← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ذكر سنة سبع وخمسين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع، وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا، وثمانية عشر أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين. والعاضد خليفة مصر. وفيها قتل الصالح بن رزيك. وسبب ذلك أنه لما طال الحجر على العاضد من جهته، اتفق مع قوم يقال لهم أولاد الراعى على قتله، وتقرر بينهم ذلك، وعين لهم موضعا فى القصر يجلسون فيه مستخفين، فإذا مرّ بهم الصالح ليلا أو نهارا قفزوا عليه فقتلوه. فقعدوا له ليلة، وخرج من القصر، فقاموا ليخرجوا إليه، فأراد أحدهم أن يفتح القفل، فغلقه، ولم يعلم. فلم يحصل لهم تلك الليلة مقصودهم، لأمر أراده الله، لتأخير الأجل. ثم إنهم جلسوا له يوما آخر، فدخل القصر نهارا، فوثبوا عليه، وجرحوه جراحات عدة، ووقع الصوت. وعاد أصحابه إليه، فقتلوا الذين جرحوه، وحمل إلى داره مجروحا، فأقام بعض يوم، ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان من هذه السنة، رحمه الله تعالى. ذكر نبذ من أخباره وزبد من أشعاره كان الصالح بن رزيك-﵀-رجلا ملكا جوادا، فاضلا، سمحا فى العطاء، سهلا فى اللقاء، محبا لأهل العلم، مقرّبا لأرباب الفضل. وكان جيد الشعر، وقفت على شئ من شعره، فمن ذلك قوله:

стр. 3117

كم داير بنا الدهر من أحداثه ... عبرا وفينا الصّد والإعراض ننسى الممات وليس نجرى ذكره ... فينا فتذكرنا به الأمراض ومن قوله فى الغزل: ومهفهف ثمل القوام سرت إلى ... أعطافه النشوات من عينيه ماضى اللحاظ كأنما سلت يدى ... سيفى غداة الروع من جفنيه قد قلت إذ خط العذار بمسكه ... فى خده ألفيه لا لاميه ما الشعر دب بعارضيه وإنما ... أصداغه نفضت على خديه الناس طوع يدى وأمرى نافذ ... فيهم وقلبى الآن طوع يديه فاعجب لسلطان يعم بعدله ... ويجور سلطان الغرام عليه والله لولا اسم الفرار وأنه ... مستقبح لفررت منه إليه ومن شعره أيضا ما رواه القاضى ابن خلكان-فى تاريخه-من رواية ابن نجية الواعظ الدمشقى، قال: أنشدنى الصالح لنفسه يقول: مشيبك قد نضى صبغ الشباب ... وحل الباز فى وكر الغراب تنام ومقلة الحدثان تقضى ... وما ناب النوائب عنك ناب وكيف بقاء عمرك وهو كنز ... وقد أنفقت منه بلا حساب قلت: لو قال مكان «أنفقت» «أسرفت» لكان أحسن فى باب التورية. وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلى المعروف بنزيل حمص قد قصد الصالح ومدحه بقصيدة حسنة، وهى الكافية التى أولها يقول: أما كفاك تلافى فى تلاقيكا ... ولست تنقم إلا فرط حبيكا وهى من نخب القصائد، وفيها طول، ولذلك لم أثبتها بجملتها، ومخلصها يقول: وفيم تغضب إن قال الوشاة سلا ... وأنت تعلم أنى لست أسلوكا لا نلت وصلك إن كان الذى نقلوا ... ولا شفى ظمئى جود ابن رزيكا

стр. 3118

ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمنى بقصيدته اللامية التى أولها يقول: أفى أهل ذا النادى عليم أسائله ... فإنى لما بى ذاهب اللب ذاهله دعونى فما هذا أوان بكائه ... سيأتيكم طل البكاء ووابله فلا تنكروا حزنى عليه فإننى ... تقشّع عنى وابل كنت آمله ولم لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرامله فيا ليت شعرى بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنا ما بنا الله فاعله ولما حمل على نعشه قال فيه الفقيه عمارة أيضا: وكأنه تابوت موسى أودعت ... فى جانبيه سكينة ووقار وله فيه مراث كثيرة، أضربت عنها. وهذا الصالح الذى بنى هذا الجامع الذى ظاهر باب زويلة، وقد ذكرته فى كتابى المسمى «اللقط الباهرة، فى خطط القاهرة». ثم إن الخلع خرجت لولده رزيك بن طلائع بن رزيك، ولقب بالعادل. واستقر بما كان لأبيه من ولاية الأمر، لكن الأمور راجعة للعاضد، بخلاف ما كان فى أيام الصالح من استبداده بالأمر. ذكر شاور ونسبه وبدء شأنه كان الصالح بن رزيك قد ولّى فى أيام وزارته أبا شجاع شاور الصعيد بكماله. وهو شاور بن مجير بن نزار بن عشائر بن شاس بن مغيث بن حبيب بن الحارث ابن ربيعة بن مخيس بن أبى ذؤيب، وهو الحارث بن عبد الله بن شحنة بن جابر

стр. 3119

ابن ناصرة، [وهو والد حليمة مرضع رسول الله ﷺ ] أرضعته بلبن ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان، وهى التى حضنت سيدنا رسول الله- ﷺ -لما كان عند حليمة السعدية، ظئر النبى ﷺ . والشيماء المذكورة كانت تحمل سيدنا رسول الله ﷺ ، فيعضها حين تحمله. فلما وفدت عليه ﷺ ، أرته الأثر، فعرفها وأكرمها. فلما ولاه الصعيد عاد ندم على ذلك. وكان الصالح يعد لنفسه-وهو فى جراحه- ثلاث غلطات، أحدها استهتاره بأمر العاضد، وقلة اكتراثه به، حتى حصل له ما حصل. والأخرى الذى ما كان قبض عليه، وعلى جميع الفاطميين، ورد الدعوة عباسية، إذ كان قادرا على ذلك. والثالثة توليته شاور المذكور الصعيد. وكان شاور ذا شهامة، ونجابة، وفروسية، وشجاعة. وكان الصالح قد أوصى ولده العادل رزيك أن لا يتعرض لشاور بمساءة قط، ولا يغير عليه، وأن يتلافاه جهده، فإنه لا يأمن عصيانه وخروجه. وكان الأمر كذلك كما يأتى فى تاريخه. وفيها قتل العادل رزيك أخته زوجة العاضد-وقيل عمته-لما توهم أنها باطنت على قتل أبيه. وقتل الأستاذ سعيد السعداء صاحب هذه الخانقاه التى بالقاهرة المعروفة به. وقتل رفيقه الوجيه، وابن قوام الدولة؛ وقيل إن هؤلاء الذين كانوا متفقين على قتل أبيه. وأخرج ابن شاهان شاه، وأسد الغازى، والخلواص، وأعادهم مكانهم.

стр. 3120

ذكر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين نافذ الحكم. وقد كانت الأمور راجعة لبنى سلجوق، فإنهم كانوا استولوا على جميع ممالك الشرق، وعلت كلمتهم على كلمة الخلفاء، كأعظم مما كان بنو بويه. ذكر طرف من أخبار السلجوقية وملوكهم أعظم هؤلاء القوم تاريخا، وأشدهم سلطانا، وأول من ظهرت كلمته على كلمة الخلفاء العباسيين، عضد الدولة أبو شجاع ألب رسلان، فإنه فتح البلاد، واستولى على العجم والشرق كله مع العراق، ووصل ملكه إلى الصين والترك، وإلى بلاد بلغار والروس واللّكز واللان، وكذلك إلى بلاد الخطا، وهما المدينتان العظيمتان كاشغور وبلاصغون وهما بالسند الأعلى. وملك إلى ما وراء النهر،

стр. 3121

واستولى على الخلفاء العباسيين، وعمل له ببغداد دار سلطنة، ونقض كلمة الخلفاء. وهؤلاء القوم نسبهم فيه قولان، وإن كان تقدم من ذكرهم طرف. فمن الناس من يدعى أنهم تركمان، وأن سلجوق جدّهم كان فى جملة عسكر بنى بويه الديالمة. والصحيح أنهم من السامانية، أصلهم يرجعون إلى الفرس من ملوك العجم. ولهم تاريخ مستقل بذاته، إذ لو شرحناه لكان جزءا كاملا، وإنما نذكر عدة ملوكهم الذين ملكوا الدنيا، ونؤخر من ذلك كلاما يأتى فى موضعه، إن شاء الله تعالى. ذكر عدة ملوك بنى سلجوق أولهم ميكائيل بن سلجوق وهو أجل ملوك السلجوقية، كما كان إسماعيل أجل ملوك السامانية. ثم محمد بن ميكائيل بن سلجوق، ثم أبو الحرب سنجر سلطان، ثم أبو القاسم محمد طبر، ثم أبو عبد الله بن محمد بن محمد طبر، ثم طغريل ملكشاه، ثم غياث الدين أبو الفتح، ثم السلطان مسعود بن محمد طبر، ثم ملكشاه ابن محمد بن محمد طبر، ثم عضد الدولة أبو شجاع ألب رسلان صاحب دار الملك والسلطنة ببغداد. ثم كان السلطان علاء الدين بن تكش خوارزم شاه، وهو ابن مملوك طغريل بك السلجوقى، ثم ولده السلطان جلال الدين منكبرتى خوارزم شاه، وسيأتى ذكر هذين الملكين وأخبارهم مع التتار فى تاريخهم إن شاء الله تعالى. فهؤلاء عدة ملوك بنى سلجوق ﵏. وهم الذين فتحوا البلاد، وقادوا الجيوش، ونصروا الملة المحمدية لما ظهروا، وامتحنت بدولتهم سائر الدول، وأعلوا منار هذه الملة المحمدية على جميع الملل. وعلى ما كانوا عليه من اللغة التركية

стр. 3122

والألسنة الأعجمية كانوا فضلاء، عقلاء، أدباء، نجباء، يحبون أهل العلم والفضل، ويسمعون المديح، ويجيزون عليه الجوائز السنية. وكانت تلك الأيام مدة كالأحلام لذة. فى هذه السنة توفى عبد المؤمن سلطان المغرب. ولنذكر ها هنا لمعا من أخباره، ونسبه، وآثاره. ذكر عبد المؤمن ونسبه وبدء شأنه هو أبو محمد عبد المؤمن بن على القيسى الكومى، ليس من أهل بيت ملك. كان أبوه وسطا فى قومه، وكان صانعا فى الطين، يعمل منه الآنية، فيبيعها. وكان عاقلا، وقورا فى أهل بيته، دينا صالحا. فيحكى أن عبد المؤمن فى صناعة أبيه إذ كان صبيا، فنام إلى جانب أبيه ذات يوم، وأبوه مشتغل بعمله فى الطين، فسمع أبوه حسّا له دوى، نازلا من السماء إلى أعلى الدار، فرفع رأسه، فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فنزلت مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم، فغطته حتى لم يظهر منه شئ، ولا استيقظ لها. فلما رأته أمه على ذلك الحال صاحت خوفا على ولدها، فسكتها أبوه. ثم إنه غسل يده، ولبس أثوابه، ووقف ينظر إليه، وإلى ما يكون من ذلك النحل معه. ثم إن النحل طار عنه بأجمعه، واستيقظ الفتى فرأته أمه وليس به أثر. وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر، فمضى أبوه إليه، فأخبره بما رآه من النحل مع ولده، فقال الزاجر: «يوشك أن يكون له شأن، تجتمع على طاعته خلق عظيم». فكان من أمره ما كان. ويقال إن محمد بن تومرت-المعروف بالمهدى-كان قد ظفر بكتاب الجفر،

стр. 3123

ووجد فيه ما يكون على يده، وقصة عبد المؤمن وحليته واسمه. وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه، حتى وجده وصحبه، وهو إذ ذاك غلام. وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه، وأفضى إليه بسرّه، وانتهى به إلى مراكش-وصاحبها يومئذ أبو الحسن على بن يوسف بن تاشفين ملك الملثمين-وجرى له معه فصول يطول شرحها. وأخرجه منها، وتوجه إلى الجبال، وحشدوا واستمال المصامدة فى حديث طويل، آخره أنه لم يملك شيئا من البلاد فى حياة ابن تومرت، بل عبد المؤمن ملك بعده بالجيوش التى جهزها ابن تومرت، والترتيب الذى رتبه له. وكان ابن تومرت أبدا يتفرس فيه النجابة، وينشد إذا أبصره دائبا: تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط فالسنّ ضاحكة، والكف ما نحة ... والنفس سامحة، والوجه منبسط وكان يقول: «صاحبكم هذا غلاب الدول». ولم يصح عنه أنه استخلفه، بل راعى أصحابه فى تقديمه إشارته لهم فيه، فتم له الأمر وكمل. وأول ما أخذ من البلاد وهران وتلمسان ثم فاس ثم سبته. وانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهرا، ثم ملكها. وكان أخذه لها فى أوائل سنة اثنين وأربعين وخمسمائة. واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى، وبلاد إفريقية، وكثير من جزيرة الأندلس. وتسمى أمير المؤمنين، وقصدته الشعراء وامتدحوه بأحسن المدائح. ذكر العماد الأصفهانى فى الخريدة، أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبى العباس التيفاشى لما أنشده يقول: ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن على

стр. 3124

فأشار إليه أن اقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار. ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه، خرج من مدينة مراكش إلى مدينة سلا، فأصابه بها مرض شديد، وتوفى فى العشر الأخير من جمادى الآخرة من هذه السنة، وهى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقيل: بل كانت وفاته سنة ستين وخمسمائة، والله أعلم. وقيل: كانت ولادته سنة تسعين وأربعمائة، وقيل غير ذلك. وإنما نسبته بالكومى، فهى نسبة إلى كومية وهى قبيلة صغيرة تنزل البحر من أعمال تلمسان. ومولده بقرية هناك يقال لها تاجرة. هذا ما ذكره القاضى شمس الدين بن خلكان فى تاريخه من نسبة عبد المؤمن. وذكر كتاب الجفر فقال: ذكره ابن قتيبة فى أوائل كتاب الاختلاف فى الحديث، فقال بعد كلام طويل: وأعجب من هذا التفسير تفسير الروافض القرآن الكريم، وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من كتاب الجفر الذى ذكره سعد بن هارون العجلى، وكان رأس الزيدية، فقال: ألم تر أن الرافضين تفرقوا ... فكلهم فى جعفر قال منكرا فطائفة قالوا إمام ومنهم ... طوائف سمته النبى المطهرا ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... بريب إلى الرحمن ممن تجفرا والأبيات كثيرة، وإنما المقصود ذكر كتاب الجفر. قال القاضى ابن خلكان: قال ابن قتيبة، وهو جلد جفر، ادّعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إليه وإلى علمه إلى يوم القيامة. قال: وقولهم الإمام يريدون به جعفر الصادق، رضى [الله] عنه. وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعرى أيضا فى قوله:

стр. 3125

لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمهم فى مسك جفر ومرآة المنجم وهى صغرى ... أرته كل عامرة وقفر ومسك جفر تقال بفتح الميم من مسك، وفتح الجيم من جفر، وهو من أولاد المعز، ما بلغ أربعة أشهر وجفر جنباه، وفصل عن أمه. وكانت عادتهم-فى ذلك الزمان-يكتبون فى الجلود والعظام والخرق وما شاكل ذلك، والله أعلم. ... ولنعود إلى سياقة التاريخ بمعونة الله وحسن توفيقه. وفى هذه السنة وهى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، خرج شاور المقدم ذكره من الصعيد بجموع كثيرة، فعبر واحات، واخترق تلك البرارى، إلى أن خرج من عند تروجه، وتوجه إلى القاهرة فى شرح طويل آخره أنه قهر العادل رزيك بن الصالح طلائع، وقتله فى العشر الأول من صفر من هذه السنة، وأخذ موضعه من الوزارة، واستولى على الأمر، ونعت نفسه بأمير الجيوش، وقتل عليا زمام القصر، وولى لؤلؤ الصقلبى عوضه، وأعاد الحكم إلى يونس القاضى. واحتوى على أموال بنى رزيك. ولم يزل أمره مستقرا إلى العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فخرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار، الملقب فارس المسلمين، اللخمى المنذرى، نائب الباب، بجموع كثيرة، وغلبه، وأخرجه من القاهرة. وقتل ولده طيا، وولى الوزارة، كعادة المصريين. وتوجه شاور طالبا للشام، مستجيرا بنور الدين الملك العادل محمود بن أتابك زنكى. وأقام ضرغام وزيرا بالديار المصرية، ولقب بالمنصور إلى جمادى الآخرة من سنة تسع وخمسين وخمسمائة، حسبما يأتى من ذلك.

стр. 3126

ذكر سنة تسع وخمسين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ثمانية أذرع وسبعة عشر أصبعا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين. والسلطان ببغداد عضد الدولة ألب رسلان السلجوقى. والعاضد بمصر، وضرغام الوزير بها، إلى شهر جمادى الآخرة، قدم شاور بجيوش الشام يقدمهم أسد الدين شير كوه، وابن أخيه صلاح الدين يوسف، من قبل الملك العادل نور الدين محمود بن أتابك زنكى. وخرج إليهم همام بن سوار أخو ضرغام -الملقب ناصر المسلمين -فى جيوش كثيرة، فكانت الوقعة بينهما على بلبيس، فانكسرت جيوش همام، وقتل همام ومعه أخوين له، وقتل أيضا ضرغام. وكان مقتله عند مشهد السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، صلوات الله عليهم، فكانت مدة وزارة ضرغام مصر تسعة أشهر وعشرة أيام. وعاد شاور إلى وزارته الثانية سلخ جمادى الآخرة من هذه السنة. ودخل أسد الدين شيركوه وصلاح الدين يوسف، وأنزلوهما ظاهر القاهرة فى المخيم. وخرجت لهما الإقامات، والعلوفات، والخلع. وتأخر عنهما ما كان أشرطه لهما شاور من الأموال ونفقات الجيوش، فسير إليه أسد الدين يحثه على المال وإنفاذه، فسوّف وماطل. ثم إنه نكث جميع ما كان بينه وبين أسد الدين من العهود والمواثيق.

стр. 3127

وأنفذ شاور إلى ملك الروم بالشام مستنصرا به على أسد الدين، وطمّعه فى أخذه، فجاءه الملك مرى -لعنه الله-فى عالم عظيم. ولما تحقق أسد الدين ذلك من غدر شاور، انتقل إلى بلبيس وتحصن بها. واجتمع شاور وملك الروم على قتال أسد الدين، وكانت بينها وقائع عظيمة. وبنى الفرنج خذلهم الله برجا عظيما. وعاد أسد الدين فى قبضتهم لولا لطف [الله] تعالى وحسن سياسة أسد الدين، فإنه كتب إلى مرى ملك الروم يقول له: «ليس لك فينا غرض، ولا معنا مال يقنعك، فإن شاور غدر بنا، ولم يوفنا ما شرطه لنا من المال. ونحن قوم غرباء من هذه الديار، أتينا لنصرة هذا الغادر، والبغى له مصرع. وأنت تعلم أن وراءنا مثل الملك العادل نور الدين. وكأنك به وقد أطل عليك بجيوش تعرفها ولا تنكرها. وأنت قصدك مال، ومصر قدامك، وهى أحب إليك من مطاولتنا بغير فائدة لك. وليس بمصر مانع يمنعك عنها. فإن تركت البغى، وقنعت بما فى أيدينا من فضلات نفقاتنا نفذناها إليك، وتدعنا نرجع إلى بلادنا. وإن أبيت فنحن والله ما يقتل الواحد منا حتى يقتل عدة منكم. وبعد ذلك، المدد واصل إلينا، والسلام». قال ابن واصل ﵀: بينما الفرنج يجدون فى حصار أسد الدين ببلبيس، إذ ورد عليهم الخبر بكسرة الفرنج من نور الدين على حارم، فخافوا على بلادهم، فهذا كان سبب صلحهم مع أسد الدين. ولما خرج من بلبيس، جعلوا له فى الطريق من يعارضه ليأخذوه، فعرج عن الطريق إلى طريق المدرية، وفى ذلك يقول عمارة

стр. 3128

اليمنى يمتدح أسد الدين من قصيدة منها: أخذتم على الإفرنج كل ثنيّة ... وقلتم لأيدى الخيل مرّى على مرى لئن نصبوا فى البر جسرا فإنكم ... عبرتم بجسر من حديد على الجسر ثم اتفقا على مال أخذه ملك الروم من أسد الدين، وفسّح لهم الطريق، فتوجهوا إلى الشام، وفى قلب أسد الدين نار لا تطفئ من فعل شاور. ثم إنه قص على نور الدين جميع ما جرى، وعرفه أن مصر ليس بها من يمنع عنها. ثم جهزه نور الدين بالجيوش، وعاد ودخل الديار المصرية من الطريق البدرية، فلم يعلم به إلا وهو بناحية أطفيح. ثم عدى إلى بر الجيزة، وأقام بها، وغاراته تضرب فى سائر تلك النواحى. فلما علم شاور أن لا قبل له بأسد الدين، أنفذ إلى الملك مرى-لعنه الله-وأبذل له الأموال، فوافاه الملعون بخيله ورجله، وجرت بينهم وقائع وأهوال تشيّب الرءوس. واندفع أسد الدين إلى نحو الصعيد، فلحقوه [عند] منية بنى خصيب، بمكان يعرف بالبابين، فوقعت أيضا بينهما هناك وقائع عظيمة ثلاثة أيام. فلما كان ثالث يوم، كان أول النهار لشاور وملك الروم على أسد الدين، حتى ظن أنه سيؤخذ. ثم أتاه النصر من عند الله آخر ذلك اليوم،

стр. 3129

بقوم وافوه من عرب الصعيد، كان قد نفذ إليهم أموالا، فأتوه فى تلك الساعة. فانهزم الروم وشاور، وكسرهم أسد الدين كسرة عظيمة، وأخذ صاحب قيسارية أسيرا مع جماعة من أصحابهم. وعاد شاور والملك مرى إلى القاهرة فى أنحس الأحوال. وسار أسد الدين إلى إسكندرية، فأقام بها مدة يسيرة. فجيّش الملعون مرى الجيوش، وحزّب الأحزاب، وجاءوا إلى الإسكندرية. وكان أسد الدين قد ترك صلاح الدين بإسكندرية، فى شرذمة يسيرة من الجيش، وأصعد هو وعساكره إلى الصعيد الأعلى، فجبى منه الأموال، واستخدم الرجال، واستجلب العربان. وحضر شاور والملك مرى بجيوشهما، فنزلا على حصار صلاح الدين بالإسكندرية برّا وبحرا. وضيقوا عليه ضيقة عظيمة، وأقاموا محاصرينه سبعة وخمسين يوما. وأعان الله صلاح الدين ومن معه على تلك الجموع العظيمة، وصبروا لهم مع ما كان البلد فيه من قلة القوت والسلاح. فلما كان بعد ذلك، وصل أسد الدين من الصعيد، ونازل القاهرة وحاصرها، وضيق على من بها وعلى العاضد صاحب القصر. فاتفق رأى كبار البلد مع رأى العاضد أن يصالحوه، على أن يسلم لهم صاحب قيسارية المأسور معه وجميع الأسارى الذين معه، ويرجع عن حصارهم وقتالهم، ويأخذ ابن أخيه صلاح الدين ويتوجه إلى بلاده بدمشق، ويرتفع شاور والملك مرى عنهم. فاتفق الحال على ذلك، وعاد كل أحد إلى بلاده، وأقام شاور بعد ذلك أياما يسيرة. فما كان بعد قليل حتى عاد الملك مرّى-لعنه الله-على بدء، لما حدثته نفسه بأخذ ديار مصر، وصحبته الإسبتار، فنزل على بلبيس وفتحها، وقتل جميع من كان بها، وسبى النساء والأطفال، وأبدع كل الإبداع. فلما سمع شاور ذلك نهب مصر لنفسه، وهتك أهلها، وجمع أموالا عظيمة من أموال الناس، وقتل عدة من أهلها،

стр. 3130

ممن منع عن نفسه وماله. ووصل الملك مرّى-لعنه الله-وجيوشه إلى باب القاهرة، وعوّل على فتحها، فبذل له أهلها مالا جزيلا. وقويت شوكة الفرنج-خذلهم الله- بالقاهرة، وعادوا يمدوا أيديهم، ويأخذون الحريم والأولاد والأموال، لا يمنعهم من ذلك مانع. وجرت على أهل مصر من الفرنج العظائم، وحوصر الناس فى بيوتهم، ولا عاد أحد يقدر على الخروج من بيته. وتمت أحوال تقشعر لسماعها الأبدان، وانتشر الملاعين فى سائر الأعمال، وعادوا يأخذون حريم أهل مصر، وينزلون فى الزوارق ما بين مصر والجزيرة، ويشربون عليهم الخمور، ويفسقون فيهم. وقتلت عالم كثير من كبار البيوت، ونهبت أموالهم. هذا كله يجرى وشاور يصانعهم، ويركب إلى كبارهم وملوكهم، وأظهر النصيحة لهم. فلما علم الفرنج أن لا دافع لهم عن تمليكهم مصر، كتبوا إلى ملكهم الكبير يحثونه على الحضور ليملك مصر. فلما علم العاضد ذلك أيقن الهلاك، وكذلك كبار البلد، فأجمعوا رأيهم، وكتب العاضد إلى نور الدين الشهيد، الملك العادل صاحب الشام، وهو يخبره فيه بما جرى على الإسلام. ثم قال فى كتابه: «متى أنجدتنا وخلصت الإسلام، كان لك مع ثواب الله- -ثلث خراج مصر، يحمل إلى خزانتك فى كل سنة، بعهد من الله وميثاقه، خارجا عن نفقة جيوشك فى هذه الكرة». ثم إن العاضد دخل إلى قصره، وقطع شعور النساء والبنات والصبيان، وحمله فى مخالى، وسيره إلى نور الدين الشهيد، وذلك لعظم ما جرى على الإسلام من الملاعين الفرنج. ثم كتب فى أثناء كتابه يقول: «وا غوثاه! وا غوثاه! وا غوثاه! إلحق دين الإسلام! أدرك أمة محمد ﵇! يا نور الدين! يا نور الدين! يا نور الدين!» قلت: هكذا رأيت نسخة هذا الكتاب إلى نور الدين، لم أزد فيه حرفا.

стр. 3131

فلما وصل الكتاب إلى نور الدين بكى، وكان عظيم النخوة للإسلام، ﵀. وأرسل إلى أسد الدين شير كوه-وكان مقيما بحمص-وفتح له الخزائن، وأطلق له الأموال، وأمره بسرعة المسير. وتوجه [أسد الدين] إلى الديار المصرية، وعبر من البرية على طريق البدرية إلى مصر، وعدة جيشه عشرة آلاف فارس شجعان، أقيال، معتادين للحرب والطعن والنزال. قال صاحب التاريخ: وأمره نور الدين أن يصحب معه صلاح الدين، فكره صلاح الدين التوجه. قال صاحب التاريخ: قال صلاح الدين «لقد كان أمرنى نور الدين بالمسير إلى الديار المصرية، وكنت كارها لذلك. فلما فتح الله علىّ بالبلاد، قلت صدق الله العظيم ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ»﴾. فلما قرب أسد الدين السويس، بلغ الفرنج مجيئهم، فرحلوا عن القاهرة. وقيل بل كانوا على بلبيس، فرحل الملك مرّى، ونزل على سمنود. وكانت ليلة رحيله ليلة وصول أسد الدين شيركوه إلى القاهرة، فدقت لهم البشائر. وكان عند المسلمين يوما عظيما كونهم فكّوا من الأسر. وأما الملك مرى-لعنه الله-فإنه جهز مائتى قنطارية وخمسين قنطارية، وألفى رجل، ليأخذ قليوب، فحشد المسلمون، وخرجوا إليهم، والتقوا بهم على دجوة، فكشوهم من غير أن يجرى بينهم قتال. ثم إن الملعون جرد ثلاثمائة قنطارية وثلاثة آلاف رجل إلى جزيرة إبيار، فنهبوا وسبوا وقتلوا. وجاءت

стр. 3132

المسلمون إلى الطرانة، وعملوا جسرا من الطرانة إلى الجزيرة، وعدوا إليهم، فانكسرت المسلمون. فلما كان بعد الظهر جاءت عرب من البحيرة وجماعة من القبائل وعرب من الفيوم، ومن الصعيد، وقالوا: «وا إسلاماه» وحملوا حملة واحدة، فانكسرت الملاعين، وأخذهم السيف من الظهر إلى ثانى يوم الظهر، وقتلت سائر خيالاتهم. ولم يعد منهم إلى الملك مرّى غير اثنى عشر نفرا من الخيالة؛ والرجالة قتلوا عن بكرة أبيهم. ثم إن الملعون مرّى رحل من على سمنود، ونزل اسكندرية، وقال لأهلها: «سلموا إلىّ هذا البلد وأنا أحط عنكم المكوس، وأوسعكم عدلا». فقالوا: «معاذ الله أن نسلم الإسلام للكفر». هذا وشاور يراسل مرّى ويهاديه، ويظهر له الود والنصح، ويقول: «الفرنج ولا أسد الدين شير كوه». وعاد الملك مرّى نازل على الإسكندرية من الجانب الغربى، والمراكب تحمل إليه جميع ما يحتاجه. وكان الوالى يوم ذاك بالإسكندرية نجم الدين ابن فضل، والقاضى بها ابن الخشاب، والمحتسب الضياء بن عوف، والناظر الرشيد ابن الزبير، فجمعوا القبائل، وحصنوا البلد. ثم إن أسد الدين شيركوه تجهز وطلب الإسكندرية، ونزل عليها من الجانب الشرقى. ثم التقى الجمعان على الإسكندرية، ولم يجر بينهما قتال. ومشى الرسل بينهم فى الصلح، فاصطلحوا. ورحل الملك مرّى إلى الشام فى البر. وتوجه أسد الدين إلى القاهرة، فأخلع عليه العاضد، وعلى سائر من معه، ونزل على ظاهر القاهرة بمسجد التبن. وفيها كانت الوقعة بين نور الدين الشهيد وبين الفرنج على حارم، وكسرهم

стр. 3133

نور الدين كسرة عظيمة، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة، وأسر منهم ثلاثين ألف نفرا، وأخذ جميع ملوكهم، وتسلّم حارم وبانياس. وكانت الفرنج فى خلق عظيم، فيهم القمص صاحب أنطاكية، والبرنس صاحب طرابلس، وابن جوسلين. فلما التقى الجمعان، صعد نور الدين على تل عال، وشاهد من الفرنج ما هاله وأذهله من كثرتهم، فترك القتال وانفرد عن العسكر، وصلى ركعتين، ومرّغ وجهه على الأرض وهو يقول: «يا سيدى! الجيش جيشك! والدين دينك! ومن هو محمود! افعل أنت ما تريد». هذا والفرنج قد حملوا على المسلمين حملة منكرة. وكانت الحملة على الميمنة، وفيها عسكر حلب، فاندفعوا بين أيديهم، فنزل إليهم نور الدين وقد كشف رأسه، وصاح: «وا إسلاماه! العودة! العودة! بارك الله فيكم». فكأنما أوقع الله تعالى صوته فى آذان سائر الجيش، فكرّوا على الفرنج كرة رجل واحد، فتقهقرت الفرنج لها الخيالة منهم، فوقع السيف فى الرجالة، فحصدوهم حصدا. فلما رأى الخيالة ذلك، ولوا منهزمين، فأخذهم السيف من كل مكان، ولم ينج منهم إلا صاحب الفرس السابق. واستأسر منهم عدة ما قد ذكرناه، فأخذ عنهم الفداء، فكان جملته ستمائة ألف وستون ألف ذهب عين. فكان نور الدين بعد ذلك يحلف أن جميع ما بناه من البيمارستان والمدارس وجميع وقوفاتهم من ذلك الفداء.

стр. 3134

ذكر سنة ستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر أصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق الحكام، وأمرهم فى هذه السنة راجع منهم إلى السلطان ألب رسلان السلجوقى. والعاضد صاحب مصر، والوزير شاور إلى أن قتل فى هذه السنة، على ما ذكر صاحب تاريخ سير النيل المصرى. وذلك أن أسد الدين شير كوه كان فى قلبه من شاور دخول عظيمة، لما كان قد أسلفه من الإساءات، حسبما تقدم من ذكر ذلك. ونظر إلى ديار مصر فوجدها ليس بها مانع ولا دافع غير شاور، فاستشار صلاح الدين واتفقا على تدبير الحيلة على قتل شاور. وكان أسد الدين مبرزا على مسجد التبن، وادعى أنه مريض وشارف على الموت، وأنه يقصد الاجتماع بشاور ليتفق معه على عود العساكر إلى الشام، ويستوثق منه بالأيمان أن لا يغدر بجيوش الإسلام ويكاتب عليهم الفرنج كما فعل من قبل. فلم يثق شاور حتى نفذ حكيما يثق به لينظر صحة ما ادعاه أسد الدين. فلما أتى الحكيم خلا به صلاح الدين، وقال له: «يا حكيم! أنت تعلم أن أهل مصر عادوا فى قبضة الفرنج متى شاءوا، مادام هذا الوزير شاور. وقد رأيتم يا أهل مصر ما حل بكم من الفرنج، ونحن إن عدنا إلى الشام بعيد علينا أن نرجع إليكم، والمصلحة أن تتفق معنا على صلاح أحوال أهل بلدك. وهذه ألف دينار استعن بها. وعهد الله وميثاقه أن تكون عندنا العزيز المكرم،

стр. 3135

بخلاف ما أنت عليه الآن، وتحتال معنا على حضور شاور إلينا. وههنا شخص من أصحابنا على خطة الموت، انظره وخبر عنه إذا حلفت». قال: فلما عاد الحكيم، وعرّف شاور بأنه عاينه على التلف، وثق شاور، وطمع فى جيشه، وركب وأتى إليه، فوثب عليه جرديك وبرغش -موليا نور الدين-فقتلاه بإشارة صلاح الدين لهما فى ذلك. وقيل إن أول من بسط يده بالقبض عليه صلاح الدين، وأن شاور لم يقتل فى الساعة الراهنة حتى حضر توقيع من العاضد على يد خادم خاص بقتل شاور، وإنفاذ رأسه، ففعل به. ثم خرجت الخلع بالوزارة لأسد الدين شيركوه، ونعته العاضد بالملك المنصور. فكانت مدة وزارته ثمانية أشهر، وتوفى إلى رحمة الله تعالى. وولى صلاح الدين الوزارة، ونعته العاضد بالملك الناصر. وكان سبب موت أسد الدين أنه كان يحب أكل اللحوم الغليظة، مثل لحوم البقر والخيل والنعام وما أشبه ذلك، فلحقه من ذلك خانوق حتى قتله. وكان صلاح الدين فى مبتداه قليل المال والرجال، صاحب أكل وشرب وطرب، فلما فتح الله عليه بالملك تاب عن جميع ذلك. وظن العاضد أن الأمر لا يستقيم له بعد أسد الدين، لما كان يعلمه منه، فأبى الله إلا أن يملكه الأرض، ويفتح على يديه الفتوحات. وكان ذلك فى سنة أربع وستين وخمسمائة، وإنما ذكر تلاوة على النسق.

стр. 3136

وتوفى أسد الدين شيركوه يوم الأربعاء الثانى والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة، كما يأتى من ذكر تمليك صلاح الدين فى تاريخه إن شاء الله تعالى. وفيها توفى الوزير عون الدين بن هبيرة، ﵀.

стр. 3137

ذكر سنة إحدى وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ستة أذرع ونصف أصبع، ومبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق قد زال ملكهم من العراق، والعاضد خليفة مصر، وشاور الوزير. وفيها كانت عودة أسد الدين شير كوه إلى مصر، وخرج من طريق البدرية، ونزل أطفيح بجيوشه سادس ربيع الآخر. ورحل من أطفيح وعدى، وخيّم بالجيزة نيفا وخمسين يوما. واستنجد شاور بالفرنج حسبما ذكرناه. وتوجه أسد الدين عائدا إلى الشام. وقيل إن هذا جميعه كان فى سنة اثنين وستين وخمسمائة؛ وهو الصحيح.

стр. 3138

ذكر سنتى اثنى وثلاث وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هاتين السنتين الماء القديم-سنة اثنى-أربعة أذرع وأربعة وعشرون أصبعا، والزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون أصبعا. وفى سنة ثلاث-خمسة أذرع ونصف أصبع، الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا. وفى سنة ثلاث وستين خرج زين الدين على كوجك من نيابة الموصل. وكان هو صاحب الأمر بها من قبل سيف الدين غازى بن أتابك زنكى. وكانت مدينة إربل قاعدة بيته وأولاده وكانت أيضا بيده شهرزور وجميع القلاع التى بها، مثل العمادية، وتكريت وسنجار وحران، فأصابه طرش فى أذنيه، وكف بصره، ففارق الموصل، وسلم جميع الممالك لقطب الدين مودود بن زنكى، وانتقل إلى إربل، فتوفى بها فى بقية هذه السنة. وقام بالبيت ولده زين الدين، حسبما يأتى من ذكره، إن شاء الله تعالى. ثم لم تزل مع زين الدين إلى أيام السلطان صلاح الدين، فتوفى زين الدين، وقام بالأمر مظفر الدين كوكبورى أخوه إلى سنة ثلاثين وستمائة.

стр. 3139

ذكر سنة أربع وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق الحكام على بلاد العجم والروم. والعاضد صاحب القصر [فى مصر]. وشاور الوزير، إلى أن قتل فى هذه السنة على يد صلاح الدين بإشارة أسد الدين، يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر. ووزر أسد الدين الديار المصرية، حسبما تقدم من ذكر ذلك. قلت: وللفقيه عمارة اليمنى -الشاعر الموصوف-فى شاور عدة مدائح، فمن جملتها يقول: ضجر الحديد من الحديد وشاور ... من نصر دين محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر وفى هذه السنة كان الحريق بمصر، وأحرق الجامع العتيق. وكان سببه النصارى، لما أنكى فيهم الحاكم من منعهم ركوب الخيل والبغال، وتعليق الصلبان الخشب الثقال فى حلوقهم، وبناية المساجد والمآذن على كنائسهم، وهدم منها عدة. فتجمعوا فى الباطن، واتفقوا على حريق الجامع، والآدر الكبار المتعينة، والأرباع، فكان حريق عظيم ما شهد مثله. وقيل إن سبب تذكر النصارى هذا الأمر بعد طول هذه المدة، أنه تولى عليهم فى هذه السنة بطركا يعظمونه عندهم، فحثّهم على ذلك ففعلوه، حتى مسك منهم جماعة، وقطعت أيديهم وأرجلهم. وقصد صلاح الدين استئصال النصارى واليهود جملة كافية، فلم يقدر على ذلك كونه كان فى أول مبتدأ

стр. 3140

أمره ووزارته، ولكل قادم دهشة. وذلك أن أسد الدين لم يقم فى الوزارة غير أربعة أشهر، وقيل ثمانية أشهر على اختلاف الرواة فى ذلك، وتوفى إلى رحمة الله تعالى فى تاريخ ما تقدم، ووزر صلاح الدين، حسبما تقدم أيضا، واستمر حاله. ولما توفى أسد الدين وقام بالأمر صلاح الدين عمل عماد الدين الكاتب [قصيدة] رثى فيها أسد الدين، وهنأ بصلاح الدين، أولها منها: ما بعد يومك للمعنّى المدنف ... غير العويل وحسرة المتأسّف ما أجرأ الحدثان كيف عدا على الأ ... سد الهصور عدا، ولم يتوقف لا نستطيع سوى الدعاء فكلنا ... إلا بما فى الوسع غير مكلّف وفى سنة أربع وستين ملك نور الدين قلعة جعبر أخذها من صاحبها شهاب الدين مالك العقيلى. وكانت بنو كلب قد استأسروه، وأتوا به نور الدين، فلم يزل يلطف به وعوضه عنها عدة بلاد، حتى سلمها لنور الدين. وكانت قلعة جعبر لم تزل فى يد هؤلاء القوم من حين سلمها لهم جلال الدولة ملكشاه، لما أخذها من صاحبها جعبر، وكان شيخا أعمى [من بنى قشير يقال له جعبر بن مالك]، وله ولدان كانا يقطعان الطريق ويخيفان السبيل فقتلهما وسلم القلعة للعقيليين فلم تزل فى أيديهم إلى هذه السنة، فأخذها نور الدين من صاحبها المذكور حسبما ذكر.

стр. 3141

ذكر سنة خمس وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. [ما لخص من الحوادث] الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين، ونوابه ووزراء الحكام فى الأرض بالممالك الخليفتية. والعاضد صاحب القصر. والملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب مدبر الممالك بالديار المصرية وما معها. وفيها وصلت الفرنج-خذلهم الله-إلى ثغر دمياط، مستهل صفر، فى عدد عظيم، فبادر إليهم صلاح الدين بتقى الدين عمر ابن أخيه، وشهاب [الدين] خاله، فى جماعة من الأمراء والجند والعساكر. وكانت الفرنج-لعنهم الله-قد ضايقوا الثغر مضايقة عظيمة، حتى أشرفوا على أخذه، فخذلهم الله ، ووقع فيهم وباء ومرض، حتى لا عاد منهم من يطيق يقف على قدميه. وبادرتهم العساكر مع الأمراء والملوك المذكورين، فرحل الملاعين صاغرين عن الثغر، فى الحادى والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. وفيها بنى صلاح الدين السور الدائر بالقاهرة ومصر المحروستين، وذلك خوفا من نور الدين الشهيد. ودور هذا السور تسعة عشر ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وذراعين بالعمل؛ فما هو بالساحل وقلعة المقسم التى كانت على شاطئ النيل إلى الكوم الأحمر الذى بساحل مصر طول عشرة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع؛

стр. 3142

وما هو بين القلعة والمقسم وحائط القلعة بالجبل مجاور مسجد سعد الدولة ثمانية آلاف ذراعا وثلاثمائة واثنان وتسعون ذراعا؛ ومن جانب القلعة من مسجد سعد الدولة مقبل إلى الكوم الأحمر سبعة آلاف ذراع ومائتا وعشرة أذرع. وذلك بشاد بهاء الدين قراقوش، وهو الذى راك الديار المصرية، وهو أول روك كان بها. وسميت الدنانير القراقوشية كل دينار ثلاثة عشر وثلث. وذلك أنه قطع سعر القمح والشعير والفول فى غالب الأزمان وجمعه، فكانت جملة ثمن كل أردب ثلاثة عشر درهم وثلث، فسمى ذلك دينار جيشى. وأقطع البلاد على هذه الدنانير، فاستمرت إلى الآن. وفى أول هذه السنة جهز صلاح الدين أخاه الملك المعظم عيسى إلى اليمن، ففتحها وحصل على أموالها وحواصلها. وسبب ذلك أن صلاح الدين وأخاه المعظم كانا خائفين من الملك العادل نور الدين الشهيد، فاتفقا على أن يفتحا اليمن، فتكون لهما معقلا وحصنا، إن قوى عليهما نور الدين. وكانت إرادة الله لهما غير ذلك، حتى ملّكهما الأرض كلها. وكان صاحب اليمن قد قطع الخطبة عن ذكر الخلفاء وخطب لنفسه، ففتحها المعظم فى أول هذه السنة، وأقام بها شهورا يسيرة. واشتاق إلى أخيه صلاح الدين، فنفّذ رجلا من عقلاء قومه، وقال: «إن وجدت السلطان صلاح الدين يوما منشرحا فاطلب لى دستوره لزيارته». فلما وصل الرسول ومعه هدايا اليمن وطرفها عرف صلاح الدين ما قال أخوه، فأعجبه منه ذلك، وأنعم على الرسول، ونفذ يطلب المعظم، فحضر إليه. وفيها أبطل نور الدين الشهيد سائر المكوس بالشام، فكانت جملته خمسمائة

стр. 3143

ألف دينار وستة وثمانين ألف دينار. وكان نور الدين قد بنى البيمارستان بدمشق فى سنة اثنين وستين وخمسمائة. وكان فى سنة ثلاث قد قطع الفرات، واستولى على الجزيرة والرها، وعاد إلى منبج. وفى هذه السنة أوصى نور الدين-﵀ وبرّد ضريحه، وجعل الجنة مأواه-وعهد إلى ولده الملك الصالح إسماعيل. الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل محمود نور الدين الشهيد بن أتابك زنكى وباقى نسبه قد تقدم. ولما مات نور الدين-﵀-تحركت الفرنج بكل أرض، وأقام الملك الصالح إسماعيل أياما قلائل، ثم رحل طالبا لحلب، فدخلها وقبض على أولاد الداية. وكان أولاد الداية أجلّ أصحاب الملك الناصر صلاح الدين. ونفذ قبل ذلك الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين إلى صلاح الدين يعزيه فى والده الملك العادل، ويأمره بالخطبة والسكة له، فامتثل ذلك على رغم منه. فلما قبض الصالح إسماعيل على أولاد الداية، وجد صلاح الدين للشر بينهما سبيلا، فجيش وخرج طالبا للشام بسبب الفرنج وتحريكهم. فلما بلغ الفرنج خروج صلاح الدين فى تلك العساكر الكثيفة، سكنوا عما هموا عليه. ثم إن صلاح الدين نزل على دمشق وأخذها-والملك الصالح بحلب-وسلمها لأخيه الملك المعظم عيسى. ثم توجه إلى حلب فحاصر الصالح أياما. ثم وقع الصلح أن تكون حلب خاصة وأعمالها للملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، ويخرج عن سائر الشام. فلما تقرر ذلك عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية. وكان قد جعل أخاه الملك العادل سيف الدين أبو بكر نائبا بها، فخرج وتلقاه بأهل مصر من خلف سويس، على طريق قلعة صدر، خوفا من الفرنج.

стр. 3144

وفيها كانت زلزلة عظيمة بحلب وبعلبك ونواحيهما، وهلك فيها عالم عظيم. وانشق جبل لبنان المطل على بعلبك شقا لا يعرف له انتهاء. ودامت الزلازل شهرا، وربما كانت تزلزل فى اليوم والليلة عدة دفعات. وقيل إن جميع ما ذكرناه فى هذه السنة من وفاة نور الدين، وتمليك ولده الملك الصالح إسماعيل، وخروج السلطان صلاح الدين، وأخذه الشام من الملك الصالح إسماعيل، كان فى سنة سبع وستين، وهو الصحيح. وذلك أن نور الدين لم يمت حتى توفى العاضد صاحب القصر، ووفاة العاضد كانت فى سنة سبع وستين يوم عاشوراء، متفق على صحته. وفيها كانت فتنة السودان، وكانت فتنة عظيمة. وكان كبيرهم يسمى مؤتمن الدولة خصى. وكان متحكما فى القصر. ولما ثقلت وطأة صلاح الدين أجمع أهل القصر على مكاتبة الفرنج، فسيروا إليهم صحبة رجل جاء وجعلوه مخروزا فى نعله، فقبض عليه وأتى به إلى صلاح الدين، فعمل الحيلة حتى قتل ذلك الخصى فى قصر كان له. ثم ثاروا السودان وكان عدتهم نيف وخمسة آلاف نفر واصطلى بحربهم الأمير ابن أبى الهيجاء. وكانت الحرب بينهم فى بين القصرين يومين. وكانت لهم محلة عظيمة على باب زويلة تعرف بالمنصورية، فأرسل صلاح الدين إليها من أوقع فيها النار والحريق فى أموالهم وأولادهم. فلما بلغهم ذلك ولوا منهزمين، ثم أمّنوا بعد أن قتل منهم جماعة كثيرة. وفيها توفى قطب الدين [مودود] بن [زنكى] صاحب الموصل إلى رحمة الله تعالى. أوصى بالملك بعده لولده عماد الدين زنكى، سماه على اسم جده، فلم يتم أمره، واستقام الأمر لسيف الدين غازى أخوه، بتدبير فخر الدين عبد المسيح، فإنه كان قام بأمر النيابة بعد [زين الدين] على كوجك، فاتفق مع الخاتون ابنة حسام الدين

стр. 3145

تمرتاش جدته، وقرر الأمر لغازى. وتوجه زنكى إلى عمه نور الدين مستنصرا به. وكان عمر قطب الدين لما توفى نحوا من أربعين سنة. ومدة ملكه الموصل إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. ولما بلغ نور الدين استيلاء عبد المسيح على الأمور كره ذلك لكره منه له، فتوجه فى سنة ست [وستين وخمسمائة] إلى نحو الرقة، ثم نزل على سنجار وأخذها بعد حصار، وأعطاها لابن أخيه عماد الدين زنكى الذى حضر إليه منتظرا مستنصرا به. ثم توجه ودخل الموصل، واستقر غازى فيها نائبا عنه، وجعل بالقلعة سعد الدين كمشتكين، وقسم تركة قطب الدين بين يديه على الوجه الشرعى.

стр. 3146

ذكر سنة ست وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم سبعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين، إلى أن توفى فى هذه السنة. قتل ثامن ربيع الأول سنة ست وستين وخمسمائة-وهى هذه السنة-وله ثمان وأربعون سنة. وقيل إنه مات بالنقرس. وكان حسن السيرة، رفع المكوس فى أيامه ببغداد. وزيره شرف الدين أحمد بن محمد. والغالب على الأمور بنو سلجوق، حسبما تقدم من ذكرهم. نقش خاتمه لقبه. ذكر خلافة المستضئ بنور الله بن المستنجد بالله، وما لخص من سيرته هو أبو محمد الحسن بن يوسف بن محمد المقتفى لأمر الله، وباقى نسبه قد تقدم. أمه أم ولد، يقال لها بدور. مولده [فى] المحرم سنة ست وثلاثين وخمسمائة. بويع له عند موت أبيه، وأقام خليفة تسع سنين وثمانية أشهر، إلى أن توفى فى تاريخ ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 3147

وفيها والعاضد صاحب القصر لم يكن له أمر، وقد خلعه السلطان صلاح الدين بفتاوى الأئمة والفقهاء، حسبما تقدم من ذكر سببه. وفيها ولّى السلطان صلاح الدين القاضى صدر الدين أبو القاسم عبد الملك بن عيسى ابن درباس الحكم والقضاء بالديار المصرية وسائر أعمالها، وخلع عليه بما يليق بمثله. وفيها كان أول تملك: السلطان الأجلّ صلاح الدنيا والدين يوسف الملك الناصر هو أبو المعالى السلطان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى بن مروان، فاتح الفتوح، وقاتل كل كافر لحوح، معلى منار الإسلام، وحامى أمة النبى ﵇، مذل عبدة الأوثان، وخامد جمرة الكفر والطغيان، ومطهر البيت المقدس من رجس الشيطان، كاسر الصلبان، وراغم البطرك والقسيس والرهبان. متعه الله بالحور والولدان، فى عرصات الجنان، بكرمك يا رحمن! يا رحمن! يا رحمن! وفيها خرج السلطان صلاح الدين إلى الغزاة، وغار على الرملة وعسقلان، وعاد إلى القاهرة. وفيها خرج والتقى أهله لما قدموا من الشام، خوفا عليهم من العدو المخذول، ودخلوا إلى القاهرة سالمين. وفيها أخذ الأيلة وقلعتها، ثم خرج إلى الإسكندرية لتدبير أحوالها.

стр. 3148

ذكر سنة سبع وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق قد اختل نظامهم ببغداد، وعاد أمر الخلافة على ما كان عليه. وفيها توفى العاضد صاحب القصر، واختلف فى سبب وفاته اختلاف كثير؛ فمنهم من ذكر أنه مات حتف أنفه، ومنهم من ذكر أن السلطان صلاح الدين ضيّق عليه حتى سم نفسه فمات. ورأيت فى مسوداتى أن العاضد كانت عنده جلية السلطان صلاح، وأنه سبب زوال ملكهم. وكان عادة صلاح الدين أنه يأتى كل يوم إلى باب القصر، ويقبل العتبة، ويستأذن الزمام، فيأذن له. فقال العاضد للزمام: «إذا رأيته قد حضر ولم يقبل العتبة وجاز بغير إذن فعرفنى سرعة». فلما خلع صلاح الدين العاضد أتى ذلك اليوم ولم يقبل العتبة، وجاز بغير استئذان، فدخل الزمام وعرف العاضد ذلك. وكان فى يده خاتم بفص فامتصه، فغاصت نفسه، والله أعلم. وكان السلطان صلاح الدين-لما خلعه بمقتضى الفتاوى الشرعية المقدم ذكرها- خطب لبنى العباس فى أول جمعة من هذه السنة، بمصر. وفى الجمعة الثانية فى القاهرة وسائر الأعمال المصرية. ثم نفذ بذلك إلى سائر البلاد الشامية، والخليفة يومئذ المستضئ بنور الله. وفيها خطب أيضا لنور الدين محمود صاحب دمشق. واستولى السلطان صلاح الدين على جميع ما فى القصر من الذخائر والأموال، وحمل لنور الدين صاحب الشام حملا من أموال القصر وذخائره وجواهره وتحفه، فكان ذلك بجملة كبيرة. وفى جملة الهدية الحمارة العتّابيّة والفيل والزرافة.

стр. 3149

وفيها بطل الأذان بحى على خير العمل، وعاد إلى ما كان عليه أولا، واستمر إلى الآن، أدامه الله إلى يوم الدين. وفى ذلك يقول عرقلة الدمشقى: أصبح الملك بعد آل علىّ ... مشرقا بالملوك من آل شاذى وغدا الشرق يحسد الغرب للقو ... م، ومصر تزهو على بغداد وما حووها إلا بعزم وحزم ... وصليل الفولاذ فى الفولاذ لا كفرعون والعزيز، ومن كا ... ن بها كالخصيب والأستاذ وفيها وصل الريدكور صاحب صقلية إلى الإسكندرية وقصد أخذ الديار المصرية. وكان معه جمع عظيم، وصحبته ستين طريدة تحمل الخيول، ومائتى وخمسين شينى، فى كل شينى ثلاثمائة مقاتل. وكان السلطان صلاح الدين قد خرج إلى الشام، وهو على غزة، فأخذ من غزة إلى الإسكندرية فى أربعة عشر مرحلة، مغدى ومعشى؟؟؟. والتقى الجمعان على الإسكندرية، وجاءت الأمداد من كل جهة. وكانت وقعة عظيمة، نصر الله فيها الإسلام، وأيد أمة النبى ﵇. وهرب الفرنج وملكهم الريدكور، وفى أرقابهم سيف كل بطل من المسلمين مذكور. وغنم المسلمون غنيمة جليلة. وهذه الوقعة تعرف بوقعة الريدكور. وفيها اختلاف بين سنتى سبع وتسع، والله أعلم أيهما كانت. والذى يقارب الصحيح أن ذلك فى سنة تسع وستين وخمسمائة.

стр. 3150

ذكر سنة ثمان وستين وخمسمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين، والخطبة يومئذ له بسائر بلاد الإسلام. وانقطعت الدولة الفاطمية إلى الآن، وعاد الحق إلى نصابه، والأمر إلى صوابه. وقيل إن نور الدين الشهيد فى هذه السنة صاحب دمشق بحاله، وأن وفاته فى سنة تسع وستين. وفيها أمر السلطان بقتل جميع السودان بالديار المصرية وسائر أعمالها. وفيها توفى نجم الدين أيوب، والد السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، ثامن عشر ذى الحجة من هذه السنة. وفيها وجه السلطان أخاه فخر الدين توران شاه إلى بلاد النوبة، وفتح قلعة يقال لها بريم، وعاد ومعه جماعة من أهلها. وفيها خرج السلطان صلاح الدين إلى غزاة الكرك. ذكر منازلة الكرك وسببه كان السلطان صلاح الدين-﵀-قد اصطلح مع الإبرنز صاحب الكرك. وكان يعطى الإفرنج شيئا كثيرا لا يعلم له قيمة، ويصانعهم فيما بينه وبينهم، ويجتهد بكتمان ذلك، لا يسمع عنه أنه يصانع عن نفسه وبلاده.

стр. 3151

ووقع الصلح بينهم إلى وقت معين، بشرط أن المسافرين يسافروا والقفول لا تنقطع، والتجار لا تتعوق من الشام إلى مصر، والخفر على الإفرنج. فاتفق أن صاحب الكرك شرب ذات ليلة وسكر، وأمر الخيالة أن تنزل تقطع الطريق على المسافرين من المسلمين، فركبت الخيالة ومعهم الرجالة، ونزلوا، فأخذوا خلقا كثيرا من التجار والتركمان والفقراء والمسافرين. فلما بلغ السلطان صلاح الدين ذلك عظم عليه، وأنذر لله- -إن ظفره الله تعالى بصاحب الكرك ذبحه بيده، تقربا إلى الله بدمه، وأن يجعل حجارة قلعته على الأرض. ثم نفذ إلى سائر ملوك الإسلام، يحثهم على الغزاة، فجاءه الناس من كل فج عميق. وقدح زند الحرب، وانتدب للطعن والضرب. وخرج بنية صادقة، وقلوب على النزاة موافقة. ثم إنه نزل على الكرك، وأمر بقطع الأشجار، وأقام عليها شهرين متتابعين، ورتب عليها النقوب والزحوف، ونصب المناجنيق. وعبرت الناس تحت النقوب، وخاسفهم الفرنج، وقتل فى ذلك اليوم خلق كثير من الفئتين. وكان الملك المعظم عيسى بدمشق، حسبما سقناه من أخباره، فحضر بعساكر الشام. وكذلك قدمت الجيوش من عند صاحب الموصل سيف الدين غازى بن مودود. وجاءت سائر ملوك الإسلام. ثم إن السلطان صلاح الدين جدد من الجيوش على طبرية مع أخيه فخر الدين توران شاه. ثم قدم بنفسه، وفتحها الله تعالى على يديه، بعد ذلك مع قلعة حطين، التى مجاورة الطور. فلما بلغ ملوك الفرنج اجتماع كلمة ملوك الإسلام، انتحوا للدين الذى لهم، وقالوا: «لا بد من الموت، فموتنا فى هذه الأرض المقدسة خير لنا من غيرها». وتكاتبوا، وأتتهم النجدة من كل أرض وجزيرة، واجتمعوا مائة ألف واثنى عشر ألف،

стр. 3152

ما بين فارس وراجل، ورفعوا صليب الصلبوت يزعمهم؛ وهى قطعة خشب يدعون أنها من الخشبة التى صلب عليها المشبه بعيسى بن مريم، صلوات الله على عيسى وسلامه. ثم توجهوا بجموعهم إلى نحو السلطان صلاح الدين ليمنعونه عن طبرية وأخذها. فلما بلغ السلطان صلاح الدين ذلك جد فى سيره، وقحم خيله، حتى سبقهم إليها بيوم واحد، ونزل عليها. ثم التقى الجمعان على السطح بطبرية، وذلك يوم الجمعة الرابع والعشرين من جمادى الآخر. وحاز بينهم الليل، فباتوا على مصافهم فى سلاحهم، متوجهين إلى الله ، مستهلين له بالدعاء والتضرع، يسألوه-جل وعز-أن ينصرهم على أعدائه. فلما كان عند الصباح التقى الفريقان بأرض لوبيه. ولم يزل السيف يعمل، والرجال تقتل، ونار الحرب تشعل، إلى الليل. ولم يحجز بينهم إلا الليل. وقد حازت المسلمون الماء بأرض الجزيرة إلى الصباح. وثار الحرب بينهم، وقد اشتد بالملاعين العطش، وقوى عليهم الحر، وأوقع الله فى قلوبهم الرعب، فاشتد خوفهم. فلما كان وقت الظهر انهزمت منهم طائفة ثم تبعتها أخرى. وركب المسلمون ظهورهم قتلا وأسرا، فلم ينج منهم إلا من تعلق بجبل أو أدرك حصنا من حصونهم. وهرب القمص ونجا، واحتاط المسلمون ببقية ملوكهم، وهم صاحب الكرك المقدم ذكره، وأرناط صاحب القدس الشريف،

стр. 3153

وجفرى صاحب صقلية، وأولى صاحب جبيل، وابن صاحب اسكندرونه، وامجل صاحب مرقيّة، وفروخ صاحب بيروت. وهؤلاء الذين ذكرناهم كان كل واحد منهم عسكره نظير عسكر السلطان صلاح الدين وأزيد، وإنما نصره الله تعالى عليهم، لما علم صدق نيته فى محبة جهاد أعدائه. وأسر من الديوية والاسبتار والبنادقة والبارومية خلق عظيم. وقتل من الفرنج ما لا يحصى كثرة. وهذه الوقعة التى ذلت بها ملوك الفرنج لصلاح الدين. قال ابن واصل وهو القاضى جمال الدين قاضى قضاة حماه فى تاريخه، المسمى «مفرج الكروب فى أخبار ملوك بنى أيوب»: إن هذه الواقعة كانت فى سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، بعد رجوع السلطان من بلاد الشرق. وأقول إنه الصحيح؛ فإن صاحب التاريخ-أعنى أبو المظفر جمال الدين يوسف-الذى نقلت منه هذا التاريخ فى أخبار بنى أيوب، كان إذا ذكر واقعة، استمر على ذكرها هل يكون فى سنيها أو غير سنيها. والقاضى جمال الدين بن واصل حرر تاريخ السنين، فالرجوع إليه فى وقائع السنين أولى من غيره. والعهدة فى جميع ما أذكره على نسخ الأصل. ولعل ما آفة الأخبار إلا رواتها. ثم ضرب الدهليز السلطانى الصلاحى، وجلس السلطان صلاح الدين، وأجلس بين يديه ملوك الفرنج على مراتبهم وأقدارهم، وأجلس صاحب الكرك أسفلهم، وكان أكبرهم قدرا. وسبب إهانته غدره ونكثه، حسبما تقدم من ذكر ذلك. ثم قال له السلطان صلاح الدين: «كيف رأيت صنع الله تعالى وعاقبة الغدر والنكث؟»

стр. 3154

فأطرق إلى الأرض. ثم أمر به فكبل، ووثب السلطان فنحره بيده بين الملوك لوفاء نذره، فصلّب الجميع بأيديهم على وجوههم. ثم إنه أنفذهم إلى دمشق فى قيودهم، فاعتقلهم بها. قال ابن واصل فى تاريخه: سبب قتل البرنس صاحب الكرك وكيفيته أنه لما منّ الله تعالى بالنصر على الإسلام، أمر السلطان بالملوك، فأجلسهم فى الدهليز السلطانى، وجلس السلطان فى سرادقه، وأمر بإحضار البرنس، وأوقفه على غدره وقوله. وكان الملعون لما غدر بالقافلة التى أخذها، قال لهم: «قولوا لمحمدكم يخلصكم». فقال له السلطان: «ها أنا أنتصر لمحمد ﷺ ». ثم عرض عليه الإسلام، فأبى، فسلّ السلطان النمجاه وضربه فحل كتفه، وتمم عليه من حضر من المماليك، وسحب. فلما رآه الملك هنفرى ارتاع، وظن أنه سيكون ثانيه، فأحضره السلطان، وطيب قلبه، وقال: «إنما فعلت بهذا ما تراه لأنه تعدى طوره. وإنما الملوك لا تقتل الملوك». ثم إن السلطان أمر بقتل سائر الداوية والاسبتار، فقتلوا عن آخرهم. ثم إنه رحل إلى عسقلان، لما كان على المسلمين منها من الأذى ومنع الطرق بسببها، فإذا أخذت أمنت الطرق، وسافرت القوافل والتجار. وكانت هذه عسقلان أم تلك الديار، ومعقل عظيم من معاقل الفرنج. واجتمعت الفرنج عليها، وحاصرهم السلطان صلاح الدين، فلم يلتفتوا إلى ذلك لحصانة المكان، وكثرة رجاله، والمراكب تأتيهم بما يمتارون، فسير صلاح الدين أحضر ملوك الفرنج من دمشق، ونفذ إلى من بعسقلان يقول: «متى لم تسلمونا الحصن قتلت ملوككم». فلم يسمعوا ذلك، ولا رجعوا إليه، وردوا أنحس جواب. فاتكل على الله- -وجدّ فى حصارهم، ونصب المناجنيق. فلما تحقق الملاعين أن لا بد له من الحصن وفتحه،

стр. 3155

أرسلوا يقولوا: «سلّم إلينا ملوكنا ونحن نسلم الحصن إليك». فاتفق الحال على ذلك، وأن يسلموا إليه عسقلان وجميع حصونها، وهى: الزعقة، والعريش، والداروم، وغزة، والرملة، والنطرون، وبيت جبريل. فسلموا جميع ذلك بالأمان، وأطلق السلطان ملوكهم. وقيل إن فى هذه السنة كانت وقعة الريدكور صاحب صقلية المقدم ذكرها، والله أعلم. وفيها كسفت الشمس بعقدة الرأس، واستعرف منها النصف والثمن. وفيها قبض على جماعة من كبار المصريين، وهم: زين الدولة شبرام، والأعز العوريس، وضياء الدين بن كامل، والقاضى عبد الصمد، وعمارة اليمنى الشاعر، ومصطنع الملك، وقاضى القضاة ابن عبد القوى. وفيهم منجم نصرانى قال لهم: «أنتم تملكون من صلاح الدين بعد تسعين يوما». ونقل للسلطان ما اتفقوا عليه من مكاتبة الفرنج بالحضور، وأن يعيدوها فاطمية. فشنقوا بأجمعهم فى سوق الخيل. وفيها توفى فخر الدين داود صاحب حصن كيفا، وولى ولده نور الدين محمود.
следующие страницы →