصر، فاستبشروا وظنّوا النجدة تكون خلفه. فلما وصل إليهم طلع من المركب راجل واحد وعلى يده كتاب، فسلمه للنايب بعسقلان، فإذا فيه مكتوب: ساعة وقوفك عليه وقبل وضعه من يدك تسيّر إلينا جرزة قصب فارسى من مقصبة عسقلان

стр. 3041

يكونوا غلاظ (كذا) لأجل الشبّابات. فقال النايب: السمع والطاعة. وصبر إلى الليل، وخرج إلى الفرنج وطلب منهم الأمان لنفسه ولأهل البلد. فأعطوه ذلك. فلما كان من الغد فتح الباب وسلّم البلد للفرنج، وقال للقاصد الذى أتى بالكتاب: دعهم يطلبوا الشبّابات من من الفرنج أصحاب البلد. ثم إن الفرنج أيضا فى هذه السنة هجموا تنّيس فى خمسين مركبا وأخذوا جميع ما كان فيها، واستأسروا الأقوية (كذا)، وقتلوا الضعفاء، وغنموا من الأموال ما لا يحصى كثرة. قال ابن واصل: إن فى هذه السنة، أعنى سنة تسع وأربعين، كانت الزلزلة التى أخرجت شيزر وانقطعت فيها مملكة بنى منقذ، <وكانوا> قد اجتمعوا جميعهم فى ذلك اليوم فى مكان واحد، وبين أيديهم قرد يرقّصونه. فوقع عليهم البناء أجمع، فأهلكهم كلّهم، ولم يسلم سوى القرد، هرب إلى بستان هناك من بساتين القصر دخل إليه من شباك فسلم (ص ٣٠٦). وفى سنة تسع قتل الظافر خليفة مصر. وذلك لما لعب الشيطان بعقل عبّاس ونصر المقدّم ذكرهما، وزيّن لهما ما بعد شأوه، خلا عباس بابن زوجته نصر وقال له: قد علمت

стр. 3042

ما قيل وما قد ثبت فى ذهن الناس من أمرنا، وأننا نحن من أهل البيت. والرأى أن نحتال على قتلة هذا الخليفة، فإنّه صبىّ العقل والرأى والتدبير، ونملك نحن الخلافة. وإنما الأشياء همم. فأجابه نصر إلى ذلك. واتفقا عليه. فاهتمّ فى عمل دعوة سنيّة، ثم إنّه استأذن الظافر وسأله الحضور إلى منزله سرّا، ولا يعلم به أحد. فأجابه لغلبة الهوى وحلول الأجل. فلما حضر الظافر متنكّرا تحت أذيال الدجى، خرج عليه عباس وبيده سيف مشهر وقال له: ويلك! خليفة تقبل من أمر الصبيان! ثم قبض عليه وذبحه ودفنه فى البادنهج بدار المأمونى بالسيوفيّين. ثم ركب عباس من فوره إلى القصر مسرعا وقال: استأذنوا لى على مولانا الظافر فى أمر مهمّ. فالتمس الأستاذون والحجّاب الظافر فلم يجدوه. فقال العبّاس: علىّ بأولاد الحافظ، وهما أبو الأمانة جبريل وأبو الحجاج يوسف. فلما حضرا قال: أنتما قتلتما مولانا. ثم أمر بهما فقتلا بالسيف. وقتل جماعة كبيرة منهم أبو التقى صالح بن حسن، وزمام القصر، مع جماعة يخشى شرهم. من أعيان الدولة ورؤساء المملكة، ثم أحضروا قاضى القضاة وهو يومئذ يونس الأطفيحى والقاضى مجلّى صاحب كتاب «الذخائر»، وبايع للفائز كما يأتى ذكره بعد ذلك.

стр. 3043

وكان قتل الظافر ليلة الخميس سلخ المحرم من هذه السنة. وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر. قضاة الظافر بالله: أبو الفضايل يونس الأطفيحى، الفقيه مجلّى، أبو المعالى بن جميع، ابن نجا المخزومى. ولى الخلافة وله سبع عشرة سنة وخمسة أشهر. وقتل وله اثنتان وعشرون سنة. والله أعلم.

стр. 3044

ذكر خلافة الفايز بنصر الله ابن الظافر بالله وما لخّص من سيرته هو أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر بن عبد المجيد الحافظ، وباقى نسبه قد تقدّم ذكره. أمّه أم ولد تدعى إحسان، وقيل زين الكمال. مولده فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمس مئة. بويع له فى سلخ المحرم صبيحة قتلة أبيه الظافر، وله من العمر أربع سنين وعشرة أيام. مدة خلافته ست سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوما. كاتبه الأجلّ الموفّق كاتب أبيه. ثم لم يزل أهل القصر يتتبّعون آثار غيبة الظافر إلى أن شاع أنّه خرج متنكّرا إلى دار نصر بن مرة (كذا) عبّاس، ولم يخرج منها. فلما تحقق أهل القصر أنّ عباس وولده نصر (كذا) قاتلا الظافر نفذوا إلى طلائع بن رزّيك الملقب بالصالح الآتى ذكره فى الجزء الذى يليه وهم يستصرخونه، ونفذوا له بشعور المقتولين ظلما من أولاد الخلفاء، واستنجدوا به على عبّاس وولده. فحشد حشدا كثيرا وأتى إلى القاهرة حسب ما يأتى من ذكره فى تاريخه إن شاء الله تعالى. وفيها صرف القاضى مجلّى وأعيد القاضى يونس الولاية الثانية.

стр. 3045

ذكر سنة خمسين وخمس مئة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ما لخّص من الحوادث الخليفة الإمام المقتفى لأمر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق الحكام والفايز خليفة مصر. وفيها هرب عبّاس وابن زوجته نصر لما تحقّقوا خروج طلايع بن رزّيك بحشوده وطلبا الشام. فخرج (ص ٣٠٨) عليهما الفرنج فأخذوهما، وقتل عبّاس عند العقبة، وأسر نصر. وذلك فى الرابع والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة. ونفذ طلائع خلفهما العساكر فأدركوهما، فوجدوا الفرنج قد قتلوا عبّاسا وأسروا نصرا. كان نصر جميلا كما ذكرنا، فاستخلصته الملكة لنفسها. فأفسد عليها المملكة وأراد المبايعة لنفسه، وأطاعه جماعة من قومها من الفرنج. فقبضت عليه وأباعته للمسلمين بخمسة وعشرين ألف دينار.

стр. 3046

ودخل به إلى القاهرة على بغل مكتوف اليدين، وخلفه رجل ماسكه، يصحبه الخادم جوهر. ثم جعل فى قفص حديد، وعذّب بالمكاوى حتى اعترف بقتله الظافر ودلّهم على مكان دفنه. ثم ذبح من قفاه، وحمل رأسه إلى القصر، وصلبت جثته على باب زويلة. وقيل إنّ الصالح لم يدخل القاهرة إلى يوم خروج تابوت الظافر حسب ما يأتى من ذكر ذلك فى الجزء الذى يتلو هذا الجزء إن شاء الله تعالى. ذكر سنتى إحدى واثنتين وخمسين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة إحدى ستة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. الماء القديم لسنة اثنتين ستة أذرع واحد وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشر أصابع.

стр. 3047

الحوادث الخليفة فيهما المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والفايز خليفة مصر، والصالح بن رزّيك وزيره ومدبّر الممالك المصرية. وفى سنة إحدى وقع الحريق بدار الخلافة ببغداد بصاعقة. وقيل فى هذه السنة كانت الزلزلة بشيزر، وتسلّمها نور الدين الشهيد. وفيها (ص ٣٠٩) خطب لسليمان شاه ببغداد، وكسرت الفرنج لنور الدين الشهيد على ما حوجه (؟) قال ابن واصل فى هذه السنة: أعنى سنة إحدى وخمسين، ملك نور الدين مدينتى بصرى وصرخد. كانت صرخد فى يد الأمير أمين الدولة كمشتكين فتوفى فى ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين، وكانت بصرى لغلامه التون طاش فملكهما نور الدين فى هذه السنة. وفى سنة اثنتين وخمسين مرض نور الدين بحلب وأرجف بموته، وكان-على ما ذكر ابن واصل-أسد الدين شير كوه بحمص، وهى يومئذ إقطاعه، ونجم الدين أيوب بدمشق ازدادارا. فلما سمع بموت نور الدين حضر شير كوه إلى عند أيوب وقصد الاستبداد بالممالك

стр. 3048

المذكورة، فلم يوافقه نجم الدين أيوب وأشار عليه أن يتوجّه إلى حلب ويستوضح الخبر. فتوجّه شير كوه إلى حلب فوجد نور الدين حيّا. فأقام فى خدمته. وفى سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة كانت الزلزلة العظيمة بالشام جميعه إلى حدود أنطاكية، وهلك فيها خلق كثير، حتى إنّ معلم كتّاب كان يعلّم الصبيان بحماة فقام الفقيه لقضاء حاجته ثم عاد فوجد المكتب قد تطبق على جميع الصغار ممن كان فيه. فأهلكهم بأسرهم. ومن العجيب أنّه لم يأت أحد من أهاليهم ولا سأل عنهم. ووقعت الأبراج بالقلاع، وانشقّ باللاذقيّة موضع وظهر منه صنم قائم فى الماء. وفيها فتح عبد المؤمن صاحب الغرب مهديّة والله أعلم. ذكر سنتى ثلاث وأربع وخمسين وخمس مئة النيل المبارك فى هاتين السنتين: الماء القديم لسنة ثلاث سبعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.

стр. 3049

الماء القديم لسنة أربع سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبع واحد. الحوادث الخليفة فيهما الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم. والفايز خليفة مصر، حتى توفى سنة أربع، حسب ما يأتى من ذكره فى تاريخه. والصالح طلايع بن رزّيك مدبّر الممالك المصرية. وفى سنة ثلاث تسلّم نور الدين مدينة حارم، وخرج ملك الروم إلى الشام. وفيها خرج الأمير تميم المغربىّ على الصالح بن رزّيك من مدينة أسيوط فأنفد إليه عسكرا فقتلوه وأحضرت (كذا) رأسه على عود. وفى سنة أربع وقع برد ببغداد قيل: إنّ زنة كلّ حجر تسعة أرطال بالبغدادى. فأهلكت عالما عظيما، وأخرجت عدة منازل حتى عادت بلال (؟) والله أعلم.

стр. 3050

قال ابن واصل: إنّ فى سنة أربع توفى السلطان محمد شاه ابن محمود ﵀ المعروف بالملك المسعود، وكان ملكا عادلا كثير الخير بعيدا من الشرّ. (ص ٣١٠). قلت قد انتهى بنا القول فى هذا الجزء المسمى: بالدرة المضية فى أخبار الدولة الفاطمية إلى آخر هذه السنة بحكم التلخيص، وليكون أول الجزء السادس مبتدئا من أول سنة خمس وخمسين وخمس مئة. ولنتلو (كذا) الآن هذا الكلام بذكر الشعراء المختصين بهذا الجزء الكائنين فى جميع سنيه، وهم شعراء بقيّة المئة الرابعة من أهل المشرق، وشعراء هذه المئة هذه المئة الرابعة من أهل المغرب، وكون أنه لم يكن بالمغرب شعراء يدركون بما قصدناه من ذكر أشعارهم فى طبقتى المرقص والمطرب إلا فى هذه المئة الرابعة. فلذلك لم نتعرض لذكرهم فيما مضى من جميع أجزاء هذا التاريخ إلى حين بلغ بنا القول إلى هذا الجزء الخامس، وكون هذه المئة الرابعة وما بعدها من السنين منهم من الشعراء ما هو المقصود من ذكرهم وذكر أشعارهم فى هاتين الطبقتين المدكورتين. وبالله أعتضد فيما أعتمد، وبه التوسّل وعليه التوكّل.
следующие страницы →