← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وهذيانه. ثم قال: فإن زاد المولود فى خلقه عن هذا التركيب، واتفقت له هذه الأسباب المشترطة كلها، زاد عمره على العمر الطبيعى بمقدار تلك الزيادة فى تركيبه، وإن نقص عن خلقه فى هذا التركيب نقص عمره بمقدار ذلك النقص. قال جبريل: ولذلك أن الطبيب الماهر والحكيم الحاذق إذا رأى طفلا كان أو غيره كاملا فى خلقه التركيب الأصلى فى سائر أعضائه، علم مقدار جولان الروح فى ذلك التركيب، وراعى مصالح الطبائع الأربع فى الأغذية، فأمكن أن يعيش ما قدر له، بشرط سلامته من الآفات العارضة، فيجب على الطبيب الحاذق اللبيب الفطن إذا كان بخدمة ملك أو رئيس أن ينظر إلى أعضائه وتركيبه، ويلاطف ما نقص منها، ويحفظ نقصها من أى الطبائع هى، فيكون اعتماده دائبا فى حفظ صحة تلك الطبيعة التى من جهتها نقصت الحملة عن الاعتدال. ثم تكلم كلاما كثيرا جدا، أطنب فيه إطنابا كثيرا، أضربت عنه. والذى تبين للعبد من هذا القول أن الأطباء وضعوا ذلك فخّا ليصيدوا به عقول الكبار من العالم، وأن لا يكون لهم غنى عن طبيب حاذق يلازم مجالسهم لحفظ الصحة من أمزجتهم. وليس نشك أن الله خلق الداء والدواء، وإنما قولهم فى معانى التركيب وحياة العمر الطبيعى فمحال لا يصدقه مؤمن يؤمن بالله تعالى، وبما أتى به رسوله ﷺ . والصحيح قول الإمام على-كرم الله وجهه-: «العمر محتوم، والرزق مقسوم». قال جبريل: ثم إن ذلك النسل الذى من ذلك الشخص كثر وتزايد، وبغى بعض على بعض، فأجمعوا أمرهم على أن يقيموا من بينهم رأسا يرجعون إلى كلمته، ويأخذ القصاص من بعضهم لبعض، فاتفق رأيهم على أن يكون الأكبر من ولد

стр. 3327

«أى أطام»، فكان أول من جلس على سرير الملك من هؤلاء القوم من ولد «أى أطام» الأكبر منهم، تسمى باللغة التركية «أى أطام كشكرى» معناه «الأب القمر الصغير». فأقام فى الملك ثمانين سنة، وهو الذى ابتنى تلك المدينتين العظيمتين-أيدرماق وأيشرماق-بناهما فى مدة أربعين سنة. ثم هلك، فقام بالأمر ولده، وكان يسمى بلغتهم «كشكرى بلجكى» معناه «فرخ كشكرى». فلما استقر له الأمر كان أبوه قد أوصاه أن يجعل رمته فى تمثال من ذهب مجوف، ويجلسه على كرسى فى بيت يصنعه له كالمعبد، فصنع له ذلك، وأحكم له البيت الذى جعله فيه، وأوقد عليه القناديل الذهب بالزيت المحكم الذى لا ينطفئ، لا ليل ولا نهار. وأقام له سدنة يخدمونه. وعاد ذلك مشهدا لهم وعيدا، يجتمعون إليه فى يوم تاريخ وفاة ذلك الملك، فيسجدون له، ويدعون عنده، ويقربون إليه من أعز أموالهم ومواشيهم. وسمّى بعد ذلك كل من ملك من نسل ذلك الملك من ذلك الحين «ألطن خان» تفسيره «ملك الذهب». وأقاموا على ذلك ما شاء الله تعالى من الدهور، آلاف من السنين والقرون، وهم فى ألذ عيش وأهناه، لا يعرفون لهم عدوا ولا حربا ولا قتالا. انتهى كلام جبريل إلى هاهنا. قلت: فأبى الدهر إلا أن يفرق شملهم، ويعيدهم عبيدا بعد الملك، وأذلاء بعد العز، كعادة الدهر وغدره، والزمان وشره. فكان موجب ذلك ما ذكره سليمان بن عبد الحق بن البهلوان الأذربيجانى، مما ذيله على كلام جبريل بن بختيشوع، وضمنه هذا الكتاب المذكور. قال سليمان بن عبد الحق: إنه كان بهذا الجبل المسمى «قراطاغ» عند منبع تلك البحيرة، وحوشا شدادا، سودا، كالبخاتى عظما، لا يطيق بشر أن يقرب تلك الأرض بما رحبت، لكثرة وحوشها، وخبث أسودها.

стр. 3328

ولم يكن بها ساكن من الإنس، مع كثرة خيرها، وسعة فضائها، وبهجة أقطارها، وعذوبة مائها، وصحة هوائها، تشتمل تلك البحيرة على عدة جزائر خضرة نضرة، كثيرة الأشجار والنبات، يأوى إليها سائر أصناف الطير من سائر أقطار الأرض، يبيض ويحضن ويفقس، لا تجد من يشوش عليهم، ولا من ينفره عن وكره. وكان أكثر ذلك طيرا، الجنس الذى يقال له باللغة التركية «قو» وهو «التم». فاتفق أن بجوار هذه الأرض-بعد مسافة بعيدة-بلاد يقال لها تبّت، وهى التى بها الغزال، الذى فى صراره المسك المعروف بالمسك التبتى، وهو أجود من المسك الصينى بطبقات، لا يحمل إلا إلى الملوك فى البر دون البحر، فإن حمله فى البحر مما يقطع ريحه، وله حديث طويل، أضربت عنه لذلك. قال سليمان الأذربيجانى: فخرجت امرأة من بلاد تبّت، وهى حامل، إلى بعض تلك الأودية بتلك الأرض تحطب، فأدركها المخاض، فوضعت ولدا ذكرا كأنه قطعة صخر، فنهضت تأتيه بشئ من ذلك الحشيش تستره به، فاختطفه نسر، وحلّق به فى الجو، فلم يحطّه إلا بسفح ذلك الجبل المسمى بقراطاغ. فسقط-لما يريده الله -فى غيضة قد ولدت فيها فى تلك الساعة لبؤة، فصار الطفل عند شبلها الذى وضعته، لأمر أراده مدبّر الأمور، ومقدّر الكائنات، الفعّال لما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ثم أراد النسر حمله، فنظر إلى اللبؤة وهى قد ضمته إلى شبلها، وظنت أنها وضعته مع شبلها، وحنّنها الله-جل وعز-عليه، كما ورد الخبر عن نمرود بن كنعان مع النمرة التى حضنته مع جروها. فجفل النسر وحلق طائرا وتركه. ثم إن اللبؤة أرضعته مع شبلها من وقتها. ولم يزل كذلك حتى انتشأ وترعرع، وكبر مع ذلك الشبل، وعادت اللبؤة تكسر لهما من أصناف وحوش ذلك الجبل

стр. 3329

وتطعمهما. وشبّ ذلك الغلام وكبر، حتى صار يفترس الأسود بيده، ويأكل لحومها، وعاد كأنه البختى العظيم من عظم خلقه، بوجه كأعظم ما يكون من وجوه السباع، ولا يظن أن ثم خلقا سوى تلك الوحوش، لعدم السالك بتلك الأراضى. وعادت الأسود إذا رأته جفلت منه وهربت، خوفا من شره ولافتراسه إياهم. قال سليمان بن عبد الحق الأذربيجانى: فبينما هو ذات يوم بسفح ذلك الجبل على شاطئ تلك البحيرة، إذ نظر إلى سبعة نفر من بنى آدم-ثلاثة رجال وأربع نسوة-وهم فى تلك الأرض، والأسود قد دارت عليهم من كل جهة. فنظر إلى أشخاص كشخصه، وشبها كشبهه، وتركيبا كتركيبه، فحنت الجنسية، ومالت الطبيعة الآدمية، فنهض إليهم، وزعق على تلك الأسود الذين قد تجمعوا عليهم، فنفروا منه، لما رأوه. وكذلك أولئك الأشخاص سقطوا على وجوههم لهول منظره، فتقرب إليهم ووانسهم، فتأنسوا به، لما علموا أنه يمنع عنهم أذى تلك الأسود. وتبينوه فوجدوه آدميّا مثلهم، وإنما غيرت محاسنه الوحشية الربيبة. فكلموه فلم يفهم، بل إنه يزمجر كزمجرة الأسود. ثم إنه تأنس بهم، وعاد يفترس لهم من تلك الأسود والوحوش ويأتيهم به، فيشوون ويأكلون ويطعمونه، فعاد يأكل مما يأكلون. ولم يزل كذلك حتى فهم وعقل كلامهم. وعادوا يأمرونه بالشئ فيفهم. وسأل بعد ذلك منهم عن أحوالهم، فعرّفوه أن ثم أناس مثلهم كثير فى جميع الأرض، فقال: «فما الذى أوقعكم أنتم هاهنا، ولم أر من قبلكم غيركم؟». فقالوا: «نحن تتار»؛ معنى ذلك-أى تائهين عن أرضنا- «وأن قوما من جنسنا غلبوا علينا، وقتلونا، وأخرجونا من ديارنا، فخرجنا هاربين، لا ندرى أين نتجه، فوقعنا فى هذه الأرض تتار، أى تائهين». فهذه أصل كلمة قولهم التتار.

стр. 3330

قال: وكان فى جملتهم بنت، فعلق بها ذلك الشخص الوحشى، وواقعها، فولدت منه غلاما، فسموه أهله «تتار خان» -تفسيره الملك التائه-وسموا أبوه ذلك الشخص الوحشى «ألب قرا أرسلان بلجكى» معنى ذلك وتفسيره «فرخ الأسد الأسود». ثم توالدوا وتناسلوا، وكثروا وقتلوا تلك الأسود الذين فى تلك الأراضى، وأكلوا لحومها. وولد لتتار خان ولد فسماه قرا أرسلان بلجكى-على اسم جده. ثم ولد لقرا أرسلان بلجكى ولد، فسماه تتار خان كشكرى تفسيره «تتار خان الصغير». وهو أول من صنع الشبابة التركية المسماة بلغتهم «صبرغوا»، وصنعها لمشاكلة حس تلك الطيور التى بتلك الجزائر، فكان يعدى إليهم، ويصفّر بتلك القصبة، فتجتمع عليه الطيور من سائر نواحى الجزائر، فيصيد منها ما شاء أن يصيد. ثم ولد لهذا تتار خان كشكرى أولاد ثلاثة جكز خان، وأغزّ خان، وأطن خان. قال سليمان بن عبد الحق: فهؤلاء الثلاثة أصول سائر بطون التتار، وانقرض ما سواهم. وتوالدوا، وكثر نسلهم فى تلك الأرض، وتفرقوا حول تلك البحيرة، وليس لهم ما يأكلوه غير وحوش ذلك الجبل، مع ما تنبت تلك الأراضى من أنواع النباتات. ثم ولد لجكز خان اثنا عشر ولدا ذكرا، فكان الأكبر فيهم يسمى تتار خان بيغو، وكان أعظمهم خلقا، وأقواهم بطشا، وأشجعهم نفسا. وكان يسطو على الأسود بغير سلاح، فيملكها بيده. وكان لما علموا أهل تلك الديار أن تلك الأرض خلت من تلك الوحوش الضارية، وأن عاد بها سكان وقطّان، ترددوا إليها، ونازلوا أهلها. ودخلت التتار تحت طاعة ذلك الملك المسمى ألطن خان، وعادوا يعبرون إليه، ويتقربون إليه بغرائب تلك الوحوش التى بذلك الجبل، وينعم عليهم بما يمونهم من قوتهم. وتخلقوا بأخلاق الآدميين قليلا، وإنما الغالب عليهم أنهم كالأسود. وعاد لهم الخيل والمواشى. ومات كبارهم.

стр. 3331

وولد لهذا تتار خان بيغو ولد فسماه جكز خان وهو جكز خان تمرجى، يعنى الحداد. وسبب تسميته بالحداد، أنه كان يتردد إلى مدينة أيدرماق، وصحب بها رجلا حدادا، فتعلم منه عمل نصول السهام، فكان يأخذ منه الحديد ويعود إلى أهله فيصنع نصول السهام، ويعبر بهم إلى تلك المدينة على رأس الحول، فيبيعه ويمتار لأهله وولده ما يمونهم مما يحتاجون إليه من الحول إلى الحول. قال: لقد نظرت إليه لما فتح أذربيجان-بلدنا-بعد هزيمة السلطان علاء الدين خوارزم شاه منه فى أقطار الأرض، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه، فكان من صفته أن وجهه كدور الترس، ورأسه كرأس البعير، يشعل من وجهه النار، ورأسه بين كتفيه من غير عنق، يظهر له سناط، لم يكن بوجهه إلا شعرات تستره. ونظرت إلى زنوده شبه أكارع البعير الجيد. ورأيت حوله جماعة يقاربون صفته، لكن لم يكن فيهم من هو أهول منه منظرا. فلم أملك نفسى دون أن سقطت إلى الأرض هيبة منه. ثم منّ الله علىّ بالخلاص. قال: وولد له أربعة وعشرون ولد، فكان أكبرهم يسمى بيشخان. وكان قد أتى فى خلقة جده تتار خان بيغو وشدته وشجاعته وقوة نفسه، فعاد يلعب بالطير المسمى طغريل. وكان للملك الكبير ألطن خان عدة أولاد. وكان ولى عهده يسمى كمش خان. وكان من عادته أنه يخرج فى كل عام إلى أرض التتار يتصيد ويتنزه، ويقيم مدة، ثم يعود. وكان جكز خان، وأولاده، وكبار بنى عمه يلقونه ويكونون فى خدمته، حتى يعود إلى مدينته، بعد ما ينعم عليهم ويعطيهم الخيول والمواشى وغير ذلك. وكانت المسافة بين مدينة أيدرماق وبين ديار التتار التى هم بها نزول أربعين يوما.

стр. 3332

ذكر سبب تغلب التتار على ملك ألطن خان وما كان من حيل الحروب قال سليمان بن عبد الحق الأذربيجانى: فلما كان فى سنين عشر العشرين وستمائة خرج كمش خان بن ألطن خان على عادته إلى الصيد، ووصل إلى منازل التتار، وتلقوه كعادتهم. وركب كمش خان وعلى يده طغريل، وقدّامه فى الخدمة بيشخان ابن جكز خان، وعلى يده أيضا طغريل. فأطلقا جميعا فاشتبك الطائران فى طير واحد المسمى قو، فسبق إليهما بيشخان بن جكز خان، واقتلع طير كمش خان، وضرب به الأرض قتله، وذبح لطيره، وأشبعه على صيده. فلما نظر كمش خان إلى ما حلّ بطيره رجع إلى منزلته غضبانا، وأمر أن تشال خراكيه، وتوجه إلى بلاده، وهو قد كاد ينشق غضبا. فلم يلتفت إليه بيشخان، ولا عبأ به ولا ركب إليه، ولا استرضاه. وعاد إلى عند أبيه جكز خان، وأخبره بما جرى، فقال له: «لبئس ما فعلت. أما علمت أن هؤلاء أصحاب الدنيا وملوك الأرض؟ ويجب علينا مداراتهم كونهم الحكام علينا؛ ونحن تحت طاعتهم وعزب من عظمهم، وليكونن لنا ولهم شأن عظيم، وأرجو أن نكون المنصورين عليهم. فإنى رأيت فى منامى بارحتى ما يدلنى على ذلك، وهو كأنى على رأس قراطاغ، وقد مسكت الشمس بقرنيها، من شرقها إلى غربها، وقد سلمتها لكم، فانفلت من يدى ناحية المغرب». ثم إنه ركب من فوره ودار على إخوته وبنى عمه وعشائرهم، وسائر جنسيته، وجمعهم إليه، الكبار فيهم وزعمائهم، فكانوا عدة ثلثمائة وستون نفر. ففرح بعدتهم، وقال: «هذه العدة عدة سنة الدهر». ثم إنه عرفهم صورة الحال، وما جرى

стр. 3333

بين كمش خان وبيشخان ولده. ثم إنه جمع ثلثمائة وستين سهما وجعلها جرزة واحدة، وكان كل سهم من نفر منهم، وقال: «أيكم يكسر هذه؟». فقالوا: «لا نطيق كسرها جملة»، فقال: «نحن كذلك متى كنا مجتمعين لا يطيق أحد على كسرنا». ثم رمى لكل أحد سهمه وأمره بكسره، فكسره كأسرع ما يكون. فقال: «ونحن كذلك أيضا إذا ما تفرقت كلمتنا كسرنا كهذه السهام». فكان جكز خان أول من ضرب هذا المثل. ثم قال: «لكن لا بد لنا من رأس نرجع إليه، وإلى حكمه وتدبيره». فانتقوا من الثلثمائة وستين، سبعين نفرا، ثم انتقوا من السبعين ثلاثة عشر نفرا، ثم من الثلاثة عشر ثلاثة، فيهم جكزخان. ثم اجتمع رأيهم أن يصنعوا قربانا ويقربونه لتنكا خاتون، فمن خرج قربانه موكولا كان الرأس وصاحب الأمر، ومرجوعهم إليه. وكانوا يتخذون لعبة من لبد أبيض ويجعلونها فى خركاة ولها خادم يسمونه بخشى. وهو من نسل أولئك القوم الذين كانوا قد قدموا من أول زمان على ذلك الشخص الوحشى ألب قرا أرسلان بلجكى، المقدم ذكره. وهذه اللعبة كانت معبود أولئك القوم الذين هؤلاء التتار من عظمهم، القادمين التائهين حسبما سقناه. ويسمون هذه اللعبة تنكا خاتون، ولهم فيها أحاديث عجيبة تخامر العقول، فأضربت عن جميع ذلك فإنه كفر عظيم، نعوذ بالله منه، ومن تصديقه. قال سليمان: فصنعوا ثلاث قصع من ثريد، وصبروا إلى الليل، وقدموهم إلى اللعبة. ووقف البخشى يزمزم بلغتهم، والثلاث نفر على ركبهم جوك. فلما تهور

стр. 3334

الليل، سمعوا من داخل الخركاه هدّة عظيمة، ودويا عظيما، وقعقعة كأجنحة طائر عظيم، وحسّ لم يعهدوا بمثله قط قبل ذلك اليوم، وقائل يقول بلسانهم، ما هذا صفة تفسيره: «جكزخان صاحب الزمان، وملك الأوان، ومخرب البلدان، وقاتل الشيوخ والولدان، فكونوا له أعوان، تكونوا فى أمان». وبرزت قصعته مأكولة بكمالها إلى ناحية المشرق بكماله، وتبقى منها جنب إلى ناحية المغرب لم يؤكل. قال: فعند ذلك نهض القوم بأسرهم وأجلسوا جكزخان، وضربوا له جوك. فأمر عند ذلك أن يجتمعوا جميعهم من الرجال النافعة للحرب، فكان عدتهم أربعة آلاف رجل كالأسود فى قطع البخاتى عظم خلق. غير أنهم لم يكن لهم ما يلبسونه، ولا سلاح يقاتلون به، ولا خيلا يركبونها، إلا عدة ثلثمائة وستين فرس، منهم ثمانين فرس من نسل أصل فرس كان لجدهم تتارخان بيغو، صاحب الصبرغى. وكان لما يتردد إلى الجزائر التى فى تلك البحيرة، وجد فى جزيرة من بعض تلك الجزائر المحاذية للجبل قراطاغ، فرسا وحشيّا ذيله تسحب على الأرض، وعرفه يطل على ركبتيه، وهو يضرب الأرض بحوافره، فتقدح نارا. فاحتال عليه أن صنع له حفيرة أوقعه فيها. ثم إنه أقام حولا كاملا يؤانسه ويطعمه ويسقيه حتى تأنّس به. ثم أطلعه من تلك الحفيرة، وأحضره إلى أهله. ثم أقام حولا ثانيا حتى ركبه. وكان هذا الفرس تسبق الريح، وتلحق عليه ما شاء من أصناف الوحوش، يقتل الأسود بحوافره ويديه، لا يصعب عليه وعرا ولا جبلا. إذا جاع يحفر الأرض بحافره ويأكل أصول الأشجار. وإن لم يجد أكل الحصى، روثه أشد من الصخر قوة وصلابة. وكان لا يطيق يركبه غير تتارخان بيغو صاحبه. وكان اسم هذا الفرس أط أطن، أى فرس النار. فنسل عندهم فى ذلك الوقت الذى تجمعوا فيه ثمانين فرسا عن بنى تتارخان بيغو يتوارثونه كابرا عن كابر. قال سليمان: وقيل إن هذا الفرس كان يكلم صاحبه، ويفهم ما يأمر له به.

стр. 3335

فلما اجتمعوا على كلمة واحدة، ونظرهم جكزخان، سرّ بهم. ثم إنه نفّذ إلى صاحبه الحداد الذى كان يتردد إليه بمدينة أيدرماق رجلا من دهاة قومه، وأمره أن يتجسس له أمور الملك ألطن خان، وما قد عزم عليه. فغاب أياما ثم رجع، فأخبره أن كمش خان لما رجع ووصل إلى أبيه عرّفه ما كان من بيشخان وإخراقه ناموس الملك، فعظم على ألطن خان، «وها هو ينفذ إليكم يلجيا-يعنى بريدا-يطلبكم إليه فلا تسمعوا، فإنكم إن أتيتم إليه لا يبقى على أحد منكم». فلم يكن بعد ذلك إلا أيام قلائل وحضر إليهم يلجى فى سبع مائة فارس، يأمر جكزخان وسائر بنيه وكبار عشيرته بالقدوم إلى باب الملك ألطن خان، فأنزلهم وأكرمهم. فلما كان الليل نفذ لكل رجل رجلا من قومه، فقتلوهم عن بكرة أبيهم يد واحدة، فكان هذا أول دم أراقته التتار فى الدنيا. ثم أخذوا خيولهم وعددهم وسلاحهم، وفرّق جميع ذلك على أعيان قومه. ثم أنفذ ذلك الرجل الجاسوس إلى الحداد المقدم ذكره، يكشف له ما يتجدد من أمور ألطن خان، فعاد وأخبره أن ألطن خان بلغه ما فعلتم بيلجيه، وقد جهز إليكم خمسين ألف مدرع، وأمرهم بأخذكم أشد أخذ. فعند ذلك جمع كبار قومه، وعرفهم ذلك، فقالوا: «كيف لنا بخمسين ألف لابس، بخيول وسلاح وعدد، ونحن كما ترانا؟». فقال: «لا بأس عليكم إذا نحن صاففناهم. فعند أول حملة انهزموا وتسلّقوا فى جبلكم هذا. فأنتم تخبرون مسالكه ووعوره، فإنهم لا يتبعونكم فيه، لما فى أنفسهم منه ومن دغله وكثرة وحوشه. ثم إن نحن لم نكن على بالهم بشئ، وهم أهل لذة وأكل وشرب. وينظروا إلى هذا المكان وطينته، وهذه الأرض وحسنها، ولذة هوائها، ونضارة زهرها. وهم أهل لذة، ولا يفارقهم الخمر. فإنهم سينزلون بها لا محالة، لقلة اكتراثهم بنا، فيأكلون ويشربون، ويمرحون إلى الليل، فينامون سكرى، فحينئذ ننزل عليهم، فلا نبقى منهم باقية». قال سليمان: فكان الأمر كما قدر، ولا أخرم عليه فى حسابه القضاء والقدر، فقتلوهم عن آخرهم، واستعانوا بخيولهم

стр. 3336

وسلاحهم وملابسهم، وباتوا فقراء فأصبحوا أغنياء، وعاد لكل نفر منهم جملة من الخيول والعدد والسلاح. ثم اجتمع إليهم من كان بعيدا منهم، ونازحا عنهم، ومن لم يكن قد وافقهم أولا، ومن فقير وكساب ومحتاج، فأعرضهم جكزخان فعادوا فى عشرين ألف فارس شديد، كأنه قطعة من جبل بقلب أصلب من الحديد. فلما عاينهم جكزخان تعاظم سروره، ونفّذ إلى ذلك الحداد جملة من ما كسب من ذلك العسكر، وهو يستخبره عن ما يتجدد عند ألطن خان. فعاد إليه الجواب يخبره أن قد توجه إليهم كمش خان بنفسه، ابن ألطن خان، فى مائتى ألف عنان، «وحلف بقراطاغ أنه لا يبقى من عظمكم أحدا، لا من النساء ولا من الرجال. والمتوجهون إليكم أعظم الجيش، فإنهم من عظم «أى أطام» الكبير. وقد تقرر أمرهم إذا هم أخذوكم أن يقطعوا رءوسكم، ويجعلوها على عيدانهم، ويدخلون المدن كذلك». قال: فجمع جكزخان كبار قومه، وعرفهم ذلك، فقالوا: «فما تشير به علينا؟» فقال: «إن القوم لا يعلمون إن نحن قد عدنا فى هذا المدد، وظنهم أن نحن على ما كانوا يعهدونه. والرأى أن نفترق عليهم أربع فرق، كل خمسة آلاف يقدمهم كبير منكم. وتكون كل فرقة فى جهة من الجهات الأربع. ونقطع من هذه الأعواد ونغرسها فى سفح هذا الجبل، ونلبسها ما فضل عنا من هذه العدد كهيئة الرجال، فما يشكون أنهم رجال. ثم نخرج عليهم الكمناء من أربع جهات، فلن يتمالكوا أن يولوا منهزمين، فنضع فيهم السيف، ونجتهد على أن لا يفلت منهم أحد، ونلبس ما عليهم، ونأخذ رءوسهم على رماحنا، ونسوق إلى مدنهم فيرونا، فلم يشكوا إن نحن قومهم وقد ظفروا بنا. فيكون ذلك سبب الفتح والملك».

стр. 3337

قال سليمان: فكان الأمر كما ذكر، ولا أخرم عليه الحساب دقة. ودخل مدينة أيدرماق فى عدته، وذبح ألطن خان على سريره بيده، وقتل سائر من كان من عظمه، وأخرج قومه وحاشيته وجنده، وجعلهم فلاحين فى تلك القرى، يزرعون ويقومون بالخراج له. وجلس جكز خان على سرير الملك، ولبس التاج، وفرّق بنيه فى سائر أقطار الأرض. انتهى ما استنسخته من الكتاب التركى المسمى «أى أطابتكى». ونحن نذيل عليه مما ذكروه أرباب التواريخ؛ مثل ابن الأثير صاحب التاريخ الكبير الجامع، ومثل ابن واصل صاحب تاريخ بغداد، وغيرهما، إن شاء الله تعالى. قال ابن واصل: إن أول إقليم ملكوه التتار بلاد الصين، ولم يقل للمدن أسماء. قال: وملكهم يومئذ جكزخان، ولم يذكر له نسبا. ثم قال: ومشوا من الصين الأعلى إلى الصين الثانى، ثم مشوا إلى تركستان، فحاصروا مدنها وملكوها وقتلوا كل من كان بها. ثم مشوا إلى كاشغر وبلاشغر، وهاتين مدينتين عظيمتين أكبر أقاليم الصين، فقتلوا كل من كان بها من الترك من بنى يافث بن نوح ﵇، ونهبوا أموالهم، ونفذوا من جهتهم جماعة من أصحابهم فى زىّ تجار يبيعون ما معهم من تلك الأموال المكتسبة، ويشتروا بها لهم قماش وسلاح من أطراف بلاد العجم. وكان هؤلاء القوم لا يعرفون القماش ولا الملبوس، ولا شئ من زينة الدنيا، إلا أنهم شبه الوحوش النافرة فى الأرض. ولا يعرفون غير جلود الوحش، مثل القندس والسمور والقاقل، وما أشبه ذلك. وكذلك جميع تلك الأمم الذين من وراء النهر خلف جيحون. قال صاحب التاريخ: فلما قدم أولئك الأقوام إلى بلد يقال لها أتراب، وهى آخر ولاية مملكة السلطان علاء الدين خوارزم شاه

стр. 3338

من جانب المشرق من الأرض. وكان بها نائب للسلطان علاء الدين، فعوّقهم عنده، وسيّر إلى السلطان يقول: «إن قوما قدموا علينا لا نعرفهم قبل ذلك، ومعهم أموالا جمة، من أصناف كيت وكيت، يقصدون بيعه ومشترى قماش وسلاح. فما ترسم فى أمرهم؟». فكتب إليه السلطان يقول: «إذا أتاك كتابى فاضرب رقابهم، ولا تبقى منهم غير رجل واحد، ليعود يخبّر قومه. وخذ جميع ما معهم ونفذه إلينا، لينتهوا عن التجاسر والعبور إلى البلاد». ففعل ذلك، وعاد ذلك الرجل الذى تبقى منهم إلى جكز خان، وقد كسر الخطا أيضا وأخذ بلادهم. وكان بين بلاد الخطا وبين بلاد الإسلام سدّا، فلما ملكت التتار بلاد الخطا قوى أمرهم، وعادوا يغارون على أطراف ممالك السلطان علاء الدين. فلما وصل ذلك الرجل إلى جكزخان وأخبره بما جرى على رفقته، أرسل جكزخان جواسيسا من عنده، لينظروا مملكة السلطان علاء الدين خوارزم شاه وتقدير جيشه. وكذلك السلطان علاء الدين نفّذ عيونا، تكشف له أخبار هؤلاء القوم. فعادوا جواسيس جكزخان إليه، وعرفوه أن عساكره متفرقة، وإذا اجتمعوا يبلغون أربع مائة ألف. وعادوا عيون السلطان علاء الدين إليه وخبروه أن هؤلاء القوم خلق عظيمة، لا يعلم عددهم إلاّ الله ، وأنهم من أصبر الناس على الشقاء والجوع والبلاء، وأن «نحن لم نر حالا أزرى من حالهم، ولا أجوع من أنفسهم. وهم مع ذلك إذا قيل لهم أمر وقفوا عنده، وهم راضين بما هم فيه». فعند ذلك ندم السلطان علاء الدين على قتل تجارهم، ووقع فى فكرة عظيمة. قال ابن الأثير فى تاريخه: كان سبب خروج التتار ودخولهم بلاد الإسلام غير هذا، مما لم يكن يودع بطون الأوراق.

стр. 3339

واستشهد بقول ابن المعتز: فكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر وسبب تلويح ابن الأثير أن الخليفة الإمام الناصر أمير المؤمنين كان السبب فى دخول التتار البلاد لمكاتبته إياهم وتهوين الأمور عليهم، حسبما سقناه قبل ذلك، والله أعلم. ذكر ما جرى بين الملكين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وجكزخان وذلك أن السلطان علاء الدين لما اشتغل فكره بهؤلاء القوم وعلم أنهم يقصدونه ولا ينامون عنه، استشار الشيخ شهاب الدين [الخيوقى] وكان إماما عالما، فقال الشيخ: «الرأى أن تجمع العساكر، وتقصدهم قبل قصدهم إليك. ويكون نزولك على جانب النهر جيحون، فإنهم يأتون من بلاد بعيدة، تعاب، فتلقاهم وأنت مستريح». فجمع خوارزم شاه خواصه وملوكه، واستشارهم، فلم يوافقوا على ذلك، وصغروا أمرهم، وقالوا: «الرأى أن نقيم حتى يعدّى العدو ونأخذه فى هذه الجبال». فبينا هم كذلك، إذ قدم عليهم رسول من جهة جكزخان، ومعه جماعة يقولون للسلطان خوارزم شاه: «يقول لك الملك نائب رب السماء جكزخان: تقتل تجارنا وتأخذ أموالنا بغير حقّ لك. اعتد للبلاء، واشتد للحرب». فلما سمع خوارزم شاه مقالتهم عظم عليه، وأمر بضرب رقابهم فضرب رقاب جماعة منهم،

стр. 3340

وحلق لحى بقيتهم، وجدع أنافيهم وآذانهم، وجرّسهم، ورءوس القتلى فى أعناقهم. وطاف بهم فى سائر ممالكه. ثم ردهم إلى جكزخان. ثم جمع جيوشه وسار ستة أشهر إلى أن وصل إلى بيوت التتار، فلم يجدهم بها، فوجد النساء والأطفال والصبيان، فأوقع بهم وسباهم، ورجع. وكان سبب غيبة التتار عن بيوتهم أنهم قصدوا ملكا من ملوك الترك، يقال له كشلوخان، فكسروه وغنموا أمواله، ثم عادوا إلى بيوتهم. فوصل إليهم الخبر بما جرى عليهم من خوارزم شاه، فلحقوه قبل خروجه من أرضهم، وتصافف العسكران، واقتتلوا قتالا لم يعهد مثله منذ أول زمان، وإلى ذلك التاريخ. وأقام السيف يعمل ثلاثة أيام بلياليها، ليلا ونهارا، إلى أن قتل من الفريقين ما لا يعلمه إلا الله . وكلّوا الطائفتين من القتال، وعدم صبرهم من الجوع والعطش والتعب، ووقفت خيولهم من الجولان. والذى اتفقت عليه أرباب التاريخ، أن هذه الوقعة لم يحضرها جكزخان، بل كان المقدم ولده بيشخان. فلما كانت الليلة الرابعة، افترقت كل طائفة عن الأخرى، ونزل كل ملك مقابل الآخر. فلما أظلم الليل، أوقدت التتار نيرانهم، وتركوها، وساروا طالبين ديارهم. وكذلك فعل المسلمون أيضا، لأن كل طائفة من الفريقين عجزت عن الأخرى. ثم عاد التتار وقد عدم منهم خلق لا يحصى عددهم إلا الله تعالى. والذى قتل من المسلمين-ما أجمعوا عليه أرباب التاريخ-مائة ألف وعشرين ألف. ورجع خوارزم شاه إلى بخارا، وبلغه أن جكزخان لم يكن حاضرا هذه الوقعة مع كبار مغله، فتحقق أنه لا له قبل بهم، فاعتد للحصار لما علم من عجزه عنهم. وجمع الذخائر فى القلاع الحصينة، وجعل فى بخارا ثلاثين ألف مقاتل، وفى سمرقند خمسين ألفا،

стр. 3341

وقال: «احفظوا البلاد إلى حين عودتى إليكم». ثم سار طالبا خراسان. هذا ما ذكره ابن الأثير فى تاريخه، رحمه الله تعالى. وأما ما ذكره ابن واصل صاحب تاريخ بغداد-﵀-فإنه قال: إن عسكر السلطان علاء الدين خوارزم شاه كان فيه الكفاية للتتار وزيادة عنه، وإنما كان فيه جماعة من الملوك مخامرين عليه، فخاف على نفسه منهم لا يسلمونه للتتار ولا يناصحونه فى الحرب، ففعل ذلك، والله أعلم. ذكر دخول التتار بلاد الإسلام قال ابن واصل فى تاريخه: ثم إن التتار تجمعوا مع ملكهم جكزخان، وقطعوا نهر سيحون بجموعهم وأثقالهم وحريمهم، من غير اكتراث ولا وجل. ووصلوا مدينة بخارا بعد خمسة عشر شهرا من هذه الوقعة، وحاصروها ثلاثة أيام، فلم يكن للعسكر الذى ببخارا بالتتار طاقة ولا قبل، فخرجوا من البلد ليلا، وهربوا إلى نحو خراسان. وأصبح أهل البلد وليس عندهم أحد من المقاتلة، فضعفت نفوسهم. وخرج القاضى ببخارا يطلب الأمان من التتار، فأعطوهم الأمان، وكان كذبا منه ولعنة. وكان قد بقى فى البلد بقية من العسكر، فاعتصموا بالقلعة، ودخل التتار البلد يوم الثلاثاء رابع شهر ذى الحجة سنة سبع عشرة وستمائة. ونادى جكزخان بالأمان، وأظهر العدل حتى اختاروه الناس على السلطان علاء الدين. ثم قال: «نحن قد أمنّاكم فأخرجوا لنا أموال عدونا السلطان خوارزم شاه وذخائره، وساعدونا على قتال هذا الباغى والذين فى القلعة». ثم دخل الملك جكزخان بنفسه البلد، ونادى: «من تخلّى عن مساعدتنا على هذه القلعة قتل، ولا له أمان عندنا». فاجتمع أهل بخارا بكمالهم بين يديه، فأمرهم بردم الخندق، فردموه بالخشب والتراب، حتى كسروا أخشاب

стр. 3342

المنابر وسقوف المساجد. وطموا الخندق، حتى بالكتب النفيسة والختمات الشريفة والربعات المعظمة. فلما طموه، أمر بالزحف عليهم. وكان بالقلعة أربع مائة مقاتل، فصبروا على القتال صبر الكرام اثنا عشر يوما. ثم نقبوا سور القلعة وملكوها، وقتلوا جميع من كان بها من الجند وغيرهم. ثم أمر جكزخان بإحضار وجوه البلد وأعيانها، وطلبهم بالأموال من الذهب والفضة الذين يتبايعون بها بسكة السلطان خوارزم شاه، وقال: «لنضربها باسمنا ونعيدها إليكم. وأى من أخفى شيئا منها قتل»، فأحضروا له جميع ذلك. فلما صفّى أموالهم، أمرهم أن يخرجوا من البلد مجردين من جميع أموالهم وقماشهم وأثاثهم. ثم دخل التتار البلد، ووضعوا السيف، وسبوا النساء، وقتلوا الولد على صدر أبيه وأمه، وفعلوا من المصائب ما تقشعر لسماعه الأبدان. ثم أطلقوا فى البلد النار فأحرقوه. ثم توجهوا إلى سمرقند ومعهم خلق عظيم من أهل بخارا، يمشون حفاة عراة. ومن عجز منهم عن المشى قتلوه. فأحاطوا بسمرقند، وكان فيها خمسون ألف فارس، ومن العامة عالم لا يحصى عددهم إلاّ الذى خلقهم. فخرجوا العامة على التتار وقاتلوهم. وأما الجند فلم يخرج إليهم منهم أحد، وذلك لما علموا بعجزهم عنهم. فلما خرجت العامّة تأخروا التتار وانهزموا قدامهم، فطمعت فيهم العامة وتبعوهم مدة يوم كامل، حتى بعدوا عن المدينة، ثم رجعوا عليهم، فقتلوا الجميع، فعند ذلك ضعفت نفوس من بقى فى البلد. وأما الجند فإنهم طلبوا الأمان لأنفسهم؛ وذلك أنهم كانوا أتراك فظنوا أن التتار ترق لهم لأجل الجنسية، فأعطوهم الأمان. فخرج الجند من البلد بأموالهم وأثقالهم وأهاليهم، فقالوا التتار لهم: «اعطونا سيوفكم فإنكم فى ذمامنا، ولا حاجة لكم بسلاح، ونحن محتاجون إلى ذلك»، فأعطوهم جميع سلاحهم. ثم داروا بهم فقتلوهم عن آخرهم. وفى اليوم الرابع داروا بالبلد، وفعلوا به كما فعلوا ببخارا، وأحرقوها. وذلك فى شهر المحرم سنة تسع عشرة وستمائة.

стр. 3343

ذكر سنة تسع عشرة وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام النّاصر لدين الله أمير المؤمنين. وفى شهر صفر منها خطب لولى العهد، عدة الدنيا والدين، أبى نصر محمد بن الإمام الناصر لدين الله. وفى شهر ربيع الأول دخل الملك المسعود صاحب أقسيس ابن السلطان الملك الكامل إلى مكة-شرفها الله تعالى-سلطانا مستقلا. وهو أول من ملكها من الأتراك. وهرب حسن بن قتادة صاحبها، ونزل عند أخواله عنزة. وفيها وصل الملك الأشرف موسى إلى القاهرة المحروسة وأمر بعمارة تربة والدته، المعروفة بتربة أم الأشرف. وفيها كانت الوقعة بين الفرنج والسلطان الملك الكامل، وقتل من الفرنج عشرة آلاف فارس. وأما السلطان علاء الدين والتتار، فإنه متحيّد عنهم، يضرب فى الأرض عن ملتقائهم يمينا وشمالا. ثم إن جكزخان لما ملك سمرقند-حسبما ذكرناه-جرّد من كبار المغل عشرين ألف فارس، وقال لهم: «تأتونى بالسلطان علاء الدين حيث كان وأين كان». قال صاحب التاريخ: أجمعت الرواة أن هؤلاء العشرين ألف الذين سيرهم

стр. 3344

جكزخان هم أكبر جيوش التتار بيوتا فيهم، ويسمون المغرّبة لكونهم ساروا إلى غربى خراسان، وهم بيت هلاوون. وأنهم ساروا يقصدون مكانا يسمى بنجاز آب وهو مفرق خمس مياه. وكان السلطان علاء الدين قد نزل خلف ذلك الماء، معتصما من التتار. فلما وصل التتار إلى ذلك النهر لم يجدوا ما يعدون به ولا من يخبرهم بأمره، ويقال إنه نهر جيحون. فصنعوا من الخشب شبه الأحواض، وجعلوا أسلحتهم فيها، مع سائر عددهم. ثم ألقوا الخيل فى البحر، وتعلقوا بأذيالها مع أطراف تلك الأحواض، وقطعوا ذلك النهر جميعهم فى دفعة واحدة. ثم لبسوا سلاحهم وركبوا خيولهم. ولم يشعر بهم السلطان علاء الدين إلا وهم معه على الأرض، فولى هاربا، وتفرّق جيشه، ولم يلو الأخ على أخيه، ولا الوالد على ولده. ثم تفرقت كل فرقة من جيشه إلى جهة من الجهات. وتوجه السلطان علاء الدين إلى مدينة سابور. واجتمع إليه بها العساكر، فلم يشعر إلا بأوائل التتار وقد طلعوا عليه، فانهزم منهم إلى مدينة مازندران، فقصدوه أيضا بها. وعاد كلما قصد مكانا تبعوه، حتى وصل إلى الرىّ، وهى من عراق العجم، ثم منها إلى همذان، والتتار خلفه. ثم عاد إلى مدينة مازندران، ثم قصد مخاضة على بحر طبرستان فى مكان يسمى باب سكون، فنزل فى سفينة، ومضى إلى قلعة له فى البحر لا ترام ولا تدرك، فاعتصم بها خيفة من التتار، فأدركته المنية، فمات بها، ﵀. وكان السلطان علاء الدين ملكا جليلا، عظيم القدر، كثير الفضل، يحب العلماء والفضلاء، ويسمع المديح ويجيز عليه الجوائز السنية. وكانت سعة ملكه من العراق إلى بلاد تركستان إلى بلاد البرلى، مضافا إلى ملك غزنة، مع بعض بلاد الهند، مع سجستان وكرمان وطبرستان. وكان تقدير سعة ذلك سبع أشهر طول فى ستة عرض. فخرج عن جميع ذلك، خوفا من التتار، وزال ملكه فسبحان من لا يزول ملكه.

стр. 3345

وكان متخلقا بأخلاق أسلافه الملوك السلجوقية، فإنهم كانوا ملوكا عظيمى القدر، فضلاء، أدباء، علماء، كرماء. ومن طريف ما يحكى عن السلطان ملك شاه المقدم ذكره من كتاب «جنى النحل فى أخبار ملوك العجم». قال محمد بن عبد الرحيم البلخى: قرأت فى كتاب يسمى «مطالع الشروق فى آثار بنى سلجوق» أن كان لملك شاه خازنا جمع له فى مدة سنين عدة أربعين خزانة، فيها من كل صنف عجيب ما لم يجتمع لملك قبله. وجعل ذلك الخازن كل خزانة صنف لا يشبهه الآخر، من جميع أنواع الجواهر، والفصوص، والأوانى الذهب والفضة، والأموال الجليلة، والقماش المتع المثمن الملوكى. وقصد الخازن بذلك أن السلطان ملك شاه إذا رأى ذلك وما اجتمع له من هذه الأموال العظيمة أن يعرف له حقه فى أمانته واجتهاده. فلما كمل له ما أحب، زين تلك الخزائن بأحسن زينة، وجهز ألف ثوب أطلس قرمزى، ليمدها فرشا تحت أقدام الملك عند دخوله إلى تلك الخزائن. ثم تقدم إلى بين يدى السلطان ملكشاه، وقبل الأرض، وقال: «المملوك يسأل مراحم السلطان، تنقل خطواته الكريمة إلى خزائنه المعمورة بدوام عزه، لينظر ما قد تحصّل فيها من الأصناف العجيبة، التى لم تجتمع لملك قط. وقد جهز المملوك ألف ثوب أطلس قرمزى لتفرش تحت أقدام مولانا السلطان، عند طوافه فى خزائنه». قال: فأفكر السلطان طويلا وقال: «صف لى بلسانك ما تصل قدرتك إلى وصف ما تحصّل من جليل ذلك». قال: فوصف له الخازن من الأموال والأصناف والأمتعة ما لا ينحصر كثرة. وقال: «يا مولانا هذا الذى وصفه المملوك بعض بعض ما يراه مولانا السلطان. فإن قدرتى تعجز عن وصف جملته». قال: فأفكر أيضا طويلا وقال: «أما ما قصدته من اطلاعى على مناصحتك وخدمتك واجتهادك فقد علم ذلك منك وتحققناه، وقد شكرنا اهتمامك. وأما توجهى إلى أن أنظر إلى متاع الدنيا وزخارفها فلا أفعل ذلك،

стр. 3346

لئلا يقال عنى بين الملوك أنى مشيت لأنظر بعض نعم الدنيا، وما عند الله خير وأبقى. وإنما اطلب الزعماء من جيوشنا، وسلم عليهم من جهتنا، وافرش تحت أقدامهم ما اعتديته لنا من أن تفرشه تحت أقدامنا. وأوقفهم على جميع ما عندك من جميع ما فى هذه الخزائن. وقل لهم: الملك يسلم عليكم، ويقول لكم انظروا ما اجتمع فى هذه الخزائن من الأموال التى تحصلت بمضارب سيوفكم. وجميعه فهو لكم. وإنما الملك فيه كأحدكم فليأخذ من شاء ما شاء. ولا تمنعهم شئ يأخذوه، ولو فرغوا الخزائن بكمالها». قال: فخرج الخازن وجمع الزعماء وأتى بهم إلى الخزائن، وفعل ما أمره به السلطان، وأدّاهم رسالته إليهم-وكانوا ستمائة زعيم. قال: فلما فرغ الخازن من قوله، استقبلوا القبلة، وسجدوا، وقالوا: «هذا شكر لله على ما خولنا من نعمه فى أيام مولانا السلطان ملك الإسلام». ثم استقبلوا مكان سرير الملك وقبلوا الأرض، وقالوا: «وهذه لإنعام السلطان علينا، وبره بنا، وحسن ظنه ويقينه فينا». ثم ولوا خارجين. ولم يلتمس أحد منهم شيئا، قلّ ولا جلّ، وقالوا: «عرّف مولانا السلطان أن نحن رعيته، وعبيد سلطانه، وأن نحن نعلم من شفقته علينا، وبره وكرمه، أضعاف ما ذكره، وما رسم به. وهذا المال فهو لنا. وإذا احتجنا إليه سألنا مراحمه فيه. وأحق ما كان مدخر لنا عنده وفى خزائنه. وعندنا من إنعامه وصدقته ما يكفينا ويزيد. وإن رسم حملناه إلى هذه الخزائن ليكون مضافا لما هو مدخر لنا». قال محمد بن عبد الرحيم: فو الله ما أدرى أيهم أكرم طباعا ولا أغزر مروءة، السلطان فى سماحة نفسه بتلك الأموال الجمّة التى لم يسمح بها ملك قط، أم الزعماء وشرف أنفسهم الأبية. فلله درّهم، من ملك جواد، وزعماء أجواد. قال محمد بن عبد الرحيم البلخى: ولما طالعت هذه الحكاية، عادت فى نفسى، وقدر الله تعالى أن الملك العادل نور الدين محمود بن أتابك زنكى-صاحب الشام-أنفذنى

стр. 3347

رسولا إلى ملك الروم كيكاوس بن السلطان الغالب بن مسعود بن قليج أرسلان ابن طغريل بك بن ملكشاه السلجوقى، فاجتمعت به فى ملطية. وكان ملكا فاضلا، عالما، سخيا، من نسل هؤلاء الملوك السادة المذكورين. وله معرفة بأشعار العرب، وعلم المنطق، والجدل، قال: فلما حضرت بين يديه، رآنى حسن الحديث والمنادمة. وحسّننى الله فى عينه، فأحضرنى ذات يوم فى مجلس الشراب والمنادمة، فأخذ البرواناه الذى قدامه يصف علو همة السلطان وكرمه. ثم ذكر ماله من البلاد، وما عنده من الأموال والخزائن، وما ورث من آبائه وجدوده ملوك السلجوقية. قال: فذكرت تلك الحكاية المنقولة عن جده ملكشاه، فقلت فى نفسى هذا وقتها، فأحكيتها، وزمكتها، ولطفتها. قال: فوالله لقد رأيت الملك كيكاوس وقد أخذته الأريحية لها، وبان فيه السرور، وطرب حتى رأيته خرج عن فرشه الى نحوى، وهو لا يحس بنفسه لإعجابه بهذه الحكاية، ثم تراجع إلى رتبته. وكان بين يديه طبق من ذهب فيه تماثيل من ذهب مرصعة، وتماثيل من عنبر، ومن أنواع الطيب. قال: فأشار إلى الساقى، فوضع ذلك بين يدى، ولم أعلم لأى شئ وضعه بين يدى. فما تكلمت، فقام أمير مجلس وغمزنى، فأتيته، فقال: «لم خدمت الملك وقمت بواجب إنعامه عليك». قال: فعلمت أنه أنعم علىّ بذلك، فرجعت وقبلت الأرض بين يديه. ثم قبلت يده. قال: فتبسم وأنشد: نحن قوم تجرى السلاطين منا ... فى العطايا على النجار القديم لم تجد عندنا غير أريحىّ ... أو شجاع أو عالم أو كريم فهم آل سلجوق منتهى التبج ... يل فى العالمين والتعظيم ثم قال: «انظر إلى تلك الصورة». قال محمد: فنظرت إلى صورة فى صدر ذلك المجلس عن بعد، وهى صورة سلطان جالس على رأسه تاج مرصّع بالجواهر. قال: «يا محمد! هذه صورتى، وقد جرت العادة منا كل سلطان يقوم تصوّر صورته فى هذا المكان. وكان أبى قد جعلنى ولىّ عهده، فصوّر صورتى فى حياته لمحبته لى». ثم أمر

стр. 3348

بشئ فأحضرت مرآة مصقولة، وبخّر تحتها ببخور لا أعرفه، وهى معلقة. وأطفأ تلك الشموع. فلما طلع ذلك البخور، عادت تلك المرآة تشرق كالشمس المضيئة، وعاد لها شعاعا يخطف بالأبصار، ولم تزل كذلك ما دام البخور تحتها. ثم قال: «أحضروا الكوز». فأحضر كوز لا أعلم ما طينته، فجعل يصبّ فيه الماء، فيعود فى تلك الساعة خمرا من أطيب خمر يكون وأعطره. فقال: «هؤلاء من ذخائر جدنا ميكائيل ابن سلجوق». قال محمد بن عبد الرحيم: فحملنى الشراب أن قلت: «أعز الله السلطان؛ بلغ المملوك أن سلجوق منتسب إلى ملوك آل ساسان ملوك الفرس». فقال: «من أين لك هذا النقل؟» قلت: «سمعت الملك العادل نور الدين يذكر ذلك». فتبسم وقال: «صدق السلطان نور الدين، سلجوق يعد سبع جدود إلى يزدجرد بن شهريار آخر ملوك آل ساسان، وذلك أن لما خرج يزدجرد من إقليم العجم خرج معه حزداد بن جرهز أخو رستم صاحب القادسية. وحزداد كان من أكبر مرازبة يزدجرد، فلا زال به حتى سلمه لماهويه، مرزبان مرو، وكتب عليه سجلاّ بتسليمه إياه. ثم أن ماهويه مائل على قتل يزدجرد مع ملك الهياطلة، فقتل يزدجرد. وكان له ولد يسمى بهرام أفيند، دون البلوغ فى ذلك الوقت، فتخفى عند دادة له شفيقة عليه. وملكت المسلمون البلاد منهم، وعادت أولاد ماهويه يعرفون بمرو وتلك النواحى «خدا كسان»؛ معنى ذلك «خانوا عهد الله». ثم إن بهرام أفيند نكر نفسه من الملك، طلبا للحياة، وعاش بمدينة مرو، فولد له ولد فسماه فيروز. ثم ولد لفيروز ولد فسماه تكان. ثم ولد لتكان ولد فسماه كيكاوس. ثم ولد لكيكاوس ولد فسمّاه كيغلغ. ثم ولد لكيغلغ ولد فسماه أرّق. فأبيع أرق لحسين بن طاهر بخراسان، أباعوه قوم من الخوارج فى أيام المهدى فى حديث طويل. فعاد أرق عند حسين بن طاهر كأحد بنيه لما عرّفه أصله. وكان حسين بن طاهر غلام لشخص يقال له تلكان بن ميسور ابن حنشرة. وحنشرة كان غلاما لحزداد بن جرهز المقدم ذكره أنه أخو رستم صاحب

стр. 3349

القادسية الذى كان خرج مع يزدجرد من العجم. ثم إن أرق تزوج إلى قوم تركمان أصحاب خراكى وبر، فولد له سلجوق جدنا. فلما كان من السامانية ما كان-وهم غلمان عبد الله ابن طاهر بن الحسين بن طاهر-كان سلجوق فى معسكرهم وعديدهم، فعرف بهم. فانظر يا محمد إلى صنع الله تعالى، كيف أعاد ابن ملك القوم حتى عرف بغلمانيه غلمان ابن ابن ابن غلام مرزبان من مرازبة جده يزدجرد، ثم أعاد الله بمنّه وجوده إلى آل سلجوق وبنيه ممالك جدودهم آل ساسان على أحسن دين وأحبه إليه». قال محمد بن عبد الرحيم: فلم أسمع أطرف ولا أغرب من هذا الحديث. فلما رجعت إلى الملك العادل نور الدين-﵀-حدثته بهذا الحديث، وقدمت إليه ذلك الطبق، فقال: «هو لك بارك الله لك فيه». فقلت: «يا مولانا إنه لا يصلح أن يكون عند مثلى، وإنما يصلح أن يكون فى ذخائر السلطان». قال: فأمر لى بعشرة آلاف دينار وأخلع علىّ، ثم قال لى: «يا محمد، والله لمأتاك لى بتحقيق نسبة بنى سلجوق أحب إلى من كل شئ، فإن أبى أتابك زنكى-﵀-كان مملوك البرسلان أبو شجاع عضد الدولة السلجوقى. وكان يقول إن بنى سلجوق من عظم آل ساسان، ولا كنت أعرف كيف ذلك». قلت: وهذه الحكاية جرى لها نظير، وهى من غريب ما يسمع. وذلك أن لما كان فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة تجاريت مع الشيخ صدر الدين بن المرحل المعروف بابن الوكيل ﵀-فى أصول الناس، وإلى ما يصيروا إليه، فأحكيت له هذه الحكاية، فتعجب لها غاية العجب، وقال: «لا إله إلا الله! هذه والله نظير حكاية الأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد جدك. تعرفها؟». قلت: «لا والله». قال: «وقفت على كتاب من خزانته يسمى «الوسائل إلى دقيق المسائل» أجد فيه بخط يده يقول مما عنى بجمعه العبد الفقير إلى الله أيبك المعظمى، وهو ميكائيل بن بهرام ابن مودود بن محمود بن داود أبو شجاع البرسلان السلجوقى». فتعجبت من ذلك، فاجتمعت بجمال الدين بن مصعب-﵀-فى دمشق، فحدثته عن ذلك، فقال: «صدق، هو والله من بنى سلجوق، وأباعوه الخوارزمية للملك المعظم». وهكذا أحكى لوالدى

стр. 3350

رحمه الله. يقول ابن مصعب: والشيخ يحدثنى وهو كالغائب، فقلت: «أراك فى فكرة بتقصد تصنف شئ فى هذا». فقال: «لا والله إلاّ مفكر فى صنع الله . إن الذى جرى لسلجوق جرى لأيبك، لا يختل دقة». قلت: «كيف؟». قال: «لأن سلجوق يعد سبع جدود حتى يلتحق بيزدجرد آخر ملوك آل ساسان، وأيبك يعد سبع جدود حتى يلتحق بسلجوق، وهذا عاد مملوك غلمان جدوده وهذا عاد مملوك لغلمان جدوده. فأيبك يعد إلى يزدجرد أربع عشر جد، فافهم منى نسبك». فقلت: «يا مولانا لله درّ الحريرى فى قوله: المرء بنشبه لا بنسبه، والفحص عن مكسبه لا عن حسبه». ففهمت منه-﵀-ما لم أكن علمته قبل ذلك الوقت. وقد خرج بنا الكلام وشجونه عن شرط الاختصار، وأنا أقول، أستغفر الله من ذلك. ... ولما يئس التتار من السلطان علاء الدين قصدوا مدينة مازندران، فملكوها مع صعوبة مسالكها وحصاراتها. وكان المسلمون ما ملكوها فى أول زمان، وقنعوا من أهلها بأدنى الأشياء من الخراج. ولا زالت كذلك إلى أيام سليمان بن عبد الملك ابن مروان الأموى، فرغبوا أهلها فى الإسلام اختيارا لا اضطرارا، ودخلوا تحت الطاعة. وهؤلاء التتار ملكوها فى أقرب الأوقات وأيسر الأمور، وقتلوا جميع من كان بها على عادتهم الشنيعة. ثم توجهوا إلى الرىّ، فوقعوا فى طريقهم بالملكة عصمة الدين خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه، وكانت قاصدة أصبهان وهمذان إلى ولدها، لما بلغها ما جرى عليه، فأخذوها، وأخذوا جميع ما كان معها -وكان ملكا عظيما-وسيروها بجميع ذلك إلى جكزخان وهو نازل بسمرقند. ولما وصل التتار إلى الرىّ إنضاف معهم من العساكر والمفسدين والكفار والأكراد خلق كثير، فملكوا الرى، وفعلوا فيها أقبح مما فعلوه فى غيرها. ثم ساروا

стр. 3351

مسرعين إلى همذان، فلما قاربوها خرج إليهم كبراؤها بالدواب والخيل والأموال، حتى ملأوا عيونهم وطلبوا الأمان، فتركوا بها شحنة من جهتهم، وساروا عنها إلى أذربيجان، فملكوها، وقتلوا كل من كان بها، ثم قزوين، فاعتصم أهلها بالمدينة، فحاصروها وملكوها، وقتلوا كل من كان بها، وكذلك زنجان. ثم ساروا إلى موقان، وإلى مدينة مرو، واقتتلوا فى طريقهم مع الكرج وكسروهم. وفيها سيّر صاحب أذربيجان-وهو أزبك بن البهلوان السلجوقى-إلى الملك الأشرف موسى يستنجده على التتار، فتكاتبوا الملوك الإسلامية، واتفقوا أن إذا خرج الشتاء ركبوا الجميع ولاقوا التتار، وظنوا أن التتار لا يدخلوا إليهم فى تلك السنة. وأما التتار فإنهم ساروا فى أول الربيع إلى بلاد الكرج، وانضاف معهم مملوك لصاحب أذربيجان يسمى أقوش، وجمع معه خلقا من المفسدين، من الجبال، تركمان وأكراد وجبلية، وغيرهم من الطوائف العديمى الدين. وسار بهم أمام التتار حتى وصلوا أذربيجان، فملكوا حصنا من حصونها، وفتحوا أكثر بلادها. وساروا مجدين إلى تفليس، فخرجت جميع الكرج مجدين معدين، والتقوا عسكر أقوش، واقتتلوا قتالا عظيما، قتل بين الفريقين خلق عظيم. كل هذا وعسكر التتار ما وصل إليهم. فلما وصلت التتار، كانت الكرج قد تعبت. فلما أردفت التتار لعسكر أقوش ولى الكرج منهزمين، وركبت التتار أقفيتهم قتلا وأسرا. وكان ذلك فى ذى القعدة من هذه السنة. ثم توجه التتار إلى توريز، فصانعهم صاحبها بأموال عظيمة. ثم توجهوا إلى مراغة، وكانت ملكتها امرأة مقيمة بالقلعة، فنزلوا عليها وحاصروها عدة أيام، وأسرى المسلمين بين أيديهم يزحفون بهم على المسلمين. وهكذا كانوا يفعلون، يقابلون بالمسلمين المسلمين فى سائر الأقاليم. ولم يزالوا حتى ملكوا مراغة، فى شهر صفر من سنة عشرين وستمائة، وفعلوا بهم كعوائدهم الشنيعة.

стр. 3352

ذكر سنة عشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع ونصف أصبع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا، واثنا عشر أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين. وسلطان المسلمين الملك الكامل بالديار المصرية. وسافر الأشرف، وكانت مدة إقامته بالديار المصرية ثمانية أشهر. وأتته مكاتبة صاحب أذربيجان-حسبما تقدم من الكلام. وفى شهر ذى الحجة خرج السلطان الملك الكامل لملتقى ولده الملك المسعود صاحب اليمن، واجتمع به على منزلة البويب. ثم سيّر السلطان عسكرا كثيفا، يقدمه الملك الجواد بن أخيه، إلى مكة-شرفها الله تعالى. وبعد الوقوف بعرفة، نزلوا على الينبع، وأقاموا عليه يومين، وملكوه، وجعلوا فيه الأسد جغريل، والأمير صمصام الدين الخزندار العادلى أميرا على مكة. هذا والتتار ينتقلون من إقليم إلى إقليم، ومن مدينة إلى مدينة، يقتلون وينهبون ويخربون. ثم وقع الحلف بين ملوك الإسلام على ما كانوا عزموا عليه من اجتماع كلمتهم على التتار، وجميع ذلك للأمور المقدرة التى لا راد لقضائها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

стр. 3353

وفيها توجه التتار طالبين إربل، فنفّذ صاحبها يستنجد بالملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. واتفق مع مظفر الدين كوكبرى صاحب إربل أن يسيروا جماعة من العساكر يمسكوا الدربندات بمضيق الطرق، ليمنعوا التتار من العبور إلى البلاد. وكان رأيا سعيدا لو تم. ثم وصلت كتب الخليفة أن التتار يمتنعوا من عبور البلاد، ويأمرهم بالحضور والاجتماع بالعساكر على دقوقا، وذلك ظنّا من الخليفة أن التتار لا يعبرون البلاد، وأنهم متوقفون عنه وعن بلاده، لما بينه وبينهم من المكاتبات. وكان التتار لما وصلوا إلى مدينة إربل وجدوا الجبال ضيقة المسالك، فتركوا إربل وقصدوا العراق، فعند ذلك خرج صاحب إربل وصاحب الموصل بالعساكر، وتبعوا التتار، وهم فى عساكر كثيفة. ثم إن الإمام الناصر سيّر إلى [مظفر الدين صاحب إربل] يأمره بالحضور بالعساكر. فلما اجتمعت العساكر على دقوقا ينتظرون أن الخليفة يسيّر إليهم عسكرا كثيفا من بغداد، يكونوا هؤلاء العساكر فى ضمنه لملتقى التتار، فجاءهم مملوك من جملة مماليك الخليفة يقال له قشتمر، ومعه نحو من ثمانمائة فارس. فلما رأى الملوك هذا الحال تفرقوا كل ملك إلى مكانه، وكتب مظفر الدين للخليفة يقول: «إن هذا العدو عدو ثقيل، وخلق عظيم، لا يعلم عددهم إلا الله . فابعث إلينا جيشا نلقى به هذا العدو، ولو عشرين ألف فارس، ونحن نتكل

стр. 3354

على الله تعالى ونلقاه بمعونته». فغلب على رأى الخليفة الوزراء السوء، وأثبتوا فى ذهنه أن التتار لا يدوسون له أرض، وإنما هؤلاء يقصدون أن يمنعوا عن بلادهم. فلم يرد الخليفة له جوابا. وقد كان التتار لما سمعوا بمظفر الدين تأخروا إلى ورائهم، فإنه كان رجلا شجاعا مقداما. فلما بلغهم أن العساكر تفرقت من على دقوقا نزلوا همذان، وكان لهم بها شحنة، حسبما ذكرناه. فأرسلوا إليه أن «خذ لنا من أهل البلد قماشا وسلاحا ومالا نستعين به»، فأجمع الشحنة أهل البلد، وطلب منهم. وكان أهل البلد قد ضجروا من جور التتار، ومن أخذ أموالهم. وكان بهمذان يومئذ رجل يعرف بالشريف وهو حاكم على أهلها. وكان من كبار المسلمين وخيارهم، وهو من جهة التتار أيضا ليصانعهم عن المسلمين، فاجتمع الناس وأتوا إلى الشريف الهمذانى، وشكوا إليه جور التتار، وما هم فيه من البلاء معهم. فقال: «إذا كنا تحت أمرهم، ما يسعنا إلا نسمع ونطيع». فقال أهل البلد للشريف: «أنت إذا أشد علينا منهم». فقال: «إنما أنا رجل منكم، ومهما فعلتوه كنت معكم». فعند ذلك جذبت أهل البلد السيوف وقتلوا الشحنة الذى كان عندهم من جهة التتار، وغلقوا باب البلد، وعصوا على التتار. فركبوا إليهم، وحاصروهم، واقتتلوا أشد قتال. وقتل بينهم عالم عظيم إلا أن أهل همذان صبروا صبر الكرام على الموت، والجوع، والعطش، والسهر، وضرب السيوف. ثم إن التتار هجموا عليهم، وأخذوهم، وقتلوا جميعهم. ولما فرغوا من همذان عاودوا أذربيجان فوصلوا إلى أردويل، فنزلوا عليها

стр. 3355

وملكوها. ورحلوا طالبين توريز، وكان قد قام بها شمس الدين الطغرائى، وحصّن البلد أحسن تحصين. فلما علموا ذلك صالحوه أيضا على مال أخذوه. ثم توجهوا إلى بيلقان، وهم يخربون كل ما مروا عليه من البلاد والأقاليم فى طريقهم، فملكوا بيلقان بالسيف عنوة وقتلوا أهله. ثم ساروا إلى كنجة-وهى كرسى مملكة أران. وعلمت التتار أنهم لا يقدرون على كنجة، ولا على أهلها كونهم رجال شجعان، فصالحوهم على مال أخذوه منهم. ثم ساروا إلى دربند شروان وقصدوا مدينة شماخى فحاصروها، وصبر أهلها أحسن صبر، فأحضر التتار المواشى من الأبقار والأغنام وجيف القتلى، مع الجمال والحمير، وردموا الخندق، وتسوروا عليه إلى السور. فقاتلوهم أهل البلد ثلاثة أيام، ثم ملكوها وقتلوا أهلها. ثم توجهوا إلى بلاد الترك، وهم القفجاق وبلاد اللان وبلاد الروس وغيرهم من الأمم، فلم يقدروا على الجواز إليهم، لضيق المسالك، وكثرة العالم وشجاعتهم، فشرعوا إلى المكر والخديعة، وسيروا رسولا إلى السلطان رشيد شروان شاه صاحب المدائن وصاحب الدربند، يطلبون منه رسلا يسمعون كلامهم ويسعون فى الصلح بينهم، فسيروا إليهم عشرة نفر من عقلاء قومه، فضربوا رقاب عشرة، وأبقوا واحدا منهم، وقالوا له: «أرينا ودلنا على الجواز ونحن نمن عليك بنفسك، وإلا قتلناك»، فأخذهم وسلك بهم طريقا هى أسهل الطرق. فلما قطعوا الدربند وجدوا من المواشى والأغنام والأبقار فى تلك الأعمال ما لا تحصى كثرة. وفيها جنس يقال له اللان وجنس يقال له اللكز، وهما جنسان عظيمان

стр. 3356

من الترك، مع طوائف أخر، فوقعوا عليهم بالسيف على حين غفلة منهم، وقتلوا منهم أمما عظيمة. وهؤلاء اللكز مسلمون واللان نصارى فلم يبقوا لا على المسلمين ولا على النصارى. وكانوا قد اقتتلوا مع اللان قتالا عظيما، فلم يظفروا بهم، فأرسلوا رسلا إلى القفجاق، يقولون لهم: «نحن منكم وأنتم منا، وهؤلاء أعداؤنا وأعداؤكم ونحن نحلف لكم أن نكون يدا واحدة، ويكون لكم قسما من أموالهم كما لنا». فاتفق القفجاق معهم على اللان واللكز فأفنوهم وأخذوا أموالهم، وسبوا ذراريهم، وأخربوا بلادهم، ثم رجعوا إلى بلاد القفجاق وهم آمنون منهم، لما بينهم من العهود والمواثيق. فلم يشعروا إلاّ والتتار قد أحاطت بهم، ووضعوا فيهم السيف، وأخذوا من القفجاق أضعاف ما أخذوه من تلك الطوائف. ولم يزل القتل فى القفجاق حتى اعتصموا منهم بالجبال والشعاب، وهرب بعضهم إلى بلاد الروس. وأقامت التتار فى بلاد القفجاق، واستطيبوها لكثرة خيرها وخصبها، وطيبة هوائها. ولها أماكن دافئة فى الشتاء، وأماكن باردة للصيف. ثم ساروا إلى مدينة شروان شاه، وهى كرسى مملكه القفجاق عند بحر منسك بخليج القسطنطينية العظمى، فمشوا إليها وملكوها فى مدة يسيرة، وتفرق أهلها، وتمزقوا كل ممزق. وسار بعضهم إلى بلاد السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقى صاحب الروم. ثم سارت طائفة كبيرة [من التتار] إلى بلاد الروس، وهى بلاد طويلة عريضة، وهم قوم نصارى. ولو شرحنا جميع ما فعلوه لم تسع ذلك دفاتر ولا أوراق، وإنما لخصنا من ذلك جهد الطاقة وقدر الاستطاعة.

стр. 3357

وأما ما ذكره ابن الأثير فى تاريخه قال: لقد بقيت، عدة سنين معرضا عن هذه الحادثة استعظاما لها. أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذى يسهل عليه أن يسطر نعى الإسلام؟. فياليت أمى لم تلدنى! وياليتنى كنت نسيا منسيّا!. لكنى حثنى على ذلك جماعة من الأصدقاء الكبار الأعيان، وأنا متوقف. وتكلم كلام كثير، معناه التنصل مما سطره فى أمر هذه الحادثة وعظمها. ولعمرى إنه لمعذور فيما اعتذر منه. والعبد أيضا يعتذر عن ما لا بدّ كان من تسطيره، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ذكر تملك السلطان جلال الدين منكبرتى بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه وفى هذه السنة تولى الملك السلطان جلال الدين منكبرتى بن السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه بن تكش-وباقى نسبه قد تقدم-بعد وفاة أبيه فى تلك القلعة المقدم ذكرها. وكان تمليكه بوصية من أبيه، فركب فى الحالة الراهنة، وتوجّه إلى خوارزم طالبا لإخوته، ومعه سبعون نفرا، فالتقوهم أهل خوارزم بالخيول والسلاح والقماش والعدة. وتباشر الناس بقدومه، واجتمع إليه العساكر الإسلامية، فعاد فى سبعة آلاف فارس، فملك. ثم إن أخويه عملا على مسكه، فأعلمه بعض أصحابه، فرحل طالبا خراسان فى ثلثمائة فارس، وأقام بقية أصحابه بخوارزم. فورد عليهم الخبر بحركة التتار نحو خوارزم، فهربوا على أثر جلال الدين إلى خراسان. وأما السلطان جلال الدين فوصل إلى نيسابور، وكان جكزخان لما بلغه أن

стр. 3358

جلال الدين مشى مكان أبيه علاء الدين أمر التتار أن يتفرقوا عليه فى سائر الطرق، فوقع جلال الدين فى طريقه على سبعمائة منهم قد مسكوا له تلك الطريق، فأيقع معهم جلال الدين وكسرهم كسرة عظيمة، لم يسلم منهم مخبر. وهذا كان أول سيف خضب بدمائهم بالنصر فى الإسلام. ثم ساق جلال الدين إلى نيسابور، وكتب إلى العساكر المشتتة فى الأطراف بسرعة الاجتماع، والقدوم عليه. وأقام ينتظر الجيوش بنيسابور شهرا، والعساكر ترد وتتواصل أولا فأولا. فعلم جكزخان بذلك، فأعجله قبل [أن] تتكامل جيوشه. وأدركته التتار، فخرج من نيسابور بمن انضم إليه، يطوى المراحل إلى كرمان، ثم إلى غزنة. فأتاه الخبر أن أمين الملك -وهو ابن خال السلطان جلال الدين صاحب هراة-قد أخلى هراة، وأن التتار قد قربوا منها، وأن مع أمين الدين عشرة آلاف فارس. فنفذ إليه، واجتمع به، وانضمت العساكر بعضها إلى بعض، والتقى السلطان جلال الدين بالتتار الذين كانوا طالبين هراة، وكان مقدمهم تولوخان بن جكزخان فى عشرين ألف من المغل، فجرى بينهم من القتال ما يشيّب الأطفال. ونصر الله تعالى السلطان جلال الدين، وانهزم التتار، وركب المسلمون أكتافهم قتلا بالسيف. وقتل تولوخان بن جكزخان فى هذه الوقعة. ولما بلغ جكزخان قتل ولده، وكسر جيشه، رمى سراقوجه على الأرض. وجمع سائر جيوشه، وسار مجدّا حتى وافى السلطان جلال الدين على حافة السند. وكان جلال الدين قد فارقه أخوه وخاله وجماعة من عساكره، فضاق عليه الوقت فى استرجاعهم

стр. 3359

لمعاجلة الملعون له، فركب يوم الأربعاء لثمان خلون من شهر شوال من هذه السنة-وقيل من سنة تسع عشرة-والتقى مع جكزخان. وثبت جلال الدين مع قلة أصحابه، ثم حمل بنفسه على قلب جكزخان فمزقه بدادا، وكادت تكون النصرة له، لولا ظهر للتتار كمين كان لهم فيه عشرة آلاف من المغل من أجود فرسانهم، فخرجوا على ميمنة جلال الدين، وكان فيها-على قول-أمين الملك خاله، فكسروها وطرحوها على القلب. وتبدد نظام جلال الدين، وتزعزعت أقدامه، وأسر ولده. وعاد جلال الدين إلى حافة السند هاربا، فرأى والدته وزوجته وأخته وأولاده أطفالا مع جماعة من حشمه، وهن يصحن بأعلا أصواتهن: «بالله عليك اقتلنا وخلصنا من الفضيحة والأسر». فأمر بهن فغرقن فى السند، وهذه من عجائب البلايا، ونوادر المصائب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ثم إنه لما سدت عليه المذاهب، وأحاطت به النوائب، ومن خلفه السيوف، ومن قدامه البحر العجاج، رفس فرسه وطلب الغرق ولا يسلّم نفسه لسيوف التتار. وكان الجواد من جياد الخيل-مع لطف الله فقطع به النهر إلى الجانب الآخر. وكذلك تخلص معه من أصحابه تقدير أربعة آلاف رجل، حفاة عراة. ثم وصل إليه مركب من بعض الجهات، وفيه مأكول وملبوس. فوقع ذلك عنده موقعا عظيما. ولما علم صاحب الجودى أن جلال الدين وصل إلى بلاده مكسورا، طلبه بالفارس والراجل، لما كان بينه وبين أبيه السلطان علاء الدين خوارزم شاه من الدخول القديمة، والحروب. فبلغ ذلك جلال الدين، فعظم عليه الحال، إذ لم يكن معه من أصحابه من يمانع عن نفسه، لما فيهم من الجراحات وعريهم من العدد والسلاح، وعدم المركوب، ولا فيهم نجعة للذب. فجفل من مكانه، وأمر كل من

стр. 3360

فيه قوة ونجعة يتبعه وإلا يقطع رأسه. وسار عازما أن يقطع السند مختفيا فى بعض الجبال بمن معه، ويعيشوا بما تكسبه أيديهم من الغارات. فصادفوا الهنود إليهم قاصدين. فلما رآهم الهنود ظنوا أنهم التتار، فتأخروا ولم يجد جلال الدين من الموت بد، فتقدم بمن معه، وتقدم ملك الهنود أيضا. ووقف جلال الدين حتى قاربه، وكان فى يده قوس. وكان شديد الساعد، ففوق سهما ورمى به ملك الهنود فأصاب صدره، وخرّ لوجهه يموج فى دمه، وانهزم جيشه، وأخذهم أصحاب جلال الدين. وكسب [جلال الدين] خيله ومتاعه، وقوى نفسه بعد الإياس من الحياة. فسبحان المدبر الحكيم. ثم رحل [جلال الدين] إلى سجستان، وأخذ ما كان له بها من الخزائن، وأنفق على من كان معه. ثم أتاه الخبر أن أيتامش قاصده فى ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل، فسار جلال الدين نحوه تجلدا منه وصبرا. وقدّم أمامه جاهان بن بهلوان أزبك، فهجم على أيتامش، فتأخر له. ونفذ رسول إلى السلطان جلال الدين يطلب الصلح، ويقول: «ليس يخفاك ما وراءك من عدو الدين، وأنت سلطان المسلمين وابن سلطانهم. وقد رأيت أن أزوجك بنتى وأكون عضدك». فمال السلطان جلال الدين لذلك، وسير مع رسوله نفر من أصحابه، فطاب لهم المقام عند أيتامش. ثم وردت الأخبار عليه أن أيتامش وقباجه وسائر ملوك الهند اتفقوا على السلطان جلال الدين، وأن يمسكوا عليه حافة السند، فعظم عليه ذلك وأخفاه، واستناب جاهان ابن بهلوان على ما بيده من ممالك الهند، وسار طالبا للعراق. فلما وصل إلى كرمان، وهو فى أشد الأحوال مما قاساه ومن معه فى تلك البرارى والصحارى التى بين الهند وكرمان، ووصل فى أربعة آلاف، منهم من هو راكب البقر والحمير وغير ذلك. وكان ذلك فى سنة إحدى وعشرين وستمائة.

стр. 3361

ذكر سنة إحدى وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأصبعان. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك الكامل سلطان الإسلام بالديار المصرية. وباقى الملوك إخوته بحالهم. وفى شهر المحرم دخل الملك المسعود بن الكامل-صاحب اليمن-إلى القاهرة المحروسة، وبين يديه الفيلة، وعدتهم ثلاثة؛ وأخلى له القصر وسكن فيه. وفيها قبض السلطان الملك الكامل على جماعة من أمرائه البحرية، مماليك والده الملك العادل، وأودعهم الجب الكبير. والسلطان جلال الدين قد وصل من الهند إلى كرمان-حسبما تقدم. وكان بكرمان فى ذلك الوقت براق الحاجب ينوب بها عن أخيه السلطان غياث الدين، فتلقاه، وخدمه؛ لكن لم يذعن له بالطاعة، لأجل أخيه غياث الدين. فأقام أياما حتى استراح من وعك الطريق، ثم رحل إلى شيراز. وورد عليه الأتابك سعد صاحب فارس، وكان قد استوحش من أخيه غياث الدين، فرغب جلال الدين فيه، وخطب ابنته فأجاب إلى ذلك. واستظهر جلال الدين بمصاهرة الأتابك. ثم رحل من شيراز إلى أصبهان، فخرج إليه القاضى زكى الدين مسعود، وتلقاه، وكذلك أعيان البلد، وأتوه بالخيول والعدد، وفرحوا بقدومه. ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين البلاد، ركب إليه فى ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين حين بلغه ذلك، وسير إلى أخيه [غياث الدين] أمير أخوره،

стр. 3362

يقول: «إن الذى قاسيته بعد السلطان من الشدائد والهوان لو أعرض على الجبال لأشفقن من حملها. وحين ضاقت علىّ الأرض بما رحبت قصدتك لأستريح عندك أياما. وحيث علمت أن ما عندك للضيف قرى غير السيف رجعت». فلما بلغ غياث الدين الرسالة رجع عما كان عزم عليه، وتفرقت عساكره. وكان جلال الدين قد سير مع أمير أخوره عدة خواتم، وأمره إيصالها إلى جماعة من الأمراء السلطانية؛ فمنهم من تناول الخاتم وأجاب، ومنهم من أسرع به إلى غياث الدين. فأمر بالقبض على الرسول. فركب جلال الدين مسرعا فى ثلاثة آلاف فارس وأعجل غياث الدين عن الاستعداد. فركب غياث الدين فرس النوبة وهرب. ودخل جلال الدين إلى خيمته وبها والدة غياث الدين، فزاد فى احترامها وإكرامها، وأنكر هروب غياث الدين، وقال: «أنا ما بقى لى من بنى أبى سواه». فسيرت والدته إليه بذلك، فعاد إلى الخدمة، فعطف عليه جلال الدين وأكرمه. وحضر إلى طاعة السلطان جلال الدين سائر ملوك الأقاليم من المتغلبين على البلاد، ودخلوا تحت الطاعة. وفرّق العمال على الأقاليم. وسار نحو خوزستان. وسير رسولا إلى بغداد، فأحلوه محل الإكرام. ولم يزل الرسول ببغداد إلى أن ملك جلال الدين مراغة، فعاد الرسول مكرما. ثم رحل السلطان جلال الدين إلى دقوقا فغلقوا أبوابها فى وجهه، وطلع أهلها على السور، وسبّوا جلال الدين ولعنوه. فأغاظه ذلك، وأمر بالزحف عليها، فلم يكن سوى ساعة حتى صعدت أعلامه عليها، وأوقع فيهم السيف. ورحل إلى أذربيجان. وسير الكتب والرسل إلى ملوك الشام ومصر، يتضمن إعلامهم بما فتح الله عليه، وما ملك من البلاد. ثم رحل إلى أرجان، ثم إلى تبريز. فخرج إليه الرئيس نظام الدين أخو شمس الدين الطغرائى، وكان بها بنت السلطان طغريل، فسيرت تطلب الأمان مع الرئيس نظام الدين، فأجاب إلى ذلك. وتسلم تبريز فى هذه السنة، والله أعلم.

стр. 3363

وكان توفى الملك المنصور صاحب حماة، وهو محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وكان ملكا شجاعا مقداما عالما فاضلا أديبا شاعرا محبا للعلماء والفضلاء. وكان عنده جماعة من كبار الفضلاء، مثل سيف الدين على بن أبى على الآمدى مصنف كتاب المضمار، جمع فيه جملة جيدة من تواريخ العالم فى عشرة أجزاء، وردّ على مثل الإمام فخر الدين الرازى المعروف بابن خطيب الرى، أحد فلاسفة الإسلام صاحب التصانيف العجيبة فى كل فن، مما يطول شرح ذكرها، وهو صاحب كتاب السرّ المكتوم فى علم الأسماء والطلسمات. ومثل الإمام أبى حامد الغزالى المشهور، وله من التصانيف مائة مجلد. ولو شرحت فضائل هؤلاء السادة المذكورين لكان جزءا بذاته، ولا نصل إلى بعض محاسنهم وعلومهم وتصانيفهم، رضوان الله عليهم أجمعين. وكانت وفاة السلطان الملك المنصور المشار إليه فى شهر شوال من هذه السنة. ودفن بحماة عند قبر أبيه، وقام بعده بمملكة حماة ولده الأكبر يسمى قليج أرسلان، ولقب بالملك الناصر. وجرى له بعد ذلك مع السلطان الملك الكامل أمور وعجائب، وأخذ منه حماة وأعطاها لأخيه الملك المظفر، واعتقل قليج أرسلان بمصر فى الجب. ومن شعر الملك المنصور-﵀-مما لخصناه قوله: سحّا الدموع فإن القوم قد بانوا ... وأقفر الصبر لما أقفر البان وأسعدانى بوجد بعد بينهم ... فالشان لما نأوا عنّى له شان يا ظبية البان هل وصل أسر به ... فينجلى بلذيذ الوصل أشجان منها: لا تبعثوا مع نسيم الريح نشركم ... فإننى من نسيم الريح غيران كيف السلو ولى قلب يخالفنى ... وفى الهوادج أقمار وغزلان

стр. 3364

سقاهم الغيث من قبلى كاظمة ... سحا وروى ثراهم أينما كانوا وله: الفخر بالفضل ليس الفخر بالنسب ... والناس فى ذاك من درّ ومن خشب وكل فخر سوى فخرى فمختلق ... زور وقائله ينمى إلى الكذب أنا الذى لم ينل فى الورى أحد ... ما نلته قط من عجم ومن عرب سموت فيهم بأصل لا يقاومه ... أصل ومن بعده بالفضل والأدب بآل شاذى ملوك الناس كلهم ... أكرم بذلك من فخر ومن حسب أيوب جدى حقيقا حين تنسبنى ... يا حسنها نسبة تعلو على الرتب نحن الملوك الذرى والناس كلهم ... لنا عبيد وليس الرأس كالذنب كم قد أبدت بسيفى كل مفتخر ... حامى الحقيقة يوم الجحفل اللجب وكم تركت بنى الإفرنج فى رعب ... فصرت أدعى لديهم جالب الرعب منها: من كل منتسب بالله محتسب ... مؤيد بجميل الصبر مرتقب أغرّ أبلج وضاح لغرته ... فضل على الأنجم السيارة الشهب وله فى صدر كتاب إلى عمه الملك العادل يقول: سلام محب فى الولاء محقق ... يكاد لفرط الشوق بالدمع يشرق وينشد بيتا قيل فى مدح مجدكم ... له بثناكم حين ينشد رونق تقول لى الآمال إن كنت نازلا ... بباب ابن أيوب فأنت موفق وفيها توفى الملك الصالح ناصر الدين محمد بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد. وكان شجاعا مقداما. وقام بالملك بعده ولده الملك المسعود. وكان بالضد من أبيه. حصره بعد ذلك السلطان الملك الكامل فى آمد وأخذها منه. ووجد عنده فى قصره خمسمائة حرة من بنات الناس يطؤهنّ حراما. وأحضره الكامل إلى مصر،

стр. 3365

وأحسن إليه. فكاتب الروم، وسعى فى هلاك السلطان الكامل، فسجنه مدة ثم أطلقه، فهرب إلى التتار، فقتلوه. وفيها توفى الشريف قتادة بن إدريس صاحب مكة شرفها الله تعالى. وما كان لا يلتفت إلى أحد، ولا داس للخليفة بساطا قط. وكان يقول أنا أحق بها من غيرى، -يعنى الخلافة. وكان الحاج فى أيامه طيبين، لا يستحسن بظلامة أحد. وكتب إليه -قبل وفاته-الخليفة يقول له: «أنت ابن العم العزيز وقد أحببت زيارتك». فكتب يقول من قصيدة: ولى كف ضرغام أذل ببطشها ... وأشرى بها بين الورى وأبيع تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفى وسطها للمجد بين ربيع أأجعلها تحت الرجا ثم أبتغى ... خلاصا لها إنى إذا لوضيع منها: وما أنا إلا المسك فى كل بقعة ... يضوع وأما عندكم فيضيع وكانت وفاته فى شهر جمادى الأولى فى هذه السنة بمكة شرفها الله تعالى. وقيل كانت وفاة الشريف المذكور فى سنة عشرين، فإن فى هذه السنة توجه الملك المسعود أقسيس بن الكامل إلى مكة وملكها. وكان قد تولى أمرها حسن بن الشريف قتادة فأساء السيرة، فسار الملك المسعود، وملكها رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، وهو الصحيح، والله أعلم. وفيها نقل السلطان الملك العادل من القلعة بدمشق إلى تربته، وهى المدرسة العادلية. وفيها خرج الملك الأشرف من مصر قاصدا للشرق، والتقاه الملك المعظم وعرض
следующие страницы →