Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
إلى ملوك الشرق يستحثهم. ثم نزل السلطان على مرج الصفار ليجتمع العساكر فيه.
ووقع عند ذلك الجفل العظيم، وعزم الناس على النزوح عن أوطانهم بدمشق. وعاد للناس ضجيج وبكاء وتضرع إلى الله فى أوقات الصلوات بالجامع. ثم إن الفرنج-خذلهم الله-عادوا إلى عكا بجميع ما احتووا عليه من الأسارى وكانت غارتهم وصلت إلى زحر وإلى فيق وغيرهما. ثم وصل الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص بمن اجتمع إليه من العساكر لنجدة الناس، ودخل من باب الفرج بعد جهد جهيد لازدحام الناس. ومضى من فوره إلى دار ست الشام-أخت السلطان الملك العادل- فسلم عليها. ثم عاد إلى داره وبات بها. وأصبح متوجها إلى خدمة السلطان، فعند ذلك سكنت نفوس الناس.
وكان الملعون ملك الفرنج فى ذلك الوقت وجامع حشودهم يقال له الملك العنكر، وكان فى خمسة عشر ألف قنطارية فرسان، خارجا عن الرجالة. وكان هذا الملعون شجاعا مقداما. قال أبو المظفر: لما رجع هذا الملعون بمن معه من خربة اللصوص، ووصلوا إلى تل الفرس. ثم رحلوا ونزلوا تحت الطور يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، وأقاموا إلى يوم الأحد ثانى رمضان، وكان يوما كثير الضباب. فما شعروا بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب، وقد ألزقوا رماحهم السور. فعند ذلك فتح المسلمون الباب، وخرج إليهم الفارس والراجل، وقاتلوهم أشدّ قتال، حتى رموهم إلى أسفل
стр. 3292
الطور. فلما كان يوم الثلاثاء رابع الشهر المذكور، طلعوا بأسرهم، وصحبتهم سلم عظيم، فزحفوا من ناحية المرامى من نحو باب دمشق. ولم يزالوا حتى ألزقوا السلم السور، فقاتلهم المسلمون قتالا لم يعهد فى جاهلية ولا إسلام مثله، لشدته.
ودخلت رماح الملاعين من المرامى من كل ناحية، فضرب بعض الزراقين السلم بقارورة نفط أحرقه، وقتل عنده جماعة كبيرة من أعيان الفرنج، وقتل كند كبير من كبارهم. فلما رأوه صاحوا صيحة عظيمة، وكسروا رماحهم عليه. واستشهد فى ذلك اليوم من المسلمين من الأمراء بدر الدين محمد بن أبى القاسم، وسيف الدين مرزبان، وكانا من الأمراء الأجواد الصلحاء، رحمهما الله تعالى. وغلقوا الأبواب، وباتوا يداوون الجرحى، واتفقوا أنهم يقاتلون قتال الموت ولا يسلمون أنفسهم، فيجرى عليهم كما جرى على أهل عكا. وكان فى الطور أبطال المسلمين. وأوقد الفرنج حول الطور النيران. فلما كان يوم الخميس سادس رمضان وقت السحر رحل الفرنج طالبين عكا، ولم يعلم لذلك سبب. ثم إن الملك المعظم وصل الطور، وأطلق الأموال، وأخلع على سائر من كان بها، وشكر لهم ما صنعوه.
وفيها جلس الملك العزيز بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين على كرسى مملكة حلب.
وفيها تتابعت إمداد الفرنج وملوكها فى البحر من المرقية والبنادقة، وهما كرسى مملكة الرومانية، وهى التى فيها الباب الكبير، الذى يزعمون أنه الخليفة عندهم. ثم تتابعت ملوكهم أولا فأولا، وحلفوا أن لا بد لهم من البيت المقدس والشام والساحل بكماله. فلما بلغ السلطان الملك العادل ذلك-وكان بالديار المصرية-
стр. 3293
جمع العساكر، وخرج بنية الغزاة وحمى بلاد الإسلام. وقصد الشام، وبث العساكر من الداروم إلى الرملة. ولما بلغ الفرنج ذلك قصدوه بخيلهم ورجلهم. ولم تكن العساكر تكملت بعد عند السلطان. وكان حذورا، فرحل من مرج الصفار، وطلب دمشق، وجعلها ظهره. فعند ذلك غارت الفرنج على البلاد الإسلامية، وأخذوا من بيسان وأعمالها خلقا كثيرا، وسفكوا وقتلوا ونهبوا وأحرقوا.
ووصلت غاراتهم إلى جينين. ثم أقاموا على بانياس ثلاثة أيام، ثم رجعوا بالأموال والغنائم والأسرى إلى عكا. ثم عادوا إلى صيدا والشقيف، ثم رجعوا إلى عكا.
ولم يزالوا كذلك إلى النصف من رمضان المعظم. ثم إن السلطان عيّد بدمشق عيد الفطر، وخرج طالبا للعدو، وحلف لا بد له منهم. فبينما هو راكب إذ رأى شيخا كبيرا، وعلى رأسه حملة كبيرة ثقيلة، وهو يعدو بها، فقال له السلطان: «لا تعجل يا شيخ، وتمهّل على نفسك»، فالتفت إليه الشيخ وقال: «ما تستحى من الله يا سلطان الإسلام، إنك قد أسلمتنا لعدونا، وتقول على مهلك». فكانت هذه الكلمة أشد ما يكون عليه وخنقته العبرة. ثم أمر ولده الملك المعظم عيسى أن يأخذ العساكر ويسير إلى الفرنج، ويردهم عن البيت المقدس. ومضت سنة أربعة عشر وستمائة والحروب بينهما سجال.
ذكر أولاد الشيخ وأصلهم
قال ابن واصل: فى هذه السنة-أعنى سنة أربع عشرة وستمائة-عاد الشيخ صدر الدين بن حمويه من بغداد، وكان قد توجه إليها رسولا من الملك العادل إلى الديوان العزيز. قال: وكان صدر الدين هذا جليلا معظما عند الملك العادل. وكان أبوه الشيخ عماد الدين قدم إلى الشام فى الأيام النورية، ففوّض إليه السلطان الشهيد
стр. 3294
نور الدين محمود بن زنكى مشيخة الصوفية بالشام، وجعل إليه نظر الخانقاه بدمشق وغيرها، إلى أن مات. صار بعد ذلك النظر لولده الشيخ صدر الدين. وولد لصدر الدين أولاد نجباء من ابنة شهاب الدين بن شرف الدين بن أبى عصرون، وهم فخر الدين وعماد الدين وكمال الدين ومعين الدين، فتقدموا فى الأيام الكاملية غاية التقديم، وسيأتى من أخبارهم ما يليق بمواضعها.
стр. 3295
ذكر سنة خمس عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، مستمر الملك، قائم السلطان.
والسلطان الملك العادل سلطان الإسلام. وبقية الملوك على ما هم عليه.
ذكر الوقعة العظمى على ثغر دمياط وابتدائها
لمّا كان فى ثانى شهر ربيع الأول من هذه السنة، وصلت الفرنج-خذلهم الله-إلى ثغر دمياط المحروس، وعبروا بمراكبهم كلها من الفم، وخيموا ونصبوا المناجنيق الغريبة والشيطانية، ورموا الثغر. ووقع الحصار والجدّ والقتال. وكان السلطان الملك العادل نازلا على مرج الصفّار، وبعث بالعساكر إلى ولده الملك الكامل. وأقام الملك المعظم بساحل الشام مقابل الفرنج خوفا على الساحل منهم.
هذا والملك العادل مريض عاجز عن الحركة والركوب. ونزل الملك الكامل ليلة الثلاثاء سابع عشر شهر جمادى الآخرة بثغر دمياط، ووصل مخيم عساكره إلى أشموم.
وفيها أخربوا الطور لما رأوه وبالا على المسلمين ويشغلهم عما سواه. وكان فى يد الملك المعظم، فعوض عنه أموالا جزيلة. ونقلوا جميع ذخائر القلعة إلى القدس وعجلون والكرك. وكان الطور قد أنشأوه فى سنة سبع وستمائة.
стр. 3296
وفيها-فى يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر-كسر الملك الأشرف موسى ابن السلطان الملك العادل لملك الروم كيكاوس السلجوقى. وسبب ذلك أن الملك الأشرف جمع عساكر الشرق وعسكر حلب، ودخل بلاد الفرنج وأشغلهم عن دمياط، ونزل على صافيتا وحصن الأكراد. وكان السلطان [العادل] بمرج الصفار مريضا، حسبما تقدم من القول، فاستغنم صاحب الروم غيبة الأشرف بالعساكر، واشتغاله بالفرنج، وخرج إلى رعبان يريد يتسلم حلب لخلوها من العساكر. وأخذ رعبان وتل باشر، فبلغ الملك الأشرف ذلك، فعاد من صافيتا إلى حلب وقد سبقه صاحب الروم إلى منبج، وتقدم بعض عسكره إلى بزاعة. وكان الملك الأشرف بظاهر حلب. وتقدم بين يديه المبارز بن خطلخ وسنقر الكبير والحلبيون مع جماعة من مشاهير الجيش. ونزل الملك الأشرف بعدهم على تل بزاعة. وقدم العرب بين يديه، والتقى بعسكر الروم. وكان الملك الأشرف مؤيدا فى سائر حروبه، فكسر صاحب الروم كسرة شنيعة. وكانت العرب أكثر نكاية فيهم. ثم استرد الملك الأشرف رعبان وتل باشر، وأعطاهما للملك العزيز صاحب حلب. ثم بعث الأشرف سيف الدين ابن كهدان والمبارز بن خطلخ فى عسكر كثيف إلى خدمة أخيه الملك الكامل، وهو على ثغر دمياط.
وفى آخر جمادى الأولى أخذ الفرنج-خذلهم الله-المنازل على دمياط، وملكوا برج السلسلة. وكان هذا البرج قفل الديار المصرية. فنفذ الملك الكامل إلى أبيه السلطان العادل صدر الدين شيخ الشيوخ، يخبره بذلك، ويستصرخه ويستنجده. فلما اجتمع به وكان على حطة من المرض فعرفه، فدق بيده على صدره، وكان سبب وفاته، ﵀، كما يأتى بيان ذلك فى موضعه، إن شاء الله تعالى. قال الشيخ علم الدين السنجارى: إن هذا البرج كان قفل الديار المصرية، وذلك أنه كان برجا عاليا بنى فى وسط النيل، وفى ناحيتيه سلسلة وسلسلة، تمتد إحداهما على النيل
стр. 3297
إلى دمياط، وتمتد الأخرى على النيل إلى الجزيرة، يمنعا من عبور المراكب إلى بحر النيل من المالح. فملكوه الملاعين فى التاريخ المقدم.
وفيها توفى السلطان الملك العادل-﵀-حسبما يأتى من ذكره فى موضعه، إن شاء الله تعالى.
وفيها توفى الملك القاهر عز الدين صاحب الموصل، وهو عز الدين مسعود ابن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكى بن آقسنقر. وكانت وفاته لثلاث بقين من شهر جمادى الأولى. وكانت مدة ملكه سبع سنين وتسعة أشهر. وانقرض بانقراضه البيت الأتابكى، رحمهم الله تعالى.
ذكر وفاة السلطان الملك العادل
توفى إلى رحمة الله تعالى سابع جمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر ست وسبعون سنة وأشهر. وملك دمشق فى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، فكانت مدة ملكه دمشق ثلاث وعشرون سنة. وملك مصر سنة ست وتسعين وخمسمائة، فكانت مدة ملكه بمصر والشام والشرق تسع عشرة سنة. وخلف من الأموال والفصوص والجواهر ما قيمته سبعمائة ألف دينار، خارجا عن الضياع والكراع.
وخلف فى الكرك مثلى ذلك، لكن احتوى عليه الملك الحافظ ولده، فإنه كان نائبا للسلطان والده بالكرك. وكان للسلطان الملك العادل خمس عشر ولدا وقيل سبعة عشر ذكرا، خارجا عن البنات وهم: الملك الأوحد [أيوب] نجم الدين صاحب أخلاط، والملك الفائز شمس الدين إبراهيم، والملك المغيث تقى الدين عمر، والملك المعظم شرف الدين عيسى صاحب دمشق، والملك العزيز عماد الدين عثمان، والملك الأمجد مجد الدين حسن، والملك الأشرف مظفر الدين موسى، والملك المعز
стр. 3298
مجير الدين يعقوب، والملك الصالح عماد الدين إسماعيل أبو الجيش، والملك المفضل قطب الدين أحمد، والملك الأمجد تقى الدين عباس-وهو أصغرهم مولدا وآخرهم موتا-توفى سنة تسع وستين وستمائة، والملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه، صاحب قلعة جعبر. وتاج الملوك إسحاق، والملك المظفر صاحب ميافارقين شهاب الدين غازى، أدرك هلاوون وفتحه بغداد. والملك الجواد شمس الدين داود -توفى فى حياة أبيه-وخلف ولده الملك الجواد أيضا الذى ملك دمشق. والسلطان الملك الكامل ناصر الدنيا والدين محمد صاحب مصر أعلاهم ملكا وأسماهم رتبة، وصاحب السكة والخطبة.
وفيها التقى الملك المعظم الفرنج فى جمادى الآخرة على القيمون، فنصر الله الإسلام على عبدة الصلبان، ببركات النبى ﵇. وقتل من الفرنج خلق كثير، وأسر من فرسان الديوية مائة فارس، وعبر بهم إلى القدس وأعلامهم منكسة.
وفيها اجتمعت سائر ملوك الفرنج ونازلوا ثغر دمياط. وعادت الأمداد تمدهم أولا فأولا. أجمعت الرواة من أرباب التواريخ أن الحرب لم تزل بين الفريقين، ليلا ونهارا، وصباحا ومساءا، مدة أربع سنين متوالية، حتى عادوا أولاد المسلمين وأولاد الفرنج الصغار يخرجون ويتصاففون، ويأسرون بعضهم البعض، ثم يتفادون فيما بينهم. فبينما الملك الكامل فى أشد الأمر من حرب الفرنج، إذ ورد عليه الخبر بموت السلطان والده الملك العادل. وكان من جملة الأمراء الكبار أمير يقال له عماد الدين ابن المشطوب، وكان ملك الأكراد. فلما بلغه موت السلطان أفسد قلوب جماعة
стр. 3299
من الأمراء على الملك الكامل، وقال: «هذا صبى خفيف، ولا يأتينا منه خير».
فلما بلغ الكامل ذلك خشى على نفسه، وهرب من ليلته مع جماعة يلوذون به من خاصته، ونزل المنصورة. وأصبحت العساكر فلم يجدوا السلطان بالدهليز، فتسحبوا أولا فأولا، وكانت كسرة عظيمة، لولا لطف الله وعنايته بهذه الأمة. وأن الافرنج-خذلهم الله-لما لم يجدوا من يقاتلهم، ولا من يمانعهم، تقدموا إلى وطاقات المسلمين، ونهبوا الأموال والعدد والسلاح. وقد كان كل أحد من المسلمين قد أخذ ما خف حمله عليه، وترك ما ثقل. وكان الملك الكامل نوى أن يقصد اليمن، ويترك ديار مصر للعدو، فأبى الله إلا عوائده الجميلة على هذه الأمة المنصورة، وأن يكون الأعداء هم العصابة المكسورة. فلم يصبح الصباح إلاّ والملك المعظم صاحب الشام بجيوشه، وقد صبّحه. فخرج الملك الكامل وتلقاه، واعتنقا وبكيا. ثم إنه شكا إليه ابن المشطوب، وما فعله ونواه، فحلف المعظم أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفيه من الديار المصرية. وكان عسكر الديار المصرية فى ذلك الوقت أكثره أكراد، وابن المشطوب ملكهم. ثم إن المعظم لم يزل راكبا حتى مرّ بخيمة ابن المشطوب، فقام إليه وتلقاه. فقال له المعظم: «اركب والحقنى، حتى نتفق على أمر تكون فيه المصلحة، فرأيك المبارك». فتوهم ابن المشطوب أن المعظم مائل إلى ملك مصر، وأنه طلبه ليتفق معه على نزع الكامل من الملك. فركب ابن المشطوب حافيا بغير خفّ لعجلته، ولا سيف. فلما لحق به قال: «أريد نخرج ونبعد ونتحالف على أمر يكون فيه صلاح المسلمين». فقوى ظن ابن المشطوب، ولم يزل يحادثه إلى أن بعد عن وطاقه. ثم إن المعظم أمر أن يركب خمسين مملوكا من أجلاد مماليكه، وجعل عليهم عشرة من بنى أيوب، ويلحقون به. فلما لحقوا به، التفت إلى ابن المشطوب، وقال: «يا عماد الدين! هذه الديار المصرية لنا أو لك؟». فقال ابن المشطوب:
«الله! الله! يا خوند! أنا مملوك بنى أيوب». فقال المعظم: «نحن ما عدنا نريدك تبلى
стр. 3300
بغيرنا ولا تبلى بنا». ثم أمرهم أن يأخذوه من ساعته، ويوصلوه إلى غزة. ثم رجع المعظم إلى خيمته، وكذلك الملك الكامل، وقوى أمره، وثبت ملكه.
وأمّا الفرنج فإنهم فى تلك الليلة أشرفوا على أخذ ثغر دمياط، وأحاطوا بها، وجدوا فى حصارها. وانقطع عن أهل دمياط من كان يدخل إليهم من جواسيس المسلمين، وقلّ عندهم القوت، وذلك بسبب حركة ابن المشطوب. وتمكن الفرنج تمكنا عظيما فى حفرهم الخنادق بينهم وبين المسلمين، وبنوا الأسوار، وعملوا الستائر بالأخشاب، وأقاموا فيها الرّماة بالجروخ. وأما من كان من المسلمين بدمياط، فإنهم ضعفت أحوالهم، وضاقت حيلتهم، واشتد خوفهم، وصبروا صبر الكرام.
وأراد الملك الكامل أن يسيّر إليهم رسولا، فلم يقدر على ذلك لحفظهم الملاعين البر والبحر. وكان عند الملك الكامل جندارا من قرية من ضياع حماه، يقال لها معرذفتين، اسمه شمائل، فتوصل إلى أن صار جندارا فى الركاب. فحضر بين يدى السلطان الملك الكامل، وسأل أن يكون رسولا إلى أهل دمياط، فكان يغطس فى البحر، ويطلع من البر الآخر، ويخاطر بنفسه، ويعبر دمياط، ويدخل بين مراكب الفرنج. ويجتهدوا كل الاجتهاد على أخذه، فلم يقدروا على ذلك. ودخل دمياط عدة طرق فى تلك الأيام التى لا كان الطير يطيق العبور بها؛ لاحتياط الملاعين بها، فأحسن السلطان إليه، وجعله برددارا. ثم أعطاه إقطاعا وجعله جنديا فى العدة.
ثم جعله مقدما فى الحلقة السلطانية وهو مع ذلك واقف على قدم الاجتهاد فى الخدمة والمناصحة. فأوعده السلطان وقال: «متى فتح الله تعالى علينا بكسر هذا العدو ورجعنا إلى القاهرة جعلتك من الناس». فلما فتح الله على المسلمين، واستعادوا دمياط -بعد [أن] أقامت بأيدى الفرنج ثلاث سنين-ورجع السلطان إلى القاهرة،
стр. 3301
أمّر شمائل طبلخاناه بأربعين طواشيا، وولاه القاهرة. وهو الذى بنى الخزانة التى [عند] سور باب زويلة، المعروفة به، كفى الله شرها. وكان بين المسلمين وبين المشركين فى طول بقية هذه السنة وقائع متعددة إلى أن دخلت سنة ست عشرة وستمائة.
стр. 3302
ذكر سنة ست عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع ونصف أصبع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأصبعان.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الأحكام، مطاع الأوامر.
والسلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه بن تكش سلطان الدنيا بالشرق جميعه، إلى ممالك الصين وبلاد الخطا وغير ذلك. والسلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب سلطان الديار المصرية، وما معها.
وبقية الملوك إخوته بحالهم. والحرب قائمة على ساق بين المسلمين والفرنج-خذلهم الله- على ثغر دمياط.
وفى السادس من المحرم من هذه السنة هدم سور بيت المقدس وقلاعه وأبراجه وصهاريجه. ولم تزل العمارة فى هذا البيت من عهد البخت نصر إلى ذلك التاريخ، وسبب ذلك أن الملك المعظم صاحب الشام لما توجه إلى أخيه الملك الكامل، بلغه أن طائفة من الفرنج عزمهم إلى نحو البيت المقدس وأخذه، فاتفق مع الأمراء على خرابه، ليؤمن شرّه، ولا يكن لهم إلى نحوه التفات، فيشغلهم عما هم عليه. وخشوا أن يملكونه فيحصل لهم التعب فى إعادته منهم، فشرعوا فى هدمه فى التاريخ المذكور.
وكان يومئذ بالقدس الملك العزيز فخر الدين عثمان، والأمير عز الدين أيبك المعظمى -جدنا-صاحب صرخد. وكان فى البلد ضجّة وصراخ وبكاء وعويل، وخرجت البنات والصبيان والشيوخ والعجائز إلى الصخرة والأقصى، وقطعوا شعورهم عليهما، بحيث امتلأت تلك البقعة. وخرجوا هاربين، وتركوا أموالهم، وما شكّوا أن الفرنج تصبّحهم. فطلب بعضهم مصر، وبعضهم الكرك، والبعض دمشق. ومات خلق كثير من الجوع والعطش. وكان يوم لم ير الناس أصعب منه، ونهبت أموالهم.
وبلغ القنطار الزيت عشرة الدراهم، والنحاس رطل نصف الدرهم.
стр. 3303
ولمّا كان فى شهر شعبان، أخذت الفرنج ثغر دمياط. وكان قبل ذلك قد جهزوا إليها ابن الجرخى-المعروف بالناهض-فى خمسمائة رجل، فهجموا على الفرنج بالخنادق، فقتل ابن الجرخى وجميع من كان معه، وصف الفرنج رؤوسهم على الخنادق. ثم إنهم طمّوا الخندق الذى لدمياط. وضعف حال أهلها، وأكلوا الميتات، وعجز الملك الكامل عن نصرتهم. ووقع فيهم الوباء والمرض والفناء، فراسلوا الملك الكامل، فتمادى عليهم الجواب، فراسلوا الفرنج أن يسلموا إليهم البلد، ويخرجوا بأنفسهم وأهاليهم وأموالهم، فأجابوهم إلى ذلك. ثم ركبوا فى البر والبحر وزحفوا وفتحوا لهم البلد فدخلوا ورفعوا أعلامهم على الأبراج والأسوار. ثم إنهم غدروا بأهل البلد، ووضعوا فيهم السيف قتلا وأسرا ونهبا. وباتوا تلك الليلة فى الجامع يفجرون بالنساء، ويفضحون البنات. وأخذوا المنبر والمصاحف، وبعثوهم إلى الجزائر. وجعلوا الجامع كنيسة. وكان أبو الحسن بن فضل يومئذ بدمياط، فسألوا عنه، فقيل لهم هذا رجل صالح من مشايخ المسلمين، تأوى إليه الفقراء، فما تعرضوا له. ووقع على الإسلام كآبة وحزن، وبكى السلطان الكامل، والملك المعظّم. وتأخرت العساكر من تلك المنزلة. وقال المعظم: «لو كان الدعاء يستجاب، لاستجاب لأهل دمياط». قال أبو المظفر: فقلت: «لا تقل كذلك يا خوند فإن الله تعالى أخبرنا أنه يستجيب دعاءنا فى عدة مواضع من كتابه العزيز، وإنّما أهل دمياط لما كثر فسقهم، وفشا فجورهم، سلّط عليهم من انتقم منهم، لقوله تعالى:
﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾. . . .» الآية. قال أبو المظفر: وكان الملك المعظم قد كتب إلىّ كتابا وأنا بدمشق بخط يده، يقول فيه: «أخو عيسى الكاملى.
стр. 3304
قد علم الأخ العزيز ما جرى على دمياط، وأريدك تحرّض الناس على الجهاد، وتعرّفهم ما جرى على إخوانهم المسلمين أهل دمياط، من الكفرة أهل العناد. وأنى كشفت عن ضياع الشام فوجدتها ألفى ضيعة، ألف وستمائة أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية. وكم مقدار ما تقوم [به] هذه الأربعمائة ضيعة من العساكر. والقصد أن يخرج أهل الأملاك يذبّوا عن أملاكهم، الأصاغر منهم والأكابر». قال أبو المظفر:
فجلست فى الجامع بدمشق، وقرأت كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة، وقابلوا أمره بالامتثال. وقالوا: «نتجهز جهدنا». فلما حلّ ركابه بالساحل، وقع التقاعد من العامة، فكان ذلك سببا لأخذ الخمس من أموالهم. وتوجهت إليه فلحقته بقيسارية، ففتحها بالسيف عنوة، ثم فتح النقير، وانتقل فدخل دمشق، ووقعت جباية الخمس.
وفيها توفّيت الست ست الشام بنت أيوب، أخت السلطان صلاح الدين، وشقيقة الملك المعظم شمس الدولة توران شاه، وسيف الإسلام، ابنى أيوب. وهى التى تنسب إليها المدرستان اللتان بدمشق، الواحدة قبلى البيمارستان النورى، والأخرى ظاهر دمشق بالغوطة، وتعرف أيضا بالحسامية، نسبة إلى ابنها حسام الدين، وكانت دفنته بها. وهو إحدى القبور الثلاث، والقبلى هو قبر توران شاه، والأوسط قبر ابن عمها ناصر الدين محمد بن شير كوه. ولم يكن لأسد الدين شير كوه ولد غيره.
وكان تزوجها، وولدت له حسام الدين المدفون بالمدرسة المعروفة به. وكانت ست الشام من كرماء الناس الجيدات. وكانت تعمل فى بيتها كل سنة من الأشربة والمعاجين والعقاقير بألوف دنانير، وتفرقها على الناس للثواب. وكان بابها ملجأ القاصدين، ومفزع المكروبين. وكان وفاتها فى ذى القعدة من هذه السنة. وإخوتها أربع ملوك عظماء بنى أيوب؛ وهم السلطان صلاح الدين، والملك العادل سيف الدين
стр. 3305
أبو بكر، والمعظم الكبير شاهان شاه، وسيف الإسلام طغتكين الملك العزيز صاحب اليمن. فمن بنى هؤلاء الملوك الأربع المذكورين:
آل السلطان صلاح الدين بن أيوب
العزيز صاحب مصر عثمان وولده المنصور محمد، والأفضل، والظاهر صاحب حلب، وابنه العزيز، وابن ابنه الناصر يوسف، والزاهر، والظافر. وقد تقدم ذكر بقيتهم فيما سقناه عند وفاة السلطان صلاح الدين.
آل السلطان الملك العادل بن أيوب
السلطان الملك الكامل محمد، وأولاده الثلاثة الملك المسعود أقسيس صاحب اليمن وولده الأشرف موسى الذى ملك مصر فى أيام البحرية. وولد الملك الصالح المعظم توران شاه الذى قتلوه البحرية. والعادل الصغير أبو بكر صاحب مصر. والملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر أستاذ الترك. وابن العادل الملك المغيث صاحب الكرك، والملك المعظم بن الصالح توران شاه المقتول بمصر، الآتى ذكره.
والملك المعظم عيسى بن السلطان الملك العادل، وولده الملك الناصر داود، والملك الأشرف موسى بن السلطان الملك العادل، وليس من عقبه ملك فيذكر.
والملك الأوحد بن السلطان الملك العادل-وهو صاحب أخلاط-وليس من عقبه ملك، والملك الصالح إسماعيل بن السلطان الملك العادل وهو المعروف بأبى الجيش وأخوه شهاب الدين غازى صاحب الرّها، والملك العزيز عثمان شقيق المعظم. وقد تقدم أيضا ذكر أسماء بقيتهم عند ذكر وفاة السلطان العادل.
آل سيف الإسلام صاحب اليمن ابن أيوب
الملك المعز إسماعيل، وهو الذى ملك اليمن بعد والده، وادعى الدّعاوى الباطلة، وقتل باليمن. وخلف ولده الملقب بالملك الناصر، وملك أيضا اليمن أياما قلائل.
стр. 3306
آل المعظم شاهان شاه الكبير بن أيوب
فرخ شاه وولده الأمجد، والناصر قليج أرسلان، وتقى الدين وابنه المنصور وولده المظفر أصحاب حماه. وذريتهم المتصلة إلى آخر وقت بحماة، حسبما نذكرهم فى تواريخهم إن شاء الله تعالى. والظافر، والمغيث عمر، والمنصور، والمسعود، والسعيد، والأمجد أولاد الصالح إسماعيل، ومجير الدين يعقوب، وتقى الدين عباس.
ومن ذريّة الأمجد بهرام شاه، ولده الملك المنصور إبراهيم؛ وولد إبراهيم الملك الأشرف موسى. هؤلاء أصحاب بعلبك. ولم يزل موسى إلى أيام الملك الظاهر البندقدارى، حسبما يأتى من ذكرهم.
وأمّا أصحاب حمص فمن ذرية أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين تأتى أيضا أسماؤهم فى تواريخها إن شاء الله تعالى.
قلت: ولهؤلاء السادة أولاد أيوب شجرة تجمع سائرهم متصلة الأنساب إلى آخر وقت. وإنما ذكرت فى هذا الفصل الملوك الذين ملكوا نصيبا من الدنيا.
... وفيها، والسلطان الملك الكامل فى قتال الفرنج بدمياط وقد ضعف حاله وقل القوت عندهم ولا بقى لهم صبر على القتال. وأراد أن يسلم البلاد إلى العدو. كل هذا وكتبه ورسله تتردد إلى ملوك الشرق وإلى إخوته الملوك. ومن جملة قوله فى الحث على طلب النجدة: «وا إخوتاه! وا غوثاه! وا إسلاماه! أدركوا الإسلام! أغيثوا أمة محمد ﵇!».
فلما قويت شوكة الافرنج وظنوا أنهم سيملكون البلاد، ويهلكون العباد، تواردت العساكر الإسلامية، تتلو بعضها بعضا، فأول من قدم الملك المعظم عيسى صاحب الشام، ثم الملك الأشرف موسى شاه أرمن. وجاءت عساكر الشرق.
стр. 3307
ثم إن الأشرف ترك جيوشه عند الملك الكامل، وعاد إلى بلاده فى نفر قليل، خوفا عليها. وعظمت جيوش الإسلام، واطمأنت النفوس. فلما رأوا الفرنج المخذولين ذلك، كاتبوا بقية ملوكهم، وأتّهم الأمداد فى البحر، ودخلوا إلى دمياط، وحصنوا أسوارها، وبنوا ما كان أخربوه منها. وكان نزول السلطان الملك الكامل على المنصورة-وهى طلخا-وبنى بها قصرا وأسواقا وحماما. وبلغ فى الحمام أجرة غسل الرأس جملة. وعادت مدينة.
ونزلت الفرنج قبالهم. واستمرت بينهم الحروب. وفشا القتل فى الطائفتين.
وكان الحرفوش من المصريين يجعل على رأسه قشرة بطيخة خضراء، ويعوم فى البحر محاذيا للبر، فيراها الفرنجى، فيظن أنها بطيخة، فيمد يده ليأخذها، فيجذبه الحرفوش، فيأخذه أسيرا، حتى عادوا إذا رأوا شيئا عائما على الماء يصلبوا على وجوههم ولا يقربوه.
قال أبو المظفر: فبينماهم كذلك إذ قدم الملك المنصور وعساكره، وكذلك الملك الناصر صلاح الدين قليج أرسلان، ثم تلوهم بقية الملوك إخوة السلطان الملك الكامل وأولاد عمه، وكان ذلك فى سنة ثمان عشرة وستمائة، حسبما يأتى.
وفيها-وهى سنة ست عشرة-استدعى الصاحب صفى الدين بن شكر من القاهرة، ووصل إلى المخيم مستهل شوال، وخلع عليه وعلى أولاده، ووزّر ونظر فى الدولة، واستخرج من الناس أجر أملاكهم شهرين، وكذلك التبرع. واستخدم الرجال، والحرب مستمر.
وفى سنة ست عشر كان أول بدء خروج التتار من بلادهم الأصلية المسماة -بلسان التركية لغتهم-قراطاغ، معناه الجبل الأسود. وفى مبتدأ خروجهم، وفى ذكر أصلهم أشياء عجيبة غريبة الوقوع وقعت للعبد من كتاب يأتى اسمه وسبب تحصيله عند ذكرهم، إن شاء الله تعالى.
стр. 3308
ذكر سنة سبع عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع ونصف أصبع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا، وأربعة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الحكم، مطاع الأمر. وملوك الشرق بحالهم. وكذلك السلطان علاء الدين خوارزم شاه، والسلطان الملك الكامل سلطان مصر، وما معها. والحرب بينه وبين الفرنج على ثغر دمياط.
وفى شهر رمضان ورد الخبر بوفاة الملك الفائز. ووفاة الشيخ صدر الدين بن شيخ الشيوخ، ودفن بالموصل.
وفيها صرف القاضى تاج الدين بن الخراط، وأضيف حكم مصر والوجه القبلى للقاضى ابن عين الدولة، مضافا لما بيده من القاهرة وأعمالها.
وفيها كان غلاء، وبلغ القمح دينارين ونصف مصرية الأردب.
وفيها [كان] قتل حسن بن قتادة صاحب مكة لأمير الحاج [العراقى] ونهب الحاج.
[وفيها] توفى نصير الدين ناصر الدين بن مهدى الشريف العلوى، الذى كان وزير الخليفة الناصر لدين الله، ﵀.
стр. 3309
ذكر سنة ثمان عشرة وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا، وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين مستمر الأمر، مطاع فى أقطار الأرض. والسلطان علاء الدين خوارزم شاه سلطان الدنيا بالممالك الشرقية. والسلطان الملك الكامل ملك الديار المصرية وما معها. وبقية الملوك بممالكهم، وقد قدموا فى هذه السّنة-لنصرة الإسلام-إلى خدمة السلطان الملك الكامل، حسبما سقناه أولا.
ثم إن شوانى المسلمين اقتتلوا مع مراكب الفرنج، فغلبهم المسلمون، وأخذوا من مراكبهم ثلاث [قطع]، بما فيها من الرجال والعدد والسلاح. وفرح المسلمون بذلك، واشتموا روائح النصر. هذا والرسل تتردد بينهم فى أمر الصلح. والملك الكامل يقصد ذلك، ومجتهد على الصّلح، خوفا من إخوته الملوك، حتى إنه دخل تحت كل ما اشترطوه عليه، وهو أن يسلم لهم القدس، وعسقلان، وطبرية، وجبلة، واللاذقية، مع جميع فتوحات السلطان صلاح الدين، ما خلا الكرك والشوبك.
ورضى الملك الكامل بذلك جميعه، حتى ثلثمائة ألف دينار [يدفعها] لعمارة القدس وغيره. ثم قالوا: «ولا بدّ لنا من الكرك والشوبك»، وتعنتوا فى الشروط تعنتا عظيما. وكان فى ذلك خير عظيم، لما يريده الله من نصرة دينه، ويريهم معجزات قدرته، وأن النصر إلا من عنده.
فبينما الرسل تتردد فى ذلك كله، والملك الكامل يحث فى طلب الصلح، ويذعن
стр. 3310
بالإجابة لكل ما طلبوه. وكان النيل قد عمّ البلاد، وكان عاليا، لما يريده الله من خذلان أعدائه؛ إذ عبر جماعة من عسكر المسلمين فى الخليج وقطعوه، وعدوا إلى جزيرة الفرنج، وقطعوا عليهم جسرا من تلك الجسور المحيطة بهم. ولم يكن للفرنج خبرة بذلك، ولا يعلمون زيادة النيل، فساح عليهم، وغرق خيلهم ودوابهم، ودار بهم الماء من كل جانب ومكان. وعادوا يتأخرون إلى نحو الثغر ولا يجدون سبيلا.
وإن طلبوا نحو البحر لا يجدون سبيلا، ولا مراكبا تطيق العبور إليهم لعظمها.
وضايقهم النيل، ولم يبق لهم غير طريق واحدة، وهى أضيق الطرق، وأى طريق قصدوها غرقوا فيها.
فلمّا علم السلطان بما قد وقعوا فيه من البلاء الذى قد عمهم وطمّهم، أمر بالمراكب، وركبت الجيوش، وأخذوا عليهم سائر المذاهب والطرق، وحازوا بينهم وبين دمياط.
وفى ذلك النهار وصل للفرنج مركب عظيم يسمى مرمة، وفيه خلق عظيم، وسلاح كثير، وحوله عدة مراكب يحفظونه، وهو موسوق مأكول وسلاح وغير ذلك. فخرجت عليه شوانى المسلمين، وقاتلوهم أشد قتال، ونصر الله الإسلام، وأخذوا ذلك المركب العظيم بكل ما فيه. فلما رأوا الفرنج ذلك، انقطعت قلوبهم، وأيقنوا بالهلاك والدّمار. ثم أحاطت بهم عساكر الإسلام من كل وجه بالنشاب والرماح، وقلّ نشاطهم لما نالهم من الغرق الذى لم يكن لهم فى حساب. وأخذتهم الحجارة والنبل، وأحاط بهم البلاء، وصب عليهم الخذلان صبّا. فعندها أرموا خيامهم وأثقالهم، وأرادوا الزحف على المسلمين، لعلهم يقدرون على الوصول إلى ثغر دمياط، فحيل بينهم وبين ما يشتهون، وذلك لكثرة المياه التى عمتهم. فلما عجزوا عن ذلك، ذلت نفوسهم الخنزيرية، ونكست صلبانهم، وقهر شيطانهم، وذل سلطانهم،
стр. 3311
فرجعوا إلى مراسلة السلطان الملك الكامل وسألوا الصلح، وطلبوا الأمان لأنفسهم، وأن يسلموه دمياط، ولا يريدون غير خلاص نفوسهم لا غيرها. فاستشار إخوته الملوك فى ذلك، فقال الملك الأشرف-وكان قوى النفس، شديد البأس-: «لا نقبل منهم، ونقتل هؤلاء الملاعين أجمعهم، فإن هؤلاء هم دين النصرانية كله، وهم الصليب بكماله، ونريح الأرض منهم، ولا نبقى على أحد منهم. وقد أمكننا الله بقدرته من نواصيهم». وكذلك قال المعظم فقال الملك الكامل-وكان فيه سياسة ونظر فى العواقب-: «ليس هذا برأى ولا مصلحة. وهؤلاء كبار دين الصليب، وملوك الأرض، والفرنج كثير. وإلى الآن دمياط فى أيديهم. ومتى قتلناهم لا بد أن يأتوا برا وبحرا، وفارسا وراجلا، وأصحابنا فى هذا الوقت قد سئمت نفوسهم من القتال، وكلّوا. وأنهم والله لمعاذير فى ذلك. وقد أنعم الله علينا بهذا الفتح العظيم، الذى ما كان لنا فى خلد. والرأى أن ننعم عليهم بنفوسهم. لكن على ما نريد نحن، لا ما على ما يريدون هم».
قال ابن الأثير-﵀-فى تاريخه: كانت مدة الحصار والحرب على ثغر دمياط ثلاث سنين، وثلاثة أشهر. وقال غيره: ثلاث سنين وسبعة أشهر.
ثم حصل الصلح بينهم فى حادى عشر الشهر، واتفق الحال بينهم على أن يأخذوا منهم رهائن، حتى تعود رهائنهم. فكان عدة رهائن الفرنج أربعة عشر ملكا وهم:
كرموك بن الباب يعنى خليفتهم، وكرمريك صاحب صقلية، وبندارك ملك النوباردية، وسربار ملك الجزيرة الورانية، والريدكور صاحب المساوى وهو إقليم كبير بالمغرب، وكندفور صاحب جزيرة النمسون، وطرباط صاحب البندقية، وابن الأنبرون، وفرنسيس، وأدورد، والملك أخوزنتون، والملكة صاحبة عكا بنفسها، ورومان ابن صاحب رومية الكبرى وهو المعروف بالكاف، وكندريس الكبير، وهؤلاء أعظم ملوك دين الصليب. ثم رهن عندهم السلطان الملك الكامل ولده الملك الصّالح، وجماعة من الأمراء الكبار المصريين. وكان عمر الملك الصالح فى ذلك الوقت خمس عشرة سنة، فإن مولده فى سنة ثلاث وستمائة، فكان مراهق البلوغ، أو بالغ.
стр. 3312
فلما حضروا الملوك من الفرنج-خذلهم الله تعالى-بين يدى السلطان الملك الكامل، أقعدهم بين يديه، بعد ما جلس فى دست مملكته، وأوقف الملوك إخوته بين يديه، وفى خدمته عن يمينه ويساره. فنظر الفرنج ناموسا عظيما، وهيبة وافرة، وجلله الله تعالى بالسكينة والوقار. ثم إنهم أنفذوا قسوسهم ورهبانهم، وسلموا المسلمين الثغر على رغم منهم.
وكان ذلك يوم الخميس تاسع عشر من شهر رجب الفرد من هذه السنة. وقيل تاسع الشهر، والله أعلم. وتسلم المسلمون الثغر فى ذلك اليوم، بعد أذان الظهر.
فما استقرت الأحوال فى تسليمها إلا بعد أذان العصر، حتى وصلت للفرنج ألف مركب موسوقة، رجال وعدد وسلاح ومأكول، فلو علموا الملاعين بذلك، لما سلموا، لكن كانت إرادة الله أغلب، وقدرته أعجب.
وكانت الفرنج قد حصنوا دمياط تحصينا عظيما، ثم عادت كل رهائن إلى أهلها.
ورسم السلطان بمبايعتهم. وكان يحمل إليهم فى كل يوم خمسين ألف رغيف من الخبز، ومائتى إردب شعير. ثم توجهوا إلى بلادهم، قيل فى بقية شهر رجب، وقيل استهلوا شعبان، وسافروا.
ولما توجهوا، واطمأنت نفوس الملوك الإسلامية، وردت بشائر السّادة الفضلاء بالتهانى فى قصائدهم المبدعة، ذوو الألفاظ المخترعة. فمن ذلك قصيدة الشيخ شرف الدين ابن عنين، التى أولها يقول:
سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنّا ... إذا جهلت آياتنا والقنا اللّدنا
غداة لقينا دون دمياط جحفلا ... من الرّوم لا يحصى يقينا ولا ظنّا
قد اتفقوا رأيا وعزما وهمة ... ودينا، وإن كانوا قد اختلفوا لسنا
стр. 3313
تداعوا بأنصار الصليب وأقبلت ... جموع كأن الموج كان لهم سفنا
وأطمعهم فينا غرور فأرفلوا ... إلينا سراعا بالجياد فأرفلنا
فما برحت سمر الرماح تنوشهم ... بأطرافها حتى استجاروا بنا منّا
سقيناهم كأسا نفت عنهم الكرى ... وكيف ينام الليل من عدم الأمنا
لقد صبروا صبرا جميلا ودافعوا ... طويلا فما أجدى دفاعا ولا أغنى
بدا الموت من زرق الأسنة أحمرا ... فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنا
وما برح الإحسان منّا سجية ... توارثها عن جد آبائنا الأبنا
وقد جربونا قبلها فى وقائع ... تعلم غمر القوم منا بها الطّعنا
أسود وغى لولا وقائع سمرنا ... لما لبسوا قيدا ولا سكنوا سجنا
وكم يوم حرّ ما وقينا هجيره ... بستر وقرّ ما طلبنا له كنا
فإن نعيم الملك فى وسط الشقا ... ينال وحلو العيش من مرّه يجنى
يسير بنا من آل أيوب ماجد ... أبى عزمه أن يستقر بنا معنا
كريم الثنا عار من العار باسل ... جميل المحيّا كامل الحسن والحسنى
سرى نحو دمياط بكل سميذع ... إمام يرى حسن الثنا المغنم الأسنى
مآثر مجد خلدتها سيوفه ... طوال المدى يفنى الزمان وما تفنى
وقد عرفت أسيافنا ورقابهم ... مواقعها فإن عاودوا عدنا
منحناهم منا حياة جديدة ... فعاشوا بأعناق مقلدة منّا
ولو ملكونا لاستباحوا دماءنا ... ولوغا ولكنا ملكنا فأحسنا
ثم وردت قصيدة القاضى بهاء الدين بن زهير بن على القوصى، ﵀، التى أولها يقول:
بك اهتزّ عطف الدين فى حلل النصر ... وردّت على أعقابها ملة الكفر
(١٥ - ٧)
стр. 3314
ومنها:
وما فرحت مصر بهذا الفتح وحدها ... لقد فرحت بغداد أكثر من مصر
ولو لم تقم فى الله حق قيامه ... لما سلمت دار السلام من الذعر
ومنها:
وأقسم لولا عزمة كاملية ... أخافت بالمقام وبالحجر
وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى ... لما حلمت إلاّ بأعلامك الصّفر
ثلاثة أعوام أقبلوا وأشهرا ... تجاهد فيهم لا بزيد ولا عمرو
ومنها:
وليلة فرّ العدوّ وأنها ... بكثرة من أرديته ليلة النحر
أيا ليلة شرف الله قدرها ... فلا غرو أن سميتها ليلة القدر
سددت سبيل البر والبحر عنهم ... فسابحه بر وسانحه بحر
أساطير ليست فى أساطير من مضى ... فكل غراب راح أقنص من صقر
وجيش كمثل الليل هولا وهيبة ... وإن زانه ما فيه من أنجم زهر
وباتت جنود الله فوق ضوامر ... بأوضاحها تغنى السّراة عن الفجر
فما زلت حتى أيّد الله حزبه ... وأشرق وجه الدين جذلان بالنصر
فرويت منهم ظامئ البيض والقنا ... وأشبعت منهم طاوى الذئب والنسر
وجاءت ملوك الروم نحوك خضّعا ... تجرجر أذيال المذلة والصّغر
أتوا ملكا فوق السّماك محله ... فمن جوده ذاك السحاب الذى يسرى
فمنّ عليهم بالأمان تكرّما ... على الرغم من بيض الصوارم والحمر
كفى الله دمياط المخافة إنها ... غدت قبلة الإسلام من موضع البحر
وما طاب ماء النيل إلاّ لأنه ... يحلّ محل الريق فى ذلك الثغر
стр. 3315
منها:
لك الله كم من فارس قد أجرته ... من الموت إذ أطلقته خيفة الأسر
يقصّر عنك المدح من كل مادح ... ولو جاء بالشمس المنيرة والبدر
...
ذكر ليلة طيبة جرت بين ملوك الإسلام
وذلك لما رحلت الفرنج-خذلهم الله-وطابت نفوس الملوك، واطمأنت قلوبهم، اجتمعوا فى القصر الذى بناه السلطان الملك الكامل بالمنصورة. وجلس السلطان الملك الكامل محمد، والملك الأشرف موسى، والملك المعظم عيسى فى مجلس شراب وأنس ولذة وطرب. وكان يوم رقت غلائل صحوه، وغنجت شمائل جوه، وضحكت ثغور رياضه، واطرد زرد النسيم فوق حياضه، وفاحت مجامر الأزهار، وانتشرت قلائد الأغصان عن فرائد الأنوار، وقام خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، ودارت أفلاك الأيدى بشموس الرّاح فى بروج الأقداح، بمجلس قد تفتحت فيه عيون النرجس، ومالت أعناق البنفسج، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فازات النارنج، وانطلقت ألسن العيدان، وقام خطباء الأوتار، وهبّت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادى الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وامتدّت سماء الند على بساط الورد، وقد سبوا العقل فى مرح الجنون، وخلعوا العذار بأيدى المجون، فأمر الملك الأشرف موسى لجاريته أن تغنى، فنهضت وقبلت الأرض، وتناولت العود وأصلحته، وجسته وغنت تقول:
ولما طغى فرعون عكا وقومه ... وجاء إلى مصر ليفسد فى الأرض
أتى نحوهم موسى وفى يده العصا ... فغرقهم فى اليمّ بعضا على بعض
قال: فأعجب بذلك الأشرف، وطرب لقولها، وشرب، وطاب. فأمر السلطان الملك الكامل لجاريته أن تغنى، فنهضت، وقبلت الأرض، وتناولت العود، وساوته-وكانت حاذقة-وغنت تقول:
стр. 3316
أيا أهل دين الكفر قوموا وانظروا ... لما قد جرى فى عصرنا وتجددا
أعباد عيسى إن عيسى أتاكم ... وموسى جميعا ينصران محمدا
قال: فأعجب ذلك الثلاث ملوك. وأمر السلطان الملك الكامل لكل واحدة بخمس مائة دينار.
ثم إن الملوك تودعوا وسافر كل ملك إلى بلاده ومحلّ ملكه. والذى أجمع عليه أرباب التاريخ أن كان مدة إقامة الفرنج على ثغر دمياط أربعين شهرا وسبعة عشر يوما.
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.
ودخل السلطان الملك الكامل إلى القاهرة فى شهر شوال من هذه السنة، ثم خرج إلى العباسة، ومضى إلى قلعة صدر وأمر بعمارتها، ورجع إلى القاهرة المحروسة.
وفيها استولى عماد الدين زنكى على البلاد الهكارية بالموصل، وأخذ قلاعهم.
فلما عاد الملك الأشرف من دمياط، استجار به بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل -وهو يومئذ أتابكها من قبل أستاذه-فأجاره، وأنجده، وانهزم زنكى منهما، واستعاد [بدر الدين لؤلؤ] ما أخذه [زنكى].
وفيها توفيت الملكة عصمة الدين خاتون بنت العادل الكبير، أخت السلطان الملك الكامل، زوجة الملك المنصور صاحب حماة.
وفيها توفى قطب الدين محمد شاهنشاه بن عماد الدين زنكى صاحب سنجار.
وفيها كان ظهور التتار من بلادهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام.
стр. 3317
ذكر السلطان علاء الدين خوارزم شاه
وسلطان الإسلام يومئذ بسائر الممالك الشرقية السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش بن إيل أرسلان اتسز بن محمد بن أنوشتكين، ونسبته تنتهى إلى ههنا. هكذا ذكره ابن الأثير فى تاريخه. وكان أبوه أو جده أحد مماليك الملك العادل عضد الدولة أبو شجاع ألب أرسلان داود بن سلجوق. وهكذا ذكره أيضا ابن واصل صاحب تاريخ بغداد. وكان لأيامه ملك خوارزم من جهة السلطان المشار إليه ابن سلجوق. فلما انتقضت دولة بنى سلجوق من العجم قوى سلطان علاء الدين خوارزم شاه، وملك العجم وخراسان وعراق العجم، واستولى على ما وراء النهر، وطمع فى أخذ بغداد، وأن يعيد أمر الخلافة على ما كان عليه فى أيام دولتى بنى بويه الديالمة وبنى سلجوق-وقد تقدم القول فى ذلك. وهذا كله لأمر كان كامنا فى الغيب، لما يريده الله من تملك التتار الأرض، فلا راد لحكمه، ولا مفر من قضائه.
قال ابن واصل صاحب تاريخ بغداد: شهدت على جماعة من سراة الناس من أرباب دولة بغداد-كل يذكر ويتقلد فى ذمته-أن الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين كتب إلى التتار يستدعيهم إلى البلاد، ويهون عليهم العبور إلى الأقاليم، ويصغّر عندهم أمر السلطان علاء الدين خوارزم شاه. كل ذلك خوفا منه لئلا يحضر إلى بغداد، وتعود الخلافة كما كانت فى أيام بنى سلجوق. ولذلك لوّح ابن الأثير فى تاريخه عند ذكره لخروج التتار كما يأتى بيانه فى موضعه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وأما هؤلاء القوم، وبدء خلقهم، وأول شأنهم، فإنه من الحديث العجيب، والأمر الغريب، ولعله لم يذكره أحد من المؤرخين، لعدم إحاطة علمهم به. وقد وقع
стр. 3318
العبد عليه من كتاب عجيب له عند الترك مزية عظيمة، يسمى باللغة التركية «الواى أطام بتكى» معناه «كتاب الأب الكبير». وهذا الكتاب وقفت عليه سنة عشرة وسبعمائة، أحضره إلىّ شخص كان يسمى أمين الدين الحموى، كاتب الأمير بدر الدين بيسرى، رحمهما الله تعالى. وكان الوالد-سقى الله عهده-فى ذلك التاريخ، متولى الأعمال الشرقية، وما معها. وكان هذا الرجل أمين الدين له بالأعمال راتب مقرر، فكان كثير التردد إلى بلبيس، وكنت من حال الصبى متولعا بالفضل وأهله، والأدب ونبله. وكان أمين الدين-﵀-من أحسن الناس محاضرة، وألذهم مسامرة، وأغزرهم مروءة، وأكثرهم أدبا. وكان ممن يتردد إلى المملوك من السادة الفضلاء فى ذلك العهد، مثل الشيخ جمال الدين السملوطى، والحكيم شمس الدين ابن دانيال، وجمال الدين البلاليقى المعروف بابن زيتون، وجماعة أخر من أهل الفضل والأدب. فكنا ننهب العيش بالآداب، ونستخرج لباب اللباب من ذوى الألباب، فى كل فن وباب. فتجارينا ذات يوم ذكر التاريخ، وبدء التتار، فذكر أمين الدين المذكور أن عنده كتاب لم يقع لأحد مثله، وأنه كان عند الأمير بدر الدين بيسرى من أعظم ذخائره وأعزها عليه، وكان إذا أحضره قام له قائما، وجعله على رأسه، ويعظمه كما يعظم كتاب الله تعالى. فسألناه أن يحضره إلينا. فلما عاد أحضره، فنظرناه كتابا حسنا ذى شأوة جليلة، بخطّ منسوب ربما يقال إنه خط تلميذ ابن البواب، فى ورق بغدادى، مجلد بأطلس أحمر ظاهر وأصفر باطن. وله قفل ذهب، يدل على عناية كبيرة به. فاجتمعنا عليه، وقرأه علينا أمين الدين، فوجدناه تاريخا للترك الأول وأول خلقهم-بزعمهم-وذلك مما يخالف الشرع المطهّر.
فاستنسخت منه بدء خلق التتار والترك الأول، لما رأيت فيه من العجائب الغريبة، ليكون ذلك من باب التعجب، لا من باب التصديق، إذ هو غير موافق للشريعة،
стр. 3319
وإنما هو شئ وضعوه الحكماء المتفلسفين، يصيدون به عقول من يخدموه من الملوك الراغبين فى طول الحياة الدنياوية، مما يؤيد زعمهم أن العمر الطبيعى مائة وعشرون سنة، فمن مات قبل ذلك كان من وجوه التفريط بنفسه، مع شروط وضعوها.
ونحن نعوذ بالله من زعمهم، وزخارف أقوالهم. ونعلم ونتحقق أن العمر محتوم، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، فهذا هو الاعتقاد الصحيح، والعقل الرجيح.
وها أنا أضع وأثبت-فى هذا الفصل-جميع ما استنسخته من ذلك الكتاب، لضرورة بدء خلق هؤلاء القوم التتار بزعمهم. وليظهر أيضا نقصان عقولهم، فيما وضعوه من خرافاتهم.
ذكر بدء شأن الترك الأول حسبما ذكره صاحب الكتاب التركى
هذا كتاب عنى بحلّه من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية، كما عنى بحله من اللغة التركية إلى اللغة الفارسية، عبد الله المتوكل على ربه الغفور المسامح، جبريل ابن بختيشوع المتطبب، فى سنة إحدى عشرة ومائتين للهجرة النبوية المحمدية، على صاحبها السلام. وتركت فيه ألفاظا بحالها باللسان التركى، كما تركها الذى حلها من التركية إلى الفارسية، وهو أبو مسلم عبد الرحمن صاحب الدعوة العباسية. قال جبريل: ووصل إلىّ هذا الكتاب من ذخائر أبى مسلم المذكور. وذكر أنه من كتب جده برزجمهير بن البختكان الفارسى. وكان أبو مسلم ينتسب إلى برزجمهير المذكور، وليس ببعيد فيما ذكره، لما كان عليه من العقل الوافر، وحسن السياسة والتدبير، مع ما اجتمع فيه من فنون العلم. وقتله المنصور لما خيف من دهائه وتدبيره.
وسمعت المأمون-رضى الله عنه-يقول: الملوك ثلاث الذين ساسوا البلاد وأتقنوا الأمور وأقلبوا الدول؛ وهم الإسكندر، وأزدشير، وأبو مسلم. ثم إن جبريل أطنب فى ذكر أبى مسلم إطنابا كثيرا، أضربت عنه ولم أنسخه، إذ ليس فيه لنا غرض.
ثم قال بعد ذلك: إن الله جلت قدرته وتعاظمت حكمته خلق جبلا عظيما آخر
стр. 3320
الصين الأعلى من جهة مشرق الشمس، سمت علوه فى الجو أربع فراسخ، صاعدا فى فلك الهوى، حجرا أسودا أصمّا، ليس به نبات. وأن من حكمة الله جل وعزّ، التى لا تدرك لها غاية، ولا يحصر لها نهاية، جعله حاجزا للبحر الأسود المحيط، وحاجزا لعين الشمس فى أول طلوعها، فإنها تطلع من ذلك البحر من غامض علمه، الذى لا يعلمه سواه، فيحجبها هذا الجبل أن تدرك الأرض فى أول طلوعها، ويمنع حرارتها فى مبتدأ طلوعها؛ لطف من الله تعالى، وتدبير من الحكمة الإلهية.
فلو أدركت الأرض فى أول مبتدأ إشراقها، ما تركت عليها من دابة، ولا نبتت فيها خضراء. وليس تدرك الأرض إلا بعد ما تصير فى اثنى عشر دقيقة من سمت رأس المشرق، فعند ذلك تخف حرارتها، لارتفاعها، ويدرك بها الانتفاع. واسم هذا الجبل باللغة التركية قراطاغ، تفسير ذلك الجبل الأسود. ثم إن هذا الجبل تتفجر منه-من سفحه الموازى إلى جهة المغرب-عيون ماء عذبة، أحلى من الشهد، وأبرد من الثلج، وأعطر من المسك. تفرش تلك العيون فى بحيرة مسافة دورها سبعون فرسخا كاملا، يجرى منها نهر فى طول سفح ذلك الجبل، مسافة مائة وثمانين فرسخا. قد بنى فى وسط هذا المجرى مدينتان عظيمتان ذاتا أسوار دائرة، بحجارة سود، ونحتا ذكر فى أنثى، وأنثى فى ذكر، لا تكاد تبين مداخله إلا للمتأمل الحاذق. دور كل سور سبعة عشر فرسخا كاملا، لكل مدينة أربعون بابا من الحديد الصينى، كالفضة المحلية. على كل باب برج مشيد من تلك البناية. وذلك النهر يجرى فى تلك المدينتين. وبين المدينة والمدينة مسافة سبع عشر فراسخ. وقد صنع ذلك النهر بمقاسم قد رتبت، وتدبير قد أحكم، حتى ليس يخلو منه منزل من منازل تلك المدن. ثم يخرج وينقسم عدة أنهر إلى سائر بقاع تلك الأراضى، وعليه
стр. 3321
ضياع ومزدرعات وأشجار، ذات ثمار عجيبة، وفواكه لذيذة، ما لا يعلمها إلا الله تعالى. ويعمّ ذلك النهر أراضى ذات أعمال، وعمائر تقدير سنة طول، فى سنة عرض، عليها أمم وخلق، ذوو صور مختلفة، يرجعون جميعهم إلى سلطان تلك المدينتين.
وهاتان المدينتان تسميان باللغة التركية أيدرماق وأشرماق. ويقال لكل من يملكهما من نسل واحد وعظم واحد باللغة التركية ألطن خان، تفسيره ملك الذهب. ولم يكن للقوم عدو يخشونه، ولا منازع يخافونه، أهل عيش خضل، ولذة وفكاهة، وأكل وشرب وتناسل، من أحسن خلق الله وجوها، وأرطبهم أبدانا، وأنعمهم عيشا. يأكلون من أطيب اللحومات، وألذ الفواكه، لتلك الأراضى الحسنة، والمراعى اللذيذة، ذات الحشائش المختلفة، النابتة فى تلك الأماكن الخصبة، الصحيحة الهواء، العذبة الماء. فليس يرى فيهم مرض من الأمراض، ولا عاهة من العاهات، الفرح غالب على قلوبهم، حتى إذا ما مات عندهم الميت لا يعرفون البكاء عليه ولا الحزن، طوال الأعمار. لا يكاد الشخص منهم يموت إلا بعد المائة وما فوقها.
قال جبريل: ولهم فى ذلك معنى دقيقا، جل بحثنا عليه، وذلك أن صاحب هذا الكتاب برزجمهير بن البختكان قال-وإن لم يكن ذلك موافقا للشرع المطهر، فنحن إنما نذكره للتعجب لا للتصديق، فما على ناقل خبر من عتب-قال برزجمهير:
إن أول خلق هؤلاء القوم المذكورين أن بهذا الجبل المسمّى بقراطاغ مغار، مسافة علوها فيه من أسفله إلى حين يرقى إليها الراجل الشبق-بعد المشقة العظيمة والتعب والكلال-ثلاثة أيام، بطريق وعراء كثيرة التعاريج، متسلقة فى الجو. وأن
стр. 3322
على فم تلك المغار باب عظيم من الذهب الأحمر، مرصّع بأنواع الجواهر العظيمة القدر، وله سدنة وخدام. وهذه المغار فهى معبود أهل تلك الديار، فإذا أراد الإنسان منهم يحلف، يقول: «أيّما قراطاغ»، تفسير ذلك «وحق الجبل الأسود». وإشارته إلى تلك المغار.
قال جبريل: قال برزجمهير: وأصل دعواهم فيه. قلت: ونحن لا نصدق هذه الدعوى الضعيفة، وإنما نورد ما قالوه، ونرد عليهم من الشرع والعقل الذى احتجاجهم به.
قال: إنه لما كان أول زمان، جرّت السيول من الأمطار ماء إلى تلك المغار، وسحّب ذلك الماء بقوته ترابا من مجر السيول، فاحتبس فى تلك المغار فى أخدود شبيه بقالب هذه الخلقة الآدمية. وكانت الشمس فى ذلك الوقت فى برج أفنون-على ما نقول نحن برج السرطان-فقصده بذلك أن الشمس كانت فى أوجها وقوة حرارتها، بما يقتضيه عرض أرضهم، إذ كل إقليم خص بعرض وسمت. وكانت تلك الصبابة التى تحدرت من تلك السيول إلى المغار، قد تجمعت فى ذلك الأخدود. فلما استقرت، طبختها الشمس، فكانت المغار بمنزلة جوف المرأة. والمستقر فى ذلك الأخدود عنصران: الماء والتراب، وطبختهما الشمس فى أوجها فكانت كعنصر النار.
واعتدلت له الرياح فى مدة تسعة أشهر، وتكملت الأربع استقصاءات. فلما كانت الشمس ببرج حيتان-وهو كقولنا برج الحمل-فقصده أنه مضى تسعة أشهر، فإن كل ثلاثة أشهر فصل. فلما كان ابتداء أمره، والشمس فى أوجها، فيكون أول الصيف. فلما مضت التسعة أشهر، مضى فصل الصيف وفصل الخريف وفصل الشتاء، وشرعت الشمس للاعتدال. فلما وافق إكمال تلك المصاية وتعفينها وإنضاج طبخها عند اعتدال الشمس استحق الكمال والخروج، فخرج من ذلك الأخدود صفة هذا الحيوان الناطق. قال جبريل: وهذا القول تصححه أصحاب القول بالتعافين،
стр. 3323
ويحتج فيه أن لكل ما عفن فى استحقاقه نتج منه روح حيوانى وذلك بالضرورة، كالدود من الخل ومن الجبن، وكالحشرات من الأرض. وربما عفنت أشياء، وخرجت منها حيوانات مختلفة الأشكال. قال: فسمّى ذلك الشخص الذى خرج من تلك المغار باللغة التركية «أى أطام» معناه «الأب القمر». والترك يدعون أنهم أحق به من الفرس، والفرس يدعون أنّهم أحق به من الترك. واسمه عند الفرس كهومرت معناه بالفارسية «أب الآباء».
قلت: ونحن نعوذ بالله تعالى من تصديق دعوى الطائفتين، ونشهد أن الله خالق آدم من طين، بقدرته التى لا يقدر عليها سواه، بما أتى به الرسول الصادق، الذى بالحق -عن الحق-ناطق. وأن الله تعالى واجد الوجود من العدم، وهو على كل شئ قدير. وأما دعوى هؤلاء القوم على ما ذكره صاحب هذا الكتاب، فإنها دعوى سخيفة جدا، لا يقبلها الشرع ولا العقل جملة كافية.
قال جبريل: قال برزجمهير: فنزل ذلك الشخص المسمى «أى أطام» إلى تلك الأرض الطيبة الهواء، العذبة الماء، فأقام بها أربعين سنة، وهو متزايد القوة والنشاط، والنهضة فى سائر أعضائه وتركيبه. قال: ثم إن السيول اجتمعت أيضا، ونزلت، وتحصلت تلك المصاية بالمثال الأول الذى تقدم ذكره. لكن كانت الشمس ببرج كينان-معناه أنه بالتقدير والقياس كقولنا برج السنبلة-فأدرك الطبخ والشمس فى أول هبوطها، وتكامل نضجها والشمس قد شرقت على أوجها، فخرجت أنثى، هذا بقوله فى كلام طويل هذا تلخيصه. ولو أمكننى تلخيص الجميع لكان أوفق، لكن ألجأت الضرورة لبيان ذكر أول خلق التتار حسبما يأتى،
стр. 3324
فإننى لم أجد أحدا ذكر أصلهم الأول، وإنما سائر أرباب التواريخ ابتدأوا بذكر جكزخان تمرجى، ولم يتعدونه. ووجدت فى هذا الكتاب بدء شأنهم، فأحببت أن أنبه على ذلك. قال جبريل: فخرجت أنثى لعدم إدراكها أول الأوج، فنقصت عن التركيب الذكرى لعدم الحرارة، فسميت باللغة التركية «أى وا» معنى ذلك «وجه القمر». فتزاوجا وتناسلا، فأقام «أى أطام» بعد نزول «أى وا» أربعين سنة أخرى واقفا عن الزيادة والنقصان. ثم شرع فى النقص، فأقام أربعين سنة متناقص الأحوال. فلما كملت له مائة سنة وعشرون سنة، هلك. وقد صار له من النسل أربعين ذكر وأنثى، فتزاوجوا ببعضهم البعض. وكان أكبر الأولاد لما هلك «أى أطام» أعاده إلى المغار، ووضعه فى ذلك الأخدود، رجاء أن يقوم ثانيا.
فلما هلكت أمه «أى وا» بعد أبيه بأربعين سنة، طلع بها إلى أبيه، فوجده قد تمزق، فوضعها فوقه، وطمرهما وتركهما. وجعل على باب المغار ذلك الباب الذهب، وأقام عليه سدنة يحفظونه.
قال جبريل بن بختيشوع: فمن هاهنا أخذت الحكماء الأطباء أن العمر الطبيعى مائة وعشرون سنة. والعلة فى ذلك أن هذا الشخص لما كان ابتداؤه، والشمس فى أوجها، اقتضى الزيادة فى ذلك الفصل بكماله. وذلك أن السنة ثلثمائة وستين يوما، والخمسة أيام وزائدها لا يعتد به فى حساب السنة الشمسية. وفى ذلك بحث دقيق، وحديث طويل أضربت عنه ولم أنسخه.
قال جبريل: فإذا حسبت هذه الثلثمائة وستين يوما على منازل القمر، وهى الثمانية وعشرين منزلة التى يحلها القمر فى طول السنة، كانت كل منزلة تخص بعدة أيام،
стр. 3325
وكانت كل ثلاثة أيام إلا قليل بنظير سنة من العمر الطبيعى، وهو المائة وعشرون سنة. فإذا حسبت السنة اثنى عشر شهرا، كان استكمال السنة باستكمال مائة وعشرين سنة. فالزيادة فيها كون أن الشمس كانت فى أول خروجه إلى فسيح الفضاء بنقطة الحمل، وهى فى صعودها، فاقتضى الحال الزيادة فى طول مدة ذلك الفصل بكماله. فلما صارت الشمس بنقطة السرطان، وبلغت منتهى الزيادة فى صعودها، وقفت فى ذلك الفصل بكماله. فلما عادت الشمس بنقطة الميزان، وتساوت، ورجعت إلى الهبوط، اقتضى ذلك الحال النقصان. فلما انتهت إلى الحضيض اقتضى الحال التلاف والهلاك، إذ الحمل لم يكمل غير تسعة أشهر، فمنتهاه آخر ما الشمس فى برج الجدى، وهو آخر الحضيض الشمسى. والعمر الطبيعى إنما هو تسعون سنة، وإنما جعلوه مائة وعشرون سنة للغاية فى النهاية. قال جبريل: وأقوى الأدلة على ما ذكرناه أن سائر المخلوقات ذوات الأرواح الجائلة فى الأجساد المركبة، فى فصل الربيع يحصل لها الانتعاش وقوة الحركة والنهضة وتحريك الشهوة والتنصل من الأمراض التى حدثت فى فصل الخريف، ولم تنصل فى فصل الشتاء كون أن الشمس فى هبوطها.
قال جبريل: فإن قال قائل رأينا من يعيش أكثر من المائة وعشرين، ورأينا من يموت دون ذلك من غير سبب عارض، فالجواب عن ذلك، قال برزجمهر: الحجة لنا فى ذلك خلقة هذا الشخص المدعو «أى أطام» فإنه إذا اتفق أن المولود يولد موافقا لمبروز هذا الشخص فى الأوقات التى تكون فيها من ابتدائه إلى انتهائه، وتكون أعضاؤه مناسبة لتلك الأعضاء المختصة بذلك الشخص، لاتساع جولان الروح فى متسع التركيب، وسلم من أن تغلب عليه طبيعة على طبيعة، وخلص من آفات الدنيا وعوارضها، حكمنا له أنه يعيش ما قدرناه له من العمر الطبيعى. ثم إنه ذكر هاهنا مقادير الأعضاء فى التركيب من الرأس إلى القدم، مما أضربت عنه لطول شرحه
стр. 3326
وهذيانه. ثم قال: فإن زاد المولود فى خلقه عن هذا التركيب، واتفقت له هذه الأسباب المشترطة كلها، زاد عمره على العمر الطبيعى بمقدار تلك الزيادة فى تركيبه، وإن نقص عن خلقه فى هذا التركيب نقص عمره بمقدار ذلك النقص. قال جبريل: ولذلك أن الطبيب الماهر والحكيم الحاذق إذا رأى طفلا كان أو غيره كاملا فى خلقه التركيب الأصلى فى سائر أعضائه، علم مقدار جولان الروح فى ذلك التركيب، وراعى مصالح الطبائع الأربع فى الأغذية، فأمكن أن يعيش ما قدر له، بشرط سلامته من الآفات العارضة، فيجب على الطبيب الحاذق اللبيب الفطن إذا كان بخدمة ملك أو رئيس أن ينظر إلى أعضائه وتركيبه، ويلاطف ما نقص منها، ويحفظ نقصها من أى الطبائع هى، فيكون اعتماده دائبا فى حفظ صحة تلك الطبيعة التى من جهتها نقصت الحملة عن الاعتدال. ثم تكلم كلاما كثيرا جدا، أطنب فيه إطنابا كثيرا، أضربت عنه. والذى تبين للعبد من هذا القول أن الأطباء وضعوا ذلك فخّا ليصيدوا به عقول الكبار من العالم، وأن لا يكون لهم غنى عن طبيب حاذق يلازم مجالسهم لحفظ الصحة من أمزجتهم. وليس نشك أن الله خلق الداء والدواء، وإنما قولهم فى معانى التركيب وحياة العمر الطبيعى فمحال لا يصدقه مؤمن يؤمن بالله تعالى، وبما أتى به رسوله ﷺ . والصحيح قول الإمام على-كرم الله وجهه-:
«العمر محتوم، والرزق مقسوم».
قال جبريل: ثم إن ذلك النسل الذى من ذلك الشخص كثر وتزايد، وبغى بعض على بعض، فأجمعوا أمرهم على أن يقيموا من بينهم رأسا يرجعون إلى كلمته، ويأخذ القصاص من بعضهم لبعض، فاتفق رأيهم على أن يكون الأكبر من ولد
стр. 3327
«أى أطام»، فكان أول من جلس على سرير الملك من هؤلاء القوم من ولد «أى أطام» الأكبر منهم، تسمى باللغة التركية «أى أطام كشكرى» معناه «الأب القمر الصغير». فأقام فى الملك ثمانين سنة، وهو الذى ابتنى تلك المدينتين العظيمتين-أيدرماق وأيشرماق-بناهما فى مدة أربعين سنة. ثم هلك، فقام بالأمر ولده، وكان يسمى بلغتهم «كشكرى بلجكى» معناه «فرخ كشكرى». فلما استقر له الأمر كان أبوه قد أوصاه أن يجعل رمته فى تمثال من ذهب مجوف، ويجلسه على كرسى فى بيت يصنعه له كالمعبد، فصنع له ذلك، وأحكم له البيت الذى جعله فيه، وأوقد عليه القناديل الذهب بالزيت المحكم الذى لا ينطفئ، لا ليل ولا نهار. وأقام له سدنة يخدمونه. وعاد ذلك مشهدا لهم وعيدا، يجتمعون إليه فى يوم تاريخ وفاة ذلك الملك، فيسجدون له، ويدعون عنده، ويقربون إليه من أعز أموالهم ومواشيهم.
وسمّى بعد ذلك كل من ملك من نسل ذلك الملك من ذلك الحين «ألطن خان» تفسيره «ملك الذهب». وأقاموا على ذلك ما شاء الله تعالى من الدهور، آلاف من السنين والقرون، وهم فى ألذ عيش وأهناه، لا يعرفون لهم عدوا ولا حربا ولا قتالا. انتهى كلام جبريل إلى هاهنا.
قلت: فأبى الدهر إلا أن يفرق شملهم، ويعيدهم عبيدا بعد الملك، وأذلاء بعد العز، كعادة الدهر وغدره، والزمان وشره. فكان موجب ذلك ما ذكره سليمان بن عبد الحق بن البهلوان الأذربيجانى، مما ذيله على كلام جبريل بن بختيشوع، وضمنه هذا الكتاب المذكور. قال سليمان بن عبد الحق: إنه كان بهذا الجبل المسمى «قراطاغ» عند منبع تلك البحيرة، وحوشا شدادا، سودا، كالبخاتى عظما، لا يطيق بشر أن يقرب تلك الأرض بما رحبت، لكثرة وحوشها، وخبث أسودها.
стр. 3328
ولم يكن بها ساكن من الإنس، مع كثرة خيرها، وسعة فضائها، وبهجة أقطارها، وعذوبة مائها، وصحة هوائها، تشتمل تلك البحيرة على عدة جزائر خضرة نضرة، كثيرة الأشجار والنبات، يأوى إليها سائر أصناف الطير من سائر أقطار الأرض، يبيض ويحضن ويفقس، لا تجد من يشوش عليهم، ولا من ينفره عن وكره.
وكان أكثر ذلك طيرا، الجنس الذى يقال له باللغة التركية «قو» وهو «التم».
فاتفق أن بجوار هذه الأرض-بعد مسافة بعيدة-بلاد يقال لها تبّت، وهى التى بها الغزال، الذى فى صراره المسك المعروف بالمسك التبتى، وهو أجود من المسك الصينى بطبقات، لا يحمل إلا إلى الملوك فى البر دون البحر، فإن حمله فى البحر مما يقطع ريحه، وله حديث طويل، أضربت عنه لذلك.
قال سليمان الأذربيجانى: فخرجت امرأة من بلاد تبّت، وهى حامل، إلى بعض تلك الأودية بتلك الأرض تحطب، فأدركها المخاض، فوضعت ولدا ذكرا كأنه قطعة صخر، فنهضت تأتيه بشئ من ذلك الحشيش تستره به، فاختطفه نسر، وحلّق به فى الجو، فلم يحطّه إلا بسفح ذلك الجبل المسمى بقراطاغ. فسقط-لما يريده الله -فى غيضة قد ولدت فيها فى تلك الساعة لبؤة، فصار الطفل عند شبلها الذى وضعته، لأمر أراده مدبّر الأمور، ومقدّر الكائنات، الفعّال لما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ثم أراد النسر حمله، فنظر إلى اللبؤة وهى قد ضمته إلى شبلها، وظنت أنها وضعته مع شبلها، وحنّنها الله-جل وعز-عليه، كما ورد الخبر عن نمرود بن كنعان مع النمرة التى حضنته مع جروها. فجفل النسر وحلق طائرا وتركه. ثم إن اللبؤة أرضعته مع شبلها من وقتها. ولم يزل كذلك حتى انتشأ وترعرع، وكبر مع ذلك الشبل، وعادت اللبؤة تكسر لهما من أصناف وحوش ذلك الجبل
стр. 3329
وتطعمهما. وشبّ ذلك الغلام وكبر، حتى صار يفترس الأسود بيده، ويأكل لحومها، وعاد كأنه البختى العظيم من عظم خلقه، بوجه كأعظم ما يكون من وجوه السباع، ولا يظن أن ثم خلقا سوى تلك الوحوش، لعدم السالك بتلك الأراضى. وعادت الأسود إذا رأته جفلت منه وهربت، خوفا من شره ولافتراسه إياهم.
قال سليمان بن عبد الحق الأذربيجانى: فبينما هو ذات يوم بسفح ذلك الجبل على شاطئ تلك البحيرة، إذ نظر إلى سبعة نفر من بنى آدم-ثلاثة رجال وأربع نسوة-وهم فى تلك الأرض، والأسود قد دارت عليهم من كل جهة. فنظر إلى أشخاص كشخصه، وشبها كشبهه، وتركيبا كتركيبه، فحنت الجنسية، ومالت الطبيعة الآدمية، فنهض إليهم، وزعق على تلك الأسود الذين قد تجمعوا عليهم، فنفروا منه، لما رأوه. وكذلك أولئك الأشخاص سقطوا على وجوههم لهول منظره، فتقرب إليهم ووانسهم، فتأنسوا به، لما علموا أنه يمنع عنهم أذى تلك الأسود.
وتبينوه فوجدوه آدميّا مثلهم، وإنما غيرت محاسنه الوحشية الربيبة. فكلموه فلم يفهم، بل إنه يزمجر كزمجرة الأسود. ثم إنه تأنس بهم، وعاد يفترس لهم من تلك الأسود والوحوش ويأتيهم به، فيشوون ويأكلون ويطعمونه، فعاد يأكل مما يأكلون.
ولم يزل كذلك حتى فهم وعقل كلامهم. وعادوا يأمرونه بالشئ فيفهم. وسأل بعد ذلك منهم عن أحوالهم، فعرّفوه أن ثم أناس مثلهم كثير فى جميع الأرض، فقال:
«فما الذى أوقعكم أنتم هاهنا، ولم أر من قبلكم غيركم؟». فقالوا: «نحن تتار»؛ معنى ذلك-أى تائهين عن أرضنا- «وأن قوما من جنسنا غلبوا علينا، وقتلونا، وأخرجونا من ديارنا، فخرجنا هاربين، لا ندرى أين نتجه، فوقعنا فى هذه الأرض تتار، أى تائهين». فهذه أصل كلمة قولهم التتار.
стр. 3330
قال: وكان فى جملتهم بنت، فعلق بها ذلك الشخص الوحشى، وواقعها، فولدت منه غلاما، فسموه أهله «تتار خان» -تفسيره الملك التائه-وسموا أبوه ذلك الشخص الوحشى «ألب قرا أرسلان بلجكى» معنى ذلك وتفسيره «فرخ الأسد الأسود». ثم توالدوا وتناسلوا، وكثروا وقتلوا تلك الأسود الذين فى تلك الأراضى، وأكلوا لحومها. وولد لتتار خان ولد فسماه قرا أرسلان بلجكى-على اسم جده.
ثم ولد لقرا أرسلان بلجكى ولد، فسماه تتار خان كشكرى تفسيره «تتار خان الصغير».
وهو أول من صنع الشبابة التركية المسماة بلغتهم «صبرغوا»، وصنعها لمشاكلة حس تلك الطيور التى بتلك الجزائر، فكان يعدى إليهم، ويصفّر بتلك القصبة، فتجتمع عليه الطيور من سائر نواحى الجزائر، فيصيد منها ما شاء أن يصيد. ثم ولد لهذا تتار خان كشكرى أولاد ثلاثة جكز خان، وأغزّ خان، وأطن خان.
قال سليمان بن عبد الحق: فهؤلاء الثلاثة أصول سائر بطون التتار، وانقرض ما سواهم. وتوالدوا، وكثر نسلهم فى تلك الأرض، وتفرقوا حول تلك البحيرة، وليس لهم ما يأكلوه غير وحوش ذلك الجبل، مع ما تنبت تلك الأراضى من أنواع النباتات. ثم ولد لجكز خان اثنا عشر ولدا ذكرا، فكان الأكبر فيهم يسمى تتار خان بيغو، وكان أعظمهم خلقا، وأقواهم بطشا، وأشجعهم نفسا. وكان يسطو على الأسود بغير سلاح، فيملكها بيده. وكان لما علموا أهل تلك الديار أن تلك الأرض خلت من تلك الوحوش الضارية، وأن عاد بها سكان وقطّان، ترددوا إليها، ونازلوا أهلها. ودخلت التتار تحت طاعة ذلك الملك المسمى ألطن خان، وعادوا يعبرون إليه، ويتقربون إليه بغرائب تلك الوحوش التى بذلك الجبل، وينعم عليهم بما يمونهم من قوتهم. وتخلقوا بأخلاق الآدميين قليلا، وإنما الغالب عليهم أنهم كالأسود. وعاد لهم الخيل والمواشى. ومات كبارهم.
следующие страницы →