Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
ابن عنين هجاء خبيث اللسان، فشرع يفعل عنده ما كان يفعله فى مجالس المعظم، فنهره الأشرف، فخرج من عنده مكسورا فقال:
وكنا نرجّى بعد عيسى محمدا ... لينقذنا من شدة الضّرّ والبلوى
فأوقعنا فى تيه موسى كما ترى ... حيارى فلا منّ لديه ولا سلوى
فبلغ الأشرف، فغضب، وأمر بقطع لسانه. فدخل عليه جماعة، فحلف لا بد من قطع لسانه، فحلفوا له أنه لم يقل هذا، وإنما الأعداء تقوّلوا عليه. فقال الأشرف:
«هذا ما يسلم أحد من خبث لسانه، ولا بد من قطعه». فهرب ابن عنين إلى بلاده بزرع وحوران، وتغافل الأشرف عنه.
وفى أول شهر ذى القعدة راسل السلطان جلال الدين الإمام المستنصر بالله، وسأله أن ينعم عليه بلباس الفتوة. وذلك أن جلال الدين كان قد قصد مشهد الإمام على رضى الله عنه. وكان نقيب الفتوة يومئذ الجلال عبد الله بن المختار، فاجتمع به ورغبه فى ذلك. فأجاب الخليفة سؤاله، ووكل الإمام المستنصر بالله فخر الدين أبا طالب أحمد ابن الدامغانى فى الفتوة، ونفّذ معه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ.
وسيّر معهما التشاريف والخلع، وأصحبهما بالأمير سعد الدين بن الحاجب على، فوصلوا إلى السلطان جلال الدين وهو على أخلاط محاصرا لها، فألبسوه الفتوة وتشاريف الخلافة، ودخل تحت الطاعة.
وفيها قصد ملك بكران وبلاد سيف، البحر وركبه، وقصد جزيرة
стр. 3397
قيس التى تعرف بكيش، وكان فى جمع كثير من المقاتلين، ونازلها، وملكها، وغنم منها أموالا عظيمة، ما لا يقع عليه الحصر. وولى عليها رجلا من خاصته؛ ورحل عنها.
وفيها توفى الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل صاحب اليمن.
وكان لما بلغه موت عمه الملك المعظم فى سنة خمس وعشرين طمع فى الشام، وفعل أقبح فعل، لم يسبقه إليه أحد من الملوك. وذلك أنه نادى فى بلاد اليمن فى جميع التجّار: «من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز ليأمن من الحقوق الموجبة عليه». فجاءت التجار من الهند والسند بأموال الدنيا، من كل صنف عجيب. فلما تكاملت التجار فى زبيد، أمرهم أن يكتبوا له سائر ما معهم، وقال:
«إنما القصد حمايتكم من الزكاة بالديار المصرية». فكتبوا له جميع ما معهم، فصار يكتب لكل تاجر رأس ماله، وأخذ الباقى باليد عسفا، فأجمعوا التجار رأيهم، واجتمعوا ببابه، واستصرخوا، وقالوا: «نحن قوم من بلاد شتى، ولنا سنين عن أهالينا، فكيف تأخذ أموالنا؟»، فلم يلتفت إليهم. قال أبو المظفر: بلغنى أن كان ثقله فى خمسمائة مركب، ومعه ألف وسبعمائة خادم، ومائة قنطار عنبر خام، ومائة قنطار عود قاقلى، ونوافج مسك، وبرانى مسك، ومائة ألف ثوب حرير، ومائة صندوق من الجواهر والأموال. ثم ركب الطريق إلى مكة-شرفها الله تعالى-فمرض فى الطريق مرضا شديدا، فما دخل مكة إلا وقد انفلج، ويبست يداه ورجلاه، ورأى فى نفسه العبر. فلما احتضر، بعث إلى رجل مغربى من المجاورين بمكة، وقال له: «والله ما أرضى لنفسى من جميع ما معى كفنا أتكفن فيه، فعسى تتصدق علىّ بكفن».
فأرسل إليه نصفيتين ومائتى درهم، ودفن فى المعلى. وقيل: إن الهواء ضرب بعض المراكب، فعادت إلى زبيد، فأخذوها أصحابها.
стр. 3398
قال أبو المظفر: وسر الملك الكامل بموته. ولما حضر خازنه إلى بين يديه، ما سأله كيف مات، بل قال: «كم معك من المال والتحف». وكان هذا الملك المسعود أقسيس، رجل مجنون، عديم الدين، وفعل فى الحرم الشريف قبل ذلك أفعالا قبيحة، من جملتها أنه كان يرمى الطيور التى فى الحرم بالبندق فى وسط الحرم الشريف، مع أشياء لا يطاق سماعها، فعوقب، ولم يمهل. فنعوذ بالله من الاعتقاد الفاسد، والتجاسر على المحارم، والتعرض إلى ما نهى عنه، والتخلى عما أمرنا به. ونسأله العافية فى الدين والدنيا والآخرة.
стр. 3399
ذكر سنة سبع وعشرين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ذراعان فقط. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والملوك حسبما ذكرناه فى السنة الخالية من ممالكهم، كل منهم بحاله.
وفيها ملك السلطان جلال الدين أخلاط، وفيها إخوة السلطان الملك الكامل فخر الدين وتقى الدين، مع أهل الملك الأشرف، بعد حصار شديد. وأكل أهلها الميتة، وأبيعت قطعة من جلد بألف درهم. وكانت مدة إقامته عليها عشرة أشهر، ثم دخلها بالسيف عنوة ونهبها، وأسر الملكين، والكرجية زوجة الأشرف، ودخل بها من ليلته.
هذا والسلطان الملك الكامل كان بحران، ثم إنه نزل الرقة، وبلغه خبر أخذ أخلاط فيها. وبلغ الملك الأشرف ذلك وهو بدمشق، فخرج على وجهه حتى أتى الرقة.
وكتب صاحب الروم الملك كيقباذ إلى الملك الأشرف يقول: «تحضر إلى عندى لنتفق على هذا الذى أخرب البلاد وأهلك العباد، فعندى المال والرجال». فشاور الأشرف الكامل على ذلك، فقال: «مصلحة». ورجع الملك الكامل قاطعا الفرات فى سبعة آلاف فارس، طالبا إلى ديار مصر. وسار الأشرف إلى حران فى سبع مائة فارس، وعدوه السلطان جلال الدين خوارزم شاه. فأقام بحران، وكتب إلى حلب وإلى الموصل والجزيرة، فجاءته العساكر. ورحل يريد الروم وصحبته أخويه شهاب الدين غازى والملك العزيز عثمان، وكذلك الملك الجواد وشمس الدين
стр. 3400
صواب، وبقية الأمراء الكبار. ووصل إلى الروم واجتمع بصاحبه الملك كيقباذ.
قال أبو المظفر: حكى لى الأمير عماد الدين بن موسك، قال: لما وصلنا إلى الروم، خرج إلينا عسكر أرزنكان فى اثنى عشر ألف فارس، فكان نجدة لنا. ونزلوا فى مرج يستريحون، وقد أرموا سلاحهم، وأطلقوا خيولهم للمرعى. فمرّ بهم الخوارزمى-وهو السلطان جلال الدين-ولم يعلموا به، فهجم عليهم فقتلهم وأسرهم، ولم ينج منهم إلاّ القليل. وضعفت قلوب الناس لذلك. قال: وأقمنا مكاننا إلى عشية يوم الخميس، فوصل قاصدنا، وأخبر أن العدو يخرج علينا صباح يوم الجمعة. قال: فرتبنا العساكر والشاليش فى الأول، ثم العرب، ثم الحلبيين، ثم شمس الدين صواب، ثم الملك الجواد، ثم العزيز عثمان وشهاب الدين غازى. ثم تبعنا أطلاب الروم، وكيقباذ فى الطلب الخاص، والملك الأشرف فى الطلب الخاص أيضا. قال: وكنا فى أرض وعرة، فخرجنا إلى أرض سهلة وطئة، وإذا بطلائع جلال الدين الخوارزمى وقد طلعت. قال:
فالتقوهم العرب وكسروهم، وأخذوا منهم مائة فارس، وقتلوا مائة أخرى. ولم يتقدموا إلينا، ونزلوا ونزلنا، وبيننا وبينهم جبل عظيم. وخفنا خوفا عظيما. وليس معنا ماء ولا زاد ولا علف لدوابنا. فقال الأشرف: «أين المفر؟». فلما كان وقت السحر-قبل طلوع الشمس-أمر جلال الدين الخوارزمى لمن بقى من عسكر أرزنكان فكانوا كيف وخمسمائة نفر، فضرب رقابهم. فلما كان بكرة يوم السبت ثامن شهر رمضان المعظم، قطعوا إلينا الوادى، ووقف الخوارزمى على رأس الجبل، وسنجقه فى الوادى.
ووقع القتال، فأرسل الله تعالى ضبابا، فلم ير أحد كفه، ووقعت الكسرة على جلال الدين الخوارزمى وجيشه، ونصرنا الله عليهم، وولوا منهزمين، ووقع بعضهم
стр. 3401
فى الوادى من قوة الضباب، ما رأوه. وأصبحوا ما بين أسرى وقتلى. وغنم المسلمون-منا ومن الروم-جميع أموالهم وأثقالهم وخيلهم وسلاحهم، وامتلأت تلك الأودية من قتلاهم. وقال الأشرف لصاحب الروم: «لا بد لى من أخلاط»، فأعطاه ولأصحابه من الأموال والخيل والنجب والقماش ما قيمته ألفى ألف دينار. ورجع الرومى إلى بلاده. وجرد من الملك الأشرف بعض عسكره، فنزل أرزن الروم، وكان صاحبها مع جلال الدين، فأخذها الأشرف منه ومسكه، ونفذه إلى صاحب الروم، وسلم أرزن إلى نوابه. وسار إلى أخلاط. ولما وصل الخوارزمى مكسورا إلى أخلاط أخذ جميع ما كان له فيها، والكرجية [زوجة الأشرف]، وإخوة السلطان ونزل على أرجيش. وجاء الأشرف إلى أخلاط، وسار خلف الخوارزمى، فأبعد عنه.
وتراسلوا، واصطلحوا على أن الخوارزمى يطلق من عنده من الأسرى، فأطلق إخوة السلطان، وبعث بهما إلى الإمام المستنصر بالله، فأنعم عليهما الخليفة، وأرسلهما إلى أخيهما مع رسول من جهته. وأقام الأشرف شهرا، ثم عاد إلى أخيه الكامل ودخل مصر. وتسلم أخلاط شهاب الدين غازى بعد أخذها من نواب الخوارزمى. وترك الطواشى شمس الدين صواب بحران والرها.
وفى شوال سيّر السلطان الملك الكامل الطغتكين واليا على مكة، شرفها الله تعالى.
وفيها بعث الأشرف أخاه الملك الصالح إسماعيل المعروف بأبى الخيش إلى بعلبك وحاصرها، وصاحبها الملك الأمجد. ثم قدم الأشرف بنفسه إليها. ثم دخل بينهما فى الصلح الصاحب صفى الدين. وأخذت بعلبك من الملك الأمجد. ثم إنه قتل بعد ذلك بخمسة أشهر، قتله مملوك له. ثم إن ذلك المملوك رمى بنفسه من أعلى القصر فهلك. وكان مدة مملكته بعلبك تسع وأربعين سنة، ملكها سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وكان جيد الشعر حسنه.
стр. 3402
ذكر سنة ثمان وعشرين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد ونصف أصبع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى. والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية. ووصل الملك الأشرف وصحبته صاحب الجزيرة إلى القاهرة المحروسة.
وفيها كانت كسرة جلال الدين من التتار. وقتل، وانقطع سلطانه. وسبب ذلك أن التتار لما بلغهم كسرة جلال الدين من الأشرف وصاحب الروم، طمعوا فيه، وطلبوه وقصدوا توريز. فانهزم منهم إلى ديار بكر. وكان قد استحلف صاحب آمد أنه يفتح له الباب إذا حصره التتار، ويكون ظهرا له، فجاء إلى آمد، فغلقوا فى وجهه الباب، ورموه بالحجارة من فوق الأسوار، فأخذ على وجهه. هذا بعد ما كسره التتار فى شهر شوال من هذه السنة، وهى الكسرة التى لا جبر لها، بعد عدة وقائع قد تقدمت أخبارها بحكم التلخيص. ووصل الخوارزميون مكسورين من التتار، وخرج عسكر حران والرّها، وقاتلوهم ونهبوهم.
وأما جلال الدين فإنه وصل إلى أطراف الجبال، فوصل إلى قرية من أعمال ميافارقين، فطلبه التتار من شهاب الدين غازى، فقال: «والله ما أعلم أين هو».
فقاتلوا ميافارقين أياما، فلم يقدروا على شئ منها، فعادوا إلى الفاضلية، فقتلوا نيفا
стр. 3403
وعشرين ألف نفرا من المسلمين وأحرقوها. وعادوا إلى أخلاط، وكانت بوادر الشتاء قد أقبلت، ووصلت طائفة منهم إلى نصيبين. وكان جلال الدين لما وصل إلى تلك القرية التى من عمل ميّافارقين وحده، وليس معه غيره، أنزله بعض الأكاريد عنده، وطمعت نفسه فى ما كان عليه من القماش، فقتله عندما نام فى الليل. فبلغ المظفر شهاب الدين غازى ذلك، فنفّذ أحضر الكردى، وأحضر قماش السلطان جلال الدين وفرسه، وتأسف عليه، وأمر بقتل جميع أهل تلك القرية كبيرهم وصغيرهم، تأديبا لغيرهم، بحيث لا يعود أحد يجسر على الملوك. وانقطع ملك جلال الدين، وتشتت الخوارزمية وتمزقوا كل ممزق.
قال المنشى فى تاريخه-وهو مصنف سيرة السلطان علاء الدين وولده جلال الدين-: إن الذى ملكه السلطان جلال الدين بعد أبيه علاء الدين أربع مائة مدينة، مثل خراسان وأصبهان وسمرقند وبخارا، وأنظارهم، فشرهت نفسه حتى قتله شرهه.
وكان قد أساء السيرة فى آخر وقت، وبدت منه أمور تلى إلى الجنون، لابل هو الجنون بعينه. منها أنه كان له مملوك يسمى قاشى، وكان يحبه محبة عظيمة، فمات ذلك المملوك، فحزن عليه حزنا شديدا حتى أخرجه عن حدّ الاعتدال. وأمر أن يجعل فى تابوت وصبّر. وكان يحضر تابوته على الطعام والخوان، ويقول ساعة ساعة:
«اطلبوا قاشى! جيبوا قاشى!». ويسيّر إليه الطعام من قدامه، والفاكهة والحلوى،
стр. 3404
ولا يقدر أحد أن يفوه بموته. فلما رأى كبار دولته ووزرائه ذلك علموا أنه خولط فى عقله، فتخلى عنه كثير من جموعه.
وفيها كان الغلاء بمصر.
وفى خامس عشر شعبان أمر السلطان الملك الكامل بحفر البحر الذى من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر. واستعمل فيه الملوك والأمراء والعوام. وعمل هو بنفسه فيه. وكان البحر فى نقصه قد صار طريقا من مصر إلى الجزيرة، فخشى عليه من ردمه، فاجتهد فيه، وغرّق عدة مراكب، وغرم جملة أموال، حتى سلط البحر، واستقر بين مصر والجزيرة.
وفيها نفّذ ملك الكرج-المعروف بابن البهلوان-إلى الملك الأشرف، بقصد اجتماع الكلمة على ملتقى التتار، لما بلغه أنهم قاصدين نحوه، فلم يحصل بينهما اتفاق لأمر أراده الله فى تسليط هؤلاء القوم، فلا مفر من حكمه.
وفيها كان وصول السترين الرفيعين فاطمة خاتون بنت الملك الكامل إلى زوجها الملك العزيز صاحب حلب، وغازية خاتون بنت السلطان الملك الكامل أيضا إلى زوجها الملك المظفر صاحب حماه. وكان خروجهما صحبة ركاب السلطان لما توجه إلى بلاد الشرق. وكان لوصولهما همم عالية يقصر عنها الوصف، فأضربت عنه لطوله، وكون تاريخنا تاريخ تلخيص.
стр. 3405
ذكر سنة تسع وعشرين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا فقط.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل سلطان الإسلام. وسائر الملوك حسبما تقدم من ذكرهم، خلا السلطان جلال الدين الخوارزمى، فإن ملكه زال. فسبحان من لا يزول ملكه ولا تغيره الليالى.
وفيها-فى شهر المحرم-وصل رسل الخليفة الإمام المستنصر بالله، وهما الأمير عز الدين أبقرا وفخر الدين رفيقه، واجتمع بهما السلطان عند وصوله من ثغر الإسكندرية، وخرج إلى لقائهما فى الحراقة إلى شبرا، بسبب وجع رجله. وألبسوه التشريف اللائق بمثله على عادته، وأركبوه فرسا أشهبا منعولا بالذهب الأحمر، وسيفين مجوهرين، وثلاثة أخر للسلاح دارية، وترس مرصّع بأنواع الجواهر.
وكذلك لكل واحد من أولاده خلعة مزركشة، وسيفا محلاه، ومركوبا حسنا.
وخلع كثيرة للأمراء الكبار بالدولة. وظنوا أن له وزيرا فسيّر إليه خلعة سنية، وبغلة، ودواة، فقال السلطان: «ليس لى وزير»، فحمل ذلك إلى خزانته.
وفى هذه السنة اجتمع بباب السلطان من الرسل من سائر أقطار الأرض ما لم يجتمع بباب ملك قبله؛ وهم رسل الخليفة، ورسل صاحب الموصل، ورسل صاحب الكرج، ورسول صاحب حلب، ورسول صاحب حماة وحمص، ورسل ملك الهند، ورسل الإفرنج، ورسول صاحب شيراز، ورسول صاحب جزيرة الأندلس، وغيرهم.
стр. 3406
فأحضر الجميع فى يوم واحد، وكان يوما مشهودا. ثم عقب رسل الخليفة الشيخ بهاء الدين [اليزدى]-شيخ رباط الأخلاطية-من بغداد فى جماعة من النجابين، يحثون السلطان على الغزاة للتتار.
وفى ثامن عشر جمادى الآخرة توجه السلطان الملك الكامل طالبا للشام بنية الغزاة للتتار، وجعل نائبه بالديار المصرية ولده الملك العادل. وفى تاسع جمادى الآخرة توجه الأمير فخر الدين إلى مكة-شرفها الله تعالى-ودخلها خامس شهر رمضان المعظم بالسيف عنوة. وهرب راجح، وقتل جماعة من أقاربه. وقتل من كان بها من العسكر اليمنى.
وفى سادس عشرين ذى الحجة ملك السلطان الملك الكامل آمد، وأخذ صاحبها منها، وملّكها لولده الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وفى ثامن عشر ذى الحجة توفى فخر الدين عثمان [بن قزل] أستادار السلطان، وكانت وفاته بظاهر حرّان.
وفيها ملك بدر الدين لؤلؤ-صاحب الموصل-قلعة سوس، وكانت لتقى الدين زنكى ابن نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مظفر الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن آق سنقر، صاحب الموصل قديما. ولما ملكها عظمت كلمته، وقمع أولاد أستاذه، واستقام له الملك، ونعت نفسه الملك الرحيم. وبعث إليه الخليفة تقليدا بالملك. ولم يزل ملكا حتى أخذت التتار بغداد، ودخل تحت طاعة هلاوون، واستولى على عدة ممالك من العراق والجزيرة. حكى لى والدى-﵀-عن مخدومه الأمير سيف الدين بلبان الرومى الدوادار-﵀-قال: كان لما تحكمت التتار على البلاد، ودخل بدر الدين مملوك لؤلؤ صاحب الموصل تحت طاعة هلاوون، كان له مملوك يسمى أيان-أرمنى الجنس-وكان له عنده مزية كبيرة. قال أيان: فبلغ
стр. 3407
الرحيم بدر الدين لؤلؤ أن الوزير خواجا رشيد-وزير هلاوون-بيسعى فى تغيير خاطر هلاوون عليه، فقال بدر الدين: «والله لأقتلنه ولأمعكنّ أذن هلاوون بيدى».
قال أيان: فلما سمعت ذلك وكنت أدل عليه بالكلام، فقلت: «سبوح قدوس». فالتفت إلىّ وقال: «سوف تنظر ذلك بعينك يا أرمنى نجس». قال: وكان عنده رجل يعرف بالصوفى، وكان أوحد أهل زمانه فى المنادمة وأخبار الناس. فقال له بدر الدين:
«تتوجه إلى الأردوا، وتتوصل إلى صحبة خواجا رشيد، فإذا ملكته بحلاوة منادمتك.
أنا أعلم أنه يقبل عليك. وتنفق عنده وهو رجل شره النفس فى المأكل، ويحب الفواكه يجنيها من على شجرها على الندوة. ولا بد أن تسير معه فى بعض البساتين. فخذ هذه الثلاث إبر معك، واجتهد إن تشكّهم فى بعض ما يتناوله منك من الفاكهة. فإذا علمت أنه حصل فى أمعائه من تلك الفاكهة-ولو ثلاث-فقد حصل الغرض، فتوجه إلينا فقد جعلت لك البريد فى سائر الطرقات حتى تصل إلى عندى إن شاء الله سالما».
قال: فكان الأمر كذلك، ووصل الصوفى عائدا بعد أن قضى الشغل فى الخواجا رشيد. ووردت الأخبار بعد ذلك بموته. فقال بدر الدين لؤلؤ لمملوكه أيان: «كيف رأيت؟». فقال: «أمّا قتل الوزير فقد صح لك. فكيف تمعك أذن هلاوون؟».
فقال: «سوف تنظر يا أرمنى نجس». ثم إن بدر الدين تجهز وتوجه إلى خدمة هلاوون، وأخذ صحبته من الزراكش والمصاغات والملابس وما أشبه ذلك للخواتين.
واستصحب معه ماشطتين حذاق بزينة النساء، وتقديمهما إلى خواتين المغل من الأمراء الكبار، ومعهما لكل واحدة من ذلك الزركش والمصاغ والقماش والزينة ما يليق بها. وأصلحوهن المواشط وزينوهن أحسن زينة، ولبسوهن ذلك القماش المذكور، فعادوا كأنهن البدور الطّلع. ونظروا وجوههن فى المرآة فأعجبهن أنفسهن. وخرجن لأزواجهن فقالوا: «ما هذا المليح؟». فقلن: «بدر الدين لؤلؤ». فأعجب أزواجهن ذلك كل الإعجاب، وشكروا بدر الدين عند هلاوون شكرا كثيرا. وكذلك خواتين هلاوون، وولده أبغا، ومنكتمر. قال أيان: فحضر بدر الدين بين يدى هلاوون،
стр. 3408
فقربه، وأخلع عليه، وأجلسه فوق من عادته. فقام إليه منكتمر بن هلاوون، وضرب قدامه جوك، وناوله هناب مشروب. فقام بدر الدين وتناوله، وقبل يده، وأخرج له زوج حلق فيهما جوهرتين فجعلهما فى أذنه. فقام بعده أبغا أخوه، وفعل كذلك، فأخرج له زوجا آخر أحسن من الأول، وجعلهما فى أذنه. فقال هلاوون:
«يا بدر الدين هؤلاء الشباب لهم هذا وأنا؟». فقام بدر الدين وقبل الأرض، وأخرج زوج يشعل كالشمس، لا قيمة له. وتقدم إلى هلاوون وجعل رأسه على فخذه؛ وعاد يمعك فى أذنه وينظر إلىّ. فقال هلاوون: «أباه! أباه!». فقال بدر الدين: «الله يحفظ القان، إنما فعلت هذا حتى يخدر ويجوز الحلقة من غير ألم». ثم ركب الحلق فى أذنه بعد معكهما معكا جيدا. قال أيان: فلما عدنا من عنده مكرمين، قال لى:
«كيف رأيت يا أرمنى؟». قلت: «والله ما يخلفك الزمان أبدا».
قال ابن واصل فى تاريخه: فى هذه السنة كانت صلة الملك الناصر داود بن المعظم صاحب الكرك بعمه الملك الكامل وزوّجه بابنته عاشورا خاتون وهى شقيقة الملك العادل سيف الدين أبى بكر.
قال: وفيها كان توجه السلطان الملك الكامل والملك الأشرف أخوه إلى بلاد الشرق من الديار المصرية، وملكا مدينة آمد من صاحبها وهو الملك المسعود ابن الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق. وذلك لما بلغ الملك الكامل ما كان عليه من قبح السيرة وتعرضه لحرمة الناس وارتكابه المحارم.
واستصحب الملك الكامل معه فى هذه السفرة ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، ورسم له بالإقامة ببلاد الشرق، وأقام الملك العادل بالديار المصرية عناية به، لمحبته أمه، ومحلها من قلبه.
стр. 3409
ذكر سنة ثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشر أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل ببلاد الشرق.
وفى تاسع وعشرين شعبان توفى صاحب إربل، وتسلمها-وجميع حصونها وقلاعها-نواب الخلافة.
وفى شهر صفر وصل راجح صاحب مكة، وصحبته عسكر كثيف من اليمن، وعدتهم ستمائة فارس وأربعة آلاف راجل، مع خلق كثير من عربان الحجاز. فلما تحقق الأمير فخر الدين وصولهم، خرج بأصحابه من مكة سالما، وتحصّن بالينبع، وتسلم راجح مكة سلما.
وفيها عاد السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية بعد ما رتّب بالشرق ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب ومعه الأمير شمس الدين صواب، وهو الحاكم فى البلاد الشرقية، لأنه كان أكبر الخدام العادلية، وأوثقهم عنده. وأقام الملك الأشرف بدمشق.
ورجع كل ملك إلى بلده، وأقام الكامل بالديار المصرية.
وفى شوال منها قدم الملك الناصر داود صاحب الكرك إلى خدمة عمه الملك الكامل بالديار المصرية وصحبته جماعة من العلماء، وأقام إلى آخر هذه السنة.
وقدم علاء الدين أقسنقر الزاهد وتوجه إلى مكة، شرفها الله. ووصل إلى (٢١ - ٧)
стр. 3410
فخر الدين بن الشيخ وهو بالينبع وصحبته ألطغتكين، واجتمعوا يدا واحدة ثم قصدوا مكة. فلما علم بهم راجح، والعسكر اليمنى، خرجوا منها سالمين، وتولاها قطب الدين بن مجلى فى ذلك التاريخ.
وفى تاسع عشر رمضان سلطن السلطان الملك الكامل ولده سيف الدين أبو بكر، ولقبه العادل. وركب وشق القاهرة فى دست الملك، وكان نهارا مشهودا.
وفيها ظهر نور عظيم من السماء، فكان يرى مستطيلا عن يسار مطلع الشمس، ويرى فى أواخر الليل. فقال المنجمون إنه كوكب له ذؤابة طويلة.
وفيها غلت الأسعار ببغداد، حتى بلغ ثمن الكر من الحنطة نيف وثمانين دينار، والشعير خمسة وأربعين دينار. وغلت جميع الحبوب، فأخرج الخليفة فى كل يوم مائة كر من أربعة أصناف الحبوب. فرخصت الأسعار قليلا. ومن جملة ما حكى أن أهل بغداد من العامة لما غلا السعر كتبوا أوراقا ورموها بدار الخلافة، فيها مكتوب: «وحياة فضة وحجر الدوادار، افتح لنا المنابر وأرخص لنا الأسعار»، فقيل إنه كتب على رأس رقعة منهم: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ»﴾.
ثم أمر بإخراج الغلال حسبما ذكرناه، والله أعلم.
وفيها توفى الملك المعظم مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك صاحب مدينة إربل. وكان ملك إربل بعد وفاة أبيه على كوجك المتحكم فى الدولة الأتابكية وصرف عنه الملك إلى أخيه. ولما ظهر أمر السلطان صلاح الدين التجأ إليه، فملّكه، وجمع له بين الرها وحران. ثم توفى زين الدين يوسف صاحب إربل، فنزل مظفر الدين عن ما كان بيده، ويعوض إربل. واستمر بها إلى هذه السنة، فتوفى إلى رحمة الله تعالى. هذا ما ذكره ابن واصل فى تاريخه.
стр. 3411
ذكر سنة إحدى وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع فقط، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية.
وفى مستهل صفر سافر السلطان إلى ثغر دمياط. وفى ربيع الأول وصل الملك الأشرف، وخرج السلطان إلى لقائه فى البحر إلى الطينة، ولقيه من منزلة المطيلب، ودخلا إلى القاهرة المحروسة.
وفى جمادى الأولى برز المرسوم للعساكر بالتجهيز إلى الشرق، ونفق فى الجيش كل جندى عشرين دينارا مصرية، ولخاصة وكبار جنده من الخمسين إلى الأربعين.
وجاء حساب مبلغ ما تفقه ستمائة ألف دينار.
وفى ليلة السبت خامس شعبان توجه السلطان الملك الكامل وصحبته الملك الأشرف ووصل إلى [بلاد] الروم إلى النهر الأزرق. ووصل إليه صاحب خرتبرت، وسير معه بعض العسكر، ودخلوا خرتبرت، وكان معهم صاحب حماه.
وحاصرهم صاحب الروم، وأخذ منهم جماعة قبل دخولهم خرتبرت.
قال ابن واصل فى تاريخه: إنه لم يجتمع للملك الكامل قط جيش مثل هذه النوبة،
стр. 3412
فكان فيه أربعة عشر دهليزا لأربعة عشر ملكا، منهم من جهة الملك العزيز صاحب حلب الملك المعظم فخر الدين توران شاه بن الملك الناصر صلاح الدين، وهو عم أبى الملك العزيز.
والملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك الناصر صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب البيرة. والملك المفضل موسى بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب سميساط. والملك صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر صاحب عين تاب. والملك المظفر شهاب الدين غازى صاحب ميافارقين. وأخوه الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه صاحب قلعة جعبر.
والملك الأشرف شاه أرمن أخو الملك الكامل، وأخوه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل.
وكان الملك العزيز قد توفى سنة ثلاثين وستمائة، وملك بانياس وأعمالها ولده الملك الظاهر، ثم توفى بعده بأيام يسيرة وولى الملك السعيد أخوه، وهو الذى كان قد حضر مع عسكر التتار-حسبما ذكر. وإنما أصابتهم عين فنفرت القلوب من بعضها بعض، لما يريده الله .
وفى شهر ذى القعدة وصل راجح بن قتادة مع عسكر من اليمن من جهة المظفر ابن رسول صاحب اليمن إلى مكة-شرفها الله تعالى-وخرج عنها ابن مجلى.
وقتل راجح جماعة من أهل مكة وغيرهم. ولم يصل فى تلك السنة إلى مكة من الحاج سوى الركب اليمنى لا غير.
وفى شوال أضيف إلى قاضى القضاة بلاد الساحل، واستناب فيها من جهته.
وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج على السلطان الملك الكامل، ومعه هدية سنية، وفى الجملة دب أبيض، شعره مثل شعر الأسد، وهو ينزل إلى البحر ويصيد السمك ويأكله. وكذلك طاووس أبيض. وديك قدر الجدى الكبير، أخضر كأنه درة.
وفيها ألزم الملك الكامل للملك الناصر داود بطلاق ابنته، وذلك لما توجس منه لما بلغه عنه من المواقعة للملوك عليه. وكان ذلك قبل دخولها عليه ووصولها إليه.
стр. 3413
ذكر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
[الماء القديم خمسة أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشر ذراعا وثلاث عشرة أصبعا].
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله.
والسلطان الملك الكامل سلطان الإسلام، وقد عاد من الشرق إلى مصر. وبقية الملوك بحالهم، حسبما تقدم من ذكرهم.
وكان عود السلطان إلى الديار المصرية من الشرق فى جمادى الأولى. واحتاط على صاحب آمد واعتقله بالقلعة. وكان سبب عودة السلطان سريعا إلى مصر لما بلغه أن الملوك اتفقوا عليه؛ وهم الأشرف، والناصر داود، والأمجد صاحب بعلبك.
فلما تحقق ذلك عاد إلى الديار المصرية مسرعا، وقبض على صاحب آمد لاتفاقه معهم بمكاتباته لهم.
وفيها هدم الملك الأشرف خان ابن الزنجارى بالعقيبة بظاهر دمشق، وبناه جامعا، وسمى جامع التوبة، لما كان يجرى فى هذا الخان من الأمور القباح، من ارتكاب المحرمات والفسق والفجور.
وفيها توجه أسد الدين جغريل-أحد المماليك الكاملية-وصحبته سبعمائة فارس إلى مكة-شرفها الله تعالى-ودخلها، وهرب راجح بن قتادة ومن كان معه من العسكر اليمنى.
стр. 3414
وفيها عهد السلطان الملك الكامل لولده نجم الدين أيوب، ونعته الملك الصالح.
ونزل دار الوزارة بالقاهرة المعزية. وكان مولد الملك الصالح فى سنة ثلاث وستمائة.
وفيها-فى ثالث ذى القعدة-سافر السلطان الملك الكامل متوجها إلى الشام، وذلك عندما سمع بخبر صاحب الروم علاء الدين كيقباذ، وقصده بلاد حران والرها، وأخذه بعض قلاعها. ونزل السلطان على منزلة تل العجول، وبعث نوابه إلى نابلس والقدس. ووصل إلى خدمة السلطان الملك الكامل الملك العزيز بن العادل، وعرفه اتفاق الملوك عليه، فحصلت بينهما المراسلة بقية هذه السنة.
وفيها توفى القاضى بهاء الدين بن شداد صاحب السيرة الصلاحية، رحمه الله تعالى، وذلك يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر. وكان عمره نحو ثلاث وتسعين سنة، لأن مولده فى سنة تسع وستين وخمسمائة. وكان بعد وفاة السلطان صلاح الدين فى خدمة ولده الملك الظاهر صاحب حلب، ولم يزل عندهم العزيز المفدى. وبنى بحلب مدرسة جليلة وأوقف عليها أوقافا جيدة. واسمه بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم؛ ولعل شداد الذى عرف به كان من أمه، فإنه لم يكن فى نسبه لأبيه شداد، وأصله من الموصل. وكان إقطاعه على السلطان ما يزيد على مائة ألف درهم فى السنة. ومات ولم يعقب.
وفيها ولد الملك المنصور جمال الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماة، الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول.
стр. 3415
ذكر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر أصبعا. ودخلت سنة أربع وثلاثين والذى تنتهى إليه الزيادة يذكر فى سنة أربع وثلاثين، إن شاء الله.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله.
والسلطان الملك الكامل سلطان الإسلام. واتفق الحال بينه وبين الأشرف، لما بلغهما ما فعله صاحب الروم فى ممالكهما، فإنه استولى على حران، والرها، والسويداء، وقطينا، أخذها ممن كان فيها من النواب مخامرة، وباعوها له بيعا. وتوجه السلطان بالعساكر المصرية. وصحبته الملك الأشرف بالجيوش الشامية.
فلما بلغ العسكر الرومى ذلك نزل فى القلاع من يحفظها من جهته، ودخل بلاده.
ثم نزل السلطان على حران وأخذها بالسيف عنوة، فى الرابع عشر من ربيع الآخر.
وأسر من كان فيها من العسكر الرومى، وعدتهم سبعمائة وخمسة عشر نفرا، فيهم جماعة من أمرائه ومقدميه. وفى نهار ثالث عشر جمادى الأولى فتح قلعة الرها عنوة بالسيف، وأسر أيضا جميع من كان فيها من العسكر الرومى من الأمراء والمقدمين وغيرهم، وعدتهم تزيد عن ثمانمائة نفر. وكذلك تسلم قلعة السويداء عنوة بالسيف، وأسر أيضا من كان بها، وذلك فى سابع عشر جمادى الآخرة، وهدمها إلى الأرض، وكذلك قلعة الرها. وفى رجب تسلم قلعة قطينا، وأسر أيضا من كان بها. وفى التاسع عشر منه سيّر جميع الأسرى الذين أخذوا من تلك القلاع إلى الديار المصرية، وعدتهم تزيد عن ثلاثة آلاف نفر.
стр. 3416
ثم عاد السلطان إلى دمشق، وسلم جميع بلاد الشرق لولده الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وفيها نزل السلطان على دنيسر. وكان العسكر الرومى قد أحرقها، فبينما السلطان ينظر فى أحوالها، إذ ورد عليه كتاب من الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، يعرفه أن التتار قد قطعوا دجلة فى مائة طلب، كل طلب خمسمائة فارس، ووصلوا إلى سنجار، فخرج إليهم معين الدين بن مهاجر، فقتلوه على باب سنجار.
فرجع السلطان والملك الأشرف، وقطعا الفرات إلى دمشق. ثم إن التتار رجعوا.
ولما عاد السلطان الكامل من الشرق، كرّ صاحب الروم راجعا بعساكره، ونزل على آمد وحاصرها. ووصل من عسكره شرذمة إلى بلاد حران وأخربوها، وأخربوا بها دار العافية، وأحرقوا عدة منازل بحران. وكان لما بلغ أهل حران بمجئ الروم إليهم، خرجوا عنها، وتبقى فى القلعة من يحفظها. ثم نزل الرومى بعسكره على آمد فى خامس ذى القعدة.
وفيها سير ابن رسول عسكرا كثيفا من اليمن إلى مكة. وخرج إليهم الأمير أسد الدين جغريل الكاملى وكسرهم كسرة عظيمة، وأخذ منهم جماعة كثيرة أسرى، وسيّرهم إلى مصر.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة، وزيادة سنة ثلاث وثلاثين مستمرة.
والذى انتهى إليه النيل المبارك من الزيادة يذكر فى سنة أربع.
стр. 3417
ذكر سنة أربع وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم استقر على سبعة أذرع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وتسع أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله.
وفيها توجه السلطان الملك الكامل إلى ثغر دمياط، ثم إلى ثغر الإسكندرية فى وجهة واحدة. ووصل إليه ابن الجوزى رسولا من الخليفة، واجتمع بالسلطان فى ثغر دمياط. وعاد ابن الجوزى إلى صاحب الروم، وصحبته رسول من قبل السلطان، وهو الفقيه عبد العظيم المحدث.
وفى شوال توفى صاحب الروم علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السلجوقى، من قبل اجتماعه بالرسل المذكورين.
وفيها وصل الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم عيسى، وتلقاه السلطان بنفسه إلى منزلة قطيا، وزينت له مصر والقاهرة والقلعة، وسلطنه السلطان. وركب من دار الوزارة إلى القلعة بالسناجق والسيوف. وحمل الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن السلطان الملك الكامل الغاشية، راجلا عند ما ركب الملك الناصر. ثم حملها الأمراء بعده، واحدا بعد واحد.
وفى تاسع عشر ذى الحجة زوج السلطان الملك الكامل المذكور ابنته الست عاشوراء من الملك الناصر المذكور.
وفيها مرض الملك الأشرف مرضة شديدة، ثم عوفى.
وفيها سير السلطان الكامل الهيجاوى مع جماعة من الأمراء فى جيش كثيف إلى الساحل.
وفيها وقع الخلف بين الأشرف والسلطان الكامل؛ وذلك أن الملك الأشرف استخدم الخوارزمية الذين كانوا فى عسكر السلطان جلال الدين، وقويت شوكته،
стр. 3418
فسير طلب من السلطان الرقة. وكان الملك الكامل لما عزم على أخذ الروم، قال أسد الدين صاحب حمص للأشرف: «متى أخذ الروم تعبنا به، وبقينا بين يديه يقلبنا كيف شاء»، فاتفقا عليه. وفهم الكامل منهما ذلك، فعجل فى عودته إلى مصر-حسبما تقدم من الكلام. وبعث الأشرف يقول له: «أخذت الشرق منى وأعطيته لولدك. وقد افتقرت. وإيش هى دمشق إلا بستان؟ ومالى فيها رزق».
فبعث إليه الكامل بعشرة آلاف دينار، فردها الأشرف عليه، وقال: «أنا أعطى هذه لأمير عندى». فغضب الكامل وقال: «إيش يعمل الأشرف بالملك؟ تكفيه عشرته للمغانى، وتعليمه صناعتهم». فبلغ ذلك الأشرف فقال: «والله لأعرفنّه قدره». وأرسل إلى حلب وحماة وبلاد الشرق. واتفق الملوك معه على الأذية للكامل. وبلغ الملك الكامل فخاف خوفا كثيرا، لما كان يعلمه من الأشرف.
ولو استمرت حياة الأشرف سنة أخرى انفسد حال الكامل، لكن إذا أراد الله أمرا بلغه. وكان هذا الخلف وقع فى أواخر هذه السنة. وتوفى الأشرف-﵀ فى سنة خمس وثلاثين، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه، إن شاء الله تعالى.
ولما بلغ الكامل موت الأشرف سجد شكرا لله ، وقال: «والله لقد كنت أيقنت بخروج الملك عنى». فقيل له: «لك من باب الموصل إلى باب اليمن، فإيش كنت تلتفت به». فقال: «دعوا هذا الكلام، فإنه كان كريما شجيعا، وهاتان خصلتان ما معهما حديث».
وفى شهر ربيع الأول من هذه السنة، ولد الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبو بكر بن السلطان الملك الكامل.
وفيها توفى الملك العزيز بن الملك الظاهر [غازى] بن الملك الناصر صلاح الدين [يوسف] بن أيوب. وهو ابن بنت الملك العادل الكبير سيف الدين أبو بكر
стр. 3419
ابن أيوب، حسبما سقناه. ومات ولم يكمل أربع وعشرين سنة. ووصل زين الدين ابن الأستاذ، وابن أبى الهيجاء إلى السلطان، وأخبراه بموته، وعمل السلطان عزاه.
وقام بالمملكة الحلبية الملك الناصر يوسف-الذى قتله هلاوون-حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه، إن شاء الله تعالى.
وفيها توفى الملك كيقباذ علاء الدين بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود ابن قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق، ملك الروم. وكان ملكا عاقلا شجاعا ميمونا فى حروبه، كسر الخوارزمية، واستولى على الشرق. وقام بمملكة الروم ولده غياث الدين.
وفيها ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل سنجار ونصيبين والخابور.
وفيها نزل التتار على إربل، وحاصروها، وملكوا المدينة عنوة بالسيف، وقتلوا منها خلقا كثيرا، وتحصن العسكر بالقلعة، وقاتلوا قتالا عظيما، وعجز التتار عنها، ورجعوا خائبين.
وفيها سير السلطان الملك الكامل الفقيه أفضل الدين [محمد] الخونجى إلى بلاد الروم، يعزى السلطان غياث الدين بأبيه علاء الدين كيقباذ المتوفى. وسير معه ذهبا برسم الصدقة، وثياب أطلس برسم أغشية الضريح. وكان ذلك استجلابا منه له، ليحرفه عن الأشرف.
стр. 3420
ذكر سنة خمس وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، والسكة والخطبة له بسائر الممالك. والملك الأشرف صاحب دمشق، إلى أن توفى فى هذه السنة، حسبما يأتى. وصاحب بعلبك الملك الأمجد.
وأسد الدين الملك المجاهد صاحب حمص. وصاحب حماة الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور. وصاحب حلب الملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر. وصاحب ميافارقين المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل الكبير. وصاحب الشرق الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل. وصاحب الموصل والجزيرة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ النورى. والتتار ملاّك الدنيا بالمشرق، من حدود مطلع الشمس إلى بغداد. وصاحب الروم غياث الدين بن علاء الدين كيقباذ السلجوقى، المقدم ذكره.
وصاحب الهند السلطان غياث الدين بن شهاب الدين الغورى، المقدم ذكره.
وصاحب اليمن المظفر يوسف بن رسول الخارجى، المقدم ذكره. والأمير أسد الدين جغريل الكاملى بمكة، والحروب بينه وبين راجح. وصاحب المدينة-على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-جماز بن شيحة. والمغرب فى يد عدة ملاك متفرقة؛ البعض من بنى عبد المؤمن، والبعض من غيرهم.
وفى شهر المحرم من هذه السنة توفى الأشرف، ﵀.
ذكر وفاة الملك الأشرف موسى ﵀
هو أبو الفتح السلطان الملك الأشرف مظفر الدين موسى شاه أرمن بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شاذى بن مروان. ولد بالقاهرة المعزية،
стр. 3421
وقيل بالكرك المحروس، سنة ست وسبعين وخمسمائة. وقيل إنه ولد قبل أخيه المعظم عيسى بليلة واحدة. وكان مبتدأ أمره بالقدس الشريف، تحت حكم ابن الزنجيلى عثمان. قال أبو المظفر: قال لى المعظم عيسى: «أنا أخذت له حران والرها والشرق من السلطان الملك العادل ﵀، أبى، وجهزته من عندى بالأموال والخيل والعدد والمماليك»، وتقلبت به الأحوال حتى صار شاه أرمن، وكسر المواصلة والروم، والسلطان جلال الدين الخوارزمى، وأخاه شهاب الدين غازى. وكان جوادا سمحا شجاعا ميمونا، ما كسرت له راية قط. ولما كان فى نزعه أخذ بعض مماليكه سنجقه ليكسره، وقال: «لا يحمله غيره»، ففتح له عينه وهو فى غمرات الموت، وقال بكلام لا يكاد يفهم من الضعف: «لا تفعل يا فلان، فو الله ما كسرت قط». وكان عفيفا طاهر الذيل.
قال أبو المظفر: اجتمعت به فى أخلاط-بالقلعة-فجلسنا للمحادثة، فأعاب أخاه المعظّم فى شئ بلغه عنه. ثم قال: والله ما مددت عينى إلى محرم قط، لا ذكر ولا أنثى. ولقد كنت يوما جالسا فى هذه المنظرة التى نحن فيها، فلم أشعر حتى دخل علىّ الخادم، وقال: «على الباب امرأة عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن صاحب أخلاط». فأذنت لها فدخلت، ومعها ورقة من عند بنت شاه أرمن، تذكر فيها أن الحاجب-عليّا قد غلبها على ضيعة لها. فكتبت لها على قصتها بردّ ضيعتها، ونهى الحاجب عنها. فقالت العجوز: «وهى تسأل الحضور بين يديك، فعندها كلام فيه سر، لا يمكن ذكره إلا للسلطان، منها له». فأذنت لها بالحضور، فحضرت امرأة ما رأيت فى الدنيا أحسن منها، ولا أظرف من قدّها وشكلها، كأنّ الشمس تحت نقابها. فخدمت ووقفت، فقمت وقفت لها إجلالا كونها بنت ملك شاه أرمن. ثم سفرت عن وجهها، فأضاءت منه المنظرة، يبهت من نظره. فقلت: «استرى وجهك، واخبرينى حالك». فقالت: «أنا بنت شاه أرمن
стр. 3422
صاحب هذه البلد، مات أبى واستولى بكتمر على البلاد، وتغيّرت الدّول، ولى ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب علىّ، وما عدت أعيش إلا من عمل النقش للناس، وساكنة فى دار بالأجرة». قال: فبكيت، ورقيت لها رقة عظيمة، وأمرت أن يكتب لها توقيع مؤبد بضيعتها، ملعونا من يغير عليها أو يتعرض لها. وأمرت لها بقماش، ومال جيد، ودار تسكنها تصلح لها، وخادم وجاريتين. وقلت:
«بسم الله، ومهما كان لك من الحوائج والأشغال سيّرى هذه العجوز». فقالت العجوز: «يا خوند! ما جاءت إلى هاهنا إلاّ لخدمتك. تقدم نفسها لتحظى بك الليلة». قال: فو الله لقد غاب صوابى، وأوقع الله تعالى فى قلبى تغيّر الزمان، وأنه يملك أخلاط غيرى. ويحتاج أهلى إلى مثل ذلك. قال فقلت: «يا عجوز! معاذ الله! والله ما هو شيمتى، ولا خلوت قط بغير حلالى. فخذيها وانصرفى فى دعة الله. وهى العزيزة الكريمة». فقامت وهى تقول: «صان الله عواقبك».
والذى بناه الأشرف من الأبنية الحسنة، مسجد أبو الدرداء بقلعة دمشق وزخرفه، والمسجد الذى عند باب الصغير، ومسجد القصب الذى بظاهر باب السلامة، وأوقف عليهم الأوقاف الحسنة. ودار الحديث، وهى النورية. والتربة التى له بالكلاسة. جميع هذا بدمشق خارج أعماله فى الشرق وفى أخلاط وغيرها.
ومع عدة خانات للسبيل فى سائر البلاد. وكان حسن الظن بالله تعالى، يزور الصالحين ويتفقدهم بالمال والأطعمة الطيبة والحلاوات الحسنة، شئ كثير مما يطول شرح ذلك.
قال أبو المظفر: مرض الملك الأشرف فى شهر رجب مرضتين مختلفتين، فى الأعالى والأسافل، حتى كان الجرائحى يخرج العظام من رأسه وهو يسبّح الله تعالى ويقدسه ويحمده. ثم قوى عليه ذلك فى آخر سنة أربع. فلما يئس من نفسه قال
стр. 3423
لوزيره جمال الدين بن جرير: «فى أى شئ تكفنونى؟». فقال: «حاشاك يا خوند».
فقال: «دعنى من هذا الكلام. لا تكفنى من هذه الخزائن فى شئ؛ فإنهن لا يخلون من الجنايات». وكان عماد الدين موسك حاضرا فقال له: «قم واحضر الوديعة التى عندك». قال: فمضى، وعاد على رأسه ميزر صوف أبيض، يلوح منه نور الرضى، ففتحه فإذا فيه خروق الفقراء، وطاقيات الأولياء مثل الشيخ مسعود الرهاوى، والشيخ يونس البيطار، والشيخ على الفاسى، وجماعة من الأولياء الكبار. وكان فى جملتهم إزار عتيق، ما يساوى خمسة دراهم. فقال: هذا يكون على جسدى، ألقى به ربى، فإن صاحبه كان من الأبدال. أقام بالرها يزرع قطعة زعفران يتقوت منها برهة من الزمان. وكنت أزوره وأعرض عليه المال يمتنع، فقلت له يوما: «أنا أعرض عليك المال ولا تقبل فأريد من أثرك شيئا أجعله كفنى»، فدفع إلىّ هذا الإزار وقال: «لقد أحرمت فيه عشرين حجة». وكان آخر كلام الملك الأشرف يقول: «لا إله إلا الله». وتوفى يوم الخميس رابع المحرم من هذه السنة. ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بالكاملية، فى جمادى الأولى، رحمه الله تعالى.
قال أبو المظفر: حكى لى الفقيه محمد اليونانى ببعلبك فى سنة خمس وأربعين وستمائة، عند عودى من بغداد، قال: حكى لى فقير صالح من جبل لبنان، قال: رأيت الأشرف بعد موته فى النوم، وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، مع جماعة من الأولياء، فقلت له: «يا موسى إيش تعمل مع هؤلاء، وأنت كنت تفعل فى الدنيا ما كنت تفعل». قال: فالتفت إلىّ وتبسّم وقال: «الجسد الذى كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم. والروح التى كانت تحب هؤلاء صارت معهم».
﵀.
ولم يخلف الملك الأشرف من الأولاد غير بنت واحدة تزوجها الملك الجواد
стр. 3424
مظفر الدين يونس بن مودود بن الملك العادل الكبير، وهو ابن عمها، وذلك لما ملك دمشق بعد وفاة الملك الكامل-حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
ثم لما ملك الملك الصالح إسماعيل-عمها-دمشق المرة الثانية، فسخ نكاحها من الملك الجواد بأنه أثبت عند الحاكم بدمشق أن الجواد حلف بطلاقها فى أمر وحنث فيه، ثم زوجها لابنه الملك المنصور، واستمرت فى صحبته إلى آخر وقت. وهذا الملك المنصور اسمه نور الدين محمود.
قال أبو المظفر: وكان قد عهد إلى أخيه إسماعيل الملك الصالح المعروف بأبى الخيش.
فلما انقضى عزاء الأشرف، ركب الملك الصالح المشار إليه فى دست السلطنة، وترجل الأمراء فى خدمته، وصاحب حمص إلى جانبه، والأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد-جدنا-قد حمل الغاشية بين يديه. ونزل القلعة، وأخلع، وأنعم، وأعطى. ثم توجه أسد الدين الملك المجاهد إلى حمص، والأمير عز الدين إلى صرخد.
هذا جرى والسلطان الملك الكامل يتجهز الجيوش أولا فأول إلى الشام.
ووردت الأخبار بوصول العساكر من مصر، فقسم الملك الصالح الأبراج على الأمراء وحصنها، وغلّق أبوابها، واعتد للحصار. وحضر الأمير عز الدين وأمر أن تفتح الأبواب. ثم جاء الناصر داود من الكرك فنزل المزّة. ونزل مجير الدين وتقى الدين القابون. ونزل السلطان الملك الكامل مسجد القدم. وأحدقت العساكر بالبلد من كل جهة. وقطع الكامل المياه عن دمشق، واشتد الحصار، وغلت الأسعار، وسدوا جميع أبواب البلد، خلا باب النصر وباب الفرج. ثم إن الصالح أحرق العقيبة والطواحين. ثم زحف الناصر داود إلى باب توما، وعلق النقوب،
стр. 3425
ولم يبق إلا فتحها. وأحرق الصّالح أيضا قصر حجاج، والشاغور، وأخرب خرابا كثيرا. وجرت قبائح كثيرة لا تشرح، حتى أحرقت أناس كثيرة فى منازلهم. فلما رأى الصالح عين الغلبة نفّذ إلى السلطان الملك الكامل يقول: «متى فتحتها عنوة قهرا أرميت النار فى أربع جوانبها، فأحرقتها جميعا، ولا لى ولا لك». وكان الكامل يتحقق منه قوة النفس والإقدام على كل شئ، فمشى الناس بينهم فى الصلح، وتقرر أن السلطان يعطى للصالح بعلبك وبصرى وسلمية.
ثم تسلم السلطان دمشق، ودخلها. فلما طلع القلعة ودخل دار رضوان، رأى فى الإيوان قبر أخيه الأشرف، فرفسه برجله وقال: «انقلوا هذا المكتفر أخ، الساعة الساعة»، فنقلوه إلى تربته فى الكلاسة.
وكان نزول السلطان على حصار دمشق ثالث وعشرين ربيع الأوا. ووقع الصلح يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى. وخرج إلى السلطان مستأمنا، فقربه.
وأقبل عليه وأعطاه ما وقع عليه الأيمان، والله أعلم.
стр. 3426
ذكر سنة ست وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير مؤيد الدين بن العلقمى بحاله.
والسلطان الملك الكامل بدمشق. وولده الملك العادل بمصر. والملك الصالح بالشرق. والملوك بحالهم، حسبما ذكرناه فى السنة الخالية.
وفيها توفى السلطان الملك الكامل، رحمه الله تعالى.
ذكر وفاة السلطان الملك الكامل
توفى إلى رحمة الله تعالى ليلة يسفر صباحها عن نهار الأربعاء، حادى عشرين شهر رجب الفرد من هذه السنة. ولا حضر أحد موتته من شدة هيبته، وإنما دخلوا عليه وجدوه ميتا. وكان قد مرض مدة عشرين يوما بالإسهال والسعال، ونقرس كان فى رجليه. ولم يحزن أحد عليه، ولا لبس عليه حداد، وإنما لحقت الناس بهتة.
وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو أكبر ولد الملك العادل. بعد مودود. وكان العادل قد عهد إليه، لما رأى من عقله وتدبيره وسداده. ووصل من عدله أن ركبدارا شكى أستاذه أنه لم يعطه جامكية ستة أشهر، فأحضر أستاذه، وأنزله عن فرسه، وقلّعه قماشه، وألبسها للركبدار، وألبس الجندى ثياب الركبدار،
стр. 3427
وقال: «احمل مداسه واخدمه ستة أشهر»، فشفع فيه حتى أعفى، وأعطى الغلام حقه، وزاده.
وكان إذا سافر لا يجسر أحد أن يتناول من فلاح بيضة ولا عليقة بغير حقها، وربما شنق من الجند على شئ من ذلك.
وكان لما مرض انقطع أياما، وشنع بموته. ثم انصلح قليلا، فأمر بالسّماط، فمدّ بين يديه، وجلس مجلسا عاما، وأمر بالدخول عليه. وفرح ذلك اليوم فرحا شديدا، وأخلع وأنعم، وأعطى. وتقدمت الأدباء والشعراء وامتدحوه. وأجاز جوائز سنية.
ثم نظر إلى ابن النابلسى، وهو بين يديه جالس، وهو يومئذ صاحب ديوان الإنشاء، فقال له: «وأنت ماذا تقول؟»، فأنشده على البديهة يقول:
ولما شكوت شكا كل ما ... على الأرض واعتلّ شرقا وغربا
وتاه بذاك قلوب الأنام ... ولم يبق للناس عقلا ولبا
لأنك قلب لهذا الزمان ... وهل صح جسم إذا اعتلّ قلبا
قال: فأعجبه ذلك، ووقع على كل سطر بمائة دينار. ثم انتكس من ليلته.
قال العدل عماد الدين يحيى الحسنى البصرى: حدثنى الخادم مجير الدين خادم السلطان الملك الكامل، قال: طلب منى السّلطان الطست ليتقيأ. قال: فأحضرته. وكان الناصر داود جالسا على الباب، فطلب الإذن للعبور إليه. فقلت للسّلطان: «داود على الباب». فقال: «ينتظر موتى!» وانزعج. فخرجت وقلت له: «ماذا أوقفك يا خوند؟» فقام وتوجه إلى دار أسامة، وكان نازلا بها. ثم جلست ساعة ودخلت فوجدته قد مات، والطست بين يديه، وهو مكبوب على المخدة، رحمه الله تعالى.
قال ابن واصل فى تاريخه: إن وفاة السلطان الملك الكامل فى سنة خمس وثلاثين.
стр. 3428
والذى نقلته فى جميع هذا التاريخ عن أبى المظفر محيى الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى، وفيه مناقضة لتاريخ ابن واصل.
قال ابن واصل: إن مدة مملكة الملك الكامل استقلالا بالديار المصرية وما معها -من حين توفى السلطان الملك العادل أبوه-عشرون سنة. وكان فيها نائبا عن أبيه فى حياته عشرين سنة أخرى. وأشبه حاله فى ذلك حال معاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه-فإنه ولى الشام أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة أخرى.
ثم اجتمع الأمراء، وهم: الأمير سيف الدين على بن قليج، والأمير عز الدين أيبك، والأمير ركن الدين الهيجاوى، والأمير عماد الدين بن موسك، والأمير فخر الدين وأخوه عماد الدين أبناء الشيخ، فتشاوروا، وانفصلوا على غير شئ.
وافترقت الأغراض والأهواء؛ فمنهم من أشار بالناصر داود، ومنهم من أشار بالجواد. وأشاروا على الناصر داود أن يخرج الأموال، ويرغّب الناس. وكان عماد الدين بن الشيخ يكره الناصر، فأشار بالجواد، ووافقوه الباقى، وأرسلوا الركن الهيجاوى يوم الجمعة يقولوا للناصر داود-وهو نازل بدار أسامة-: «إيش قعادك فى بلد القوم؟»، فخرج وركب، والعامة تظن أنه صاحب الملك، حتى خرج من باب الفرج، فصاح العامة: «لا! لا! لا!». وانقلبت دمشق، ووقع [بهاء الدين] ابن ملكيشو فى الناس بالدبابيس، وهو يومئذ والى دمشق، وهم لا يكادون يرجعوا.
ذكر تملك الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود
ابن السلطان سيف الدين الملك العادل لدمشق
قال أبو المظفر-﵀: ثم إن الملك الجواد لما اجتمعت آراء الأمراء عليه، فتح الخزائن، وأخرج الأموال، وحسب تقدير ما فرقه فكان ستمائة ألف دينار، وخلع،
стр. 3429
وأعطى، وبطّل المكوس والخمور. وأما الناصر، فإنه أقام بالقابون أياما، ينتظر الغوائل والفرصة، فأجمع الأمراء رأيهم على القبض عليه، فسير إليه فى الباطن عماد الدين بن موسك يعرفه، فرحل ونزل قصر حجاج، ثم قصر عفرا، وأقام.
فجردوا إليه عز الدين أيبك الأشرفى ليمسكه. فلما بلغه سار إلى عجلون، ثم سار من عجلون إلى غزة، واستولى على الساحل. فتجهز الملك الجواد، وخرج إليه فى عسكر مصر والشام، وقال للأشرفية: «كاتبوه وطمعوه»، ففعلوا واغترّ بذلك، فساق من غزة فى سبع مائة فارس بجميع خزائنه وأثقاله-وكانت على سبع مائة جمل-وترك عساكره منقطعة خلفه، وضرب دهليزه على سبسطية، والجواد على جينين. ثم ساق عليه الجواد، وأحاط بالناصر، فهرب فى نفر قليل إلى نابلس، وترك أمواله وأحماله، فأخذها الملك الجواد بأحمالها، واستغنى بها، وافتقر الناصر إلى آخر الأبد.
قال أبو المظفر: وبلغنى أن عماد الدين بن الشيخ وقع بسفط فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر مع فصوص ليس يعرف لهم قيمة فيعبر عنها، فدخل على الجواد، واستوهبه منه، فوهبه له. ثم سار الناصر لا يلوى على شئ حتى طلع الكرك. وكانوا قد أشاروا عليه أن ينفذ خزائنه إلى الكرك، ويتقدم، فإذا حصل له الغرض كانت الأموال قدامه، فلم يلتفت إلى مشورة من أشار، واغترّ بمكاتبة الأمراء الأشرفية، ولله فى خلقه أسرار خفية، وحكم مطوية. ثم توجه فخر الدين بن الشيخ إلى الديار المصرية، وبها يومئذ الملك العادل الصغير سيف الدين أبو بكر بن السلطان الملك الكامل.
واستقر الملك الجواد نجم الدين أيوب بن السلطان صلاح الدين ملكا بدمشق.
стр. 3430
وكذلك كل ملك على ما بيده من البلاد. وكان صاحب حمص خائفا من الملك الكامل بسبب اتفاقه مع الأشرف عليه. فلما توفى الكامل، كاد يجن من الفرح، وركب إلى الميدان، ولعب الأكرة. ولم تكن له بذلك عادة.
وأمّا صاحب حماة، فإنه لما بلغه موت الكامل انقطع ظهره، واشتد خوفه من صاحب حمص.
وفيها نزل عسكر حلب على المعرات وملكهما، واستولوا على تلك الأعمال.
ولمّا توفى الملك الكامل-﵀-كان الملك الصالح نجم الدين أيوب -ولده-بالشرق، وقد فتح سنجار ونصيبين والخابور. ثم إنه توجه إلى الرحبة، وهى يومئذ فى مملكة الملك المجاهد أسد الدين شير كوه صاحب حمص، فهو فى حصارها، وقد عزم أن ينتقل إلى حمص بمكاتبة كانت بينه وبين أبيه فى ذلك، إذ ورد عليه الخبر بموت السلطان والده، فرحل عنها. وخرجت الخوارزمية عن طاعته، ورجع هاربا إلى سنجار، ولله در قول العرب: «الخيل ترعى بالحصان المربوط». ثم إن الملك الصالح سيّر إلى بعض الخوارزمية واسترضاهم، وأنعم عليهم، وعادوا إلى خدمته.
وفى هذه السنة وقع الخلف فى سائر الأقاليم، شرقا وغربا.
وفيها اتفق الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب، مع الملك غياث الدين كيخسرو بن علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السلجوقى، صاحب الروم، على الملك نجم الدين أيوب. وخطب غياث الدين بنت الملك العزيز أخت الملك الناصر يوسف صاحب حلب، وأرسل رسله إلى الصاحبة الست خاتون والدة الملك العزيز، فوقع الاتفاق على ذلك. واجتمع الناس بقلعة حلب، وعقدوا عقد غازية خاتون على
стр. 3431
السلطان غياث الدين كيخسرو المذكور، وتولى العقد القاضى كمال الدين بن العديم، على مذهب أبى حنيفة-رضى الله عنه-وذلك لصغر سنّ الزوجة. ووقع العقد على صداق مبلغه مائة ألف درهم، ونثروا الذّهب والفضة، واللؤلؤ. وفى تلك الساعة وصلت البطاقة أن عسكر حلب أخذوا المعرات، فضربت البشائر بحلب. ثم سير الملك الناصر القاضى كمال الدين بن العديم رسولا إلى غياث الدين صاحب الروم، وكتب على يده توقيعا أنه قد أوهبه الرّها وأعمالها، وسروج وأعمالها، وملكها له تمليكا صحيحا شرعيا، وأشهد عليه فيه بذلك. وهذان البلدان لم يكونا تحت أمره ولا فى سلطانه، وإنما كانا فى مملكة الملك الصالح. فلما بلغ الملك الصالح ذلك صعب عليه، وحصل التنافس فى ذلك.
وفيها نزل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل على سنجار، وفيها الملك الصّالح، وحاصره، ولم يظفر بطائل. وسيّر الملك الصالح القاضى بدر الدين يوسف ابن الحسن إلى الخوارزمية، يستدعيهم إليه ويسترضيهم، وضمن لهم القاضى عن الملك الصالح كل ما يريدون منه، وأقطعهم البلاد، من جملتها حرّان والرّها وسروج، فعادت الخوارزمية إلى خدمته. فلما بلغ بدر الدين لؤلؤ ذلك من رجوع الخوارزمية إلى خدمة الملك الصّالح، هرب إلى الموصل، فتبعوه وكسروه كسرة شنيعة. ثم جهز لهم صاحب الروم جيشا كثيفا، فالتقوا معه أيضا، وكسروه، واستقام ملك الملك الصّالح بهم، وعظم شأنه، وخشيته الملوك.
وفيها خطب للسّلطان غياث الدين صاحب الروم بحلب، مع الناصر، وضرب اسمه على الدرهم والدينار مع اسم الملك الناصر.
وفيها حصل الاتفاق بين الملك الجواد صاحب دمشق والملك الصالح صاحب الشرق، بالمقايضة: دمشق بسنجار وعانة. وسبب ذلك أن الملك الجواد ضاق ذرعه وعجز عن القيام بمملكة الشام.
стр. 3432
قال أبو المظفر: قال الجواد: «أنا إيش أعمل بالملك؟ باز وكلب عندى خير من ملك الأرض». وكان أسد الدين قد جاء إلى دمشق، وأقام بها، وقتل عماد الدين ابن الشيخ بقلعة دمشق. وانحصر منه الجواد انحصارا عظيما. وكان الجواد يظهر أنه نائب العادل صاحب مصر. فلما قتل ابن الشيخ-فى حديث طويل السّبب- اختشى الجواد على نفسه من أسد الدين الملك المجاهد صاحب حمص، فخرج الجواد من دمشق بحجة الصيد، وضرب فى البرية، وسيّر كاتب الملك الصّالح نجم الدين أيوب، وسأله على المقايضة. وعلم صاحب حمص بذلك، فرحل من دمشق، ودخل حمص. وكان فى قلب الملك الصّالح منه قلوب وحقائد دفينة، لما جرى منه فى حق أبيه الكامل.
ودخل الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق فى العشر الأول من شهر جمادى الآخرة، والملك الجواد حامل الغاشية بين يديه. ثم حملها الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماة. واتفق أن سنجق الملك الصّالح انكسر عند باب القلعة، فتطيّرت الناس من ذلك. وكان فألا لما ناله الملك الصّالح بعد ذلك من تغلب إسماعيل الملك الصالح على دمشق، واعتقال الملك الصالح بالكرك، حتى فرّج الله عنه، وملك الأرض، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
قال أبو المظفر-﵀: ونزل الملك الصالح بالقلعة، ونزل الملك الجواد دار فرخشاه. ثم إن الجواد ندم على ذلك، فاستدعى المقدمين والجند، واستحلفهم.
وجمع الملك الصّالح أصحابه عنده بالقلعة، وأراد أن يحرق دار فرخشاه، فدخل جمال الدين [على بن] جرير فى الصلح بينهما، وخرج الجواد إلى النّيرب.
واجتمع الخلق على باب النصر يدعون على الجواد ويسبونه، ويشتمونه فى وجهه.
стр. 3433
وسبب ذلك أنه كان سلّط عليهم خادما يقال له الناصح، فأخذ أموال الناس باليد، وصادرهم، وضربهم بالسياط، وعلّقهم بأرجلهم، واستخرج منهم ستمائة ألف درهم.
فلمّا خرج الجواد من دمشق وقف الناس للملك الصّالح، فسيّر إليه يقول له:
«ردّ على الناس أموالهم»، فلم يلتفت لذلك. ومات والأموال فى ذمته.
وكان قبل ذلك-وقبل المقايضة-قد قبض الجواد على صفى الدين بن مرزوق وأخذ منه أربع مائة ألف دينار، واعتقله فى قلعة دمشق، فأقام ثلاث سنين.
حكى الشيخ إبراهيم المرزوقى قال: لما توفى السلطان الملك الكامل، وتولى الملك الجواد، وعاد لا يفعل شيئا إلا برأى الملك المجاهد صاحب حمص، استشعر صفى الدين بن مرزوق من الملك المجاهد أنه قاتله، لما كان بينهما من العداوة لما استوزره الأشرف، فصنع صفى الدين تابوت خشب، وترك فيه جواهر عظيمة، ولؤلؤا وفصوصا وياقوتا، لهم صورة كبيرة، وأظهر أن إحدى سراريه قد ماتت، وهى عزيزة عنده، وأنه يريد دفنها فى داره التى داخل مدرسة نور الدين الشهيد، بالقرب من الخواصين، التى تعرف اليوم بالنجيبة الشافعية. وفيها قبة، ولها شباك إلى الطريق.
ثم أطلع التابوت على رقاب غلمانه إلى الجامع، وحضرت كبار دمشق، وصلوا على الميتة التى زعم أنها فى ذلك التابوت، وعمل العزاء والمآتم. وانفصل الحال، وعاد المقرئ يتردد للقراءة على ذلك القبر الذى فيه التابوت. وسلم الصفى مفتاح القبة للشيخ إبراهيم المرزوقى-ناقل هذا الحديث-ثم مسك الصفى بعد ذلك بأشهر يسيرة، وأخذوا منه ما ذكرناه، واحتمل أمورا كثيرة، ولم يعترف بذلك التابوت، واعتقل بقلعة دمشق. فلما مضى على ذلك قليل، اختصم خادم كبير للصفى مع خادم صغير،
стр. 3434
فضرب الكبير الصغير، فتوجه لما حمله حنقه إلى القلعة، وقال: «معى نصيحة».
فدخلوا به إلى الجواد وأسد الدين الملك المجاهد، وأخبرهما بخبر التابوت. فبعثوا القاضى، والشهود، وأمير جاندار، وأستادار، وأخرجوا التابوت، وأحضروه بين أيديهم بختمه، ففتحوه، فطلع منه شئ يبهر العقول، من جواهره ولآليه وفصوصه، فأحضروا الجوهريين فقوموه بمائتى ألف دينار وستين ألف دينار. وكان قد أحضروا الصفى قبل ذلك، وحلف برأسيهما أنه لم يكن بقى له موجود. فلما طلع هذا التابوت، سلمه الجواد للملك المجاهد أسد الدين، وحكّمه فى دمه، فنفذه إلى حمص.
وفيها انقطعت الخطبة باسم الملك العادل صاحب مصر من دمشق، واستقرت باسم الملك الصالح نجم الدين أيوب. ثم وقع الصلح بين الملك الصالح وبين أسد الدين الملك المجاهد صاحب حمص، وحضر إلى خدمته بدمشق، وحضر الملك المظفر أيضا صاحب حماة.
وفيها توجه الملك الناصر صاحب الكرك إلى مصر، واتفق مع الملك العادل على الملك الصالح. ثم خرجت السنة.
стр. 3435
ذكر سنة سبع وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشر ذراعا، وخمسة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان بالديار المصرية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل.
وصاحب الشام الملك الصّالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل.
وصاحب الكرك الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى.
وصاحب حماه الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور، المقدم ذكره.
وصاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شير كوه، المقدم ذكره أيضا.
وصاحب بعلبك الملك الصّالح إسماعيل المعروف بأبى الخيش، المقدم ذكره.
وصاحب حلب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز بن الظاهر.
وصاحب سنجار الملك الجواد نجم الدين أيوب بن السلطان صلاح الدين.
وصاحب ماردين الملك المظفر قرا أرسلان، المقدم ذكره أيضا.
وصاحب الموصل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ النورى، المقدم ذكره.
وصاحب الجزيرة العمرية الملك المنصور محمد بن سنجر شاه، المقدم ذكره.
وصاحب الروم غياث الدين غازى كيخسرو بن علاء الدين كيقباذ.
والتتار جائلون فى أقطار الأرض، حيث سقطوا لقطوا، وإن حلوا.
وفيها هجم الملك الصالح إسماعيل دمشق وملكها. وسبب ذلك أن الملك الصالح نجم الدين أيوب كان قد توجه إلى نابلس، فاتفق الصالح إسماعيل، والملك المجاهد صاحب حمص، والأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، فإنه كان منحرفا عن
следующие страницы →