Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
٧٦ - الوزير أبو الفرج المنازى:
له فى المرقص ولا يوجد فى معناه مثله:
وقانا لفحة الرمضاء واد ... وقاه مضاعف النبت العظيم
نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنوّ الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ماء زلال ... ألذ من المدامة للنديم
يصدّ الشمس أنّى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
٧٧ - ابن الشحنا العسقلانى:
له فى المرقص:
ومهفهف عاق السقام بطرفه ... وسرى فخيّم فى معاقد خصره
مزقت أثواب الظلام بثغره ... ثم أتيت أحوكها من شعره
٨٧ - الماهر الحلبى:
له فى المرقص فى الرثاء فأجاد:
برغمى أن ألوم عليك دهرا ... قليل نكره بمعنّفيه
وأن أرعى النجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه
٧٩ - ابن السراج الصّورى:
له فى المرقص وهو آخر من ذكرنا من هذه الطبقة؛ وله فى فهد:
стр. 3082
وأهرت الشدق فى فيه وفى يده ... ما فى القواضب والعسالة الذّبل
تنافس الليل فيه والنهار معا ... فقمّصاه جلابيبا من الحلل
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلع على وجهه إلاّ على وجل
ونقطته حياء كى نسالمها (؟) ... على المتون نعاج الرمل بالمقل
انتهى الكلام فى ذكر الشعراء المذكورين المختصين بهذا الجزء وبتمامهم نجز ولله الحمد والمنة والطول، وبه القوة والحول، بخط يد واضعه ومصنفه، وجامعه ومؤلفه أضعف خلق الله وأفقرهم إلى رحمته، أبو (كذا) بكر عبد الله الدودارى المقدم ذكر نسبته فى أولّه، غفر الله له ولوالديه ولمن قرأه وتجاوز عن كلّ خطأ يراه ولكافة المسلمين أجمعين.
وكان الفراغ من نسخه آخر يوم الأحد العشرين من شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة الهجرية على صاحبها السلام.
أحسن الله نقصها بخير إنّه ولىّ ذلك وقادر عليه، والأمور مبتدؤها منه ومصيرها إليه.
وهو حسبى ونعم الوكيل.
بلغ نظرا من المصنّف عفا الله عنه
стр. 3083
يتلو ذلك
فى أول الجزء السابع منه.
ما مثاله ذكر أول دولة بنى أيوب.
ملوك الإسلام، والقادة الأعلام.
ونستقبل التاريخ من أول سنة خمس.
وخمسين وخمس مئة إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين وصلواته.
على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 3084
الجزء السّابع
من تاريخ كنز الدّرر تأليف أبى بكر بن عبد الله بن ايبك
стр. 3085
فهرس المحتويات
مقدمة المحقق ج
مقدمة المؤلف ٣
ذكر ابتداء دولة الملوك بنى أيوب ونسبهم وبدء شأنهم ٥
ذكر سنة خمس وخمسين وخمسمائة ١١
ذكر خلافة المستنجد بالله بن المقتفى لأمر الله ١١
ذكر خلافة العاضد لدين الله ١٢
ذكر سنة ست وخمسين وخمسمائة ١٥
ذكر سنة سبع وخمسين وخمسمائة ١٦
ذكر نبذ من أخبار الصالح بن رزيك ١٦
ذكر شاور ونسبه وبدء شأنه ١٨
ذكر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ٢٠
ذكر طرف من أخبار السلجوقية وملوكهم ٢٠
ذكر عدة ملوك بنى سلجوق ٢١
ذكر عبد المؤمن ونسبه وبدء شأنه ٢٢
ذكر سنة تسع وخمسين وخمسمائة ٢٦
ذكر سنة ستين وخمسمائة ٣٤
ذكر سنة إحدى وستين وخمسمائة ٣٧
ذكر سنتى اثنتين وثلاث وستين وخمسمائة ٣٨
ذكر سنة أربع وستين وخمسمائة ٣٩
стр. 3086
ذكر سنة خمس وستين وخمسمائة ٤١
الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل محمود نور الدين الشهيد بن أتابك زنكى ٤٣
ذكر سنة ست وستين وخمسمائة ٤٦
ذكر خلافة المستضئ بنور الله بن المستنجد بالله ٤٦
السلطان الأجل صلاح الدنيا والدين يوسف الملك الناصر ٤٧
ذكر سنة سبع وستين وخمسمائة ٤٨
ذكر سنة ثمان وستين وخمسمائة ٥٠
ذكر منازلة الكرك وسببه ٥٠
ذكر سنة تسع وستين وخمسمائة ٥٦
ذكر سنة سبعين وخمسمائة ٥٨
ذكر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ٦٠
ذكر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ٦١
ذكر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ٦٣
ذكر سنة أربع وسبعين وخمسمائة ٦٤
ذكر سنة خمس وسبعين وخمسمائة ٦٦
ذكر خلافة الإمام الناصر لدين الله بن المستضئ بنور الله ٦٦
ذكر سنة ست وسبعين وخمسمائة ٦٨
ذكر سنة سبع وسبعين وخمسمائة ٧٠
ذكر سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ٧٣
ذكر سنة تسع وسبعين وخمسمائة ٧٥
ذكر سنة ثمانين وخمسمائة ٧٨
стр. 3087
ذكر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ٨٠
ذكر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ٨٢
ذكر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ٨٤
ذكر فتح القدس الشريف ٨٤
ذكر خطبة القاضى محيى الدين ٨٧
ذكر سنة أربع وثمانين وخمسمائة ٩٤
ذكر سنة خمس وثمانين وخمسمائة ٩٨
ذكر الواقعة الكبرى على عكا ٩٨
ذكر سنة ست وثمانين وخمسمائة ١٠٤
ذكر سنة سبع وثمانين وخمسمائة ١٠٦
ذكر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ١١١
ذكر سنة تسع وثمانين وخمسمائة ١١٣
ذكر وفاة السلطان صلاح الدين ١١٣
ذكر عدة أولاده الملوك ١١٥
ذكر بعض محاسنه رضى الله عنه ١١٦
ذكر سنة تسعين وخمسمائة ١٢٣
ذكر سبب انتقاض ملك الأفضل صاحب دمشق ١٢٤
ذكر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ١٢٦
ذكر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ١٢٨
ذكر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ١٣١
ذكر سنة أربع وتسعين وخمسمائة ١٣٣
стр. 3088
ذكر سنة خمس وتسعين وخمسمائة ١٣٦
ذكر تملك المنصور بن الملك العزيز ١٣٦
ذكر سنة ست وتسعين وخمسمائة ١٤٠
ذكر القاضى الفاضل وفقر من ترسله ١٤٢
ذكر سنة سبع وتسعين وخمسمائة ١٤٨
ذكر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ١٥٣
ذكر سنة تسع وتسعين وخمسمائة ١٥٤
ذكر سنة ستمائة هجرية ١٥٥
ذكر سنة إحدى وستمائة ١٥٨
ذكر سنة اثنتين وستمائة ١٥٩
ذكر سنة ثلاث وستمائة ١٦٠
ذكر سنة أربع وستمائة ١٦١
ذكر سنة خمس وستمائة ١٦٥
ذكر سنة ست وستمائة ١٦٧
ذكر سنة سبع وستمائة ١٦٩
ذكر سنة ثمان وستمائة ١٧٠
ذكر سنة تسع وستمائة ١٧٢
ذكر سنة عشر وستمائة ١٧٥
ذكر سنة إحدى عشرة وستمائة ١٧٧
ذكر سنة اثنتى عشرة وستمائة ١٨١
ذكر سنة ثلاث عشرة وستمائة ١٨٣
стр. 3089
ذكر سنة أربع عشرة وستمائة ١٨٧
ذكر توجه السلطان خوارزم شاه إلى نحو بغداد ١٨٨
ذكر أولاد الشيخ وأصلهم ١٩٣
ذكر سنة خمس عشرة وستمائة ١٩٥
ذكر الوقعة العظمى على ثغر دمياط وابتدائها ١٩٥
ذكر وفاة السلطان الملك العادل ١٩٧
ذكر سنة ست عشرة وستمائة ٢٠٢
آل السلطان صلاح الدين بن أيوب ٢٠٥
آل السلطان الملك العادل بن أيوب ٢٠٥
آل سيف الإسلام صاحب اليمن ابن أيوب ٢٠٥
آل المعظم شاهان شاه الكبير بن أيوب ٢٠٦
ذكر سنة سبع عشرة وستمائة ٢٠٨
ذكر سنة ثمان عشرة وستمائة ٢٠٩
ذكر ليلة طيبة جرت بين ملوك الإسلام ٢١٥
ذكر السلطان علاء الدين خوارزم شاه ٢١٧
ذكر بدء شأن الترك الأول حسبما ذكره صاحب الكتاب التركى ٢١٩
ذكر سبب تغلب التتار على ملك ألطن خان وما كان من حيل الحروب ٢٣٢
ذكر ما جرى بين الملكين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وجكزخان ٢٣٩
ذكر دخول التتار بلاد الإسلام ٢٤١
ذكر سنة تسع عشرة وستمائة ٢٤٣
стр. 3090
ذكر سنة عشرين وستمائة ٢٥٢
ذكر تملك السلطان جلال الدين منكبرتى بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه ٢٥٧
ذكر سنة إحدى وعشرين وستمائة ٢٦١
ذكر سنة اثنتين وعشرين وستمائة ٢٧١
ذكر بعض شئ من سيرة الإمام الناصر ٢٧١
ذكر خلافة الإمام الظاهر بأمر الله ٢٧٢
ذكر سنة ثلاث وعشرين وستمائة ٢٧٩
ذكر خلافة الإمام المستنصر بالله بن الإمام الظاهر بأمر الله ٢٨١
ذكر سنة أربع وعشرين وستمائة ٢٨٣
ذكر سنة خمس وعشرين وستمائة ٢٨٩
ذكر سنة ست وعشرين وستمائة ٢٩٢
ذكر سنة سبع وعشرين وستمائة ٢٩٩
ذكر سنة ثمان وعشرين وستمائة ٣٠٢
ذكر سنة تسع وعشرين وستمائة ٣٠٥
ذكر سنة ثلاثين وستمائة ٣٠٩
ذكر سنة إحدى وثلاثين وستمائة ٣١١
ذكر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ٣١٣
ذكر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ٣١٥
ذكر سنة أربع وثلاثين وستمائة ٣١٧
ذكر سنة خمس وثلاثين وستمائة ٣٢٠
ذكر وفاة الملك الأشرف موسى ﵀ ٣٢٠
стр. 3091
ذكر سنة ست وثلاثين وستمائة ٣٢٦
ذكر وفاة الملك الكامل ٣٢٦
ذكر تملك الملك الجواد مظفر الدين يونس لدمشق ٣٢٨
ذكر سنة سبع وثلاثين وستمائة ٣٣٥
ذكر سلطنة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ٣٣٩
ذكر سنة ثمان وثلاثين وستمائة ٣٤١
ذكر عجائب مما ذكر رسول التتار ٣٤٢
ذكر سنة تسع وثلاثين وستمائة ٣٤٧
ذكر سنة أربعين وستمائة ٣٤٨
ذكر خلافة الإمام المستعصم بالله وأخباره وما لخص من سيرته ٣٤٨
ذكر سنة إحدى وأربعين وستمائة ٣٥٢
ذكر سنتى اثنتين وثلاث وأربعين وستمائة ٣٥٦
ذكر سنة أربع وأربعين وستمائة ٣٥٨
ذكر سنة خمس وأربعين وستمائة ٣٦٢
ذكر سنة ست وأربعين وستمائة ٣٦٤
ذكر سنة سبع وأربعين وستمائة ٣٦٥
ذكر سبب مجئ الفرنسيس وما تم فى هذه الوقعة ٣٦٥
ذكر وفاة السلطان الملك الصالح ٣٧٠
ذكر بيعة الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح ٣٧٤
ذكر سنة ثمان وأربعين وستمائة ٣٧٩
ذكر الليلة الغراء المسفرة عن الصباح الأزهر بالنصر والظفر ٣٧٩
ذكر قتلة الملك المعظم وتمليك أم خليل شجر الدر ٣٨١
стр. 3092
ذكر الشعراء بالمائة السادسة من أهل المشرق، والمختار من أشعارهم فى طبقتى المرقص والمطرب ٣٨٦
ذكر شعراء المائة السادسة من أهل المغرب، والمختار من أشعارهم فى طبقتى المرقص والمطرب ٣٩٢
ذكر شعراء المائة السابعة من أهل المشرق، والمختار من أشعارهم فى طبقتى المرقص والمطرب ٣٩٤
ذكر شعراء المائة السابعة من أهل المغرب، والمختار من أشعارهم فى طبقتى المرقض والمطرب ٤٠٠
الفهارس
أولا-فهرس الأعلام ٤٠٩
ثانيا-فهرس الأماكن والبلدان ٤٣٦
ثالثا-فهرس المصطلحات ٤٤٩
стр. 3093
مقدّمة المحقّق
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين (١) وبعد، فهذا هو الجزء السابع من تاريخ كنز الدرر وجامع الغرر لأبى بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادارى؛ وهو الجزء الذى أسماه مؤلفه «الدر المطلوب فى أخبار ملوك بنى أيوب»، تمشيا مع طريقته فى تسمية كل جزء من أجزاء مؤلفه الكبير باسم فرعى خاص يوضح العصر ويحدد الدولة التى خصص هذا الجزء أو ذاك لعلاج تاريخها.
ولا تخفى على المشتغلين بدراسة تاريخ الشرق الأدنى فى العصور الوسطى أهمية عصر الأيوبيين بالذات، بوصفه العصر الذى عاين حلقة من أخطر حلقات الحركة الصليبية. ففى ذلك العصر أخذت الصحوة الإسلامية تنطلق لتأخذ شكل موجة جهاد كبرى ضد الوجود الصليبى الغربى فى بلاد الشام، وهو الأمر الذى ساعد عليه وأدى إلى نجاحه تحقيق الوحدة بين مصر والشام فى ظل ملوك بنى أيوب. وبعبارة أخرى فإن جانبا هاما من جوانب أهمية العصر الأيوبى يبدو فى أنه شهد تحول الصليبيين من الهجوم إلى الدفاع، وتحول المسلمين-وخاصة فى بلاد الشام-من الدفاع إلى الهجوم؛ الأمر الذى جعل دعاة الحروب الصليبية، وأصحاب مشاريعها فى الغرب الأوربى يؤكدون حقيقة هامة لم تغب تماما عن أنظار الصليبيين الأوائل، وهى أن مصر بموقعها وإمكانياتها ومواردها مصدر خطر كبير على الصليبيين بالشام، وأنه إذا أراد الصليبيون إقامة آمنة هادئة فى بلاد الشام فعليهم بتأمين جبهتهم الجنوبية من ناحية
стр. 3094
مصر أولا. وهكذا تعرضت مصر فى أواخر العصر الأيوبى-أعنى فى النصف الأول من القرن الثالث عشر للميلاد-لحملتين صليبيتين كبيرتين، ارتبط بهما كثير من الأحداث التى ميزت تاريخ الشرق الأدنى فى عصر الأيوبيين.
فإذا أضفنا إلى ذلك التيارات الأخرى الخارجية التى أثرت فى تاريخ المنطقة فى ذلك العصر، مثل تفكك الدولة الخوارزمية، وظهور خطر المغول أو التتار فى المشرق، وما صحب هذا وذاك من ردود فعل حضارية وسياسية واسعة الأصداء-وخاصة فى مصر والشام-أدركنا بعض الأهمية التى لعصر الأيوبيين فى تاريخ الشرق الأدنى.
ففى ذلك العصر انسابت كثير من العناصر-وخاصة من الأكراد والأتراك والتركمان- داخل المحيط العربى الكبير فى مصر والشام، لتترك آثار بصماتها واضحة فى التركيب الاجتماعى والتكوين البشرى والجنسى والبناء الحضارى، وخاصة ما يرتبط بالنظم واللغة والعادات والتقاليد. وحسب عصر الأيوبيين أن مصر والشام شهدتا فيه انتشار النظام الإقطاعى الحربى، والتوسع فى استخدام الرقيق الأبيض الذين عرفوا باسم المماليك، ثم ظهور كثير من الألفاظ والمصطلحات غير العربية لتصبح شائعة الاستعمال، لا عند العامة فحسب، بل أيضا عند الخاصة من العلماء والكتاب والمؤلفين، فضلا عن الحكام. وهذه كلها ظواهر أخذت تنمو ويشتد خطرها طوال العصر الأيوبى، حتى اكتملت صورتها مع قيام دولة المماليك، التى خلفت دولة الأيوبيين فى حكم مصر والشام.
(٢)
ومن داخل إطار هذه الصورة المبسطة تبدو الأهمية الخطيرة للحقبة التى يعالجها هذا الجزء السابع من تاريخ كنز الدرر لابن أيبك. ويزيد من هذه الأهمية أن ابن أيبك لم يكن مؤرخا عاديا، اقتصر فى كتابه على الجمع والتلخيص والنقل عمن سبقه من المؤرخين؛ وإنما انتمى ابن أيبك إلى أسرة كان لها من مسؤلية المشاركة فى صنع الأحداث المعاصرة نصيب مرموق. فإذا أضفنا إلى السنوات التى عاشها مؤلف هذا
стр. 3095
الكتاب وشهد أحداثها، تلك التى عاشها أبوه وجده-وكان لهما قسط واضح فى المشاركة فى الأحداث المعاصرة-لخرجنا بحقبة زمنية تمتد على وجه التقريب من أوائل القرن السابع حتى قرابة منتصف القرن الثامن للهجرة-وهى حقبة لها أهميتها التاريخية البالغة بوصفها تمثل عصر الانتقال من دولة الأيوبيين إلى دولة المماليك؛ أو بعبارة أخرى الانتقال من العصر الذى اكتمل فيه بناء دولة الأيوبيين وبدأت تنخر فى جسمها العوامل الداخلية والخارجية التى أدت إلى سقوطها من ناحية، إلى العصر الذى نضجت فيه ملامح ومقومات دولة سلاطين المماليك لتصبح قوة فعالة، تمثل دولة من أغرب الدول التى عرفها التاريخ سواء من ناحية تكوينها أو من ناحية نظمها أو من ناحية الدور الحربى والسياسى والحضارى الذى قدر لها أن تلعبه على مسرح الشرق الأدنى أواخر العصور الوسطى.
فمؤلف هذا الكتاب الذى عاصر فترة نشطة حافلة بالأحداث فى صدر دولة سلاطين المماليك، ربطته ببعض بقايا ملوك بنى أيوب صلات قوية مما جعله يقف على تفصيلات عديدة عن الأيوبيين وحياتهم الخاصة ودقائق ما كان يجرى بين بعضهم وبعض من أحداث وأحاديث تلقى أضواء جديدة على روح العصر من ناحية وعلى حياة ملوك بنى أيوب الخاصة والعامة من ناحية أخرى. بل إن المؤلف يقول فى صراحة عند كلامه عن ابتداء دولة ملوك بنى أيوب فى بداية هذا الجزء السابع من كتابه كنز الدرر، إنه صاحب الملك الكامل بن الصالح إسماعيل الأيوبى، وأن الصداقة بينهما اشتدت إلى درجة أنه «كان يطلعنى على كثير من أسراره».
وعند ما يشير المؤلف إلى جده عز الدين أيبك صاحب صرخد (ت ٦٤٥) يبدو لنا بوضوح مدى مشاركة هذا الجد-الذى نسب إليه المؤلف-فى صنع الأحداث التى كانت تجرى على مسرح بلاد الشام فى النصف الأول من القرن السابع للميلاد.
стр. 3096
ثم إن الأمير عز الدين أيبك-جد المؤلف-لم يكن مجرد أمير من أرباب السيوف الذين لا شغل لهم فى الحياة إلا المساهمة فى تبعات الحكم، وإنما يبدو مما كتبه حفيده -صاحب هذا الكتاب-أن الأمير الجد عرف بشدة التدين والحرص على تلاوة القرآن الكريم، والاشتغال بالكتابة، فكانت له كتابات بخط يده كما كانت له خزانة كتب عامرة. وهنا يكشف المؤلف عند إشارته إلى جده فى هذا الجزء عن حقيقة جديدة هامة هى أن أسرة ابن أيبك تنحدر من نسل بنى سلجوق، وأن عز الدين أيبك اسمه الحقيقى ميكائيل بن بهرام، أسره الخوارزمية، وباعوه للملك المعظم الأيوبى، فنسب إليه وصار يعرف بالمعظمى. ويلقى المؤلف أضواء جديدة على أسرته-فى هذا الجزء السابع من كتابه-فيروى أن السلطان الصالح نجم الدين أيوب هو الذى كاد لجده الأمير عز الدين أيبك ودسّ له السم ليتخلص منه ويستولى على أمواله وممتلكاته. فلما أحس الأمير أيبك بالسم يسرى فى جسده، وتحقق من مؤامرة السلطان الصالح، دبر للسلطان مؤامرة أدت إلى إصابته بمرض السقية الذى مات به بعد ذلك. وكانت من جملة جوارى الأمير أيبك-اللائى استولى عليهن السلطان الصالح-أم عبد الله والد المؤلف، وهى امرأة خطائية الجنس، فباعها الصالح-وهى حامل بوالد المؤلف من الأمير عز الدين-إلى رجل من كبار أهل صرخد، فولدت عنده. ونشأ عبد الله-أبو المؤلف-عند ذلك الرجل، حتى بلغ السابعة عشر من عمره وعندئذ انتقل إلى السلطان الظاهر بيبرس فى قصة طويلة، فأنعم عليه بإقطاع عبرته ألفى وأربعمائة دينار، وسلمه للأمير سيف الدين بلبان الرومى الدوادار، وقال له «علمه وخليه يمشى معك» فعرف عبد الله-أبو المؤلف- بالدوادارى.
ويفهم من سياق هذه القصة أن عبد الله بن أيبك-أبا المؤلف-نشأ هو الآخر
стр. 3097
نشأة قويمة، حيث أن الرجل الذى اشترى أم عبد الله «كان دينا. . . وكان رجلا فقيها صوفيا فاضلا محققا، له عندى كتاب تأليفه بخطه فى التصوف». مما يشير إلى أن والد المؤلف نفسه شب فى بيت علم وأدب. هذا إلى أن عبد الله والد المؤلف كان مقربا من السلطان الأشرف خليل بن قلاون ثم من السلطان الناصر محمد بن قلاون، الذى أمّره وولاه بلبيس والعربان سنة ٧٠٣ هـ، فأقام إلى سنة ٧١٠ هـ، فنقله إلى الشام بسؤاله، وجعله مهمندارا، ثم ألزم بشد الدواوين بدمشق. . . وهكذا ظل والد المؤلف يشارك فى شئون الحكم حتى وفاته سنة ٧١٣ هـ.
وهكذا ولد أبوبكر-مؤلف كنز الدرر-وشب فى بيت عرف قيمة العلم وقدره.
وإذا كانت المصادر المعاصرة قد صمتت صمتا غريبا عن ذكر شئ عن حياة أبى بكر ابن عبد الله بن أيبك، إلا أن مؤلفاته العديدة تشهد على تمرسه فى حياة العلم وسعة معلوماته وأفقه. ومن جملة هذه المؤلفات التى ألفها صاحب كنز الدرر كتاب فى خطط القاهرة، أسماه «اللقط الباهرة فى خطط القاهرة» ومعروف عن موضوع الخطط أنه ليس بالموضوع السهل، وأنه لا يجرؤ على الخوض فيه إلا عالم متمكن واسع المعرفة. كذلك يشير المؤلف فى هذا الجزء السابع إلى أنه كان يرجع إلى مسوداته بين حين وآخر ليتحقق من حدث أو نبأ، مما يوضح أنه كان حريصا على تدوين ما يتوصل إليه من معلومات فى مسودات يرجع إليها وقت الحاجة، وهذا أسلوب لا يأخذ به إلا صاحب منهج علمى منظم.
(٣)
أما عن كتاب كنز الدرر لابن أيبك فإن الصفة الغالبة عليه هى الإيجاز الشديد، والاكتفاء بالإشارة إلى الأحداث الكبرى الرئيسية دون الدخول فى التفاصيل،
стр. 3098
والبعد عن ذكر التفريعات الثانوية التى تتصف بها حوليات العصور الوسطى بوجه عام. وقد توخى المؤلف هذا النهج فى كتابة التاريخ متعمدا، فيقول عن بعض الأحداث «أضربت عنه لطوله، وكون تاريخنا تاريخ تلخيص». كذلك نراه يحرص على عدم تكرار بعض الأحداث فيقول «. . . بعد عدة وقائع قد تقدمت أخبارها بحكم التلخيص».
على أننا لا يمكن أن ننزع ابن أيبك من العصر الذى عاش فيه فعلا، وهو عصر اتصفت عقليته بحب الاستطراد فى الكلام والكتابة. وكان المعاصرون يرون فى هذا الاستطراد نوعا من التنويع لزيادة الفائدة من ناحية والترويح عن المستمع والقارئ ودفع السأم عنهما من ناحية أخرى. ولذا نجد المؤلف فى بعض أجزاء كتابه يجنح أحيانا إلى الاستطراد، بل ربما انتقل من فن التاريخ إلى فن الأدب، مثلما حدث فى ترجمته للقاضى الفاضل فى حوادث سنة ٥٩٦ هـ، إذا لم يكتف بذكر فقرات من بليغ أدبه، وإنما ساقته المعانى إلى ذكر بعض محفوظاته-محفوظات المؤلف نفسه-من الشعر الرقيق. وعند ما يتنبه المؤلف إلى أنه خرج عن الموضوع واستسلم للاستطراد، يبرر سلوكه بأنه فعل ذلك متعمدا «لتنشيط القارئ، ولا يمل ويسأم من فن واحد، فإذا خرج به شجون الحديث من فن إلى فن كان لزناد فكرته أقدح، ولطير نظرته أصدح. . .»!!. على أن ابن أيبك لم يستسغ فى قرارة نفسه هذا الاستطراد الذى وقع فيه أحيانا، فكان يعلن بسرعة عودته «إلى سياقة التاريخ بمعونة الله وحسن توفيقه». وربما أحسّ أنه باستطراده قد وقع فى خطأ فعلا، فيعترف بالخطأ الذى وقع فيه، ويستغفر الله منه، ويقولها فى صراحة «وقد خرج بنا الكلام وشجونه عن شرط الاختصار، وأنا أقول استغفر الله من ذلك!!».
стр. 3099
ومع روح الإيجاز الشديد التى سادت كتاب كنز الدرر، ينبغى أن نعترف بأن ابن أيبك استطاع أن يأتى فى كتابه هذا بجديد فعلا. ويبدو هذا الجانب الجديد فى بعض المعلومات والآراء والحقائق التى يشير إليها ابن أيبك إشارات قد تكون موجزة، ولكننا لا نعثر عليها فى مصدر آخر من المصادر التى تعرضت لتاريخ نفس الفترة.
ويبدو السر فى هذه الحقيقة فى أن بعض المصادر التى أخذ عنها ابن أيبك واستقى منها معلوماته قد اندثرت ولم تصل إليها أيدى غيره من المؤرخين الذين عالجوا تاريخ نفس الحقبة الزمنية التى عالجها.
من ذلك ما نجده فى كتابة ابن أيبك من تلميحات طريفة عن أصل التتار وأخبارهم. كذلك نراه يشير فى هذا الجزء إلى أن رسل الصليبيين إلى المسلمين كانوا يدعون أنهم لا يعرفون العربية وهم يعرفونها. وإلى سياسة صلاح الدين فى مصانعة الفرنج-وخاصة أرناط صاحب الكرك-وكيف أنه كان يبذل لهم الأموال فى الدور الأول الذى شغل فيه صلاح الدين بإعادة بناء الجبهة الإسلامية، وتعبئة جهود المسلمين فى مصر والشام استعدادا لمرحلة الجهاد، «وكان يعطى الإفرنج شيئا كثيرا لا يعلم له قيمة، ويصانعهم فيما بينه وبينهم، ويجتهد بكتمان ذلك، لا يسمع عنه أنه يصانع عن نفسه وبلاده». . . إلى غير ذلك من الإشارات السريعة الخاطفة التى لا نجد لكثير منها أثرا فى بقية المصادر المعاصرة، والتى تلقى أضواء لها أهميتها على روح العصر.
هذا فضلا عن أن ابن أيبك نفسه-بالإضافة إلى أبيه وجده-شاركوا فى كثير من أحداث الفترة التى عاشوها-كما سبق أن أشرنا-مما جعله فى كتابته عن هذه الفترة بالذات يحيط بما لم يحط به غيره علما. ومع هذا فقد تحلى ابن أيبك فى كتابته
стр. 3100
بالتواضع الشديد، وعدم الاستبداد بالرأى، والاعتراف بعدم تثبته أحيانا من بعض البيانات. فهو مثلا فى حوادث سنة ٥٩١ هـ يقول إن العادل عاد إلى دمشق «وخلف بعض أولاده بالشرق، لا أعلم أيهم كان». وهو عندما يشير إلى واقعة حطين يفعل ذلك ضمن أحداث سنة ٥٦٨ هـ، ولكنه يذكر أن ابن واصل قال إن هذه الواقعة حدثت سنة ٥٨٣ هـ، ويؤيد رأى ابن واصل قائلا «وأقول إنه الصحيح». ويعلل ابن أيبك ذلك بأن المصدر الذى نقل عنه أخبار تلك الواقعة-وهو أبو المظفر جمال الدين يوسف-اتبع طريقة رواية الأحداث والوقائع متكاملة لا مجزأة وفق السنوات التى استغرقتها، بحيث يذكر الواقعة «واستمر على ذكرها هل يكون فى سنيها أو غير سنيها». أما ابن واصل فقد اتبع أسلوب تتابع السنين، بحيث لا يذكر فى السنة الواحدة إلا ماتم فيها من أحداث، ولذا «فالرجوع إليه فى وقائع السنين أولى من غيره. . .».
وهكذا يبدو لنا أنه إذا كان البعض قد أخذ على كتاب كنز الدرر لابن أيبك بعض المآخذ، كالاستطراد حينا، والإيجاز الشديد أحيانا؛ فضلا عن ركاكة الأسلوب وكثرة الأخطاء اللغوية. . . فإن هذا كله لا ينبغى أن يصرفنا عن مزايا هذا الكتاب ومحاسنه، بوصفه مصدرا هاما من مصادر الحقبة الزمنية التى تصدى لعلاجها. هذا إلى أننا فى حكمنا على أى عمل تاريخى ينبغى ألا ننظر إليه بأعين العصر الذى نعيش نحن فيه، ولا نحكم عليه بمقاييسنا ومثلنا ومستوياتنا نحن؛ وإنما تتطلب العدالة أن تقيّم هذا العمل أو ذاك فى ضوء المثل والمقاييس والمستويات التى سادت العصر الذى تم فيه إنجاز ذلك العمل فعلا. ولا يخفى علينا أن ابن أيبك عاش وكتب فى عصر شهد زحف الأعاجم على الوطن العربى فى الشرق الأدنى وتغلغلهم فيه وبسط سيادتهم عليه. . . ونجم عن هذا كله زحف كثير من عادات الترك والتتار وغيرهم من شعوب المشرق، وانتشار عديد من نظمهم وتقاليدهم فى العراق والشام ومصر بوجه خاص، وانسياب كثير من ألفاظهم المستغربة فى هذه البلاد، حتى غدت مألوفة الاستعمال فى الحياة اليومية عند العامة والخاصة سواء، بحيث صار
стр. 3101
لا يخلو منها كتاب أو مصدر أو موسوعة مما تم تأليفه بالعربية فى ذلك العصر. وعلى هذا فإن ابن أيبك-فيما ظنه البعض مخطئا-لم يكن فى حقيقة أمره إلا قطعة من العصر الذى عاش فيه، وكتب بروحه، وتأثر بأوضاعه واتجاهاته. وحسب ابن أيبك أنه استطاع أن يقدم لنا فى كتابه كنز الدرر الكثير من المعلومات الجيدة الحبك التى لا تخلو من جديد وطريف.
(٤)
وإذا كان لى أن أختار صفة نصف بها ابن أيبك فى الأجزاء الأخيرة من كتابه «كنز الدرر وجامع الغرر»؛ فإننى لا أجد أفضل من أن أصفه بأنه «مؤرخ النيل».
قد يقول البعض بأن هذه الصفة ليست من خصائص ابن أيبك وحده فى كتابه كنز الدرر، وإنما يشاركه فيها ابن تغرى بردى، المؤرخ الذى عاش فى القرن التاسع الهجرى (ت ٨٧٤ هـ) والذى عنى هو الآخر عناية فائقة بذكر أمر النيل فى كل سنة من سنوات حوليته الشهيرة «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة». ولكن علينا هنا أن نضع أمام أعيننا اعتبارين هامين: أولهما أن ابن أيبك عاش وكتب فى عصر يتقدم من الناحية الزمنية العصر الذى عاش وكتب فيه المؤرخ ابن تغرى بردى، مما يجعل ابن أيبك فى هذه الناحية مبتكرا ورائدا لا مقلدا ومحاكيا. هذا مع عدم استطاعتنا أن ننفى أن يكون هناك من المؤرخين والمؤلفين من سبق ابن أيبك زمنيا فى العناية بذكر أمر النيل فى كل سنة من السنوات التى تصدى لعلاج تاريخها.
ولكننا فيما نعلمه-وفوق كل ذى علم عليم-لم نتوصل إلى أحد قبل ابن أيبك استن هذه القاعدة فى العناية بذكر أمر نهر النيل سنة بعد أخرى. أما الاعتبار الثانى الذى يميز ابن أيبك عن ابن تغرى بردى فى هذا الصدد فهو أن ابن أيبك جعل للنيل مكان الصدارة فى أحداث كل سنة من حولياته، فى حين جعل ابن تغرى بردى للنيل مكان الخاتمة أو الذيل. ويبدو لنا فى هذا الجزء السابع من كتاب كنز الدرر كيف حرص ابن أيبك على أن يستهل أحداث كل سنة بعنوان ثابت لا يحيد عنه، هو: «النيل المبارك فى هذه السنة». فى حين ينهى ابن تغرى بردى فى حولياته «النجوم
стр. 3102
الزاهرة» حوادث كل سنة بذكر من توفى فيها من الأعيان ثم يختتمها بعنوان جانبى نصه «أمر النيل فى هذه السنة».
وهكذا أدرك ابن أيبك أن نهر النيل «مبارك» وأن الوقوف على حال فيضانه هو المفتاح لدراسة أحوال مصر وأهلها، ولذا يبدأ بذكر أمر الفيضان. وفى ضوء وضع النيل والفيضان يمكن تفسير ما ألمّ بالبلاد والعباد فى هذه السنة أو تلك من أحداث اقتصادية واجتماعية وسياسية. حقيقة إنه قد يؤخذ على ابن أيبك عدم دقته أحيانا عند تسجيل مدى الماء القديم فى النيل، ومقدار زيادة ماء الفيضان؛ ولكننا مرة أخرى نكرر ما سبق أن ذكرناه من أنه علينا قبل أن نحكم على عمل من أعمال التاريخ أن نقدر ظروف العصر الذى تم فيه ذلك العمل، ومدى إمكانيات المؤلف، والمصادر التى كان عليه أن يستقى منها معلوماته. . . إلى غير ذلك من الاعتبارات العديدة التى لا يقدرها حق قدرها إلا المؤرخ الذى يتمتع بحاسة تاريخية نفّاذة.
(٥)
وأخيرا، فإنه لا يسعنى بالنيابة عن جميع المشتغلين فى حقل تاريخ العصور الوسطى سوى أن أشكر المعهد الألمانى للآثار بالقاهرة لعنايته-وعناية القائمين على أمره-بنشر هذا الكتاب، كتاب كنز الدرر وجامع الغرر لأبى بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادارى، والحرص على إخراجه فى هذه الصورة السليمة المتكاملة التى تم إخراجه فيها فعلا.
وأرجو أن أكون قد وفقت فى النهوض بنصيبى فى هذا العمل العلمى الجليل، بتحقيق الجزء السابع من هذا الكتاب، وهو الجزء الذى أتشرف بتقديمه اليوم للباحثين، لنضيف به لبنة جديدة إلى صرح بناء حركة إحياء التراث العربى.
والله ولى التوفيق.
سعيد عبد الفتاح عاشور
أستاذ كرسى تاريخ العصور الوسطى كلية الآداب-جامعة القاهرة
ضاحية المعادى بالقاهرة فى ذى الحجة سنة ١٣٩١
فبراير سنة ١٩٧٢
стр. 3103
مقدّمة المؤلّف
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ربّ اختم بخير
الحمد لله الذى أنشأ الجنين فى الأحشاء، ثم أبرزه فدبره، إلى أن ترعرع ومشى، ودبّ ونشا. يفعل فى ملكه ما يريد، ويحكم فى خلقه ما يشاء، ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»﴾.
وصلى الله على سيدنا محمد الذى نسخت ملته سائر الملل، ورسخت هيبته فى قلوب تلك الملوك الأول، من الأكاسرة والقياصرة، أرباب الدول والحول. لم يزل صلى الله عليه منصورا بالرعب والرهب، حتى بلغ الإيمان أقصى نهاية الأرب، وأصبحت نواصى ملوك الكفر من العجم بأيدى سادات الإسلام من العرب.
صلى الله عليه وعلى آله، الذين ما خاب من توسل بهم، وأضحى بجنابهم مستجيرا، وأنزل فى حقهم ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»﴾ وعلى أصحابه خلفاء الدنيا، سادات الآخرة الذين أنزل فى حقهم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ»﴾.
وبعد، فإن هذا الجزء السابع، المشنف المسامع، بدرره اللوامع، المسمى «بالدر المطلوب فى أخبار ملوك بنى أيوب»، السادة الأعلام، وقادة الإسلام، ملوك مصر والشرق والشام، الذين شفوا صدور أهل الإيمان، من عبدة الأوثان
стр. 3104
والصلبان. وكفاهم بالسلطان صلاح الدين شرفا إلى يوم الدين. فاتح الأمصار، من أيدى الكفار، بالصارم البتّار. السيد الفاضل، والأسد الباسل، السلطان الملك الناصر، أبو المعالى والمفاخر، الذى ليس له من قبله من الملوك الإسلامية مناظر، المستمد النصر من الناصر الآخر، الذى وضع جميع هذا التاريخ توطئة لذكر بعض محاسن سيرته، منبها على آثار مآثر علانيته وسريرته. الخاتم بمحاسنه محاسن سائر ملوك الدنيا، كما ختم سميه صلى الله عليه جميع الأنبياء. لا زالت معانيه من الخواطر مخترعة، وأبكار أفكار محاسنه من القلوب مفترعة. فلذلك أسهرت ناظرى، وشغلت فكرى وخاطرى، وأنشأت هذا التاريخ الغريب المثال، الجامع نبذ الحكم إلى زبد الأمثال، المشتمل على ما شئت من النوادر. وبان وغير على ذلك تصاريف الأزمان، فأحييت ذلك فى أيام دولته القاهرة، بمدينة القاهرة، فى سنين عشر الأربعين والسبعمائة، إلى أن بلغت فى ذلك إلى ذكر سيرته الشريفة، فكانت النهاية، وبالله أعتضد فيما أعتمد.
стр. 3105
ذكر ابتداء دولة الملوك بنى أيوب
ونسبهم وبدء شأنهم
قال العبد الفقير، المعترف بالتقصير، واللسان القصير، مؤلف هذا التاريخ وجامعه، غفر الله له ولوالديه ولقارئه وسامعه: حدثنى الجناب العالى المرحوم ناصر الدين محمد الملقب بالملك الكامل، من ولد الملك الصالح إسماعيل المعروف بأبى الجيش، صاحب الشام، رحمه الله تعالى، وسائر ملوك المسلمين، مع كافة أمة محمد أجمعين. وكان الحديث فى سنة عشرة وسبع مائة بمدينة دمشق المحروسة، والملك الكامل المذكور يومئذ بها أمير مائة فارس مقدم ألف. وكان حصل بينى وبينه من الصحبة ما كان يطلعنى على كثير من أسراره. وكان الملك الكامل المذكور ملك النفس والكرم والسماحة، فاضل، راو من كل فن حسن. وكان مع ذلك كثير المزح والخلاعة، طيب المحاضرة، لذيذ المفاكهة، لا يمل حديثه. لم يزل يروى المضاحكات والنوادر الحسنة، كثير التنديب على نفسه وعلى أقاربه من أولاد الملوك من بنى أيوب، حيّهم وميّتهم. وسيأتى طرف من ذكره وخلاعته وحكاياته فى تاريخه، إن شاء الله تعالى.
سألت منه-﵀-ذات يوم عن جدهم أيوب، ابن من؟. فقال: أيوب بن شاذى ابن مروان، أكراد من جبل نهاوند. قال: وكان مروان فى جيش السلجوقية، وكان مشهورا بينهم بقوة وشجاعة، حتى قيل إنه كان يركض الفرس ويدعه فى قوة جريه، فيطبق عليه وركيه مع ساقيه، فيقف الجواد من ساعته، ولا يعود يتنفس.
وكان يمسك ذنب الفرس ويقول للراكب: «حرّك فرسك» فلا ينقل خطوة.
وكان يركب ولده شاذى أعفى فرس عنده، ويأمره أن يحرّك عليه، ويعارضه فى
стр. 3106
الميدان، والفرس فى قوة جريه، فيصدمه بصدره فيوقفه. وكان ستين رطلا بالبغدادى رمحه. وكان إذا تقابلت الصفوف فى وقت المصافات يبرز إلى الميدان ويطلب المبارزة، فلا يجسر أحد أن يخرج إليه. وله أحوال كثيرة لا يمكنى ذكرها، تخامر العقول لا تصدق.
يقول هكذا الملك الكامل. ثم إن ولده شاذى كان يقاربه فى بعض شجاعته، فصار فى جملة جيش أتابك زنكى أبو نور الدين محمود، وتقرّب بشجاعته حتى صار أمير علم عند أتابك زنكى، وحظى عنده، وتربى أيوب ولده مع محمود بن أتابك.
قال ابن واصل صاحب تاريخ حماة فى نسب آل أيوب: لا خلاف فى أن الملك الأفضل نجم الدين أيوب، والد الملوك الأيوبية، وأخاه الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، هما ابنا شاذى بن مروان. ثم قيل إن مروان هو ابن محمد بن يعقوب.
واختلف الناس فى أصلهم، فذكر عز الدين بن الأثير أن أصلهم من الأكراد الروادية وهم فخذ الهذبانية. وأنكر ذلك جماعة من بنى أيوب، النسبة إلى الأكراد، وقالوا إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد، وتزوجنا منهم. وادعى بعضهم النسب إلى بنى أمية. وكان الملك إسماعيل بن سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب -صاحب اليمن بعد أبيه [سيف الإسلام ظهير الدين]-يدعى ذلك، ولقب نفسه المعز لدين الله، وخطب لنفسه بالخلافة باليمن، وذلك فى أيام عمه الملك العادل [سيف الدين أبى بكر] بن أيوب. فلما بلغه ذلك صعب عليه، وقال: كذب والله، ما نحن من بنى أمية أصلا.
والذين ادعوا هذا النسب قالوا: أيوب بن شاذى، بن مروان، بن الحكم، ابن عبد الرحمن، بن محمد، بن عبد الله، بن محمد، [بن محمد]، بن عبد الرحمن،
стр. 3107
ابن الحكم، بن هشام، [بن عبد الرحمن الداخل، بن معاوية، بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، بن الحكم، بن أبى العاص، بن أمية، بن عبد شمس، ابن عبد مناف. وفى عبد مناف يجتمع نسب رسول الله- ﷺ ونسب بنى أمية. فهذا قول من جعل نسبهم فى بنى أمية.
وجماعة آخرون أثبتوا نسبهم فى بنى مرة بن عوف. وممن أثبت نسبهم فى بنى مرة الحسن بن غريب الحرسى، فإنه أوصل نسبهم إلى على بن أحمد المرّى، ممدوح المتنبى حين يقول:
شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر على بن أحمد القمقام
وأحضر هذا النسب إلى الملك المعظم صاحب دمشق فسمع النسب عليه، وأسمعه ولده الناصر داود فى سنة تسع عشرة وستمائة.
وكان فى أيوب تغفّل الأكراد وبلههم. وكان [نور الدين] محمود يحبه لا يكاد يفارقه، ويستظرف حديثه. وكان دينا خيرا صادقا. وكان محمود من صغره دينا فاضلا ورعا، يحب الفقراء ويبر المساكين. وكان لا يرى مجالسا إلا فقيرا. وله دار برسم الورّاد من الفقراء المتجردين. وكان جميع ذلك فى تكريت، قبل تمليك أتابك الشام. فلما كان نور الدين ملك الشام مع الشرق، جعل أسد الدين شير كوه -وهو أخو أيوب-أميرا وحاجبا على الأكراد من جيشه، وسلم لأيوب قصره، فكان صاحب الإذن عليه.
قلت: هكذا يقول الملك الكامل-﵀-ولعله كان كما قيل برددارا لنور الدين، فحسّن الملك الكامل العبارة فى ذلك. قال: وكان نور الدين-﵀ له نصيب وافر من الفقراء جدا.
وكان قد صار لأيوب عدة أولاد-يوسف وأبوبكر-والباقى تأتى أسماؤهم فى
стр. 3108
أماكنها. وكان يوسف يعوض لأبيه بباب القصر إذا عرض له عارض. وكان للملك العادل نور الدين ولده إسماعيل. قال أبو المظفر: كان لنور الدين محمود، هذا الولد إسماعيل، ولد له بتكريت، وتوفى بدمشق فى حياة والده. وولده الذى ملك بعده، ولد بدمشق، وسماه باسم أخيه إسماعيل، ولقبه الملك الصالح. وكان فيه لعب واستهتار بالفقراء، وينكر على أبيه خفية، إذا خلا بين ندمائه وأصحابه. وكان يوسف بن أيوب من أكبر الخصيصين بمنادمة إسماعيل الملك الصالح، فكان يقول له:
«يا خوند اشتهى منك لا تتعرض لهذا القول، فالسلطان أخبر بأموره منا». قال:
وجاءت ليلة النصف من شعبان، وكان الملك العادل [نور الدين محمود] يحتفل بمواسم المسلمين، ويفعل فى كل موسم ما ينبغى فيه. فخرج إلى باب القصر بعد عشاء الآخرة، فطلب أيوب فلم يجده، وكان قد حصل له وجع فى بطنه أعاقه تلك الليلة، ووجد يوسف مكانه، فقال: «يا يوسف خذ إسماعيل-يعنى ولده-واطلع أنت وهو، ولا يكن معكما ثالث، إلى مغارة الجوع وباتا على بابها، وأحييا قيام هذه الليلة العظيمة القدر. فإذا كان وقت الفجر الأول اصنتا، ومهما سمعتاه احفظاه وعرفانى به».
فطلعنا وقد أخذنى لكلام السلطان هيبة عظيمة أرعدتنى. يقول يوسف: فلما صرنا على باب المغارة المعروفة بمغارة الجوع بجبل الصالحية، قال لى الملك الصالح «يا يوسف! افعل ما أمرك به السلطان من إحياء الليلة، وأما أنا فإنى بانام» ثم إنه انضجع على ما فرش له ونام. قال يوسف: فقمت فأحييت تلك الليلة، وقد داخلنى لكلام السلطان وجل عظيم. فلما كان أول الفجر عند شعشعة العمود، سمعت حس هفيف كأجنحة طائر كبير، وأسمع من تلقائه قائلا يقول: «الناصر للصليب كاسر، وللفرنج خاسر، وللقدس طاهر. الظاهر للشام طاهر، وللكفر قاهر، قاتل كل كافر عاهر. الناصر بالشرق ظافر، يطؤها بالخف والحافر، بعد ثلاث تواتر».
قال الملك الكامل-﵀-فكان من السلطان صلاح الدين رحمه الله
стр. 3109
-وهو الملك الناصر-أن فتح البلاد من الفرنج، وطهر بيت المقدس منهم، وكان من أمره ما كان. ثم إن صلاح الدين الملك الناصر لقب ولده بالظاهر، طمعا أن يكون ذلك الظاهر، فأبى الله إلا حيث يشاء، فكان بيبرس البندقدارى صاحب ذلك الرمز المذكور. ثم لقب داود بالناصر ويوسف بالناصر، طمعا أن يكونا ذلك الناصر المذكور، فأبى الله إلا أن يكون حيث يشاء، وهو مولانا وسيدنا ومالك رقنا، السلطان الأعظم الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، محمد بن مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاون الألفى الصالحى. وذلك أن بنى أيوب تحيروا فى قوله: «بعد ثلاث تواتر» ما هن؟. فلما تردد مولانا السلطان-عز نصره-إلى الملك ثلاث مرار، علم أنه صاحب ذلك الرمز المقدم ذكره.
وأما منام أيوب فى حال صباه، وهو يوم ذاك بتكريت، فإنه من غريب ما يسمع، وذلك أنه رأى كأنه قعد للبول، فعادت إراقته تطلع من إحليله كالفوارة، إلى أن تعلقت بالسحاب، ثم انعقدت سحابة وكأنها على بيت المقدس، ثم مطرت تلك السحابة مطرا عاما حتى غسلت القدس، مع سائر تلك الأرض. ثم ظهر فى تلك السحابة قمر مع نجوم كثيرة، حتى أضاءت الأرض كلها من نوره. ثم نبتت تلك الأراضى أنواع الحشائش. وكان فى تلك الأراضى أبقار ترعى، عدتهم دون المائة.
ثم ظهرت من جهة البحر المالح خنازير حتى ملأت تلك الأرض. ثم عادوا يقتلون تلك الأبقار إلا بقرة واحدة، هربت منهم إلى ناحية الشام. ثم ظهرت من جهة مصر أسود كالبخاتى، فقتلوا جميع تلك الخنازير، حتى لم يبق منهم إلا من هرب وقطع البحر. ثم عاد ذلك الحشيش، وحسن نضارته.
هذا ما نقله الملك الكامل-﵀-قال: وكان بتكريت فى ذلك الوقت إنسان يعرف بابن المرزبان يعبّر الرؤيا، موصوف بحذاقته، فقص عليه أيوب تلك الرؤيا،
стр. 3110
فتعجب لذلك، وقال: ما يجب أن تكون هذه الرؤيا إلا لملك، ولكن الله يعطى ملكه من يشاء. ثم قال: «سيكون من نسلك أيها الرجل ملوك بعدد تلك النجوم، ويكون منهم ملك عظيم يظهر على الفرنج، ويطهر بيت المقدس من أرجاسهم وأنجاسهم، وتشرق الدنيا بملكه، ثم يكون مدة تمليك تلك الملوك بعدة تلك الأبقار سنين. ثم يخرج عليهم الفرنج-وهم الخنازير-فيظهرون عليهم، حتى يخرج من جهة مصر جيش كالسباع، فيكون هلاك الخنازير على أيديهم. فهذا تأويل رؤياك، والله أعلم».
قلت: وإنما قدمت هذه المقدمة لفوائد فيها. أحدها أن يعلم أصول بنى أيوب على الصحيح. والأخرى لما فيها من البشارة لكافة المسلمين بما هو مخبأ فى الغيب من ملك مولانا السلطان الملك الناصر-عز نصره-لبلاد الشرق إن شاء الله تعالى.
والثالثة لغروبة هذا المنام الذى ما أخرم دقة. فلله الأمر من قبل ومن بعد.
ولنعود إلى سياقة التاريخ بعون الله وحسن توفيقه. وذلك لما انتهى القول من العبد فى آخر الجزء السادس إلى آخر سنة أربع وخمسين وخمسمائة. وذكرنا جميع ما وصلت إليه القدرة جهد الطاقة وحد الاستطاعة، ما كان فى جميع تلك السنين الماضية من أخبار الأمم الخالية، والرمم البالية. فلنستفتح الآن هذا الجزء بذكر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، موفقا لذلك، إن شاء الله تعالى.
стр. 3111
ذكر سنة خمس وخمسين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنى عشر إصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، إلى أن توفى ثانى ربيع الأول من هذه السنة، وله ست وستون سنة، مدة خلافته أربع وعشرون سنة. وزيره شرف الدين على، ثم كان شديد الدولة إلى أن توفى.
صفته نقش خاتمه
ربع القامة، مدور الوجه نقش خاتمه
واللحية، معتدل الجسم: لقبه، والله أعلم.
ذكر خلافة المستنجد بالله بن المقتفى لأمر الله
وما لخص من سيرته
هو أبو المظفر يوسف المستنجد بالله بن المقتفى لأمر الله محمد، وباقى نسبه تقدم وقد علم. أمه أم ولد، تسمى طاووس. مولده فى ربيع الأول سنة ثمان عشرة وخمسمائة. بويع يوم وفاة والده، فأقام خليفة إحدى عشرة سنة. قتل ثامن ربيع الأول سنة ست وستين وخمسمائة، وله ثمان وأربعون سنة. كان حسن السيرة قطع
стр. 3112
المكوس ببغداد، ونظر فى المظالم وأزاحها. وقيل إنه مات بالنقرس، والله أعلم.
وفيها توفى الفائز بالله، وهو أبو القسم عيسى الفائز بنصر الله، ابن الظافر، ابن الحافظ، المقدم ذكره فى الجزء الذى قبله. وكان له من العمر يوم توفى عشر سنين. وكانت ولايته عند قتلة أبيه الظافر، حسبما سقناه من ذكر ذلك. وكان الفائز طفلا هلعا لما عاين من قتل أعمامه، فكان ربما يقع ويخبط، فلم يزل كذلك حتى توفى فى هذه السنة.
ودخل الصالح بن رزّيك-واسمه طلائع-القاهرة، يوم خروج تابوت الظافر من دار نصر بن إمرأة عباس المقدم ذكره، فمشى الصالح بن رزيك تحت التابوت حافيا، ثم خلع عليه الفائز خلع الوزارة. واستقل الصالح بن رزيك-حسبما سقنا من أمره-فى الجزء الذى قبله، إلى أن قتل، حسبما يأتى من ذكره فى تاريخه إن شاء الله.
قضاة الفائز بنصر الله فى مدة أيامه: الفقيه مجلّى؛ القاضى يونس الأطفيحى، الولاية الثانية؛ المفضل ضياء الدين أبو القاسم هبة الله بن كامل.
وتولى الخلافة العاضد لدين الله، وهو آخر العبيديين، والله أعلم.
ذكر خلافة العاضد لدين الله-آخرهم-
وما لخص من سيرته
هو أبو محمد عبد الله بن الأمير أبى الحجاج يوسف بن الحافظ أبى الميمون عبد المجيد.
وباقى نسبه قد تقدم فيما قبله. أمه أم ولد، تدعى ست المنى.
بويع بخلافة مصر والشام وما معهما فى تاريخ موت الفائز بنصر الله، وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رجب الفرد من هذه السنة. مولده سنة أربع
стр. 3113
وأربعين وخمس مائة. وجلس للأمر وله يوم ذلك عشرة سنين وأشهر. وكانت خلافته إسما له، وجسما ورسما للصالح بن رزيك. ثم إنه أخرج المسجونين، وسامح بالأموال والبواقى، فكانت جملة ذلك أحد عشر ألف ألف وستمائة ألف وثمانين ألف وأربعة عشر دينارا. واستمر الصالح، وقويت حرمته، وزادت هيبته، وعظم، وتزوج العاضد ابنته، فاغتر بطول السلامة. وكان العاضد تحت قبضته وفى أسره، فلما طال عليه ذلك عمل على قتله، فقتل كما يأتى ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
نكتة
قيل إن هؤلاء القوم فى أوائل دولتهم، قالوا لبعض العلماء فى ذلك الوقت:
«اكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقابا تصلح لألقاب الخلفاء، حتى إذا ولى منا أحد لقب ببعض تلك الألقاب». فكتب لهم ألقابا كثيرة، وآخر ما كتب فى الورقة «العاضد»، فاتفق أن آخر من ولى منهم الملقب بالعاضد. وهذا من عجيب الاتفاق.
والعاضد فى اللغة القاطع، يقال عضدت الشئ فأنا عاضد له إذا قطعته، فكأنه قاطع لدولتهم.
وكان العاضد شديد الرفض، متغاليا فى سب الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، وإذا رأى سنيا أو سمع به أراق دمه.
نكتة أخرى
روى أن العاضد فى آخر دولته رأى فى منامه أن قد خرجت عليه عقرب من مسجد من مساجد مصر معروفا، فلدغته. فلما استيقظ-وهو مرتاع لذلك-فطلب
стр. 3114
معبرى الرؤيا، وقص عليهم المنام، فقيل: «ينالك مكروها من شخص هو مقيم فى هذا المسجد». وطلب متولى مصر فقال: «يكشف عن من هو مقيم بمسجد كذا وكذا -وكان العاضد يعرف كل مسجد بمصر-فإذا رأيت به أحد فاحضره إلى عندى».
فمضى الوالى وأحضر رجلا صوفيا. فلما رآه العاضد سأله، من أين هو ومتى قدم.
وهو يجيب عن كل سؤال. فلما ظهر له منه الضعف والصدق والعجز عن إيصال مكروه إليه، أطلق سراحه، وعاد الرجل إلى مسجده. فلما استولى السلطان صلاح الدين، وعزم على القبض على العاضد، واستفتى فيه الفقهاء، وأفتوه بجواز ذلك، لما كان عليه من انحلال العقيدة، وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع فى حق الصحابة، والإشهار بذلك، فكان أكثرهم مبالغة فى الفتيا والتصميم على زوال أمر العاضد ذلك الشخص الصوفى الذى كان فى ذلك المسجد، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشانى، فإنه عدد مساوئ القوم، وسلب عنهم الإيمان جملة، وأطال فى ذلك.
وبنى الأمر على قوله وفتياه. فصحت بذلك رؤيا العاضد، والله أعلم.
стр. 3115
ذكر سنة ست وخمسين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين. والعاضد خليفة مصر اسما، والأمور راجعة إلى تصرف الصالح بن رزيك.
وفيها خرج الإفرنج، ووصلوا إلى فاقوس. وحشد الصالح لهم سائر الأجناد، وخرج إلى ظاهر بلبيس، فعادوا إلى بلادهم.
وفيها هلك أبو الطاهر متولى ديوان الجيوش المنصورة، وقلد مكانه ابن جراح.
وفيها أخذ طرخان-المنعوت بعز الدين-لما خرج بالإسكندرية طالبا للوزارة، وأحضر إلى القاهرة، وطيف به على جمل، وعلى رأسه طرطور من رصاص. ثم سمر بظاهر باب زويلة. وقتل أخوه فى اليوم الثانى وصلب. وقبض الصالح، على، ابن شاهان شاه، وعلى الأسد غازى والحلواص، وسجنهم فى داره.
стр. 3116
ذكر سنة سبع وخمسين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع، وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا، وثمانية عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين. والعاضد خليفة مصر.
وفيها قتل الصالح بن رزيك. وسبب ذلك أنه لما طال الحجر على العاضد من جهته، اتفق مع قوم يقال لهم أولاد الراعى على قتله، وتقرر بينهم ذلك، وعين لهم موضعا فى القصر يجلسون فيه مستخفين، فإذا مرّ بهم الصالح ليلا أو نهارا قفزوا عليه فقتلوه. فقعدوا له ليلة، وخرج من القصر، فقاموا ليخرجوا إليه، فأراد أحدهم أن يفتح القفل، فغلقه، ولم يعلم. فلم يحصل لهم تلك الليلة مقصودهم، لأمر أراده الله، لتأخير الأجل. ثم إنهم جلسوا له يوما آخر، فدخل القصر نهارا، فوثبوا عليه، وجرحوه جراحات عدة، ووقع الصوت. وعاد أصحابه إليه، فقتلوا الذين جرحوه، وحمل إلى داره مجروحا، فأقام بعض يوم، ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان من هذه السنة، رحمه الله تعالى.
ذكر نبذ من أخباره وزبد من أشعاره
كان الصالح بن رزيك-﵀-رجلا ملكا جوادا، فاضلا، سمحا فى العطاء، سهلا فى اللقاء، محبا لأهل العلم، مقرّبا لأرباب الفضل. وكان جيد الشعر، وقفت على شئ من شعره، فمن ذلك قوله:
стр. 3117
كم داير بنا الدهر من أحداثه ... عبرا وفينا الصّد والإعراض
ننسى الممات وليس نجرى ذكره ... فينا فتذكرنا به الأمراض
ومن قوله فى الغزل:
ومهفهف ثمل القوام سرت إلى ... أعطافه النشوات من عينيه
ماضى اللحاظ كأنما سلت يدى ... سيفى غداة الروع من جفنيه
قد قلت إذ خط العذار بمسكه ... فى خده ألفيه لا لاميه
ما الشعر دب بعارضيه وإنما ... أصداغه نفضت على خديه
الناس طوع يدى وأمرى نافذ ... فيهم وقلبى الآن طوع يديه
فاعجب لسلطان يعم بعدله ... ويجور سلطان الغرام عليه
والله لولا اسم الفرار وأنه ... مستقبح لفررت منه إليه
ومن شعره أيضا ما رواه القاضى ابن خلكان-فى تاريخه-من رواية ابن نجية الواعظ الدمشقى، قال: أنشدنى الصالح لنفسه يقول:
مشيبك قد نضى صبغ الشباب ... وحل الباز فى وكر الغراب
تنام ومقلة الحدثان تقضى ... وما ناب النوائب عنك ناب
وكيف بقاء عمرك وهو كنز ... وقد أنفقت منه بلا حساب
قلت: لو قال مكان «أنفقت» «أسرفت» لكان أحسن فى باب التورية.
وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلى المعروف بنزيل حمص قد قصد الصالح ومدحه بقصيدة حسنة، وهى الكافية التى أولها يقول:
أما كفاك تلافى فى تلاقيكا ... ولست تنقم إلا فرط حبيكا
وهى من نخب القصائد، وفيها طول، ولذلك لم أثبتها بجملتها، ومخلصها يقول:
وفيم تغضب إن قال الوشاة سلا ... وأنت تعلم أنى لست أسلوكا
لا نلت وصلك إن كان الذى نقلوا ... ولا شفى ظمئى جود ابن رزيكا
стр. 3118
ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمنى بقصيدته اللامية التى أولها يقول:
أفى أهل ذا النادى عليم أسائله ... فإنى لما بى ذاهب اللب ذاهله
دعونى فما هذا أوان بكائه ... سيأتيكم طل البكاء ووابله
فلا تنكروا حزنى عليه فإننى ... تقشّع عنى وابل كنت آمله
ولم لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرامله
فيا ليت شعرى بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنا ما بنا الله فاعله
ولما حمل على نعشه قال فيه الفقيه عمارة أيضا:
وكأنه تابوت موسى أودعت ... فى جانبيه سكينة ووقار
وله فيه مراث كثيرة، أضربت عنها.
وهذا الصالح الذى بنى هذا الجامع الذى ظاهر باب زويلة، وقد ذكرته فى كتابى المسمى «اللقط الباهرة، فى خطط القاهرة».
ثم إن الخلع خرجت لولده رزيك بن طلائع بن رزيك، ولقب بالعادل. واستقر بما كان لأبيه من ولاية الأمر، لكن الأمور راجعة للعاضد، بخلاف ما كان فى أيام الصالح من استبداده بالأمر.
ذكر شاور ونسبه وبدء شأنه
كان الصالح بن رزيك قد ولّى فى أيام وزارته أبا شجاع شاور الصعيد بكماله.
وهو شاور بن مجير بن نزار بن عشائر بن شاس بن مغيث بن حبيب بن الحارث ابن ربيعة بن مخيس بن أبى ذؤيب، وهو الحارث بن عبد الله بن شحنة بن جابر
стр. 3119
ابن ناصرة، [وهو والد حليمة مرضع رسول الله ﷺ ] أرضعته بلبن ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان، وهى التى حضنت سيدنا رسول الله- ﷺ -لما كان عند حليمة السعدية، ظئر النبى ﷺ . والشيماء المذكورة كانت تحمل سيدنا رسول الله ﷺ ، فيعضها حين تحمله. فلما وفدت عليه ﷺ ، أرته الأثر، فعرفها وأكرمها.
فلما ولاه الصعيد عاد ندم على ذلك. وكان الصالح يعد لنفسه-وهو فى جراحه- ثلاث غلطات، أحدها استهتاره بأمر العاضد، وقلة اكتراثه به، حتى حصل له ما حصل. والأخرى الذى ما كان قبض عليه، وعلى جميع الفاطميين، ورد الدعوة عباسية، إذ كان قادرا على ذلك. والثالثة توليته شاور المذكور الصعيد.
وكان شاور ذا شهامة، ونجابة، وفروسية، وشجاعة. وكان الصالح قد أوصى ولده العادل رزيك أن لا يتعرض لشاور بمساءة قط، ولا يغير عليه، وأن يتلافاه جهده، فإنه لا يأمن عصيانه وخروجه. وكان الأمر كذلك كما يأتى فى تاريخه.
وفيها قتل العادل رزيك أخته زوجة العاضد-وقيل عمته-لما توهم أنها باطنت على قتل أبيه. وقتل الأستاذ سعيد السعداء صاحب هذه الخانقاه التى بالقاهرة المعروفة به. وقتل رفيقه الوجيه، وابن قوام الدولة؛ وقيل إن هؤلاء الذين كانوا متفقين على قتل أبيه. وأخرج ابن شاهان شاه، وأسد الغازى، والخلواص، وأعادهم مكانهم.
стр. 3120
ذكر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين نافذ الحكم. وقد كانت الأمور راجعة لبنى سلجوق، فإنهم كانوا استولوا على جميع ممالك الشرق، وعلت كلمتهم على كلمة الخلفاء، كأعظم مما كان بنو بويه.
ذكر طرف من أخبار السلجوقية وملوكهم
أعظم هؤلاء القوم تاريخا، وأشدهم سلطانا، وأول من ظهرت كلمته على كلمة الخلفاء العباسيين، عضد الدولة أبو شجاع ألب رسلان، فإنه فتح البلاد، واستولى على العجم والشرق كله مع العراق، ووصل ملكه إلى الصين والترك، وإلى بلاد بلغار والروس واللّكز واللان، وكذلك إلى بلاد الخطا، وهما المدينتان العظيمتان كاشغور وبلاصغون وهما بالسند الأعلى. وملك إلى ما وراء النهر،
следующие страницы →