← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ذكر سنة إحدى وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع فقط. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأصبعان. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بحاله. والسلطان الملك الكامل سلطان الإسلام بالديار المصرية. وباقى الملوك إخوته بحالهم. وفى شهر المحرم دخل الملك المسعود بن الكامل-صاحب اليمن-إلى القاهرة المحروسة، وبين يديه الفيلة، وعدتهم ثلاثة؛ وأخلى له القصر وسكن فيه. وفيها قبض السلطان الملك الكامل على جماعة من أمرائه البحرية، مماليك والده الملك العادل، وأودعهم الجب الكبير. والسلطان جلال الدين قد وصل من الهند إلى كرمان-حسبما تقدم. وكان بكرمان فى ذلك الوقت براق الحاجب ينوب بها عن أخيه السلطان غياث الدين، فتلقاه، وخدمه؛ لكن لم يذعن له بالطاعة، لأجل أخيه غياث الدين. فأقام أياما حتى استراح من وعك الطريق، ثم رحل إلى شيراز. وورد عليه الأتابك سعد صاحب فارس، وكان قد استوحش من أخيه غياث الدين، فرغب جلال الدين فيه، وخطب ابنته فأجاب إلى ذلك. واستظهر جلال الدين بمصاهرة الأتابك. ثم رحل من شيراز إلى أصبهان، فخرج إليه القاضى زكى الدين مسعود، وتلقاه، وكذلك أعيان البلد، وأتوه بالخيول والعدد، وفرحوا بقدومه. ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين البلاد، ركب إليه فى ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين حين بلغه ذلك، وسير إلى أخيه [غياث الدين] أمير أخوره،

стр. 3362

يقول: «إن الذى قاسيته بعد السلطان من الشدائد والهوان لو أعرض على الجبال لأشفقن من حملها. وحين ضاقت علىّ الأرض بما رحبت قصدتك لأستريح عندك أياما. وحيث علمت أن ما عندك للضيف قرى غير السيف رجعت». فلما بلغ غياث الدين الرسالة رجع عما كان عزم عليه، وتفرقت عساكره. وكان جلال الدين قد سير مع أمير أخوره عدة خواتم، وأمره إيصالها إلى جماعة من الأمراء السلطانية؛ فمنهم من تناول الخاتم وأجاب، ومنهم من أسرع به إلى غياث الدين. فأمر بالقبض على الرسول. فركب جلال الدين مسرعا فى ثلاثة آلاف فارس وأعجل غياث الدين عن الاستعداد. فركب غياث الدين فرس النوبة وهرب. ودخل جلال الدين إلى خيمته وبها والدة غياث الدين، فزاد فى احترامها وإكرامها، وأنكر هروب غياث الدين، وقال: «أنا ما بقى لى من بنى أبى سواه». فسيرت والدته إليه بذلك، فعاد إلى الخدمة، فعطف عليه جلال الدين وأكرمه. وحضر إلى طاعة السلطان جلال الدين سائر ملوك الأقاليم من المتغلبين على البلاد، ودخلوا تحت الطاعة. وفرّق العمال على الأقاليم. وسار نحو خوزستان. وسير رسولا إلى بغداد، فأحلوه محل الإكرام. ولم يزل الرسول ببغداد إلى أن ملك جلال الدين مراغة، فعاد الرسول مكرما. ثم رحل السلطان جلال الدين إلى دقوقا فغلقوا أبوابها فى وجهه، وطلع أهلها على السور، وسبّوا جلال الدين ولعنوه. فأغاظه ذلك، وأمر بالزحف عليها، فلم يكن سوى ساعة حتى صعدت أعلامه عليها، وأوقع فيهم السيف. ورحل إلى أذربيجان. وسير الكتب والرسل إلى ملوك الشام ومصر، يتضمن إعلامهم بما فتح الله عليه، وما ملك من البلاد. ثم رحل إلى أرجان، ثم إلى تبريز. فخرج إليه الرئيس نظام الدين أخو شمس الدين الطغرائى، وكان بها بنت السلطان طغريل، فسيرت تطلب الأمان مع الرئيس نظام الدين، فأجاب إلى ذلك. وتسلم تبريز فى هذه السنة، والله أعلم.

стр. 3363

وكان توفى الملك المنصور صاحب حماة، وهو محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وكان ملكا شجاعا مقداما عالما فاضلا أديبا شاعرا محبا للعلماء والفضلاء. وكان عنده جماعة من كبار الفضلاء، مثل سيف الدين على بن أبى على الآمدى مصنف كتاب المضمار، جمع فيه جملة جيدة من تواريخ العالم فى عشرة أجزاء، وردّ على مثل الإمام فخر الدين الرازى المعروف بابن خطيب الرى، أحد فلاسفة الإسلام صاحب التصانيف العجيبة فى كل فن، مما يطول شرح ذكرها، وهو صاحب كتاب السرّ المكتوم فى علم الأسماء والطلسمات. ومثل الإمام أبى حامد الغزالى المشهور، وله من التصانيف مائة مجلد. ولو شرحت فضائل هؤلاء السادة المذكورين لكان جزءا بذاته، ولا نصل إلى بعض محاسنهم وعلومهم وتصانيفهم، رضوان الله عليهم أجمعين. وكانت وفاة السلطان الملك المنصور المشار إليه فى شهر شوال من هذه السنة. ودفن بحماة عند قبر أبيه، وقام بعده بمملكة حماة ولده الأكبر يسمى قليج أرسلان، ولقب بالملك الناصر. وجرى له بعد ذلك مع السلطان الملك الكامل أمور وعجائب، وأخذ منه حماة وأعطاها لأخيه الملك المظفر، واعتقل قليج أرسلان بمصر فى الجب. ومن شعر الملك المنصور-﵀-مما لخصناه قوله: سحّا الدموع فإن القوم قد بانوا ... وأقفر الصبر لما أقفر البان وأسعدانى بوجد بعد بينهم ... فالشان لما نأوا عنّى له شان يا ظبية البان هل وصل أسر به ... فينجلى بلذيذ الوصل أشجان منها: لا تبعثوا مع نسيم الريح نشركم ... فإننى من نسيم الريح غيران كيف السلو ولى قلب يخالفنى ... وفى الهوادج أقمار وغزلان

стр. 3364

سقاهم الغيث من قبلى كاظمة ... سحا وروى ثراهم أينما كانوا وله: الفخر بالفضل ليس الفخر بالنسب ... والناس فى ذاك من درّ ومن خشب وكل فخر سوى فخرى فمختلق ... زور وقائله ينمى إلى الكذب أنا الذى لم ينل فى الورى أحد ... ما نلته قط من عجم ومن عرب سموت فيهم بأصل لا يقاومه ... أصل ومن بعده بالفضل والأدب بآل شاذى ملوك الناس كلهم ... أكرم بذلك من فخر ومن حسب أيوب جدى حقيقا حين تنسبنى ... يا حسنها نسبة تعلو على الرتب نحن الملوك الذرى والناس كلهم ... لنا عبيد وليس الرأس كالذنب كم قد أبدت بسيفى كل مفتخر ... حامى الحقيقة يوم الجحفل اللجب وكم تركت بنى الإفرنج فى رعب ... فصرت أدعى لديهم جالب الرعب منها: من كل منتسب بالله محتسب ... مؤيد بجميل الصبر مرتقب أغرّ أبلج وضاح لغرته ... فضل على الأنجم السيارة الشهب وله فى صدر كتاب إلى عمه الملك العادل يقول: سلام محب فى الولاء محقق ... يكاد لفرط الشوق بالدمع يشرق وينشد بيتا قيل فى مدح مجدكم ... له بثناكم حين ينشد رونق تقول لى الآمال إن كنت نازلا ... بباب ابن أيوب فأنت موفق وفيها توفى الملك الصالح ناصر الدين محمد بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد. وكان شجاعا مقداما. وقام بالملك بعده ولده الملك المسعود. وكان بالضد من أبيه. حصره بعد ذلك السلطان الملك الكامل فى آمد وأخذها منه. ووجد عنده فى قصره خمسمائة حرة من بنات الناس يطؤهنّ حراما. وأحضره الكامل إلى مصر،

стр. 3365

وأحسن إليه. فكاتب الروم، وسعى فى هلاك السلطان الكامل، فسجنه مدة ثم أطلقه، فهرب إلى التتار، فقتلوه. وفيها توفى الشريف قتادة بن إدريس صاحب مكة شرفها الله تعالى. وما كان لا يلتفت إلى أحد، ولا داس للخليفة بساطا قط. وكان يقول أنا أحق بها من غيرى، -يعنى الخلافة. وكان الحاج فى أيامه طيبين، لا يستحسن بظلامة أحد. وكتب إليه -قبل وفاته-الخليفة يقول له: «أنت ابن العم العزيز وقد أحببت زيارتك». فكتب يقول من قصيدة: ولى كف ضرغام أذل ببطشها ... وأشرى بها بين الورى وأبيع تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفى وسطها للمجد بين ربيع أأجعلها تحت الرجا ثم أبتغى ... خلاصا لها إنى إذا لوضيع منها: وما أنا إلا المسك فى كل بقعة ... يضوع وأما عندكم فيضيع وكانت وفاته فى شهر جمادى الأولى فى هذه السنة بمكة شرفها الله تعالى. وقيل كانت وفاة الشريف المذكور فى سنة عشرين، فإن فى هذه السنة توجه الملك المسعود أقسيس بن الكامل إلى مكة وملكها. وكان قد تولى أمرها حسن بن الشريف قتادة فأساء السيرة، فسار الملك المسعود، وملكها رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، وهو الصحيح، والله أعلم. وفيها نقل السلطان الملك العادل من القلعة بدمشق إلى تربته، وهى المدرسة العادلية. وفيها خرج الملك الأشرف من مصر قاصدا للشرق، والتقاه الملك المعظم وعرض

стр. 3366

عليه النزول بالقلعة فأبى ونزل بجوسق أبيه العادل. وبدت الوحشة بين الإخوة، وأصبح الأشرف فى السحر وركب وساق، ونزل ضمير، ولم يعلم المعظم برحيله. ثم سار مسرعا حتى نزل حران، وكان قد استناب أخوه شهاب الدين غازى صاحب ميافارقين على أخلاط، لما سافر إلى مصر، وجعله ولى عهده بعد غيبه. ومكنه فى جميع بلاده بالشرق، فسولت له نفسه العصيان. ولما وصل الأشرف إلى حران بلغه خبر عصيان أخيه غازى، فكتب إليه يستدعيه، فامتنع، فجمع الأشرف عساكر الشرق وسار إلى أخلاط. وكان صاحب حمص-وهو الملك المجاهد-قد مال مع الأشرف؛ والمعظم مال إلى نصرة غازى، فجمع وخرج حتى نزل على حماة، فلم يخرج إليه صاحبها ولا فتح له باب، فعاد إلى حمص. فخرج إليه عسكر حمص، فأوقعوا به، وظهروا عليه، ونهبوا عسكره. ورجع إلى دمشق ولم ينل طائلا. ثم إن الأشرف توجه إلى أخلاط بجيوشه ليسترجعها من يد أخيه غازى. وكان قد حشد وجمع، فخرج إلى الأشرف، ووقع القتال بينهما، وقاتل غازى أشد قتال. وكان أهل أخلاط يحبون الأشرف. فلما خرج غازى وقاتل أطلع أهل أخلاط سناجق الأشرف على الأبراج، وصاحوا: «يا أشرف يا منصور». فعند ذلك هرب غازى إلى القلعة، فأقام يومين ثم نزل إلى أخيه الأشرف، فأقبل عليه ولم يؤاخذه بما فعل. وأقام الأشرف بأخلاط ثلاثة أيام، وجعل فيها مملوكه أيبك والحاجب على. ورد غازى إلى ميافارقين مكانه-مريضا من جراحاته-ورجع الأشرف إلى رأس العين. وفيها نزل السلطان جلال الدين على أذربيجان واستولى عليها، فبعث إليه الملك المعظم رجلا يقال له الملق، واتفق هو وجلال الدين والمظفر على الملك الأشرف. وبعث المعظم بولده الناصر داود إلى مظفر الدين صاحب إربل رهينة. وكان قد ظهر فى الشام جراد كثير فأظهر المعظم أن ببلاد العجم طيرا يأكل الجراد، وأرسل الصدر البكرى يعرف بالملق محتسب دمشق ورتب معه صوفية،

стр. 3367

وقال: «يمضون إلى العجم فهناك عين ماء يجتمع عليها هذا الطير المعروف بالسمرمر فتأخذوا من مائها فى قوارير، وتعلقونه على رءوس الرماح. فكلما رآه الطائر يتبعكم». وما كان مقصوده إلا ببعث البكرى إلى جلال الدين يتفق معه. وقرر معه الأمر وجعله له عضدا، لما علم أن الأشرف والكامل اتفقا عليه. وكان الجراد قد قل، فلما عاد البكرى كثر. وفهموا الناس مقصوده فى ذلك. وعاد جلال الدين ذخرا للمعظم، وعاد بينهما معاقدة وأيمان. وفيها استولى بدر الدين لؤلؤ على الملك ولقب الملك الرحيم. وفيها بنى السلطان الملك الكامل مدرسته ببين القصرين بالقاهرة المحروسة. وأمّا التتار، فإن جكزخان قسّم أصحابه فى هذه السنة عدة أقسام، فنفذ قسما منها إلى بلاد فرغانة، وقسما إلى بلاد ترمذ، وقسما إلى قلعة كلام وهى قلعة عظيمة على نهر جيحون. ففعلت كل طائفة أقبح من أختها. ثم عاد الجميع إلى جكزخان، وهو نازل بسمرقند. فعند ذلك جهز جيشا عظيما وقدّم عليه إحدى بنيه، وسيره إلى إقليم خوارزم. وجهز آخر وسيره إلى خراسان، فقطعوا جيحون ووصلوا بلخ، فتسلموها بالأمان، وجعلوا بها شحنة من جهتهم. وعادوا يقاتلون برجال كل إقليم إقليم آخر، وهم يتفرجون عليهم، ففتحوا أكثر البلاد كذلك. ثم وصلوا إلى طالقان وفيه قلعة حصينة تسمى منصور كوه، فحاصروها أربعة أشهر، فلم يبلغوا فيها غرض. وقاتل أهلها قتالا عظيما، وأنفذوا إلى جكزخان فأعلموه بذلك. فسار إليهم بنفسه فى عالم عظيم، وحاصرها. ثم أمر بالأخشاب والأحطاب فجمعت، وعادوا يعملون صفّا من خشب ثم يردمونه بالتراب، حتى واروا القلعة. وصعد التتار عليه ونصبوا

стр. 3368

المناجنيق، وعادوا يرمون فى وسط القلعة. فعند ذلك اجتمع أهل القلعة وفتحوا الباب، وحملوا على التتار حملة واحدة. وسلمت الخيالة بأنفسهم، وتعلقوا فى الجبال. وأما الرجالة فقتلوا عن آخرهم. وملك جكزخان القلعة بجميع ما فيها. ثم إنه جمع سائر الرجال الذين كان أعطاهم الأمان من سائر الأمصار، وسيرهم مع ولده إلى مدينة مرو، وبها يومئذ ما يزيد عن مائتى ألف مقاتل من جند وعرب وأكراد وتركمان ومن سائر الأجناس. فلما وصلت إليهم التتار التقوا معهم، واقتتلوا قتالا شديدا. ثم انكسر أهل مرو، ووضعوا فيهم السيف ولم يبقوا على أحد منهم. ثم فتحوا مرو بعد أربعة أيام، بعد ما كانوا أعطوا أهلها الأمان. قال جكزخان لواليها: «أعرض علىّ أصحابك حتى ننظر من يصلح للخدمة نستخدمه عندنا». فلما حضروا قبض على الجميع. وطلب الأموال من كبار البلد، وكتب أسماءهم فى جريدة، ثم قال: «اكتبوا أرباب الصنائع» ففعلوا ذلك. فلما وقف جكزخان على النسخ أمر بجميع أهل البلد، وجميع أهاليهم وأموالهم، فأوقفوا بين يديه، وقد جلس على كرسى ذهب. وأمر بحضور الجند، فضرب أرقاب الجميع. كل هذا والناس قيام ينظرون إليهم ويبكون عليهم. ثم قسّم أرباب الأموال، وضرب رقابهم. ثم وضع السيف فى بقية الناس. وتعالت أصوات النساء والأطفال. قال صاحب التاريخ: ومما أجمعوا عليه أن من جملة تسليط هؤلاء القوم على العالم أنهم إذا نزلوا على مدينة أو قلعة ولم يقدروا على أخذها ورحلوا عنها، يرسل الله- -على أهل تلك البقعة الوخم والفناء، فيموتون، فيرجع التتار إليهم فيأخذوهم بأسهل الأحوال. وهذا كان سخطا من الله تعالى، فنعوذ بالله من الخذلان. ثم أمر بحريق البلد فأحرق. وفى جملة الحريق تربة السلطان سنجر السلجوقى. أجمع

стр. 3369

أهل التاريخ أن عدة القتلى بمدينة مرو وأعمالها سبعمائة ألف أو يزيدون. ثم سار التتار إلى سابور فحاصروها خمسة أيام، ثم ملكوها، وفعلوا بهم كما فعلوا بأهل مرو. ثم سارت منهم طائفة إلى طوس، ففعلوا كذلك، وأحرقوا المشهد الذى فيه على بن موسى الرضى رضى الله عنه؛ وفيه قبر الرشيد ﵀. ثم ساروا إلى هراة، وهى من أحسن البلاد، فحاصروها مدة عشرة أيام، فملكوها، وقتلوا منهم البعض، وأمنوا الباقى، وجعلوا عندهم شحنة من جهتهم. ثم ساروا إلى غزنة، فلقيهم السلطان جلال الدين فكسرهم كسرة عظيمة، وقويت قلوب الإسلام، فعاد كل من كان عندهم شحنة من جهتهم قتلوه. فلما ردت التتار إلى جكزخان، وهو بمدينة الطالقان، تجهز بجموع التتار لقتال السلطان جلال الدين. هذا ما جرى للتتار. وأما السلطان جلال الدين فإنه بعد كسره التتار عظم أمره، وقوى سلطانه، وتكاثرت جيوشه، وعزم على طلب بغداد، وقتل الخليفة الإمام الناصر لدين الله. وكان قد تقدم القول بما كان من الاتفاق بين الملك المعظم صاحب دمشق، وبين السلطان جلال الدين، والمعاقدة والأيمان. قال أبو المظفر: حكى لى الملك المعظم قال: كتب إلىّ جلال الدين يقول: «تحضر أنت وجميع من عاهدنى واتفق معى، حتى نقصد الخليفة، فإنه كان السبب فى هلاك السلطان علاء الدين أبى، وجسّر التتار لدخول البلاد، وصغّر عندهم أمر المسلمين، حتى أخربوا الدنيا». قال المعظم: فكتبت إليه نقول: «أنا معك على كل أحد إلا الخليفة. فإنه إمام المسلمين». فبينما هو على عزم بغداد، وكان قد سير جيشا إلى تفليس فسيروا إليه يقولون: «أدركنا فما لنا بالكرج طاقة، وبغداد ما تفوت». فسار إلى تفليس، وخرج إليه الكرج، وضرب معهم مصافا، وقتل منهم سبعين ألفا.

стр. 3370

وفتح تفليس عنوة بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألف، تكملة المائة ألف. وكان فى سلخ شهر ذى الحجة من هذه السنة، وقوى سلطان جلال الدين أضعاف ما كان، وطاعته جميع المتغلبين على الأقاليم. وفيها كان له وقعة عظيمة مع فرقة من التتار، وكانوا فى ثلاثين ألف فارس، مع إحدى بنيه-أعنى جكزخان-يسمى قطوخان، فكسرهم كسرة شنيعة، وقتل منهم اثنى عشر ألف من خيار مغلهم. وكانت هذه الوقعة على نصيبين. وسلم قطوخان، وعاد مهزوما إلى أبيه جكزخان، فغضب عليه، وقيده، وأعاده إلى بلادهم تحت الاحتراز. ثم إن جكزخان استهمّ فى التجهيز، وجمع جيوشا عظيمة لقتال السلطان جلال الدين منكبرتى. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

стр. 3371

ذكر سنة اثنتين وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع ونصف أصبع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، إلى أن توفى فى هذه السنة-حسبما يأتى ذكر ذلك فى تاريخه. وفى ذى القعدة ضربت فلوس بالقلعة، وعادت من جملة النقود المتعامل بها، وتحرر القيمة عنها عن ستة عشر فلسا درهما من نقد مصر. ثم ضربت دراهم مستديرة، وهى هذه الدراهم المتعامل بها يومئذ المعروفة بالكاملية. وأمر السلطان الملك الكامل أن لا يتعامل بالدراهم القديمة المصرية. وصار كلما تحصل منها شئ يسبك ويعمل من الضرب الجديد. وتوفى الإمام الناصر لدين الله، سلخ شهر رمضان المعظم من هذه السنة، وله من العمر تسع وستين سنة وأشهر. وكانت خلافته سبع وأربعين سنة. ولم يكن بلغ هذه المدة فى الخلافة قبله أحد من الخلفاء. وقام بالأمر بعده الإمام الظاهر بأمر الله ولده-حسبما يأتى من ذكره. ذكر بعض شئ من سيرة الإمام الناصر كان شهما، أبىّ النفس، حازما، متيقظا، ذارزانة ودهاء ومكر. ذو هيبة عظيمة جدّا. وكان أهل العراق تخافه فى بيوتها. وكان فيه تشيع كثير، وميل إلى مذهب الإمامية، وذلك بخلاف ما كان عليه سلفه من القادر إلى المستضئ. وقيل إنه سأل الشيخ جمال الدين بن الجوزى بمحضر من الخليفة: «من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟» فخشى أن يصرح، فقال: «أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته». وهذا القول يحتمل أمرين. وسئل أيضا فأنشد يقول:

стр. 3372

لا تسألونى إلا عن أواخرهم ... فأول الركب ما عندى له خبر وكان الناصر لدين الله أديبا فاضلا شاعرا. ذكر أنه اعتقل بعض كتّابه فكتب إليه يقول: ألقنى فى لظى وإن غيّرتنى ... فتيقّن أن لست بالياقوت عرف النسج كل من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت قال، فأجابه الخليفة يقول: نسج داود لم يفد صاحب الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند فى لهب النا ... ر مزيل فضيلة الياقوت وهذا جواب فائق، وشعر مفلق. ذكر خلافة الإمام الظاهر بأمر الله بن الإمام الناصر لدين الله وسيرته هو أبو نصر، عدة الدنيا والدين، محمد، الظاهر بأمر الله بن الإمام الناصر لدين الله أحمد، أمير المؤمنين، وباقى نسبه قد تقدم. أمه أم ولد. بويع يوم عيد الفطر، وجلس للخلافة ثانيه، وعليه ثياب البياض وطرحة، وعلى كتفه البردة النبوية، وهو جالس فى شباك القبة، والوزير قائم بين يديه، وكذلك أستادار، وهما يأخذان البيعة على الناس، ونسخة المبايعة؛ يقول: «بايع سيدنا ومولانا المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه ورسوله- ﷺ -واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه فى مشارق الأرض ومغاربها». وكان الوزير والأستادار وأرباب الدولة قد توجهوا إلى بيت النوبة نهار العيد، وجلسوا للعزاء وقراءة القرآن. وتكلم محيى الدين بن الجوزى. ثم توجهوا جميعا إلى

стр. 3373

جامع القصر، وصلوا صلاة العيد. ثم خطب بعد الصلاة، ودعى للإمام الظاهر. ولما كان نهار الثلاثاء، دخل من تخلف عن البيعة، وتكلم محيى الدين بن الجوزى، ودعا للإمام الظاهر. ثم أذن للشعراء فى إنشاد المراثى التى صنعوها فى الإمام الناصر، والتهانى بالإمام الظاهر. ولبس كافة أرباب الدولة ثياب العزاء، وكذلك الزعماء والمماليك والولاة. ورفع القضاة والمدرسون ومشايخ الرباطات الطيالس والطرحات. ثم قرئ على الناس فى الجامع توقيعا نسخته: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ «اعلموا أيها الناس-رحمكم الله-أنه حيث توفى الله تعالى الإمام السعيد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إلى فسيح جناته، وأفاض عليه ملابس رحمته ورضوانه، بعد أن جاهد فى الله حق جهاده، وأدى الأمانة فى بلاده وعباده، استخلف عليكم أشرف مستخلف، وأبرّ خليفة وأرأف، فنصح الأمة فى اختياره، وقام فى استخلافه بواجب شريف نظره واجتهاده. وهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، ولد سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام، الناصر لدين الله أمير المؤمنين، لا زالت أوامره مطاعة فى جميع أقطار الآفاق، مستعلية على السبع الطباق، بأن ينادى فى جانبى مدينة السلام بالإفاضة بالعدل والإحسان، فى عموم الرعايا بالطول والامتنان، وكف كل يد عادية عن الظلم والعدوان، وإزالة ما أحدثه عمال السوء، ولبسوا فيه من الموّن والتقسيطات، والطروح والتأويلات، فليقبلوا هذه الرحمة العميمة، وليؤدوا حق هذه النعمة الجسيمة، ولتشكروا الله على ما منحكم به فى هذه الأيام التى هذا عنوان شريف مراحمه، ومبادئ عواطفه المقدسة ومكارمه؛ ثم أخلصوا الأدعية فى دوام دولته، والثبات على مفترض طاعته، وصلى الله على سيدنا محمد النبى وآله الطاهرين وسلامه».

стр. 3374

وقرئ بعد ذلك فى الأسواق، ونثر عليه الفضة والذهب، وارتفعت الأصوات بالأدعية. وفى يوم السبت ثالث عشر شوال وصل رسول الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، معزيا بالإمام الناصر، ومهنيا بالإمام الظاهر، وهو الوزير ضياء الدين أبو الفتح نصر بن الأثير الجزرى، وأدّى الرسالة بين يدى الوزير مؤيد الدين بن العلقمى، نسختها: «بسم الله الرحمن الرحيم، العبد يقوم بعذره قبل قوله، فإن هذا المقام مقام مهابة، لا تجد الخواطر فيه شبحا، فإذا بلغ البليغ جهده، كان قصاراه أن يسأل صفحا-ثم أشار بيده إلى الوزير مؤيد الدين يقول: إن كان لا يرضيك إلاّ محسنا ... فالمحسنون إذا لديك قليل عبد الديوان العزيز النبوى، لؤلؤ، يعزّى نفسه خاصة، والمسلمين كافة، بفقد من الإسلام له فاقد، ومن لم نشك الوحدة لمصليه إلاّ إلى واحد، وهو سيدنا ومولانا الإمام الناصر لدين الله، أمير المؤمنين، الذى التفت الأرض منه على سجى ثراها، ومسك عراها، ونادى سنّة العدل والإحسان كما أن الله يراها، فأى سحاب يصب عنها سبل مواهبه، وأى جبل حفت جنوبها لمزايلة مناكبه، لكن تلافى الله تعالى بقيام ولى عهده من بعده، سيدنا ومولانا الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، فعطف الله هذه النعمة على تلك البؤسى، وأنست من كلمها الذى لولاها لما كان يوسى. وفى الحى الميت الذى غيّب الثرى فلا أنت مغبون، ولا الدهر غابن، وما من أحد إلا فاستبدل عزاءه بهنائه، ورأى عمود الإسلام قائما بعد هدم بنائه، وعلم أن الدهر أذنب ثم اعتذر، وقال هذه الشمس طالعة إذ غيّب القمر، وأشبه لديه رتق هذا الفتق برتق فتق أبى بكر بعمر. وقد حضر العبد نائبا عن مرسله فى إعطاء صفقة يمينه وثمرة قلبه، أخذا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ﴾

стр. 3375

﴿أَيْدِيهِمْ»﴾ ولو حضر البيعة سعد لرأى مطلعها سعدا، ولم يجد من الدخول فيها بدّا، ولما غم فى قطيفته غما، ونأى عن دار قومه بعدا، فهى أخت بيعة الرضوان، دائمة الشرائط المشروطة وعقود الأيمان، والموكب الذى التجأه بين صفوته وعيانه، ومطية النجاة بين صهوة وعنان. وللسابق فى مثل هذا المقام فضيلة سبقه، كما أن للصادق مزية صدقه، وكلاهما مجموع لمرسل العبد فى الفوز بقصب المضمار، والذى إسراره كإعلانه، وقليلا ما يستوى حالتا الإعلان والإسرار. ولئن غاب عن الحضور بنفسه فهو فى عداد من حضر، والتعويل إنما هو على صدق النية التى أثرها هو الأثر. قال النبى ﷺ : «إن وراءكم قوما بالمدينة ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم». فليعول الديوان العزيز على القوى الأمين، وليضنّ به وإنما يضن بالضنين». وفيها توفى الملك الأفضل نور الدين على بن السلطان صلاح الدين. توفى بسميساط فجأة، فى شهر صفر. ونقل إلى حلب ودفن بها. وعمره يومئذ سبع وخمسين سنة. وملك بعده سميساط أخوه الملك المفضل قطب الدين موسى. ومن كتاب «جنى النحل»، قال صاحبه: حضرت يوما بمدينة سميساط، وملكها يومئذ الملك الأفضل نور الدين على بن السلطان صلاح الدين، وهو يعرض جيشه، وأنا جالس معه، فنظر إلى صبى تركى حسن الشباب، وهو لا بس الزّرد، فقال لى: قد قلت فى هذا شئ على البديهة، وأنشد: وذى قلب حديد ليس يقوى ... على هجرانه القلب الجليد تدرع للورى درعا فأضحى ... وظاهره وباطنه حديد ومن شعره أيضا: يا من يسّود شعره بخضابه ... لعساه من أهل الشبيبة يحصل ها فاختضب بسواد حظى لحظة ... ولك الأمان بأنه لا ينصل

стр. 3376

وله فى المعنى: أى صديق سألت عنه ففى ال ... خمول وتحت الذل فى الوطن وأى ضد سألت عنه ... سمعت ما لا تحبه أذنى ومن كتاب «جنى النحل» أيضا، قال: إن بمدينة الرّها باب من جملة أبواب المدينة، يعرف بباب إقساس، متى فسد عندهم الشراب وصار خلاّ يدخلون به من ذلك الباب، فيعود شرابا كأحسن مما كان. وقال إن الملك كيكاوس السلجوقى -المقدم ذكره مع رسول نور الدين الشهيد-قال: دخل إلينا إلى الروم فى وقت رجل ادعى أنه نبى، فقيل له: «ما علامة قولك وبيانه؟» قال: «أقيم اليوم والعشرة بغير أكل ولا شرب، وأظل عند ربى يطعمنى ويسقينى». فامتحنوه، وتركوه عشرة أيام بغير زاد ولا شراب فى بيت عريانا، ثم أخرجوه وهو كأصح ما يكون. فتعجب الناس منه، وتبعه قوم كثير، واعتقدوه. ثم إنه فتش فوجد معه خاتم فى أصبعه بوفق قد صنع، فانتزع منه الخاتم، فاستغاث الجوع العطش. وكان السر فى خاصيّة الخاتم. ومن ذلك أن الملك كيكاوس المذكور، كان قد حضر إليه ناصر الدين ابن أبى النجيب، وكان من الحكماء الكبار يعرف خواص الطلسمات، فأدناه منه وقربه إليه، حتى عاد يدخل على الحريم بطريق الطب. فهو يته حظية من حظايا السلطان المذكور، فوشى به للسلطان، وتحقق أمره. وحملت الجارية منه، فأمر السلطان بقتلها وقتله. فأما الجارية فإنها قتلت لوقتها، وأما ناصر الدين فإنه ضرب بالسيف فلم يعمل فيه شئ، ثم ضرب بالسكاكين فلم تعمل فيه. ورأى نفسه أنه يجد الألم ويعذب، ولا بد من موته، فأمرهم أن يأخذوا من شعره حرزا مشمعا صغيرا محروزا عليه. فلما أخذوه وقع لوقته ميتا. وكان ذلك الحرز يمنع السيف أن يعمل فيه، والله أعلم. وفيها توفى جعفر بن شمس الخلافة الشاعر، نسبته إلى الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش، المقدم ذكره فى دولة الفاطميين. وكان فاضلا أديبا شاعرا. وله تواليف وديوان شعر، فمن ذلك قوله:

стр. 3377

هى شدة يأتى الرخاء عقيبها ... وأسى يبشر بالسرور العاجل وإذا نظرت فإن يوما زائلا ... بالبؤس خير من نعيم زائل وله فى الوزير شكر: مدحتك ألسنة الأنام مخافة ... وتشاهدت لك بالثناء الأحسن أترى الزمان مؤخرا فى مدتى ... حتى أعيش إلى انطلاق الألسن وحكى عنه أنه أصابته ضائقة شديدة فى أيام السلطان الملك العادل أبو بكر ابن أيوب، فعمل قصيدة هجا بها الملك العادل وولده الكامل، أولها يقول: يا ظالما لقّب بالعادل ... ويا ناقصا لقّب بالكامل أهلكتما كل جميع الورى ... لا عشتما دهرا إلى قابل وهى طويلة، وفيها سب قبيح فى مثل تلك الملوك الحسان، أضربت عنها. وكتبها، وأتى بها إلى دار الوزارة بالقاهرة. قال: وأعطيتها إلى الطواشى صواب العادلى، وكان يومئذ أستادار السلطان، فجعلها فى جملة القصص، فدخل بها إليه فقرأها السلطان، وجعلها تحت فخذه إلى أن قام من مجلسه، وقد صار وقت الظهر، وخرج جميع الناس من بين يديه. فسير من كشف أمرى، فوجدنى جالسا أنتظر الجواب بما يكون، فاستدعانى، فدخلت عليه، فقال: «هذا نظمك؟». قلت: «نعم». قال: «فما حملك على هذا؟». فقلت: «الفقر والفاقة، إما تقتلنى فأستريح، وإما أن تشملنى صدقاتك». قال: فأمر لى بمائة دينار. فقلت: «ولا بد من مركوب». فأمر لى ببغلة. فخرجت من بين يديه. ثم خطر ببالى الزيادة. فقلت للطواشى: «أعدنى إليه». فشاور علىّ فدخلت عليه. فقلت: «لم يشملنى إنعام السلطان بقوت العائلة». فأمر لى بخمسين أردب قمح. قلت: «وعليق البغلة»، فأمر بعشرين أردب شعير. فخرجت، ثم قلت للطواشى: «أريد العودة إليه». فقال الطواشى: «أظنك مجنون، ورب الكعبة». فقلت: «لا بد من العود إليه». قال: فدخلت عليه ثالثة، فقلت: «لا بد من خلعة

стр. 3378

أكمد بها العدو، وأسر بها الصديق». فقال: «أما هذا فلا تسمع الناس أنك هجوتنا ونخلع عليك». قلت: «فليكن هذا الإنعام الذى تصدق به السلطان مقررا راتبا فى كل سنة». فقال: «أولا تعيش لذلك. لكن احضر لنا مسودة هذه القصيدة التى أحسنت فيها وتفضلت». فقلت: «ليس لها مسودة، إلا حفظى لها بلسانى». فقال: «قطعه الله». ثم خرجت من بين يديه وقبضت جميع ذلك. وهذا مما يعتد به من حلم الملك العادل، ﵀. وفيها فتح السلطان جلال الدين الخوارزمى مدينة تفليس. وهذه كرسى مملكة الكرج. وعجز عن فتحها سائر الملوك المتقدمة من آل سلجوق وغيرهم، من حيث غلبت عليها الكرج. وكان الكرج لما افتتحوها أبقوا من بها من المسلمين. فلما قوى سلطان جلال الدين وتتبع الكرج وقتلهم بكل مكان، طلب تفليس، وافتتحها عنوة بالسيف، بمساعدة من كان بها من المسلمين، وقتل جميع من كان فيها من الكرج. وفيها كانت الوقعة بين عسكر جلال الدين وبين عسكر الملك الأشرف موسى. وكانت النصرة لجماعة الأشرف، ومقدمهم حسام الدين على الحاجب.

стр. 3379

ذكر سنة ثلاث وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنى عشر أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، إلى أن توفى فى هذه السنة-حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه. والسلطان الملك الكامل بحاله. وكذلك الملوك إخوته-حسبما تقدم من ذكرهم. والسلطان جلال الدين سلطان الشرق، والحروب بينه وبين التتار سجال. وفى ربيع الآخر وصل القاضى محيى الدين بن الجوزى، والأمير سيف الدين ألب رسلان، رسلا من جهة الإمام الظاهر بأمر الله، ولقيهم السلطان الملك الكامل من القصير الذى بظاهر القاهرة، وضرب له مخيم، وجلسوا فيه، واجتمع الناس، وكان يوما مشهودا. وقرأ ابن الجوزى التقليد، وألبس السلطان الفرجية المذهبة، والجبة والعمامة السوداء، وطوق ذهب مرصع بالجواهر الثمينة. وقلد بسيف محلى مرصع، وعلم مذهب. وقدم له حجرة صفراء منعلة بذهب، وعدتها جميعها ذهب عين مصرى مرصع. وقومت الخلعة بعد ذلك بخمسين ألف دينار. وخلع على أولاده، الملك المسعود والملك الصالح، وقلدوا، ومنطقوا، وعلى جماعة من أعيان الدولة. وفى جمادى الآخرة زوّج السلطان الملك الكامل ابنته من ابن صاحب الروم. وفى سابع عشر شعبان خرج السلطان متوجها إلى الشام. ثم عاد إلى القاهرة، ولم يتعد بلبيس. وكانت عودته سابع وعشرين رمضان المعظم.

стр. 3380

وفيها توفى الإمام الظاهر بأمر الله. وعمل السلطان عزاءه فى بركة الحجاج، كما يأتى ذكر ذلك فى تاريخه، إن شاء الله تعالى. وفى سابع ذى القعدة سافر الملك المسعود أقسيس إلى اليمن، وودعه والده السلطان الملك الكامل إلى قلعة صدر، ثم توجه إلى ثغر الإسكندرية. وفيها وصل جمال الدين يوسف بن الجوزى رسولا إلى الملك المعظم صاحب الشام، يقول له عن الخليفة: «تخرج عن موافقة هذا الخارجى جلال الدين، ونحن نصلح بينك وبين إخوتك». وكان المعظم قد سير مملوكه إلى السلطان جلال الدين، فرحله عن تفليس، وأنزله على أخلاط. وكان الأشرف على حران، نازل بها. قال أبو المظفر-وكان ابن أخت الشيخ جمال الدين بن الجوزى-: قال لى المعظم: «قلت لخالك جمال الدين، إذا أنا رجعت عن جلال الدين الخوارزمى، وقصدنى إخوتى، تنجدونى أنتم؟. قال: نعم. فقلت: والله ما لكم عادة بنجدة أحد قبلى حتى تنجدونى أنا. هذه كتب الإمام الناصر عندى، ونحن على دمياط فى حرب الإفرنج، وهو الجهاد الأعظم المفترض على كل مسلم-دع أن يكون إمام المسلمين-ونحن نستصرخ به، ونقول: «واغوثاه! أنجدنا! أنجدنا! أدرك الإسلام!»، فيجئ الجواب بعد التوقف، أن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة فلم يقبلوا. ثم قلت له: مثلى معكم كمثل رجل شيخ كبير، كان يخرج وقت السحر ليصلى بالمسجد وفى يده عكاز، خوفا من الكلاب، فقال له بعض أصحابه: «أنت شيخ كبير تحمل هذا العكاز يتعبك حمله». فقال: «إنى أخشى الكلاب». فقال له الرجل: «كن اقرأ سورة يس، واخرج من بيتك، ما يقربك كلب». ثم رآه بعد مدة والعكاز فى يده، فقال: «ألم أعلمك شئ يريحك من حمل العكاز». فقال: «سورة يس أقرأها إذا لقينى كلب يعرف القرآن، وهذا العكاز لكلب لا يعرف القرآن». وأنا فقد اتفق إخوتى علىّ، وقد أنزلت

стр. 3381

جلال الدين الخوارزمى على أخلاط، فإن قصدنى الأشرف منعه الخوارزمى، وإن قصدنى الكامل كان فىّ-إن شاء الله-له». ثم وقع الصلح بين الأشرف والمعظم، وحضر الأشرف إلى دمشق، وسأل المعظم أن يرحّل الخوارزمى عن أخلاط، فكتب إليه ورحّله. ونزل الثلج، وأقام الأشرف عند المعظم بدمشق. وكان المعظم يلبس خلعة جلال الدين الخوارزمى، ويركب فرسه، ويحلف برأسه فى مجلس ملكه. وكان عند الأشرف من هذا الحال المقيم المقعد، وهو ساكت على مضض، ولا يتكلم. وكانت وفاة الإمام الظاهر بأمر الله يوم الجمعة ثالث عشر رجب الفرد من هذه السنة. وتولى الخلافة المستنصر بالله. توفى الظاهر بأمر الله وله من العمر ثلاث وخمسين سنة كان شبيه بأبيه، ذو طباع خيرة، جميل الذكر، وزيره مؤيد الدين بن العلقمى. قال ابن واصل فى تاريخه فى سيرة الظاهر بأمر الله: ولقد تباعد بينه وبين أبيه الناصر لدين الله تباعدا جدّا فى عدة أمور، منها مدة خلافته وقصرها عن طول خلافة أبيه. ومنها أنه كان فى غاية العدل والإحسان إلى الخلق. وكان أبوه بالضد مريد. ومنها أنه كان فى غاية التعصب لمذهب السنة، وكان أبوه فى غاية التعصب لمذهب الروافض. ومن كلامه يقول: «ليس غرضنا أن يقال يرد مرسوم أو تقدم مثال، ولا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال». مدة خلافته تسعة أشهر وأربع عشر يوما. ذكر خلافة الإمام المستنصر بالله بن الإمام الظاهر بأمر الله هو أبو جعفر المنصور بن محمد الظاهر بأمر الله، وباقى نسبه قد تقدم. أمه أم ولد، يقال إن اسمها غريب. بويع له عند وفاة أبيه-﵀-فكانت خلافته سبع عشرة

стр. 3382

سنة، إلى أن توفى فى تاريخ ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى. قال تاج الدين ابن الساعى-﵀-فى تاريخه: حضرت مبايعة المستنصر بالله-وقيل المستظهر بالله-وقد حضر أهل العقد والحل من القضاة والعلماء والفقهاء والوزراء والأمراء. ولما رفعت الستارة، شاهدته وقد كمّل الله صورته ومعناه، وحسّن باطنه وظاهره ومحيّاه. قال: فخطر لى فى الحال أبيات الحسن بن هانئ، وهى: رفع الحجاب لنا فبان الناظر ... قمر تقطع دونه الأوهام ملك أغر إذا شرفت بوجهه ... لم يروك التبجيل والإعظام والدهر مشتمل بنور خليفة ... لبس الشباب بعدله الإسلام داوى بها الله القلوب من الجوى ... حتى شرعن وما بهن سقام

стр. 3383

ذكر سنة أربع وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير مؤيد الدين بن العلقمى. وسلطان مصر الملك الكامل ناصر الدنيا والدين محمد بن السلطان الملك العادل. وصاحب دمشق والكرك وعجلون-مع الشام-الملك المعظم عيسى بن العادل. وصاحب الشرق-أخلاط وحران والرّها وسنجار-الملك الأشرف أخوهما. وصاحب ميافارقين وأعمالها شهاب الدين غازى بن الملك العادل أيضا. وصاحب قلعة جعبر وأعمالها-وما ينسب إليها-الحافظ أرسلان شاه. وصاحب بصرى وأعمالها-وما هو منسوب إليها-الصالح إسماعيل أبو الخيش. وسلطان الروم علاء الدين كيقباذ السلجوقى بن كيخسرو السلجوقى. وصاحب الموصل وجزيرة ابن عمر الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ النورى. وسلطان العجم جلال الدين منكبرتى بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه. وصاحب بعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن أيوب. وصاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شير كوه. وصاحب حماه الملك الناصر بن الملك المنصور، المقدم ذكره. وملك التتار جكزخان، وهو يتجهز الجيوش لحرب جلال الدين. وصاحب اليمن والحجاز الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل. وصاحب المغرب أبو يعقوب بن عبد المؤمن، المقدم ذكره فيه. وفيها وسّع السلطان الملك الكامل على جميع المدارس، وجميع الرباطات والخوانق. وجعل فيهم سماطات تمد، وأطلق لكل فقيه الخبز واللحم والحلوى والسكر.

стр. 3384

وفى شهر شوال من هذه السنة كان طهور الملك العادل بن السلطان الملك الكامل. وركب السلطان وجميع العسكر، ومدّ سماطا عظيما بالميدان الذى تحت القلعة. ثم توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية فى ذى القعدة. وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الإفرنج على الملك المعظم صاحب الشام، بعد اجتماعه بالملك الكامل، بطلب الفتوح الصلاحى. قال أبو المظفر: وأغلظ له المعظم فى الجواب، وقال: «قل لصاحبك ما أنا مثل الغير ما له عندى إلا السيف». وفيها كانت الوقعة بين التتار وبين السلطان جلال الدين. وكان أولاد جلال الدين وحريمه بتبريز. وبلغه أن التتار قاصدين أصبهان، فخشى على أولاده وحريمه، وقصد ردهم عن مقصدهم، فوصل إلى أصبهان، وأزاح أعداد الناس من العدد والسلاح. ثم جرد أربعة آلاف فارس إلى مدينة الرىّ ودامغان برسم الترك الذين هناك، فكانت الأخبار تصل من جهتهم يوما بعد يوم، وهم يتأخرون، والتتار يتقدمون، إلى أن وصلوا إلى عند السلطان جلال الدين، وأخبروه بذلك، وعرفوه بما فى عسكر التتار من الفرسان والشجعان، مثل ياجى نوين، واسطمغان، وجنكز نوين، وأرشاق بغان، وغيرهم. وهؤلاء المذكورين كانوا جمرة التتار الوقادة، وصاعقتهم المحرقة. ثم وصل التتار المذكورون فى جموع كثيفة، ونزلوا شرقى أصبهان. وكان المنجمون قد أشاروا على السلطان جلال الدين بمصابرتهم ثلاثة أيام، بعد نزولهم، ويكون الملتقى فى اليوم الرابع. فلزم البلد يترقب مضى

стр. 3385

الثلاثة أيام. وكان الناس اضطربوا اضطرابا عظيما، وكثر انزعاجهم من التتار، والسلطان يظهر قوة النفس، وشدة البأس. ثم إنه استحلف جيوشه أنهم يختارون الموت على الحياة، ولا يولون الأدبار، ثم حلف هو أيضا كذلك، تبرعا منه وإحسان. ثم إنه عيّن لهم يوم المصاف، وأحضر قاضى أصبهان ورؤساءهم، وأعرض الرجال من عامة أصبهان، وفرّق عليهم العدد. وهؤلاء أهل أصبهان لا يقاسون بغيرهم من أهل الأقاليم، لما فيهم من الشجاعة والشدة وقوة البأس. ولما رأى التتار أن السلطان أبطأ عنهم، وتقاعد عن خروجه إليهم، ظنوا أنه امتلأ منهم رعبا وخوفا، فجردوا ألفى فارس منهم إلى الجبال، ليجمعوا لهم ما يمونهم للحصار، فدخلوا الجبال التى فى أعمال أصبهان. فبلغ السلطان جلال الدين ذلك، فجرد خلفهم ثلاثة آلاف فارس، يأخذون عليهم فم المضيق. فلما انصرفوا من المغارة، واقعوهم. ونصر الله الطائفة الإسلامية عليهم، وقتلوا منهم جماعة، وأحضروا منهم أسرى، فسلموا منهم جماعة للقاضى، فقتلوهم فى شوارع المدينة، وضرب السلطان رقاب بقيتهم بين يديه فى صحن الدار، وجروهم إلى ظاهر المدينة. فلما كان اليوم الرّابع خرج السلطان، ورتّب الجيوش للمصافّ. فلما تراءى الجمعان، خذله غياث الدين أخوه، وفارقه بجيشه، وتبعه جهان بهلوان، لوحشة حدثت فى تلك الساعة. وتغافل السلطان عنه. وامتدّت عساكره، ووقف التتار أطلابا متفرقة مترادفة قبال السّلطان. وكان عسكره أضعاف التتار، وتباعد ما بين الميمنة والميسرة، حتى عاد لا يعرف حال الواحدة من الأخرى. ثم حملت ميمنة السلطان على ميسرة التتار، فشالوها شيلا، وانهزمت التتار بين أيديهم، وكذلك فعلت الميسرة بميمنة التتار. ولم يزل السيف يعمل فيهم إلى المساء. ورأى السلطان انهزام التتار، فترجل وسجد شكرا لله تعالى، ونزل على حافة جرف كان فى المعركة قاطع بينه وبين العدو،

стр. 3386

فأتاه أحد أمرائه، وقال: «قد تمنينا دهرا أن نرزق يوما نفرح فيه مثل هذا اليوم. وأنت جالس!». ولم يزل به حتى ركب، وقطع النهر، وكان آخر النهار. فلما شاهد التتار السواد الأعظم، تجرد جماعة من شجعانهم، وكمنوا لهم وقد أجنحت الشمس للغروب. ثم خرجوا على السلطان يدا واحدة، كالنار المحرقة، والصاعقة المبرقة. وكان خروجهم على ميسرة السلطان، فلم يكن بأسرع أن زالت الأقدام وانهزموا. ولم يبق مع السلطان غير ثلاثة نفر، وهم: كوج تكين، وبهلوان، وخان بردى. وقتل من الأمراء أياخان، وكندكين. وماج الفريقان بعضهم فى بعض كالجراد المنتشر. وأسر فى ذلك الوقت علاء الدولة والحاجب الكبير. وثبت السلطان جلال الدين فى القلب، وقد تبدد شمله، وانحل نظامه، وتفرقت جيوشه وأعلامه، وأحاطت التتار به من كل جهة، فصار المخلص من تزاحم الأخلاط أضيق من سم الخياط. ولم يبق معه غير أربعة عشر نفر من خواص مماليكه، فانهزم بعد ذلك وقد طعن طعنة ما سلم منها إلا بحراسة الأقدار وتحصين الأجل. ثم أفرج له المضيق عن سعة الطريق، فمرق من بين الجيوش والأطلاب مروق السهم والنشاب. وتفرقت جيوشه فى الأقطار كل فرقة تطلب إقليما للنجاة، فمنهم من وقع إلى فارس، ومنهم من امتدت به الجفلة إلى كرمان، ومنهم من قصد أذربيجان، ومنهم من دخل أصبهان. وعادت ميمنة السلطان بعد يومين وهم يظنوا أنهم منصورون. والتتار أيضا أكثرهم انهزم، ولا رجع إلا بعد مدة. فلم يسمع بمثلها وقعة لانهزام الفريقين. وهمت عامة أصبهان أن يمدوا الأيدى إلى عورات نساء الخوارزمية وإلى أموالهم، فمنعهم القاضى والرئيس من ذلك. وكان هذا المصافّ فى الثانى والعشرين من شهر

стр. 3387

رمضان المعظم من هذه السنة. ثم إن السلطان جلال الدين دخل أصبهان ونجا إليها متحصنا فلم يبلغوا فيها أرب، فتوجهوا إلى خراسان، فوجدوا قافلة فيها جماعة من التجار بأموال جمة، فأخذوها وأطلقوا التجار من غير قتل، وقاموا يخربون ويأسرون من وجدوه. وفيها توفى الملك المعظم عيسى صاحب دمشق-كما يأتى ذكره فى تاريخه. وبعد هذه الوقعة جهز جكزخان طائفة من التتار إلى خوارزم. وكان أهل خوارزم رجال شجعان لا يعرفون الموت، فنزل التتار عليها، وأقاموا بقية هذه السنة يحاصرونها، وقتل من الفريقين عالم عظيم. وكان القتل فى التتار أعم وأكثر. وأقاموا عليها خمسة أشهر. فلما عجزوا عن أخذها بعثوا إلى جكزخان، فأنجدهم بعسكر كثيف، وفيهم من أهل البلدان عالم عظيم. ثم إنهم زحفوا على البلد يدا واحدة فأخذوها، وقتلوا جميع من كان بها، ونهبوها. وفتحوا الجسر الذى كان يحجب جيحون عنها، فغرقت. وتوفى الملك المعظم شرف الدين عيسى-﵀-فى شهر ذى القعدة من هذه السنة، وله من العمر على ما ذكر سبع وأربعين سنة. وكانت مدة ملكه لدمشق-استقلالا بعد أبيه العادل-تسع سنين وشهورا. وكان ﵀ ملكا جليلا شجاعا مقداما. وكانت مملكته ما بين حمص وعريش مصر. وكان عسكره قريب أربعة آلاف فارس، ولم يكن عند أحد من إخوته جند مثلهم فى فرط تجملهم وحسن زيهم. وكان بهذا العسكر القليل يقاوم إخوته. وكان الملك الكامل يخافه ويتحاماه لميل عسكره إليه ومحبتهم له. وكان كثير التواضع جدّا يمشى وحده بغير طرادين، إذا فعل فعلا كان بغير تكلف حتى ضرب به المثل فيقال: معظمى بلا كلفة.

стр. 3388

وكان شيخه فى الفقه الشيخ جمال الدين الحصرى. وكان سائر ملوك بنى أيوب كلهم شافعية، وانفرد هو من بينهم بالانتماء إلى مذهب أبى حنيفة. وقال له والده ذات يوم فى ذلك ولامه، فقال لأبيه على سبيل المداعبة: «ياخوند ما ترضون أن يكون فيكم رجل واحد مسلم».

стр. 3389

ذكر سنة خمس وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم خمسة أذرع وتسعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا، وعشرون أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والملوك حسبما تقدم من ذكرهم فى السنة التى قبلها. وفى يوم الأحد تاسع عشر شعبان، سافر السلطان الملك الكامل إلى الشام، واستناب ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وركب بالسناجق والسيوف المجدية فى دست المملكة، فى يوم الخميس سلخ شعبان المكرم. وفى عشية السبت حادى عشرين شوال، سافر الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وصحبته رسول الأنبرور ملك الفرنج. هذا والسلطان الملك الكامل مخيّم على تل العجول. وفيها كانت وقعة السلطان جلال الدين مع التتار. وذلك أن التتار لما فرغ أمرهم من خوارزم، تجهز منهم جيش عظيم إلى غزنة، وقد كان السلطان جلال الدين انتقل من أصبهان إليها، واجتمع إليه الجيوش بها. فلما وصل التتار إليه، خرج فى ستين ألفا ممن اجتمع إليه من مماليكه وخواصه، وممن يعتمد عليه. وكانت عدة التتار الواصلين إليه عشرون ألفا، فالتقاهم بأرض تعرف بتلف، وهى أرض وطئة فاقتتلوا هناك قتالا شديدا مدة ثلاثة أيام. ونصر الله الإسلام على الكفرة اللئام، عبّاد التماثيل والأصنام، وانكسرت التتار، وقتل منهم فى هذه النوبة جماعة

стр. 3390

من الكبار. وعاد المنهزمون إلى جكزخان، وهو نازل على طالقان. فعند ذلك جهز ولده توسيخان-وقيل بل تولوخان-بعساكر كثيفة من المغل من عظم ألب قرا أرسلان، فوصلوا إلى كابل وهى بلد العجم. وتوجه إليهم السلطان جلال الدين وضرب معهم مصافا عظيما، واقتتلوا أشد قتال. ثم إن السلطان جلال الدين حمل بنفسه على القلب الذى كان فيه تولوخان بن جكزخان، فبدد شمل القلب، وقتل تولوخان فى هذه النوبة، وانكسرت التتار كسرة عظيمة، لم يكسروا مثلها من قبل ذلك اليوم، وغنم المسلمون أموالهم وخيولهم. وكانت نوبة عظيمة على التتار، لم يمرّ بهم منذ خرجوا من بلادهم أشنع منها. ثم اختلف المسلمون وتفرقت كلمتهم. وسبب ذلك أنه كان من ملوك المسلمين فى جيش السلطان جلال الدين ملك يعرف ببلغاق، وكان تركيا شجاعا مقداما فى الحروب، وله مع التتار عدة وقعات ينتصر فيها عليهم. وكان قد فعل فى هذه النوبة فى التتار ما لا تفعله الجبابرة الجاهلية الأولون. وكان فى المسلمين أيضا ملكا آخر كبير القدر يقال له ملك خان. وكان بينه وبين السلطان جلال الدين حشائف قديمة، فإنه كان صاحب هراة وملكها، فأخرجه جلال الدين منها، وصار فى جملة جيشه. فاختلف هذان الملكان لأمر يريده الله تعالى، ولسعادة التتار على كسب كان من التتار. وقوى الأمر والشر بينهما حتى اقتتلا، وقتل بينهما جماعة كبيرة. وقتل فى الجملة أراق أخو الملك بلغاق التركى. وعجز السلطان جلال الدين أن يوقف بينهما، وقال: «بلغاق يقتل أخى على سحت الدنيا»، وغضب وفارق جلال الدين، وسار إلى الهند فى ثلاثين ألف فارس، فأضعف المسلمين. فركب السلطان جلال الدين واسترضاه بكل ما أمكنه، فلم يقدر على رده، وفارقه. ووردت الأخبار

стр. 3391

على جلال الدين أن جكز خان لما بلغه قتل ولده تولوخان، رمى سرقوجه إلى الأرض، وركب بنفسه فى سائر جموع التتار، وقصد نحوه فى خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. فلما علم جلال الدين ذلك، وتحقق ضعفه عن ملتقاه، سار إلى نحو ماء السند، وكانت الوقعة العظيمة بينهما. وانكسر فيها جلال الدين وغاب فيها خبره. أجمعت الرواة من أرباب التواريخ أن السلطان جلال الدين ضرب مع التتار فى مدة ستة عشر سنة أربعة عشر وقعة، لم ينكسر فيها غير مرتين، والثالثة التى عدم فيها، حسبما يأتى من ذكرها إن شاء الله تعالى.

стр. 3392

ذكر سنة ست وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل مخيم بتل العجول. والملك الصالح نجم الدين أيوب نائبا عن أبيه بالديار المصرية، وولده الملك العادل يوقع فى الأموال. وفى شهر المحرم كانت المراسلة بين السلطان الملك الكامل وبين الأنبرور. قال ابن واصل: اسمه الأنبرطور وتفسيره بالعربى ملك الأمراء، ومملكته جزيرة صقلية، ومن البر الطويل بلاد أنبولية والأنبردية، ملك الإفرنج. وفى شهر صفر وصل صاحب حمص إلى خدمة الملك الكامل، بتل العجول. وفى شهر ربيع الأول تقرر الصلح بين السلطان الملك الكامل وبين الأنبرور ملك الإفرنج، وتسلم القدس الشريف-حسبما يأتى من ذكر ذلك-وشرط أن يكون فى المسجد الأقصى الخطيب والإمام والمؤذن، ويقام فيه الجمعة والصلوات الخمس فى كل يوم. وكان لما توفى الملك المعظم، ﵀، وقام بالملك بدمشق الملك الناصر داود ولده، بعث الفخر بن بصاقة إلى الملك الأشرف عمه يستدعيه إليه خوفا من الكامل. وكان الأمير عز الدين أيبك أستادار-المعروف بصاحب صرخد، جدنا-قال للناصر داود-لما جلس-بطريق النصيحة: «دارى عمك الكامل واستعطفه، ولا تبعث إلى الأشرف، وداوى الأخطر». فخالفه فى ذلك، وحضر الأشرف، ونزل بستانه، وقال للناصر: «أنا أمضى إلى الكامل وأصلح حالك معه». وحضر الأشرف فوجد الكامل قد أعطى الأنبرور القدس، فشق عليه ذلك أمر عظيم،

стр. 3393

وعتب الملك الكامل فى ذلك، فقال: «ما أحوجنى إلى ذلك إلا المعظّم، فإنه أعطى الأنبرور من الأردن إلى البحر، والضياع التى من باب القدس إلى يافا، فاحتجت أنا أن أعطيه القدس أيضا». ووصلت الأخبار إلى سائر بلاد الإسلام أن الملك الكامل أعطى القدس للإفرنج، فقامت الدنيا على ساق واحد، وعظم ذلك على سائر المسلمين، وأقاموا المآتم. وكان الملك الناصر داود منحرفا عن الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، فتركه وقدم على السلطان الملك الكامل وهو على تل العجول. وكان عزمه العود إلى مصر. فلما أتاه الأمير عز الدين أيبك المشار إليه، قال: «قد جاءنى مفتاح الشام» وأقبل عليه، وأعطاه عشرة آلاف دينار. وجمع رأيه على السّير إلى دمشق، فتوجه إليها، واحتاطت العساكر بها من كل جهة. وقبض الناصر على الفخر بن بصاقة وابن عمه، ورماهما فى الجب. وكان قد اتهم الفخر بالأشرف، وأنه واطأ على الملك الناصر. وفيها دخل الأنبرور ملك الفرنج إلى القدس الشريف، وجرى له فيها عجائب، منها أنه لما دخل الصخرة رأى قسيسا جالسا عند الصخرة عند القدم، يأخذ من الفرنج القراطيس، فجاء إليه كأنه يطلب منه الدعاء، ثم لكمه رماه إلى الأرض، وقال له: «يا خنزير، السلطان قد تصدق علينا بزيارة هذا المكان، وتفعلوا فيه هذه الأفاعيل القباح! إن عاد منكم أحد إلى هذا الفعل قتلته». قال أبو المظفر: حكى لى قوّام الصخرة، قال: نظروا إلى الكتابة التى على الصخرة، وهى: «طهر هذا البيت المقدس صلاح الدين من المشركين». فقال: «ومن هم المشركين؟». ثم قال للقوّام: «ما هذه الشبابيك التى على أبواب الصخرة؟» قالوا: «تمنع العصافير». فقال: «قد أتى الله إليكم بالخنازير». وقالوا عنه أيضا: ولما أتى وقت الظهر أذّن المؤذنون، فقام هو ومن كان معه من جماعته، فصلوا. وكان معلمه الذى أتى معه

стр. 3394

من صقلّية، يقرأ عليه المنطق، وقيل إنه كان مسلما فى الباطن. وكان الأنبرور من صفته أنه أشقر، أمعط، أعمش، لو كان عبدا ما ساوى سبعين درهما. وقيل إنه كان دهريا، وإنما كان يتلاعب بالنصرانية. قال أبو المظفر: وكان السلطان الملك الكامل قد أمر القاضى شمس الدين قاضى نابلس بأن يقول للمؤذنين-ما دام الأنبرور فى القدس-لا يصعدوا المنابر، وإنما يؤذنون فى الحرم. فسها القاضى عن ذلك، ولم يقل للمؤذنين شيئا. فصعد فى تلك الليلة عبد الكريم المؤذن-وكان حسن الصوت لذيذ النغمة-وسبّح وقت السحر، وجعل يقرأ الآيات المختصة بالنصارى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ»﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ»﴾، وما أشبه ذلك من الآيات الشريفة. فلما طلع الفجر أذّن ونزل، فاستدعاه القاضى وقال: «يا عبد الكريم ماذا الذى صنعت؟ السلطان رسم بكيت وكيت». فقال: «ما عرفتنى بشئ. والتوبة». فلما كانت الليلة الثانية لم يصعد عبد الكريم المئذنة، ولا تكلم. فلما كان باكر النهار، طلب الأنبرور القاضى، وقال: «يا قاضى أين ذاك الذى كان البارحة وذكر ذلك الكلام الحسن؟». فقال: القاضى: «مرسوم السلطان لنا بكيت وكيت». وعرفه ما وقع من السهو فى ذلك. فقال الأنبرور: «لقد أخطأ يا قاضى. تغيرون أنتم شعائركم وشرعكم ودينكم لأجلى؟. فلو كنتم عندى فى بلادى كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟ الله لله لا تفعلون ذلك». ثم إنه فرق على القوام والمؤذنين والمجاورين جملة كبيرة، وطلب عبد الكريم المؤذن وأعطاه مائة دينار. ولم يقم بالقدس غير ليلتين، وعاد إلى يافا، وخاف من الديوية، فإنهم أرادوا قتله.

стр. 3395

قال ابن واصل فى تاريخه: أن لما تسلم الأنبرطور القدس الشريف رسم الملك الناصر داود لشمس الدين سبط الشيخ جمال الدين بن الجوزى أنه يصعد المنبر ويعزى الناس على عهد الكامل بسبب تسليمه القدس للفرنج، ليجتمع الناس على معاضدة الناصر داود على عمه الملك الكامل. قال: فصعد وجلس للوعظ، وذكر مناقب صلاح الدين فى تطهيره للقدس الشريف من الفرنج، ولوّح بما صار إليه فى ذلك الوقت وأنشد قصيدة، منها يقول: على قبة المعراج والصخرة التى ... تفاخر ما فى الأرض من صخرات مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات قال: فلم ير ذلك اليوم إلا باك وباكية. وفيها اشتد الحصار على دمشق وألجأت الضرورة أن الناصر داود خرج الى عمه السلطان الملك الكامل، وأعطاه الكرك وعجلون والصلت ونابلس والقدس وقلعة الخليل، صلوات الله عليه، وأخذ منه الشوبك. وتسلم السلطان الكامل دمشق فى شهر ربيع الأول من هذه السنة. ثم سار السلطان إلى مدينة حماه وانتزعها من الناصر قليج أرسلان، وأعطاها لأخيه الملك المظفر تقى الدين محمود، وهو شقيق الناصر قليج أرسلان، وهما أبناء أخت السلطان الملك الكامل، ولدى الملك المنصور محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وفيها توجه الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبو بكر ابن أيوب إلى الكرك، وأقام الأشرف موسى بدمشق، وملكها له أخوه، فدخل عليه ابن عنين الشاعر وامتدحه. فلم يتفق عنده كما كان عند المعظم. وكان

стр. 3396

ابن عنين هجاء خبيث اللسان، فشرع يفعل عنده ما كان يفعله فى مجالس المعظم، فنهره الأشرف، فخرج من عنده مكسورا فقال: وكنا نرجّى بعد عيسى محمدا ... لينقذنا من شدة الضّرّ والبلوى فأوقعنا فى تيه موسى كما ترى ... حيارى فلا منّ لديه ولا سلوى فبلغ الأشرف، فغضب، وأمر بقطع لسانه. فدخل عليه جماعة، فحلف لا بد من قطع لسانه، فحلفوا له أنه لم يقل هذا، وإنما الأعداء تقوّلوا عليه. فقال الأشرف: «هذا ما يسلم أحد من خبث لسانه، ولا بد من قطعه». فهرب ابن عنين إلى بلاده بزرع وحوران، وتغافل الأشرف عنه. وفى أول شهر ذى القعدة راسل السلطان جلال الدين الإمام المستنصر بالله، وسأله أن ينعم عليه بلباس الفتوة. وذلك أن جلال الدين كان قد قصد مشهد الإمام على رضى الله عنه. وكان نقيب الفتوة يومئذ الجلال عبد الله بن المختار، فاجتمع به ورغبه فى ذلك. فأجاب الخليفة سؤاله، ووكل الإمام المستنصر بالله فخر الدين أبا طالب أحمد ابن الدامغانى فى الفتوة، ونفّذ معه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ. وسيّر معهما التشاريف والخلع، وأصحبهما بالأمير سعد الدين بن الحاجب على، فوصلوا إلى السلطان جلال الدين وهو على أخلاط محاصرا لها، فألبسوه الفتوة وتشاريف الخلافة، ودخل تحت الطاعة. وفيها قصد ملك بكران وبلاد سيف، البحر وركبه، وقصد جزيرة

стр. 3397

قيس التى تعرف بكيش، وكان فى جمع كثير من المقاتلين، ونازلها، وملكها، وغنم منها أموالا عظيمة، ما لا يقع عليه الحصر. وولى عليها رجلا من خاصته؛ ورحل عنها. وفيها توفى الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل صاحب اليمن. وكان لما بلغه موت عمه الملك المعظم فى سنة خمس وعشرين طمع فى الشام، وفعل أقبح فعل، لم يسبقه إليه أحد من الملوك. وذلك أنه نادى فى بلاد اليمن فى جميع التجّار: «من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز ليأمن من الحقوق الموجبة عليه». فجاءت التجار من الهند والسند بأموال الدنيا، من كل صنف عجيب. فلما تكاملت التجار فى زبيد، أمرهم أن يكتبوا له سائر ما معهم، وقال: «إنما القصد حمايتكم من الزكاة بالديار المصرية». فكتبوا له جميع ما معهم، فصار يكتب لكل تاجر رأس ماله، وأخذ الباقى باليد عسفا، فأجمعوا التجار رأيهم، واجتمعوا ببابه، واستصرخوا، وقالوا: «نحن قوم من بلاد شتى، ولنا سنين عن أهالينا، فكيف تأخذ أموالنا؟»، فلم يلتفت إليهم. قال أبو المظفر: بلغنى أن كان ثقله فى خمسمائة مركب، ومعه ألف وسبعمائة خادم، ومائة قنطار عنبر خام، ومائة قنطار عود قاقلى، ونوافج مسك، وبرانى مسك، ومائة ألف ثوب حرير، ومائة صندوق من الجواهر والأموال. ثم ركب الطريق إلى مكة-شرفها الله تعالى-فمرض فى الطريق مرضا شديدا، فما دخل مكة إلا وقد انفلج، ويبست يداه ورجلاه، ورأى فى نفسه العبر. فلما احتضر، بعث إلى رجل مغربى من المجاورين بمكة، وقال له: «والله ما أرضى لنفسى من جميع ما معى كفنا أتكفن فيه، فعسى تتصدق علىّ بكفن». فأرسل إليه نصفيتين ومائتى درهم، ودفن فى المعلى. وقيل: إن الهواء ضرب بعض المراكب، فعادت إلى زبيد، فأخذوها أصحابها.

стр. 3398

قال أبو المظفر: وسر الملك الكامل بموته. ولما حضر خازنه إلى بين يديه، ما سأله كيف مات، بل قال: «كم معك من المال والتحف». وكان هذا الملك المسعود أقسيس، رجل مجنون، عديم الدين، وفعل فى الحرم الشريف قبل ذلك أفعالا قبيحة، من جملتها أنه كان يرمى الطيور التى فى الحرم بالبندق فى وسط الحرم الشريف، مع أشياء لا يطاق سماعها، فعوقب، ولم يمهل. فنعوذ بالله من الاعتقاد الفاسد، والتجاسر على المحارم، والتعرض إلى ما نهى عنه، والتخلى عما أمرنا به. ونسأله العافية فى الدين والدنيا والآخرة.

стр. 3399

ذكر سنة سبع وعشرين وستمائة النيل المبارك فى هذه السنة الماء القديم ذراعان فقط. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والملوك حسبما ذكرناه فى السنة الخالية من ممالكهم، كل منهم بحاله. وفيها ملك السلطان جلال الدين أخلاط، وفيها إخوة السلطان الملك الكامل فخر الدين وتقى الدين، مع أهل الملك الأشرف، بعد حصار شديد. وأكل أهلها الميتة، وأبيعت قطعة من جلد بألف درهم. وكانت مدة إقامته عليها عشرة أشهر، ثم دخلها بالسيف عنوة ونهبها، وأسر الملكين، والكرجية زوجة الأشرف، ودخل بها من ليلته. هذا والسلطان الملك الكامل كان بحران، ثم إنه نزل الرقة، وبلغه خبر أخذ أخلاط فيها. وبلغ الملك الأشرف ذلك وهو بدمشق، فخرج على وجهه حتى أتى الرقة. وكتب صاحب الروم الملك كيقباذ إلى الملك الأشرف يقول: «تحضر إلى عندى لنتفق على هذا الذى أخرب البلاد وأهلك العباد، فعندى المال والرجال». فشاور الأشرف الكامل على ذلك، فقال: «مصلحة». ورجع الملك الكامل قاطعا الفرات فى سبعة آلاف فارس، طالبا إلى ديار مصر. وسار الأشرف إلى حران فى سبع مائة فارس، وعدوه السلطان جلال الدين خوارزم شاه. فأقام بحران، وكتب إلى حلب وإلى الموصل والجزيرة، فجاءته العساكر. ورحل يريد الروم وصحبته أخويه شهاب الدين غازى والملك العزيز عثمان، وكذلك الملك الجواد وشمس الدين

стр. 3400

صواب، وبقية الأمراء الكبار. ووصل إلى الروم واجتمع بصاحبه الملك كيقباذ. قال أبو المظفر: حكى لى الأمير عماد الدين بن موسك، قال: لما وصلنا إلى الروم، خرج إلينا عسكر أرزنكان فى اثنى عشر ألف فارس، فكان نجدة لنا. ونزلوا فى مرج يستريحون، وقد أرموا سلاحهم، وأطلقوا خيولهم للمرعى. فمرّ بهم الخوارزمى-وهو السلطان جلال الدين-ولم يعلموا به، فهجم عليهم فقتلهم وأسرهم، ولم ينج منهم إلاّ القليل. وضعفت قلوب الناس لذلك. قال: وأقمنا مكاننا إلى عشية يوم الخميس، فوصل قاصدنا، وأخبر أن العدو يخرج علينا صباح يوم الجمعة. قال: فرتبنا العساكر والشاليش فى الأول، ثم العرب، ثم الحلبيين، ثم شمس الدين صواب، ثم الملك الجواد، ثم العزيز عثمان وشهاب الدين غازى. ثم تبعنا أطلاب الروم، وكيقباذ فى الطلب الخاص، والملك الأشرف فى الطلب الخاص أيضا. قال: وكنا فى أرض وعرة، فخرجنا إلى أرض سهلة وطئة، وإذا بطلائع جلال الدين الخوارزمى وقد طلعت. قال: فالتقوهم العرب وكسروهم، وأخذوا منهم مائة فارس، وقتلوا مائة أخرى. ولم يتقدموا إلينا، ونزلوا ونزلنا، وبيننا وبينهم جبل عظيم. وخفنا خوفا عظيما. وليس معنا ماء ولا زاد ولا علف لدوابنا. فقال الأشرف: «أين المفر؟». فلما كان وقت السحر-قبل طلوع الشمس-أمر جلال الدين الخوارزمى لمن بقى من عسكر أرزنكان فكانوا كيف وخمسمائة نفر، فضرب رقابهم. فلما كان بكرة يوم السبت ثامن شهر رمضان المعظم، قطعوا إلينا الوادى، ووقف الخوارزمى على رأس الجبل، وسنجقه فى الوادى. ووقع القتال، فأرسل الله تعالى ضبابا، فلم ير أحد كفه، ووقعت الكسرة على جلال الدين الخوارزمى وجيشه، ونصرنا الله عليهم، وولوا منهزمين، ووقع بعضهم
следующие страницы →