Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ووقع الصلح بينهم إلى وقت معين، بشرط أن المسافرين يسافروا والقفول لا تنقطع، والتجار لا تتعوق من الشام إلى مصر، والخفر على الإفرنج. فاتفق أن صاحب الكرك شرب ذات ليلة وسكر، وأمر الخيالة أن تنزل تقطع الطريق على المسافرين من المسلمين، فركبت الخيالة ومعهم الرجالة، ونزلوا، فأخذوا خلقا كثيرا من التجار والتركمان والفقراء والمسافرين. فلما بلغ السلطان صلاح الدين ذلك عظم عليه، وأنذر لله- -إن ظفره الله تعالى بصاحب الكرك ذبحه بيده، تقربا إلى الله بدمه، وأن يجعل حجارة قلعته على الأرض. ثم نفذ إلى سائر ملوك الإسلام، يحثهم على الغزاة، فجاءه الناس من كل فج عميق.
وقدح زند الحرب، وانتدب للطعن والضرب. وخرج بنية صادقة، وقلوب على النزاة موافقة. ثم إنه نزل على الكرك، وأمر بقطع الأشجار، وأقام عليها شهرين متتابعين، ورتب عليها النقوب والزحوف، ونصب المناجنيق. وعبرت الناس تحت النقوب، وخاسفهم الفرنج، وقتل فى ذلك اليوم خلق كثير من الفئتين. وكان الملك المعظم عيسى بدمشق، حسبما سقناه من أخباره، فحضر بعساكر الشام.
وكذلك قدمت الجيوش من عند صاحب الموصل سيف الدين غازى بن مودود.
وجاءت سائر ملوك الإسلام. ثم إن السلطان صلاح الدين جدد من الجيوش على طبرية مع أخيه فخر الدين توران شاه. ثم قدم بنفسه، وفتحها الله تعالى على يديه، بعد ذلك مع قلعة حطين، التى مجاورة الطور.
فلما بلغ ملوك الفرنج اجتماع كلمة ملوك الإسلام، انتحوا للدين الذى لهم، وقالوا:
«لا بد من الموت، فموتنا فى هذه الأرض المقدسة خير لنا من غيرها». وتكاتبوا، وأتتهم النجدة من كل أرض وجزيرة، واجتمعوا مائة ألف واثنى عشر ألف،
стр. 3152
ما بين فارس وراجل، ورفعوا صليب الصلبوت يزعمهم؛ وهى قطعة خشب يدعون أنها من الخشبة التى صلب عليها المشبه بعيسى بن مريم، صلوات الله على عيسى وسلامه.
ثم توجهوا بجموعهم إلى نحو السلطان صلاح الدين ليمنعونه عن طبرية وأخذها. فلما بلغ السلطان صلاح الدين ذلك جد فى سيره، وقحم خيله، حتى سبقهم إليها بيوم واحد، ونزل عليها. ثم التقى الجمعان على السطح بطبرية، وذلك يوم الجمعة الرابع والعشرين من جمادى الآخر. وحاز بينهم الليل، فباتوا على مصافهم فى سلاحهم، متوجهين إلى الله ، مستهلين له بالدعاء والتضرع، يسألوه-جل وعز-أن ينصرهم على أعدائه. فلما كان عند الصباح التقى الفريقان بأرض لوبيه. ولم يزل السيف يعمل، والرجال تقتل، ونار الحرب تشعل، إلى الليل. ولم يحجز بينهم إلا الليل. وقد حازت المسلمون الماء بأرض الجزيرة إلى الصباح. وثار الحرب بينهم، وقد اشتد بالملاعين العطش، وقوى عليهم الحر، وأوقع الله فى قلوبهم الرعب، فاشتد خوفهم. فلما كان وقت الظهر انهزمت منهم طائفة ثم تبعتها أخرى.
وركب المسلمون ظهورهم قتلا وأسرا، فلم ينج منهم إلا من تعلق بجبل أو أدرك حصنا من حصونهم. وهرب القمص ونجا، واحتاط المسلمون ببقية ملوكهم، وهم صاحب الكرك المقدم ذكره، وأرناط صاحب القدس الشريف،
стр. 3153
وجفرى صاحب صقلية، وأولى صاحب جبيل، وابن صاحب اسكندرونه، وامجل صاحب مرقيّة، وفروخ صاحب بيروت. وهؤلاء الذين ذكرناهم كان كل واحد منهم عسكره نظير عسكر السلطان صلاح الدين وأزيد، وإنما نصره الله تعالى عليهم، لما علم صدق نيته فى محبة جهاد أعدائه. وأسر من الديوية والاسبتار والبنادقة والبارومية خلق عظيم. وقتل من الفرنج ما لا يحصى كثرة. وهذه الوقعة التى ذلت بها ملوك الفرنج لصلاح الدين.
قال ابن واصل وهو القاضى جمال الدين قاضى قضاة حماه فى تاريخه، المسمى «مفرج الكروب فى أخبار ملوك بنى أيوب»: إن هذه الواقعة كانت فى سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، بعد رجوع السلطان من بلاد الشرق. وأقول إنه الصحيح؛ فإن صاحب التاريخ-أعنى أبو المظفر جمال الدين يوسف-الذى نقلت منه هذا التاريخ فى أخبار بنى أيوب، كان إذا ذكر واقعة، استمر على ذكرها هل يكون فى سنيها أو غير سنيها. والقاضى جمال الدين بن واصل حرر تاريخ السنين، فالرجوع إليه فى وقائع السنين أولى من غيره. والعهدة فى جميع ما أذكره على نسخ الأصل. ولعل ما آفة الأخبار إلا رواتها.
ثم ضرب الدهليز السلطانى الصلاحى، وجلس السلطان صلاح الدين، وأجلس بين يديه ملوك الفرنج على مراتبهم وأقدارهم، وأجلس صاحب الكرك أسفلهم، وكان أكبرهم قدرا. وسبب إهانته غدره ونكثه، حسبما تقدم من ذكر ذلك. ثم قال له السلطان صلاح الدين: «كيف رأيت صنع الله تعالى وعاقبة الغدر والنكث؟»
стр. 3154
فأطرق إلى الأرض. ثم أمر به فكبل، ووثب السلطان فنحره بيده بين الملوك لوفاء نذره، فصلّب الجميع بأيديهم على وجوههم. ثم إنه أنفذهم إلى دمشق فى قيودهم، فاعتقلهم بها.
قال ابن واصل فى تاريخه: سبب قتل البرنس صاحب الكرك وكيفيته أنه لما منّ الله تعالى بالنصر على الإسلام، أمر السلطان بالملوك، فأجلسهم فى الدهليز السلطانى، وجلس السلطان فى سرادقه، وأمر بإحضار البرنس، وأوقفه على غدره وقوله. وكان الملعون لما غدر بالقافلة التى أخذها، قال لهم: «قولوا لمحمدكم يخلصكم».
فقال له السلطان: «ها أنا أنتصر لمحمد ﷺ ». ثم عرض عليه الإسلام، فأبى، فسلّ السلطان النمجاه وضربه فحل كتفه، وتمم عليه من حضر من المماليك، وسحب. فلما رآه الملك هنفرى ارتاع، وظن أنه سيكون ثانيه، فأحضره السلطان، وطيب قلبه، وقال: «إنما فعلت بهذا ما تراه لأنه تعدى طوره. وإنما الملوك لا تقتل الملوك». ثم إن السلطان أمر بقتل سائر الداوية والاسبتار، فقتلوا عن آخرهم.
ثم إنه رحل إلى عسقلان، لما كان على المسلمين منها من الأذى ومنع الطرق بسببها، فإذا أخذت أمنت الطرق، وسافرت القوافل والتجار. وكانت هذه عسقلان أم تلك الديار، ومعقل عظيم من معاقل الفرنج. واجتمعت الفرنج عليها، وحاصرهم السلطان صلاح الدين، فلم يلتفتوا إلى ذلك لحصانة المكان، وكثرة رجاله، والمراكب تأتيهم بما يمتارون، فسير صلاح الدين أحضر ملوك الفرنج من دمشق، ونفذ إلى من بعسقلان يقول: «متى لم تسلمونا الحصن قتلت ملوككم». فلم يسمعوا ذلك، ولا رجعوا إليه، وردوا أنحس جواب. فاتكل على الله- -وجدّ فى حصارهم، ونصب المناجنيق. فلما تحقق الملاعين أن لا بد له من الحصن وفتحه،
стр. 3155
أرسلوا يقولوا: «سلّم إلينا ملوكنا ونحن نسلم الحصن إليك». فاتفق الحال على ذلك، وأن يسلموا إليه عسقلان وجميع حصونها، وهى: الزعقة، والعريش، والداروم، وغزة، والرملة، والنطرون، وبيت جبريل. فسلموا جميع ذلك بالأمان، وأطلق السلطان ملوكهم.
وقيل إن فى هذه السنة كانت وقعة الريدكور صاحب صقلية المقدم ذكرها، والله أعلم.
وفيها كسفت الشمس بعقدة الرأس، واستعرف منها النصف والثمن.
وفيها قبض على جماعة من كبار المصريين، وهم: زين الدولة شبرام، والأعز العوريس، وضياء الدين بن كامل، والقاضى عبد الصمد، وعمارة اليمنى الشاعر، ومصطنع الملك، وقاضى القضاة ابن عبد القوى. وفيهم منجم نصرانى قال لهم:
«أنتم تملكون من صلاح الدين بعد تسعين يوما». ونقل للسلطان ما اتفقوا عليه من مكاتبة الفرنج بالحضور، وأن يعيدوها فاطمية. فشنقوا بأجمعهم فى سوق الخيل.
وفيها توفى فخر الدين داود صاحب حصن كيفا، وولى ولده نور الدين محمود.
стр. 3156
ذكر سنة تسع وستين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين بالديار المصرية.
ويقال إن فى هذه السنة مات نور الدين الشهيد، وأخذ السلطان صلاح الدين الشام، وملّكها لأخيه الملك المعظم عيسى، حسبما سقناه.
وأن فيها كان القبض على الجماعة المذكورين وشنقهم.
وفيها وصل أسطول صقلية إلى ثغر الإسكندرية، وأقاموا عليه أربعة أيام، وأقلعوا عنه مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة.
وفيها ظهر رجل مغربى بضيعة من أعمال دمشق-يقال لها مشغرى -ادعى النبوة-لعنه الله-وقلب رءوس خلق من الناس، وعصوا على أهل دمشق، فأرسل إليهم المعظم عسكرا، فلم يقدروا عليه-لوعارة بلدهم-وعادوا مجروحين.
وفيها خرج السلطان صلاح الدين، وكسر عساكر الموصل على تل السلطان.
وكان المواصلة أحد وعشرين ألف مقاتل.
وفيها نزل الملك المظفر تقى الدين [عمر] بن شاهنشاه على طرابلس، والتقى مع البرنز صاحب طرابلس، وكانت وقعة عظيمة، قتل فيها من المسلمين شمس الدين ابن المقدم، وسيف الدين غازى بن المشطوب، وكانا من كبار الأمراء الناصرية.
стр. 3157
قال ابن واصل: إن توجه الملك المعظم شمس الدولة أخو السلطان صلاح الدين إلى اليمن وفتحها، كان فى هذه السنة، أعنى سنة تسع وستين. وكان صاحب مدينة زبيد يسمى عبد النبى، فاستأسره المعظم، ومات فى أسره. وكذلك صاحب عدن، يسمى ياسر فأخذ أيضا ومات فى الأسر. واستناب بعدن الأمير عز الدين عثمان، وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ. وحصل المعظم على أموال عظيمة، ودفائن جليلة أظهرها لهم صاحبها عبد النبى بن محمد.
وفيها توفى نور الدين-﵀-يوم الأربعاء حادى عشر شوال من هذه السنة وهو الصحيح، بمرض الخوانيق فى مدة سبعة أيام. وكان عمره ثمان وخمسون سنة، مولده سنة أحد عشر وخمسمائة، حليته أسمر طويل، فى وجهه شعرات يسيرة، سيرته لا يدرك لها غاية فى الجودة.
стр. 3158
ذكر سنة سبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وأحد وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا، وسبعة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية، والحجاز، واليمن، وبعض أطراف المغرب. وأخوه المعظم بدمشق. والصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد يومئذ صاحب حلب. والعادل سيف الدين أبو بكر ينوب عن أخيه السلطان بالديار المصرية، إذا غاب السلطان فى أسفاره.
وفيها نافق الكنز بالصعيد، وقتل بعض أمراء السلطان، فتوجه الملك العادل نحوه إلى أسوان، وصحبته الأمير عز الدين موسك، والأمير حسام الدين أبو الهيجاء المعروف بالسمين مع جماعة من الأمراء، فلحقوه وقتلوه مع جماعة من أتباعه السودان.
وفيها خرج السلطان إلى الشام، ونزل على حلب، وحاصرها، ورحل عنها، ولم يتسلمها.
ووصل إلى السلطان الخلع من الإمام المستضئ بنور الله، وتقليد عظيم بمصر والشام.
وفيها كان جراد عظيم، وغلاء ووباء، وهلك فيه عالم عظيم فى الشرق وأعماله.
وفيها ادعى رجل النبوة، فطلبه السلطان، فهرب منه.
وفى هذه السنة-أعنى سنة سبعين وخمسمائة-كانت الوقعة بين السلطان صلاح الدين وبين عسكر الموصل والحلبيين، وكسرهم كسرة شنيعة. وفيها ملك حماة
стр. 3159
وولاها لخاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمى. وكذلك ملك حمص، وملّكها لابن عمه الملك القاهر ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه. وكانت قبل ذلك إقطاعا لأبيه شير كوه من أيام نور الدين ﵀، فملكها ناصر الدين [محمد] ثم ذريته من بعده، حسب ما نذكر منهم.
стр. 3160
ذكر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وستة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية، وما معها.
وفيها وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج-خذلهم الله تعالى-مدة؛ وكانوا قبل ذلك قد وصلوا إلى داريا بظاهر دمشق، وأحرقوا الجامع، ورحلوا من يومهم.
ثم وقعت الهدنة بعد ذلك.
وفيها كسر السلطان صلاح الدين سيف الدين غازى بن مودود-صاحب الموصل-كسرة ثانية، ونهب عسكره.
وفيها خرج صاحب خراسان الملقب بالمؤيد يريد خوارزم ليحاصرها، فظفر به وقتل، وطيف برأسه على رمح فى سائر تلك الأقاليم.
وفيها فتح السلطان صلاح الدين حصن أعزاز، وحصن بزاعة.
وفيها قفزت عليه وهو راكب الفداوية، وجرحوه، وسلم. فلما عوفى عاود النزول على حلب، فإنه بلغه أن صاحبها [هو] الذى أرسل إليه الفداوية.
وفيها فتح صيدا.
стр. 3161
ذكر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وإحدى وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين.
والسلطان صلاح الدين على حلب يحاصر صاحبها. ووقع فى هذه السنة الصلح مع صاحبها الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد، وكذلك مع جماعة ملوك الموصل وديار بكر. وكان الصلح عاما.
وعاد السلطان إلى ديار مصر، ودخل القاهرة يوم السبت السادس والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. ثم خرج إلى ثغر الإسكندرية.
وفيها توفى ألدكز أتابك سلطان. وتوفى السلطان أرسلان شاه بن طغرل بن محمد ابن ملكشاه.
وفيها نزل الفرنج على حارم وحاصروها، وأقاموا عليها أربعة أشهر. فلما بلغ السلطان صلاح الدين، خرج إليهم، فاعترضه نهر الصافية، فازدحمت عليه العساكر والجمال والأثقال، فلم يشعروا إلا وقد دارت بهم الفرنج بالخيل والرجل. وكان الجيش متفرقا فلم يلو أحد على أحد، وقتل من المسلمين خلق كثير، وأسر خلق، وتفرقوا فى الضياع. وكان مقدّم الفرنج البرنز أرناط [صاحب الكرك]،
стр. 3162
وكان قبل ذلك أسيرا عند المسلمين فى حلب، فأطلقه الحلبيون غيظا منهم على صلاح الدين. [ولم] ينكسر المسلمون قط كسرة أنحس من هذه الكسرة. وانهزم السلطان صلاح الدين على طريق البرية إلى مصر فى نفر قليل.
قال ابن واصل: فى هذه السنة كان قدوم الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه من اليمن. واجتمع بالسلطان صلاح الدين على حماه وهو عائد إلى دمشق من حصار حلب. وأنه ملكه دمشق فى هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وعاد السلطان إلى مصر.
стр. 3163
ذكر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين بمصر وقد خيم بفاقوس، ثم عاد من المخيم إلى القاهرة، ثم خرج طالبا للغزاة. وفيها كانت نوبة الرملة، وكسر السلطان، ورجع مكسورا. وفقد من العسكر خلق كثير، وقتل [شهاب الدين أحمد] ولد الملك المظفر تقى الدين، وفقد الفقيه عيسى وأخوه الظهير.
ثم خرج السلطان بعد مدة شهرين إلى الشام. وترك العادل سيف الدين أبو بكر نائبا عنه بمصر.
وفيها هبت ريح سوداء شديدة ببلاد القفجق، ووصلت إلى بلاد تفليس، ثم إلى همذان وأصبهان وأكثر بلاد كرمان، فأخربت البيوت، وقتلت البقر والغنم والخيل. وروى رجل فى دهستان زعم أنه كان بارحة ذلك اليوم فى بلاد الخزر، ومعه خيل يرعاها، فهبت الريح واحتملته، ورمت به فى دهستان، ولا يعلم أمره.
ومن المسافتين خمسة عشر يوما. ذكر ذلك صاحب تاريخ بغداد.
стр. 3164
ذكر سنة أربع وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة عشر أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين بمصر. وقيل فى هذه السنة كانت نوبة الرملة المقدم ذكرها.
وفيها كان قران زحل والمريخ فى السرطان، وكانت فتن عظيمة بالشرق بين الملوك.
وفيها فتح قصر يعقوب بالسيف عنوة.
وفيها انكسرت الفرنج كسرة عظيمة، وأخذت أبطالهم أسرى. وقيل بل فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة كانت كسرة الفرنج.
وفيها توفى [سيف الدين] غازى بن مودود بن زنكى صاحب الموصل.
وكانت مدته فى ملك الموصل ثلاث عشرة سنة.
стр. 3165
وفيها بنى باب البحر الذى بالمقسم والسور المحاذى له.
стр. 3166
ذكر سنة خمس وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستضئ بنور الله أمير المؤمنين، إلى أن توفى فى هذه السنة، مستهل شهر ذى القعدة. وزيره عضد الدين أبو الفرج. مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر. صفته أسمر بحمرة، تام القامة.
ذكر خلافة الإمام الناصر لدين الله
ابن المستضئ بنور الله، وخبره
هو أبو العباس بن أحمد الناصر لدين الله بن أبى محمد الحسن المستضئ بنور الله، وباقى نسبه قد تقدم. أمه أم ولد تدعى نرجس. بويع له يوم وفاة أبيه، ﵀. ولم يزل نافذ الأمر فى خلافته، مطاعا فى جميع أقطار الأرض بالممالك الإسلامية.
وفى أيامه كان بدء خروج التتار على بلاد العجم. وجرى لهم مع السلجوقية ملوك العجم حروب ووقائع، وأهوال وعجائب، يشيب لهولها الأطفال. وسأذكر أول بدء شأن هؤلاء القوم وأصولهم الأصلية، وبلادهم الأولية. وأذكر أول أب لهم، المتولدين عنه، المسمى بقرا جكون برجكى باللسان المغلى، معناه بالعربى «فرخ السبع الأسود». وهو جد جد، جكزكان ترجى، ولعله لم يذكر فى تاريخ غيره.
стр. 3167
وسأذكر الكتاب الذى نسخته منه وسبب تحصيله. وجميع ذلك أذكره عند أخذهم لبغداد، واستيلائهم على البلاد، ليكون الكلام سياقه يتلو بعضه بعضا، إن شاء الله تعالى.
وكانت مدة خلافة الإمام الناصر سبع وأربعون سنة وأشهر. وهو الذى امتدحه كمال الدين بن النبيه بقصيدته، التى هى أول ديوانه، وأولها:
بغداد مكتنا وأحمد أحمد ... حجوا إلى تلك المناسك واسجدوا
وهذا من التغالى الذى يخرج إلى الكفر. وكمال الدين-عفا الله عنه-من الشعراء المجدين، لو سلم فى شعره من التجاسر الذى لا يليق أن يذكر، كقوله أيضا فى قصيدته التى أولها:
قمت ليل الصدود إلا قليلا ... ثم رتلت ذكركم ترتيلا
فهذا فيه إقدام على القرآن العظيم، ولا يجوز البتة، لما فيه من المعارضة.
وابن النبيه المذكور مادح الملك الأشرف موسى، وله فيه نخب القصائد، فلو سلم مما ذكرناه لذكرناه. وديوانه أشهر من أن يذكر.
وفى هذه السنة أنعم السلطان صلاح الدين ببعلبك على ابن أخيه عز الدين فرخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، ولقب الملك المنصور. ولم يزل مالكها إلى أن توفى فى حياة السلطان صلاح الدين، فصارت لولده الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه. فلم يزل مالكها حتى أخذها منه الملك الأشرف [مظفر الدين] موسى بن العادل الكبير سنة سبع وعشرين وستمائة. وفيها توجه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بمرسوم السلطان من دمشق إلى الديار المصرية، وأنعم عليه السلطان بإسكندرية، فأقام بمصر إلى أن توفى فى تاريخ ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 3168
ذكر سنة ست وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مدبر الأمور بنفسه، والأمور راجعة إلى حكمه، ليس عليه حجر من ملك من الملوك، ولا وزير من الوزراء.
وبنو سلجوق يومئذ ملوك الشرق بكماله، وملكهم قد اتصل بالهند والصين وصحراء القفجاق، كما يأتى ذكرهم فى مكانه، مع ما تقدم من ذكر بدء شأنهم فى الجزء الذى قبله.
والسلطان صلاح الدين ملك الديار المصرية، والحجازية، واليمنية، والشامية، وبلاد برقة. وبنو عبد المؤمن ملاك المغرب بكماله. وجزيرة الأندلس متفرقة الأجزاء والممالك، مع عدة ملوك، من حين انقطعت دولة الأمويين، حسبما ذكرناه فى الجزء المختص بذكر بنى أمية، وهو الجزء الثالث من هذا التاريخ.
وفيها خرج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية بنية الغزاة، وخلف أخاه الملك العادل نائبا عنه بالديار المصرية، وتوجه إلى ديار بكر وبلاد الأرمن، وفتح حصن المناقير من بلادهم.
وفيها توفى الملك المعظم [شمس الدين توران شاه] أخو السلطان بثغر الإسكندرية، رحمه الله تعالى.
وفيها وصلت رسل الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين من بغداد، وهما الإمام صدر الدين بن شيخ الشيوخ أبو القاسم عبد الرحيم، والأمير شهاب الدين
стр. 3169
ابن بشير الخادم الناصرى، بالخلع والتقليد بمصر والشام، وما معهما؛ وذلك فى شعبان من هذه السنة.
وفيها عاد السلطان صلاح الدين إلى الديار المصرية، وسلم الشام لابن أخيه الملك المنصور عز الدين فرخشاه.
وفيها نافقت عرب سليم بالبحيرة، فخرج إليهم الأمير أبو الهيجاء، فكسرهم.
وكان العرب فى ستين ألفا، وأبو الهيجاء فى ألفى فارس. وغنموا أموالهم وجمالهم، حتى أبيع كل خمس جمال بدينار، وكل خمسين رأس غنم بدينار.
وفيها بنيت قلعة الجبل بالقاهرة المعزية.
وفيها توفى الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد.
وفيها ولدت امرأة بمصر غرابا، وأحضر بين يدى السلطان صلاح الدين بحضرة القضاة. وكان من عجائب الدنيا، والله أعلم.
قال ابن واصل: فى هذه السنة كانت وفاة سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى.
واستولى على ملك الموصل أخوه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن آقسنقر. وكانت وفاة غازى ثالث صفر من سنة ست وسبعين وخمسمائة.
стр. 3170
ذكر سنة سبع وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشرة ذراعا وخمسة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين.
والسلطان صلاح الدين قد توجه إلى ثغر الإسكندرية.
وفيها بلغ السلطان عن نواب الملك المعظم باليمن، وهما ابن الزنجبيلى والى عدن، وحطّان بن منقذ والى زبيد، أن وقع بينهما اختلاف كبير، أحدث إلى حرب، فخشى أن يفسد الأمر بينهما، فتخرج المملكة. فسيّر نائبا عنه إلى اليمن، وهو الأمير صارم الدين خطلبا، وكان والى مصر. ثم توجه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب إلى بلاد اليمن، بعد سير الصارم والى مصر لقطع الفتن التى حدثت باليمن. وكان توجهه فى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. ووصل إلى زبيد وملكها، وقبض على حطان، وأخذ منه أموالا عظيمة. وقال ابن واصل: إن من جملة ما أخذ له سبعين غلافا من غلف الزرد مملوءة ذهبا، وقوّم المأخوذ منه بألف ألف دينار عين مصرية.
стр. 3171
وفيها تسلم عز الدين مسعود بن مودود قلعة حلب، بوصية من [الملك الصالح إسماعيل] بن نور الدين له.
وفيها خرج الملك محمد الغورى إلى الهند، وعدة عسكره ثلاثمائة ألف وتسعون ألف سوى الرجالة، وكان فى صحبته أربعمائة فيل، ففتح الهند من الكفر.
قال ابن واصل: لما خرج السلطان إلى الشام، وبرز من القاهرة، وخرجت الناس إلى وداعه، بينما هو فى سرادقه، والعلماء والفضلاء بين يديه، وكل منهم ينشد بيتا أو بيتين فى الوداع، إذ أخرج أحد مؤدبى أولاده رأسه، وأنشد مظهرا بذلك فضيلته لهذا البيت:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
قال: فحمد نشاط السلطان، وانقبض انبساطه، وجعل الجماعة ينظرون بعضهم إلى بعض متعجبين، من سوء أدب المؤدب. وكأنه والله نطق بما هو كائن فى الغيب، فإن السلطان فارق الديار المصرية هذه النوبة، واشتغل بما سنذكره من الفتوحات والغزوات، وتمادى الحال إلى أن قضيت منيته بدمشق، ولم يعد بعدها إلى الديار المصرية. فكان الفال موكل بالمنطق. ثم سار السلطان متوجها إلى الشام لخمس مضين من المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
وفيها طلع الفرنج إلى أيلة، وعمروا مراكب وشوانى، وركبوا بحر القلزم، وقطعوا البحر، ونزلوا على عيذاب، وأخذوا عدة مراكب الكارم، وهى موسوقة بهارا وبضائع، وقتلوا من أهل عيذاب جماعة كثيرة، فإنهم لم يتحققوا أنهم فرنج، لأنهم لم يعهدوا هذا قط، ولا دخلت إليهم فرنج من طول الأعمار، سوى هذه النوبة. والفرنج الذين فعلوا هذه الفعلة من أصحاب البرنز [أرناط] صاحب الكرك.
فلما بلغ السلطان ذلك أحضر أسطول المراكب من السويس، وعمر بها مراكب حربية فى أسرع وقت وأقربه، وشحنها بالرجال والعدد، وجعل المقدم عليهم
стр. 3172
حسام الدين لؤلؤ. ثم رموا المراكب البحر من السويس، وقصدوا الملاعين الفرنج، فصادفوهم فى أرض الحوراء، فاقتتلوا قتالا شديدا، واحتاطت بهم المسلمون، وأخذوهم، وعادوا بأموالهم إلى عيذاب، ودخلوا بهم قوص، ثم إلى مصر. وكان دخولهم يوما عظيما.
وفيها ظهر بالغربية من عمل المحلة بالديار المصرية، بقرية تسمى الكنيسة، عين ماء. وذكر بعض النصارى أنه رأى فى المنام أن هذه العين تبرئ من سائر العلل، فقصدها الناس من جميع الأقطار، وأقاموا عليها أياما، ولم يظهر لهم من ذلك أثر.
وفيها سير السلطان صلاح الدين إلى اليمن سيف الإسلام طغتكين، وأن يكون نائبا بها، فاستقر بها حتى توفى، رحمه الله تعالى، فيما يأتى من خبره، إن شاء الله تعالى.
стр. 3173
ذكر سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وأحد وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأصبعان.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، قائم الأمر، مستمر السلطان، نافذ الحكم فى أقطار الأرض.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها.
وفيها غزا السلطان طبرية، وبيسان، ثم توجه إلى الفرات، واجتمع بمظفر الدين.
ودخل مظفر الدين تحت الطاعة. وكذلك وصل إليه رسول صاحب حصن كيفا -وهو نور الدين محمود بن قرا أرسلان-يسأل أن يكون تحت الطاعة، ويصير من الحاشية.
وفيها توجه السلطان صلاح الدين إلى الرها وحران والرقة والخابور ونصيبين، وملكهم. وتوجه إلى الموصل وحاصرها، ولم يزل عليها حتى وصل إليه رسل الخليفة شافعين إليه بالإعفاء عنهم، فرحل عنهم. ثم توجه إلى سنجار وملكها.
وفيها ملك سيف الإسلام [ظهير الدين طغتكين] اليمن، وقتل حطان ابن منقذ وأخذ جميع ماله، فكان من جملة ما وجد فى سلاح خاناته أربعمائة زردية ذهب عين أبريز. وهرب ابن الزنجبيلى بجميع ماله، ولحق بالسلطان صلاح الدين.
стр. 3174
وفيها عدى أبو يعقوب بن عبد المؤمن ملك المغرب إلى جزيرة الأندلس، فنزل على شنترين يحاصرها، وكان عدة عسكره مائتى ألف وستين ألف، فخامر عليه وزيره ابن المالقى، فرحل عنها، ولم يبلغ أربا منها.
стр. 3175
ذكر سنة تسع وسبعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم سنة أذرع، وأحد وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الملك، نافذ الأحكام.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها، وهو بلاد الشرق.
فيها فتح [السلطان صلاح الدين] آمد وملّكها لنور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا.
ثم عاود [صلاح الدين] النزول على حلب، وفتحها، وملكها فى صفر. وكان القاضى محيى الدين بن زكى الدين قاضى القضاة بدمشق، فكتب إلى السلطان صلاح الدين يهنيه بالفتح، بقصيدة من جملتها يقول:
وفتحكم حلبا بالسيف فى صفر ... مبشر بفتوح القدس فى رجب
فكان الأمر كذلك. ومدح السلطان صلاح الدين القاضى السعيد بن سناء الملك، بقصيدة يقول فى أولها:
بدولة الترك عزّت ملّة العرب ... وبابن أيوب ذلّت شيعة الصلب
وفى زمان ابن أيوب غدت حلب ... من أرض مصر وعادت مصر من حلب
ولابن أيوب دانت كل مملكة ... بالصفح والصّلح أو بالحرب والحرب
مظفّر النصر مبعوث بهمته ... إلى العزائم مدلول على الغلب
والدهر بالقدر المحتوم يخدمه ... والأرض بالخلق والأفلاك بالشّهب
وتجتلى الخلق من راياته همما ... مبيضّة النصر مصفرّة العذب
стр. 3176
ومنها:
بك العواصم طابت بعد ما خبثت ... بمالكيها ولولا أنت لم تطب
فليت كل صباح در شارقة ... فذا ليل فتى الفتيان فى حلب
ولما فتح السلطان حلب طلبها منه أخوه الملك العادل، فأحضره من ديار مصر، وسلمها له، فلم تزل فى يده إلى سنة ثمانين، فخرج عنها وسلمها للملك الظاهر، حسبما نذكر.
وملك السلطان فى هذه السنة حارم، وعاد إلى دمشق مؤيدا بالنصر، وقد عاد ملك العصر. واستدعى الملك العادل سيف الدين أبو بكر من الديار المصرية، وملكه حلب. ونفذ الملك المظفر تقى الدين عمر ابن أخيه إلى مصر نائبها بها عنه.
وفيها ظهر بقرية من قرى ديار مصر تعرف ببوصير السدر بيت هرمس الثانى، ووجدوا فيه أشياء كثيرة، من جملتها كباش وضفادع معادن مصنوعة، وقوارير دهنج، وفلوس نحاس فيها فضة، وأصنام من نحاس، وموتى عدة خمسة آلاف نفر-رجال ونساء-وأكفانهم سالمة لم تبل. وسفى السافى على الباقى فلم يصلوا إليه.
وفيها عزم السلطان على فتح القدس الشريف، فإنه لم يبق بالوجه القبلى من البلاد بأيدى الفرنج غيره وعكا وصيدا، وقليل من بلاد الساحل، فاهتم لفتحهم غاية الاهتمام، كما يأتى من شرح ذلك.
стр. 3177
وفيها توفى تاج الملوك بورى بن أيوب، أخى السلطان صلاح الدين. وكان جرى على حلب فتوفى منه فى ثالث وعشرين صفر من هذه السنة، رحمه الله تعالى.
وكان عمره اثنتين وعشرين سنة. وكان فاضلا، أديبا، شاعرا، وله ديوان شعر، فمن ذلك فى ذكر الصوم على سبيل المداعبة، يقول:
رمضان بل مرضان، إلا أنهم ... أخطوا إذا فى قولهم وأساءوا
مرضان فيه تخالفا، فنهاره ... سلّ، ولكن ليله استسقاء
стр. 3178
ذكر سنة ثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وثلاثة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الأحكام، مطاع الأوامر.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها.
وفيها غزا السلطان الكرك من دمشق. وخرج إلى خدمته الملك المظفر تقى الدين بالعساكر المصرية. وعاد إلى دمشق، ثم رجع المظفر إلى مصر بجيوشه.
وفيها فتح سيف الإسلام أكثر معاقل اليمن، وقوى بها سلطانه.
وفيها وقع خلاف بين الأتراك والأكراد، وقتل بينهم خلق كثير.
وفيها عدى السلطان صلاح الدين الفرات، ونزل الموصل وحاصرها، ووقع الصلح بينه وبين عز الدين صاحبها.
وفيها توفى شاه أرمن صاحب أخلاط، ولم يخلف غير بنت واحدة، فقام بمملكة أخلاط مملوكه سيف الدين بكتمر.
وتوفى قطب الدين صاحب ماردين، وكذلك توفى نور الدين بن فخر الدين صاحب آمد، ﵏ أجمعين.
وفيها كان الخلاف من أهل ديار بكر والجزيرة. وكذلك كان الخلاف بين كثير من ملوك الدنيا فى هذه السنة من سائر الأجناس، وقتل خلائق لا تحصى.
وفيها فتح السلطان صلاح الدين ميافارقين، وقتل عليها خلق كثير.
стр. 3179
وفيها حكم المنجمون بأن يأتى هواء عظيم، ويهلك منه عالم عظيم، إلا من دخل المغائر، حتى أن قليج أرسلان صنع مغائر وسروب تحت الأرض، وسقفها بالأخشاب، وجعل فيها ما يحتاج إليه. وخرج هو وعياله وأهله وباتوا تلك الليلة التى زعم المنجمون أن يكون فيها ذلك الريح، فلم يجر شئ من ذلك.
وفيها تسلم السلطان صلاح الدين شهرزور.
وفيها خرج الملك العادل سيف الدين أبو بكر عن حلب، وتسلمها الملك الظاهر ابن أخيه، وتوجه العادل إلى مصر. وفيها فتح السلطان صلاح الدين صفد فى مدة أحد عشر يوما، ودكها دكا إلى الأرض، وامتدح بهذه القصيدة التى منها يقول:
بجدك أعطاف القنا تتعطّف ... وطرف الأعادى دون مجدك تطرف
شهاب غدا فى ظلمة الشرك ثاقب ... وسيف إذا ما هزه الله مرهف
وقفت على حصن المخاض وإنه ... لموقف صدق لا يوازيه موقف
وما أشرقت أعلامك الصفر سحرة ... إلى أن عادت أعلامها السود تكسف
ولا ضربت كوسات نصرك ساعة ... إلى أن غدت أكباد أعدائك ترجف
كبا من أعاليها صليب وبيعة ... وساد بها دين حنيف ومصحف
نصحتكم يا أمة الكفر فاسمعوا ... نصيحة من قد جاء بالله يحلف
لقد قلت أنا ما لكم لا سمعتموا ... دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف
стр. 3180
ذكر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وتسعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا فقط.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، بحاله. والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها.
وفيها توجه إلى الموصل ووصل إليه معين الدين سنجر شاه صاحب الجزيرة، ودخل تحت الطاعة. ثم توجه إلى دياربكر، وتمكن من ذلك الجانب، ثم عاد إلى الموصل. وحصل الصلح بينه وبين المواصلة، وخطبوا له بالموصل. وفيها مرض السلطان مرضة خطرة، وعوفى ولله الحمد. وفيها وصل إليه رسل الخلافة بالخلع العظيمة، وتوقيع بإضافة ماردين مع حصن كيفا إليه. وأزيد فى التوقيع ألقابا تليق بمثل سلطانه.
وفيها توفى الملك القاهر ناصر الدين محمد بن شير كوه صاحب حمص، ليلة عيد الأضحى من سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وقام بمملكة حمص الملك المجاهد أسد الدين شير كوه ولد ناصر الدين محمد المتوفى، وذلك بإنعام السلطان صلاح الدين عليه بذلك.
وعمره يومئذ اثنى عشر سنة. فلم يزل مالكا حمص وأعمالها إلى أن مات فى سنة سبع وثلاثين وستمائة. وكانت مدة ملكه نحوا من ست وخمسين سنة. وملك بعده ولده الملك المنصور إبراهيم، وتوفى فى دمشق سنة أربع وأربعين وستمائة. وملك بعده الملك الأشرف موسى بن إبراهيم، فأخذها منه الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازى-صاحب حلب-فى سنة ست وأربعين
стр. 3181
وستمائة. ولم يزل مالكها حتى [وطئت التتر البلاد وملكوها سنة ثمان وخمسين وستمائة، فأعادوا حمص إلى الملك الأشرف موسى بن الملك المنصور. ثم لما رجعت البلاد إلى المسلمين أقره عليها الملك الظاهر ركن الدين بيبرس. ثم توفى الملك الأشرف فى سنة اثنتين وستين وستمائة، وهو آخر من ملك حمص منهم].
стр. 3182
ذكر سنة اثنين وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع واثنى عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرين أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها. وقد رجع إلى دمشق مظفرا منصورا. واستدعى ولده الأفضل-وهو الأكبر من ولده-وملّكه دمشق. واستدعى تقى الدين الملك المظفر من مصر. وملّك مصر لولده الملك العزيز، ونفذ معه عمه العادل لتدبير أحواله بها. وملّك حلب لولده الظاهر.
قال ابن الأثير فى تاريخه: إن السبب الذى فعله السلطان فى سنة اثنتى وثمانين وخمسمائة من نقل الملك العادل أخيه عن حلب وتوليتها لولده الملك الظاهر، ونقل الملك المظفر عن مصر وتوليتها لولده الملك العزيز، أن السلطان لما مرض وعوفى، وسار إلى الشام، سايره يوما علم الدين سليمان بن جندر، فجرى بينهما حديث، فقال له سليمان: «يا خوند بأى رأى كنت تظن أن وصيتك تمضى وأن أمرك يقبل، كأنك كنت تظن أنك تمضى إلى الصيد، وترجع فلا يخالفوك. بالله أما تستحى أن يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة». فقال صلاح الدين وهو يتبسم من كلامه:
«كيف ذلك؟». قال: «إذا أراد الطائر يعمل عشّا لفراخه قصد أعالى الشجر ليحمى فراخه. وأنت سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت أولادك على الأرض. هذه حلب مع أخيك العادل، وحماه بيد المظفر، وحمص بيد المجاهد. وأحد بنيك بمصر تحت حجر تقى الدين، يخرجه منها متى أحب». فقال: «والله صدقت فاكتم ما معك».
ثم اهتم فى تمليك بيته، وكان أمر الله غير إرادته.
стр. 3183
وفيها توجه قراقوش-مملوك تقى الدين-إلى بلاد المغرب، واستولى على بلاد القيروان، فالتقاه أبو يعقوب بن عبد المؤمن بظاهر مدينة تونس، فكسره قراقوش فى يوم الجمعة سادس عشر ربيع الأول، واستولى على البلاد، وخطب فى تونس مع سائر تلك النواحى للسلطان صلاح الدين. ثم إن أبا يعقوب حشد عالما عظيما وكرّ على قراقوش فكسره، ومضى هاربا إلى أشبيلية.
стр. 3184
ذكر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام.
وفيها كان فتح القدس الشريف وغيره.
ذكر فتح القدس الشريف
وذلك أن السلطان صلاح الدين لما تفرغ وجهه من بلاد الشرق كله، وأطاعته سائر ملوكه، أفرغ همته العلية، وفكرته الصالحة، إلى تطهير البيت المقدس من أرجاس الكفر، وخبث الفرنج. وكان ذلك إلهاما من الله ، وتأييدا للإسلام. وكان يومئذ بالقدس الشريف البطرك الكبير، الذى جميع أهل الصليب يعظمونه ويعتقدونه. وكان بها الباب ابن بارزان صاحب الرملة. وكان فيه خلق عظيم، لا يحصيهم إلا الله تعالى. فلما بلغهم قصد السلطان إليهم حشدوا وتجمعوا من كل فج عميق. وسيّر البطرك يستصرخ بملوك الإفرنج، ويحرم عليهم، ويقول لهم:
«الموت عليكم بهذه الأرض المقدسة أخير لكم مما تسلمون بيت معبودكم». وبلغ السلطان ذلك فقال: «نعم نأخذه منهم بحول الله وقوته، ونخرب بيوتهم، ونكسر لاهوتهم، ونهدم القمامة التى يدعون أنها القيامة، محل صلاتهم وقبلة ضلالهم».
стр. 3185
ثم نزل السلطان صلاح الدين بجيوشه، والنصر قد حفّه، والملائكة ترفرف بأجنحتها عليه، فى العشر الأول من شهر رجب الفرد من هذه السنة. ونصب عليها المناجنيق والعرادات، ووقع الزحف والقتال، واقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد بمثله من قبله. فلما تعين للفرنج قلة النجاح، وأن المسلمين مستظهرين بالنصر والفلاح، وأن لا بد أن يكون عوض ناقوسهم «حىّ على الصلاة حىّ على الفلاح»، وأن أمائر النصر قد لاحت، وروائح الفتح قد فاحت، أجمعوا رأيهم فى طلب الأمان، ونفذوا بذلك رسولا إلى السلطان صلاح الدين، فامتنع من ذلك. وكان الفرنج لما ملكوا القدس الشريف من المسلمين قتلوا جميع من كان فيه من المسلمين، ولم يبقوا على رجل منهم، وكان ذلك فى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ونحروا أولاد المسلمين ونساءهم، ولم يبقوا فى حق المسلمين مجهودا من كل شر. فقال السلطان صلاح الدين: «ما نفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله لما ملكتموه». فأيقن الفرنج بالهلاك، فاجتمعوا وضربوا بينهم رأيا أجمعوا عليه. ثم إن الباب ابن بارزان سيّر طلب من السلطان أمانا لنفسه، وطلب الحضور بين يدى السلطان، فأنعم له بذلك، وأحضره، وأكرمه، وأجلسه بين يديه.
فلما رأى الملعون إكرام السلطان له، طمّعته نفسه فى طلب الأمان لأهل الحصن، فصعب على السلطان ذلك، وقال: «ما بقى أمان لا لك ولا لهم-ونهره- ولا عدت أفعل بكم جميعكم إلا كما فعلتموه بأهله عند فتحكم له». فقال الباب: «حفظ الله السلطان، عندى جواب إن أمنتنى من العطب ذكرته بين يديك». فقال: «قل وأنت آمن». قال: «إن السلطان يعلم أن فى هذا الحصن خلق عظيم. وإنا لا نطلب الأمان خوفا من الموت، فإن الموت لنا فى هذه الأرض المقدسة خير من الحياة. وإنما شفقة منا على الأطفال والعيال. وقد اتفقنا على رأى، فعن إذن السلطان أقوله». قال:
стр. 3186
«قل». قال: «يعلم السلطان-حفظه الله-إن اجتمع فى هذا الحصن من الفرسان والأبطال ما لم يجتمع فى غيره، وأنهم لا يفرون من الموت، ولا يرغبون فى الحياة.
وأنا إذا حققنا الموت والله والله والله-كذا يحلف الملعون-لنقتلن كل أسير عندنا من المسلمين، ويكون ذلك فى ذمة السلطان. ثم نقتل بعد ذلك أولادنا ونساءنا، ونحرق جميع أموالنا وأمتعتنا، ولا نترك لنا درهم ولا دينار، ولا ندعكم تأسروا منا رجلا واحدا، ولا صبى واحد، ولا امرأة واحدة. وإذا فرغنا من ذلك أحرقنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من الأماكن الشريفة عندكم. ولا نترك لنا دابة ولا مركوبا إلا أتلفناه. ثم نخرج إليكم عن يد واحدة، فنقاتلكم قتال الموت، وهو من يموت كريما، فلا يقتل الرجل منا حتى يقتل أمثاله. ولا نزال كذلك حتى نموت عن آخرنا، أو يفعل الله فينا حكمه. وأما قول السلطان إن الذين أخذوا القدس من الفرنج من قديم فعلوا ما فعلوا بالإسلام، فالقاتل والمقتول، والظالم والمظلوم، لهم إله يختصمون بين يديه. ولا يحل للسلطان أن يأخذنا نحن بذنوب غيرنا ممن سلف. وإن الذين كانوا فيه من المسلمين لو صبروا لكان خيرا لهم. وأما نحن فكما أنهيت من الحال بين يدى السلطان حفظه الله». فأمر السلطان صلاح الدين بخيمة فضربت له، وأنزل فيها، ثم طلب أكابر دولته، واستشارهم فيما قاله الباب، فقالوا: «بل الرأى أن يعطيهم السلطان الأمان، فهو خير مما ذكروه». فأمنهم السلطان، وتسلم البيت المقدس يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر رجب من هذه السنة.
وكان يوما مشهودا. ودخل السلطان صلاح الدين إلى الصخرة الشريفة المقدسة وهو فى غاية الفرح والسرور، إذ جعله الله تعالى فى هذا الفتح ثانى عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وسيرت البشائر إلى سائر البلاد الإسلامية. وفى ذلك اليوم طلع القاضى محيى الدين بن القاضى زكى الدين، وخطب.
стр. 3187
ذكر خطبة القاضى محيى الدين
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾».
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾».
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾».
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، قَيِّماً﴾. . . الآية».
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ، وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى»﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماااتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾» الآية.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ﴾» الآية.
الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بكفره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافر بكفره. الذى قدر الأيام دولا، وجعل العاقبة للمتقين تفضلا، ورفض عبادة من ضله، وأظهر دينه على الدين كله. القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه، ونصرته لأنصاره، وتطهيره لبيت المقدس من أنجاس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره، وظاهر شكره.
стр. 3188
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، شهادة من طهّر بالتوحيد قلبه، ورضى به ربه.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دافع الشرك، ورافع الإفك، الذى أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى.
صلى الله عليه وعلى خليفته أبى بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى عمر ابن الخطاب الذى أول من رفع عن هذا البيت شعائر الصلبان، وعلى عثمان بن عفان ذى النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب مزيل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله والتابعين لهم بإحسان. . .».
ثم ذكر الإمام الناصر لدين الله، ودعا له وللسلطان صلاح الدين. وكانت صلاة جمعة ما رأى الناس مثلها، لما حصل للناس فيها من الخشوع الزائد، والسرور المتزايد.
ومما لخص من الخطبة فصل فى الدعاء للسلطان:
«اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامى عن دينك الدافع، والذاب عن حرمك وحرم رسولك الممانع، السيد الأجل، والكهف الأظل، الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهّر بيت المقدس، أبى المظفر يوسف صلاح الدين بن أيوب، محيى دولة أمير المؤمنين. اللهم عمّ بدوامه البسيطة، واجعل ملائكتك المقربين براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفى جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه. اللهم أبق للإسلام والمسلمين مهجته، ووف للإيمان حوزته، وانشر فى المشارق والمغارب دعوته. اللهم كما فتحت به البيت المقدس، بعد ما ظنت به الظنون، وابتلى المؤمنون، فافتح على يديه دانى الأرض وأقاصيها، وملكه بكرمك وفضلك صياصى الكفر
стр. 3189
ونواصيها، ولا يلقى منهم كتيبة بقوتك إلا مزقها، ولا جماعة بعزتك إلا فرقها، ولا طائفة بقهرك إلا ألحقها بمن سبقها.
اللهم اشكر له عن محمد- ﷺ -سعيه، وأنفذ فى المشارق والمغارب أمره ونهيه، وأصلح به اللهم برحمتك أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك وأكنافها.
اللهم ذل به معاطس آناف الكفار، وأرغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب ملكه برحمتك على الأمصار، وأثبت سرايا جنوده فى سبيل الأقطار.
اللهم ثبّت الملك فيه وفى عقبه إلى يوم الدين، واحفظه فى بنيه وبنى أبيه الملوك الكرام الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم. اللهم وكما أجريت على يديه فى الإسلام هذه الحسنة التى تبقى على الأيام، وتتخلد على مرور الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدى الذى لا ينفد فى دار المتقين، وأجب دعوته ودعاءه فى قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى االِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ»﴾.
ونقل السلطان إلى البيت المقدس المنبر من حلب. وكان هذا المنبر قد أمر بعمله الملك العادل نور الدين الشهيد، لما كانت نفسه الزكية تحدثه أنه سيفتح القدس الشريف، فعمل هذا المنبر قبل فتح القدس الشريف بنيف وعشرين سنة.
قال صاحب هذا النقل: وكانت الفرنج-لعنهم الله-قد بنوا على الصخرة المقدسة كنيسة، وقطعوا منها جملة كبيرة، وغيروا أوضاعها، وبنوا على حيطانها أشباه الخنازير، وعملوا بها مذبحا، وعينوا بها مواضع الرهبان، ومحط الإنجيل، وأفردوا فيها لموضع القدم قبة صغيرة، مدهونة، ما بين الأعمدة الرخام. فلما نظر السلطان صلاح الدين إلى ذلك عظم عليه، وأمر أن تمحى جميع تلك الآثار. وأزال عن الصخرة ذلك البناء، وأبرزها حتى ينظر إليها. ولم تكن قبل ذلك يظهر منها إلا قطعة يسيرة.
وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعة كبيرة، وسيروها إلى القسطنطينية،
стр. 3190
وكذلك إلى صقلية، فكانوا يبيعون منها ملوك الفرنج وزنا بوزن من الذهب. وقيل إن بعض ملوك الفرنج خرج عن ملكه، وتولى خدمة ستارة الصخرة، إشفاقا عليها.
وكان كل ملك يأتى إلى زيارة القدس يتقصد أن يأخذ منها قطعة، بحسب البركة.
فلما بلغ السلطان صلاح الدين ذلك أمر الفقيه ضياء الدين الهكارى أن يكون أمينا عليها. ثم أدار عليها صفائح من حديد. ثم حضر الملك المظفر تقى الدين عمر، وأحضر صحبته أحمالا من دمشق مملوءة ماء ورد، وتولى غسل قبة الصخرة بنفسه.
ثم أتى الملك الأفضل، وفعل كذلك.
ثم رتب السلطان صلاح الدين فى جامع الأقصى من يقوم بوظائفه، ورتب فى قبة الصخرة إماما حسنا، وأوقف عليه وقفا جيدا. وحمل إلى الجامع الأقصى مصاحف وختمات وربعات منصوبة على كراسى، ورتب له أوقافا جليلة، وعمل دار البطرك رباطا للفقراء.
وكانت قبور الفرنج من الديوية وغيرها مجاورة للصخرة، ونحو باب الرحمة، ولهم قباب معقودة، فأزالها السلطان صلاح الدين، ومحا آثارها، وأمر بغلق كنيسة قمامة.
ثم إن بعض الملوك قال: «نعم الرأى هدمها، ونخرب القبور التى بجوارها».
فقال بعض سراة الناس من العلماء-أظنه ابن شداد أو العماد الأصفهانى-: «إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-لما فتح بيت المقدس استقر بهذه الأماكن على ما كانت عليه، ولو شاء لفعل ذلك». فقال السلطان: «نحن متبعين لا مبتدعين».
واستقر بالأشياء على حالها. وأن لا يغير إلا ما كان مستجدّا. فلما استقر الأمر كذلك، وردت عليه اللطائف التهانى بالقصائد من الفضلاء والأدباء والشعراء. فكان أول ذلك قصيدة الملك المظفر تقى الدين عمر:
следующие страницы →