Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
بحماة. وكان قد حمل على الفرنج وأرمى من فرسانهم جماعة، ثم تقنطر به جواده، فمسكوه وأتوا به إلى طرابلس. ثم إنه بعد ذلك هرب منهم، ورمى نفسه إلى البحر المالح، وتسلق فى جبال بعلبك، ووصل إلى أهله. وكتب صاحب حماة إلى عمه الملك المعظم-وهو بدمشق-فأنجده. ولم تفده النجدة لكثرة الفرنج، قللهم الله، وخذلهم.
وفيها توفى أبو القاسم هبة الله بن أبى الرداد، متولى مقياس النيل المبارك بمصر، وكان يومئذ خطيب الجامع بالجزيرة.
قال ابن واصل: إن فى سنة تسع وتسعين قتل الملك المعز إسماعيل بن الملك العزيز ظهير الدين طغتكين بن أيوب، صاحب اليمن. وسبب قتله قلة عقله، وما كان ادعاه من الدعاوى الكاذبة. وقيل إنه ادعى أيضا الربوبية، وأمر كاتبه أن يكتب: «من مقر الإلهية»، إلى غير ذلك. فاجتمعت عليه مماليك أبيه وغيرهم، وضربوا معه مصافا. وآخر الأمر أنه قتل فى حديث طويل، ونصبوا رأسه على رمح، وداروا به.
ورتبوا فى الملك أخ له صغير يلقب بالناصر، فجعلوا [له] اسم الملك. وأقاموا [أتابكا له] مملوك لجده يسمى سنقر، وتزوج أم الناصر، ثم توفى بعد حروب كثيرة.
وعصت زوجته بالقلعة، وقالت: «لا أسلمها إلا لرجل من بنى أيوب». ثم تزوجها آخر، يقال له غازى بن جبريل. ثم سمّ [الملك الناصر] ومات، [وقتل غازى بعد ذلك]. ثم حضر إليها بعد مدة سليمان شاه بن سعد الدين شاهنشاه بن الملك المظفر تقى الدين عمر، وكان لابسا بالفقيرى [لباس الفقراء] فتزوجته، وملك اليمن، واستمر إلى حين توجه الملك المسعود بن الملك الكامل إلى اليمن وملكها. وسير سليمان شاه إلى الديار المصرية، فأقام بها مكرما، وقتل شهيدا على المنصورة نوبة الفرنج.
واستمر الملك المسعود ملك اليمن والحجاز، حسبما يأتى من خبره.
стр. 3257
وفيها أعنى سنة ستمائة كان المصاف بين الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن السلطان الملك العادل وبين عسكر الموصل، وكسرهم كسرة شنيعة. وكان ذلك أول ما ظهر من ميامنة حروبه. وعاد بعدها ما حارب جيشا قط إلا كسره، فإنه كان ميمون الحروب، سعيد الحركة، ما كسرت له راية قط.
وفيها ولد الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماه، وهو شقيق الملك المظفر، أمهما ملكة خاتون، ابنة السلطان الملك العادل.
قال ابن واصل: وفى هذه السنة كانت الزلزلة العظيمة التى عمّت مصر والشام وبلاد الروم إلى صقلية، ووصلت إلى سبتة من الغرب.
стр. 3258
ذكر سنة إحدى وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الأوامر، نافذ الأحكام فى سائر الممالك الإسلامية، كثرها الله تعالى، وأعلى كلمة سلطانها. والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بحاله، وولى عهده الملك الكامل. وبقية الملوك الإسلامية على ما هم عليه.
وفيها فتح الفرنج-خذلهم الله تعالى-قسطنطينية العظمى، استقلعوها من الرّوم، ونهبوا أموالها. ووصلوا إلى الإسكندرية بأموالها وجواهرها، وما كان فى كنيستها من عجائب المصاغات وغرائب الصناعات. وأبيع عليهم-فى هذه السنة-الشب بعشرة دنانير القنطار.
وفيها غاروا الملاعين أيضا على مدينة حماة، وأخذوا النساء الغسالات من على نهر العاصى. وخرج إليهم الملك المنصور تقى الدين وقاتلهم بنفسه أشد قتال، وكشفهم، واستردّ النساء وجميع ما أخذوه.
قال ابن واصل: وفى هذه السنة-أعنى سنة إحدى وستمائة-خلع الإمام الناصر ولده عمدة الدين أبا نصر محمد من ولاية العهد، وولى ذلك أخاه الصغير أبى الحسن ولقبه الملك المعظم، لميله إليه دون ولده الكبير محمد. وكان الوزير يومئذ الشريف نصير الدين بن ناصر الدين مهدى الحسنى، فأخرج خطّا ذكر أنه خط عمدة الدين يذكر فيه أنه عاجز عن ولاية العهد، وشهد [عدلان] بصحته، فقطعت السكة والخطبة باسمه فى سائر الآفاق.
стр. 3259
ذكر سنة اثنين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم سبعة أذرع وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشرة أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
وبقية الملوك حسبما سقناه من ذكرهم.
وفيها كان السلطان بثغر الإسكندرية وعاد إلى القاهرة المحروسة. وكان قد جهز أصطول عدتهم خمسة عشر شينيا وشحنهم بالرجال، وخرجوا، فلحقهم هواء مزعج رمى بهم فى طرف بلاد العدو قريبا من مدينة طرابلس الشام، فكسر أكثرهم، وعدم خلق كثير من الأصطول والمقاتلة ما بين أسرى وغرقى. ولم يسلم من الشوانى غير ستة.
وفيها خرجت الأرمن ومعهم ملكهم ابن لاون وغاروا على تركمان كانوا نزولا على النهر الأسود، فأخذوا منهم خلقا كثيرا، وساقوا دوابهم إلى درب ساك، وأحرقوا ربضها، وغاروا على بعض ضياع حلب. ثم إنه تقرر الصلح بين الملك الظاهر صاحب حلب وبينهم.
وفيها وصل الملك المعظم عيسى من دمشق إلى مصر لزيارة السلطان العادل.
стр. 3260
ذكر سنة ثلاث وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
وقد خرج بجميع العساكر المصرية بنية الغزاة، وجعل الملك الكامل بالديار المصرية.
وكان سبب حركة السلطان أنه بلغه أن الملاعين-أهل حصن الأكراد-خرجوا وغاروا على البلاد الإسلامية من الشامية، ونهبوا وقتلوا، فحلف [العادل] أنه لا يبقى بالساحل من الفرنج رجلا يكفر بالله، إن شاء الله تعالى. ووصل إلى دمشق. وكانت الملوك قدمت عليه بالعساكر من كل فج عميق على كل ضامر. ونزل على بحيرة قدس. ثم صام شهر رمضان حتى تكملت العساكر من جميع النواحى، وسار إلى حصن الأكراد. واتقع مع الفرنج وقعة عظيمة، قتل بينهما خلق كثير.
ثم كسرهم وضيق عليهم، وفتح حيفا وأعزاز، وهو حصن قريب من المرقب.
ثم نزل على طرابلس، ونصب عليها المناجيق، وضيّق على أهلها. وغارت العساكر على ضياعها، وأخذوا أهلها من النساء والرجال، وقطعوا أشجارها، والعين الواصلة إليها. ولم يزل الأمر كذلك إلا أيام فى هذه السنة. ثم رحل السلطان وعاد، ونزل على منزلته الأولى فى ذى الحجة من هذه السنة. وبعث صاحب طرابلس يسأل الصلح، وسيّر هدايا جيدة، وثلثمائة أسير من المسلمين، فتقرر الصلح بينهم. وكان الرسول الريدكور أخو صاحب طرابلس.
стр. 3261
ذكر سنة أربع وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك. وكان له ثلاثة عشر ولدا ذكورا تأتى أسماؤهم فى مكانها، إن شاء الله.
وكان منهم الملك الأوحد نجم الدين، وكان قصيرا دميما، حقيرا فى العين، فخرج مع والده وإخوته إلى الصيد، فأرسل السلطان بازا على طائر، فحط الباز على رأس الملك الأوحد، فضحك السلطان وقال: «قد اصطاد بازنا اليوم بومة». فانكسر قلب الأوحد. وقيل: إن الباز كان أهداه للسلطان صاحب أخلاط، فى جملة هدايا.
وهذه الواقعة تعد من النكت الغريبة. فلما صار الأوحد صاحب ميافارقين، وقدر الله تعالى أنه ملك أخلاط-لما استدعوه أهلها، وسلموه البلد من غير كدّ ولا تعب- فكتب إلى أبيه يبشره، ويقول له فى جملة مكاتبته: «يا مولانا؛ البومة التى صادها باز مولانا السلطان فى اليوم الأول من شهر كذا فتحت مدينة أخلاط، وإنما كان الباز من صاحب أخلاط، فبشر المملوك بأن يكون ملكها». فلما قرأ السلطان كتابه تعجب منه كيف أسرّها فى نفسه، وعظم أمره فى قلبه.
стр. 3262
وفيها على ما ذكر ابن الأثير-﵀-صاحب التاريخ الكبير الجامع، إن خوارزم شاه عبر بلاد الخطا بجميع عساكره، وذلك باتفاق من صاحب سمرقند وبخارى وهم الخطا الذين يلقبون ملوكهم «خان الخان» يعنى ملك الملوك، وأنهم حشدوا والتقوا معه، وجرى بينهم قتال عظيم فى عدة وقعات، فتارة له وتارة عليه.
فلما كان فى هذه السنة، اقتتلوا أشدّ قتال، فوقعت الكسرة على خوارزم شاه، وانهزم جيشه هزيمة قبيحة، وأسر كثير من المسلمين، وأسر خوارزم شاه، وأسر معه بعض أمرائه الكبار-يقال له شهاب الدين بن مسعود -، أسرهم جميعا رجل من الخطائيين وهو لا يعرفهما. ووصل المنهزمون من جيوش السلطان، وفقدوا خوارزم شاه، فعظم عليهم، واشتاشت العساكر، واختبطت البلاد. ثم إن شهاب الدين بن مسعود قال للسلطان: «يجب عليك فى هذا الوقت أن تدع السلطنة ونقش الملك، وتصير خادما لى، لعلى أحتال فى خلاصك». فشرع خوارزم شاه يخدمه، ويقدم له الطعام، ويقوم فى قضاء حوائجه. فقال الرجل الخطائى الذى
стр. 3263
أسرهما لابن مسعود: «إن هذا الرجل يكثر من تعظيمك». فقال له ابن مسعود:
«أنا رجل كبير فى قومى، وهذا غلامى». فعاد ذاك الرجل الخطائى يكرر لابن مسعود، ويقوم بحقه، وقال له: «لولا إن قومى عرفوا مكانك عندى وإلا كنت أطلقتك». ثم تركه أياما، فقال له ابن مسعود: «إن المنهزمين يرجعون ولا رأونى، فيظنون أهلى أنى قد قتلت، فيعملون مأتمى، ويتفرقون أموالى ويقتسمونها، فأهلك ولا أعود أجد ما أستفكّ به نفسى. فلعلك أن تقرر علىّ شئ من المال فأحمله إليك». فقرر عليه مالا جيدا، وقال: «أريد أن تأمر رجلا عاقلا يذهب بكتابى إلى أهلى، ويأتيك بما طلبت، وإن كنت تأمر أن تنفذ غلامى هذا فهم يعرفونه ويثقون به، فإن أصحابكم لا يعرفون أهلى». فأذن له ذلك الرجل فى إنفاذ غلامه. فعندها سيّر ابن مسعود السلطان خوارزم شاه، والخطائى يظن أنه غلامه.
ثم جهزه الخطائى بفرس وجنيب، وأنفذ معه جماعة من أهله وأقاربه، ووصّلوه إلى قريب من خوارزم، وعادوا وتركوه. ثم وصل السلطان إلى قريب من محل ملكه، فعرّف بنفسه، والتأمت عليه نواب بلاده، واستبشروا به أهل مملكته، وضربت البشائر بسائر ممالكه، وزينوا المدن والحصون.
وأما ابن مسعود فإنه أقام عند ذلك الرجل، فدخل عليه يوما فقال لابن مسعود:
«قد وردت الأخبار على ملكنا أن السلطان خوارزم شاه قد عدم فإيش عندك من خبره». فقال ابن مسعود: «أو ما تعرف خوارزم شاه؟». قال: «لا، والله». قال:
«هو والله أسيرك الذى سفرته وجعلته غلامى». فبهت الرجل وقال: «ولم لا عرفتنى حتى كنت خدمته وسرت بين يديه؟». فقال ابن مسعود: «قم الآن بنا نسير إليه، فإنه يحسن مكافأتك أضعاف ما أمّلته عندى». فسارا إليه، وقدما عليه، فجعل ابن مسعود حاجبا كبيرا، وجعل ذلك الخطائى أميرا، وأحسن إليهما غاية الإحسان، والله أعلم.
стр. 3264
وفيها وصلت رسل الخليفة الإمام الناصر لدين الله، بالخلع العظيمة، وتقليد بجميع البلاد الشامية والديار المصرية والممالك بالشرق، والخلع إلى سائر الملوك أولاده، صحبة شهاب الدين شيخ الشيوخ السهروردى، والأمير نور الدين السلحدار الناصرى. قلت: وهذا الشيخ شهاب الدين السهروردى القائل هذين البيتين، وذلك لما أشفق من طول العمر، فقال:
يا رب لا تبقنى إلى زمن ... أكون فيه كلاّ على أحد
خذ بيدى قبل أقول لمن ألقاه ... عند القيام خذ بيدى
وقيل فى هذه السنة سكن الملك الكامل القلعة، وجدد بها الآدر والمناظر والمستنزهات والحمامات وغير ذلك.
قال ابن واصل: فى هذه السنة عزل الخليفة [الناصر لدين الله] وزيره نصير الدين ناصر بن مهدى العلوى الحسنى، وذلك لما خيلوه منه الأعداء، وأغروه به، فمن ذلك ما قيل:
ألا مبلغ عنى الخليفة أحمدا ... توقّ-وقيت السوء-ما أنت صانع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... فعالك-يا خير البرية-ضائع
فإن كان حقّا من سلالة أحمد ... فهذا وزير فى الخلافة طامع
وإن كان فيما يدّعى غير صادق ... فأضيع ما كانت إليه الصنائع
стр. 3265
ذكر سنة خمس وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا ونصف أصبع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك، وهو بدمشق. وتوجه إلى خدمته الملك الكامل ولده، وأقامت مصر والقاهرة خاليتان من سلطان إلى حين عودته.
وفيها وصل إلى السلطان الملك العادل، وإلى جميع أولاده، سراويلات الفتوة، صحبة رسل الخلافة، وصحبتها خلع عظيمة. فلبسوا، ولبس كل أحد من يلوذ به من أمرائه وخاصته. وشاع لبس ذلك فى الناس.
وفى شهر رجب توفى القاضى صدر الدين عبد الملك بن عيسى، وكان صالحا.
وولى الحكم بعده القاضى عماد الدين عبد الرحمن بن عبد العلى. وجمع له ما لم يجمع لغيره من تدريس وخطابة وغيرهما.
وكان السلطان العادل قد نزل على عكا فى سنة أربع، وهى السنة الخالية، وأقام عليها ثلاثة أيام. ثم اتفق الحال على [إطلاق] ألف وثمانمائة أسير من المسلمين، فاستنقذوا من الأسر، ورحل عنها.
(١٢ - ٧)
стр. 3266
وفى سنة خمس خرجت الكرج إلى ولاية أخلاط، وقصدوا مدينة أرجيش فحاصروها، وملكوها عنوة بالسيف، ونهبوا جميع ما فيها، وأسروا وسبوا جميع أهلها، وأصبحت خاوية على عروشها.
وفى آخر هذه السنة عاد الشيخ شهاب الدين السهروردى من عند الإمام الناصر إلى السلطان الملك العادل، وصحبته خلعة عظيمة مكللة، وطوق ذهب مرصع بالجواهر، وتقليدا عظيما يتضمن نعوتا لم ينعت بها إلا الملوك من بنى بويه وبنى سلجوق، لما كان الحكم لهم فى البلاد. ويتضمن التقليد مصر، والشام، والشرق كله، والعراق، وبعض العجم الذى لم يكن داخل فى ملك خوارزم شاه. وكذلك الخلع العظيمة إلى سائر الملوك أولاده. وكان ذلك يوما مشهودا.
وفيها كانت الزلزلة بنيسابور، فدامت عشرة أيام وهى تعاودهم. وهلك تحت الردم عالم عظيم، والله أعلم.
стр. 3267
ذكر سنة ست وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة لم يتحرر فى هذه السنة، كونه أخذ القاع من الماء القديم فى شهر ذى الحجة. وكانت الزيادة فى سنة سبع وستمائة ستة عشر ذراعا فقط.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل قد توجه إلى غزاة الكرج، لما بلغه ما فعلوه، وخروجهم على ولده الملك الأوحد صاحب أخلاط. فعندما سمع الكرج بتوجه السلطان إليهم، ولوا منهزمين. فنزل السلطان على سنجار محاصرا لها، لينزعها من يد مالكها، فوصل إليه رسول الإمام الناصر، وهو ابن الضحاك استادار الخلافة المعظمة، وفى خدمته أربعمائة فارس.
ولم يسمع بمثله أنه سير إلى ملك من الملوك من جهة الخلافة. وشفع فى صاحب سنجار، فامتثل ذلك، ورحل عنها.
وفيها توفى سنجر شاه صاحب الجزيرة. وكان هذا الملك سيئ الأخلاق، قبيح السيرة، ظلوما، غشوما، سفاكا للدماء بحقّ وبغير حقّ. وكان له عدة أولاد، فحبس كل واحد فى قلعة، وذلك خوفا على نفسه منهم. ثم إنه اعتقل ولدين منهم فى قلعة تعرف بقلعة فرح وهى قلعة عظيمة لا ترام. وكان أحدهما يسمى محمود والآخر مودود. واعتقل ولدا آخرا-يسمى غازى-بالمدينة، ووكل به من يمنعه من الخروج والدخول. وكان فى جانب تلك المدينة-محاذى الدار التى فيها غازى-
стр. 3268
بستان خراب، فتحيّل الصبى حتى مسك ثعبانا عظيما، وسيّره إلى أبيه، وقال له: «ارحمنى، والله مالى مجاور غير هذا وأنظاره». وظن أنه يرق له، فلم يزدد عليه إلا قساوة. فاحتال الصبىّ وهرب من تلك الدار واختفى. فلما بلغ أبوه، شنق البواب على باب الدار، ثم نفذ البريد يتطلب الصبى فى سائر ممالكه، فلم يخبره أحد به.
وكان الصبى يمشى فى الأسواق وتحت قلعة أبيه، والناس يعرفونه ويدعون له ويحسنون إليه، محبة فيه وبغضا فى أبيه. وكان الصبى متولعا بإحدى حظايا أبيه، فكان يكاتبها وتكاتبه. فكتبت إليه أن يأتيها الليلة. فأتاها، وأقام معها فى القصر.
ثم إن الملك شرب تلك الليلة، وأحضرت الملاهى والأغانى، فأمعن فى شربه، ورسم أنه يغنوا له فى الفراق وما أشبه ذلك. ثم ذكر ذنوبا فعلها مع الناس، وظلمه لأولاده.
هذا وغازى ولده على أعلى القصر يسمع وينتظر غفلته ليقتله. فلما ثمل من الشرب، وخرج الأغانى، وخلا بنفسه، قام إلى الخلاء، فوثب عليه غازى فقتله، وضربه بالسكين أحد عشر ضربا، ثم لم يقنعه حتى ذبحه. ولو كان-مع مشيئة الله -جلس فى ذلك الوقت كان استقر أمره فى الملك، وإنما التهى مع تلك الجارية بالأكل والشرب، ورأس أبيه بين يديه، فخرجت جارية صغيرة إلى الدهليز، وعرّفت لأستادار أبيه الصورة، فسير ذلك الأستادار من وقته، وأخرج بقية الأولاد المحبسين، وأخبرهم بقتل أبيهم، فجلسوا على الباب، وأحضروا الحجاب وكبراء الدولة، ومسكوا غازى واعتقلوه. وجلس ابنه مودود فى دست الملك، والله أعلم.
وفيها وصل إلى بورة أربعة عشر مركبا من مراكب الفرنج، فنهبوها وأسروا من فيها، فخرج إليهم الملك الكامل فى الشوانى الإسلامية. فلما بلغهم ذلك هربوا.
وبورة هذه بالقرب من دمياط.
قال ابن واصل: فى هذه السنة كانت وفاة الملك المؤيد نجم الدين مسعود ابن السلطان صلاح الدين، بالسبب الآتى ذكره فى تاريخه.
стр. 3269
ذكر سنة سبع وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم لم يؤخذ له فى هذه السنة قاع جملة كافية، وسببه أن زيادة سنة ست فى سنة سبع، وقد تقدم ذكر الزيادة فى سنة ست.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
وفيها كانت وقعة الكرج مع الملك الأوحد. وذلك لما اتفقت الملوك فى هذه السنة على السلطان الملك العادل، وهم صاحب الروم خسرو شاه بن قليج أرسلان، وصاحب الموصل، وصاحب إربل، وصاحب الجزيرة، وصاحب ماردين، وصاحب سنجار.
واتفقوا أن تكون السكة والخطبة لصاحب الروم خسرو شاه. وخرج كل واحد من صوبه، وقصدوا أن يدهموا الملك العادل بكثرتهم، وكان يومئذ نازلا على حران، وعنده صهره صاحب آمد. ونزل الكرج على أخلاط سابع عشر ربيع الآخر وحاصروها، فسيّر الملك العادل وطلب الملوك أولاده وأولاد أخيه. ثم إن الله تعالى نصر الملك الأوحد على الكرج، وتفرقت كلمة الملوك المجتمعة على السلطان الملك العادل. وحضرت إليه الملوك بعساكرهم، وقصد الكرج. ثم جهز الملك الأشرف والملك المنصور ففتحوا نصيبين وسنجار. واستقرت السكة والخطبة باسم السلطان الملك العادل على عادته، والله أعلم.
قال ابن واصل: فى هذه السنة كانت وفاة نور الدين صاحب الموصل، بالسبب الآتى ذكره فى تاريخ أبى المظفر. والخلف فى هذه الأحوال فى مدد السنين على صاحب النسخة الأصل عهدته، وإنما العبد ذكر كل من التاريخين وما اختلفا فيه.
وقال ابن واصل: إن فى هذه السنة توفى الملك الأوحد صاحب أخلاط، وهو غلط منه، وإنما الصحيح ما ذكرناه فى سنة عشرة وستمائة.
стр. 3270
ذكر سنة ثمان وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع أخذ تقديره فى سادس المحرم. مبلغ الزيادة فى هذه السنة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك، وقد عاد من بلاد الشرق فى هذه السنة، ودخل الديار المصرية، ونزل دار الوزارة.
وفيها توفيت والدة الملك الكامل، ودفنت بجوار ضريح الإمام الشافعى، رضى الله عنه. وبنى عليها القبة العظيمة التى أجمعت الناس أنهم لم يروا مثلها. وحمل الماء إليها من بركة الحبش على قناطر معقودة إلى التربة. وعمرت القرافة الصغرى بسبب ذلك. واستجدت الناس فى القرافة الآثار الحسنة.
وفيها توفى أبو الحسن على بن محمد أبو سعد، الملقب بتاج الدين بن حمدان، صاحب كتاب التذكرة الحمدونية، الذى سقنا فى هذا التاريخ جملة منها، لما وجدنا صحة ما أثبته هذا الفاضل فيها من الأخبار، ونثره من جواهر الآثار، رحمه الله تعالى، وسائر علماء المسلمين، مع كافة أمة محمد أجمعين.
وفيها توفى فخر الدين إياز جهاركس، صاحب القيسارية بالقاهرة المحروسة، ﵀.
وفيها توفى الملك المؤيد مسعود بن السلطان صلاح الدين، رحمهما الله تعالى.
وكان لما قدم إلى رأس العين تلقاه الوالى بها، وأحضر له فاكهة، فأكل منها هو
стр. 3271
وجماعة من خواصه. فلم تستقر الفاكهة فى معاه سوى ربع ساعة، وصاح: «النار».
وتوفى بعد ثلاث ساعات من تلك الساعة، بعد الظهر، وكذلك سائر من أكل معه منها. ثم حملوه إلى حلب إلى عند أخيه الملك الظاهر، ودفن بها. ولما بلغ العادل موت المؤيّد لبس عليه الأزرق.
قال ابن واصل: وفيها كانت الفتنة بالحجاز، ونهب الركب العراقى. ولولا التجأ الباقون إلى الركب الشامى-وكان فيه ربيعة خاتون بنت أيوب أخت السلطان الملك العادل-لكان الحجازيون قد أتوا عليهم. وسبب ذلك أن باطنيا وثب على الشريف أبى عزيز قتادة صاحب مكة فقتله. وكانت أم صاحب [حصن] «الألموت» قد قدمت حاجّة، فادعوا أن الباطنى من جهتهم.
стр. 3272
ذكر سنة تسع وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك، وقد توجه من مصر إلى دمشق. وهرب عز الدين أسامة، ولحقه الملك المعظم بنفسه، وقبض عليه [واعتقله بالكرك]، وتسلم من نوابه ما كان بيدهم من القلاع، بعد حصار كوكب، وأخذ وخرب. ونقلت ذخائره إلى الطّور. واستقر السلطان بدمشق.
وفيها كانت الوقعة العظيمة المعروفة بالعقاب، بين الأمين محمد بن يعقوب ابن عبد المؤمن صاحب المغرب، وبين الفرنج، على مدينة طليطلة من الأندلس.
وكان النصر للمسلمين على المشركين.
وفيها نزل صاحب الكرج على أخلاط وحاصرها، وأشرف على أخذها. ثم إنه شرب خمرا وثمل سكرا، فحدثه سكره أن يركب ويأخذ البلد، فركب [فى عشرين فارسا] وساق، فتقنطر به الفرس، فأخذ أسيرا مع عدة من أصحابه، وأحضروا للملك الأوحد.
وفيها تحركت الفرنج حركة عظيمة، وخرج لهم السلطان، ثم وقع الصلح والهدنة.
وفيها توفى نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكى بن آق سنقر صاحب الموصل. وكان مدة ملكه بالموصل سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا. وكان
стр. 3273
لما قوى مرضه، تولى الأمور وتدبير الأحوال بدر الدين لؤلؤ-وكان أستاداره والحاكم فى مملكته. فلما مات الملك قال الأكابر من الدولة: «لا يفوه أحد بموته».
وخرج بدر الدين لؤلؤ وجلس للناس، وقضى حوائجهم. ثم طلب الأمراء والناس، وأشاع بموته، بعد أن أتقن أمره. وأخرج الملك ودفنه فى مدرسته التى كان أنشأها مقابل داره. وكان نور الدين صاحب الموصل-﵀-ملكا جميلا، جوادا، شجاعا، حسن الوجه، كريم المحيا، كثير البشاشة، كثير الهيبة على أهل مملكته، زائد العدل، لا يستحسن الظلم، يكون مع الضعيف بخلاف القوى، جيد الحيلة والتصرف فى أمور المملكة. وحكى عنه أنه لما توجه إلى نجدة صاحب ماردين حين حاصره الملك الكامل بن العادل وملك الربض منه، فحضر نور الدين إلى نجدته، وضرب مصافا مع الملك الكامل، وكسره. واستقرت قلعة ماردين شاغرة بلا ملك ولا مانع، فقيل له: «املك القلعة، فإنه لم يكن بها من يمنعك». فقال: «أعوذ بالله أن أغدر بصاحبها، وأكون قد أنجدته من عدوه وأخونه فى ملكه، فيكون مثلى كمثل الرجل مع أبى زريق، وذلك أن رجلا حاز بشعراء فسمع قائلا يقول: بالله عليك أدركنى وخلص فراخى. فنظر وإذا هو الطائر المعروف بأبى زريق، وحيّة التفّت على شجرة، طالعة إلى عشّ له فى تلك الشجرة، تريد فراخه، فرمى الرجل الحية بسهم فقتلها. ثم قال: والله إنك طائر حسن ذكى، لآخذنّ فراخه. فتسلق فى الشجرة يريد أخذ الفراخ. فلما نظر إليه ذلك الطائر وعلم أنه يريد أخذ فراخه.
قال له: يا إنسان قد عملت خيرا فتمه. فتعجب منه، ورجع على نفسه بالملامة. وأنا كذلك إن أخذت هذه القلعة فأكون عملت خيرا وما تميته». ثم إنه نفذ كتابا إلى صاحبها يبشره بالفتح والنصرة على الملك الكامل، ويستقدمه، فقدم، وسلمه قلعته.
стр. 3274
ومن مناقبه-﵀-عن مجد الدين ابن الأثير كاتبه قال: «كنت مع نور الدين صاحب الموصل، وكان له سرّادار، وكانت مفاتيح القلعة مع ولد السرادار، ففتح وسرق دراهم لها صورة، فبلغ السلطان ذلك، فسير إلىّ ليلا مع الدوادار أن أكتب كتابا بأن تقطع يد ابن السرادار». قال القاضى مجد الدين بن الأثير:
«فقلت للدوادار إننى لا أكتب كتابا إلا بين يديه. فراددنى، فامتنعت واعتذرت.
فأحضرنى بين يديه وقال: لم لا كتبت بقطع يد ابن السرادار؟. فقلت: ياخوند، ولم ذلك؟. قال: لأنه سارق. فقلت: مولانا-أحسن الله إليه-عودنى أنى لا أكتب إلاّ بما يجوز فى الشرع. فقال: فكيف السارق ما تقطع يده فى الشرع؟. قلت: هذا سرق من غير حرز. قال: وكيف؟. قلت لأن المفاتيح معه. قال: فإن كان هكذا فجزاك الله عن صحبتك خيرا، منعتنا عن الإثم». ثم لم يذكره بعدها.
قال ابن واصل: وفى هذه السنة قبض السلطان كيكاوس على أخيه كيقباذ.
وكان قد ذكر استيلاء السلطان غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقى على بلاد الروم. ثم هلك غياث الدين، فقام بالملك بعده ولده الملك الغالب كيكاوس.
وفى هذه السنة قصده عمه طغرل شاه وحاصره، فاستنجد بالملك الأشرف، فخاف طغرل شاه، ورحل عن سيواس إلى بلاده. واستقر كيكاوس.
стр. 3275
ذكر سنة عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ست عشر ذراعا وثلاثة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك، وهو بدمشق.
وفيها استقرّ ملك الموصل لعز الدين مسعود بن نور الدين المقدم ذكره. ومدبر مملكته بدر الدين لؤلؤ، أستادار أبيه.
وفيها وردت كتب الخليفة الإمام الناصر لسائر ملوك الإسلام، بأن يشربوا له كأس الفتوة ويلبسوا السراويلات. وسيّر لكل ملك خلعة تليق به، وتقليدا بممالكه، فامتثل جميع الملوك ما رسم لهم به.
وفيها عاد السلطان الملك العادل من الشام إلى ديار مصر.
وفيها توفى الملك الأوحد نجم الدين صاحب أخلاط، واستولى على ممالكه الملك الأشرف مظفر الدين موسى. ثم إنه قدم إلى خدمة السلطان بالديار المصرية. ثم إن السلطان أنعم على ولده الملك المنصور شهاب الدين غازى بتمليك الرّها وأعمالها.
وفيها هدم السلطان حصن كوكب، وأبقى عجلون.
وفيها ظفر السلطان علاء الدين كيكاوس-صاحب الروم-بعمه طغرل شاه، وأخذ بلاده، وقتله، وذبح أكثر الأمراء. وأراد قتل أخيه، فشفع فيه، فعفى عنه، واعتقله. قلت: وهذه رذيلة فى البيت السلجوقى، وإن كانوا غير رذيلين. لكن أنفسهم أنفس قوية ملوكية، لا يروا الضيم من بعضهم بعض، والملك لا شك عقيم.
стр. 3276
وفيها أظهر جلال الدين حسن-ملك الإسماعيلية -الإسلام، وكان قبل ذلك زنديقا، هو وجميع طوائفه. وهم أيضا فرقة من فرق القرامطة المقدم ذكرهم.
فأظهر فى هذه السنة الإسلام والتوحيد، وقام بجميع الشعائر الإسلامية، وأمر رعيته بذلك، ولم يكونوا يعرفون ذلك من قبل هذا. واستمسك بمذهب الإمام الشافعى-رضى الله عنه-واستقر كذلك حالهم إلى الآن.
وفيها وصل القاضى بهاء الدين بن شداد، من عند الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، رسولا من أمّه إلى ابن عمها الملك العادل، تستعطفه، وتطلب منه ضيفة خاتون شقيقة الملك الكامل-وكانت آخر بنات الملك العادل- وخطبتها لولدها الملك الظاهر، فأنعم لها بذلك، وحصل الاتفاق.
قال ابن واصل: إن فى سنة عشرة كان مولد الملك العزيز بن الظاهر صاحب حلب. وأرخ ذلك بيوم الخميس خامس ذى الحجة من هذه السنة المذكورة. وقال أبو المظفر بل فى سنة إحدى عشر. وكانت ضيفة خاتون توجهت إليه فى أول السنة، وولدت له الملك العزيز آخرها. وقد ذكرنا ذلك. والتفاوت بين النقلين سنة كاملة، والله أعلم بالصحيح فى ذلك. ولم يذكر ابن واصل توجه ضيفة خاتون إلى الملك الظاهر.
وذكر ذلك الشيخ جمال الدين أبو المظفر يوسف بن الجوزى، ﵀.
стр. 3277
ذكر سنة إحدى عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك.
وفيها جهز الملك الكامل جيشا ثقيلا، ووجهه إلى اليمن صحبة ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف أقسيس. وجعل أتابكه الفارس فليت. وذلك أن سيف الإسلام صاحب اليمن كان قد توفى إلى رحمة الله ، واستولى على اليمن سليمان شاه ابن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، باتفاق من أجنادها. وتزوج أم سيف الإسلام المتوفى. ووصل الخبر إلى الملك الكامل، فاستأذن والده السلطان الملك العادل فى إنفاذ ولده أقسيس، فأذن له فى ذلك، فنفذه فى هذا العسكر الثقيل، فملكها الملك المسعود المذكور سلما من غير حرب ولا قتال. وكان ملكا جبارا فاتكا، قتل خلقا كثيرا من الأشراف من نسل الهادى المقدم ذكره، وخلقا من أكابر أهلها.
وفيها كانت المعاملة بالقراطيس السوداء العادلية بدمشق، نسبة الدراهم السّود بمصر.
وفيها أعطى وأنعم الملك المعظم على مملوكه وأستاداره جدّنا الأمير عز الدين أيبك العظمى صرخد وسائر أعمالها، وملّكها له تمليكا. فلم تزل فى يده إلى أن استعادها الملك الصالح نجم الدين أيوب فى سنة أربع وأربعين وستمائة، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
стр. 3278
وفيها ملك السلطان علاء الدين خوارزم شاه بن تكش كرمان ومكران.
ثم ملك فى هذه السنة السند واتصل ملكه إلى أطراف الصين.
وفيها سيّر الملك الظاهر صاحب حلب يطلب زوجته ضيفة خاتون من عمه الملك العادل، وتقرير العقد. وسير فى قبول ذلك القاضى بهاء الدين بن شداد. وسيّر معه أشياء كثيرة من الخلع والإنعامات على سائر الأمراء والأعيان. ولما وصل إلى دمشق خرج إليه الأمراء الكبار وحكام الدولة، وتلقوه مع جميع العساكر، وأحضره إلى القلعة. وكان يوما عظيما ما شهد مثله. وكان النائب عن الملك العادل فى قبول العقد شمس الدين التيتى، وعقد العقد على مهر مبلغه خمسون ألف دينار ولحوقاتها.
ثم نثر الذهب على رءوس الناس. وجهز السلطان بعد ذلك ضيفة خاتون. ثم وصلت إلى زوجها الملك الظاهر، وخرج تلقاها بنفسه-من أول أعمال حلب-بسائر جيشه. وكان عبورها إلى قلعة حلب يوما مشهودا.
قال ابن الأثير فى تاريخه: إن من جملة ما وصل معها من التحف والقماش والمصاغ ما حمله مائة وخمسون بغلا. وقال أبو المظفر صاحب التاريخ: كان فى جملة الجهاز ثمانون هاون ذهب برسم المطبخ، ومائة هجين قماش ملبوس وغيره، وثلاثمائة حمل جمل فرش وطرح، وأنظاره زركش وغيرها. ومن الجوار الصغار أربعمائة وصيفة ترك وقفجاق، ومن الجوار الكبار فى المحامل والكجاوات ما يحمله ألف جمل. وكان فى خدمتها مائة جارية مطربة، يلعبون بأنواع الملاهى، ومائة جارية للتطريز. ولمّا دخلت على الملك الظاهر قام لها قائما إحدى عشر دفعة. ثم قدّم لها خمسة عقود جوهر ليس لها قيمة فنذكرها، خارجا عن قلائد العنبر المفصلة باللؤلؤ الكبار، والياقوت البهرمان، ومائتى وسبعون ثوب أطلس معدنى قرمزى، ومثلها
стр. 3279
من المعاجر المكللة، ومائتى قطعة من الذهب والفضة من صناعة الفرنج العجيبة، وعشرين هجينا موسّقة من الثياب المختلفة الألوان. وكان وصولها إليه أول شهر ربيع الأول من هذه السنة. وفى آخرها ولدت له الملك العزيز، واحتفل له الملك الظاهر فى ولادته احتفالا عظيما. ثم أمر الصناع أن يقترحوا من سائر الأنواع والصنوف، فعملوا من ذلك أشياء بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة. وكذلك تماثيل من سائر الأنواع، مثل فهود من عود وعنبر وصندل، ووحوش من جميع الأجناس مطعمة بالذهب والفضة. وفتح للمولود بيتا، وعبر الناس، وأرموا عليه من الجواهر واليواقيت والبلخش واللؤلؤ والأموال ما حسبت قيمته مائة ألف دينار عين. ثم صنعوا له درعين فى كل درع أربعين جوهرة كقدر بيض الحمام، مفصلا بالياقوت البهرمان. وصنعوا له بركستوان جميعه لؤلؤ كبار، وستة سروج مجوهرة، وستة سيوف محلاة مرصعة بعلائق ذهب مكللة، ورماح ذهب وأسنتها بلخش. وفى يوم سبوعه ختن الملك الظاهر ولده الملك الصالح صلاح الدين أحمد، وكان يوما عظيما ما شهد مثله. وختن معه أربعمائة غلام من أولاد كبار الدولة. وختن ألف يتيم وأكساهم أفخر ملبوس. وعملت وليمة ما شاهد الناس مثلها، والله أعلم.
وقال ابن واصل: لما ولد الملك العزيز امتدحت الشعراء وصنعوا القصائد المنتخبة فى التهانى. فمن ذلك قول راجح الحلّى من قصيدة مطلعها، يخاطب الملك الظاهر:
نعم جادت الدنيا بما أنت آمله ... فحسبك من آمالها ما تقابله
إذا ماهناء قال قوم: قد انقضت ... أواخره كرّت عليه أوائله
فيا حبذا دهرا بملكك أشرقت ... على أهله أسحاره وأصائله
فلسنا نرى إلا نعيما يديمه ... صنيعك فينا أو سرورا يواصله
стр. 3280
ومنها:
فلله مولود أنار به الهدى ... وأسفر وجه الملك واشتد كاهله
تباشرت الدنيا بغرّة وجهه ... فبورك من نجل وبورك ناجله
ومنها:
وتحمد منه سيرة ظاهرية ... بها تشمل الآفاق طرّا شمائله
عليه خلال من أبيه وجدّه ... تدل على أن البلاد معاقله
ومنها فى تطهير ولد الآخر [يعنى ولده الصالح]:
ورثت خليل الله منصبه الذى ... سما والنجوم الزاهرات تطاوله
فأحييت بالتطهير سنّته وكم ... تبعت نبيّا فى الذى هو فاعله
آخرها يقول:
فدم يا غياث الدين للخلق رحمة ... تعمّهم كالغيث طبّق وابله
стр. 3281
ذكر سنة اثنتى عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع فقط. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا، وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك، وقد توجه من دمشق، ودخل القاهرة المحروسة فى شوال من هذه السنة.
وفيها كان ابتداء النيابة فى المدرسة العادلية بدمشق المحروسة.
وفى النصف من شعبان توفى سيدى الشيخ نور الدين أبى الحسن على بن حميد المعروف بالصباغ رضى الله عنه، ودفن بجبانة ناحية قنا، من عمل صعيد مصر، بجوار قبر شيخه سيدى الشيخ عبد الرحيم العمارى الحسينى، رضى الله عنه. وصحب الشيخ أبا الحسن-رضى الله عنه-جماعة من الأولياء والصديقين والنجباء والصالحين، فكان يقول رضى الله عنه: «أصحابى ستمائة رجل، وما نال أحد بالديار المصرية ما ناله أصحابى، سوى رجلين الشيخ مفرج بدمامن، والشيخ أبو كريم، بكورة البهنساوية، رحمة الله عليهم أجمعين».
وفيها توفى الشيخ الهروى، وكان له عند الملك الظاهر صاحب حلب صورة كبيرة. وكان من كبار الصالحين، رحمة الله عليه.
стр. 3282
قال ابن واصل: فى هذه السنة كان استيلاء الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبو بكر على اليمن. وقبض على سليمان شاه وزوجته، وسيرهما مكرمين إلى الديار المصرية، حسبما ذكرناه.
وفيها كانت وفاة على بن الإمام الناصر، الذى كان نقل إليه العهد من أخيه واستقر العهد فيه.
قال ابن واصل أيضا: إن فى هذه السنة ملك الرّوم من الإفرنج مدينة أنطاليا، وصاحبها السلطان عز الدين كيكاوس، وقتلوا من بها من المسلمين، ثم استنقذها واستعادها منهم.
قال: وفيها ملك ابن لاون الأرمنى مدينة أنطاكية من الشام، وأحسن إلى أهلها، فأحبه أهلها لظلم صاحبها الابرنس، وأطلق جماعة من أسرى المسلمين كانوا بها.
стр. 3283
ذكر سنة ثلاث عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك. والملك الكامل-ولده-ملك الديار المصرية.
وفيها عزل القاضى عماد الدين بن عبد العلى من الحكم والخطابة، وتولى الحكم بالقاهرة-مع الجانب الغربى والبحرى-القاضى شرف الدين محمد بن عز الدولة.
وتولى مصر مع الوجه القبلى القاضى تاج الدين عبد السلام الدمياطى، المعروف بابن الخياط. وتولى الخطابة بالقاهرة الفقيه بهاء الدين بن الحميدى، وبمصر الفقيه طاهر الحلى.
وفيها تحركت الملكة صاحبة عكا، لما قدم عليها أخوها فى البحر، يسمى الملك نفرى، وكان فى خلق عظيم، ونزل بعكا. وصار يركب ويسير إلى القيمون وغيره. فخشيه الملك العادل، فجرد له إسماعيلى فضربه خمسة سكاكين، فمات، وقتل الإسماعيلى.
وفيها توفى الملك المعظم أبو الحسن على بن الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين.
وفيها وقع بالبصرة برد كثير-قدر كوز الفقاع-حتى كسر رءوس النخل، وقتل كثيرا من الناس والحيوان.
стр. 3284
وفيها اتفق الملك الغلاب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو السلجوقى مع الملك الظاهر صاحب حلب، على لاون ملك الأرمن. ودخل عز الدين كيكاوس من مرعش ودخل الملك الظاهر من درب ساك، فأحرقوا سيس ونهبوا منها شيئا كثيرا.
قال ابن واصل: إنه لم ينتظم للملك الظاهر وصاحب الروم أمر ولا كان بينهما اتفاق. وإن الملك الظاهر سير استشار السلطان فى ذلك فمنعه. وأن ابن لاون هادى الملك الظاهر وراسله، فحصل الصلح بينهما. ولم يتوجه الظاهر ولا [أرسل] جيشا من حلب إلى معونة كيكاوس صاحب الروم. وذكر ما ذكرناه فى التوجه أبو المظفر، والله أعلم كيف كان.
وفيها أرسل الملك الظاهر القاضى بهاء الدين بن شداد إلى السلطان الملك العادل يسأله أن يكون الملك بعده لولده الملك العزيز ابن بنت السلطان، ولا يغير عليه شيئا بعد وفاته. وطلب بنت الملك الكامل لولده الملك العزيز. فلما قدم بهذه الرسالة قال السلطان: «أما الملك فهو لولده ولا أغير عليه حسبما سأله. وأما الزواج فما هو لى، ولكن امض إلى أبيها الملك الكامل». فمضى إلى الملك الكامل وتحدث معه، فتبسم معه وقال: «من لى بابن عمى وابن أختى، لحمى ودمى». وأنعم له بذلك.
وفى آخر هذه السنة توفى الملك الظاهر صاحب حلب، رحمه الله تعالى. واستقر الملك العزيز صاحب حلب مكان أبيه، ولم يغير عليه شيئا.
قال ابن واصل: كانت وفاة الملك الظاهر ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة وستمائة. وكان كتب وصية أن يكون ولده
стр. 3285
الملك العزيز بعده، ثم يكون ولده الملك الصالح أحمد بعد العزيز، ثم يكون الملك المنصور بن العزيز بن السلطان صلاح الدين بعده؛ وهو الذى أخرجه الملك العادل من ملك مصر.
قال: وزوج الملك المنصور المذكور بابنته قبل وفاته بيوم واحد، وأوصى له بشئ كثير، وجعل أتابكية ولده للأمير شهاب الدين طغريل، فقام بخدمة هذا البيت أتم قيام، ووفى من الأمانة ما لا وفّى به غيره. ولم يعتمد ما اعتمده بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فى حق بيت مخدومه من إزالة الأمر عنهم، وتخصيصه إياه.
فكان لؤلؤ بالضد من الأتابك شهاب الدين، ﵀. وأحضر الملك الظاهر-قبل وفاته- الريس جمال الدين على بن صفى الدين بن الطريرة، وأخلع عليه، وقلده رياسة حلب، وكانت لأبيه من قبله.
قال: وبعث فى ذلك اليوم لكل واحد من إخوته جملة مال، وأعتق مائة مملوك ومائة جارية، وأزوجهم بهن، ورتب لهم كفايتهم، وفعل من الخير ما يضيق عنه الوصف، رحمه الله تعالى.
بقية ذكر الظاهر: وكان الملك الظاهر صاحب حلب، ﵀، ملكا جوادا سمحا أديبا فاضلا. قيل إن أبا المحاسن ماجد بن محمد كتب إليه أبياتا منها:
أما وضجيج قهقهة القنانى ... وأصوات المثالث والمثانى
لقد أضحى الشآم يتيه عجبا ... بملك ما له فى الأرض ثانى
فكتب جوابه يقول:
طلبنا الدّرّ من بحر المعانى ... وعذب اللفظ من عضب اللسان
وهل تجنى ثمار الفضل إلا ... فروع أصلها حلو المجانى
فلا عجب أن استسقيت غيثا ... أو استسقيت منطلق العنان
وأنت السابق الغايات فضلا ... إذا ما قصّرت خيل الرّهان
стр. 3286
فأهلا، ثم أهلا، ثم أهلا ... بما أرسلت من سحر البيان
قلت: لعل هذا الشعر يعتد به فى طبقة المطرب من طبقات الشعر، لجودته، وسلاسته، وحسن توصيفه، وبراعة معانيه، رحم الله قائله.
وكان عمر الملك العزيز بن الظاهر-لما جلس فى الملك عند وفاة أبيه-سنتين وأشهر، وعمر أخيه الملك الصالح أحمد ولى عهده نحو اثنتى عشرة سنة. ووقع فى ذلك منازعات كثيرة من أعمامه أولاد السلطان صلاح الدين، مثل الملك الزاهر، والملك الظافر وغيرهم. وآخر الأمر استقر الحال خشية من جده الملك العادل الكبير.
ولما مات الملك الظاهر المذكور رثاه شرف الدين بن راجح الحلى يقول:
سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه ... بمن علقت أنيابه ومخالبه
أرى اليوم دست الملك أصبح خاليا ... أما فيكم من مخبر أين صاحبه؟
ومنها:
فإن يك نور من شهابك قد خفا ... فيا طالما جلّى دجى الليل ثاقبه
وقد لاح بالملك العزيز محمد ... صباح هدى كنّا قديما نراقبه
فتى لم يفته من أبيه وجدّه ... أب ثم جدّ غالب من يغالبه
ومنها يخاطب الملك العزيز وأخاه الملك الصالح بقوله:
أيمكث بالشهباء عبد أبيكم ... ومادحه أم تستقل ركائبه
فلما سمع شهاب الدين أتابك هذا البيت قال: «قولوا له يرحل فلا حاجة بنا إليه، فإنا لا نعطى الشعراء شيئا».
قال: ثم امتدح شهاب الدين-بعد عدة مراثى عملها فى الظاهر-فلم يجزه عليها شيئا. وأمر شهاب الدين بقطع ما كان له مرتبا، ففارق حلب، وصار إلى الملك الأشرف، فحظى عنده. وبقية ما لخصناه فى الصفحة الأخرى.
стр. 3287
ذكر سنة أربع عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا، واثنان وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك العادل كذلك. وبقية الملوك فى محل ممالكهم على ما هم عليه.
وفيها توجه السلطان الملك العادل من الديار المصرية إلى الشام، وخيم بنابلس، وانتقل إلى بيسان. وكان الفرنج-خذلهم الله-محاصرين الطور، فلما بلغهم توجه السلطان إليهم رحلوا عنها خاسرين، بعد ما قتل من كبارهم عدة. ثم إنهم تجمعوا وخرجوا على العساكر السلطانية بمنزلة بيسان، فرحل السلطان عنها، ونزل على مرج الصفر. ثم غاروا على تبنين وبانياس، ولم يحصلوا على شئ ورجعوا خائبين خاسرين.
وأخذ ابن ملكهم أسيرا، مع عدة جيدة من خيالتهم.
وفيها وردت على السلطان عيونه أن الفرنج-خذلهم الله-فى تجهيز عظيم، وأنهم طالبين جميع بلاد الإسلام، فاهتم السلطان الملك العادل فى تحصين سائر الثغور الإسلامية وعمائرها، وإزاحة جميع أعدارها.
وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، وغرقت بغداد بأسرها، وانهدمت قصورها ودورها. وركب الإمام المسترشد بالله فى شبارية وخاطب الناس، واعتذر لهم، وجعل يتأوه ويقول: «لو كان هذا الماء يرد بمال أو برجال لدفعته عنكم، ولكن أمر الله لا مرد له». وزاد الماء أمرا عظيما إلى أن وصل السور، وأيقن الناس
стр. 3288
بالهلاك. ودامت كذلك سبعة أيام، ثم نقص الماء، وعادت بغداد تلال خراب من الجانبين. وهذه غرقة أخرى غير الأولى المقدم ذكرها.
ذكر توجه السلطان خوارزم شاه
إلى نحو بغداد
فى هذه السنة قدم السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش السلجوقى إلى همذان طالبا بغداد، فى أربعمائة ألف عنان-وقيل فى خمسمائة ألف عنان-واستعد له الإمام الناصر لدين الله، وفرّق الأموال والسلاح. وسير إليه الشيخ شهاب الدين السهروردى -المقدم ذكره-رسولا، فأهانه، واستدعاه، وأوقفه إلى جانب تخته، ولم يأمره بالجلوس. وعن أبى المظفر قال: حدثنى الشيخ شهاب الدين السهروردى قال: استدعانى السلطان علاء الدين خوارزم شاه، فأتيت، فدخلت إلى خيمة عظيمة، فيها دهليز لم أر فى الدنيا مثله. وتلك الخيمة والشقة والدهليز أطلس معدنى قرمزى.
والأطناب حرير أبريسم. وفى ذلك الدهليز ملوك عراق العجم على اختلاف طبقاتهم، مثل صاحب همذان، وصاحب أصفهان، وصاحب الرى، وغيرهم. ثم دخلت إلى خيمة أخرى أعظم من الأولى أطلس معدنى قرمزى، بنوارات زركش، وأطناب حرير. وفى دهليزها ملوك خراسان مثل صاحب مرو، وصاحب نيسابور، وصاحب بلخ، وغيرهم. ثم دخلت إلى خيمة أعظم من الأولتين، وملوك ما وراء النهر فى دهليزها. ثم دخلت إلى خركاة عظيمة، أضلاعها ذهب عين، وعليها سجاف مرصع بالجواهر، يأخذ بالبصر. ثم دخلنا عليه، فوجدناه فى خركاة حسب العادة، مغشية بلبد أبيض، وهو جالس على تخت ساذج. وهو شاب بوجه كالترس، ورأسه
стр. 3289
كرأس البغل، وله شعرات يسيرة فى وجهه، وعليه قباء بخارى يساوى خمس دراهم، وعلى رأسه قطعة من جلد تساوى درهمين. قال الشيخ شهاب الدين: فسلمت عليه، فلم يرد علىّ، ولا أمرنى بالجلوس. فشرعت، فحمدت الله ، وخطبت خطبة بليغة، ذكرت فيها فضل بنى العباس، ووصفت الخليفة بالزهد والورع والدين، والترجمان يردّ عليه قولى. فلما فرغت من كلامى قال للترجمان: «قول له هذا الذى تصفه ما هو هذا الذى فى بغداد، وإنما أنا أجئ إن شاء الله تعالى إلى بغداد، وأقيم خليفة يكون بهذه الأوصاف». ثم ردّنا بغير جواب. ثم رحل ونزل بلخ، فأرسل الله على جيشه ثلجا عظيما، ما نظروا مثله، أهلك دوابهم، ووقع كثير من أطارف قومه من قوة الثلج الذى نزل بهم. ثم إن خوارزم شاه ركب يوما فرسه، فعثر به أطاحه من سرجه، فتطيّر من ذلك، ووقع فى عسكره الفساد. وكان معه سبعين ألف من الخطاء، فاختلفوا عليه، فعاد إلى بلاده فى تلك السنة. هذا ما ذكره أبو المظفر.
وأمّا ما ذكره الشيخ شهاب الدين أبو شامة قال: نسخت من كتاب محمد بن محمد ابن أحمد النسوى، الجامع لأخبار التتار مع السلطان علاء الدين خوارزم شاه ومع ولده السلطان جلال الدين منكبرتى، وقد اختصرت ما أمكن تلخيصه. حكى القاضى مجير الدين الخوارزمى أن السلطان علاء الدين سير مرارا إلى بغداد، آخرها بمطالبة الديوان بما كان لبنى سلجوق من الحكم، والنزول ببغداد، فأبوا عليه ذلك، وأنفذوا إليه الشيخ شهاب الدين السهروردى رسولا، مدافعا لما طلب من الديوان العزيز. وكان عند السلطان علاء الدين من حسن الاعتقاد ما أوجب تخصيص الشيخ برفيع المنزلة، ومزيد الاحترام، ما يميّز به عن سائر الرسل الواردة عليه من سائر الأقطار. وأنه لما دخل إليه الشيخ، أقبل عليه وأكرمه وأجلسه.
стр. 3290
فقال الشيخ: «من سنّة الداعى لهذه الدولة القاهرة أن يقدم على أداء الرسالة حديثا من أحاديث النبى ﷺ ». فأذن له السلطان فى ذلك، وجلس على ركبتيه تأديبا لسماع الحديث. فذكر الشيخ حديثا فيه تحذير من أذيّة أقاربه. فلما فرغ الشيخ من رواية الحديث، قال السلطان: «أنا ما أذيت أحدا من أقاربه، ولا من آل العباس، ولا قصدتهم بسوء. وقد بلغنى أن فى مجلس أمير المؤمنين منهم خلق كثير مخلدين، يتناسلون فى الحبوس. فلو أورد الشيخ هذا الحديث بعينه على مسامع أمير المؤمنين كان أولى وأنفع». فعاد الشيخ والوحشة قائمة. ثم عزم السلطان علاء الدين على طلب بغداد، وقسم نواحيها إقطاعات لعمال من قبله. وسار حتى علا عقبة أسداد فنزلت عليه الثلوج حتى ملأت عليه الأباطح وغطت الخراكى والخيام. ودام كذلك أسبوعين، فشمل الهلاك خلقا من عساكره، ولم ينج شئ من الجمال، وتلفت أيدى أناس كثيرة، فرجع عن وجهه، وسيأتى تتمة أخباره فى مكانها.
وفيها كان جفل السلطان الملك العادل من الفرنج لما خرجوا عليه بجموعهم، ووصلوا إلى عين جالوت فأحرقوها. وطلع السلطان إلى قلعة عجلون، وقطع الفرنج خلفه الأردن، وأوقعوا باليزك، وغاروا على البلاد. وورد المرسوم إلى المعتمد والى دمشق بالاهتمام والاستعداد، واستخدام الرجال، وتدريب الدّروب على قصر حجاج والشاغور وطرق البساتين. ونقلت غلة داريا إلى القلعة بدمشق.
وغرقوا الأراضى بالمياه لأجل الفرنج الملاعين، وقصدهم إلى دمشق. وأرسل السلطان
стр. 3291
إلى ملوك الشرق يستحثهم. ثم نزل السلطان على مرج الصفار ليجتمع العساكر فيه.
ووقع عند ذلك الجفل العظيم، وعزم الناس على النزوح عن أوطانهم بدمشق. وعاد للناس ضجيج وبكاء وتضرع إلى الله فى أوقات الصلوات بالجامع. ثم إن الفرنج-خذلهم الله-عادوا إلى عكا بجميع ما احتووا عليه من الأسارى وكانت غارتهم وصلت إلى زحر وإلى فيق وغيرهما. ثم وصل الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص بمن اجتمع إليه من العساكر لنجدة الناس، ودخل من باب الفرج بعد جهد جهيد لازدحام الناس. ومضى من فوره إلى دار ست الشام-أخت السلطان الملك العادل- فسلم عليها. ثم عاد إلى داره وبات بها. وأصبح متوجها إلى خدمة السلطان، فعند ذلك سكنت نفوس الناس.
وكان الملعون ملك الفرنج فى ذلك الوقت وجامع حشودهم يقال له الملك العنكر، وكان فى خمسة عشر ألف قنطارية فرسان، خارجا عن الرجالة. وكان هذا الملعون شجاعا مقداما. قال أبو المظفر: لما رجع هذا الملعون بمن معه من خربة اللصوص، ووصلوا إلى تل الفرس. ثم رحلوا ونزلوا تحت الطور يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، وأقاموا إلى يوم الأحد ثانى رمضان، وكان يوما كثير الضباب. فما شعروا بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب، وقد ألزقوا رماحهم السور. فعند ذلك فتح المسلمون الباب، وخرج إليهم الفارس والراجل، وقاتلوهم أشدّ قتال، حتى رموهم إلى أسفل
стр. 3292
الطور. فلما كان يوم الثلاثاء رابع الشهر المذكور، طلعوا بأسرهم، وصحبتهم سلم عظيم، فزحفوا من ناحية المرامى من نحو باب دمشق. ولم يزالوا حتى ألزقوا السلم السور، فقاتلهم المسلمون قتالا لم يعهد فى جاهلية ولا إسلام مثله، لشدته.
ودخلت رماح الملاعين من المرامى من كل ناحية، فضرب بعض الزراقين السلم بقارورة نفط أحرقه، وقتل عنده جماعة كبيرة من أعيان الفرنج، وقتل كند كبير من كبارهم. فلما رأوه صاحوا صيحة عظيمة، وكسروا رماحهم عليه. واستشهد فى ذلك اليوم من المسلمين من الأمراء بدر الدين محمد بن أبى القاسم، وسيف الدين مرزبان، وكانا من الأمراء الأجواد الصلحاء، رحمهما الله تعالى. وغلقوا الأبواب، وباتوا يداوون الجرحى، واتفقوا أنهم يقاتلون قتال الموت ولا يسلمون أنفسهم، فيجرى عليهم كما جرى على أهل عكا. وكان فى الطور أبطال المسلمين. وأوقد الفرنج حول الطور النيران. فلما كان يوم الخميس سادس رمضان وقت السحر رحل الفرنج طالبين عكا، ولم يعلم لذلك سبب. ثم إن الملك المعظم وصل الطور، وأطلق الأموال، وأخلع على سائر من كان بها، وشكر لهم ما صنعوه.
وفيها جلس الملك العزيز بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين على كرسى مملكة حلب.
وفيها تتابعت إمداد الفرنج وملوكها فى البحر من المرقية والبنادقة، وهما كرسى مملكة الرومانية، وهى التى فيها الباب الكبير، الذى يزعمون أنه الخليفة عندهم. ثم تتابعت ملوكهم أولا فأولا، وحلفوا أن لا بد لهم من البيت المقدس والشام والساحل بكماله. فلما بلغ السلطان الملك العادل ذلك-وكان بالديار المصرية-
стр. 3293
جمع العساكر، وخرج بنية الغزاة وحمى بلاد الإسلام. وقصد الشام، وبث العساكر من الداروم إلى الرملة. ولما بلغ الفرنج ذلك قصدوه بخيلهم ورجلهم. ولم تكن العساكر تكملت بعد عند السلطان. وكان حذورا، فرحل من مرج الصفار، وطلب دمشق، وجعلها ظهره. فعند ذلك غارت الفرنج على البلاد الإسلامية، وأخذوا من بيسان وأعمالها خلقا كثيرا، وسفكوا وقتلوا ونهبوا وأحرقوا.
ووصلت غاراتهم إلى جينين. ثم أقاموا على بانياس ثلاثة أيام، ثم رجعوا بالأموال والغنائم والأسرى إلى عكا. ثم عادوا إلى صيدا والشقيف، ثم رجعوا إلى عكا.
ولم يزالوا كذلك إلى النصف من رمضان المعظم. ثم إن السلطان عيّد بدمشق عيد الفطر، وخرج طالبا للعدو، وحلف لا بد له منهم. فبينما هو راكب إذ رأى شيخا كبيرا، وعلى رأسه حملة كبيرة ثقيلة، وهو يعدو بها، فقال له السلطان: «لا تعجل يا شيخ، وتمهّل على نفسك»، فالتفت إليه الشيخ وقال: «ما تستحى من الله يا سلطان الإسلام، إنك قد أسلمتنا لعدونا، وتقول على مهلك». فكانت هذه الكلمة أشد ما يكون عليه وخنقته العبرة. ثم أمر ولده الملك المعظم عيسى أن يأخذ العساكر ويسير إلى الفرنج، ويردهم عن البيت المقدس. ومضت سنة أربعة عشر وستمائة والحروب بينهما سجال.
ذكر أولاد الشيخ وأصلهم
قال ابن واصل: فى هذه السنة-أعنى سنة أربع عشرة وستمائة-عاد الشيخ صدر الدين بن حمويه من بغداد، وكان قد توجه إليها رسولا من الملك العادل إلى الديوان العزيز. قال: وكان صدر الدين هذا جليلا معظما عند الملك العادل. وكان أبوه الشيخ عماد الدين قدم إلى الشام فى الأيام النورية، ففوّض إليه السلطان الشهيد
стр. 3294
نور الدين محمود بن زنكى مشيخة الصوفية بالشام، وجعل إليه نظر الخانقاه بدمشق وغيرها، إلى أن مات. صار بعد ذلك النظر لولده الشيخ صدر الدين. وولد لصدر الدين أولاد نجباء من ابنة شهاب الدين بن شرف الدين بن أبى عصرون، وهم فخر الدين وعماد الدين وكمال الدين ومعين الدين، فتقدموا فى الأيام الكاملية غاية التقديم، وسيأتى من أخبارهم ما يليق بمواضعها.
стр. 3295
ذكر سنة خمس عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الملك، قائم السلطان.
والسلطان الملك العادل سلطان الإسلام. وبقية الملوك على ما هم عليه.
ذكر الوقعة العظمى على ثغر دمياط وابتدائها
لمّا كان فى ثانى شهر ربيع الأول من هذه السنة، وصلت الفرنج-خذلهم الله-إلى ثغر دمياط المحروس، وعبروا بمراكبهم كلها من الفم، وخيموا ونصبوا المناجنيق الغريبة والشيطانية، ورموا الثغر. ووقع الحصار والجدّ والقتال. وكان السلطان الملك العادل نازلا على مرج الصفّار، وبعث بالعساكر إلى ولده الملك الكامل. وأقام الملك المعظم بساحل الشام مقابل الفرنج خوفا على الساحل منهم.
هذا والملك العادل مريض عاجز عن الحركة والركوب. ونزل الملك الكامل ليلة الثلاثاء سابع عشر شهر جمادى الآخرة بثغر دمياط، ووصل مخيم عساكره إلى أشموم.
وفيها أخربوا الطور لما رأوه وبالا على المسلمين ويشغلهم عما سواه. وكان فى يد الملك المعظم، فعوض عنه أموالا جزيلة. ونقلوا جميع ذخائر القلعة إلى القدس وعجلون والكرك. وكان الطور قد أنشأوه فى سنة سبع وستمائة.
следующие страницы →