Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
طابق من خشب، ونقب فيه بمقدار ما يطلع منه رأس الإنسان. ثم صنع طبق نحاس، ونقب فيه بمقدار رقبة الرجل، وجعله بمصراعين ملتقيات متداخلات فى بعضها البعض، لا يميزه أحد، ولا اطلع عليه أحد. فكان إذا أراد أن يفعل تمويها يأخذ رجلا يختار عدمه، ويقربه أولا، ويحسن إليه، ولا يعلمه ما المراد به، ثم يجزل صلته ويوصيه بما يريد أن يقوله، ويتقن أمره معه. ثم ينزله تلك الحفيرة، ويخرج رأسه من ذلك الخرق الذى فى الطابق الخشب، ثم يطبق على عنقه ذلك الطبق النحاس المصنوع، ويضع فى الطبق حول عنق ذلك الإنسان دما غبيطا، ثم يغطيه بمنديل، ويوهم أصحابه أنه ضرب رقبته، وأنه نقله من الدار الفانية إلى الدار الباقية، مع الحور والولدان، فى جنات نعيم. ويجلس ويأمر بحضور أصحابه، فإذا استقر بهم الجلوس، يأمر من يكشف عن تلك الرأس، فلا يشك من رآها أنها رأسا مقطوعة موضوعة فى الطبق، فيقول له: «تحدث يا فلان بما أنت فيه من الخير لأصحابك، وما وصلت إليه من النعيم». فيحدثهم بما قرره معه من الوصية له، فيقول له: «أيما أحبّ إليك ترجع إلى أهلك إلى ما كنت فيه، أو تسكن الجنة حسبما رأيت». فيقول:
«وما حاجتى بالرجوع إلى الدنيا، والله إن خردلة مما رأيت خير لى من تلك الدنيا سبع مرار. وأنتم يا أصحابى عليكم سلام الله، وأوصيكم، الله! الله! الحذر! الحذر! من مخالفة هذا الصاحب الإمام، فهو حجة الله فى أرضه، والسلام».
وفيها ظهر بحمص من داخلها عيون ماء، حتى امتلأ الخندق، فشرب أهل حمص منه، فوخموا جميعهم، وظهر عقيب ذلك طاعون أهلك خلقا كثيرا من أهلها.
وفيها ورد الخبر أن ذئبا كلب، فهجم مدينة دنيسر، فأتلف اثنين وسبعين نفرا من الناس حتى قتل.
стр. 3222
وفيها خرج السلطان ملك شاه من همذان قاصدا الرّىّ، فهدمها حجرا حجرا، وقتل جماعة من أمرائها.
وفيها-فى سابع صفر-ظهر بظاهر بغداد عمود نار من الأرض إلى السماء، عرضه تقدير ثلاثة أرماح، ونظره الخليفة الإمام الناصر لدين الله، وجميع أهل بغداد.
وفيها وقع بنابلس برد، زنة كل حجر منها مائة وخمسين درهم.
وفيها نزلت صاعقة بسيخ الحديد من عمل حلب، فقتلت جماعة، وبقى مكانها خلو أربعين ذراعا. وكذلك سقط بجبل الملوان من عمل حلب برد تقدير كوز الفقاع.
ونزلت صاعقة بالياروقية من حلب، وسقطت فى اصطبل الحاجب، فقتلت له تسع أروس خيل.
стр. 3223
ذكر سنة تسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنان وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الأمر، ومستمر الأحكام، مطاع فى سائر الأرض.
والملك العزيز بمصر حسبما تقرر. والملك الأفضل بدمشق، وسائر الملوك من إخوته فى خدمته، خلا الملك الظاهر بحلب.
وفيها عزل القاضى صدر الدين أبو القاسم عبد الملك المقدم ذكره. وكان فى طول أيام السلطان صلاح الدين مستمر القضاء بمصر، فعزل فى هذه السنة. وولى القاضى زين الدين أبو الحسن على بن الشيخ شرف الدين يوسف الدمشقى. وكان المذكور نائبا عن القاضى صدر الدين بالقاهرة سنين كثيرة، فاستقر بالقضاء.
وكان السلطان صلاح الدين قد جعل لأولاده لكل واحد إقليم ملكه فى أيامه.
وجعل من الفرات إلى الشرق كله داخلا فى سلطان أخيه الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وذلك خوفا على أولاده منه. فكان الملك الأفضل بدمشق، والملك الظاهر بحلب، والملك المنصور بحماه والمعرة وقلعة نجم، والملك الأمجد بعلبك، والملك المجاهد حمص والرحبة وتدمر، والملك العزيز مصر، وباقى الملوك فى خدمة الأفضل بدمشق.
والشرق جميعه للعادل.
стр. 3224
ذكر سبب انتقاض ملك الأفضل
صاحب دمشق
وذلك أنه استوزر الصاحب ضياء الدين بن الأثير صاحب الترسل والفضيلة الحسنة. وكان له أيضا صاحبان؛ أحدهما عز الدين ابن الأثير صاحب التاريخ المشهور، والآخر مجد الدين أبو السعادات صاحب كتاب جامع الأصول فى علم الحديث. وكان هذا الرجل فاضلا، متقدما عند الملوك أصحاب الموصل من بنى زنكى. وكانوا هؤلاء الثلاث أصحاب حلّه وعقده، فأشاروا عليه أن يبعد مماليك أبيه، وينشئ مماليكا من جهته. وأوحوا إليه أن مماليك أبيه لا يرونه إلا بعين الصغر، ففعل الأفضل ذلك، وكان من سوء التدبير. فلما تباين للأمراء ذلك مالوا إلى الملك العزيز بمصر، ورحلوا إليه، فتلقاهم العزيز أحسن ملتقى، وأكرمهم، وأحسن إليهم. ورأى أمره أنه قد قوى بهم، فأشاروا عليه أن يتحرك إلى الشام، ويأخذ دمشق من أخيه الأفضل. فأراد أن يقيم له ذنبا يأخذه به فطلب منه بيت المقدس-وكان مضافا إلى مملكة دمشق-فاستشار هؤلاء، فقالوا: «لا تفعل يطمع فى سلطانك»، فامتنع.
وتجهز العزيز إلى الشام. وكانت أسماء الأمراء الذين حضروا من الشام إلى خدمة العزيز: ميمون القصرى وسنقر الكبير، مع جماعة من ملوك الأكراد، والأمير فخر الدين جهاركس. ثم تبعهم بعد ذلك الأمير صارم الدين قايماز النجمى، وكان من أكبر الأمراء الأيوبية؛ فإنه مملوك نجم الدين أيوب بن شاذى والد الملوك بنى أيوب فحضر إلى الملك العزيز بمصر. فلما علم الأفضل بتحريك العزيز إلى الشام، كتب كتابا إلى عمه الملك العادل يستنجده ويستجير به، فعندها توجه العادل من الشرق إلى نحو الشام، فوصل إلى دمشق فى اثنى عشر يوما، ووجد العزيز أيضا قد وصل دمشق،
стр. 3225
فمشى بينهما بالصلح، فاصطلحا صلح العامرية، على فساد. ولما رأى العادل اختلاف الإخوة، طمع فى الملك بالشام ومصر وغيرهما.
وكان لما بلغ سيف الدين بكتمر صاحب خلاط موت السلطان صلاح الدين فرح فرحا عظيما، وأمر أن تضرب البشائر فى سائر قلاعه وحصونه، ولقب نفسه الملك الناصر، وكتب كتبا إلى سائر ملوك الشرق، مثل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى ابن اقسنقر صاحب الموصل وحسام الدين [يولق] أرسلان بن إيلغازى، وكذلك إلى صاحب سنجار، وصاحب ماردين، وغيرهم، يستدعيهم إلى قتال الملك العادل، وأن يأخذ البلاد منه، فأجابوه إلى ذلك. وكان أول من قدم منهم صاحب ماردين وصاحب الموصل، إلا عماد الدين زنكى فإنه لم يوافقهم على ذلك. وكان اجتماعهم فى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
وأمّا ما جرى للعزيز فإنه لما خرج إلى الشام جعل ولده المنصور ولى عهده -وكان صغيرا-فأقام بهاء الدين قراقوش نائبا عنه بالديار المصرية. ولما أصلح العادل بينه وبين أخيه الأفضل حصل الخلف بين العزيز وبين أمرائه الأسدية والأكراد، ففارقوا خدمته، ومضوا إلى عمه العادل وأخيه الأفضل. وانقلب الدست عليه، فتوجه من دمشق هاربا لا يلوى على شئ. وركبوا خلفه ولحقوه ببلبيس، وحاصروه بها أياما.
ثم اصطلح مع عمه العادل وأخيه الأفضل على مال دفعه. وعاد الأفضل إلى الشام ودخل العادل إلى القاهرة، وأخلى له العزيز القصر الكبير.
وفيها عزل القاضى زين الدين.
وفيها ولى القاضى محيى الدين بن عصرون.
стр. 3226
ذكر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وأصبعان. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الحكم، مستمر السلطان.
والملك العزيز بمصر [ومعه] عمه العادل.
وفيها توجه العزيز والعادل عمه إلى دمشق وحاصروا الأفضل، واقتلعوا دمشق منه، وملّكها العزيز لعمه الملك العادل، وذلك فى شعبان. وعاد العزيز إلى مصر.
وتوجه العادل إلى الشرق، فبلغه أخبار بكتمر صاحب خلاط، فكتب [العادل] إلى أولاد أخيه يستنجدهم، فكان أول من وصل إليه العزيز صاحب مصر، وجدّ فى سيره حتى وافاه. وركب طريق المفازة. ثم وصل إليه الملوك أولا فأولا. فلما تكاملوا رحل الملك العادل إلى حران، ونزل بها. ثم إن عز الدين صاحب الموصل توفى. وتفللت جموع بكتمر، ورجع كل عسكر إلى بلاده.
وأرسل عز الدين صاحب ماردين يعتذر من فعله للملك العادل. ثم إن بكتمر صاحب
стр. 3227
هذه الفتنة وثب عليه فداوى فقتله، وسلّم الفداوى لبعض حاشيته له. وتمكن الملك العادل من الشرق، وملك الخابور ونصيبين وسائر تلك الأعمال. وعادت الملوك إلى بلادهم. وعاد العادل إلى دمشق، وخلف بعض أولاده بالشرق، لا أعلم أيهم كان.
وفيها وردت الأخبار أن [يعقوب بن يوسف بن] عبد المؤمن صاحب الغرب كسر ألفنش ملك الفرنج على مدينة طليطلة بالأندلس، وأسر من الفرنج ستين ألف أسير، وقتل مائتى ألف وستة عشر ألف، وكسب من السلاح والعدد ما لا يحصى كثرة، من جملتها ستين ألف زردية. وكان عدة خيام الملاعين أربع مائة ألف خيمة وستة عشر ألف خيمة، وعدد البغال التى كسبتهم عسكر [ابن] عبد المؤمن مائة ألف وخمسة وعشرون ألف بغل، وعدد الخيل ستون ألف حصان، ومائة ألف حجرة. وأن ألفنش بعد هذه الكسرة دخل طليطلة فى سبع نفر.
قال ابن واصل: فى هذه السنة كان دخول العادل إلى الديار المصرية ورجوع الأفضل إلى دمشق.
وفيها-أعنى سنة إحدى وتسعين وخمس مائة-عزل القاضى ابن عصرون.
وولى القضاء بالديار المصرية القاضى زين الدين يوسف الدمشقى.
стр. 3228
ذكر سنة اثنين وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وسبعة وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الأمر، مستمر الأحكام فى أقطار ممالك الإسلام، خلا الغرب فإن [يعقوب بن يوسف بن] عبد المؤمن فيه، يدعى بأمير المؤمنين.
وفى أول هذه السنة عزل القاضى ابن عصرون.
وفيها استعلت كلمة الملك العزيز، واجتمعت عليه الأمراء الكبار.
وقيل فى هذه السنة كان أخذ دمشق من الملك الأفضل، وتسليمها للملك العادل، وهو الصحيح.
وذلك أن الأمراء لما قووا عزم العزيز على أخذ دمشق، وتوجه لأخذها من الأفضل، وعلم الأفضل أن لا قبل له بالعزيز، سير إليه يبذل له الأموال، ويقول:
«أنا أخطب باسمك، وكذلك السكة، وأكون نائبك». فلم يقبل العزيز شيئا من ذلك. فكتب الأفضل إلى عمه العادل وإلى إخوته الملوك يستجير بهم من العزيز.
وتوجه الأفضل ونزل القصير لما بلغه قدوم العزيز. ثم ضاق ذرعه عن الملتقى، فولى هاربا إلى رأس العين فلم يشعر إلا بالعساكر المصرية وقد أدركوه،
стр. 3229
فانهزم، ودخل دمشق، وتبعه العزيز. وكان ذلك يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الآخر. ولم يزل حتى حصره [العزيز] فى دمشق يوم وليلة، فعندها وصل الملك العادل من الشرق فى اثنى عشر يوما، ودخل دمشق، وكذلك الملك الظاهر صاحب حلب، والملك المنصور صاحب حماه، والملك المجاهد صاحب حمص، والملك الأمجد صاحب بعلبك. ثم دخل الجميع دمشق إلى الأفضل. ثم كتبوا إلى العزيز يقصدوا الاجتماع به، فاجتمعوا على سطح المزة وشفع العادل فى الأفضل عند العزيز فقبل ذلك، وقال: «يا عم أنت الوالد بعد الوالد، ولا نخرج عن ما ترسم به». فلما رأى العادل حسن سياسة العزيز وغزارة عقله خطبه لا بنته، وقدمها له، فكان الملك العادل الخاطب والملك العزيز المخطوب. ثم أصلحوا بين الملكين الأخوين، وعاد كل ملك إلى بلاده. ثم تحرك أيضا الملك العزيز على الأفضل، وعاد إليه قبل دخوله إلى الديار المصرية، فإنه بلغه ممن يثق به أنه جهز عليه فداوية لقتله، فبلغ الأفضل عودة العزيز إليه فخافه، فركب بنفسه، ولحق عمه العادل، وسأله أن يقيم عنده بدمشق، فعاد معه، ونزل بدمشق. فلما بلغ الأمراء الكبار استقرار العادل بدمشق -وكان قد حصل لهم وحشة من العزيز-مالوا بأجمعهم إلى العادل. فلما حصل ذلك خشى العزيز على نفسه، فعاد إلى مصر، وأخذ بقلوب من بقى من الأمراء الأسدية، وأحسن إلى الجند، وأنعم إنعاما كثيرا، واستقر حاله.
واتفق العادل والأفضل على طلب العزيز، فتوجهوا، وإلى مصر قصدوا، فلقيهم الأمير حسام الدين بن أبى الهيجاء، وقال: «حثوا المسير فإن الأمراء المصريين كلها معكما». ثم ورد من العادل رسول على العزيز يستدعى القاضى الفاضل. وكان القاضى الفاضل قد انفرد بنفسه ذلك الوقت، وانقطع فى داره، لما رأى ما حصل من الخلف بين الإخوة. فلما وصل القاضى الفاضل تلقاه الملك العادل ملتقى حسنا، وقال:
«يا قاضى إنما جئت لأوفق بين الإخوة». ثم وفّق بينهما فى حديث طويل، آخره أنه أخذ الأفضل وعاد إلى دمشق.
стр. 3230
وقيل إنه دخل مصر، ونزل فى القصر عند العزيز، حتى اتفق معه، وخرجا جميعا، واستقلعا دمشق من الأفضل، وأنعما عليه بصرخد. وملّك العزيز لعمه العادل دمشق، حسبما تقدم من الكلام فى هذا المعنى؛ والله أعلم.
قال ابن واصل إن فى هذه السنة-أعنى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة-كان أخذ دمشق من الملك الأفضل بسوء تدبير وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزرى. ولما وصل الملكان العادل والعزيز لحصار دمشق، كتب إليهما جميع الأمراء الذين كانوا بها بالتسليم كرها للوزير المذكور، فلم يحتاجا لمدة حصار. ولم يقاتل فى ذلك اليوم غير الملك الظافر مع عسكر بعثهم نجدة الملك الظاهر صاحب حلب. وجرح فى ذلك اليوم الظافر جراحا كثيرة. ولم تقم البلد إلا ساعة من نهار، ودخلها الملكان المذكوران، وخرج الملك الأفضل صبيحة ذلك اليوم بأهله وأمواله، وكانت ليست بشئ. واختفى الوزير ضياء الدين فى بعض صناديق الأفضل، ثم هرب إلى الموصل بأموال جمة.
وتوجه الأفضل وصحبته أخوه الملك المفضل قطب الدين إلى صرخد، واستقرا بها.
وكان دخول العزيز إلى دمشق رابع شعبان. وأخذت أيضا بصرى من الظافر، وتوجه إلى أخيه الظاهر بحلب.
وسلم الملك العزيز دمشق لعمه الملك العادل، ورحل من دمشق عشية الاثنين تاسع عشر شعبان، فكانت مدة إقامته بها أربع عشر يوما.
وكانت مدة ملك الملك الأفضل دمشق ثلاث سنين وأشهرا. واستقرت الخطبة والسكة بدمشق وأعمالها للملك العزيز، والملك العادل يظهر أنه نائب له بها إلى أن استقام له الأمر، حسبما ما يأتى من ذلك.
стр. 3231
ذكر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وخمسة وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأصبعان.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الأوامر، مستمر الأحكام، مطاع فى سائر الممالك الخليفتيه الناصرية بالأرض. والملك العزيز بمصر.
وفيها سيّر [العزيز] إلى جميع الملوك من إخوته، بالممالك الشامية، القاضى ناصح الدين الطالقانى-قاضى العساكر-وصحبته الأمير علم الدين-غلامه-وأمرهم أن يخطبوا له فى منابر ممالكهم وبلادهم، وأن ينقش اسمه على الدينار والدرهم، فامتثلوا ذلك. وسير عسكر مصر إلى خدمة عمه الملك العادل.
وفتح قلعة يافا واستعادها من الفرنج.
وفيها أنشأ الأمير فخر الدين أياز جهاركس الناصرى الصلاحى القيسارية بالشرابشيين بالقاهرة المعزية.
قال ابن واصل: وفى سنة ثلاث وتسعين توفى سيف الإسلام صاحب اليمن، فى شهر شوال منها. وكان يلقب بالملك العزيز، ومدحه فى حياته [شرف الدين] ابن عنين بقصيدة منها:
دمشق وبى شوق إليها مبّرح ... وإن لام واش أو ألحّ عذول
بلاد بها الحصباء درّ وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل منها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل
стр. 3232
ومنها:
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى ظهير الدين فىّ جميل؟
بنى المجد أمّا جاره فمنّع ... عزيز، وأما جنده فذليل
وأما عطايا ماله فمباحة ... عذاب، وأما ظلّه فظليل
وقام بعده بمملكة اليمن ولده إسماعيل، ولقب المعز لدين الله، آخر وقت، وخطب لنفسه بالخلافة، وادعى أنهم من بنى أميّة. وكان فى عقله ضعف، وقد تقدم ذكر ذلك.
وفيها توفى عماد الدين [زنكى بن مودود] صاحب سنجار، وقام ولده قطب الدين محمد مكانه.
стр. 3233
ذكر سنة أربع وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأحكام، مطاع الأمر، والملك العزيز صاحب مصر، وكذلك بقية الملوك.
وفيها نزلت الفرنج-خذلهم الله تعالى-على تبنين، وحاصروها. فلما بلغ الملك العزيز ذلك، خرج بالجيوش لدفعهم عنها. فعند ما أطلت أعلامه عليهم رحلوا عن البلد صاغرين. وكان الملك العادل عنده، قد أتاه زائرا لابنته زوجة العزيز.
وفى هذه السنة كانت الوقعة العظيمة بين السلطان غياث الدين محمد بن سام وأخوه شهاب الدين الغورى، وبين ملك الهند. وذلك أن شهاب الدين الغورى كان قد كسر قبل ذلك من ملك الهند. ثم إنه اتفق مع أخيه صاحب الغور وسارا طالبين ملك الهند، فلما قاربا، قال رجل شيخ لشهاب الدين الغورى: «لا ينبغى أن تقدم عليهم فى بلادهم مع كثرتهم؛ وقد جرى لك معهم ما جرى». فقال:
«والله إنى منذ كسرونى ما نمت مع زوجتى، ولا غيرت ثياب البياض، وها أنا سائر إليهم ومعتمدا على الله ، وإن نصرنى نصر دينه، وكان ذلك من فضله، وإن هزمونى فلا تطلبونى فإنى لا أنهزم بل أموت كريما». فلما قاربهم خرجوا إليه، فأظهر الهزيمة، وهم فى أثره إلى أن قاربوا بلاد الإسلام. ثم عبأ أصحابه فى بعض الليالى،
стр. 3234
وكبسهم بغتة، فقتلهم قتلا ذريعا، إلا من هرب منهم. وكانت نصرة عظيمة.
وهذه الوقعة لم يكن ملك الهند فيها. فلما بلغه ما جرى على أصحابه جمع جيوشه، وكان فى جملتها سبع مائة فيل حربية، وعدة جيشه ألف ألف مقاتل. وقصد بلاد الإسلام، فسار شهاب الدين الغورى من غزنة لملتقاه، وكان فى مائة ألف وعشرين ألفا، والتقيا. وصبر المسلمون على قتال المشركين، ونصر الله دينه، وخذل الكفرة عبّاد النار والأحجار. وكثر القتل فيهم حتى امتلأت تلك الصحارى والفلوات.
وأما الأفيلة فقتل بعضها، وانهزم بعضها. وقتل ملك الهند فى تلك الوقعة. ثم إن شهاب الدين دخل إلى عظيم بلاد الهند وملكها، وحمل من خزائنها ألف وأربع مائة حملا ذهبا، وعاد إلى غزنة وصحبته الأفيلة برجالها، وفيهم فيل أبيض. وحكى ابن واصل فى تاريخه عن الشيخ تاج الدين بن الساعى أن هذا الفتح كان فى سنة تسعين وخمسمائة.
ولما اتفق الملك العزيز والملك العادل على إخراج الملك الأفضل من دمشق، ونفيه إلى صرخد، كتب [الأفضل] إلى الإمام الناصر يتظلم منهما، ويقول:
مولاى: إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان أحاطا بالسيف إرث على
فانظر لصاحب هذا الاسم كيف لقى ... من الأواخر ما لاقى من الأولى
وهذان البيتان ضمنهما آخر مطالعته للإمام الناصر فأجابه فى آخر مكاتبته:
وافى كتابك يا بن يوسف معلنا ... بالودّ يخبر أن أصلك طاهر
стр. 3235
غصبوا عليّا حقه إذا لم يكن ... بعد النبىّ له بيثرب ناصر
فاصبر فإن غدا عليه حسابهم ... وابشر فناصرك الإمام النّاصر
ثم لم يزل الأفضل مهجّجا من كل مكان حتى ملك فى آخر وقت مدينة سميساط.
ومات بها فى تاريخ ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 3236
ذكر سنة خمس وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة اثنا عشر ذراعا وأحد وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، نافذ الأمر، مستمر الحكم.
وفيها توفى الملك العزيز-﵀-ليلة الحادى والعشرين من المحرم.
ذكر تملك المنصور بن الملك العزيز
هو ناصر الدين محمد الملك المنصور بن عماد الدين عثمان الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين. وباقى نسبه قد تقدم.
كان ولى عهد أبيه فى حياته. فلما توفى والده، جلس بمملكة الديار المصرية فى تاريخ وفاة أبيه، وعمره يومئذ تسع سنين وشهورا.
وكان سبب وفاة الملك العزيز أنه خرج إلى الصيد بناحية الإسكندرية، وأمعن فى البرية لصيد الغزال، فساق، فتقنطر من على جواده. ثم عاد إلى منزلة الأهرام، فأقام بها ثلاثة أيام، وتوفى إلى رحمة الله تعالى. وكان ملكا جوادا، سمحا، شجاعا، مقداما، صاحب رياسة وسياسة وعقل وافر، وتدبير حسن، كثير الحياء والعدل، والإنصاف والرفق، والإحسان إلى الرعية. وكانت الرعايا يحبونه محبة عظيمة.
وكان قبل وفاته قد تحركت الفرنج حركة عظيمة، وعزموا على أخذ الساحل من المسلمين، مع الشام كله. وخرج الملك العادل إلى مقابلتهم. ونفّذ يطلب النجدة من العزيز، فسير إليه العساكر فى جمع كبير. ووصل إلى خدمته سنقر الكبير صاحب القدس، وميمون القصرى صاحب نابلس، وعدة أمراء ملوك. واجتمعوا ونزلوا
стр. 3237
على تل العجول. ثم إن العادل نزل على يافا وحاصرها، وأخذها بالسيف عنوة، وقتل كل من كان بها، وغنم منها غنائم كثيرة. ثم إن الفرنج-خذلهم الله-نزلوا على تبنين فبادرهم حسام الدين سامه وتبعتهم الجيوش الإسلامية. فلما كان نصف الليل هربت الملاعين. ثم لم يزل الملك العادل يغزو فيهم حتى أقلقهم، وسألوا المهادنة، ووقعت الهدنة بينهم إلى مدة ثلاثة شهور بعد ثلاث سنين. ثم رحل العادل إلى الشرق، ونزل على ماردين، وأخذ ربضها، وكان بها نائبا يقال له نظام الدين.
وكان قد كتب إلى العادل يستدعيه لأخذها بعد موت عز الدين صاحبها، كما تقدم من الكلام فى ذلك. ثم إنه ندم على مكاتبة العادل، وسوّف، وظهر محاله وكذبه.
وسير العادل، وطلب العساكر من الملوك أولاد أخيه، فحضروا إليه وجدّ فى حصار ماردين. ثم وقع فى الخيل مرض الطابق. ولم يزل يجد فى أمر الحصار حتى فتحها وعاد إلى الشام.
وفيها توفى الملك العزيز سيف الإسلام [ظهير الدين] طغتكين صاحب اليمن.
وفيها توفى الأمير نجم الدين النورى صاحب شغربكاس والشقيف، وهذه الحصون كان أنعم عليه بها السلطان صلاح الدين-أستاذه-فى حال حياته.
стр. 3238
ولما استقر الملك المنصور بن العزيز بالمملكة-وهو إذ ذاك طفل-نفذ إلى عمه الملك الأفضل فأحضره من صرخد، وجعله أتابك جيوشه، خوفا من العادل عم أبيه.
وقيل إن ذلك كان بوصية من العزيز له.
وكان دخول الأفضل القاهرة فى شهر ربيع الأول. وفى يوم وصوله إلى بلبيس ورحيله متوجها إلى القاهرة انفصل أياز جهاركس، وسرا سنقر، وقراجا الكبير، من الخدمة بديار مصر، وتوجهوا إلى القدس، وأقاموا به عاصين على الأفضل، وكاتبوا الملك العادل.
وفيها عزل القاضى زين الدين عن الحكم.
وفيها توجه ألطنبا الجحاف مع جماعة من الأمراء المصريين إلى الشام، ولحقوا بمن تقدمهم.
وفيها تجهز الأفضل، وخرج بالعساكر المصرية إلى الشام، لمحاصرة عمه العادل.
وفيها قبض [الأفضل] على أخيه المؤيد [مسعود] مع جماعة من الأمراء المصريين، وأودعهم الاعتقال.
وقيل إن العادل كان بالشرق، وولده الكامل بدمشق. فلما بلغ العادل توجّه الأفضل من الديار المصرية إلى نحو الشام، خشى على ولده، وأن تؤخذ دمشق، فساق فى خيل يسيرة جريدة، فوصل فى إحدى عشر يوما. ودخل دمشق قبل وصول أحد إليها، وأمر الكامل أن يتوجه إلى الشرق، ويكون على يقظة من أمره، وذلك فى ثالث شعبان من هذه السنة. ثم إن الأفضل زحف إلى دمشق، وجرى بينهما قتال عظيم، وحرب شديد، وقتل من الفئتين خلق كثير. واستظهر الأفضل، ولم يبق إلا أخذ دمشق، وتحصّن العادل بالقلعة. ثم إن عسكر الأفضل تفرق، ودخلوا دمشق من عدة أماكن، وتفرقوا للنهب، فنزلت الأمراء العادلية،
стр. 3239
والملك العادل بنفسه، وغلقوا أبواب دمشق. ووقع السيف فى جماعة عسكر الأفضل ممن دخل دمشق، فقتل جماعة كبيرة، وعرّوا الباقى وأطلقوهم، فعند ذلك تأخر الأفضل ونزل الكسوة، وعاد العادل محصورا طول بقية هذه السنة.
وفيها كان بمصر غلاء شديد، بلغ القمح فيها ثمانين درهما الأردب، والشعير والفول أربعين درهما.
стр. 3240
ذكر سنة ست وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة اثنا عشر ذراعا وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأمر، نافذ الحكم.
والملك المنصور بن العزيز صاحب مصر. وأتابك جيوشه الأفضل عمه. والملوك من أولاد السلطان صلاح الدين على ممالكهم، وهم فى معونة الأفضل على حصار العادل عمهم بدمشق.
وفيها وصل الملك الكامل من الشرق بجيوش كثيفة، لنجدة أبيه العادل.
وكان سبب وصوله وقدومه مكاتبة أبيه له، يحثه على حشد الجيوش، وسرعة قدومه إليه، ليستنقذه مما هو فيه من الأفضل وإخوته. وذلك أن العادل ضاق ذرعه من الحصّار وعدم القوت بدمشق، وفارقه جماعة من أصحابه. فلما ضاق به الأمر طلب الأسرى الذين كانوا عنده من الفرنج، وقال: «أسلم إليكم هذه البلد وتعطونى الكرك بجميع ما فيها»، فلم يوافقوه على ذلك. ثم شاور كبار خاصته، فقالوا:
«ابعث إلى ولدك يأتيك بالأموال والرجال». فكتب إلى ولده الكامل أن يحصّل جميع ما أمكنه من الأموال والرجال، ويسرع فى الحضور. وكتب إلى النائب بقلعة جعبر أن يسلم للكامل جميع ما فى الحصن من الأموال والسلاح.
ولما وصل الكامل بتلك الأموال والجيوش، اطمأن قلب الملك العادل، وعلم أنه قد استقر حاله. ثم حصل الخلف بين الأفضل وأخيه الظاهر صاحب حلب،
стр. 3241
وانفسد الحال على الأفضل، ورحلت الملوك من عنده، وطلب كل أحد بلاده.
ورحل الأفضل خائبا، هاربا، طالبا للديار المصرية. وخرج العادل فى أثره بالجيوش.
وكان الأفضل قد وصل إلى القاهرة وأصلح حاله، وخرج لملتقى العادل، فالتقيا على الصالحية، وانكسر الأفضل كسرة عظيمة لا جبر لها. ودخل القاهرة فى نفر قليل. وأقام العادل على الصالحية، وسير إلى الأفضل رسول يقول له: «أنت تعلم أن مصر إقليم عظيم، وله فى أنفس الناس ناموسا عظيما، فالله الله لا تحوجنى أخذها منك بالسيف، فيكون ذلك نقصا فى حق هذا الإقليم، فارحل عنها إلى مكانك بصرخد، وأنت آمن على نفسك ومالك وحريمك». فقبل الأفضل ذلك، ورحل إلى صرخد، بالرغم منه.
وكان [أن] أعطاه العادل فى الصلح ميافارقين وعدة بلاد، وقع اليمين عليها.
ثم انتقض الحال فى أمر البلاد المذكورة، ولم يستقر للأفضل غير صرخد فقط.
ودخل الملك العادل إلى مصر سلطانا مستقلاّ، وهو السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، وباقى نسبه قد علم. استبد بالملك بالديار المصرية والبلاد الشامية بدمشق وأعمالها، وممالك الشرق التى كانت فى يده قبل ذلك من حياة أخيه السلطان صلاح الدين، ﵀. وملك جميع ذلك فى هذه السنة المذكورة، وقام بالملك أحسن قيام، ونظم الأحوال أحسن نظام، ومشى على ما كان عليه أخوه السلطان صلاح الدين، ﵀. وأقام بالديار المصرية بقية هذه السنة، ثم أقام بها الملك الكامل، وتوجه [العادل] إلى بلاد الشرق حسبما يأتى من ذكره.
قال ابن واصل: إنما كان دخول العادل إلى الديار المصرية أولا أتابكا للملك المنصور. ثم استقبح ذلك فاستبد بالأمر، وقام بأمر السلطنة، فلذلك حصلت الوحشة من الأمراء الصلاحية، وخرجوا عن طاعة الملك العادل خيفا من ذلك.
وفيها توفى القاضى الفاضل، رحمه الله تعالى.
стр. 3242
ذكر القاضى الفاضل وفقر من ترسّله
هو القاضى الفاضل عند اسمه، الآخذ من درجة السبق فى الفضيلة بأوفر من نصيبه وقسمه، عبد الرحيم بن على البيسانى. قال: «أنفذنى والدى من عسقلان إلى الديار المصرية أيام الفتنة بوزارة شاور، وكتب على يدى كتاب إلى صاحب ديوان الترسل، وكان يعرف بابن الخلال. فلما مثلت بين يديه، وقرأ الكتاب، وفهم أنى من طلبة علمه قال لى: «يا ولدى ما الذى اعتدته وحصلته لهذه الصناعة؟» قلت: «حفظ كتاب الله العزيز وكتاب الحماسة». قال: «إن فيهما لكفاية، مع ما أرى من نجابتك».
ثم ترقت به الأحوال إلى أن صار منه ما شاع وذاع، وشنف بذكر محاسنه الأسماع.
وإن كان آخر فقد تقدم بفضله على الأوائل، وعبر على وجه قس وسحبان وائل.
لا أعلم بالمشرق والمغرب مثله، وعنوان عجائبه مثل قوله: ووافينا قلعة نجم وهى نجم فى سحاب، وعقاب فى عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل.
كان الهلال لها قلامة. قلت: ما أحسن هذا الحل بالمعنى. وبعض اللفظ من قول ابن المعتز:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
فإن جل المنظوم على ثلاثة أضرب؛ الأول-وهو أقلهم رتبة-وذلك أن تحلّه بمعناه ولفظه؛ والثانى أعلى منه رتبة أن تحل ببعض لفظه وبمعناه؛ والثالث أن تحل بالمعنى دون اللفظ، وهو أفضل الثلاث، والله أعلم.
نقلت من حظ القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر-﵀-يقول: نقلت من خط الأشرف بن الفاضل-﵀-قال: اختار الله لجدى-﵀-جواره ليلة الأحد الحادى عشر من شهر ربيع الأول، سنة ست وأربعين وخمسمائة. واختار الله
стр. 3243
لعمى السعيد أبى الحسن جواره ليلة الجمعة الثانى والعشرين من جمادى الآخرة، سنة تسع وخمسين وخمسمائة بالقاهرة، ودفن بسارية. واختار الله لعمى الفتح جواره بالإسكندرية ليلة الثلاثاء تاسع وعشرين شعبان سنة أربع وتسعين وخمسمائة. واختار الله لسيدى والدى ﵀-يعنى الفاضل-جواره ليلة الأربعاء السابع من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين بالقاهرة، ودفن بسارية.
ومن فقر القاضى الفاضل ﵀-وهو من باب المرقص فى النثر- «لبد الماء فى اللبابيد فثقل وزنها، وانعكس فيها التشبيه فصار كالجبال عهنها».
وقوله فى فتح طبرية: فلما نظر إليها مالكها، وقد جعلنا عاليها سافلها، وأيقظنا بصياح السيف نائمها، وأنبهنا غافلها. . .
وقوله: وافى الأصطول الميمون فى خمسين غرابا طائرا من القلوع بأجنحته، كاسرا بمخاليب أسلحته، فما وافى شملا إلا دعاه إلى الحسين، وحقق ما يعزى إلى غراب البين.
وقوله: وأخذنا بالحزم، فسرنا إليهم سرى الطيف، واختطفناهم قبل بكور الغراب بمنشر الرمح، وخناج السيف.
وقوله: من حمل السنين ثقلت على ظهره، ومن قصرت خطاه اتسعت إلى قبره.
وقوله: وقد أثر هذا البيكار فى استطاعتهم لا فى طاعتهم. وقوله فى التوسط بين الإخوة الملوك-وهما العزيز والأفضل-حسبما تقدم من ذكرهم: وما أدخل بينكم إلا كدخول الميل بين الأجفان يرد إليها ما ذهب من الغمض، وكالنسيم بين الأغصان يميلها ويعطف بعضها على بعض.
وقوله فى ملك الاسبتار: جهول، عجول، ما أدبه الوالدان، ولا أخلقته
стр. 3244
الجديدان، أرعن من سكر الحداثة، مقسم الرأى، وكيف لا يكون مقسمه وهو عابد الثلاثة.
وقوله فى الدعاء للسلطان: جعل الله الأرض التى يملكها منقلة، والأرض التى يطؤها مقبلة، والأرض التى يجر عليها عسكره مثقلة، والأرض التى يلقى فيها أعداءه مقتلة.
وقوله فى أمثاله: عضة المحبّ ولا قبلة الجانى!
وقوله: الركوب على الخنافس، ولا المشى على الطنافس!
وكتب إلى السلطان صلاح الدين من مصر فى أثناء مكاتبة، وذكر النيل، وعرض بما أظهره الملك العزيز ولده من تأمين السبل فقال: وأما النيل، فكما قال جميل، قد امتدت أصابعه، وتكسرت بالموج أضالعه، واحمرّ صفحه الحاكى مذاقه جنى النحل، فكأنه سيف ظل به دم المحل. وحيثما توجه المسافر يلقاه، وليس بمصر قاطع طريق سواه.
وكتب إلى عامل تشكّى منه: وقد وصل أهل عملك، يشكون سوء عملك، فإن كان الاختيار صدفك فإن الاختبار صرفك.
وله فى جملة رسالة يقول: ولو كاتبت سيدنا بمقدار شوقى إليه لأضجرته، ولو أغيبته بقدر ثقتى به لهجرته.
ومن مليح شعره وقد أعرقته الحمى يقول:
لا تنكروا عرق المريض فإنه ... لضرورة أمست إليه داعية
فلكل عضو مقلة من حقها ... طول البكاء على فراق العافية
стр. 3245
وقوله فى الغزل:
ولما بدا خط بخد معذبى ... كظلمة ليل فى ضياء نهار
خلعت عذارى فى هواه ولم أزل ... خليع عذار فى جديد عذار
قلت: وقفت على ترسل ابن الصيرفى المصرى-وكان إمام الكتاب بالديار المصرية فى المائة الخامسة-ولعل الحاذق الفطن إذا أمعن النظر فى ترسّل هذا الرجل المذكور، يجد القاضى الفاضل مستمدّا منه.
ومن ملح ترسله قوله: وجاءت غربان الماء تحكى قطع السحاب فى أديم السماء، يحسب الناظر أنها ركائب قد طفت فى بحر السراب، أو جفون محدقة والمجاديف لها أهداب.
ونظرت فى مجموع بيتين فى غاية الرقة. يقول جامعه: هو لابن الصيرفى-فما أعلم هو هذا ابن الصيرفى أم غيره-وهما:
توهمه قلبى فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظرى أثر
ومرّ بقلبى خاطرا فجرحته ... ولم أر جسما قط يجرحه الفكر
ومن المحفوظ فى المعنى:
نظرت إليه نظرة فتحيّرت ... دقائق فكرى فى بديع صفاته
فأوحى إليه القلب أنى أحبه ... فأثر ذاك الوهم فى وجناته
ومن المحفوظ أيضا:
دعوت بماء فى إناء فجاءنى ... غلام به خمر فأوسعته زجرا
فقال هو الماء القراح وإنما ... تجلّى له خدى فأوهمك الخمرا
ومن المحفوظ أيضا:
وقد كنت مستعن بلحظك وحده ... فكيف وفيه سبعة خيرها شرّ
سقام وأسد ضاريات وأسهم ... وسمر القنى والسحر والسيف والخمر
стр. 3246
فماذا تقل فيمن حوى فيك أربع ... بواحدة منهنّ ينفطر الصخر
فأيامه سود وبيض لحاظه ... وأضلعه صفر وأدمعه حمر
ومن المحفوظ أيضا:
كأن فى فيه خمّارا ولأّلا ... وبين جفنيه نفاثا ونبّالا
منوّع الحسن يبدى من محاسنه ... لأعين الناس أصنافا وأشكالا
فلاح بدرا ووافى دمية ورنا ... سيفا وماج نقا واهتز عبيالا
وافترّ درّا وغنّى بلبلا وذكا ... مسكا وعنّ طلا وازورّ ريبالا
ومن المحفوظ أيضا فى ساق لسيف الدين المشدّ:
ساق تجلى كأنه قمر ... على قوام أفديه من ساق
لما رآنى وقد فتنت به ... من عظم وجدى وفرط أشواقى
شمّر عن ساقه غلائله ... فقلت مهلا واكفف عن الباقى
غنى وكاس المدام فى يده ... قامت حروب الهوى على ساق
ومن ذلك فى المعنى:
لم أنسه إذ قام يكشف عامدا ... عن ساقه كالجوهر البرّاق
لا تعجبوا أن قام فيه قيامتى ... إن القيامة يوم كشف الساق
ولنعود الآن إلى سياقة التاريخ بعون الله تعالى، وحسن توفيقه. وإنما قصدنا بإثبات هذه المقطعات لتنشيط القارئ، ولا يمل ويسأم من فنّ واحد، فإذا خرج به شجون الحديث من فنّ إلى فنّ، كان لزناد فكرته أقدح، ولطير نظرته أصدح.
стр. 3247
قال الإمام علىّ-كرّم الله وجهه-: «إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، فابتغوا لجلائها طرائف الحكم».
وقال سيدنا رسول الله- ﷺ : «إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا».
وفى هذه السنة اشتد الغلاء بمصر، وبلغ الأردب القمح مائة درهم، والشعير والفول من خمسين إلى ستين، فنعوذ بالله من أمثالها.
وفيها خطب باسم الملك الكامل ناصر الدين محمد مع اسم أبيه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بالديار المصرية؛ ونقش ذلك على الدينار والدرهم.
وفيها عزل القاضى زين الدين، وأعيد إلى الحكم القاضى صدر الدين المقدم ذكره، وكان وجيها عند الملك الكامل.
стр. 3248
ذكر سنة سبع وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ذراعان فقط. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأمر، نافذ الحكم.
والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر وولده الملك الكامل، ملوك مصر والشام بأعمال دمشق وما معها مع الشرق، وما بأيديهما منه. وبقية الملوك أولاد السلطان صلاح الدين فى بلادهم مستمرين الممالك بها. والغلاء مستمر بمصر.
وفيها احترق البحر احتراقا عظيما، حتى نشف قدّام المقياس، وحفر قدامه، وارتدمت طاقات الماء، وجدد حفره، وكان ارتدم من بحر مصر شرقى الجزيرة.
وفيها قبض السلطان الملك العادل على أولاد أخيه؛ المؤيد والمعز، واعتقلهما فى دار بهاء الدين قراقوش.
وفيها كثرت الفقراء والصعاليك بمصر والقاهرة؛ وخلت الأرياف والضّياع، واشتد بالناس الجوع، وأكل بعضهم بعضا، وأكلوا الميتة، وفرق بعضهم على الأغنياء.
والتزم الملك العادل بمؤنة ستة آلاف نفر. وكان يموت بمصر والقاهرة كل يوم ما يزيد عن الستمائة والسبعمائة من الجوع.
وفيها لحق الملك الكامل جدرى، وعوفى منه.
وفيها خرج السلطان الملك العادل إلى البركة وخيّم بها، لما بلغه خروج الملك الظاهر صاحب حلب إلى منبج وملكها. وتوجه إلى قلعة نجم وحاصرها. واختلفت الناصرية على الملك العادل. وبلغه أن الظاهر نزل على دمشق، فتوجّه العادل من البركة، ووصل نابلس، وخيم بها. فلما بلغ الظاهر ذلك عاد إلى حلب. فنفّذ السلطان ولده الملك المعظم عيسى وقلده مملكة دمشق. ثم توجه العادل ودخل الشرق، واستولى على عدة ممالك، وهم: حرّان، والرها، وسروج، وجبل عوف، وميافارقين،
стр. 3249
وسميساط. وملّك ميافارقين لولده الملك الأوحد نجم الدين، وعاد السلطان إلى مصر.
وفيها اشتد بالناس الغلاء، وهرب أكثر أهل مصر إلى الغرب وإلى الحجاز واليمن والشام وتفرقوا أيدى سبا. وكان ذلك أعظم مما جرى فى زمان المستنصر فى سنة عشر السبعين والأربعمائة حسبما ذكرناه فى سنيه.
وروى الناس من الثقاة، أن فى هذه السنة كان يقوم الرجل فيذبح ولده الصغير، وتساعده أمّه على طبخه، ويأكلونه. ولما اطلع السلطان على ذلك، مسك منهم جماعة فعلوه، فأمر بحرقهم، فأحرقوا بمشاهدة جميع الناس. وعادوا يفعلون ذلك، مع من يقدرون عليه وعلى تحصيله، مثل طبيب يدعى لينظر إلى مريض، فعندما يحصل فى الدار يثبوا عليه فيقتلونه ويأكلونه. وكذلك مثل مزين، وجرائحى، وسائر أرباب الصنائع، الذين يستدعون إلى المنازل ليصنعوا شيئا من صنائعهم، فيفعلون به كذلك، وعادوا يختطفون الصغار والصبيان من الحارات والأزقة. وحصر من كفّنه السلطان فى مدة عشرة أيام فكانوا مائة ألف وعشرين ألف. وصلى خطيب الإسكندرية فى يوم واحد على سبعمائة جنازة من أعيان الناس، خارج عمن لا يعبأ به.
وكان أشد الغلاء والوباء بالديار المصرية فى شهر رمضان، بلغ فيه القمح سبعة دنانير مصرية الأردب، والشعير والفول خمسة. ولا عاد يوجد شئ من سائر الحبوب، وآلت مصر إلى الخراب الكلى، لولا لطف الله بعباده. وطلع نيلها فاطمأنت نفوس الناس قليلا.
وفيها كانت الزلزلة العظيمة فى شهر شعبان، أتت من نحو الصعيد، فعمت الدنيا فى ساعة واحدة، وهدمت بنيان مصر، حتى عدم تحت الهدم عالم عظيم. ثم وصلت بالشام والساحل، وهدمت نابلس، حتى لم يبق بها جدار قائم إلاّ حارة السّمرة.
(١١ - ٧)
стр. 3250
وهلك تحت الردم ثلاثون ألف إنسان. وكذلك هدمت عكا وصور، مع قلاع الساحل.
وامتدت إلى دمشق، فهدمت بعض المنارة بجامع بنى أمية، وأكثر الكلاسة، والبيمارستان النورى. وهرب الناس إلى الميادين. وسقط من الجامع ستة عشر شرافة، وانشقت قبة النسر. وامتدت إلى بانياس وهونين. وخرج قوم من أهل بعلبك سائرين فى طريقهم، فسقط عليهم جبلا، فهلكوا تحته. وهدمت أكثر قلعة بعلبك مع عظيم بنائها. وامتدت إلى حمص وحماة وحلب. وقطعت البحر إلى قبرص، وانفرق البحر فصار أطوادا، وقذف بالمراكب إلى الساحل، وتكسرت منه عدة مراكب.
ثم وصلت إلى أخلاط وأرمينية وأذربيجان والجزيرة. ووصلت إلى العجم، فأحصى من هلك فى بلادها تحت الردوم، فقيل كان ألف ألف ومائة ألف. وكان قوة الزلزلة فى مبتدأ أمرها أقامت بقدر ما يقرأ الإنسان سورة الكهف، ثم عاودت بعد ذلك أياما.
وفيها توفى الشيخ جمال الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن عبد الله بن حماد ابن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزى بن عبد الله بن القاسم بن النظر بن القاسم بن محمد ابن عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، رضى الله عنه. وهو ابن الجوزى الواعظ المشهور. وقيل إن أباه توفى وتركه وهو ابن ثلاث سنين. وكان له عمة صالحة، وكان أهله تجارا فى النحاس. فلما كبر، حملته عمته إلى مسجد أبى الفضل، وأسمعته الحديث. وقرأ القرآن، وعنى بأمره شيتم ابن الزعفرانى، وعلمه الوعظ. واشتغل بفنون العلم، وأخذ اللغة عن أبى منصور الجواليقى. وصنف الكتب فى فنون شتى، وقيل بلغت مصنفاته نحوا من ثلثمائة كتاب. وحضر مجلسه الخلفاء والوزراء والعلماء والأئمة والملوك والأمراء. وأقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف نفر. وأوقع الله له فى قلوب الناس المحبة والقبول
стр. 3251
والهيبة. وكان زاهدا فى الدنيا. وقال صاحب هذا النقل عنه أنه سمعه يقول: «كتبت بأصبعى هاتين ألفى مجلد». وتاب على يده ما يزيد عن مائة ألف إنسان. وأسلم على يده نيف وعشرة آلاف يهودى ونصرانى. وكان يختم القرآن فى كل سبعة أيام.
ولا يخرج من بيته إلا إلى الجامع الجمعة، أو عند ما يحضر مجلسه للوعظ. ولا رآه أحدا مازحا قط، ولا رئى فى صباه يلعب قط. وهو صاحب كتاب التاريخ الكبير المسمى بمرآة الزمان، جمع فيه من العجائب والغرائب ما نثرت منه جملة فى هذا التاريخ. رحمه الله تعالى، وسائر علماء المسلمين.
وفيها توفى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، وكان خادم أسد الدين شير كوه، عم السلطان صلاح الدين. وجعله السلطان صلاح الدين زمام قصره. وكان رجلا مسعودا ذو همة، وهو الذى بنى السّور المحيط بمصر والقاهرة، حسبما تقدم من ذكر ذلك. وبنى القناطر بالجيزة التى على طريق الأهرام. وعمّر بالمقسم رباط، وبظاهر باب الفتوح خان سبيل. وله وقف كثير لا يعرف الآن. وكان حسن المقاصد، جميل النية. وكان كما تقدم من الكلام أنه أخذ أسيرا من عكا لما أخذها الفرنج، فاشترى نفسه منهم بعشرة آلاف دينار. وقال القاضى بهاء الدين بن شداد فى سيرة السلطان صلاح الدين: أنه انفك من الأسر يوم الثلاثاء حادى عشر شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. قلت: والناس ينسبون إليه أحكاما عجيبة فى ولايته، وهى بالعكس مما يروونه عنه، حتى أن الأسعد بن مماتى صنع جزءا لطيفا وسمّاه «الفاشوش فى أحكام قراقوش».
وفيها توفى سقمان الملقب قطب الدين بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان؛ صاحب آمد وحصن كيفا. سقط من سطح جوسق فمات. وملك أخوه محمود، وكان شديد الكراهية له والنفور منه، فملكه الله مكانه.
стр. 3252
وفيها توفى القاضى عماد الدين الكاتب ﵀. وكان جامعا لفنون كثيرة من الأدب والفقه والخلاف والتاريخ. وله النظم البديع والنثر الفائق.
وكتب لنور الدين الشهيد وللملك الناصر صلاح الدين، ونال عندهما المنزلة العالية.
وله التصانيف البديعة كالبرق الشامى، وخريدة القصر، والتبصرة فى أخبار وزراء الدولة السلجوقية، وغير ذلك. وكان مولده سنة تسع عشرة وخمسمائة، فكان عمره تسع وسبعين سنة.
стр. 3253
ذكر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأمر، نافذ الحكم.
والسلطان الملك العادل سلطان الإسلام بالديار المصرية، والبلاد الشامية، وما بيده من بلاد الشرق. والملك الكامل ولى عهده.
والغلاء بمصر موجود، لم يتناقص إلى جمادى الآخرة لما ظهرت زيادة النيل المبارك.
وفى شعبان منها عادت الزلزلة، وهدمت ما كان تبقى من نابلس، وشقت قلعة حمص، وأخربت حصن الأكراد، وامتدت إلى قبرص.
وفى هذه السنة انتظم الملك بسائر الممالك الأيوبية للسلطان الملك العادل، وضربت له السكة وأقيمت له الخطبة.
وفيها-أعنى سنة ثمان وتسعين-توفى القاضى محيى الدين بن زكى الدين قاضى القضاة بدمشق وأعمالها. وكان إليه قضاء حلب وبلادها من الإمام الناصر. وكان-﵀ فاضلا مترسلا، وله النظم والنثر البديعان. ولما توفى ولى السلطان الملك العادل قضاء دمشق لولده زكى الدين، وهو الذى لما أراد الملك المعظم عزله والإخراق به بعث إليه قباء وكمة، وتقدم إليه بلبس ذلك، فلبسه فلحقه غم وهم بسبب ذلك، فمات بعد أيام قلائل.
وفيها أخرج الملك العادل المنصور بن العزيز من الديار المصرية، لما خيف من الأمراء الصلاحية، وذلك فى الخامس والعشرين من ربيع الآخر، ومعه والدته وإخوته. وسيروا إلى الرّها، ثم انتقلوا إلى حلب فأقاموا عند الملك الظاهر، وأحسن إليهم.
стр. 3254
ذكر سنة تسع وتسعين وخمسمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ذراعان وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنى عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك. وولده الملك الكامل، وبقية الملوك على ما هم عليه.
وفيها وردت الأخبار أن الفرنج وصلت إلى عكا فى عالم عظيم، لا يحصى عدتهم إلا الله ، وأنهم طالبين الديار المصرية، وسيروا أصطولهم إلى ثغر الإسكندرية.
وفيها ماجت الكواكب والنجوم فى السماء شرقا وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينا وشمالا، ولم يعهد بمثل ذلك إلاّ عند مبعث النبى ﷺ .
стр. 3255
ذكر سنة ستمائة هجرية
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
ودخل أصطول الفرنج-خذلهم الله-إلى فوّة يوم عيد الفطر، من فم رشيد، ونهبوها، وقتلوا من كان بها، وأقاموا يومين. وكانوا عشرين قطعة. ولم يكن قبل ذلك جسرت الفرنج على مثل هذا. والفرنج على عكا، والملك العادل مرابط لهم، والرسل تتردد بينهم فى أمر الصلح. ثم اتفقوا على رأى بينهم.
وفيها نزل الملك العادل دار الوزارة بالقاهرة المعزية، ونزل الكامل ولده بالقلعة، وهو أول من نزل بها من الملوك.
وفيها غارت الفرنج-خذلهم الله-وهم طائفة الاسبتار، على حماة، ونهبوا وقتلوا من التركمان خلقا كثيرا، ووصلوا إلى باب حماة. وخرج إليهم عامة حماة، فقتل منهم خلق عظيم والذى تبقى عادوا هاربين إلى حماة، فازدحموا فى الباب، فمات منهم أناس عدة، ورمى منهم جماعة بأنفسهم إلى الخندق. ورجعت الفرنج وقد أسروا جماعة كبيرة، وفيهم رجل يعرف بالشهاب بن التلاعى كان واليا
стр. 3256
بحماة. وكان قد حمل على الفرنج وأرمى من فرسانهم جماعة، ثم تقنطر به جواده، فمسكوه وأتوا به إلى طرابلس. ثم إنه بعد ذلك هرب منهم، ورمى نفسه إلى البحر المالح، وتسلق فى جبال بعلبك، ووصل إلى أهله. وكتب صاحب حماة إلى عمه الملك المعظم-وهو بدمشق-فأنجده. ولم تفده النجدة لكثرة الفرنج، قللهم الله، وخذلهم.
وفيها توفى أبو القاسم هبة الله بن أبى الرداد، متولى مقياس النيل المبارك بمصر، وكان يومئذ خطيب الجامع بالجزيرة.
قال ابن واصل: إن فى سنة تسع وتسعين قتل الملك المعز إسماعيل بن الملك العزيز ظهير الدين طغتكين بن أيوب، صاحب اليمن. وسبب قتله قلة عقله، وما كان ادعاه من الدعاوى الكاذبة. وقيل إنه ادعى أيضا الربوبية، وأمر كاتبه أن يكتب: «من مقر الإلهية»، إلى غير ذلك. فاجتمعت عليه مماليك أبيه وغيرهم، وضربوا معه مصافا. وآخر الأمر أنه قتل فى حديث طويل، ونصبوا رأسه على رمح، وداروا به.
ورتبوا فى الملك أخ له صغير يلقب بالناصر، فجعلوا [له] اسم الملك. وأقاموا [أتابكا له] مملوك لجده يسمى سنقر، وتزوج أم الناصر، ثم توفى بعد حروب كثيرة.
وعصت زوجته بالقلعة، وقالت: «لا أسلمها إلا لرجل من بنى أيوب». ثم تزوجها آخر، يقال له غازى بن جبريل. ثم سمّ [الملك الناصر] ومات، [وقتل غازى بعد ذلك]. ثم حضر إليها بعد مدة سليمان شاه بن سعد الدين شاهنشاه بن الملك المظفر تقى الدين عمر، وكان لابسا بالفقيرى [لباس الفقراء] فتزوجته، وملك اليمن، واستمر إلى حين توجه الملك المسعود بن الملك الكامل إلى اليمن وملكها. وسير سليمان شاه إلى الديار المصرية، فأقام بها مكرما، وقتل شهيدا على المنصورة نوبة الفرنج.
واستمر الملك المسعود ملك اليمن والحجاز، حسبما يأتى من خبره.
стр. 3257
وفيها أعنى سنة ستمائة كان المصاف بين الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن السلطان الملك العادل وبين عسكر الموصل، وكسرهم كسرة شنيعة. وكان ذلك أول ما ظهر من ميامنة حروبه. وعاد بعدها ما حارب جيشا قط إلا كسره، فإنه كان ميمون الحروب، سعيد الحركة، ما كسرت له راية قط.
وفيها ولد الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماه، وهو شقيق الملك المظفر، أمهما ملكة خاتون، ابنة السلطان الملك العادل.
قال ابن واصل: وفى هذه السنة كانت الزلزلة العظيمة التى عمّت مصر والشام وبلاد الروم إلى صقلية، ووصلت إلى سبتة من الغرب.
стр. 3258
ذكر سنة إحدى وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأوامر، نافذ الأحكام فى سائر الممالك الإسلامية، كثرها الله تعالى، وأعلى كلمة سلطانها. والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بحاله، وولى عهده الملك الكامل. وبقية الملوك الإسلامية على ما هم عليه.
وفيها فتح الفرنج-خذلهم الله تعالى-قسطنطينية العظمى، استقلعوها من الرّوم، ونهبوا أموالها. ووصلوا إلى الإسكندرية بأموالها وجواهرها، وما كان فى كنيستها من عجائب المصاغات وغرائب الصناعات. وأبيع عليهم-فى هذه السنة-الشب بعشرة دنانير القنطار.
وفيها غاروا الملاعين أيضا على مدينة حماة، وأخذوا النساء الغسالات من على نهر العاصى. وخرج إليهم الملك المنصور تقى الدين وقاتلهم بنفسه أشد قتال، وكشفهم، واستردّ النساء وجميع ما أخذوه.
قال ابن واصل: وفى هذه السنة-أعنى سنة إحدى وستمائة-خلع الإمام الناصر ولده عمدة الدين أبا نصر محمد من ولاية العهد، وولى ذلك أخاه الصغير أبى الحسن ولقبه الملك المعظم، لميله إليه دون ولده الكبير محمد. وكان الوزير يومئذ الشريف نصير الدين بن ناصر الدين مهدى الحسنى، فأخرج خطّا ذكر أنه خط عمدة الدين يذكر فيه أنه عاجز عن ولاية العهد، وشهد [عدلان] بصحته، فقطعت السكة والخطبة باسمه فى سائر الآفاق.
стр. 3259
ذكر سنة اثنين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشرة أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
وبقية الملوك حسبما سقناه من ذكرهم.
وفيها كان السلطان بثغر الإسكندرية وعاد إلى القاهرة المحروسة. وكان قد جهز أصطول عدتهم خمسة عشر شينيا وشحنهم بالرجال، وخرجوا، فلحقهم هواء مزعج رمى بهم فى طرف بلاد العدو قريبا من مدينة طرابلس الشام، فكسر أكثرهم، وعدم خلق كثير من الأصطول والمقاتلة ما بين أسرى وغرقى. ولم يسلم من الشوانى غير ستة.
وفيها خرجت الأرمن ومعهم ملكهم ابن لاون وغاروا على تركمان كانوا نزولا على النهر الأسود، فأخذوا منهم خلقا كثيرا، وساقوا دوابهم إلى درب ساك، وأحرقوا ربضها، وغاروا على بعض ضياع حلب. ثم إنه تقرر الصلح بين الملك الظاهر صاحب حلب وبينهم.
وفيها وصل الملك المعظم عيسى من دمشق إلى مصر لزيارة السلطان العادل.
стр. 3260
ذكر سنة ثلاث وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
وقد خرج بجميع العساكر المصرية بنية الغزاة، وجعل الملك الكامل بالديار المصرية.
وكان سبب حركة السلطان أنه بلغه أن الملاعين-أهل حصن الأكراد-خرجوا وغاروا على البلاد الإسلامية من الشامية، ونهبوا وقتلوا، فحلف [العادل] أنه لا يبقى بالساحل من الفرنج رجلا يكفر بالله، إن شاء الله تعالى. ووصل إلى دمشق. وكانت الملوك قدمت عليه بالعساكر من كل فج عميق على كل ضامر. ونزل على بحيرة قدس. ثم صام شهر رمضان حتى تكملت العساكر من جميع النواحى، وسار إلى حصن الأكراد. واتقع مع الفرنج وقعة عظيمة، قتل بينهما خلق كثير.
ثم كسرهم وضيق عليهم، وفتح حيفا وأعزاز، وهو حصن قريب من المرقب.
ثم نزل على طرابلس، ونصب عليها المناجيق، وضيّق على أهلها. وغارت العساكر على ضياعها، وأخذوا أهلها من النساء والرجال، وقطعوا أشجارها، والعين الواصلة إليها. ولم يزل الأمر كذلك إلا أيام فى هذه السنة. ثم رحل السلطان وعاد، ونزل على منزلته الأولى فى ذى الحجة من هذه السنة. وبعث صاحب طرابلس يسأل الصلح، وسيّر هدايا جيدة، وثلثمائة أسير من المسلمين، فتقرر الصلح بينهم. وكان الرسول الريدكور أخو صاحب طرابلس.
следующие страницы →