Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
«قل». قال: «يعلم السلطان-حفظه الله-إن اجتمع فى هذا الحصن من الفرسان والأبطال ما لم يجتمع فى غيره، وأنهم لا يفرون من الموت، ولا يرغبون فى الحياة.
وأنا إذا حققنا الموت والله والله والله-كذا يحلف الملعون-لنقتلن كل أسير عندنا من المسلمين، ويكون ذلك فى ذمة السلطان. ثم نقتل بعد ذلك أولادنا ونساءنا، ونحرق جميع أموالنا وأمتعتنا، ولا نترك لنا درهم ولا دينار، ولا ندعكم تأسروا منا رجلا واحدا، ولا صبى واحد، ولا امرأة واحدة. وإذا فرغنا من ذلك أحرقنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من الأماكن الشريفة عندكم. ولا نترك لنا دابة ولا مركوبا إلا أتلفناه. ثم نخرج إليكم عن يد واحدة، فنقاتلكم قتال الموت، وهو من يموت كريما، فلا يقتل الرجل منا حتى يقتل أمثاله. ولا نزال كذلك حتى نموت عن آخرنا، أو يفعل الله فينا حكمه. وأما قول السلطان إن الذين أخذوا القدس من الفرنج من قديم فعلوا ما فعلوا بالإسلام، فالقاتل والمقتول، والظالم والمظلوم، لهم إله يختصمون بين يديه. ولا يحل للسلطان أن يأخذنا نحن بذنوب غيرنا ممن سلف. وإن الذين كانوا فيه من المسلمين لو صبروا لكان خيرا لهم. وأما نحن فكما أنهيت من الحال بين يدى السلطان حفظه الله». فأمر السلطان صلاح الدين بخيمة فضربت له، وأنزل فيها، ثم طلب أكابر دولته، واستشارهم فيما قاله الباب، فقالوا: «بل الرأى أن يعطيهم السلطان الأمان، فهو خير مما ذكروه». فأمنهم السلطان، وتسلم البيت المقدس يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر رجب من هذه السنة.
وكان يوما مشهودا. ودخل السلطان صلاح الدين إلى الصخرة الشريفة المقدسة وهو فى غاية الفرح والسرور، إذ جعله الله تعالى فى هذا الفتح ثانى عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وسيرت البشائر إلى سائر البلاد الإسلامية. وفى ذلك اليوم طلع القاضى محيى الدين بن القاضى زكى الدين، وخطب.
стр. 3187
ذكر خطبة القاضى محيى الدين
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾».
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾».
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾».
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، قَيِّماً﴾. . . الآية».
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ، وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى»﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماااتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾» الآية.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ﴾» الآية.
الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بكفره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافر بكفره. الذى قدر الأيام دولا، وجعل العاقبة للمتقين تفضلا، ورفض عبادة من ضله، وأظهر دينه على الدين كله. القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه، ونصرته لأنصاره، وتطهيره لبيت المقدس من أنجاس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره، وظاهر شكره.
стр. 3188
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، شهادة من طهّر بالتوحيد قلبه، ورضى به ربه.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دافع الشرك، ورافع الإفك، الذى أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى.
صلى الله عليه وعلى خليفته أبى بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى عمر ابن الخطاب الذى أول من رفع عن هذا البيت شعائر الصلبان، وعلى عثمان بن عفان ذى النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب مزيل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله والتابعين لهم بإحسان. . .».
ثم ذكر الإمام الناصر لدين الله، ودعا له وللسلطان صلاح الدين. وكانت صلاة جمعة ما رأى الناس مثلها، لما حصل للناس فيها من الخشوع الزائد، والسرور المتزايد.
ومما لخص من الخطبة فصل فى الدعاء للسلطان:
«اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامى عن دينك الدافع، والذاب عن حرمك وحرم رسولك الممانع، السيد الأجل، والكهف الأظل، الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهّر بيت المقدس، أبى المظفر يوسف صلاح الدين بن أيوب، محيى دولة أمير المؤمنين. اللهم عمّ بدوامه البسيطة، واجعل ملائكتك المقربين براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفى جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه. اللهم أبق للإسلام والمسلمين مهجته، ووف للإيمان حوزته، وانشر فى المشارق والمغارب دعوته. اللهم كما فتحت به البيت المقدس، بعد ما ظنت به الظنون، وابتلى المؤمنون، فافتح على يديه دانى الأرض وأقاصيها، وملكه بكرمك وفضلك صياصى الكفر
стр. 3189
ونواصيها، ولا يلقى منهم كتيبة بقوتك إلا مزقها، ولا جماعة بعزتك إلا فرقها، ولا طائفة بقهرك إلا ألحقها بمن سبقها.
اللهم اشكر له عن محمد- ﷺ -سعيه، وأنفذ فى المشارق والمغارب أمره ونهيه، وأصلح به اللهم برحمتك أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك وأكنافها.
اللهم ذل به معاطس آناف الكفار، وأرغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب ملكه برحمتك على الأمصار، وأثبت سرايا جنوده فى سبيل الأقطار.
اللهم ثبّت الملك فيه وفى عقبه إلى يوم الدين، واحفظه فى بنيه وبنى أبيه الملوك الكرام الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم. اللهم وكما أجريت على يديه فى الإسلام هذه الحسنة التى تبقى على الأيام، وتتخلد على مرور الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدى الذى لا ينفد فى دار المتقين، وأجب دعوته ودعاءه فى قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى االِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ»﴾.
ونقل السلطان إلى البيت المقدس المنبر من حلب. وكان هذا المنبر قد أمر بعمله الملك العادل نور الدين الشهيد، لما كانت نفسه الزكية تحدثه أنه سيفتح القدس الشريف، فعمل هذا المنبر قبل فتح القدس الشريف بنيف وعشرين سنة.
قال صاحب هذا النقل: وكانت الفرنج-لعنهم الله-قد بنوا على الصخرة المقدسة كنيسة، وقطعوا منها جملة كبيرة، وغيروا أوضاعها، وبنوا على حيطانها أشباه الخنازير، وعملوا بها مذبحا، وعينوا بها مواضع الرهبان، ومحط الإنجيل، وأفردوا فيها لموضع القدم قبة صغيرة، مدهونة، ما بين الأعمدة الرخام. فلما نظر السلطان صلاح الدين إلى ذلك عظم عليه، وأمر أن تمحى جميع تلك الآثار. وأزال عن الصخرة ذلك البناء، وأبرزها حتى ينظر إليها. ولم تكن قبل ذلك يظهر منها إلا قطعة يسيرة.
وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعة كبيرة، وسيروها إلى القسطنطينية،
стр. 3190
وكذلك إلى صقلية، فكانوا يبيعون منها ملوك الفرنج وزنا بوزن من الذهب. وقيل إن بعض ملوك الفرنج خرج عن ملكه، وتولى خدمة ستارة الصخرة، إشفاقا عليها.
وكان كل ملك يأتى إلى زيارة القدس يتقصد أن يأخذ منها قطعة، بحسب البركة.
فلما بلغ السلطان صلاح الدين ذلك أمر الفقيه ضياء الدين الهكارى أن يكون أمينا عليها. ثم أدار عليها صفائح من حديد. ثم حضر الملك المظفر تقى الدين عمر، وأحضر صحبته أحمالا من دمشق مملوءة ماء ورد، وتولى غسل قبة الصخرة بنفسه.
ثم أتى الملك الأفضل، وفعل كذلك.
ثم رتب السلطان صلاح الدين فى جامع الأقصى من يقوم بوظائفه، ورتب فى قبة الصخرة إماما حسنا، وأوقف عليه وقفا جيدا. وحمل إلى الجامع الأقصى مصاحف وختمات وربعات منصوبة على كراسى، ورتب له أوقافا جليلة، وعمل دار البطرك رباطا للفقراء.
وكانت قبور الفرنج من الديوية وغيرها مجاورة للصخرة، ونحو باب الرحمة، ولهم قباب معقودة، فأزالها السلطان صلاح الدين، ومحا آثارها، وأمر بغلق كنيسة قمامة.
ثم إن بعض الملوك قال: «نعم الرأى هدمها، ونخرب القبور التى بجوارها».
فقال بعض سراة الناس من العلماء-أظنه ابن شداد أو العماد الأصفهانى-: «إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-لما فتح بيت المقدس استقر بهذه الأماكن على ما كانت عليه، ولو شاء لفعل ذلك». فقال السلطان: «نحن متبعين لا مبتدعين».
واستقر بالأشياء على حالها. وأن لا يغير إلا ما كان مستجدّا. فلما استقر الأمر كذلك، وردت عليه اللطائف التهانى بالقصائد من الفضلاء والأدباء والشعراء. فكان أول ذلك قصيدة الملك المظفر تقى الدين عمر:
стр. 3191
دع مهجة المشتاق مع أهوائها ... يا لائمى ما أنت من نصحائها
جاءتك أرض القدس تخطب ناكحا ... يا كفؤها ما العذر من عذرائها
زفت إليك عروس خدر تنجلى ... ما بين أعبدها وبين إمائها
إيه فخذها عاتق بكر فقد ... أضحت ملوك الأرض من رقبائها
كم طالب لجمالها قد ردّه ... عن نيلها أن ليس من أكفائها
وهى طويلة، وهذا ملخصها.
ومن شعر المظفر أيضا يخاطب عمه:
أصلاح دين الله أمرك طاعة ... فمر الزمان بما تشاء فيفعلا
فكأنما الدنيا ببهجة حسنها ... تحلا علىّ إذا رأيتك مقبلا
وكان-﵀-فاضلا، متأدبا، حسن الشعر. وكان أخوه عز الدين فرخشاه نظيره فى ذلك. وأتى بيت الملك المظفر جميعهم كذلك. وناهيك بولده الملك المنصور، وسيأتى من ذكره ما يؤيد القول إنشاء الله تعالى. وكان السلطان صلاح الدين يحب الملك المظفر تقى الدين أكثر من محبته لسائر أهله، لما كان قد خص به من الشهامة والنجابة والإقدام العظيم، ولفرط طاعته لعمه صلاح الدين. ولأنه كان ألصقهم إليه قرابة، لأن والد المظفر، ركن الدين شاهنشاه-﵀-كان أخا صلاح الدين لأمه وأبيه؛ والملك العادل، وتاج الملوك، وسيف الإسلام، كانوا إخوته لأبيه فقط.
وقتل ركن الدين شاهنشاه شهيدا على باب دمشق لما حاصرها الفرنج، ولم يدرك الدولة الأيوبية.
ثم وردت قصيدة القاضى هبة الله بن سناء الملك، يقول:
لست أدرى بأى فتح تهنّا ... يا منيل الإسلام ما قد تمنّا
أنهنّيك إذ تملكت شاما ... أم نهنيك إذ تملّكت عدنا
قد ملكت الجنان قصرا فقصرا ... إذ فتحت الشآم حصنا فحصنا
قمت فى ظلمة الكريهة شمسا ... فالبدر لا شك يطلع وهنا
стр. 3192
لم تقف قطّ فى المعارك إلا ... كنت يا يوسف كيوسف حسنا
قصدوا نحوك الأعادى فردّ ... الله ما أملوه عنك وعنّا
حملوا كالجبال عظما ولكن ... جعلتها حملات خيلك عهنا
جمعوا كيدهم وجاءوك أركانا ... فمن هدّ فارسا هدّ ركنا
فكل من يجعل الحديد له ثو ... با وتاجا وطيلسانا وردنا
خانهم ذلك السلاح فلا الرم ... -ح تثنى ولا المهند ظنا
وتولت تلك الخيول ولم ... يتأنى عليها أنها لا تتأنى
وتصيّدتهم بحلقة صيد ... تجمع الليث والغزال الأغنّا
صنعت فيهم وليمة عرس ... لعب المشرفىّ فيها وغنّى
وحوى الأسر كل ملك يظن ... الدهر يفنى وملكه ليس يفنى
والمليك العظيم فيهم أسير ... يتثنى فى أدهم يتثنى
كم تمنّى الليالى حتى رآها ... فتمنى أنه لا تمنى
ظن ظنّا وكنت أصدق فى ... الله يقينا وكان أكذب ظنا
رقّ من رحمة له القيد ... والغل عليه فكلما إن أنّ أنّا
واللعين الإبرنز أصبح مذبوحا ... يهنى أنه مات منا
وتهادت عرائس المدن نخلا ... وثمار الآمال منهن تجنى
لا يخص الشآم منك سرور ... كل ربع وكل أرض تهنا
قد ملكت البلاد شرقا وغربا ... وحويت الآفاق سهلا وحزنا
وتفرّدت بالذى هو أسمى ... وتوحدت بالذى هو أسنى
فاغتدى الوصف فى علاك حسيرا ... أى لفظ يقال أو أى معنى
هذا ربنا الإله قال أطيعوه سمعنا لربنا وأطعنا
стр. 3193
وفيه وصل إليه رسل الخليفة يهنئونه بما فتح الله على يديه.
وفيها فتح عدة حصون، وهى: طبرية، والناصرة، وقيسارية، وصفورية، والطور، ونابلس، وحيفا، وصيدا، وبيروت، وعسقلان. ولم يبق فى هذه السنة بالساحل من حصون الفرنج غير عكا، فأخذها فى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، كما يأتى من ذكرها فى تاريخها.
стр. 3194
ذكر سنة أربع وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع واثنى عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين، مشمر الذيل فى إخماد جمرة الكفر، وقد نازل عكا. فلما وصل إلى تل الفضول مضمرا على الزحف عليها، إذ خرج إليه كبير من كبرائهم، وطلب الأمان من السلطان، وتضرع بين يديه، والناس قيام ينظرون. فرقّ السلطان ورحمهم، وأمنهم على أنفسهم وأهاليهم وجميع أموالهم. وخيرهم بين الإقامة فيها تحت أمانه وسلطانه أو الخروج عنها، فاختاروا الرحيل عنها، فخرجوا.
ودخل المسلمون إلى عكا يوم الجمعة ثانى جمادى الأولى من هذه السنة. وأخرج الأسرى من المسلمين، فكان عدتهم أربعة آلاف أسير. وسلم عكا لولده الملك الأفضل، وأنعم عليه بجميع ما فيها من أموال الفرنج وغلالهم، وحواصلهم.
وكتب له بذلك توقيعا متوجا بعلامته الكريمة، يتضمن تملكها لولده بجميع نواحيها. وجعل الفقيه الهكارى أمينا بها من قبل الملك الأفضل.
وكتب السلطان إلى أخيه الملك العادل بمصر يبشره بما فتح الله عليه، ويأمره أن يخرج بالعساكر المصرية إلى بلاد الفرنج بالساحل من جهة الديار المصرية.
فخرج الملك العادل، ونزل على مجد ليابا، وفتحها، وغنم ما فيها.
وأحضر السلطان بهاء الدين قراقوش، وسلمه عكا نيابة عن ولده الملك الأفضل.
وخرج السلطان صلاح الدين وتوجه إلى حصن كوكب.
стр. 3195
وفيها فتح البلاد الشمالية، وهى: جبلة، واللاذقية، وصهيون، وحصن بكاس، وسرمانية، وحصن برزية، ودرب ساك، وبغراس.
وفيها هادن السلطان لصاحب أنطاكية.
وفيها فتح الكرك، وصفد، وكوكب، وسبسطية، ونابلس، وصفورية.
وكان بنابلس خلق كثير فسألوا الإقامة بها فى مملكة السلطان، فأقرهم على أماكنهم وأملاكهم. ثم إنه كتب إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، يبشره بما فتح الله على الإسلام، كتابا أوله يقول:
«بسم الله الرحمن الرحيم ﴿(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. . .) الآية ﴿(أَنَّ الْأَرْضَ﴾. .) الآية». ثم كتب: «الحمد لله الذى أنجز لنا هذا الوعد، وعلى نصرته لهذا الدين من قبل ومن بعد، فجعل من بعد ذلك العسر يسرا، وقد أحدث الله من بعد ذلك أمرا، وهو الأمر الذى ما كان الإسلام يستطيع عليه صبرا، فآتانى الله ما جرى فى زمن الصحابة والأخرى، وأعتق الله ما كان من الأسارى بأيدى الكفار الأشرار، وأصبح جوار الإسلام وقد استدار، ورد من الكفر ما كان قد أشار. والحمد لله الذى أعاد ثوب الإسلام جديدا أبيضا نظره مخضرّا، بعد ما كان قد غلب عليه الكفر بهذه الديار حتى أعاده مغبرا. والحمد لله كما هو أهله، على اتساع ملك الإسلام واجتماع شمله. والمملوك يشرح من نبأ هذا الفتح العظيم، للنظر الكريم، ما يشرح به صدور المسلمين، وينتج الحبور لأمير المؤمنين. ويورد البشرى على ما أنعم الله به يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى يوم الخميس الآخر، فذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما، سخرها الله على الكافرين، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية، فإذا رأيت ثم رأيت والبلاد
стр. 3196
خاوية على عروشها، ورايات الكفر خاشعة، ورايات الإسلام طالعة، وسناجق المؤمنين ببركات أميرهم عالية كاسية، وقد كانت من الكفر ناكية باكية. وأخذ الله أعداءه بأيدى أوليائه أخذ القرى وهى ظالمة. وفى ذلك اليوم فتحت عكا بالأمان، ورفعت عليها أعلام الإيمان. وهى أمّ البلاد، وأحب إلى الكفر من ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾. وقد أصدر المملوك هذه المطالعة وصليب الصلبوت مكسور، وقلب البرنز مرجوف مكسور، والفارس مجدول، والراجل مقتول، والملوك ممسوكة، والدماء مسفوكة. والذى كان يظن أن عكا حصينة، فقد خيب الله ظنه، والذى كان بماء المعمودية معمودا يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا. وعاد كل من كان فى الحرب منهم ذا همة ويقظة، لا يقبل منه عن نفسه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
وطبرية فقد هدمت أعلام الشرك من عليها، وعكا فقد خاب وخسر من التجأ إليها، وقد سبيت نساؤها الأحرار، وعادوا لنساء الإسلام خداما وجوار، وكذلك عادوا مماليكا أولادهم الصغار؛ بعد من قتل من آبائهم من كل فاجر وكافر، وصارت الكنائس مساجدا يعمرها من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. وعادت البيع مواقفا لخطباء الإسلام على المنابر. وعمرها الله بالتوحيد وأهله، مكان كل مشرك وكافر.
وأما فرسان الديوية والإسبتار، فقد عجل الله تعالى بأرواحهم إلى النار، وقد نزل بهم إلى أسفل الجحيم، مصفدين مقرنين مع الشيطان الرجيم، فليأخذ حظه من هذه البشرى مولانا أمير المؤمنين، فقد قطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين».
وفيها وردت قصيدة الشريف النسابة محمد بن أسعد بن على بن معمر الحسينى نقيب الأشراف على السلطان صلاح الدين، يهنيه بما فتح الله على يديه يقول:
أترى مناما ما بعينى أبصر ... والقدس يفتح والصليب يكسّر
وقمامة قمّت من الرجس الذى ... بزواله وزوالها يتطهّر
стр. 3197
ومليكه فى القيد مأسورا ولم ... يرى قبل ذلك ملوك تؤسر
قد جاء نصر الله والفتح الذى ... وعد الرسول فسبحوا واستغفروا
فتح الشآم وطهر القدس الذى ... هو فى القيامة حيث قام المحشر
من كان فتحه لنصرة أحمد ... ماذا يقال له وماذا يذكر
يا يوسف الصديق أنت لفتحها ... فاروقها عمر الإمام الأطهر
ولأنت عثمان الشريعة بعده ... ولأنت فى نصر النبوة حيدر
стр. 3198
ذكر سنة خمس وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين. والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها.
وفيها خطب لولى العهد-عدة الدنيا والدين-أبى نصر محمد بن الإمام الناصر لدين الله، بأمر والده، فخطب له فى سائر الممالك الإسلامية.
وفيها كانت الوقعة العظمى مع الفرنج، وأخذت عكا، وقتل من كان بها فى سبيل الله تعالى. وهذه الوقعة التى لم يعهد بمثلها فى جاهلية ولاإسلام.
ذكر الوقعة الكبرى على عكا
وذلك أن السلطان صلاح الدين، لما فتح هذه الفتوحات العظام، وأذل الكفرة اللئام، وطهّر القدس من الأرجاس والآثام، وفتح عكا وهى كرسى مملكة الملاعين، وأخلاها من كل كافر لعين، أمر بتجديد سورها، وبناء ما تشعث من ديورها، وعمارة قصورها ودورها. وأمر الملك المظفر أن ينظف الساحل من جميع الفرنج، ففعل ذلك، ولم يبق فى الساحل حصن ولا معقل إلا وقد علاه الأذان، وسكنته حملة القرآن، وخلا من عبدة الصلبان. فعند ذلك تكاتبت ملوك الفرنج فيما بينهم، لما قد جرى على الكفر وأهله، والصليب وذله، فانتخوا لدينهم، وأجمعوا ذات بينهم، على اجتماع كلمتهم، والقيام فى نصرة ملتهم، فاجتمعوا برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، واستصحبوا القساوسة والرهبان، والبطرك الكبير والديان، بعد ما طاف جميع
стр. 3199
الجزائر والبلدان، على عبدة الصلبان، وصوروا بكفرهم صورة على أنها صورة المسيح ﵇، وأسالوا على وجه الصورة الدماء، وأقاموا صورة إعرابى، وقالوا هذا نبى المسلمين قد جرح المسيح، وأجرى دمه على وجهه، فانهضوا لنصرته، وخذوا بثأره. فلم يبق منهم ملك من الملوك، ولا غنى فيهم ولا صعلوك، إلا انتخى لمصابهم، وسمع لهم وأجابهم.
أجمع أهل التاريخ ممن عنى بجمع أخبار العالم-رحمة الله عليهم-أن هذه الوقعة لم يسمع بمثلها من أول زمان وإلى ذلك التاريخ، فإن بلاد الروم خرجت عن بكرة أبيها، من سائر قلاعها ومدنها وحصونها، وأبذلوا الأموال للفرسان والرجال، وباعوا أنفسهم للمسيح. ووردوا من البر والبحر بالخيل والرجل، يقدمهم القسوس والرهبان، وقد لبسوا السواد. والبطرك قد حرم عليهم، وقالوا موتوا فى هذه الأرض المقدسة، فهو خير لكم.
وكان السلطان صلاح الدين مخيما على شقيف أرنون، فلما بلغه ذلك من قصد الفرنج عكا فى هذه الجموع العظيمة، خشى عليها، وتوجه يقحم خيله ليسبق بالنزول عليها، وتبعته العساكر أولا فأولا، فلم يدرك عكا حتى سبقته الفرنج، ونزلوا عليها برّا وبحرا فى عدد لا يحصى، كأنهم الجراد المنتشر، وذلك لما أراده الله تعالى من سعادة المحصورين بها، وأن يكونوا من الشهداء الفائزين بجنات النعيم، وهو النعيم المقيم.
وكان وصول الفرنج إلى عكا ونزولهم عليها رابع عشر شهر رجب من هذه السنة.
ووصل السلطان خامس عشرة، فسبقوه بيوم واحد، لما يريده الله . وتلاحق به العساكر ونزلوا يوم الجمعة على الخروبة. ونزلت الفرنج على عكا من كل جهة برا وبحرا. ونزل جيش السلطان صلاح الدين أول ميمنته بالنواقير بالبحر، وآخر ميسرته القيمون. وأمر الناس أن يثبوا للقتال وإشغال الفرنج عن لجاجة الحصار على عكا، فتقدمت الميسرة إلى طريق النهر الحلو، وآخر الميمنة مقابل تل العياضية، واحتاطت
стр. 3200
عساكر الإسلام بالعدو المخذول، والفرنج الملاعين لا يشغلهم عن حصار عكا شاغل، بل مجتهدين غاية الاجتهاد. والمسلمون بعكا لم يغلقوا لها بابا، والسلطان صلاح الدين يناوشهم القتال من جهة القلب.
ووصلت ملوك الإسلام، ووصل من الشرق مظفر الدين [كوكبورى] ابن زين الدين على كوجك. ووصل حسام الدين سنقر الأخلاطى. ولم يزل القتال كذلك بين الفئتين مناوشة إلى يوم الأربعاء، لتسع بقين من شهر شعبان، خرجوا الفرنج-خذلهم الله-فارسهم وراجلهم، وتحركوا حركة عظيمة، ارتجت لها الأرض، وبين أيديهم الإنجيل محمولا على يد البطرك، مستورا بثياب الأطلس. وركب السلطان صلاح الدين، فى جيوش الموحدين، ونادى مناديهم: «هيا يا أمة محمد المختار! عليكم بالكفرة الفجار! فهذا يوم وعد الله فيه الصابرين بالحور العين. أما ترضوا أن تبيعوا أنفسكم بالجنان، ومجاورة الرحمن، فى دار لا يحزن مقيمها، ولا يفنى نعيمها، ولا ينفد سرورها، ولا يبرح حبورها. يا خيل الله اركبى، وبالجنة أبشرى». قال:
فركب الناس وقد أباعوا أنفسهم لله، وقد وثقوا بما وعدهم به الله فى كتابه العزيز العظيم، على لسان نبيه الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكان السلطان صلاح الدين فى القلب، وولده الملك الأفضل فى الميمنة، وولده الظافر فى الميسرة. وكان مما يلى القلب سيف الدين على بن أحمد المشطوب ملك الأكراد، فى خلق عظيم من المهرانية والهكارية وغيرهم. ومحاذيه مجاهد الدين برنقش مقدم عساكر سنجار، وخلق كثير من المماليك الترك. ولم يكن عليهم مقدما، فيذكر عن الفقيه الهكارى-أمين القدس المقدم ذكره-قال: «إن السلطان صلاح الدين شاهدته بعينى وهو يدور بنفسه على جيوش المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويقول لهم إنى كأحدكم، فلا يطلب اليوم أحد منكم غير رضى ربه».
стр. 3201
ثم التقى الجمعان، فبدرهم الملك المظفر بالجاليش، فتكاثروا عليه، وكان فى طرف الميمنة على البحر. فلما رأى السلطان ذلك خاف عليه، فحرك بنفسه نحوه.
وكان المظفر قد تقهقر إلى ورائه قليلا، لما رأى من كثرتهم عليه. فلما رأى السلطان صلاح الدين ذلك حرك نحوه. فلما عاين الجيوش تأخر المظفر وتحريك صلاح الدين شوقا إليه، ظنوا أنها كسرة، فانهزم المسلمون. وكانت أهل الديار البكرية ليس لهم خبرة بقتال الفرنج، فولوا هاربين لا يلووا على شئ. ووصلت طائفة من الفرنج إلى مخيم السلطان، وجالوا حوله ساعة.
وأما ميسرة المسلمين، فإنها ثبتت قليلا، وصار السلطان دائر بين العسكرين، ومعه القضاة، والفقهاء، والخطباء، وأكابر الأشراف، وهو يستوقف الناس، ويحضهم وهم لا يلوون. قال الفقيه الهكارى يحلف بالله أنه لم يبق مع السلطان سوى خمس نفر. وأما المنهزمون من المسلمين فإنهم وصلوا دمشق، وهم الميمنة. والميسرة وصلت طبرية. ثم اجتمع على السلطان الناس أرباب المروءات، فحمل على العدو بنفسه فى شرذمة يسيرة، فطرحوا من الفرنج جماعة جيدة. وجاء نصر الله والفتح، وأيّد الله الإسلام على عوائده الجميلة، فكان كما قال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ»﴾. فولى الفرنج منهزمين، فظنوا أن الجيوش تراجعت عليهم. وركبت تلك الفئة القليلة أكتافهم قتلا بالسيف، وضربا بالدبوس. وعاد الملك المظفر وكذلك جناح الميسرة. وتداعت الناس، وتراجعوا من كل مكان.
стр. 3202
قال الفقيه الهكارى: إن السلطان لما رد على الفرنج، لم يكن معه من الناس ما يلحق الألفين فارس، وكان الفرنج فى أربعمائة ألف أو يزيدون. ولقد ذكر جماعة من المسلمين الكبار، ممن كان مع السلطان عند رجوعه على الفرنج؛ منهم الأمير سيف الدين غازى، وعز الدين القيمرى، وحسام الدين المهرانى المعروف بابن كردم قالوا وحلفوا-وهم أمناء القول صادقين اللهجة-أن كل واحد ممن كان مع السلطان قتل من الفرنج الثلاثين والأربعين والخمسين وأكثر، وأن الواحد منا كان إذا قرب مع مطلوبه من خيالة الفرنج ويرفع يده بسيفه ويريد ضرب عنقه ينظر إلى رأسه وقد طارت عن بدنه من قبل أن يصل إليه السيف. وهذا تأييد من الله ، ومما يدل على صحة القول أن الملائكة تقاتل مع الإسلام.
قال: ولم يزل المسلمون فى أكتاف المشركين إلى أن تحصنوا بالأسوار التى كانوا صنعوها لهم، وعادوا يقاتلون من ورائها، فعند ذلك قال السلطان صلاح الدين:
«الحمد لله الذى نصرنا حتى عادوا متحصنين بالأسوار». ثم رجع إلى دهليزه ومخيمه، ووقف أصحابه بين يديه وهم بالدماء مخضبين، فرحين بما من الله عليهم، وبما يسره من نصرهم، وتذاكروا من استشهد منهم، وأخرجوهم من بين قتلى الفرنج، وصلوا عليهم، وواروهم بدمائهم التراب. ثم أمر السلطان بالانتقال من تلك المنزلة إلى منزلة تعرف بالخروبة، وكان ليس برأى جيد، فلو كان أقام مع مشيئة الله -لكان أصلح. وحسب السلطان حساب أن جيشه ضعف حاله، لما نهب لهم عند هزيمتهم، وأنهم تشتتوا فى البلاد. وخشى لأن تكبسهم الفرنج، فلا تقوم لهم بعدها قائمة، فتحول لهذا السبب، ليجتمع إليه العساكر ويعود المنهزم، ويتكامل الجيش.
وكان ملك الفرنج الكبير يسمى الأنكتير مريضا على حظه، واشتغل الفرنج بمرضه، واشتغل السلطان صلاح الدين بتدبير أحوال جيوشه. هذا، والرسل تتردد منهم طول بقية هذه السنة.
стр. 3203
وفيها توفى زين الدين يوسف بن زين الدين على كوجك صاحب إربل، فى الثامن والعشرين من شهر رمضان. وسير أخوه مظفر الدين يسأل السلطان أن يكون عوضا عن أخيه فى الخدمة، وأنه ينزل عن حران والرها وسميساط والموزر، وخدم بخمسين ألف دينار نقدا، فأجيب إلى ذلك، وأضيفت هذه البلاد-التى استرجعت-إلى الملك المظفر تقى الدين عمر صاحب حماه. وكتب لمظفر الدين بما سأل، وكتب إلى صاحب الموصل كتاب الوصية بمظفر الدين. واستقرت بيد الملك [المظفر] تقى الدين من البلاد ما نزل عنها مظفر الدين، مع ما بيده من ميافارقين.
هذا ببلاد الشرق. وأما [ما كان بيد الملك المظفر فى] بلاد الشام، فحماه والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلا طنس وغيرها.
وفى هذه السنة ولد الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين. ووصل إلى السلطان كتاب فاضلى بالبشارة ضمنه: «يقبل الأرض بين يدى مولانا الملك الناصر، دام رشاده وإرشاده، وزاد سعده وإسعاده، وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده، واشتد بأعضاده فيهم إعتضاده، وأنمى الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده. وينهى أن الله-وله الحمد-رزق الملك العزيز عز نصره ولدا، ذكرا، برّا، مباركا، زكيا، سويا، تقيا، نقيا، ذرية كريمة بعضها من بعض، من بيت شريف كادت ولاته تكون ولاة فى السماء، ومماليكه تكون ملوكا فى الأرض.
وكان مقدمه الميمون ليلة الأحد، وهى من الجمعة أولى العدد، وبه وبآله يعز الله أهل الجمعة، ويذل أهل الأحد».
стр. 3204
ذكر سنة ست وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الحكم، مطاع الأمر فى أقطار الأرض. والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها، وهو فى حرب الفرنج على عكا حسبما تقدم من الكلام فى السنة الخالية. وحصار عكا باق من جهة الملاعين. وكانوا قد بنوا أبرجة عظيمة بظاهر عكا، وعادوا يقاتلون أهلها من عليها. فلما كان ظهر يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول من هذه السنة أحرقت أهل عكا تلك الأبرجة بالنفط. وعظم ذلك على الفرنج، كأنهم كانوا استظهروا عليهم بها.
وفيها وصل إلى خدمة السلطان صلاح الدين جماعة من ملوك الإسلام، وهم: الملك العادل عماد الدين زنكى بن مودود، وابن أخيه معين الدين سنجر شاه، والملك السعيد علاء الدين صاحب الموصل، [وزين الدين يوسف] صاحب إربل. وكان فى ذلك حروب ومناوشات بين الفريقين، وقتل من الطائفتين خلق عظيم. هذا والرسل تتردد بينهم، وكل من الجمعين خائف من الآخر. وكان السلطان صلاح الدين رجلا مسلما، ساذج الباطن، مستسلم النية، كثير الدين، خال من المكر والخداع، صادق القول، عديم الكذب والسفه. وكان الفرنج يتحققون منه ذلك، فعادوا يشغلونه بالمراسلات والمواعيد الكاذبة، ويسوفوا به الأوقات إلى حين تعافى
стр. 3205
ملكهم من علته، فعادوا وغدروا فى جميع ما قرروه بينهم، وجدّوا فى حصار عكا.
وكان ذلك بعد مضى سنة ست وثمانين، ودخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
وفيها وصل إلى أنطاكية ابن ملك ألمان نجدة للفرنج. وكان أبوه قد خرج من بلاده فى مائتى ألف مقاتل من أول سنة ست وثمانين. ووصلت الأخبار إلى السلطان بذلك، فضاق صدره لذلك. وعبروا على قسطنطينية، ولم يقدر ملك الروم على دفعهم. وكذلك دخلوا فى بلاد الروم بقونية، وحصل بين صاحب الروم وبينهم مصافا، فكسروه، وقتلوا شجعانه، وقالوا له: «لسنا نريد بلادك»، فهادنهم.
وآخر الأمر، أن الله تعالى كفى شرهم، ورمى فيهم المرض والموت، وهلك طاغيتهم.
وأوصى لولده، ولم يصل إلى أنطاكية إلا فى دون الخمسة آلاف من مائتى ألف، فهذا تأييد إلهى لأمة محمد ﷺ .
стр. 3206
ذكر سنة سبع وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين. وبنو سلجوق بحالهم ببلاد العجم.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام بالديار المصرية وما معها، وهو فى قتال الفرنج على عكا. والحصار باق، وقد ضعف حال المسلمين الذين بعكا، وقل جلدهم، ونفد صبرهم. فلما كان يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة من هذه السنة نفّذ أهل عكا من المسلمين يقولون للسلطان: «نحن والله قد عجزنا عن القتال، وقد بلغنا غاية لا بعدها غاية، ولم يكن بقى لنا غير التسليم. ونحن نهار الغد نسلّم إليهم ونطلب الأمان إذا لم تفعلوا معنا شيئا يخلصنا مما نحن فيه». فكان ذلك أصعب شئ جرى على السلطان.
قال الفقيه الهكارى راوى هذا الحديث: «والله لم يستطعم السلطان بطعام ذلك اليوم مع تلك الليلة». فلما كان صبيحة ذلك اليوم، ركب السلطان صلاح الدين فى سائر الجيوش، وقصد الفرنج، ووصل إلى حيث وقف بخنادقهم، وزحف حتى دخل بعضها، وهو كالوالدة الثكلى على ولدها، ويسير بين العساكر ويحثهم على القتال، وينادى: «يا للإسلام! يا لدين محمد ﵇!» وعينيه تذرفان بالدموع. ودام ذلك اليوم ولم يقدر المسلمون على شئ يفعلوه مع الفرنج. وسبب ذلك أن الرجال من الفرنج لبسوا العدد، ووقفوا فى سائر السور من خارجه ومن داخله، بالشروخ والزنارات، والنشاب. ثم إن الملاعين جدوا فى الحصار، وتمكنوا من الخنادق
стр. 3207
فملكوها، ونقبوا أسوار البلد وحشوه خشبا وأحرقوه، فوقعت الباشورة وهى بدنة السور، فدخل الفرنج إليها وقتلوا من المسلمين جماعة، وقتل المسلمون من الفرنج خلقا عظيما من جملتهم ست ملوك، وقبضوا على أحد ملوكهم الكبار فى بعض الثقوب، فقال لهم: «لا تقتلونى وأبقونى أرحل عنكم الفرنج». فلم يرجعوا له وقتلوه. فلما بلغ الملاعين قتل ملكهم التزموا أنهم لا يبقوا فى عكا من يقول «لا إله إلا الله».
ثم جدوا فى الزحف ثلاثة أيام جدا عظيما. كل ذلك حزنا على ملكهم.
ثم إن السلطان صلاح الدين بعث إليهم سيف الدين المشطوب يطلب الصلح منهم.
وفى جملة كلامه: «إنا نحن أخذنا منكم بلادا كثيرة وحصونا كثيرة وإنا لم ننزل على بلد ولا قلعة وطلبوا منا الأمان والصلح إلا أجبناهم لذلك. فافعلوا أنتم أيضا كذلك». فما كروا السلطان، وسيروا يطلبوا منه القاضى نجيب الدين المالكى ليقرروا أمر الصلح بينهم، وكان ذلك كله مكر منهم وخديعة، حتى يشغلوا السلطان عنهم، ويتمكنوا من أخذ البلد. فلما كان يوم الجمعة، وصل عوام من البلد بكتاب من أهل عكا يقولون: «أن قد ضاق الأمر، ولا بقى لنا خلاص، وقد طلب منا الفرنج مائتى ألف دينار، وألفى وخمسمائة أسير، وثلاثة آلاف ثوب أطلس، وصليب الصلبوت، على أننا نخرج بنفوسنا، لا سواها». فلما وقف السلطان على ذلك أنكره، وعظم عليه. فبينما هو كذلك إذ وقعت الضجة، ورفعت أعلام الشرك على أبراج البلد، وصرخ الملاعين صرخة واحدة تزلزلت لها الأرض. وكان ذلك يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة. فعظم ذلك على المسلمين، وكثر قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم».
وعن القاضى بهاء الدين بن شداد-صاحب سيرة السلطان صلاح الدين-قال:
وصلت إلى السلطان صلاح الدين فى ذلك الوقت الذى أخذت فيه عكا، فوجدته يبكى بكاء عظيما، فجلست إليه، ثم ذكرته بما فتح الله على يديه من بلاد
стр. 3208
الكفر، وما قتل من رجالهم، فنظر إلىّ وهو مخنوق بعبرته، وقال: «كيف لى بخلاص المأسورين من أيدى المشركين؟».
ثم أمر بالرحيل من تلك المنزلة إلى المنزلة الأولى [بشفرعم]. وجرد ألفى فارس فى مكانه لينظروا ما يكون من أمر البلد والمسلمين المأسورين. وكان فى جملة المأسورين بهاء الدين قراقوش الأسدى، الذى بنى سور القاهرة، وعمل الروك بالديار المصرية، فأفدى نفسه بجملة كبيرة. ثم إن الملاعين قتلوا سائر من كان بها من المسلمين، إلا من كان فى أجله تأخير.
فلما كان نهار الخميس سلخ جمادى الآخرة، ركبوا الملاعين، خيلا ورجلا، واصطفوا ميمنة وميسرة، وتواقعوا مع يزك المسلمين، فأردف السلطان اليزك بعشرة آلاف فارس، فكسروا الملاعين، وتبعوهم إلى خندقهم. فلما كان ثامن رجب الفرد، حضر صحبة حسام الدين حسين بن باريك المهرانى فارسان من الفرنج من عند الملك الكبير ملك الفرنج، فقدموا بين يدى السلطان، وسألوه عن صليب الصلبوت الذى أخذه من بيت المقدس، وقالوا: «إن وجدناه تحدثنا فيما يعود نفعه على الطائفتين، ويكون فيه المصلحة» فأمر السلطان بإحضاره. فلما عاينوه، خروا له ساجدين على وجوههم، ومرغوا خدودهم على الأرض، ثم عادوا إلى ملكهم.
ولما كان الحادى والعشرين من رجب، خرج الملك الأنكتير-لعنه الله-ومعه جماعة من الخيالة، وساروا نحو تل العياضية، ثم أحضروا جماعة من أسرى المسلمين، ممن كانوا بعكا وسلموا ذلك اليوم من القتل. فأراد الله لهم بالشهادة، وختم لهم بالسعادة، وأوقفوهم، وأرموا فيهم السيف. فلما نظر المسلمون بوارق السيوف، ساقوا نحوهم، ثم أعلموا السلطان بذلك، فركب، وركبت العساكر، وركب الفرنج بأجمعهم من عكا. والتقى الجمعان، وقتل بينهم خلق كثير. وكانت وقعة شديدة،
стр. 3209
انكسرت الفرنج فيها كسرة عظيمة. وذكر أن عدة من كان بعكا من المسلمين ممن قتل سوى من نجا خمسة آلاف نفر وسبعمائة نفر. ولما كان نهار الأحد ثالث ذى القعدة رحل الفرنج إلى الرملة، وتوجهوا لبيت المقدس. ثم كان بينهم وبين المسلمين وقائع وحروب يشيب لهولها الطفل الوليد.
ودخل الشتاء وقويت الأمطار إلى سبع بقين من ذى الحجة وصل السلطان صلاح الدين إلى القدس الشريف. ونزل بدار الأقساء مجاور كنيسة قمامة. وكان قد وصل فى ثالث ذى الحجة عسكر مصر مع أبى الهيجاء. فلما بلغ الفرنج ذلك تحولوا إلى النطرون. ثم كان بينهم وبين المسلمين-وهم اليزكية-وقعة. ثم كان بينهم وبين الأمير سابق الدين صاحب شيزر وقعة عظيمة، انكسرت فيها الفرنج كسرة شنيعة، وتسلقوا فى الجبال، وأخذت خيولهم. وحاصرهم المسلمون فى قلعة النطرون. ثم وصل عدة من الحجارين من عند صاحب الموصل بسبب تحصين خندق بيت المقدس. وعمل السلطان صلاح الدين بنفسه فيه، وكذلك سائر الملوك مع كافة الجيوش.
وفى هذه السنة توفى القاضى شرف الدين بن عصرون قاضى القضاة بدمشق، وكان أوحد أهل زمانه فى الأربع مذاهب.
وفيها ظهر بمصر رجل منجم يقال له ابن السنباطى، فأقلب رءوس السودان وقوم من المغاربة يقال لهم «المصامدة»، وقال لهم: «أنتم تملكوا الديار المصرية فى الليلة الفلانية بعد المغرب». فاستعدوا بقوارير نقط، واجتمعوا بحارة بر المدينة، وهى الهلالية، وشربوا المزور إلى بعد العشاء، دخلوا حمية واحدة من باب زويلة، وأخذوا ما قدروا عليه من العدد، وأتوا إلى خزانة البنود ليخرجوا من كان بها من المسجونين، وهم مع ذلك يصيحون: «يا آل على». وأتوا إلى السيوفيين، وكسروا الدكاكين،
стр. 3210
وأخذوا السيوف والعدد. ثم ركب الأمير بدر الدين بن موسك بعسكره، فمسك الجميع، والمنجم، وقتلوا عن آخرهم.
وفيها أخرب السلطان صلاح الدين عسقلان.
وفيها توفى الملك المظفر تقى الدين عمر، وهو محاصر لملاذكرد، وذلك يوم الجمعة لإحدى عشر ليلة بقيت من شهر رمضان المعظم. وكان ولده الملك المنصور فى صحبته، فأخفى موته، وعاد به إلى مدينة حماه، فدفن بها. واستقر [الملك المنصور] بملكه-حماه وما معها. وخرج عنه ما كان بيد أبيه من بلاد الشرق، واستقر بها الملك العادل سيف الدين أبو بكر، حسبما نذكر من ذلك. وفيها توفى الشيخ نجم الدين الخبوشانى الشافعى، رحمة الله عليهما.
стр. 3211
ذكر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وثلاثة وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين نافذ الحكم، مطاع الأمر.
والسلطان صلاح الدين سلطان الإسلام. واستولت الفرنج-خذلهم الله-على قلعة الداروم وهدموها، ورحلوا عنها.
وفيها حصلت المهادنة والصلح بين السلطان صلاح الدين وبين الفرنج على شروط اشترطوها بينهم، وقطعوا المدة ثلاثة أشهر بعد ثلاث سنين، وقيل ثمانية أشهر.
وفيها توفى الفقيه نجم الدين بن شرف الإسلام رحمه الله تعالى، وكان أوحد أهل زمانه فى الفتيا والفقه، وكان حنبلى المذهب. وتوفى موفق الدين خاله ابن القيسرانى وزير نور الدين بحلب. وتوفى قطب الدين بن العجمى بحلب، رحمهما الله تعالى.
وفيها توفى السلطان عز الدين قلج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان ابن قطلمش بن أرسلان السلجوقى سلطان الروم، وكان له نحو عشر بنين. وقد ولّى كل واحد منهم قطرا، وأكبرهم قطب الدين ملكشاه، وكانت له سيواس، فعمل على أبيه حتى خلعه من ملك قونية وملكها لنفسه، واعتقل أباه. ثم خلص من الاعتقال وتوصل إلى ابنه نور الدين سلطان شاه، فأكرمه، وعاد إلى ملكه، وتوفى فى هذا التاريخ. وملك بعده ولده غياث كيخسرو فى حديث طويل. ثم [غلب على غياث الدين أخوه] ركن الدين سليمان، وهرب غياث الدين إلى الشام مستجيرا
стр. 3212
بالملك الظاهر صاحب حلب. ثم مات ركن الدين سنة ستمائة وملك ولده قلج أرسلان.
ورجع غياث الدين فملك قونية، واستقرت السلطنة له حتى توفى، وملك بعده ابنه عز الدين كيكاوس، وكانت له حروب مع الملك الأشرف موسى بن العادل. ثم توفى [كيكاوس] وولى أخوه علاء الدين كيقباذ. ثم توفى [كيقباذ] سنة أربع وثلاثين وستمائة، وولى بعده ولده غياث الدين كيخسرو الذى كسره التتار كسرة عظيمة سنة إحدى وأربعين وستمائة، وتضعضع حينئذ ملك السلاطين السلجوقية ببلاد الروم وأعمالها، حسبما نذكر بعد ذلك إن شاء الله.
стр. 3213
ذكر سنة تسع وثمانين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وثلاثة وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الأحكام، مطاع الأوامر، فى سائر أقطار الأرض. والسلطان صلاح الدين إلى أن توفى فى هذه السنة إلى رحمة الله، ورحيب جنانه، بكرة يوم الأربعاء سابع عشرين شهر صفر من هذه السنة، بمدينة دمشق المحروسة.
ذكر وفاة السلطان صلاح الدين ﵀
كان السلطان صلاح الدين لما تفرغ قلبه من جهة الفرنج-خذلهم الله تعالى- قد عاد إلى دمشق وهو فى أسر الأحوال وأحسن الأمور، ورسل الملوك واردة عليه من كل جهة بالهدايا والتحف والمراسلات الحسان، وهو يجلس كل يوم للمظالم، وإسداء المكارم، وإنصاف المظلوم من الظالم. ثم خرج إلى الصيد شرقى دمشق فغاب خمسة أيام. وكان معه أخوه الملك العادل، فودعه من البرية وأمره بالمسير إلى الديار المصرية، وأوصاه بالملك العزيز. وعاد السلطان إلى دمشق، فحصل له توعك، ثم قوى.
وعن القاضى بهاء الدين بن شداد قال: حضرت من القدس لما طلبنى السلطان على البريد. فلما مثلت بين يديه قربنى وأجلسنى، ثم قال لى: «من بالباب
стр. 3214
جالسا؟». قلت: «الملك الأفضل ولدك، والناس وقوف بين يديه». فنهت ودمعت عيناه وقال: «أف للدنيا ماذا تغير من الأحباب على الأحباب». ثم قال: «اخرج إليهم وعرفهم بعض ما أنا فيه».
وعن القاضى الفاضل قال: حضرت عند السلطان صلاح الدين فى مرضه، فأمر بطعام، فقدم وقد جلس الملك الأفضل فى دست أبيه، فقال لى: «يا قاضى اخرج وانظر الناس كيف هم بعدى». قال، فخرجت، فلما رأيت ولده مكانه، رجعت وقد عميت من البكاء، وكذلك بكى كل من حضر. وكان أشد يوم على الناس.
ثم إن السلطان صلاح الدين ثقل فى المرض. وعن إمام الكلاسة قال:
حضرت عند السلطان صلاح الدين لما أمرنى ولده الملك الأفضل أن ألقنه الشهادة، فوجدته قد غاب ذهنه، فقرأت ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾». قال فسمعته يقول: «نعم هو كذلك». قال الشيخ: فقلت فى نفسى هذه عناية من الله تعالى بهذا الرجل فى دنياه وآخرته. قال الشيخ: ثم قرأت -وقد غاب ذهنه أيضا-إلى أن انتهيت إلى قوله تعالى ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾». قال الشيخ: فرأيته وقد تبسم وتهلل وجهه، وفاضت نفسه، رحمه الله تعالى.
وعن القاضى الفاضل قال: لما مات السلطان صلاح الدين-رحمه الله تعالى- حصرنا تركته، فوجدنا فى خزائنه أحد وأربعين درهم، ودينار واحد صورى.
هذا كان ملكيته لنفسه فى ذلك الوقت.
وتوفى وله من العمر سبع وخمسين سنة. وكان مولده سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة بتكريت. وكانت مدة مملكته بالديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة. وملك الشام بعد نور الدين وولده الصالح نحوا من تسع عشرة سنة.
стр. 3215
أجمع الرواة أنهم لم يسمعوا ولا رووا عن ملك أسمح ولا أجود من السلطان صلاح الدين-﵀-ولا أشجع نفسا، ولا أنصر لملة محمد ﷺ .
وفى ذلك يقول ابن أسعد الفقيه الشافعى من قصيدة امتدح بها السلطان صلاح الدين ﵀:
وأبلج يستهين الموت يلقى ... بصفحة وجهه بيض الصفاح
جواد بالبلاد وما حوته ... إذا جادوا بربّات اللقاح
من النفر الذين إذا تجلوا ... أعادوا الليل أجلى من صباح
فمن حاتم وكعب وابن سعدى ... رعاة الشاة والنعم المراح
فللاّحين والراجين منه ... أعز حمى وأكرم مستباح
يفيض بطون راحهم نوالا ... وتستلم الملوك ظهور راح
ذكر عدة أولاده الملوك
خلف سبع عشر ولدا ذكرا وبنت واحدة، وهم: الملك الأفضل نور الدين على، وكان أكبر ولده، وولىّ عهده، مولده بمصر يوم عيد الفطر سنة خمس وستين وخمسمائة. وكان يوم مات أبوه وولى الملك بدمشق عمره أربع وعشرين سنة وأشهر، والله أعلم.
الملك العزيز
عماد الدين عثمان صاحب مصر، مولده بالقاهرة، ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين، وكان أصغر من أخيه الأفضل بسنتين وشهرين.
الملك الظاهر
غياث الدين غازى صاحب حلب، مولده بالقاهرة نصف شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة. وكان أصغر من العزيز بسنة وأشهر.
стр. 3216
والملك المفضل قطب الدين موسى. والملك الزاهر مجير الدين داود. والملك الظافر مظفر الدين خضر. والملك المؤيد نجم الدين مسعود. والملك الأغر شرف الدين يعقوب.
والملك المعز فتح الدين إسحاق. والملك الجواد ركن الدين أيوب. والملك الموفق نصرة الدين إبراهيم. والملك الأشرف نصير الدين محمد. والملك المعظم توران شاه.
والملك الغالب ملكشاه. والملك المحسن يمين الدين أحمد. والملك المنصور سيف الدين أبو بكر. والملك الأمجد عماد الدين شاذى.
ومات-﵀-عن اثنين صغار ذكور. والبنت تزوجها بعد ذلك السلطان الملك الكامل ابن عمها، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى موضعه.
وعن القاضى بهاء الدين بن شداد قال: والله مات السلطان صلاح الدين ﵀-ولم يترك دارا ولا عقارا ولا ملكا ولا ضيعة ولا فضة ولا ذهبا إلا ما ذكر أنه وجد بخزانته، ولا رغب فى زخرف الدنيا ولا فى أعراضها ﵀ عليه-وعوّضه النعيم المقيم، بجوار الرحمن الرحيم.
ذكر بعض محاسنه رضى الله عنه
قال العبد المؤلف لهذا التاريخ أبو بكر بن عبد الله الدوادارى-عفا الله عنه-:
أما ذكر محاسن السلطان الشهيد صلاح الدين وبعض مناقبه، فقد افترد بذلك مصنف سيرته، والمطلع على أخباره، والحاضر لمآثره وآثاره، القاضى المرحوم بهاء الدين ابن شداد، وذكر ذلك بلسان أنطقه فرح العطاء، فأخرس بنطقه فصيح القطاء، حتى لم يترك لقائل مقال، ولا لحصّار قريحة من مجال. وأما ما ذكره أبو المظفر
стр. 3217
الذى هذا التاريخ من أساس تاريخه نشئ، ومن حشو حلاوة لوزينجه حشى، فقال: كان السلطان صلاح الدين ملكا شجاعا مقداما، سمحا معطاء، كريما جوادا، حسن الملتقى، صاحب بشاشة وهمة ويقظة وتفكر فى مصالح المسلمين، شريف النفس، عالى الهمة، عزيز المروءة، واسع الصدر، كثير الحياء، قليل السفه، عظيم الحرمة، شديد الهيبة، متزهدا عن أعراض الدنيا، غير متطلع لما فى أيدى الناس، يحبّ أهل الفضل والعلم والأدب، متواضع لأهل العلم والشرع، حسن التدبير، ليس له همة فى لذّات الدنيا وزخارفها، مشتغل لما استعمله الله- -فيه من سائر الأمور الدينية، أكبر همه الجهاد فى سبيل الله، وقيام منار الإسلام، وإخماد جمرة الكفر.
يرى نفسه كأحد من الناس.
ورأيت فى مسوداتى أن لما فتح السلطان صلاح الدين بيت المقدس، واستنقذه من يد الكفر، فى شهر رجب-حسبما تقدم من تاريخه-كان هذا الفتح خامس وعشرين مرة له قد استنقذ من يد المشركين بأيدى المسلمين.
قال ابن واصل: حدثنى بعض من أثق به أنه كان جالسا بحضرة السلطان صلاح الدين-﵀-وقد دخل عليه ولده عثمان الملك العزيز-وهو إذ ذاك صغير- فطلب من أبيه السلطان دينارا، فقال لمملوك قائم بين يديه: «أعطه» -أظنه خزنداره-فقال: «ما هو عندى». فأطرق إلى الأرض ساعة، وإذا بحمل من الإسكندرية وقد دخل عليه، وحمل آخر من الصعيد، وآخر من الغربية، فأمر بإفراغ المال بين يديه، ثم قسمه وفرقه [على] الجميع، حتى لم يبق منه شئ. قال الراوى كذلك: فداخلنى حنق، وكنت ممن أدّلّ عليه، فقلت: «يا مولانا كل الأمور
стр. 3218
صبرت عليها إلا هذه». قال: «وما هى؟»، قلت: «ولدك يطلب منك دينارا فلم تجده مع خازنك تعطيه، وتفرق هذه الأموال العظيمة ولا تبقى منها لولدك ما طلبه منك». فقال: «يا فلان ترى هذه الأموال والله إنما شريت بها رءوسهم ومهجهم».
قال الراوى: فو الله لقد شاهدت تلك الرءوس تتطاير بين يديه فى مواقف الحروب كالأكر، فعلمت عند ذلك جميل مقاصده، ﵀.
وروى أن السلطان صلاح الدين لما كان بدمشق-بعد مهادنة الفرنج-حضرت إليه عدة من الرسل، ومنهم رسول الفنش الكبير صاحب رومية، وكان السلطان فى طارمة له تطل على اصطبله، وخيله قدامه ما لا تبلغ ثلاثين فرسا، فنظر الرسول إلى ذلك فاستقله، فقال للترجمان: «قل للسلطان أنت ملك الأرض، وصاحب العصر، وهذه جميع خيلك؟. فنحن أى فارس مسكنة منا كان عنده أضعاف هؤلاء». فأعاد الترجمان على السلطان، فقال: «قل له جوابك غدا إن شاء الله تعالى». ثم إن السلطان رسم للحجاب أن يكون الجيش جميعه بكرة النهار مطلب، ويدخل طلبا طلبا بجميع خيولهم وجنائبهم وأثقالهم، من تحت تلك الطارمة.
فلما أصبح، وجلس السلطان، وكذلك الرسول، ودخلت الأطلاب فى أحسن زى، وأعظم هيئة، رأى الرسول ما أذهله، فقال السلطان للترجمان: «قل له هؤلاء هم خيلى وعدتى». فقال الرسول: «والله مليح. لكن يجب أن يكون للسلطان مال حاصل، فإن المال مثل العسل، والرجال مثل الذباب، متى رأى العسل اجتمع عليه». فأعاد الترجمان على السلطان ذلك، فقال قل له: «جوابك الليلة إن شاء الله تعالى». ثم أمر السلطان أن يمد الخوان جميعه عسل فى زبادى على المخافى، وأوقد الشموع. وأحضر
стр. 3219
الرسول، فمد يده إلى جميع ما رآه فوجده عسلا، فسأل من الترجمان فقال: «قل للسلطان هذا جميعه عسل إيش سببه؟». فقال السلطان: «قل له هذا جوابك، وهذا العسل، أين الذباب الذى أتى إليه؟». فقال الرسول: «هذا ليل ما فيه ذباب» فقال السلطان: «فإذا طرأ لى شغل فى ليل، والأموال فى الخزائن، أين أجد الرجال؟».
قال: فصلب الرسول على وجهه، وقال باللسان العربى: «أنت صاحب الوقت، وفاتح الأرض». وقد كان قبل ذلك لا يتكلم إلا بترجمان، ويدعى أنه لا يعرف اللسان العربى.
قال ابن واصل صاحب التاريخ: إن الحصون التى فتحها السلطان صلاح الدين ﵀؛ عن القاضى الإمام بهاء الدين أبى المحاسن يوسف بن رافع، وهم: طبرية، عكا، حيفا، قيسارية، الناصرة، أرسوف، يافا، عسقلان، غزة، الدارون، صيدا، بيروت، جبيل، هونين، جبلية، تبنين، أنطرطوس، جبلة، اللاذقية، السّرفند، القدس، نابلس، البشير، بيت لحم، بيت جبريل، صفورية، الطور، حصن دبّورية، جينين، سبسطية، كوكب، حصن عفرا، الصافية، مجدليابا، لدّ، الجب الفوقانى، الجب التحتانى، القطرون، الرملة، حصن العازرة، عرا وعرعرا، البرج الأحمر، حصن الجليل، بيت حبرون، قلنسوه، قاقون، قلعة الطفيلة، قلعة الهرمز، صفد، حصن يازور، شقيق، أرنون، شقيف تيرون، حصن سكندرونة، بانياس، صهيون، بلاطنس، حصن الحاضرية، قلعة العندقر، قصور عكا، قلعة أبو الحسن، صيدا الصغيرة، حصن بلدة، الرقيم، الكهف، حصن
стр. 3220
يحمود، السّرمانية، درب ساك، بغراس، الدانور الشرقية، بكاس، الشغر، بكسرائيل. عدة أربعة وسبعون فتوحا استنقذه من أيدى المشركين. وأما ما اقتلعه من الممالك الإسلامية فمثلها أو ينقص عن ذلك قليلا، والله أعلم.
قال ابن واصل: ما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان صلاح الدين-﵀.
استقر بدمشق وما معها الملك الأفضل نور الدين على، وبالديار المصرية وما معها الملك العزيز عماد الدين عثمان، وبحلب وما ينسب إليها الملك الظاهر غياث الدين غازى، وباليمن وأعمالها عمهم الملك العزيز ظهير الدين طغتكين بن أيوب، وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية عمهم الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وبحماه وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر، وبحمص والرحبة وتدمر الملك المجاهد أسد الدين شير كوه بن محمد بن شير كوه، وببعلبك وأعمالها الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وبيد الملك الظافر [خضر] حصن بصرى، وهو فى خدمة أخيه الأفضل صاحب دمشق.
وبيد جماعة من أمراء دولته بلاد وحصون، منهم: سابق الدين عثمان بن الداية، بيده شيزر وقلعة أبى قبيس؛ وناصر الدين منكورس بن خمارتكين بيده صهيون وحصن برزية؛ وكذلك بدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق بيده تل باشر؛ وعز الدين أسامة بيده كوكب وعجلون؛ وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم بيده بعرين وكفر طاب وحصن أفامية؛ والملك الأفضل مرجوع الكل إليه، لكونه كان ولى العهد والأكبر من أولاد السلطان، وبقية إخوته فى خدمته.
وفيها توفى سنان رئيس الإسماعيلية-صاحب التمويهات والخزعبلات العجيبة، حتى أخذ بعقول أهل تلك الديار وملك بواطنهم وظواهرهم. فمن جملة ذلك أنه حفر فى مجلسه حفيرة يكون مقدارها إذا جلس الإنسان فيها جاءت إلى رقبته، وجعل عليها
стр. 3221
طابق من خشب، ونقب فيه بمقدار ما يطلع منه رأس الإنسان. ثم صنع طبق نحاس، ونقب فيه بمقدار رقبة الرجل، وجعله بمصراعين ملتقيات متداخلات فى بعضها البعض، لا يميزه أحد، ولا اطلع عليه أحد. فكان إذا أراد أن يفعل تمويها يأخذ رجلا يختار عدمه، ويقربه أولا، ويحسن إليه، ولا يعلمه ما المراد به، ثم يجزل صلته ويوصيه بما يريد أن يقوله، ويتقن أمره معه. ثم ينزله تلك الحفيرة، ويخرج رأسه من ذلك الخرق الذى فى الطابق الخشب، ثم يطبق على عنقه ذلك الطبق النحاس المصنوع، ويضع فى الطبق حول عنق ذلك الإنسان دما غبيطا، ثم يغطيه بمنديل، ويوهم أصحابه أنه ضرب رقبته، وأنه نقله من الدار الفانية إلى الدار الباقية، مع الحور والولدان، فى جنات نعيم. ويجلس ويأمر بحضور أصحابه، فإذا استقر بهم الجلوس، يأمر من يكشف عن تلك الرأس، فلا يشك من رآها أنها رأسا مقطوعة موضوعة فى الطبق، فيقول له: «تحدث يا فلان بما أنت فيه من الخير لأصحابك، وما وصلت إليه من النعيم». فيحدثهم بما قرره معه من الوصية له، فيقول له: «أيما أحبّ إليك ترجع إلى أهلك إلى ما كنت فيه، أو تسكن الجنة حسبما رأيت». فيقول:
«وما حاجتى بالرجوع إلى الدنيا، والله إن خردلة مما رأيت خير لى من تلك الدنيا سبع مرار. وأنتم يا أصحابى عليكم سلام الله، وأوصيكم، الله! الله! الحذر! الحذر! من مخالفة هذا الصاحب الإمام، فهو حجة الله فى أرضه، والسلام».
وفيها ظهر بحمص من داخلها عيون ماء، حتى امتلأ الخندق، فشرب أهل حمص منه، فوخموا جميعهم، وظهر عقيب ذلك طاعون أهلك خلقا كثيرا من أهلها.
وفيها ورد الخبر أن ذئبا كلب، فهجم مدينة دنيسر، فأتلف اثنين وسبعين نفرا من الناس حتى قتل.
стр. 3222
وفيها خرج السلطان ملك شاه من همذان قاصدا الرّىّ، فهدمها حجرا حجرا، وقتل جماعة من أمرائها.
وفيها-فى سابع صفر-ظهر بظاهر بغداد عمود نار من الأرض إلى السماء، عرضه تقدير ثلاثة أرماح، ونظره الخليفة الإمام الناصر لدين الله، وجميع أهل بغداد.
وفيها وقع بنابلس برد، زنة كل حجر منها مائة وخمسين درهم.
وفيها نزلت صاعقة بسيخ الحديد من عمل حلب، فقتلت جماعة، وبقى مكانها خلو أربعين ذراعا. وكذلك سقط بجبل الملوان من عمل حلب برد تقدير كوز الفقاع.
ونزلت صاعقة بالياروقية من حلب، وسقطت فى اصطبل الحاجب، فقتلت له تسع أروس خيل.
стр. 3223
ذكر سنة تسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنان وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الأمر، ومستمر الأحكام، مطاع فى سائر الأرض.
والملك العزيز بمصر حسبما تقرر. والملك الأفضل بدمشق، وسائر الملوك من إخوته فى خدمته، خلا الملك الظاهر بحلب.
وفيها عزل القاضى صدر الدين أبو القاسم عبد الملك المقدم ذكره. وكان فى طول أيام السلطان صلاح الدين مستمر القضاء بمصر، فعزل فى هذه السنة. وولى القاضى زين الدين أبو الحسن على بن الشيخ شرف الدين يوسف الدمشقى. وكان المذكور نائبا عن القاضى صدر الدين بالقاهرة سنين كثيرة، فاستقر بالقضاء.
وكان السلطان صلاح الدين قد جعل لأولاده لكل واحد إقليم ملكه فى أيامه.
وجعل من الفرات إلى الشرق كله داخلا فى سلطان أخيه الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وذلك خوفا على أولاده منه. فكان الملك الأفضل بدمشق، والملك الظاهر بحلب، والملك المنصور بحماه والمعرة وقلعة نجم، والملك الأمجد بعلبك، والملك المجاهد حمص والرحبة وتدمر، والملك العزيز مصر، وباقى الملوك فى خدمة الأفضل بدمشق.
والشرق جميعه للعادل.
стр. 3224
ذكر سبب انتقاض ملك الأفضل
صاحب دمشق
وذلك أنه استوزر الصاحب ضياء الدين بن الأثير صاحب الترسل والفضيلة الحسنة. وكان له أيضا صاحبان؛ أحدهما عز الدين ابن الأثير صاحب التاريخ المشهور، والآخر مجد الدين أبو السعادات صاحب كتاب جامع الأصول فى علم الحديث. وكان هذا الرجل فاضلا، متقدما عند الملوك أصحاب الموصل من بنى زنكى. وكانوا هؤلاء الثلاث أصحاب حلّه وعقده، فأشاروا عليه أن يبعد مماليك أبيه، وينشئ مماليكا من جهته. وأوحوا إليه أن مماليك أبيه لا يرونه إلا بعين الصغر، ففعل الأفضل ذلك، وكان من سوء التدبير. فلما تباين للأمراء ذلك مالوا إلى الملك العزيز بمصر، ورحلوا إليه، فتلقاهم العزيز أحسن ملتقى، وأكرمهم، وأحسن إليهم. ورأى أمره أنه قد قوى بهم، فأشاروا عليه أن يتحرك إلى الشام، ويأخذ دمشق من أخيه الأفضل. فأراد أن يقيم له ذنبا يأخذه به فطلب منه بيت المقدس-وكان مضافا إلى مملكة دمشق-فاستشار هؤلاء، فقالوا: «لا تفعل يطمع فى سلطانك»، فامتنع.
وتجهز العزيز إلى الشام. وكانت أسماء الأمراء الذين حضروا من الشام إلى خدمة العزيز: ميمون القصرى وسنقر الكبير، مع جماعة من ملوك الأكراد، والأمير فخر الدين جهاركس. ثم تبعهم بعد ذلك الأمير صارم الدين قايماز النجمى، وكان من أكبر الأمراء الأيوبية؛ فإنه مملوك نجم الدين أيوب بن شاذى والد الملوك بنى أيوب فحضر إلى الملك العزيز بمصر. فلما علم الأفضل بتحريك العزيز إلى الشام، كتب كتابا إلى عمه الملك العادل يستنجده ويستجير به، فعندها توجه العادل من الشرق إلى نحو الشام، فوصل إلى دمشق فى اثنى عشر يوما، ووجد العزيز أيضا قد وصل دمشق،
стр. 3225
فمشى بينهما بالصلح، فاصطلحا صلح العامرية، على فساد. ولما رأى العادل اختلاف الإخوة، طمع فى الملك بالشام ومصر وغيرهما.
وكان لما بلغ سيف الدين بكتمر صاحب خلاط موت السلطان صلاح الدين فرح فرحا عظيما، وأمر أن تضرب البشائر فى سائر قلاعه وحصونه، ولقب نفسه الملك الناصر، وكتب كتبا إلى سائر ملوك الشرق، مثل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى ابن اقسنقر صاحب الموصل وحسام الدين [يولق] أرسلان بن إيلغازى، وكذلك إلى صاحب سنجار، وصاحب ماردين، وغيرهم، يستدعيهم إلى قتال الملك العادل، وأن يأخذ البلاد منه، فأجابوه إلى ذلك. وكان أول من قدم منهم صاحب ماردين وصاحب الموصل، إلا عماد الدين زنكى فإنه لم يوافقهم على ذلك. وكان اجتماعهم فى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
وأمّا ما جرى للعزيز فإنه لما خرج إلى الشام جعل ولده المنصور ولى عهده -وكان صغيرا-فأقام بهاء الدين قراقوش نائبا عنه بالديار المصرية. ولما أصلح العادل بينه وبين أخيه الأفضل حصل الخلف بين العزيز وبين أمرائه الأسدية والأكراد، ففارقوا خدمته، ومضوا إلى عمه العادل وأخيه الأفضل. وانقلب الدست عليه، فتوجه من دمشق هاربا لا يلوى على شئ. وركبوا خلفه ولحقوه ببلبيس، وحاصروه بها أياما.
ثم اصطلح مع عمه العادل وأخيه الأفضل على مال دفعه. وعاد الأفضل إلى الشام ودخل العادل إلى القاهرة، وأخلى له العزيز القصر الكبير.
وفيها عزل القاضى زين الدين.
وفيها ولى القاضى محيى الدين بن عصرون.
следующие страницы →